أدلته، إنما هو باختصار قضايا العدل والتوحيد، ولا بد أن كلام الحاكم هنا في تقسيم المعارف يعيد إلى الذهن ما عرضنا له من كلامه في التوحيد والعدل، وضرورتهما لمعرفة الشرائع والأحكام، حتى ليمكننا القول:
إن ميدان التأويل الحقيقي في تفسير الحاكم إنما هو الآيات التي تدل بظاهرها على خلاف العدل والتوحيد وما يتفرع عنهما من قواعد وأصول. على أن الحاكم لم يهمل النظر في آيات التشريع والأحكام في تفسيره- كما سنبين عند الكلام على فقهه وطريقته في كتابه- بل وقف أمام دلالات الآيات على الأحكام، وما يراه في ذلك أصحاب المذاهب الفقهية، غير أن وقوفه من مسائل حمل العام على الخاص، وحمل المطلق على المقيّد، وحمل المشترك على أحد معنييه أو معانيه ... وسائر مسائل التأويل في أصول
الفقه «١»، كان عابرا وبعيدا عما رسمه لنفسه من حدود التأويل، كما أنه لا يعطي صورة ما عن أي منهج مستقل أو متميز في هذا الباب، وما يزال الطابع الكلامي الواضح هو الذي يميز تفسير الحاكم ويحدد منهجه في التفسير والتأويل.
ثالثا: التأويل واللغة وأنواع المجاز
وقد قدمنا الكلام على عناية الحاكم الكبيرة باللغة في التفسير والتأويل، وأشرنا إلى أن هذه العناية ربما كانت ألزم له في باب التأويل منها في باب التفسير، لأن التفسير بظاهر اللفظ لا يحتاج إلى الكثير من الأدلة والشواهد اللغوية- اللهم إلا حين ينازع الخصم بهذا الظاهر- في حين أن العدول
стр. 282
عن الحقيقة إلى المجاز قد يحتاج إلى ذلك، لأن من شرطه ألّا يخل بعادة العرب في التجوز كما يقول ابن رشد، ولهذا كان نقل الكلام على جهة العبارة بطريقة لا تشهد لها المواضعة ولا عادة العرب في المجاز- على طريقة الباطنية مثلا- لا يحتاج إلى شيء من تلك العناية، كما أنه لا يمكن عده من التأويل في شيء لأنه مردود بظاهر اللفظ، ولهذا آثرنا بحثه في الفصل السابق دون هذا الفصل.
وأنواع المجاز التي ركن إليها الحاكم في التأويل، هي الأقسام الثلاث المشهورة: مجاز الزيادة، ومجاز الحذف، ومجاز التشبيه والتمثيل والوضع في غير موضعه «١»، واختلافه مع خصومه في الآيات التي يدخلها التأويل يعود إلى هذه الأقسام الثلاثة، حيث يذهب هو مثلا إلى أن في الآية مجاز حذف أو زيادة أو تمثيل .. ويذهب الخصم إلى التمسك بالظاهر.
ولهذا اشتد حرص الحاكم في مناقشته للخصوم على إبطال دعوى تمسكهم بالظاهر في كثير من الأحيان، وإثبات أن ما يفسرون به الآية إنما هو ضرب من ضروب التأويل، تمهيدا لإثبات أن تأويلهم ليس بأولى من تأوله الذي يجري فيه- كما أسلفنا- على قاعدته في التوحيد والعدل.
ونورد فيما يلي- من تفسير الحاكم- بعض الشواهد الدالة على ذلك، والمبينة لضروب المجاز في تأويله، ولعنايته الفائقة باللغة، وذلك قبل أن نستعرض طرفا من تأويلاته الهامة في باب العدل والتوحيد، التي نؤثر عرضها بحسب أبوابها الكلامية- دون أنواع المجاز فيها- والتي ستؤكد كلامنا عن الطريقة اللغوية عند الحاكم ﵀.
стр. 283
آ) استدل المجبرة- خصوم الحاكم- بقوله تعالى: (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) «١» على مذهبهم في أنه تعالى يصرف عن الإيمان، نقل الحاكم عن شيخه القاضي عبد الجبار أن تأويلهم هذا باطل لا يلتفت إليه، لأن «الظاهر» يقتضي أنه صرف قلوبهم! وليس في الآية أنه صرفهم عن إيمان أو عن غيره من الأفعال، فإذا ادعوا «أن في الكلام أمرا محذوفا فقد تعدوا الظاهر ودخلوا تحت التأويل» وليس أدل على فساد تأويلهم من أن الله تعالى لو أراد بذلك- كما زعموا- الكفر والمنع من الإيمان، لما جاز أن يجعله كالجزاء على انصرافهم!
ثم إن من مذهبهم أنه تعالى هو المبتدئ بالكفر، وأنه صرف قلوبهم عن الإيمان سواء أعرضوا عن سماع القرآن أم لم يعرضوا ... الخ.
ووجه التأويل عند الحاكم أنهم لما انصرفوا «عاقبهم الله على انصرافهم» فسمى العقوبة على الانصراف باسمه، من باب تسمية الشيء بسببه أو مقارنه، كما قال تعالى: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) وكما جاء في أقوال العرب: الجزاء بالجزاء، وليس الأول بجزاء .. إلى غير ذلك من الشواهد.
وقال الحاكم في قوله تعالى: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) إن فيه مجاز الزيادة، ومعناه: ويبقى ربك، فذكر الوجه تأكيدا، كما يقال: وجه الرأي، وليس ثمة جارحة، وأراد: حقيقته وصوابه.
وتمسّك المشبّهة بظاهر الآية لا يصح، لأن معناه: يبقى الوجه دونه!!
стр. 284
وذلك ليس بقول لأحد! «١».
ب) ومن مجاز التشبيه والتمثيل عند الحاكم: أخذ الميثاق في قوله تعالى: (وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) «٢»، قال الحاكم: أخذ ميثاقكم بما ركب في العقول، وأقام من الحجج الداعية إلى الإيمان «فكأنه أخذ العهد والميثاق». وقيل: الفطرة الدالة على الصانع كالميثاق الموثق. والمعنى: ما لكم لا تؤمنون والرسول يدعوكم إلى ما ركب الله في عقولكم من معرفة الصانع وصفاته؟
(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: إن كنتم ممن يرغب في الإيمان، أو إن كنتم بحيث لو اتضحت الأدلة آمنتم. وقيل: إن كنتم تؤمنون يوما من الأيام فآمنوا اليوم مع ظهور المعجز!
ونقل الحاكم، في تفسير قوله تعالى: (وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ) «٣»، وجوها كثيرة، ثم ذكر رأي أبي مسلم أن معناه: أزلنا عنك همومك التي ثقلت عليك من أذى الكفار بأن نصرناك عليهم، فشبّه الهموم بالحمل، والعرب تجعل الهمّ ثقلا، قال الحاكم: «وهذا أحسن ما قيل فيه».
ج) وقال في قوله تعالى: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) «٤»
стр. 285
إن معناه أن ما يصيب المرء من الآلام والأمراض والقحط والموت ونحوها مما هو من جهته تعالى، إنما هو (بِإِذْنِ اللَّهِ) أي بأمره، قال: «وهذا توسع، والمراد: أنه بفعله وخلقه» ليعلم الإنسان أن ما يصيبه من جهته تعالى يجب عليه الرضا بقضائه.
د) وفي قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا) «١» رفض الحاكم الأخذ بالظاهر- فعل أكثر المفسرين- وذكر فيها عدة أنواع من المجاز قال بها بعض المفسرين، ورجح هو مجاز الحذف- الذي رفضه في مثالنا الأول السابق- قال الحاكم:
«واختلفوا في معنى الآية، قيل: إنا عرضنا الأمانة، أي العبادات والتكاليف بما في أدائها من الثواب وفي تضييعها من العقاب. على السموات:
أي أهل السموات والأرض والجبال، كقوله: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) أي أهل القرية. وأهل السماء: الملائكة. وأهل الارض والجبال: الانس والجن.
(فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها): أي امتنعوا أن يخونوا فيها، والمراد: يحملن تضييع الأمانة، وأشفقن من ذلك، وحملها الإنسان بالتضييع فتركها وخانها. وقال الأزهري: يقال حمل الأمانة أي خانها، وحملها:
خيانتها، وكأن من أثم في شيء فقد «حمل» الإثم فيه». قال الحاكم:
وقيل- في تفسير: وحملها الإنسان- أي حمل المأثم فيها، كقوله:
(وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) أي: خطاياهم.
стр. 286
وقال أبو مسلم الاصفهاني ﵀: إن معنا (عرضنا) قابلنا ووازنّا، فإن عرض الشيء على الشيء ومعارضته سواء، والمعارضة والموازنة والمقابلة سواء. و (الأمانة): جميع ما عهد الله إلى عباده من أمره ونهيه وما بعث به الرسل وأنزلت فيه الكتب وأخذ عليه الميثاق.
قال أبو مسلم: فأخبر تعالى أن هذه الأمانة مع جلالة من بيّنها وعظم شأنها إذا قيست بالسماوات والأرض والجبال ووزنت بها وعرضت عليها، كانت هذه أثقل وأرزح. ومعنى (فأبين) أي ضعفن، يقال: أبى أن يحمل، أي: ضعف عن حمله. (وأشفقن منها) لأن الشفقة ضعف، وذلك يعتريه من الخوف. فهذه الأمانة التي من شأنها أنها أعظم من السموات والأرض، تقلدها الإنسان ثم لم يحفظها، بل خان فيها لجهله بمواقع الثواب والعقاب، ومن عادته الظلم على نفسه!
وقال بعضهم: الكلام في الآية على التقدير، أي: لو كانت السموات والأرض والجبال مع عظمها حية قادرة عالمة، ثم عرضت عليها هذه الأمانة بما قبلها من الوعد والوعيد، عرض تخيير، لخافت حملها لما فيه من الوعيد، وحملها الإنسان ولم يخف الوعيد لجهله وظلمه، قال: ونظيره: (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)، «وأخرجه مخرج الواقع لأنه أبلغ في التقدير».
قال الحاكم: وعندنا أن عرض الأمانة إنما كان على أهل السموات والأرض، وأن المراد بالعرض التكليف وبيان الحال، أي أنه بيّن الحسن والقبيح، وكلّف بالفعل والترك. وليس المراد به التخيير؛ لأنه تعالى إذا رأى أنه مصلحة تلزم العبد لا يخيره. وأما قوله تعالى:
стр. 287
(فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها) فلا يجوز أن يحمل على ما ذكره بعضهم أنه عدم القبول «لأن رد أمر الله كفر فلا يمدح عليه!» والمراد به ما بيناه:
أنهم خافوا فيها إذا حملوا وزرها. «وقد قال بعضهم إنه عرض تخيير وأنهم سألوا التخفيف خوفا من الوعيد!. وما قدمناه أولى لأن المصالح لا تقف على اختيارهم!».
هـ) وأخيرا فإن الحاكم قد يعتمد على اللغة في بعض الصيغ الخاصة لتسعفه في التأويل، مثل اعتماده على بناء الفعل للمجهول في التدليل على أن الذهاب الى أن الفاعل هو الله، تحكّم، وعلى أن الواجب ان ينسب إلى الله تعالى منه ما يصح عليه تعالى دون ما لا يصح- بحسب قواعده في العدل-، قال الحاكم في تفسير قوله تعالى: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ. قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) «١» إن معناه أنهم اشربوا حب العجل، كما ذكر ذلك قتادة وأكثر أهل العلم. قال: «فإن قيل: من
أشرب ذلك قلوبهم؟ قلنا:
لم يرد أن غيرهم فعل ذلك بهم، لكن لفرط ولوعهم به وإلفهم لعبادته أشربوا قلوبهم محبته، فألزموا ذلك، فذكر على ما لم يسمّ فاعله، كما يقال: فلان معجب بنفسه! وقيل: أشرب من زيّنه عندهم ودعا اليه، كالسامري وإبليس وشياطين الإنس والجن»
ثم رد على من زعم أن هذا العمل من بني إسرائيل كان بتزيين الله تعالى، فقال: «ولا يجوز ان يقال إن الله تعالى فعل ذلك، لأنه ذمهم
стр. 288
به وو نجهم، ولو كان ذلك فعله لما صح ذلك، ولأن تزيين عبادة الصنم قبيح قد نهى عنه وأوعد عليه فلا يجوز ان يفعله، ولأنه لو جاز أن يفعل ذلك بنفسه جاز أن يبعث رسولا يدعو اليه! وهذا فاسد».
وفسّر قوله تعالى: (بِكُفْرِهِمْ): بأنهم «لاعتقادهم التشبيه وجهلهم بالله وتجويزهم العبادة لغيره، أشربوا في قلوبهم حب العجل؛ لأنهم صاروا إلى ذلك، لهذه المعاني التي هي كفر. فأما من قال: فعل الله بهم ذلك بكفرهم مجازاة لهم فذلك غلط عظيم، لأن حب العجل ليس من العقوبة في شيء ولا ضرر فيه، ولا يجوز أن يخلق حب العجل لأنه قبيح يتعالى الله عن ذلك!».
وعنده في مسألة تزيين الاعمال أن المزين للأعمال القبيحة هو النفس والشيطان، وأن قول من يقول إنه تعالى زيّن لكل إنسان عمله من خير أو شر، باطل، يدل على ذلك أن أكثر ما ورد التزيين في القرآن منسوبا إلى الشيطان او مبنيا للمجهول، فلا يجوز إضافته إلى الله تعالى، قال الحاكم في قوله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً .. ) «١»
إن معناه: موّه عليه فرأى سوء عمله حسنا. ثم قال: «فإن قيل:
من زين له؟ قلنا: نفسه والشيطان وأقرانه، لأنه ليس في الظاهر أن المزين هو الله تعالى، أما نفسه فتميله إلى الشهوات والشبهات واتباع المألوف والإعراض عن النظر. وأما الشيطان فبإغرائه ووسوسته، وأما أقرانه فبالدعاء إلى اللذات والشهوات»
стр. 289
واكّد ذلك أيضا بذم مثل هذا التزيين في قوله تعالى: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً، وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ) «١» قال الحاكم: «إن قوله (وَزَيَّنَ) يدل على أنه تعالى لم يزين ذلك، لذلك ذم من زينه».
كما أكده بقوله تعالى: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) «٢» خلاف قول المجبرة إن المزين هو الله تعالى.
وقال في قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ ... ) «٣» الآية. إن المراد بالشهوات:
الشيء المشتهى «فالله تعالى زين منه ما يحسن، وزيّن الشيطان ما يقبح، على ما ذكره أبو علي واختاره القاضي».
رابعا: من تأويلاته في باب التوحيد والعدل
ونضيف من شواهده الدالة على منهجه العقلي في التأويل، بعض الأمثلة والشواهد الأخرى من آيات الصفات، والآيات التي قد تدل بظاهرها على خلاف مذهب الحاكم في «العدل» كلّ ذلك بالقدر الموجز الذي يومئ إلى منهج الحاكم في سائر آيات هذا الباب.
١ - في التوحيد وآيات الصفات
أ) الآيات التي توهم على الله تعالى المكان: قال تعالى:
стр. 290
(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ ... ) «١» قال الحاكم: أي أأمنتم عذاب من في السماء، عن جماعة ثم اختلفوا فقيل: كانت العرب تزعم أن الإله في السماء فقال:
أامنتم من في السماء، على زعمكم!. وقيل: أأمنتم من في السماء سلطانه وتدبيره، فإن تدابيره تكون في السماء ثم تنزل الى الأرض. وقيل: أأمنتم من في السماء عذابه، عن ابي علي. وإليه ذهب الحاكم.
