أن النبي كذا، والمرسل كذا، وأن بعضهم كان يرى في المنام مما لا يقبل»
وقال في تفسير قوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) «١» أي اصبر يا محمد على أذاهم وأداء الرسالة كما صبر أولو العزم من الرسل.
قال: «ومن هذه للتأكيد والبيان لا للتبعيض، فجميع الرسل أولوا العزم- عن ابن زيد وأبي علي وجماعة- لأنهم عزموا على أداء الرسالة والصبر فيه وتحمل الشدائد وأداء ما أمروا به. وهذا هو الوجه».
٢ - المعجزة وعدم تقدمها على النبوة: ودليل النبوة عنده المعجزة، «ولا شيء يدل على ذلك سواها». ولم يعرض في تفسيره لأدلته على هذا القول ولا لصفة المعجزة وشروطها «٢»، ولكنه أكّد في مناسبات كثيرة رأيه في أن تقديم المعجزة على النبوة لا يصح عنده- كما لا يصح عند شيوخه البصريين- على خلاف ما ذهب إليه الجاحظ وأبو القاسم البلخي وسائر البغداديين، قال في قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ «٣» ... ) الآيات: إنها دالة على معجزات كثيرة.
ثم قال: «وقيل كانت معجزة لنبي في ذلك العصر، وقيل بل إرهاصا لنبوة موسى. والأول قول مشايخنا البصرية، والثاني قول مشايخنا البغدادية»
وقال في تفسير سورة الفيل إن هذه الحادثة معجزة، لأن ما ظهر من الطير ورميها بالأحجار وإهلاك ذلك العدد الكثير، نقض للعادة، فلا بد
стр. 317
من كونه معجزة لنبي، قال: «ثم اختلفوا فقيل كان إرهاصا لنبينا ﵇، وكذلك حديث الغمامة، وهو قول مشايخنا البغداديين. وقيل كانت معجزة لبعض الأنبياء في ذلك الزمان، وهو قول شيوخنا»
ثم دافع عن هذا الرأي فقال: «ومتى قيل: لو كان ثمّ نبي لظهر أمره وتواتر خبره! قلنا: يجوز أن يكون مبعوثا إلى طائفة ولم يكن ثم متعبّدين بشرعه فجائر أن يخفى عنا خبره، نحو كثير من الأنبياء» ثم قال:
«ولا بد عندنا في المعجز أن يتعلق بالدعوى، فإذا لم يكن عقيب دعواه- النبي- لا يتعلق به» «١» ولهذا حملوه على أنه معجزة لنبي آخر.
٣ - حفظ النبي: وعنده أن الله تعالى يعصم رسوله من قومه ويحفظه حتى يبلّغ، وأن ذلك لا بد منه في بعض المواضع، قال في قوله تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا) «٢» إنه يدل على أنه تعالى تضمن حفظه وحياطته حتى يبلّغ. قال: «ومتى قيل: هل يجوز أن يخلّي بينه وبين أعدائه فيقتل؟ قلنا: قبل الأداء: لا، لما فيه من تفويت المصالح، وبعد الأداء يجوز ويصير بمنزلة موته».
وقال في قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) إنه يدل على أنه تعالى عاقب الامم عند تكذيبهم الرسل بضروب من العقاب
стр. 318
فإن فيها عبرة لذلك قال (قُلْ سِيرُوا) «١» فيدل على أنه تعالى يعصم رسوله من قومه.
قال: وقد قال مشايخنا إن الواجب «حفظ الرسول في موضعين:
أحدهما: حتى يبلّغ الرسالة. وثانيهما: إذا كان في بقائه لطف ومصلحة، فإذا لم يكن هذان الوجهان جاز أن يخلى».
وقال في قوله تعالى: (وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ. قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ. وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ... ) «٢»
الآيات إلى قوله: (وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) «٢» إن الآيات تدل على جواز الخوف على الأنبياء- وتدل على حسن طلب المعونة مع العصمة- قال الحاكم:
«ومتى قيل: أليس يجب تبقيته إلى أن يؤدي فكيف خاف القتل؟
وإن قلتم لم يعلم هو! فلا يجوز لأنه من أجلى المسائل. وإن قلتم علم فهو إغراء! وقوله: (فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ) كأنه استعفاء من الرسالة، وذلك لا يجوز!
«قلنا: أما الأول فعند البغدادية: كلّفه بشرط التبقية فلا يكون إغراء، فأما عند مشايخنا البصرية فلا يصح التكليف بشرط، ولكن إذا
стр. 319
أرسله فلا بد من تبقيته حتى يؤدى، ولا بدّ أن يعلم النبي ذلك، ولكن لا يكون إغراء لأنه تعالى علم من حالهم أنهم لا يعصونه، بخلاف غيرهم.
«ومتى قيل: إذا علم التبقية فلم خاف القتل؟ قلنا: خاف القتل بعد أداء الرسالة.
«والجواب عن الثاني: أنه طلب تقوية لنفسه، وليكون الوصول إلى البغية أقرب، ويكون أقوى على الأمر، فأما الاستعفاء فلا يجوز البتة على الأنبياء، ولا بدّ أن يكون في هذا السؤال إذن من جهته تعالى، وإذا أذن لا بدّ أن يجيب. ولأنه لا يعلم المصالح فلا بد في السؤال أن يكون صادرا عن أمر».
ثم قال: «ويدل قوله: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ) أن في الذنوب ما يبقى، وهو الكبائر وبعض الصغائر. ويدل على أنه تعالى وعدهم النصرة والمعونة، فأيدهما بالمعجزة والدلالة، وأمّنهما من الخوف والمضرّة. وكل ذلك يدل على أن الواجب العصمة حتى يؤدي الرسالة».
٤ - عصمة النبيّ عن الكبائر، وتنزيهه عما ينفّر: وللحاكم في تفسيره في هذا الموضوع مواقف ولفتات طيبة، وقد ذهب إلى القول بعصمة الأنبياء عن الكبائر قبل البعثة وبعدها، وإلى تنزيههم عن أمور شنيعة وردت في بعض القصص والأخبار، بغض النظر عن درجة هذه الأخبار ومصدر تلك القصص، ويبدو أن أخبار أهل الحشو والإسرائيليات عنده على حد سواء!
أ) أما العصمة عن الكبائر فلقوله تعالى- على لسان رسوله-
стр. 320
(وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ) «١» وقوله:
(إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) «٢» قال الحاكم:
فدلت هذه الآيات على أنه يتبع الوحي في جميع ما يفعل، فتدل على عصمته.
والمهم هنا أنه حكم بهذه العصمة أمام الآيات التي قد تدل على خلاف ذلك على بعض الوجوه، قال في تفسير قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) «٣» فيه قولان: أولهما: أنه أراد الضلال والهداية في الدين.
والثاني: أنه أراد في الدنيا. قال: «فأما من قال بالأول اختلفوا، فقيل: وجدك ضالا عما أنت عليه من الوحي والنبوة ومعالم الشريعة والأحكام، فلم تكن تعرفه بل كنت غافلا عنه فهداك الله إلى ذلك؛ عن الحسن والضحاك وشهر بن حوشب وابن كيسان وأبي علي. وقال أبو علي: وضلاله عن ذلك لم يكن معصية لأن الله تعالى لم يكن آتاه ذلك، ونظيره: (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) والضلال على هذا: الذهاب عن العلم، قال الله تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) وقال تعالى:
(فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) «٤» أي لم أعلم.»
