← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37682

الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير

عدنان زرزور

Полный текст (498 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

التالي: القراءة، اللغة، الإعراب، النزول، النظم، المعنى، الأحكام، القصة، الفقه. هذا الترتيب الذي جرى عليه الحاكم في تفسيره سميناه ب «طريقته» في التفسير أو كتابه التهذيب، ونعني بالطريقة هنا «خطته» في البحث، أو «الشكل» الذي اتبعه في تفسير الآية أو الآيات، والكتاب مرتب أصلا- ككل كتاب تفسير معروف- بحسب ترتيب السور في المصحف، مبتدئا بالفاتحة ومختتما بسورة الناس. فيبقى أن ما يمتاز به في الترتيب إنما هو طريقته أو خطته في تقسيم فقرات التفسير في الآية الواحدة، أو السورة الواحدة- في السور القصار- أو مجموعة الآيات من السورة. وسوف نبحث في هذا الفصل «طريقته» في عرض كل من هذه الفقرات، وما يذهب إليه في شأن الترجيح بين الأقوال والآراء في كل واحدة منها. ومعلوم أن بعض هذه المسائل أو الفقرات- أو جلها الذي يعنينا إطالة الوقوف عنده- داخل فيما اصطلح العلماء على تسميته بعلوم القرآن، ولكننا آثرنا بحثها هنا مستقلة في فصل خاص، لنضع بين يدي القارئ صورة كاملة ومتميزة عن كتاب الحاكم كما أراد له صاحبه ﵀، وتركنا الحديث عما عداها من مسائل علوم القرآن الأخرى- مما عرض له الحاكم في تفسيره- كنزول القرآن وإعجازه والمكي والمدني ... إلى الفصل القادم. والنقطة الهامة التي نود الإشارة اليها قبل المضي مع الحاكم في فقرات كتابه تلك، هي أن هذا التحديد الذي ذكرناه لمعنى «الطريقة» في دراستنا هذه، يقطع الطريق على التباسها بالمنهج الذي انتهينا من بحثه في

стр. 352

الباب السابق، فالطريقة هنا لا تعدو أن تكون خطة بحث، أو خطة بحث تتناول بالدرجة الأولى معلومات شكلية وتنظيمية دقيقة، إلى جانب بعض المعلومات في أهم فقرات علوم القرآن عند الحاكم. وهذه لا صلة لها بالمنهج، أو لا صلة لها بمنهج الحاكم الكلامي الذي وجدناه يحكم تفسيره وتنعكس آثاره- أولا- على كلامه على «المعنى» و «الأحكام» وهما الفقرتان اللتان سنقف أمامهما هنا من ناحية «الطريقة» أو من وجهة شكلية بحتة. وبالرغم من أن بعض الفقرات الأخرى لا يصعب على الباحث التماس ما يؤيدها من منهج الحاكم- بمفهومه العام لا بقواعده التي تحدثنا عنها آنفا- فإننا نرجو أن نخرج في هذا الباب من أبواب الرسالة عن كل لون من ألوان التكرار! أولا: القراءة ١ - قال ابن الجزري في حد القراءة الصحيحة: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها .. ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها: ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عمن هو أكبر منهم» «١» وقال أبو عمرو الداني في بيان الركن الأول: «وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية،

стр. 353

بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشوّ لغة، لان القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها» «١» ٢ - وذهب المعتزلة إلى اشتراط التواتر في القراءة، مع تسليمهم بعدم الالتزام بالافشى في اللغة، فإذا ثبت في الآية الواحدة عدة قراءات، جميعها مستفيضة قبلوها جميعا، في حين رفضوا جميع القراءات الشاذة وروايات الآحاد، وقالوا إن القرآن لا يثبت بمثلها، قال القاضي عبد الجبار: «على أن القراءات المختلفة معلومة عندنا باضطرار، ولذلك نستجهل من يرويها من جهة الآحاد» «٢» ٣ - وذهب الزيدية إلى اعتماد قراءة أهل المدينة وهي قراءة نافع، قال يحيى بن حميد: «ومعتمد أئمتنا قراءة أهل المدينة، وهي قراءة نافع والهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم، وقراءة ولده المرتضى محمد، اللذان أظهراها في بلاد الزيدية باليمن» «٣» ٤ - أما صاحبنا الحاكم فلم يشر في كتابه إلى اعتماده قراءة واحد بعينه، وإنما صرح بقبول كل قراءة متواترة، على ما ذكره شيخه القاضي عبد الجبار، قال في مقدمة كتابه التهذيب: «وإنما تجوز القراءة بالمستفيض المتواتر دون الشاد والنادر. وكما لا يجوز إثبات القرآن إلا بنقل مستفيض كذلك القراءة! وما تواتر نقله فلا يجوز رد شىء منها لان كلها منزلة