وقال في قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ) «٢» إن معناه «تعبده الملائكة في السموات، ويعبده في الأرض المؤمنون .. »
وانه كرر «إله» تأكيدا، او لاختلاف العبادة والعباد في السماء والأرض.
قال: «وتدل الآية على نفي المكان!!».
وفسر «العندية» في قوله تعالى: (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) «٣» بالكرامة والمنزلة. وقال في قوله تعالى: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) «٤» أي: موضع قعود صدق، قيل: مجلس حق لا لغو فيه، وهو الجنة.
وقيل: وصف المكان بالصدق لكونه يدوم وغيره يزول. ومعنى (عند مليك) أي في علم الله صائرون إلى ذلك الموضع، كما قال أبو علي. وقيل:
ذلك المقعد مقعد صدق عنده لما هو عليه من دوام النعم.
قال الحاكم: «وقد فسرت المشبهة الكاذبة على الله هذه الآية بتفسير لا يشهد له ظاهرها ولا لهم عليه دليل في العقل والشرع، فذكروا
стр. 291
في قوله (عند مليك مقتدر) أنهم يحيون مع الجبار، وأنه يقعدهم معه على سريره، ورووا أن أهل الجنة يدخلون عليه كل يوم مرتين يقرءون عليه القرآن ثم ينصرفوا إلى رحالهم ناعمين .. إلى غير ذلك من الصورة والأعضاء والذهاب والمجيء، وأنه يحتجب أحيانا ويظهر أحيانا بصورة ملك، تعالى الله عن ذلك. وقد بينا أنه ليس بجسم، وأنه لا يجوز عليه المكان ولا شيء من صفات الأجسام!»،
ب) الآيات التي توهم عليه تعالى الجارحة «والجسمية»: قال الحاكم في قوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) «١» «أي: لئلا تقول يوم القيامة يا حسرتا على ما فرطت في طاعة الله، أو في حقه وأمره. وقال أبو مسلم: في الجانب الذي يؤدي إلى رضى الله وثوابه، المجانب للسبيل المضلة، قال: والعرب تسمى الجانب جنبا، قال الشاعر:
الناس جنب والأمير جنب
أي: الناس في جانب والأمير في جانب.»
وقال في قوله تعالى: (قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) «٢» قيل: خلقت من غير واسطة، عن أبي علي، قال الحاكم:
نحو قوله تعالى: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا). وقيل خلقته بقدرتي، عن أبي مسلم.
قال مجاهد: اليد هاهنا بمعنى التأكيد والصلة كقوله: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ).
стр. 292
وقال الحاكم: «ومتى قيل: هلا حملتموه على الجارحة كما تزعمه المشبهة؟ قلنا: الله تعالى ليس بجسم ولا يجوز عليه النقص، ولو أوجبت هذه الآية إثبات يدين، لوجب بقوله (أَيْدِينا) إثبات أيد!. ومتى قيل:
يده لا تشبه أيدينا! قلنا: فذلك ليس بيد معقولة!».
وذكر في قوله تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ) «١» تفسير ابن عباس أنه تعالى السيد المعظّم، أو الذي ليس فوقه أحد. وذكر أيضا تفسير أبي علي وأبي مسلم أنه «الذي يقصد إليه في الحوائج والرغائب، والمستعان به عند المصائب» وقال: «فأما ما قال بعضهم: الذي لا جوف له، فإن أراد أنه يستحيل ذلك عليه فهو صحيح، وإن أراد أنه جسم مصمت فيتعالى الله عن ذلك».
ج) الآيات التي تدل بظاهرها على المجيء والاستقرار وسائر صفات الأجسام: قال في قوله تعالى: (وَجاءَ رَبُّكَ) «٢» قيل: أمره وقضاؤه ومحاسبته، عن الحسن وأبي علي، وقيل: جلائل آياته، فجعل مجيئها مجيئه تفخيما لها، وقيل: جاء أمره الذي لا أمر لغيره معه، قال أبو مسلم: وذلك يكون يوم القيامة بخلاف حال الدنيا. قال الحاكم:
«ولا يجوز حمله على مجيء ذاته لأنه ليس بجسم فلا يجوز عليه المجيء والذهاب».
وقال في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) «٣» قيل: العرش
стр. 293
هو العرش المعروف في السماء. وقيل العرش: الملك. وقيل العرش البناء.
قال الحاكم: «فمن قال العرش هو المعروف جماعة منهم أبو علي:
اختلفوا في معنى الآية، قيل معنى الاستواء عليه: كونه قادرا عليه وعلى خلقه وإفنائه وتصريفه، قال البغيث:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق
وقال آخر:
فلما علونا واستوينا عليهم ... تركناهم صرعى ... وكاسر!
أي: استولى، والمعنى: ثم رفع العرش إلى السماء وهو مستول عليه، أي قادر مالك، عن أبي علي، وقيل: «على» بمعنى «إلى» يعني:
لما خلق السموات والأرض استوى إلى العرش فخلقه، والاستواء بمعنى القصد كقوله: (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ).
وأما من قال: العرش الملك، قال: يقال عرشه أي ملكه، والمعنى أنه بعد خلق الأشياء قادر عليها يصرّفها كما شاء، مالك لجميعها خلاف قول المجوس، عن أبي القاسم البلخي. وأما من قال: العرش البناء، قال:
ومنه (وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) أي يبنون، والمعنى: ثم قدر على بناء ما خلق كما أراد، عن أبي مسلم. قال الحاكم: «ولا يجوز حمله على أنه استقر على العرش لأن ذلك من صفات الأجسام».
٢ - في العدل
أما تأويلاته في باب العدل فكثيرة جدا تبعا لكثرة آياته وموضوعاته، وإن كانت المبادئ والقواعد التي تخرّج عليها تكاد تكون ثابتة معروفة.
стр. 294
وقد اخترنا الحديث عن تأويلاته في هذه الموضوعات الثلاثة: المشيئة، الختم والطبع، الهداية والضلال- التي تتصل بمسألة حرية الإرادة عند الإنسان ونفى القبيح عن الله تعالى- إلى جانب بعض مسائل الوعيد.
ونقدم لذلك أولا ببعض تأويلاته العامة الموجزة في هذا الباب:
قال في قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) «١»: إن من أعرض عن ذكر الله تعالى يخلي الله تعالى بينه وبين الشيطان، فيصير قرينه عوضا عن ذكر الله. «وإنما جاز التخلية لما علم أنه لا يفلح، وإن لم يكن الشيطان له قرينا. وقيل:
يقرنه في الآخرة ليذهب به إلى النار؛ عن قتادة، كما أن المؤمن يصير قرينه ملك يذهب به إلى الجنة».
وقال في قوله تعالى: (قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) «٢» إنهم بعد أن أقدموا على إبراهيم ﵇ منكرين:
(فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ) حملوه إلى بيت أصنامهم وقالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟! فأجابهم على وجه الحجاج: أتعبدون ما تنحتون؟
يعنى كيف ترضون لأنفسكم أن تنحتوا أصناما من خشب ثم تعبدونها وتتركون عبادة خالق الأشياء، والله خلقكم أيها القوم وما تعلمون؟ أي:
ما تعملون فيه وهي الأصنام. قال الحاكم: «ولم يرد أعمالهم لأن المعبود هو الخشب دون عملهم، ولأنه احتج عليهم فلا يجوز أن يورد الحجة لهم!!
стр. 295
ولأنه أضاف إليهم عملا، ويقال: فلان يعمل بابا والمراد يعمل فيه، وعلى هذا (تَلْقَفْ ما صَنَعُوا) وإنما تلقف المصنوع!».