стр. 321
وبعد أن ذكر الآراء الأخرى الكثيرة في تفسير الآية قال: «وأحسن ما قيل فيه ما قاله أبو علي، وما عداه إما تعسف أو تخصيص بغير دليل».
ثم قال: «ومتى قيل: أليس قد قال بعضهم إنه كان على دين قومه فهداه إلى الحق، حتى روى عن السدى أنه قال: كان على أمر قومه أربعين عاما! قلنا: هذا من الخطأ العظيم لأن الكفر لا يجوز على الأنبياء قبل البعثة وبعدها، ولأنه يؤدي إلى التنفير، ولا بدّ في النبي من أن يكون معصوما قبل البعثة وبعدها من كل كبيرة».
وقال في حادثة طلاق زينب بنت جحش من زيد بن حارثة وزواج النبي ﷺ بها- في تفسير قوله تعالى (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ... ) الآية «١» إن الكلام يقتضي وقوع مشاجرة بين زيد وزينب حتى وعظه الرسول وأمره بالإمساك، وأن يتقي الله في مضارتها- وقيل هو إباحة وإرشاد وليس بإيجاب- قال الحاكم:
«ومتى قيل: أليس كان- الرسول- يجب أن يفارقها، فكيف أمره بالإمساك؟ قلنا: معاذ الله أن يقول خلاف ما في قلبه، فإن ذلك
стр. 322
لا يجوز عليه، وإنما قال ما أحب وما كان في قلبة، وهو إمساكها بإحسان.
«ومتى قيل: أليس كان يحبها ويريد التزوج بها، وأنه جاء إلى باب زيد فوقع بصره عليها فهويها .. في حديث طويل ترويه الحشوية؟
«قلنا: شيء من ذلك لا يجوز على رسول الله ﷺ ، والله تعالى يعصم رسوله من كل منفر وكل كبيرة. وكيف يصح ما قالوا وكانت زينب إنما زوجها محمد من زيد .. ولم يرغب فيها، فكيف يصح ذلك بعد أن صارت ذات زوج؟! وكيف يجوز أن ينظر في دار إنسان مع أن ذلك كبيرة؛ فليس ذلك إلا من دسيس الملحدة».
وأما قوله تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) فالراجح عند الحاكم أن الخطاب فيه للنبي- وليس لزيد كما قال بعضهم- وذكر أنهم اختلفوا في معنى الآية، فقيل:
أخفى في نفسه إن طلقها زيد تزوج بها لأنها ابنة عمته، فأحب ضمها إليه بعد فراق زيد لكي لا يصيبها ضعة، كما يفعل الرجل بأقاربه؛ عن أبي علي.
(وتخشى) إظهار ذلك خشية قالة الناس، ولأن تترك إظهاره خشية الله أولى لأنه فعل ذلك بأمر الله تعالى!. وقيل: كان الله تعالى أخبره بأن يزوجها منه، فلما أراد زيد طلاقها قال له: أمسك عليك زوجك، فكيف وقد أعلمتك أنها تكون من أزواجك؟ عن علي بن الحسين وزيد بن علي. قال الحاكم: «وهذا التأويل مطابق للآية لأنه عوتب على قوله «أمسك»، مع علمه أنها ستكون زوجة له، خشية الناس.».
стр. 323
وذكر بعد ذلك تأويلا آخر لأبي مسلم، ثم قال: «ومتى قيل:
إذا كان الله أخبره بأنه يزوج زينب منه، فلماذا أخفى ذلك؟ قلنا: لأنه لو أظهر ذلك لكان زيد يطلقها لأجله لا لسوء عشرتها، وكان ذلك يورث وحشة بينهما.»
وختم حديثه عن الآية بالقول إنها تدل على «تنزيه الرسول عن أن يخفي شيئا ولا يبديه كيلا يقع التنفير، فتدل على عصمته .. ».
وفي قصة يونس ﵇ حين أبق إلى الفلك، في قوله تعالى:
(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ .. ) الآيات «١» قال الحاكم:
إن يونس فرعن قومه، وكانوا أضجروه، وقد أوعدهم بالعذاب فظن نزوله بهم فخرج من غير إذن، وكان يجب أن يستمر على الدعوة إلى أن يأمره الله تعالى بالخروج.
قال: «ومتى قيل: هل يجوز العمل في هذا بالظن؟ قلنا: لكي يخرج من أن يكون متعمدا لمعصيته. ولا يجوز أن يقال أبق من الله! لأنه ذلك لا يتصور، ولأنه يكون معصية لا تجوز على الأنبياء. وقيل:
أمر بلزوم ذلك الموضع فلما خرج كان كالفارّ عن مولاه! وهذا لا يجوز، وإنما فر من قومه لما آذوه وكذبوه وظن نزول العذاب بهم، ولم يؤمر باللّبث ولا بالخروج، فخرج على أنه مباح».
стр. 324
وفسر قوله «مليم» بأن يونس كان يلوم نفسه على خروجه من بين قومه من غير أمر ربه. وقال مجاهد وابن زيد: إن معناه مذنب، وقيل: مستحق للوم. قال الحاكم: ومن قال إنه كان مذنبا يقول إنه كان صغيرة.
ب) وقد جوز الحاكم على الأنبياء وقوع الصغائر منهم، خلاف قول الإمامية- في الرسول والإمام- وكما دلت على ذلك بعض الآيات، قال تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) «١» وقد قال الحاكم في هذا الذنب: إنه صغيرة تقدمت من موسى ﵇، وانما يكلف الأنبياء التوبة من الصغائر- وكلما ذكروها أيضا حتى يخرجوا من حد الإصرار- لعظم نعمه تعالى عليهم.
وقيل: إن ذنبه كان أنه حدث نفسه أن الظفر كان بقوته. وقيل: استعجال النصر قبل وقته.
وقال تعالى في سورة محمد: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ) «٢» قال الحاكم: يدل قوله (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) على وقوع ذنب منه، ويدل على جواز وقوع الصغائر على الأنبياء خلاف قول الإمامية.
وقد فصل الحاكم القول في مذهبه في جواز الصغائر على الأنبياء عند كلامه على قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ... ) في مطلع سورة الفتح، فقال إن قوله (ليغفر)
стр. 325
يدل على جواز الصغائر على الأنبياء قبل النبوة وبعدها. ويدل على أنها مغفورة.
قال: «ومتى قيل: كيف تكون مغفورة؟ قلنا: بإيجاب ما يجبر نقصا دخل في ثوابه بتلك الصغيرة.
«ومتى قيل: كيف يجوز ذلك عليهم؟ قلنا: ما يتعلق بالرسالة ومصالح الأمة لا يجوز عليه فيه الصغيرة والكبيرة، ولا السهو ولا الغلط ولا النسيان، لأن في ذلك فوت المصالح. فأما ما يتعلق بحاله فلا يجوز الكبيرة أصلا، والصغير: ما كان مسخفا ومنفرا لا يجوز عليه، وما عدا ذلك لا مانع منه فيجوز» «١».
ج) أما المنفّر والمستكره- ولو لم يكن من باب المعصية أصلا- فلم يجوزه الحاكم على الأنبياء على أي وجه، قال في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً) «٢» إن معناه أنهم آذوه من حيث نسبوه إلى السحر والجنون والكذب بعد ما رأوا الآيات، كعادة الكفار مع الأنبياء. ثم قال: «وأما ما ترويه الحشوية أنهم رموه بأنه آدر- آفة في عورته- فوضع ثوبه على حجر ليغتسل فبعد الحجر حتى رآه بنو اسرائيل! فليس بصحيح؛ لأن فيه هتك الستر وكشف العورة وما يؤدي إلى التنفير» «٣».