стр. 354

ثابتة» «١» وهذا هو ما جرى عليه في كتابه وتشدد فيه. أ) قال في قوله تعالى: (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا) «٢». القراءة الظاهرة: (لقوا) بغير ألف، وعن بعضهم: لاقوا، قال: «ولا يجوز أن يقرأ به وإن جاز ذلك في العربية؛ لان القراءة سنة متبعة لا تثبت إلا بالنقل المستفيض» وقال في الصفحات الاولى من كتابه أيضا في تفسير الفاتحة- قوله تعالى (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) - «قرأ أبو عاصم والكسائي ويعقوب «مالك» بالالف. وهي قراءة الخلفاء الاربعة وجماعة من الصحابة والتابعين وقرأ الباقون بغير ألف». ثم قال: «وكلاهما مرويان عن النبي ﷺ قراءتان مشهورتان» وبين بعد ذلك اختلافهم في أي القراءتين أمدح، ولم يصرح مع ذلك بترجيح واحدة على الاخرى- على عادته- وإنما ختم هذه الفقرة برد بعض القراءات الأخرى في الآية، قال: «فأما ما روى في (مالك) من القراءات الشاذة، نحو: ملك بجزم اللام. ومالك، بنصب الكاف على النداء ورفعها، وإن كان جائزا في العربية فلا يجوز القراءة به لما بيناه» «٣» ب) فإذا كانت القراءة غير مستفيضة، ومخالفة مع ذلك للعربية،

стр. 355

فإنه يعنف في ردها، وإنكار أن تكون مضافة إلى رسول الله ﷺ ، قال في قوله تعالى: (مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ) «١» إن القراءة المجمع عليها: «رفرف» قال: وروى عن النبي ﷺ أنه قرأ: رفارف، على الجمع، وعباقرى بالألف ثم قال: «ولا يصح هذا عن رسول الله ﷺ ، ولا تجوز القراءة به، والقرآن لا يثبت إلا بالنقل المستفيض، وقد ذكر أهل العربية أن من قرأ «عباقرى» فقد غلط ... » «٢» ج) وربما التمس لبعض القراءات المفردة أو الشاذة بعض وجوه التأويل، كأن يحملها على أنها تفسير، أو أن من قرأ بها إنما قصد إلى بيان جوازها في المعنى لا أنها قراءة، ونحو ذلك. ويبدو أنه إنما يذكر هذه القراءات- أصلا- لمثل هذا التوجيه، أو لبيان شذوذها وأنها مما يجب أن يرفض، قال في قوله تعالى: (وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) «٣»: إنه روى عن زيد بن علي ﵉: يضرهم، بضم الياء وكسر الضاد، قال: «ويحمل على أنه بيّن أنه لو قرئ به لكان صحيحا لا أنه قراءة» وذكر في قوله تعالى: (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ) «٤» أن قراءة العامة «طلح» بالطاء. قال: «وعن علي: طلع، بالعين، رواه عنه ابنه الحسن ﵉. وعن قيس

стр. 356

ابن سعد قال: قرأ رجل عند علي: (وطلح منضود) فقال علي: ما شأن الطلح؟ إنما هو: وطلع، ثم قرأ (طلعها هضيم) فقلت: إنها في المصحف بالحاء أفلا نحوّلها؟ فقال: (إن القرآن لا يهاج اليوم ولا يحوّل!) قال الحاكم: «وهذه أخبار آحاد لا يصح بمثلها إثبات القرآن. وكيف يقول علي هذا وجميع المصاحف على الحاء؟ ومصحف علي بالحاء! وعليه إجماع القراء في الآية. فنقطع أنه لا يصح عن الحسن وعن علي ﵉. وعلى بعد يمكن أن يتأول أنه بين جوازه لو قرئ!!». وأكثر القراءات التي عدها تفسيرية من مصحف ابن مسعود- وقسم كبير من التي حكم بردها لأنها آحاد، منه أيضا- قال في قوله تعالى: (وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ) «١» إنه ذكر أنه في مصحف ابن مسعود: (وفي الكلام غير مبين) قال: «ويحمل على أنه فسر به». وقال في تعالى: (قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ) «٢» إن القراء اجمعوا على (قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ) وعن ابن مسعود: قالوا سل ربك، قال: «وهذا محمول على أنه فسر الدعاء به لا أنه قرأه!». ولهذا فإنه يورد بعض هذه القراءات في بند «المعنى» لا في «القراءة» ليشير إلى أنها من قبيل التفسير. ثانيا: اللغة أما شرحه للمفردات اللغوية فهو شرح فائق وغنيّ إلى درجة كبيرة،