أ) المشيئة: تابع الحاكم شيخه أبا هاشم في حمل الآيات الدالة على أن الله تعالى لو شاء لآمن جميع من في الأرض أو لاهتدوا وذكروا، وتأويليها على أن المراد بها مشيئة الجبر والإلجاء، قال في قوله تعالى:
(وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) «١» إنه تعالى لو شاء لآتاهم الهدى جبرا وإلجاء «إلا أن فيه إبطال التكليف وفساد التدبير، فاختار أن يخيرهم ويخلى بينهم وبين أفعالهم ليدخل المؤمن الجنة، وتمتلئ النار من المستحقين للعذاب».
وقال في قوله تعالى: (فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ، وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) «٢» بأن من شاء ذكره واتعظ به، ولكن لا يتدبرون فيه إلا أن يشاء الله! قال الحاكم: «وهذه المشيئة غير الأولى إذ لو كانتا واحدة لتناقض! فالأولى مشيئة اختيار، والثانية مشيئة إكراه وإجبار، يعني: هؤلاء الكفار لا يجبرون إلا أن
يجبرهم الله تعالى على ذلك. وقيل: لا يذكرون الله ذكرا يستحقون به الثواب، والله تعالى لا يشاء الثواب للكافر إذا لم يشأ الكافر لنفسه، إذ لو شاء لأطاع، فإن الثواب بنفس المشيئة لا يحصل، وإنما يكون بالطاعة، فإذا لم يطيعوا لم يشأ الله ثوابهم».
стр. 296
ب) الختم والطبع: وقال في الختم والطبع على القلب بأنه سمة وعلامة جعلها الله في قلوب الكفار، وأنه- أي الختم- لا يمنع من الأيمان، أو يسلب القدرة عليه التي أعطاها الله تعالى لجميع المكلفين، قال في قوله تعالى: (فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) «١» بأنه وسم عليها سمة الكفر بأنهم لا يؤمنون أبدا لتعرف الملائكة حالهم عقوبة لهم، كما قال أبو علي.
وقيل: لما ألفوا الكفر والعناد واعتادوا التكذيب ولم يصغوا إلى الحق ولم يفكروا في العواقب، خلّاهم واختيارهم وخذلهم، فصار ذلك طبعا على قلوبهم، قال أبو مسلم: وهو إلفهم ما اعتادوه من الكفر.
وقال الحاكم في قوله تعالى: (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) «٢» إنه يدل على أنه تعالى جعل في قلوب الكفار سمة وعلامة.
قال: «ولا يقال إنه يمنع من الإيمان لأنه بمنزلة الخبر أنه لا يؤمن، ولأنه- أي المكلف- قادر على الإيمان، ولأنه جعل الطبع عقوبة على الكفر، فدل على أنه غير الكفر!».
وحمل «الغشاوة» في قوله تعالى: (وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً) «٣» على التشبيه، وفسر الغشاء بالغطاء، قال «يعني: يصير كأنه كذلك من حيث لا يبصر الخير، تشبيها، على ما ذكره أبو علي».
стр. 297
وقال في قوله تعالى: «أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ) «١» إن معناه أن من لا يبصر الحق بمنزلة الأعمى والأصم، فكما يتعذر إدراك الأعمى وإسماع الأصم، كذلك يتعذر عليك إهداء هؤلاء لأنهم لا يتفكرون ولا ينظرون ولا يسمعون».
ج) الهداية والضلال: أما موضوع الهداية فمن أخطر مسائل العدل، وقد اختلف حوله المفسرون والمتكلمون كثيرا، واشتد تعصب بعضهم لتأويله هذا النوع من الآيات في القرآن على نحو واحد، حتى زعم أبو الحسن الأشعري- مثلا- أن قوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى) إنما يقصد به المؤمنين من ثمود وحدهم، وأنه لم يهد ثمود أجمعين «٢»!
والحاكم- ﵀ يميز في القرآن بين أنواع عدة من «الهداية» تمهيدا لمذهبه في تأويل طائفة معينة من هذه الآيات.
١) فهناك هداية التقدير والدلالة، وهي عامة، قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى) «٣». أي قدّر الخلق على ما خلقهم من الصور والهيئات، وأجرى لهم من أسباب المعاش، وهدى بذلك إلى معرفة توحيده. وقيل: قدر الآجال والأرزاق وهدى إلى التوحيد بإظهار الآيات.
٢) وهداية التكليف، قال تعالى:
стр. 298
(إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) «١» أي بينا له الطريق بنصب الأدلة وإزاحة العلة، حتى يتمكن من معرفة الحق والباطل ويصح الابتلاء. قال الحاكم: «ومتى قيل: ما هذه الهداية؟ قلنا: أدلة العقل والشرع عم بها جميع المكلفين، و «السبيل» هو طريق معرفة الدين، الذي يتوصل به إلى ثواب الأبد، ويلزم كل مكلف سلوكه».
٣) وتأتي الهداية بمعنى الثواب والأخذ بالعبد إلى طريق الجنة، قال تعالى: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ) «٢» لأن بعد القتل لا تكون الهداية إلا كذلك.
٤) وربما جاءت الهداية بمعنى الجزاء على اهتدائهم بأنفسهم، قال تعالى:
(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) «٣» والمعنى: أنه يزيدهم تعالى أدلة يشرح بها صدورهم، ويقوّي بصيرتهم، ويثبتهم على الدين.
فاذا كانت الهداية في القرآن تنصرف إلى هذه الوجوه، وكان معناها في اللغة: الدلالة والبيان لا خلق الإيمان في قلب المؤمن كما زعم بعضهم، فالحاكم يجد في ذلك مجالا لتأويل الآيات التي تدل بظاهرها على أن الله تعالى هو الخالق للإيمان في قلب المؤمن، والخالق للضلال في قلب الكافر، أو التي تدل على أنه اختص بهذه الهداية مكلّفا دون آخر، قال في قوله تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ، وَمَنْ يَهْدِ
стр. 299
اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ) «١»: إن من يجده ضالا فما له من هاد ما لم يهتد بنفسه. وقيل: من يضلل الله عن طريق الجنة والثواب لا يهديه إليها أحد.
وقيل: من يحكم بضلاله ويصفه بأنه ضال لا يصفه أحد بأنه هاد. وكذلك من اهتدى بهدي الله تعالى لا يضله أحد. أو من حكم تعالى بهداه أو الأخذ به إلى طريق الجنة والثواب، لا يضله عن ذلك أحد. قال الحاكم:
«ولا يجوز حمله على أنه يضل عن الدين لأنه يقبح ولا يجوز عليه تعالى، وقد أضاف الله تعالى الضلال إلى الكفار والشياطين، فقال: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى) وقال: (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) وقال:
(وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً) فأضاف الضلال إلى هؤلاء».
والتأويلات التي ذكرها الحاكم في آيات الهدى لا تخرج عن الحمل على:
اللطف والهداية إلى الجنة، والحكم بها على طريق المدح، أو أنهم لما انتفعوا بالهداية صارت الهداية كأنها لهم دون غيرهم، نحو قوله تعالى:
(هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) و (أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ)، كما أنه حمل مسألة الضلال على: التخلية وسوء الاختيار، والمنع من الألطاف، ووصفهم بالضلال على طريق الحكم، أو الأخذ بهم عن طريق الجنة ونيل الثواب. وذكر في الهداية- في قوله تعالى (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) «٢» وجها آخر: هو أن النبي لا يقدر على أن يجبرهم على الهداية، وأن ذلك ليس في وسعه أو مما كلف به. ولا يمكن أن تكون الهداية
стр. 300
عين الإيمان والله تعالى يقول: (أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ). «١»
على أن أكثر هذه التأويلات دورانا في تفسير الحاكم- ولعله ما يرجحه- إنما هو الحمل على الألطاف والتوفيق، وقد قال في غير موضع إن إضافة الهدى إليه تعالى «من حيث كان بتوفيقه وألطافه وآلائه وأمره» جل وعلا. قال: «وذلك يدل على صحة مذهب العدل، وبطلان الجبر!!» «٢».