стр. 326
وقال في تفسير قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ... ) «١» إنه أصيب بتعب ومشقة وعذاب، وقيل: أصابه الشيطان بوسوسته، واختلفوا فقيل في جسده، يعني: يقول طال مرضك ولا يرحمك ربك. وقيل في نفسه وماله، يقول:
نالك الفقر وذهب المال والأهل، فذكر صحته وأهله ومصائبه فيها وقد مرض وافتقر، فضاق صدره بهذه الوساوس فشكا إلى الله تعالى.
قال الحاكم: وقيل اشتد مرضه وطال حتى تجنبه الناس استقذارا، وذهب ماله، فذكره الشيطان أحواله، ووسوس إلى الناس استقذاره، فضاق صدره بما ناله من الشيطان ولم يشك الألم لأنه كان منه تعالى. ثم قال:
«ولا يجوز أن يبلغ حالا يستقذره الناس لأن فيه تنفيرا!! فأما المرض والفقر وذهاب الأهل فيجوز امتحانا» وقال: إن الآية تدل على أن أيوب صبر على ما نزل به من جهة الله تعالى، على ما هو الواجب في الدين.
٥ - عدم معرفة الأنبياء الغيب: وهذه من أهم النقاط في باب النبوة في تفسير الحاكم، نظرا لاعتماده الدائم عليها في الرد على الإمامية أن الإمام يعلم الغيب، لأنه إذا ثبت أن الرسول لا يعرفه، بنصوص القرآن، فالإمام في ذلك أولى، قال الحاكم في قوله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ .. ) «٢» إن الآية تدل على أنه تعالى المختص بعلم الغيب، فيبطل قول الإمامية إن الإمام يعلم الغيب.
стр. 327
وقال ذلك أيضا في قوله تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) «١». وقوله: (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) «٢» لأنه يعلم بالوحي لا بالغيب.
ووقف على هذا المعنى أيضا في قوله تعالى (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) «٣» وقوله (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ) «٤»، قال في الآية الأولى إنها تدل على إن إبراهيم ﵇ كان غير عالم بحال الملائكة «فيدل أن الأنبياء لا يعلمون الغيب، فالأئمة أولى خلاف ما تقوله الإمامية» وقال في الآية الثانية إنها تدل على عظم محل العلم، وأن الأنبياء لا يعلمون كل شيء، ولا الغيب، حتى خفي على سليمان علم سبأ. قال: «فإذا لم يجب ذلك في الأنبياء ففي الأئمة أولى» وقد خفي عليه خبرها مع قرب الدار ليعلم أن المحيط بالأشياء إنما هو الله تعالى.
ثالثا: الأرزاق والآجال
وأكثر الأمور دورانا من هاتين المسألتين- اللتين لا تعدان من أمهات المسائل- في تفسير الحاكم، شيئان: أولهما إثبات أن الحرام لا يكون رزقا. والثاني إبطال القول بالأجلين الذي ذهب إليه معتزلة بغداد. وقد
стр. 328
حملنا تأكيده الدائب عليهما على إجمال القول في موضوع الارزاق والآجال.
١) عرّف الحاكم الرزق بأنه «ما له أن ينتفع به وليس لأحد منعه» «١» ونسب إلى الحشوية- كما يسميهم- القول بأن كل ما أكله فهو رزق له حلالا كان أو حراما. قال: والاصل في هذا أن الرزق لا بدّ أن يكون مضافا أو في حكم المضاف؛ فإذا أضيف إلى جملة العباد فالمراد أن لهم أن ينتفعوا به من غير تخصيص. وأما إذا أضيف إلى معين- فيقال رزق له- فهو أن يختص به حتى لا يصح للغير أن ينتفع به إلا بإذنه، وله هو أن ينتفع به وليس لاحد منعه، فما هذا حاله وصف بأنه رزق له: قال الله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ) «٢» قال الحاكم: تدل الآية على أن الله تعالى الرزاق لجميع الحيوانات. «ولا شبهة أن الارزاق كلها من جهة الله تعالى لأنها أجسام وأعراض لا يقدر عليها غيره. وما دام يبقى على أصل الإباحة فهو رزق للجميع، فإذا اختص به بعضهم وملكه كان رزقا له».
ولهذا فإن الحرام لا يعد رزقا لانه يعاقب على التصرف فيه، ولانه تعالى مدح الإنفاق في الرزق! قال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ .. ) «٣» قال الحاكم: تدل الآية أن الرزق لا يكون حراما لان الإنفاق من الحرام محظور.
وقال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) «٤»
стр. 329
وقال: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) «١»، والآيات التي تحث على الإنفاق من الرزق كثيرة، وقد قال الحاكم في جميعها إنها تدل على أن الحرام لا يكون رزقا.
٢) وقال الحاكم في قوله تعالى: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها) «٢» إنه يدل على أن الأجل واحد لا يتقدم ولا يتأخر. ثم عرّف الأجل بقوله: «وهو ما علم الله تعالى أن المرء يموت فيه أو يقتل».
وعن بعض البغدادية أن الاجل أجلان: مقدور ومسمّى. فالمقدور: الذي يقتل أو يموت فيه، والمسمى الذي لو لم يقتل لبقي إلى ذلك الوقت.
قال الحاكم: والاصل فيه أن أجل الشيء وقته، والوقت هو الحادث الذي تعلق حدوث غيره به. فإذا ثبت أن الأجل هو الوقت، فكل وقت نزل به الموت فهو أجل موته، ولا شبهة أنه ينزل به مرة واحدة، فاستحال أن يقال أجلان. ولا تعلق للبغدادية بقوله تعالى ( .. يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) «٣» «لانه تعالى إذا علم أنهم إذا آمنوا أبقاهم إلى مدة كذا، وإذا لم يؤمنوا أهلكهم، علم مع ذلك أنهم يؤمنون أو لا يؤمنون، فعلى المعلوم منهم يضرب مدة آجالهم فلا يكون الاجل إلا واحدا. وتسميته لذلك الوقت أجلا توسع ومجاز».
وقال في المقتول إنه لو لم يقتل كان يجوز أن يعيش ويجوز أن
стр. 330
يموت «فأما بعد أن قتل فنقطع أن أجله وقت قتله لما علم الله تعالى من ذلك» يدل عليه أنه غير ممتنع أن يكون الصلاح في زيد لو لم يقتله القاتل أن يعيش إلى وقت مسمى، كما لا يمتنع أن يكون الصلاح إماتته في تلك الحال، وإذا لم يكن دلالة على ذلك وجب تجويز كلا الأمرين.
ولأنه تعالى قادر على خلق الموت والحياة في تلك الحالة لو لم يقتل فلا معنى لإنكار أحدهما- كما فعلت البغدادية بإنكار الموت، والمجبرة بإنكار الحياة- ولا يقال إذا علم أنه يقتل في تلك الحالة فكيف يجوز خلافه! لأنه تعالى يقدر على خلافه، ولكن لا يكون خلافه لان العلم بالشيء يتعلق على ما هو به، وإنما يعلم بعد القتل أنه تعالى علم قتله في هذه الحالة، قال تعالى: (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) «١» قال الحاكم: تدل الآية على الترغيب في الجهاد وأنه لا يصرف عنه خوف الموت؛ لأنه نازل في حينه وإن لم يكن جهاد كما ينزل في الجهاد. وتدل على أن لكل واحد أجلا معلوما لا يتقدم ولا يتأخر. وتدل على أن هذه الآجال مكتوبة لتعتبر بها الملائكة ولطفا لنا. وتدل على أن المقتول مات بأجله.