стр. 357

وهذا فيما يظهر من أهم ميزات كتاب الحاكم، وإن كان مما لا شك فيه أن لقاعدته الأساسية التي قدمنا الكلام فيها- وهي أن مأخذ تفسير القرآن من اللغة- أثرها الكبير في سلوكه هذا الطريق. ١ - والأمر الذي لا يكاد يتخلف في هذا الشرح، هو إيراده أولا مترادفات الكلمة أو نظائرها- كما يسميها دائما- وغالبا ما تكون هذه النظائر ثلاث مفردات، يعرّف الكلمة بعدها بالضد أو النقيض، ثم يبحث فيها عن التصريف وأصل الاشتقاق. ويورد بعدها معنى الكلمة في لسان العرب. ٢ - ولا يخلو في ذلك كله- في الغالب- من الاستشهاد بالحديث والشعر والأمثال وأقوال أئمة اللغة، حتى ليظن القارئ في بعض الأحيان أنه يراجع مادة في أحد المعاجم! ٣ - يضاف إلى ذلك أيضا إيراده في بعض الأحيان كثيرا من التعاريف الكلامية الاعتزالية- كما قدمنا- إلى جانب بعض التعاريف الاصطلاحية أو الشرعية، والأمور الفقهية. ٤ - والنقطة التي يلاحظها القارئ بعد أن يمضي قليلا في تفسير الحاكم هي أنه ﵀ قد ألزم نفسه شرح الكلمة الواحدة في كل مرة ترد فيها، سواء في السورة الواحدة، أو في سائر السور، مع شيء من التفاوت في الإيجاز والاطناب. بل إن هذه هي طريقة الحاكم في بيان معنى الآيات عامة، يذكر فيها في كل موضع ما لا بد منه، فتراه مثلا يورد جملة ما قيل في فواتح السور عند كل فاتحة منها، وجملة ما قيل في أسلوب القسم في القرآن حيث ورد أي قسم، وكذلك تجده يكرر

стр. 358

المصطلحات والأمور الخلافية، ولا يحيل على ما تقدم في تفسيره إلا في أحوال جد نادرة.- وإن كان من الغريب نوعا أن يفصّل في بعض المواطن اللاحقة كالسور المكية ما أوجز فيه القول في المواطن المتقدمة! - ٥ - ونورد فيما يلي بعض النماذج اللغوية من تفسير الحاكم، تظهر فيها «جملة» هذه الطريقة التي تحدثنا عنها: أ- قال في شرح معنى «الخديعة» في تفسيره لقوله تعالى (يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) «١»: الخديعة والغرور والتمويه: نظائر، وخلاف الخديعة النصيحة، وأصله الاحتماء، ومنه المخدع لأنه تخفى فيه الأشياء. وحقيقته: الإيهام بخلاف الحق بالتمويه والتزوير، ويقال: الحرب خدعة- بفتح الخاء- لغة النبي صلّى الله عليه وآله، والضم لغة، والأول أفصح. والخداع: الفساد، والخادع: الفاسد من الطعام، قال الشاعر: أبيض اللون لذيذ طعمه ... طيّب الريق إذا الريق خدع أي فسد. وعرّف «الصبر» بأنه حبس النفس عما تنازع اليه قال: ونقيضه الجزع، قال الشاعر: فإن تصبروا فالصبر خير مغبة ... وإن تجزعا فالأمر ما تريان والصبور: الكثير الصبر. ومنه: نهى أن يقتل شيء من الحيوان مصبورا، وهو أن يحبس حيا ثم يرمى فيقتل، ومنه: قتل فلان صبرا «٢».