د) في الوعيد: ومن تأويلاته الهامة في الوعيد- أحد مسائل العدل التي سلكت في الأصول كما قدمنا- ما ذكره في قوله تعالى:
(فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى) «٣» قال: قيل:
لا يدخلها ولا يعذّب بها، عن أبي علي. وقيل: لا يصير صلاءها أي وقودها؛ عن أبي مسلم. (إِلَّا الْأَشْقَى) أي: هو موضعه والمعذب فيه. أما المراد بالاشقى فقد قيل: الشقي، قال الشاعر:
تمنّى رجال أن أموت فان أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أي بواحد. وقيل: المراد أشقى العصاة، وهو الكافر الذي كذب بالله ورسوله وتولى وأعرض عن طاعة الله وطاعة رسوله. قال الحاكم:
«ومتى قيل: يجب أن تكون النار موضع الكفار دون غيرهم من الفساق لأنه إثبات ونفي، فلو دخلها غيرهم لم يكن للإثبات والنفي معنى! قلنا:
عن هذا أجوبة:
стр. 301
أولها: أن قوله (ناراً) نكرة في الإثبات، والنيران دركات فيجوز أن يكون أراد نارا يختص بعذابها الكفار، عن أبي علي، وقد قال تعالى: (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) وقال: (لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ).
وثانيها: أن النار أضيفت إليهم لأنهم أكثر أهلها وأولاهم بها، وهم المقصودون بها، كقوله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ).
وثالثها: أن فيه بيان أن الأشقى يدخلها، أما غيره فموقوف على الدليل، ولا يمتنع دخول غيره كقوله: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى)، ثم إن الفاسق ليس بأتقى ويتجنبها عنده! ولأنه لو كان استثناء حقيقة- على ما يزعمه- لوجب القطع على أن الفاسق لا يدخل النار، وفيه خلاف الإجماع، وإغراء بالمعاصي، بل إباحتها، وذلك لا يصح، ولأن البخيل والعاصي يخوف بالنار، فإما أن يقال هم كفار، وذلك لا يصح، أو يقال: غير مخوفين، وذلك خلاف الإجماع ... ».
قال الحاكم: «وأحسن الوجوه هو الأول».
وقال في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) «١» إنه لا يدل على نفي ثالث، وهو الفاسق، بل هو مسكوت عنه، وإنما الغرض بالآية ذكر الطرفين على ما ذكره أبو علي. وقيل: أراد: فمنكم جاحد ومنكم مقر، عن الأصم. وحكى عن الحسين: ومنكم منافق إلا أنه داخل في قوله: (فَمِنْكُمْ كافِرٌ) قال الحاكم: والوجه ما قاله أبو علي.
стр. 302
وقال في قوله تعالى: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) «١» انه تعالى يغفر بشرط التوبة والإيمان- على ما علم من آيات أخرى- ويعذب من يشاء بترك الإيمان والطاعة والإصرار على الكبائر. وقيل: أراد بهذا بيان قدرته، أي هو قادر على أن يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، ولكن لا يفعل إلا الحكمة، فيغفر للمؤمنين ويعذّب الكافرين.
خامسا: منهج الحاكم في التأويل بين اللغة والعقل
هذا طرف من شواهد الحاكم في التأويل في ميدانه الحقيقي عنده، وتلك هي عنايته الكبيرة باللغة واعتماده عليها في التأويل والتفسير جميعا- كما أوضحنا ذلك في هذا الفصل والفصل السابق- ولا بد لنا هنا من كلمة نصف بها هذا المنهج قبل أن نقف على آثاره في كتاب الحاكم:
يلتقي الحاكم مع أسلافه من مفسّري المعتزلة في أصوله الفكرية التي يصدر عنها في التأويل، وربما لا يختلف معهم في ذلك إلا في بعض النقاط والأمور الفرعية، أو في تشدده في بعض المسائل. كما يلتقي معهم أيضا في عنايته الكبيرة بموضوع اللغة في تفسير القرآن. والوصف الجامع الذي ينطبق على منهجه في التفسير والتأويل- وإن شئت قلت: التأويل، حيث يبدو أثر المناهج أكثر وضوحا- ينطبق عليهم كذلك.
ونستطيع أن نصف هذا المنهج الذي يتخذ فيه العقل والمقدمات العقلية- كما رأينا- أساسا للتأويل بأنه «المنهج العقلي في التفسير».
وربما وصف بعضهم هذا المنهج بأنه: المنهج اللغوي في التفسير، لما يجده من عناية المعتزلة الفائقة باللغة في التفسير والتأويل.
стр. 303
والذي نراه أن «اللغة» لا تعدو أن تكون «الأداة» التي أعانت المعتزلة على تأويلاتهم، كما رأينا ذلك في تفسير الحاكم، ولكنها لم تكن- على أي تقدير- الحامل لهم على هذا التأويل أو الباعث عليه، وهم في عنايتهم هذه باللغة يلتقون مع كثير من مفسري الأشاعرة وأهل السنة، كالراغب الأصفهاني وأبي منصور الماتريدي، ومع ذلك فإن اختلاف المناهج يبقى ظاهرا بينهم وبين هؤلاء، على تفاوتهم في سلوك التقادير البعيدة والمجازات المعقدة في كثير من الأحيان.
وعندنا أن اختلاف المناهج وتمييز منهج الحاكم وسائر المعتزلة لا يمكن الوقوف عليه من خلال ثقافة المعتزلة اللغوية الكبيرة، وحسن إفادتهم من هذه الثقافة في التفسير والتأويل، سواء في ذلك إحاطتهم بفقه اللغة، وقواعد النحو والاعراب، ووقوفهم على شواهد لا تحصى من شعر العرب «١» .. وإنما يمكن الوقوف عليه من خلال مجموعة الأصول والقواعد التي يسير عليها المفسر، والتي كشفنا عنها عند الحاكم.
ولعل منهج المعتزلة في التفسير- بعامة- تفسره وتبين مدى اختلافه
стр. 304
عن مناهج كثيرة أخرى، مثل هذه الكلمة العابرة التي نقلها الحاكم في ترجمته لجعفر بن مبشّر من رجال الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة، «قال الخياط: سألت جعفر بن مبشر عن قوله تعالى: (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ)، وعن الختم والطبع، فقال: أنا الآن مبادر إلى حاجة! ولكني ألقي إليك جملة تعمل عليها: اعلم أنه لا يجوز على أحكم الحاكمين أن يأمر بمكرمة ثم يحول دونها، ولا أن ينهى عن قاذورة ثم يدخل فيها! ثم تأوّل الآيات بعد هذا كيف شئت!» «١».
ولهذا يمكننا القول: إن الخلاف في التأويل بين المعتزلة، كما رأينا صورة ذلك في كتاب الحاكم، إنما كان اختلاف تنوع، كل يحمل الآية على وجه أو مبدأ يوافق أصولهم المشتركة، بعد أن يخرج بها من الظاهر إلى المجاز، وربما اكتنف الغموض هنا شخصية الحاكم المفسر حين نراه يذهب في هذه الوجوه العديدة- في مواطن كثيرة- إلى القول بأن الكل محتمل!