قال: «ومتى قيل: لو لم يقتل فكيف تكون حاله؟ فجوابنا: كان يجوز أن يموت ويعيش، لانه تعالى قادر عليهما، إلا أنه إذا قتل قطعنا أنه أجله، وأنه كان لا يجوز غيره لانه كان المعلوم» قال: وتدل الآية على أن من أراد بالعبادة نصيب الدنيا لا حظ له في الآخرة. وتدل
стр. 331
على أن الموت لا يقدر عليه غيره تعالى لانه قال: «بإذنه»، عن أبي علي. وتدل على أن أجل الإنسان إنما هو أجل واحد خلاف قول البغدادية.
رابعا: حول عالم الغيب
قال الحاكم في تعريف الغيب في الصفحات الأولى من تفسيره:
«والغيب نقيض الشهادة، وهو مصدر وضع موضع الاسم، يقال للغائب: غيب، ومنه (عالم الغيب). والغيب: ما غاب عن الحاسة، أي خفي. ويقال: غاب عني، إذا خفي عن الأبصار» ونقل عن أبي علي أن الغيب على ضربين: منه ما لا دليل عليه فلا يعلمه إلا الله، ومنه ما عليه دليل فنعلمه، إلا أن «عالم الغيب» لا يطلق إلا على الله تعالى لأنه يوهم العلم بالجميع. وعن أبي هاشم أن الغيب ما لا طريق إلى معرفته ضرورة واستدلالا. قال الحاكم: «وربما مر في كلامه ما قدمناه!» «١» وأيا ما كان رأي الحاكم بين هذين الرأيين اللذين لا يبدو أن الفرق بينهما كبير، فإن الذي نودّ الوقوف عنده من عالم الغيب إنما هو رأي الحاكم في الموضوعات الهامة التالية:
١) إبليس: ونبتدئ بإبليس- عليه لعنة الله- لنقف على رأي الحاكم في مسألة وسوسته، ومسألة إنظاره إلى يوم الدين، وهما أبرز «مشاكله» في تفسير الحاكم، وقد
عرّضت لهما جميعا الآيات التالية من من سورة ص: قال تعالى، في قصة إبليس حين أمر بالسجود لآدم:
(قال فاخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين. قال
стр. 332
رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ. قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ .. ) «١» قال الحاكم في تفسير يوم الوقت المعلوم إنه يوم القيامة كما قال بذلك جماعة منهم أبو مسلم وأبو علي، قال: ولذلك قال تعالى:
(يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) «٢» فهو خطاب لبني آدم إلى يوم القيامة.- وقيل أنظره إلى يوم الوقت الذي علمه الله تعالى أنه يبقيه إليه وليس هو يوم القيامة! -
قال الحاكم: «ومتى قيل: هل أجيب دعاؤه؟ قلنا لا، وكان منظرا؛ عن أبي علي. وقيل بل استصلاحا- أي أجيب استصلاحا له- عن أبي بكر أحمد بن علي» ولم يفصّل الحاكم الوجه في اختلاف هذين الجوابين، وإن كانت النتيجة واحدة، لأن محله كتب علم الكلام، وإنما اكتفى بالإشارة إلى أصل الخلاف بينهما، فقال: «وهو مبني على إجابة الكفار والفساق».
ثم تساءل عن فائدة بقاء إبليس مع أنه يغوي الخلق؟ وأجاب على ذلك بالوجوه الآتية:
قال: «أما إغواؤه عند أبي علي فإنهم يضلون وإن لم يكن هو.
وعند أبي هاشم يجوز أن يضل بوسوسته، فيكون زيادة تكليف.
«فأما فائدة إنظاره فالله أعلم بتفصيل المصالح، ولا بد فيه مصلحة.
стр. 333
وقيل: أراد بإنظاره أن يبقى الجهاد في الدين، ولما فيه من البعث على التفكير في العلوم وحل الشبه.
«فأما من يقول: أنظره جزاء على أعماله فلا يصح، لأن تلك الطاعات أبطلها بالكفر ...
«فأما ما تقول المجبرة إنه أنظره ليغوي فلا يصح لأنه قبيح. وبعد، فإن من مذاهبهم أن الغواية خلق الله فسواء كان إبليس أو لم يكن! كذلك الإيمان خلقه، فسواء كان نبيّ أو لم يكن!؟
«ومتى قيل: لولا التبقية لما أمكنه الوسوسة! قلنا: إنما أبقاه للتكليف، ومكّنه بالقدرة والآلات ليعمل الطاعة، فهو في عصيانه بمنزلة سائر الكفار، والتمكين لا يصح إلا من الأمرين جميعا، وذلك لا يقتضي أنه يريد المعصية، كما أن الشهادة لا تصح إلا بعد الإنكار، ولا تقتضي أن القاضي يريد الإنكار»!
أما كيفية إغوائه ووسوسته في الصدور (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) قال الحاكم: يكون ذلك بكلام خفي يصل إلى قلبه. قال:
«فأما من يقول يدخل القلب، أو له خرطوم يدخل القلب فبعيد!». «١»
٢) الجن والملائكة: قال الحاكم في مطلع تفسيره لسورة الجن:
«والجن جنس من المخلوقين. والمكلفون ثلاثة: الملك والإنس والجن «٢».
стр. 334
فالملك خلق من النور، والإنس من التراب، والجن من النار».
أ) أما الملائكة فقد قال في صفتهم في موضع آخر من تفسيره بأنهم حيوانات معروفة متميزة على سائر الخلق بالصورة، وبأنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، وبأن لهم أجنحة. قال: «ولا نراهم للطافة التي فيهم إلا أن يقوّي الله تعالى شعاعنا فنراهم كما يراهم المعاين، أو يحصل فيهم كثافة، كما في زمن الأنبياء» «١».
وأكد في عدة مواضع أنهم مكلّفون مختارون، على ما ذهب إليه أصحابه، قال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ... ) «٢» قال الحاكم:
الذين يحملون العرش ومن حوله، يعني من الملائكة، قيل: هم صنفان:
صنف هم حملة العرش، وصنف يطوفون به. وقد كشّف الله أجسامهم حتى حملوا العرش. وقيل: بل أعطاهم من القوة ما يحملونه وهم على هيئة
стр. 335
الملائكة. قال: «وتدل الآية أن الملائكة مكلفون وأن تكليف هؤلاء- في هذه الآيات- يتعلق بالعرش، فمنهم من يحله ومنهم من يطوف به كما نطوف بالبيت» «١»
وقد تابع أصحابه في الحكم للملائكة بالعصمة بقوله تعالى: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ)، وبأنهم أفضل من جميع الأنبياء لقوله تعالى: (وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) وقوله: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) وآيات أخرى. «٢».
ب) وأما الجن فخلاصة مذهبه فيهم، كما أوضحه في تفسير الآيات الأولى من السورة التي تسمى باسمهم، أنهم مكلفون- كما تقدم- وأن النبي ﷺ مبعوث إليهم، وأن فيهم مؤمنا وكافرا، ومن يعرف لغة العرب.
وقد استدل بقوله تعالى (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ) «٣» على أن في الجن رجالا كما في الإنس، وأنهم يتناسلون على خلاف ما ذهب إليه البلخي.