стр. 359

وقال في تعريف «الحسرة»: «والحسرة والتندم والتأسف من النظائر، وهو الاغتمام بما فات وقته. وأصل الحسرة: شدة الندم ... وأصل الباب هو الانقطاع، يقال: حسرت الناقة: انقطع سيرها كلالا، ومنه: (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) أي منقطع، فكأن النادم يحسر كما يحسر الذي تنقطع به دابته في السفر البعيد». وقال في شرح معنى «الطارق» في قوله تعالى: (وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ). الطارق: الآتي ليلا، يقال: طرقني فلان، أي أتاني ليلا. وأصل الطرق: الدق. ومنه المطرقة لأنه يدق بها، والطريق لأن المارة تدقه بأرجلها، والطارق يأتي في وقت يحتاج فيه إلى الدق للتنبيه، وفي الدعاء: نعوذ بالله من طوارق الليل إلا طارق يطرق بخير، وقال الشاعر: ألا طرقتنا بعد ما هجعوا هند «١» وقال في «السّفرة» في قوله تعالى: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ): «والسفرة: الكتبة لأسفار الحكمة، واحدها سافر، كقوله: كاتب وكتبة، وساحر وسحرة، وكافر وكفرة، وعامل وعملة، وفاجر وفجرة. وقيل: السفير الرسول، وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، قال أبو مسلم: السافر حامل الكتاب، والجمع سفرة، وسفرت بينهم: أصلحت، قال الشاعر: وما أدع السفارة بين قومي ... وما أمشي بغش إن مشيت وأصل الباب: الكشف عن الأمر، يقال: سفرت المرأة وجهها، إذا

стр. 360

كشفته، وأسفر الصبح: أضاء فكأنه يكشف عما في النفس. والأسفار: الكتب لأنها تكشف عن المعنى، والواحد: سفر. ب- وعرّف الرهبة في قوله تعالى (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) بأنها الخوف والخشية، قال: ومنه: الراهب، ومنه: رهبوت خير من رحموت، يعني أن ترهب خير من أن ترحم. ثم قال: «والرهبة قيل جنس برأسه من أجناس الأعراض. وعندنا أنه يرجع إلى الاعتقادات، فمن اعتقد في شيء ضررا دعاه إلى اجتنابه فهو رهبة! ومن اعتقد فيه نفعا دعاه إلى فعله فهو رغبة». «١» وفي شرحه اللغوي أيضا لكلمة «أسباب» في قوله تعالى: (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ) قال: «والسبب: كل ما يتوصل به إلى الشيء الذي يبعد عنك، وجمعه أسباب، يقال للطريق: سبب، والحبل سبب. والفرق بين السبب والعلة أن السبب يوجب الذوات، كالضرب يوجب الألم، والكون يوجب التأليف. والعلة توجب الصفات، كالحركة توجب كونه متحركا، وغير ذلك مما قيل فيه». «٢» وقال في «الهبة» في قوله تعالى: (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً): «والهبة والصلة والعطية من النظائر، وهب فهو واهب. والهبة عقد جائز في الشرع، صحتها بالإيجاب والقبول بالاتفاق، ثم اختلفوا فقيل: وفي القبض والتسليم، عند أكثر الفقهاء. وقال الهادي: تصح من

стр. 361

غير قبض!» «١» وقال في «الشّفق» في قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ): الشفق أصله الرقة، ومنه: أشفق على كذا فهو شفيق. وأشفق عليه: خاف هلاكه، وأشفق منه: خاف إذا رق بالخوف. وثوب شفق: رقيق. والشّفق: البقية الضعيفة من أثر الشمس إذا غابت، سميت بذلك لرقتها، وبعضهم يقول: الشفق الحمرة، وهو قول الخليل والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي ومالك. ومنهم من يقول: البياض، وهو قول أبي حنيفة وجماعة من الفقهاء، وقول ثعلب وجماعة من أهل اللغة. وقال الفراء سمعت بعض العرب يقول لثوب أحمر: كأنه الشفق! قال الشاعر: أحمر اللون كحمر الشفق وقال آخر: قم يا غلام أعنّي، غير محتشم ... على الزمان، بكأس حشوها شفق! «٢» ثالثا: الاعراب وأما طريقته في هذه الفقرة من فقرات تفسيره، فيمكن تلخيصها فيما يلي: ١ - لم يعرض الحاكم بالطبع إلى إعراب جميع آيات القرآن، ولكن قلما تخلو واحدة من مجموعة الآيات التي يفسرها مع بعض من موطن أو أكثر يحتاج إلى إعراب، ولهذا فإن فقرة الإعراب تبدو للقارئ فقرة ثابتة في تفسير الحاكم لا تكاد تتخلف، اللهم إلا بمقدار ما تتخلف