على أن ما أسعفت به اللغة الحاكم وشيوخ الاعتزال من قبله، في التفسير والتأويل- كما نطالع ذلك جليا في كتاب الحاكم وكتب شيخه القاضي عبد الجبار- بدون تعسف أو شطط في أكثر الأحيان، يمكن أن يسهم في الحكم على منهجهم بأنه لم يكن قولا بالهوى، أو تأويلا بالباطل، كما يحاول خصومهم أن يزعموا ذلك. وأقرب ما يمكن أن نصف به هذا المنهج بأنه منهج متكامل لا ينقض فيه أصل بفرع. أما الحكم عليه بالصحة
стр. 305
أو الفساد فذلك فرع عن الحكم على آرائهم في أمور كثيرة، أهمها نظرتهم الخاصة- المتقدمة- إلى معرفة الله تعالى وصفاته، أو نظريتهم في «المعارف» بعامة، وإن كنا نشك في سلامة «استقلال» العقل بمعرفة الله تعالى وصفاته على النحو الذي لا بد منه ابتداء عند المعتزلة! - والموضوع جدير بأن يفرد بالبحث «١» - كما أن هذا المنهج لا يخلو من بعض الثغرات الكبيرة، كالإفراط في قياس الغائب على الشاهد، وتطبيق الاعتبارات الإنسانية في الأمور الإلهية- مما يؤخذ على المعتزلة في الغالب- إلى جانب عدم تفريق كثير من أصحاب هذا المنهج بين ما يقضي العقل ببطلانه، ولو بحسب قوانين عالم الشهادة، مثل مسألة الرؤية، وبين ما لا سبيل له إلى الحكم عليه، لأنه مما لا يدخل تحت الحواس، ونتوقف معرفته على الخبر، مثل عذاب القبر والمعراج ونزول عيسى، مما أنكره بعضهم! حتى أنكر عليهم ذلك مفسرنا الحاكم الذي كان فيما يبدو شديد التفريق بين هذين الأمرين.
وبعد، فإن هذا المنهج العقلي، وما يلازمه من ثقافة كلامية واسعة قد تركا في تفسير الحاكم أثرا واضحا، كما سنتحدث عن ذلك في الفصل التالي.
стр. 306
الفصل الرّابع أثر منهجه العقلي وثقافته الكلامية في تفسيره
ولقد ترك هذا المنهج الكلامي العقلي أثره البارز في تفسير الحاكم، لا من حيث العناية الخاصة بآيات العدل والتوحيد- دلالة وتأويلا- فحسب، بل من حيث العناية بكثير من المصطلحات الفلسفية والتعريفات الكلامية، إلى جانب التركيز على بعض المبادئ الهامة التي يركن إليها في التأويل، ويستشرف دائبا إلى تلمس الدلائل عليها من آي الكتاب، ويعنينا هنا أن نتبين آراء الحاكم في مسائل الغيب وفي بعض الأمور والمسائل الأخرى مما انشعبت حوله كلمة المعتزلة وتباينت تفاسيرهم، لنتبين مدى استقلال الحاكم في الرأي، على نحو ما رأينا عند الكلام على موقفه من تفسير السلف، ومن مسألة الأخذ بالظاهر، وما رده- في جميع ذلك- من آراء بعض مفسري المعتزلة قبله. وقد رأينا أن نعرض باختصار لأهم آثار هذا المنهج من خلال النقاط التالية: اللطف، النبوة والأنبياء، عالم الغيب، الأرزاق والآجال، تعريفات وأمور فلسفية.
أولا: مبدأ اللطف
عرّف الحاكم اللطف بأنه «ما يختار عنده المكلف ما كلّف من أخذ
стр. 307
أو ترك، ولولاه لكان لا يختار، أو ما يكون أقرب إلى هذا الاختيار».
قال الحاكم: «فكأنه إذا كلّف فلا بد من أمرين: أحدهما ما يتمكن به من الفعل، والثاني: ما عنده يختار أو يقوى اختياره، فسمينا الأول «تمكينا» وهو الذي لا بد منه في فعل ما كلف، نحو القدرة والآلات، وسمينا الثاني «لطفا» لأن الفعل يصح على الوجه الذي كلف، دونه، لكنه إذا كان وحصل يصير حاله في دواعيه بخلاف ما لو لم يكن، أو كان ذلك خلقا لله تعالى، والقدرة الحاصلة قدرة على شيء واحد، وهي موجبة له، فالفعل موقوف على الخلق والقدرة، ولا معنى للطف ولا اختيار للعبد» «١».
ومن هنا جاء استدلاله بكثير من الآيات على هذا المبدأ في وجه المخالفين فيه من المعتزلة- الذين يسميهم أصحاب اللطف «٢» - دون خصومه من المجبرة الذين لم يعرض لهم هنا في محل واحد، إذ لا معنى لمكالمتهم في اللطف وعندهم أن الفعل خلق لله تعالى ولا اختيار للعبد!
стр. 308
قال في قوله تعالى: (وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ. وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) «١» إن الآيات تدل على أن الدنيا لا تنال بالاستحقاق، وإنما هي قسمة على حسب الصلاح. وتدل على اللطف لأنه تعالى بين أنه قصد بما قسم الإصلاح. وتدل على أنه لا يفعل المفسدة وما يدعو إلى الكفر.
قال الحاكم: «ومتى قيل: إذا قلتم إنه لا يفعل ما عنده يكفر لأنه مفسدة! أو ليس قد أعطى القدرة والآلة التي عندها يكفرون؟ قلنا: ذلك تمكين به يتمكن من الإيمان أيضا وليس بمفسدة.
«ومتى قيل: فهلا فعل اللطف ليؤمنوا؟ قلنا: لأنه لا لطف لهم.
ومتى قيل: أليس هو تعالى قادر على كل شيء فكيف لا يلطف؟ قلنا بلى، ولكن هذا الكافر لا لطف له، ولو كان له لطف في المعلوم لفعل.
«ومتى قيل: أليس أصحاب اللطف يزعمون ذلك؟ قلنا: بينا بطلان قولهم إنه لو كان لطفا لهم «٢» ولم يفعله لقبح منه، ولكان نقضا للغرض، ولكان بمنزلة منع التمكين والآلات!!».
وقال في قوله تعالى:
стр. 309
(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) «١» «إنه يدل على قولنا في اللطف لأنه بين أنه يفعل بكل واحد ما هو أصلح».
١ - ويرى الحاكم في الآيات الدالة على الحساب وأن أعمال الإنسان مكتوبة عليه، وفي الآيات الدالة على الوعد والوعيد: أنه تعالى إنما ذكرها لطفا للمكلف حتى يحمله على الطاعة، وينأى به عن المعصية، كما يرى ذلك فيما يبدو في جميع الآيات التي عرضت لمشاهد القيامة في القرآن. قال في قوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ) «٢» انه يدل على أن للعباد حفظة يكتبون أعمالهم. قال: «وفيه لطف للمكلفين يمنع عن المعاصي».
стр. 310
وقال في قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) «١» إن فيها كذلك لطفا للمكلف لأنه إذا «تصور ذلك امتنع عن القبيح».
وقال ذلك أيضا في قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ... ) «٢» الآيات، وسائر الآيات المشابهة لها.
ومما يدخل عنده في هذا الباب أيضا: الآيات التي تعرض لأحوال بعض الأمم والأشخاص المتقدمين، وتذكّر بأحوالهم، قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ... ) «٣» قال الحاكم: «تدل الآية على أن العلم بأحوال من تقدم لطف للمكلفين».
وقال في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ. إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) «٤» إن قوله «بخالصة» يدل على أنه تعالى يلطف بعباده في أمور دينهم حتى يصيروا مخلصين، وإن ذكر الدار لمن الألطاف، لأن المكلف إذا تصورها رغب في فعل الطاعات واجتناب المعاصي.
٢ - والأمر الهام في موضوع اللطف في تفسير الحاكم: أنه يحمل عليه آيات التوفيق والسكينة والنصر وشرح الصدر والتثبيت «٥» وآيات أخرى
стр. 311
كثيرة في باب العدل كما رأينا عند الكلام على التأويل.
قال في معنى «السكينة» في قوله تعالى: (فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ) «١» إنها اللطف المقوّي لقلوبهم والطمأنينة.