واستدل به أيضا على أن في الإنس من كان يميل إلى الجن ويلوذ بهم. قال: «وذلك باطل، ومن هنا وقع بين العامة الاعتصام بالجن في باب الحب والبغض، وطلب الأشياء وعلم الغيب وتغيير الصور» ثم قال:
стр. 336
«ومن جوز أن يقدر غير الله تعالى على الأجسام والصور والحياة والموت يكفر!».
وقد بين في موضع آخر سبب هذا الحكم في تعقيبه على آيات تسخير الجن لسليمان في سورة سبأ «١»، فقال: «ومتى قيل: من يزعم أن الجن تعلم الغيب أو تقدر على تلك الأعمال العظيمة أو تغير الصور هل يكفر؟ قلنا: نعم؛ لأنه يسد على نفسه طريق معرفة النبوات».
وفيما وراء ذلك: فالجن عنده أمة مكلفة لا تكاد تختلف عن الإنس، حتى إنه جعلهم قائلين بالعدل والتوحيد، ويرون الثواب والعقاب جزاء الأعمال لأنهم نفوا عن الله تعالى الظلم وقالوا: (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً) «٢» على خلاف ما تقوله المجبرة من هذه الأمة!!، ولكنه لم يبحث السبب في عدم ظهورهم وأنهم لا يرون، كما أنه اكتفى من الحديث عن «طبيعتهم» بالقول إنهم خلقوا من نار، وإن كان لاحظ أنهم «ركّبوا تركيبا تضرهم النار، ولذلك خافوا الشهب»
ومسألة استراقهم السمع الذي أشارت اليه الآية الكريمة: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً) «٣» أهم نقطة في هذا الباب يبدو فيها أثر منهج الحاكم الكلامي وأسلوبه الجدلي في التفسير: قال في تفسير قوله تعالى:
стр. 337
(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً) «١» قيل: التمسنا قربها لاستراق السمع، فوجدناها ملئت حفظة شدادا من الملائكة، وشهبا من النجوم. (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ ... ) أي لاستراق السمع، يعني: كان يتهيأ لنا قبل هذا: القعود في مواضع الاستماع إلى الملائكة، فنعرف ما نسمع من الغيب، فمن يستمع الآن يجد له
نارا تحفظ أمر السماء.
وقيل: إن هذه الشهب كثرت في هذه الأيام وانتقضت العادة بها فكانت معجزة، ومنعت الجن عن الاستماع من الملائكة ليسمعوا من النبي ﷺ فإنه كان مبعوثا إليهم!
قال الحاكم: «ومتى قيل: كيف توصّلوا إلى استراق السمع؟
قلنا: يحتمل أنهم صاروا بآلات أعطاهم الله تعالى إلى مواضع تكون الملائكة فيها فيتكلمون ويستمعون ويلقون إلى غيرهم.
«ومتى قيل: فأيّ مفسدة في استراق السمع حتى منعوا منه؟
قلنا: وجوه، منها: إيهامهم ضعفة الجن أنهم يعلمون الغيب؛ لأنهم إذا وجدوا الأمر كما قالوا انقادوا لهم. ومنها: أنهم يجعلونه طعنا في النبوات والمعجزات. ومنها: أنهم يلقون ذلك إلى الإنس بالوسوسة فيصير شبهة.
ومنها: أن نزول الملائكة وصعودهم يكثر أيام البعثة، وإذا التقى البعض وذكروا من الأمور الغائبة ويستمع الشياطين فيسبقون إلى العلم به النبيّ ﷺ فيفسدون على الضعفة أمر النبوات. ومنها: أنه كان مبعوثا إليهم فلا يجوز أن يستمعوا الرسالة إلا منه. ومنها: أنه معجزة له ولطف لهم حثهم على التدبر والفحص.
стр. 338
«ومتى قيل: إذا كان الشهاب قبل المبعث كما في حال المبعث، فكيف صارت- الشهب- معجزة؟ قلنا: كثرت في أيامه حتى دخلت في حد الإعجاز. وهذا كما نقول: المطر ليس بمعجز لجريان العادة به، فإذا كثر وزاد على المعتاد دخل في حد الإعجاز، كالطوفان، كما روي في أيام النبي ﷺ .
«ومتى قيل: كانت معجزة له ﷺ ؟ قلنا: نعم، كثرة الشهب ومنع الجن.
«ومتى قيل: فإذا علموا المنع والهلاك عند الاستراق فكيف عادوا؟
قلنا: لم يقع ذلك في كل مرة، وإنما في بعض الأحايين إذا صادف حديث الملك، وإذا كان مرة هلاكا ومرة سلامة جاز أن يتقحموا كراكب السفينة.
«ومتى قيل: كانوا يصعدون السماء أم يقفون في الهواء؟ قلنا: كلا الوجهين جائز، وقد منعوا من الجميع».
٣ - عذاب القبر: تابع الحاكم شيخه أبا علي في القول بعذاب القبر، على خلاف بعض من المعتزلة لا يذكر. وقد بسط الحاكم مذهبه في هذا الموضوع عند تفسيره لقوله تعالى: (رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ .. ) «١» كما أشار إليه وأيّده في تفسيره لقوله تعالى- في نفس السورة- العذاب، النّار يعرضون عليها غدوّا وعشيّا، ويوم تقوم الساعة أدخلوا
стр. 339
(وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) «١» وتفسيره لقوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) «٢»، وفي مواضع أخرى من تفسيره لا يمكن اعتبار أحدها قاطعا فيما استدل به الحاكم، لاحتمالها جميعا لوجوه أخرى من التفسير نقلها هو نفسه، ولا مجال هنا للإشارة إليها، على أنه لم يبلغ مبلغ أبي علي في اسرافه في الاستدلال على عذاب القبر بآيات كثيرة يبدو انها لا تدل على ما حملها عليه، نحو قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) «٣» فقد فسر الذي قرب منهم وأنه سيأتيهم بأنه شدة الموت وعذاب القبر، وليس هو الأسر والقتل الذي نالهم يوم بدر. وقوله تعالى- في سورة يس- (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) «٤» قال أبو علي: وتدل الآية على صحة ما نقوله في عذاب القبر وسؤاله!!. وقال في قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ) «٥» أي: «ما لبثوا بعد انقطاع عذاب القبر» - وقال الكلبي: ما لبثوا في القبور أو في الدنيا- قال أبو علي:
«واستدل بعضهم بالآية على نفي عذاب القبر، وليس بشيء، لأنهم أرادوا لبثهم بعد انقطاع العذاب»!.
стр. 340
وتبقى طريقة الحاكم- الذي لم يعقّب بشيء على هذه الاستدلالات- في الدلالة على هذا المذهب أقرب على كل حال، مع قيام الاحتمال الذي قدمناه، قال في الآية المتقدمة (قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ .. ) إن المراد بالإماتة الأولى: التي تكون في الدنيا بعد الحياة، والثانية التي تكون في القبر قبل البعث. والمراد بالحياة الأولى في القبر، والثانية في الحشر.
وذكر وجوها أخرى لم يقبل منها رأي من قال إن المراد بالموتة الأولى حيث كانوا نطفا فأحياهم في الدنيا، ثم أماتهم الموتة الثانية، ثم أحياهم للبعث،- فهما حياتان وموتتان- وذلك لأن إطلاق اسم الموت على النطقة مجاز! ثم قال في الأحكام: «يدل قوله (ربنا أمتنا) على صحة ما نقوله في عذاب القبر. ومتى قيل: فالإحياء يجب أن يكون ثلاثا! قلنا: إثبات حياتين لا يمنع اثبات ثالث!