стр. 362

«القراءة» مثلا، وذلك في أحوال نادرة على وجه العموم. ٢ - المواطن التي عرض الحاكم لإعرابها في القرآن، هي في الواقع ما يشكل على طالب العلم الذي شدا طرفا من علم النحو، وإن كان لا ينكر أهمية هذا الإعراب باعتباره طريقا إلى التفسير وبيان معنى الآية، كما لا ينكر أنه قد يورد هنا في كثير من الأحيان أمورا دقيقة، وشيئا من فلسفة النحو، مما يطلبه آخرون. ٣ - استطرادات الحاكم في «الإعراب» كثيرة جدا، وبخاصة في الأجزاء الأولى من الكتاب، وموضوع هذه الاستطرادات في الغالب هو قواعد النحو ذاتها، فتراه مثلا يخرج من إعراب «إنّ» إلى ذكر أخواتها جميعا، وذكر المواضع التي تكسر فيها همزتها وجوبا! كل ذلك مع الأمثلة والشواهد. كما تراه مثلا بمناسبة إعراب واو بأنها واو القسم يخرج إلى الحديث عن حروف القسم والتمثيل لها جميعا. ويستطرد من إعرابه لاسم الاستفهام «كيف» وعن أي شيء يسأل به عنه، إلى ذكر سائر أدوات الاستفهام وعم يسأل بها، الخ هذا عدا إسرافه الزائد في ذكر وجوه الإعراب في الكلمة الواحدة أو الحرف الواحد، مع أن سبيله إلى الترجيح واضحة في بعض الأحيان، وربما يكون قد أشار هو نفسه إليها في نفس الموضع أو في موضع آخر. وما تزال عين القارئ تقع في كتاب الحاكم على عبارة «ويقال» ضمن فقراته «الإعرابية» يفرّع بها ويتساءل، وعلى عبارة: «قلنا» يجيب بها على هذا التساؤل! «١»

стр. 363

وقد تحملنا كثرة استطراداته تلك على الظن بأنه كان له هدف تعليمي في تفسيره من خلال إعراب القرآن، حيث يضع طالب العلم أمام نصوص العربية الخالدة وجها لوجه. ولا يبعد هذا الظن ما رجحناه من قبل من أنه قد وضع تفسيره المطول هذا بالعربية، قبل أن يكتب تفسيريه الآخرين بالفارسية، فلعله كان ينوي تلخيصهما عنه، وليست حاجة العرب- على كل حال- تقل كثيرا حاجة الفرس في القرن الخامس والقرون التالية إلى تذكّر قواعد اللغة وهم يقرءون التفسير، أو يقفون على وجوه الإعراب والتأويل. على أن العناية الزائدة بالإعراب في التفاسير المطولة كانت من طابع هذا العصر، كما أشرنا إلى ذلك في التمهيد لهذه الرسالة. ٤ - وغني عن البيان أن إعراب الآية عند الحاكم طريق وتمهيد لتفسيرها وبيان «معناها» في الفقرة التالية، ولكنه ربما قدم القول هنا في حل إشكال سوف يعترضه عند الكلام على «المعنى» لأن ظاهر المعنى مما لا يجوز عنده، أو مما لا يقول به أحد، قال في قوله تعالى: (وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) «١» «الاعراب: يقال: ما حكم الاستثناء في قوله (إلا من ظلم)؟ قلنا: فيه وجوه: أولها إلا من ظلم فيما فعل من صغيرة، فيكون الاستثناء في هذا متصلا، في معنى قول الحسن. وثانيها: لكنه من ظلم العباد فهذا