وفسّر شرح الصدر في قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) بأنه «الألطاف التي ترد عليه من الله من تقوية قلبه ونصرته ووعده ... » «٢».
وقد خرّج عليه أيضا قوله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ... ) «٣»
كما فعل شيخه القاضي، فقال: إن من يرد الله أن يهديه إلى الثواب في الآخرة يلطف له في الدنيا بضروب من الألطاف فينشرح صدره للإسلام، ومن يرد عقابه يفعل فيه ما يقتضي ضيق صدره بما هو فيه من ورود الشبه والشكوك، وهذا لا يخرجه من أن يكون تعالى قد أراد منه الإيمان؛ لأن شرح صدر المؤمن يثبته على إيمانه، وضيقه على الكافر يجعله أقرب إلى ترك الكفر، لأن من ضاق بشيء وتحير فيه طلب التخلص منه!!.
وفسر «التوفيق» بأنه اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة. ونعى على المجبرة هذه المرة قولهم إن التوفيق هو خلق الطاعة «٤»، لأنه إنما سمى توفيقا لوقوع الطاعة بسبب اللطف وتأثيره؛ من قولهم: وافق فلان فلانا
стр. 312
إذا ساواه في مذهبه، وقد قال تعالى: (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ).
وقال في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) «١» ان معناه: ينصركم ويثبت أقدامكم بألطافه- في الدنيا والآخرة لعموم الكلام- بتقوية قلوبكم.
وقد استقصى في قوله تعالى: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) «٢» معاني النصر والخذلان، ولكنه لم يذهب الى القول بأنه تعالى يوصف من حيث لم يفعل اللطف في المؤمن بأنه خاذل له، لأن الخذلان عقوبة. ومنع اللطف لا يكون عقوبة لجواز أن يكون مؤمن لا لطف له!، قال: «وأما الخذلان فعند جماعة من أهل العدل: أنه منع اللطف ممن المعلوم أنه لا لطف له.
فأما عند شيخينا رحمهما الله فهو عبارة عن لعن الكفار وذمهم والأمر بذلك، كما أنه تعالى ناصر المؤمنين بمدحهم وتعظيمهم فخاذل الكفار بلعنهم وذمهم. والخذلان يجري مجرى العقوبة، ولذلك يذم الانسان بأنه مخذول. ووقوع الغلبة على الكفار خذلان من حيث يجري مجرى العقوبة، وإن كان وقوع الغلبة على المؤمن لا يسمى بذلك وإنما يسمى محنة وابتلاء. فأما منع اللطف فلا يكون عقوبة لجواز أن يكون مؤمنا لا لطف له!».
стр. 313
وقد دقق ابن المرتضى ﵀ النظر في هذا الكلام للحاكم، ثم نقضه ورده على القائلين به من أهل العدل، ولكنه أطلق القول- متجوزا بعض الشيء- بأن الحاكم يقول: بأنّ منع اللطف إنما يكون عقوبة، وناقشه في ذلك! ثم عقب على الموضوع بكلمة عامة حول تأويلات الحاكم لبعض الآيات على مبدأ اللطف، وهو تعقيب حسن نرى أن نختم به هذه الفقرة.
ولكننا نورد قبل ذلك «نقده» لكلام الحاكم السابق، نظرا لصلته الوثيقة بهذا التعقيب.
قال ابن المرتضى: «والخذلان هو منع اللطف ممن لا يلتطف، قال الحاكم: وإنما يمنع عقوبة!! قلت: فيه نظر من وجوه ثلاثة: الأول تسميته خذلانا، والخذلان في اللغة: ترك النصرة مع القدرة، وهذا ليس كذلك، فإن من لا لطف له نصرته باللطف غير مقدورة، فكيف يسمى عدم اللطف في حقه خذلانا ولا مشابهة بينهما؟. الوجه الثاني في قوله:
منع اللطف، والمنع في اللغة إنما هو حبس الموجود المتمكن منه ومن ليس له لطف فكيف يسمى تخلفه منعا. الوجه الثالث، وهو أعظمها: تسميته ذلك عقوبة!! والعقوبة إنما هي إضرار بالمعاقب أو تفويت نفع يمكن وصوله، ومن لا لطف له لم يفته بتخلف اللطف نفع يمكن إيصاله إليه، أو لا لطف له في المقدور».
ثم قال: «واعلم أن الزمخشري والحاكم والإمام المنصور بالله كثيرا ما يطلقون هذه العبارة في تأويل كثير من الآيات، كقوله تعالى:
(فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ) قالوا: أي سلبهم اللطف عقوبة لهم! وكقوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً) قالوا:
стр. 314
أي يسلبه الألطاف حتى يشق عليه الإيمان ولا ينشرح به صدره. وكقوله تعالى: (رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي) أي سلبتني من اللطف حتى لا أهتدي إلى مصلحتي .. ونظائر ذلك كثيرة.
«ونحن نقول: إن أرادوا سلب لطف من لا لطف له فهو ضعيف من هذه الوجوه. وإن أرادوا سلب لطف من له لطف لأجل معصية فعلها وكونه من جملة العقوبة، فهذا يخالف قاعدتهم، لأن ذلك يستلزم جواز تخلف الألطاف كلها عن المكلفين من البشر إذ لم يخل أحد منهم من معصية حتى الأنبياء، ولو جوزنا ذلك للحق فعل اللطف بغير الواجبات»
وذكر بعد ذلك ما يؤكد أنه كان يعقب على نصنا السابق من كلام الحاكم. فقال: «وقد حكى الحاكم عن الشيخين أبي علي وأبي هاشم أنهما لا يسميان تخلف اللطف خذلانا لأجل ما ذكرناه آنفا!! ولم يعترض حجتهما!».
ثم ختم هذا التعقيب بالتماس وجه مقبول من وجوه التأويل لأصحابه هؤلاء فيما ذهبوا إليه، فقال: «لكن يمكن التأويل لهؤلاء، فإنهم أكابرنا ويقال: لعلهم بنوا ذلك على أن ظواهر بعض الآي يقتضي ذلك كما حكينا، فلا بد من تقرير ما اقتضته بأن نقول: إنه يجوز أن يكون لبعض المكلفين لطف، لكن ثبوت لطفه مشروط باجتناب معصية مخصوصة، فان اجتنبها فله لطف وإن ارتكبها بطل كون ذلك لطفا له داعيا، فحينئذ لا يجب فعله له، وجرى ذلك مجرى العقوبة لمّا كان سببه مواقعة المعصية، وكان خذلانا لأنه كان ممكنا غير متعذر وامتنع القادر عليه حينئذ من أن يفعله أولا» «١».
стр. 315
ثانيا: النبوة والأنبياء
تردد موضوع النبوة والأنبياء والمعجزات في تفسير الحاكم في مناسبات عدة، وآراؤه في هذا الباب لا تكاد تخرج عن آراء شيخيه أبي علي وأبي هاشم كما أوردها القاضي عبد الجبار في أحد أجزاء المغني، وكما لخصها هو نفسه في كتابه شرح عيون المسائل، ورتبها فيه على نحو جيد. والذي يعنينا هنا هو الوقوف على أهم آرائه في هذا الباب من خلال تفسيره لبعض الآيات، لنتبين مدى تأثره بنزعته وثقافته الكلامية في تفسيره:
١ - النبوة اختيار وليست بجزاء: قال في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ. قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ)، إنه يدل على أن النبوة ليست باستحقاق وجزاء لأنه علقه بالمشيئة مطلقا «١» وإنما هي بمشيئته واختياره.