«ومتى قيل: فمتى يكون عذاب القبر؟ قلنا: اختلفوا فيه، فمنهم من قال أول ما يدفن. وقيل: ما بين النفختين، فأما مشايخنا فيقولون: نقطع بكونه، وأما وقته فلا نقطع فيجوز أن يتقدم ويتأخر.
«ومتى قيل: هلّا قلتم إن الميت يعذب أو الروح؟ قلنا أما الميت فيستحيل أن يألم، وأما الروح فهو النفس، وليس هو المكلف «١». ومتى قيل: فما الفائدة فيه؟ قلنا: الله أعلم بوجه المصلحة، ويجوز أن يكون لطفا للملائكة، والخبر عنه لطف لنا، فأما الميت فيستحيل أن يكون لطفا له لانقطاع التكليف!
стр. 341
«ومتى قيل: فهل يعاد عاقلا؟ قلنا: لا بد أن يحييه تعالى ويجعله عاقلا ليعلم أنه يعذب جزاء.
«ومتى قيل: فمن يعذّب؟ قلنا: المستحق للعذاب، فأما المؤمن فيثاب ولا يعذب.
«ومتى قيل: فما تقولون في السؤال، وفي قصة منكر ونكير؟ قلنا:
أما السؤال فنقطع به، فأما منكر ونكير فيجوز ذلك لورود الخبر به، وإن لم يظهر كظهور عذاب القبر» «١»
٤ - الجنّة: يؤكد الحاكم دوما أن أبواب الجنة مفتحة للمؤمنين فقط، وأن استحقاق نعيمها وثوابها إنما يكون بالتقوى، على خلاف ما يذهب إليه المرجئة في ذلك. وقد تقدم أن هذا من مذهبه في الوعد والوعيد.
ولكنه في حديثه عن الجنة ذاتها وصفة نعيمها- وهو ما نبحثه هنا- يؤكد الأمور الثلاثة الآتية، وهي: دوامها، وأنها لمّا تخلق، وأن فيها المأكول والمشروب ونعيم الأجساد، على خلاف رأي «جهم» في الأمر الأول، ورأي الباطنية في الأمر الأخير.
قال تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) «٢» وقال: (وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) «٣» أي إقامة لا تفنى. وقد وصف الله تعالى الجنة بالخلود وأن الاقامة فيها لا تفنى في مواضع كثيرة
стр. 342
أخرى، قال الحاكم: فدل على دوام الجنة خلاف قول جهم «١».
وقال في قوله تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ، فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ) «٢» انها تدل على أن في الجنة مأكولا ومشروبا «وذلك يعلم ضرورة من دين الرسول خلاف قول الباطنية، لذلك نكفّرهم بإنكار ذلك».
وقال في قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ) «٣» وقوله: (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ... ) «٤» إن الآيات تدل على دوام الجنة فيبطل قول جهم. «وتدل على أنها لم تخلق بعد، وإنما يخلقها الله تعالى يوم القيامة، إذ لو كانت مخلوقة وقد ثبت أن الموجودات كلها تفنى لانقطعت، وذلك بخلاف قوله تعالى (أُكُلُها دائِمٌ)».
وهذا هو رأيه في مسألة خلق الجنة بالرغم من أنه قال: إن الأكثر على أنها مخلوقة الآن. وإن الحسن البصري قال إنها مخلوقة بعينها، «ثم يعيدها الله تعالى يوم القيامة ويزيد فيها عرضا وطولا» «٥». ورأيه السابق
стр. 343
الذي صرح به في موضع أو موضعين اعتاذ على نسبته في سائر المواضع إلى أبي هاشم، وإلى أبي علي وأبي هاشم، دون أن يعقب عليه «١».
خامسا: تعريفات وأمور فلسفية
وأخيرا فإن من أبرز آثار منهج الحاكم الكلامي في تفسيره، عنايته بكثير من التعريفات الكلامية والفلسفية بمناسبة شرحه اللغوي لبعض الألفاظ، أو محاولته الوقوف على ما تدل عليه الآية من أحكام- وتذكّر طريقته هذه بطريقة الرماني في تفسيره الذي أشرنا اليه- كما نجد ذلك في تعريفه «للنظر» والظن، والعلم، والفناء، والخلق، والحياة، وأمور أخرى كثيرة. ونكتفي هنا ببعض شواهده الهامة البارزة.
١ - الموت والحياة: قال في شرحه لقوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ... ) «٢» في بيان المفردات: الموت ضد الحياة،
стр. 344
وهما يتعاقبان على الجملة. ولا خلاف أن الحياة عرض يحيا به الإنسان وسائر الحيوانات، ولا يقدر عليه إلا الله تعالى، ومن خاصة الحياة الإدراك.
فأما الموت فالأكثر على أنه معنى يضاد الحياة، ولذلك قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) وقيل: ليس بمعنى، عن أبي هاشم.
٢ - الفناء والبقاء: قال في تفسير قوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) «١» «اللغة: الفناء: انتفاء الجسم، فنى يفنى فناء. والفناء: معنى يضاد الجواهر، وذلك لأن الجوهر باق فلا ينتفي إلا بضد أو ما يجري مجرى الضد، وضده الفناء.
«واختلف المتكلمون في فناء العالم، فذهب بعضهم إلى أنه لا يفنى، والباقون إلى أنه يفنى، ثم اختلفوا: قيل: يخلق الفناء معنى، عن أبي علي وأبي هاشم. وقيل بأن لا يخلق فيه البقاء فيفنى، عن أبي القاسم وقيل بأن يعدمها، عن أبي الحسين الخياط. وقيل بأن يخلق فيها كونا لا يبقى، فإذا فنى الكون فنيت الجواهر.
«واختلفوا في البقاء والفناء، فقيل: البقاء ليس بمعنى، والفناء معنى، عن شيخينا. وقيل: البقاء معنى، والفناء ليس بمعنى، عن أبي القاسم.
وقيل كلاهما ليس بمعنى، والباقي هو مستمر الوجود، والبقاء استمراره.
والفناء إعدام الموجود، والفاني الذي عدم بعد الوجود، عن أبي الحسين الخياط، وقيل هما معنى، عن بعضهم».
ثم قال في الأحكام التي تدل عليها هذه الآية: إنها تدل على أن الخلق
стр. 345
يفنى «على ما نقوله». قال: «وإذا كان الفناء ضد الجواهر فلا اختصاص له ببعض الجواهر دون بعض فيفنى الجميع، خلاف ما قاله أبو علي إنه يختص بجهة! إذ لو اختص بجهة لكان مثلا للجواهر لاشتراكها في التحيز».
قال: «وقد شنع على شيخنا أبي هاشم قوم من الجهلة بهذه المسألة وقالوا: عنده أنه تعالى لو أراد أن يفنى بعض الجواهر دون بعض لا يقدر عليه! وهذا جهل لأنه تعالى لا يريد ذلك، فإما أن يريد فناء الجميع، أو لا يريد فناء بعضه دون بعض لأنه ليس بمقدور.
«ثم يقال للقوم: لو خلق الله تعالى عشرة أجزاء من البياض في محل، فلو خلق فيه جزءا من السواد يبقى الجميع؟ فلو قيل: فلو أراد فناء بعضها دون بعض كيف كان يكون؟ فكلّ جواب لهم هو جوابنا ... الخ «١».
«ومتى قيل: فما الفناء؟ قلنا: عرض لا يقدر عليه غيره تعالى، ويضاد الجواهر، وليس بمتحيز، ولا يكون في جهة، ومن حقه ألا يبقى.