стр. 364

أمره، فيكون استثناء منقطعا. وثالثها: تقديره: لا يخاف لدي المرسلون إنما الخوف على من سواهم إلا من ظلم، فمن بدل حسنا بعد سوء. وقيل: «إلا» معنى الواو، كقوله (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا) تقديره: فلا على من ظلم ثم تاب. وقيل: «إلا» بمعنى «أما» يعني: أما من ظلم ثم بدل حسنا فلا خوف عليه أيضا». ٥ - أفاد الحاكم في موضوع «الإعراب» من مصادر خاصة بإعراب القرآن ومعانيه وكتب أخرى، فوق مصادره العامة التي تحدثنا عنها فيما تقدم، وما تزال أسماء الزجاج والفراء وأبي عبيدة والأخفش وابن السراج تتردد في أكثر هذه الفقرات، كما تتردد أسماء الكسائي وقطرب وسيبويه، إلى جانب الاحتجاج الدائب بمذهب الكوفيين والبصريين. ٦ - ونكتفي فيما يلى ببعض الشواهد الموجزة التي تولى فيها- ﵀ حل بعض الإشكالات: قال في قوله تعالى (فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ) «١»: «ومتى قيل: كيف قال إنا رسول وهما اثنان؟ فجوابنا: فيه وجوه: أحدها معناه: كل واحد رسول. وثانيها أنه مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، كأنه قيل: ذو رسالة، قال الشاعر: لقد كذب الواشون ما بحث عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول أي برسالة، عن الفراء. وذكر أن الرسول يكون في معنى

стр. 365

الواحد والاثنين والجمع، يقولون: هؤلاء رسولي، وهذان رسولي، وهذا رسولي، وإلى هذا الوجه ذهب أبو عبيدة». وقال في قوله تعالى: (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) «١»: في قوله (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) قولان: قيل تقديره: وما أنتم بمعجزين، ولا من في السماء بمعجز. قال: وهو من غامض العربية للضمير الذي في الثاني، ونظيره قول حسّان: فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء أى: ومن يمدحه، فأضمر؛ عن الفراء وأبي زيد. «وقيل: لا يعجزه أمرنا في الأرض ولا في السماء». وقال في قوله تعالى (وَالشَّمْسِ وَضُحاها، وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها، وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها، وَالسَّماءِ وَما بَناها وَالْأَرْضِ وَما طَحاها، وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) «٢»، قال: «الأعراب: الواو في قوله (وَالشَّمْسِ) ونظائرها واو القسم، ولذلك كسر ما بعدها. وما بعده معطوف عليه. وحروف القسم ثلاثة: الباء وهو الأصل، ثم الواو فرع عليه. ثم التاء فرع على الواو، فلا تدخل إلا على اسم الله تعالى، كقوله (تالله). (قد أفلح) قال الخليل: اللام مضمر فيه، أي لقد أفلح، وقيل: بل فيه تقديم وتأخير، تقديره: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَالشَّمْسِ وَضُحاها.

стр. 366

والضمير في (جلاها) يعود على الشمس وقد تقدم ذكره .. وقيل يعود على الكناية عن الظلمة، ولم يذكر لأن معناه معروف كقولهم: أصبحت باردة وأمست عاصفة، فكنى عن أشياء لم يجر لها ذكر .. » رابعا: النزول عد الحاكم من علوم القرآن: النزول، قال «فإن منه ما نزل بسبب ثم قصر على سببه، وقد يتعدّى إلى غيره. والواجب اعتبار اللفظ دون السبب» «١». وقد كان لاعتباره هذا- الذي هو مذهب الأكثر- ولمنهجه في الاعتماد على اللغة، وموقفه من خبر الواحد عموما، أثره في عدم عنايته الزائدة بأسباب النزول. ١ - فهو دائما يورد ما «قيل» في الآية من أسباب النزول مضافا إلى الصحابة أو التابعين وسائر السلف، وكأن الأمر لا يعدو أن يكون من قبيل الآثار أو من قبيل التفسير في كثير من الأحيان، حتى يظن الباحث أن فكرة الحاكم عن سبب النزول- بمعنى أن الآية نزلت لحادثة بعينها أو بعد سؤال بعينه أو ما شاكل ذلك من أسباب النزول- لا تخلو من غموض، فهو قد يورد ما «قيل» في الآية من أسباب نزول، ثم يعقب عليها بأن الأولى من ذلك حمل الآية على عمومها لأن المعتبر باللفظ دون السبب! أو يرجح بعض الأقوال على بعض بنظم الكلام أو بما ذهب إليه الأكثر! مع العلم بأن حمل الآية على العموم اعتبارا باللفظ أو بعموم اللفظ لا يمنع أن يكون لها سبب نزول خاص هو «الأولى»