ولا بد عنده في كل رسول ونبي من وحي ومعجزة وشريعة وذكر أن بعضهم يقول: قد يكون نبيا من غير هذه المعاني، ويفرقون بين النبي والرسول. قال: «والأصل فيه أن كل نبي بعث فلا بد أن يجب القبول منه وتصديقه، وذلك لا يعلم إلا بمعجز يجري مجرى التصديق. ولا بد أن يعرف من جهته ما لولاه لم يعرف وإلا كان عبثا. ولا بد أن يعلم هو ما حمّل من الرسالة، فلذلك قلنا: لا بد من هذه المعاني. وما يروونه
стр. 316
أن النبي كذا، والمرسل كذا، وأن بعضهم كان يرى في المنام مما لا يقبل»
وقال في تفسير قوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) «١» أي اصبر يا محمد على أذاهم وأداء الرسالة كما صبر أولو العزم من الرسل.
قال: «ومن هذه للتأكيد والبيان لا للتبعيض، فجميع الرسل أولوا العزم- عن ابن زيد وأبي علي وجماعة- لأنهم عزموا على أداء الرسالة والصبر فيه وتحمل الشدائد وأداء ما أمروا به. وهذا هو الوجه».
٢ - المعجزة وعدم تقدمها على النبوة: ودليل النبوة عنده المعجزة، «ولا شيء يدل على ذلك سواها». ولم يعرض في تفسيره لأدلته على هذا القول ولا لصفة المعجزة وشروطها «٢»، ولكنه أكّد في مناسبات كثيرة رأيه في أن تقديم المعجزة على النبوة لا يصح عنده- كما لا يصح عند شيوخه البصريين- على خلاف ما ذهب إليه الجاحظ وأبو القاسم البلخي وسائر البغداديين، قال في قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ «٣» ... ) الآيات: إنها دالة على معجزات كثيرة.
ثم قال: «وقيل كانت معجزة لنبي في ذلك العصر، وقيل بل إرهاصا لنبوة موسى. والأول قول مشايخنا البصرية، والثاني قول مشايخنا البغدادية»
وقال في تفسير سورة الفيل إن هذه الحادثة معجزة، لأن ما ظهر من الطير ورميها بالأحجار وإهلاك ذلك العدد الكثير، نقض للعادة، فلا بد
стр. 317
من كونه معجزة لنبي، قال: «ثم اختلفوا فقيل كان إرهاصا لنبينا ﵇، وكذلك حديث الغمامة، وهو قول مشايخنا البغداديين. وقيل كانت معجزة لبعض الأنبياء في ذلك الزمان، وهو قول شيوخنا»
ثم دافع عن هذا الرأي فقال: «ومتى قيل: لو كان ثمّ نبي لظهر أمره وتواتر خبره! قلنا: يجوز أن يكون مبعوثا إلى طائفة ولم يكن ثم متعبّدين بشرعه فجائر أن يخفى عنا خبره، نحو كثير من الأنبياء» ثم قال:
«ولا بد عندنا في المعجز أن يتعلق بالدعوى، فإذا لم يكن عقيب دعواه- النبي- لا يتعلق به» «١» ولهذا حملوه على أنه معجزة لنبي آخر.
٣ - حفظ النبي: وعنده أن الله تعالى يعصم رسوله من قومه ويحفظه حتى يبلّغ، وأن ذلك لا بد منه في بعض المواضع، قال في قوله تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا) «٢» إنه يدل على أنه تعالى تضمن حفظه وحياطته حتى يبلّغ. قال: «ومتى قيل: هل يجوز أن يخلّي بينه وبين أعدائه فيقتل؟ قلنا: قبل الأداء: لا، لما فيه من تفويت المصالح، وبعد الأداء يجوز ويصير بمنزلة موته».
وقال في قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) إنه يدل على أنه تعالى عاقب الامم عند تكذيبهم الرسل بضروب من العقاب
стр. 318
فإن فيها عبرة لذلك قال (قُلْ سِيرُوا) «١» فيدل على أنه تعالى يعصم رسوله من قومه.
قال: وقد قال مشايخنا إن الواجب «حفظ الرسول في موضعين:
أحدهما: حتى يبلّغ الرسالة. وثانيهما: إذا كان في بقائه لطف ومصلحة، فإذا لم يكن هذان الوجهان جاز أن يخلى».
وقال في قوله تعالى: (وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ. قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ. وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ... ) «٢»
الآيات إلى قوله: (وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) «٢» إن الآيات تدل على جواز الخوف على الأنبياء- وتدل على حسن طلب المعونة مع العصمة- قال الحاكم:
«ومتى قيل: أليس يجب تبقيته إلى أن يؤدي فكيف خاف القتل؟
وإن قلتم لم يعلم هو! فلا يجوز لأنه من أجلى المسائل. وإن قلتم علم فهو إغراء! وقوله: (فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ) كأنه استعفاء من الرسالة، وذلك لا يجوز!
«قلنا: أما الأول فعند البغدادية: كلّفه بشرط التبقية فلا يكون إغراء، فأما عند مشايخنا البصرية فلا يصح التكليف بشرط، ولكن إذا
стр. 319
أرسله فلا بد من تبقيته حتى يؤدى، ولا بدّ أن يعلم النبي ذلك، ولكن لا يكون إغراء لأنه تعالى علم من حالهم أنهم لا يعصونه، بخلاف غيرهم.
«ومتى قيل: إذا علم التبقية فلم خاف القتل؟ قلنا: خاف القتل بعد أداء الرسالة.
«والجواب عن الثاني: أنه طلب تقوية لنفسه، وليكون الوصول إلى البغية أقرب، ويكون أقوى على الأمر، فأما الاستعفاء فلا يجوز البتة على الأنبياء، ولا بدّ أن يكون في هذا السؤال إذن من جهته تعالى، وإذا أذن لا بدّ أن يجيب. ولأنه لا يعلم المصالح فلا بد في السؤال أن يكون صادرا عن أمر».
ثم قال: «ويدل قوله: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ) أن في الذنوب ما يبقى، وهو الكبائر وبعض الصغائر. ويدل على أنه تعالى وعدهم النصرة والمعونة، فأيدهما بالمعجزة والدلالة، وأمّنهما من الخوف والمضرّة. وكل ذلك يدل على أن الواجب العصمة حتى يؤدي الرسالة».
٤ - عصمة النبيّ عن الكبائر، وتنزيهه عما ينفّر: وللحاكم في تفسيره في هذا الموضوع مواقف ولفتات طيبة، وقد ذهب إلى القول بعصمة الأنبياء عن الكبائر قبل البعثة وبعدها، وإلى تنزيههم عن أمور شنيعة وردت في بعض القصص والأخبار، بغض النظر عن درجة هذه الأخبار ومصدر تلك القصص، ويبدو أن أخبار أهل الحشو والإسرائيليات عنده على حد سواء!
أ) أما العصمة عن الكبائر فلقوله تعالى- على لسان رسوله-
стр. 320
(وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ) «١» وقوله:
(إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) «٢» قال الحاكم:
فدلت هذه الآيات على أنه يتبع الوحي في جميع ما يفعل، فتدل على عصمته.
والمهم هنا أنه حكم بهذه العصمة أمام الآيات التي قد تدل على خلاف ذلك على بعض الوجوه، قال في تفسير قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) «٣» فيه قولان: أولهما: أنه أراد الضلال والهداية في الدين.
والثاني: أنه أراد في الدنيا. قال: «فأما من قال بالأول اختلفوا، فقيل: وجدك ضالا عما أنت عليه من الوحي والنبوة ومعالم الشريعة والأحكام، فلم تكن تعرفه بل كنت غافلا عنه فهداك الله إلى ذلك؛ عن الحسن والضحاك وشهر بن حوشب وابن كيسان وأبي علي. وقال أبو علي: وضلاله عن ذلك لم يكن معصية لأن الله تعالى لم يكن آتاه ذلك، ونظيره: (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) والضلال على هذا: الذهاب عن العلم، قال الله تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) وقال تعالى:
(فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) «٤» أي لم أعلم.»