وهل هو مدرك؟ منهم من قال بلى، ومنهم من قال لا، وتوقف القاضي» «٢».
وقد فرع الحاكم على اختلاف رأي شيخيه في مسألة فناء الأجسام، استقامة بعض التأويلات على مذهب أحدهما دون الآخر، قال في قوله تعالى- في مسألة حضور عرش بلقيس عند سليمان بلمح البصر- (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ... ) «٣» إن مشايخه ذكروا في تفسير إحضار العرش
стр. 346
بسرعة أربعة وجوه: أحدها: أن تحمله الملائكة بأمره تعالى. وثانيها:
أن تحمله الريح. وثالثها: أن يخلق الله تعالى فيه حركات متواليات.
والرابع: أنه أعدمه في ذلك الوقت وأعاده عند سليمان في مجلسه. قال الحاكم: «وهذا صحيح على مذهب أبي علي حيث يجوز فناء بعض الأجسام دون بعض. فأما عند أبي هاشم فلا يجوز».
٣ - الاعادة: أما الإعادة فقد «أعاد» مصطلحاتهم فيها وخلافاتهم في مواضع كثيرة، فعله في المسألة السابقة، ولكنه هنا يكاد لا يضل طريقه إلى عرضها بنفس التلخيص والترتيب، كما فعل عند الكلام على قوله تعالى:
(بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) «١» وقوله: (اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) «٢» ولولا أن قوله تعالى: (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) «٣» من السورة التي وردت فيها الآية الأولى السابقة، إذن لما عرض فيها موضوع الإعادة بشيء من زيادة التلخيص! قال في هذه الآيات:
إنها تدل على البعث، وأن الله تعالى قادر على إعادة الخلق يوم الدين.
ثم قال: «ومتى قيل: فما شرط الإعادة؟ قلنا: ثلاثة أشياء: كون الشيء مما يبقى. وأن يكون من مقدور قادر للذات. وأن لا يكون متولدا، عن القاضي. وقيل: أن يكون مما يبقى، ومقدور قادر للذات، وأن لا يكون جنسه مقدورا لقدره، عن أبي علي. وقيل: مما يبقى،
стр. 347
ويكون فعل قادر لذاته، ولا يكون متولدا عن سبب لا يبقى، عن أبي هاشم».
«ومتى قيل: فما الذي تعتبر إعادته؟ قلنا: فيه خلاف! قيل:
الأجزاء التي بها يكون زيد زيدا، عن القاضي. وقيل: الأجزاء والتأليف، عن أبي هاشم. ثم رجع وقال: الأجزاء والحياة، وهو قول أبي عبد الله البصري. وقيل: بل جميع الأجزاء التي هي الإنسان، وهو قول أبي القاسم، ويحكى ذلك عن أبي علي، ويحكى خلافه.
«ومتى قيل: من يجب إعادته؟ قلنا: في العقل: من له حق الثواب، أو عوض. والشرع ورد بإعادة جميع الأحياء.
«ومتى قيل: بماذا نبه تعالى على الإعادة؟ قلنا: بكونه قادرا على الأجسام التي لا يقدر عليها غير القادر للذات، وبكونه عالما بالأجزاء» «١».
٤ - دليل التمانع: وأخيرا نختم هذه الفقرة بتعريف الحاكم لدليل التمانع، كما ورد في تفسيره لقوله تعالى: (قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا) «٢» وهو من الأدلة التي عوّل عليها المتكلمون في إثبات وحدانية الله تعالى، على خلاف بينهم في عده من البراهين الخطابية أو القاطعة. وإن كان هو في الواقع من الأدلة والبراهين القاطعة، وكما يدل عليه كلام الحاكم في فهمه للآية الكريمة.
قال الحاكم: «فأما دلالة التمانع فهو أن يقال: لو كان معه إله لكانا قديمين، والقدم من صفات الخاص. والاشتراك فيه يوجب التماثل فيجب كونهما قادرين عالمين حيين، ومن حق كل قادرين أن يصح أن يريد أحدهما
стр. 348
ضد ما يريده الآخر، من إماتة وإحياء أو تحريك أو تسكين أو اجتماع أو افتراق. [و] لا يخلو إما أن يحصل مرادهما، وذلك محال، أو لا يحصل وفيه نفيهما، أو يحصل مراد
أحدهما وفيه نفي للثاني».
ثم دافع عن هذا الدليل، فقال: «ولا يقال إن عند الدّيصانيّة هما قديمان ولكن أحدهما قادر عالم حي، والآخر عاجز جاهل ميت يقع الفعل منه طباعا، لأنا قد بينا أن الاشتراك في القدم يوجب التماثل في سائر صفات النفس، ولأنه لو وجب مخالفتهما، لاختلاف ما يقع منهما، لما جاز أن يكونا قديمين باقيين!
«ولا يقال إن كل واحد منهما يريد ما يريده الآخر، لأنه يريد بإرادة لا في محل، وذلك لأنا نعني هذا في الارادة، فيفضل هذا إرادة التحريك والآخر التسكين، ولأن هذا يؤدي إلى التباس القادر بالقادرين!
«ولا يقال إنهما لا يتمانعان لأن ما يريد أحدهما يكون حكمه، لأن كلامنا يجري بصحة التمانع لا بوقوع التمانع، وصحة التمانع تدل على أن أحدهما متناهي المقدور فلا يكون إلها!
«ولا يقال: أليس صحة الظلم عندكم لا يدل على الجهل والحاجة، ووقوعه يدل، كذلك هاهنا! قلنا: صحة التمانع [و] وجوده سواء في دلالة أن أحدهما أقدر، وصحة الظلم لا يدل على الجهل والحاجة».
... وبعد، فهذه صورة عامة عن الآثار التي خلّفها منهج الحاكم العقلي، وثقافته الكلامية الجدلية في تفسيره، أتينا فيها على أهم هذه الآثار وأكثرها دورانا في هذا التفسير.
стр. 349
الباب الرابع طريقة الحاكم في تفسيره وآراؤه في علوم القرآن
стр. 350
الفصل الأوّل طريقته في كتابه «التهذيب»
تمهيد: بين المنهج والطريقة
درج الحاكم، من أول كتابه «التهذيب في التفسير» إلى آخره، على تفصيل القول في الآية أو مجموعة الآيات التي يتناولها بالتفسير جملة- كمقطع أو وحدة تفسيرية- ضمن هذه النقاط الأساسية الثابتة، وهي: القراءة اللغة، الإعراب، المعنى، الأحكام. مرتبة على هذا الشكل، يضاف اليها في بعض الأحيان: النزول، إذا كان للآية سبب نزول خاص، ونقاط أخرى يراها ضرورية في بيان بعض الآيات دون بعض، وهي: النظم، إذا كان وجه ارتباط الآية بما قبلها مشكلا أو يحتاج إلى بيان. والفقه، إذا كانت الآية تتناول بعض الأحكام الفقهية في باب العبادات أو المعاملات.
والقصة، إذا كان موضوع الآيات خبرا من أخبار الأمم السابقة، وكان في بعض الروايات تفاصيل زائدة عما يدل عليه الظاهر، كما سنفصل القول في ذلك في هذا الفصل. وترتيب هذه الفقرات جميعا عنده، على النحو
стр. 351
التالي: القراءة، اللغة، الإعراب، النزول، النظم، المعنى، الأحكام، القصة، الفقه.