стр. 367

من سائر أسباب النزول نظرا لصحته أو لإجماع الصحابة عليه، أو ما شاكل ذلك من المرجحات! ٢) ولذلك فإن الحاكم لم يرجح سببا على آخر إلا في مواطن قليلة، كما أنه لم يصرح برفض بعض أسباب النزول، بحجة أنها من أخبار الآحاد أو أن الظاهر لا يدل على صحتها!! إلا لمخالفتها لمنهجه كما تقدم. ٣) ومن شواهده الموضحة لهذا الموقف من أسباب النزول، ما يلي: أ- قال الله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ، أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ .. ) «١» قال الحاكم: قيل: نزل قوله (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ) إلى آخر الآية في رجل من بني جميح يكنى أبا الأشدين، كان شديد القوة يضع الأديم تحت قدمه ويقول: من أزالني فله كذا، فلا يطيق أحد نزعه إلا قطعا، ويبقى موضع قدمه. وقيل إن أبا الأشدين هذا أنفق مالا كثيرا في عداوة رسول الله ﷺ ، وإياه عني بقوله: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) لقوته!. وقيل: نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة كان يقول: أهلكت مالا كثيرا في عداوة محمد، أي أنفقت. وقيل: بل نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وذلك أنه أذنب ذنبا فأمره رسول الله ﷺ بتكفير، فقال لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات مذ دخلت في دين محمد. قال الحاكم «والأولى أنها على عمومها، فالمعتبر باللفظ لا بالسبب!».

стр. 368

وقال في قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) «١» إنهم اختلفوا في سبب نزوله على ثلاثة أقوال: «أولها أنها نزلت في أبي بكر. وثانيها أنها نزلت في رجل من الأنصار. وثالثها أنها عام في جميع من كان بهذه الصفة» ثم فصل هذه الأقوال والروايات ولم يعقب عليها بشيء، وكأن العبرة في سبب النزول ليست في عموم اللفظ!. ب) وقال في قوله تعالى: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ... ) «٢» قيل نزلت في المنافقين والآية متصلة بقوله (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)؛ عن أكثر أهل التفسير. وقيل: نزلت في اليهود، وقيل إن أهل هذه الصفة لم يأتوا بعد. قال الحاكم: «والأول أصح لأن عليه أكثر أهل العلم، ونظم الكلام يقتضي ذلك»! وذكر في سبب نزول قوله تعالى (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) «٣» أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب، عن مقاتل، قال: كان يؤذي رسول الله ثم صار وليا وصهرا، تزوج بابنته رملة أم حبيبة، قال الحاكم: «وليس في الظاهر ما يدل عليه، وأبو سفيان لم يكن وليا قط! وقد قال يوم عثمان: إني لأرجو أن يعود ديننا

стр. 369

كما عاد الملك إلينا! وقال يوم السقيفة لعلي ما قال يحثه على محاربة أبي بكر حتى زجره علي ... ». ولم يفت الحاكم أن ينازل القدرية المجبرة في أسباب النزول، ويعرض فيها لنقض مذهبهم، أورد في قوله تعالى: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) «١» من سورة المجادلة، أنها نزلت في القدرية عن ابن عباس، قال ابن عباس: إن النبي ﷺ قال: ينادي مناد يوم القيامة: أين خصم الله! فيقوم القدرية مسودة وجوههم يقولون: ما عبدنا شيئا دونك! قال ابن عباس: صدقوا ولكن أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون. قال الحاكم: «وقد بينا في سورة القمر أن القدرية هم المجبرة الذين يجعلون كل القبائح بقدره، وروينا عن النبي ما يدل عليه، وبينا الوجوه في ذلك، وذكرنا أن عليا ﵁ بين ذلك بيانا شافيا .. » ثم استطرد في بيان دلالة هذا الخبر عن ابن عباس على ما قدمه في سورة القمر، ونقل عن الحسن أنه قال في قوله تعالى (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) إن إبليس يقوم فيقال له: لماذا لم تسجد لآدم ولم كفرت وأبيت؟ فيقول إنه منع من السجود وخلق فيه الإباء .. فيقال كذبت، فيقول لي شهود!! فيقوم ناس من هذه الأمة فيشهدون له فيخرج من أفواههم دخان يسوّد وجوههم، ويبعث بهم إلى النار». «٢»