هذا الترتيب الذي جرى عليه الحاكم في تفسيره سميناه ب «طريقته» في التفسير أو كتابه التهذيب، ونعني بالطريقة هنا «خطته» في البحث، أو «الشكل» الذي اتبعه في تفسير الآية أو الآيات، والكتاب مرتب أصلا- ككل كتاب تفسير معروف- بحسب ترتيب السور في المصحف، مبتدئا بالفاتحة ومختتما بسورة الناس. فيبقى أن ما يمتاز به في الترتيب إنما هو طريقته أو خطته في تقسيم فقرات التفسير في الآية الواحدة، أو السورة الواحدة- في السور القصار- أو مجموعة الآيات من السورة.
وسوف نبحث في هذا الفصل «طريقته» في عرض كل من هذه الفقرات، وما يذهب إليه في شأن الترجيح بين الأقوال والآراء في كل واحدة منها.
ومعلوم أن بعض هذه المسائل أو الفقرات- أو جلها الذي يعنينا إطالة الوقوف عنده- داخل فيما اصطلح العلماء على تسميته بعلوم القرآن، ولكننا آثرنا بحثها هنا مستقلة في فصل خاص، لنضع بين يدي القارئ صورة كاملة ومتميزة عن كتاب الحاكم كما أراد له صاحبه ﵀، وتركنا الحديث عما عداها من مسائل علوم القرآن الأخرى- مما عرض له الحاكم في تفسيره- كنزول القرآن وإعجازه والمكي والمدني ... إلى الفصل القادم.
والنقطة الهامة التي نود الإشارة اليها قبل المضي مع الحاكم في فقرات كتابه تلك، هي أن هذا التحديد الذي ذكرناه لمعنى «الطريقة» في دراستنا هذه، يقطع الطريق على التباسها بالمنهج الذي انتهينا من بحثه في
стр. 352
الباب السابق، فالطريقة هنا لا تعدو أن تكون خطة بحث، أو خطة بحث تتناول بالدرجة الأولى معلومات شكلية وتنظيمية دقيقة، إلى جانب بعض المعلومات في أهم فقرات علوم القرآن عند الحاكم. وهذه لا صلة لها بالمنهج، أو لا صلة لها بمنهج الحاكم الكلامي الذي وجدناه يحكم تفسيره وتنعكس آثاره- أولا- على كلامه على «المعنى» و «الأحكام» وهما الفقرتان اللتان سنقف أمامهما هنا من ناحية «الطريقة» أو من وجهة شكلية بحتة. وبالرغم من أن بعض الفقرات الأخرى لا يصعب على الباحث التماس ما يؤيدها من منهج الحاكم- بمفهومه العام لا بقواعده التي تحدثنا عنها آنفا- فإننا نرجو أن نخرج في هذا الباب من أبواب الرسالة عن كل لون من ألوان التكرار!
أولا: القراءة
١ - قال ابن الجزري في حد القراءة الصحيحة: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها ..
ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها: ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عمن هو أكبر منهم» «١»
وقال أبو عمرو الداني في بيان الركن الأول: «وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية،
стр. 353
بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشوّ لغة، لان القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها» «١»
٢ - وذهب المعتزلة إلى اشتراط التواتر في القراءة، مع تسليمهم بعدم الالتزام بالافشى في اللغة، فإذا ثبت في الآية الواحدة عدة قراءات، جميعها مستفيضة قبلوها جميعا، في حين رفضوا جميع القراءات الشاذة وروايات الآحاد، وقالوا إن القرآن لا يثبت بمثلها، قال القاضي عبد الجبار: «على أن القراءات المختلفة معلومة عندنا باضطرار، ولذلك نستجهل من يرويها من جهة الآحاد» «٢»
٣ - وذهب الزيدية إلى اعتماد قراءة أهل المدينة وهي قراءة نافع، قال يحيى بن حميد: «ومعتمد أئمتنا قراءة أهل المدينة، وهي قراءة نافع والهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم، وقراءة ولده المرتضى محمد، اللذان أظهراها في بلاد الزيدية باليمن» «٣»
٤ - أما صاحبنا الحاكم فلم يشر في كتابه إلى اعتماده قراءة واحد بعينه، وإنما صرح بقبول كل قراءة متواترة، على ما ذكره شيخه القاضي عبد الجبار، قال في مقدمة كتابه التهذيب: «وإنما تجوز القراءة بالمستفيض المتواتر دون الشاد والنادر. وكما لا يجوز إثبات القرآن إلا بنقل مستفيض كذلك القراءة! وما تواتر نقله فلا يجوز رد شىء منها لان كلها منزلة
стр. 354
ثابتة» «١» وهذا هو ما جرى عليه في كتابه وتشدد فيه.
أ) قال في قوله تعالى: (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا) «٢».
القراءة الظاهرة: (لقوا) بغير ألف، وعن بعضهم: لاقوا، قال: «ولا يجوز أن يقرأ به وإن جاز ذلك في العربية؛ لان القراءة سنة متبعة لا تثبت إلا بالنقل المستفيض»
وقال في الصفحات الاولى من كتابه أيضا في تفسير الفاتحة- قوله تعالى (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) - «قرأ أبو عاصم والكسائي ويعقوب «مالك» بالالف. وهي قراءة الخلفاء الاربعة وجماعة من الصحابة والتابعين وقرأ الباقون بغير ألف». ثم قال: «وكلاهما مرويان عن النبي ﷺ قراءتان مشهورتان» وبين بعد ذلك اختلافهم في أي القراءتين أمدح، ولم يصرح مع ذلك بترجيح واحدة على الاخرى- على عادته- وإنما ختم هذه الفقرة برد بعض القراءات الأخرى في الآية، قال: «فأما ما روى في (مالك) من القراءات الشاذة، نحو: ملك بجزم اللام.
ومالك، بنصب الكاف على النداء ورفعها، وإن كان جائزا في العربية فلا يجوز القراءة به لما بيناه» «٣»
ب) فإذا كانت القراءة غير مستفيضة، ومخالفة مع ذلك للعربية،
стр. 355
فإنه يعنف في ردها، وإنكار أن تكون مضافة إلى رسول الله ﷺ ، قال في قوله تعالى: (مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ) «١» إن القراءة المجمع عليها: «رفرف» قال: وروى عن النبي ﷺ أنه قرأ:
رفارف، على الجمع، وعباقرى بالألف ثم قال: «ولا يصح هذا عن رسول الله ﷺ ، ولا تجوز القراءة به، والقرآن لا يثبت إلا بالنقل المستفيض، وقد ذكر أهل العربية أن من قرأ «عباقرى» فقد غلط ... » «٢»
ج) وربما التمس لبعض القراءات المفردة أو الشاذة بعض وجوه التأويل، كأن يحملها على أنها تفسير، أو أن من قرأ بها إنما قصد إلى بيان جوازها في المعنى لا أنها قراءة، ونحو ذلك. ويبدو أنه إنما يذكر هذه القراءات- أصلا- لمثل هذا التوجيه، أو لبيان شذوذها وأنها مما يجب أن يرفض، قال في قوله تعالى: (وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) «٣»: إنه روى عن زيد بن علي ﵉: يضرهم، بضم الياء وكسر الضاد، قال: «ويحمل على أنه بيّن أنه لو قرئ به لكان
صحيحا لا أنه قراءة»
وذكر في قوله تعالى: (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ) «٤» أن قراءة العامة «طلح» بالطاء. قال:
«وعن علي: طلع، بالعين، رواه عنه ابنه الحسن ﵉. وعن قيس