стр. 370

خامسا: النظم قال الحاكم ﵀ في بيان فكرته هذه في النظم: «إن القرآن على ما هو عليه من السور والآيات اتصل بعضها ببعض، كذلك أنزل، وفي ذلك غرض وفائدة» «١» وهذا ما دعا الحاكم في تفسيره إلى بيان هذه الصلة وتأكيدها بين الآيات في السورة الواحدة، وبين السور أيضا على ما هي عليه في ترتيب المصحف. ولهذا كان من نافلة القول أن نذكر بعد ذلك أن الحاكم يقول: إن ترتيب الآيات والسور توقيفي وليس من اجتهاد الصحابة. وإذا كان ترتيب الآيات- على ما يذهب إليه الحاكم- ليس فيه خلاف يعتدّ به، فقد ذهب بعضهم إلى أن ترتيب السور اجتهادي وليس بتوقيفي. وتتضح لنا فكرة الحاكم عن «النظم» وطريقته في هذه الفقرة- التي تستحق العناية والإفراد بالإشارة- من خلال النقط التالية: ١ - جرت عادة الحاكم أن يورد بضع آيات مجموعة- كأي مفسر آخر- ثم يبدأ بتفسيرها على طريقته التي نتحدث عنها في هذا الفصل: يبدأ بالقراءة فاللغة فالإعراب .. الخ، فإذا كانت الصلة بين هذه المجموعة والمجموعة التي تليها جلية لا تحتاج إلى بيان، ألمح إلى هذه الصلة في مطلع كلامه على «المعنى» في الآيات التالية، وإن كان وجه ارتباط الآيات بالآيات السابقة خفيا أو دقيقا يحتاج إلى بيان عقد له فقرة «النظم» هذه، يلتمس فيها وجه الصلة والارتباط، وبخاصة في المواطن التي يحسّ

стр. 371

القارئ فيها لانتقال الظاهر من موضوع إلى آخر، ويخفى عليه في نفس الوقت الوجه في هذا الانتقال- كما قدمنا. ٢) أما إذا كانت الصلة بين آيات المجموعة الواحدة عنده تحتاج إلى شيء من البيان، أو فيها ما يحتاج إلى ذلك- وهذا واقع في كتاب الحاكم لأنه قد يفوته في بعض الأحيان حسن ضم الآيات بعضها إلى بعض- فإنه أيضا يتعهد هذه الصلة بالبيان على وجه جيد، دون أن يضع لها- بالطبع- عنوانا أو يضعها تحت هذه الفقرة- النظم-. ٣) ولعل هذا إلى جانب ما قدمناه في النقطة السابقة، يفسر قلة هذه الفقرة- نسبيا- في كتاب الحاكم. ومن الملاحظ أنها في السور المدنية اكثر منها بكثير في السور المكية نظرا لطول الأولى وكثرة الموضوعات التي عالجتها. كما يلاحظ على مصادر الحاكم في هذه الفقرة- وهي نفس مصادره العامة التي تحدثنا عنها- أن اعتماده فيها على الرماني كان كبيرا، حتى إن أكثر نقوله عنه تكاد تكون في هذه الفقرة. ولعل هذا يرجح القول بعناية الرماني بالمناسبات بين الآيات، إلى جانب عنايته- التي تحدثنا عنها- بالتعاريف اللغوية الكلامية الدقيقة. ٤) أما حديثه عن ارتباط السور بعضها مع بعض- بيان مناسبة آخر السورة لمطلع السورة التالية- فقد جرت عادته أن يقدمه بإيجاز قبيل الشروع في تفسير السورة- على الدوام- وبعد أن يكون قد ذكر ما ورد في اسم السورة وعدد آياتها، وما أثر في فضلها من الأخبار- كل ذلك على عادة أغلب المفسرين- ولم يضع لهذه المناسبات أي عنوان وإن كانت داخلة في حده للنظم كما قدمنا، وقد آثرنا الإلماع إليها هنا لصلحتها الوثيقة

стр. 372

بهذه الفقرة من كتاب الحاكم، أو لدخولها تحته على الأصح. ولا تخلو هذه المناسبات بين السور عنده- على إيجازها- من لفتات جيدة وملاحظات ذكية، كما سندل على ذلك ببعض الشواهد. ٥) ونوضح فيما يلي طريقة الحاكم في هذه الفقرة ببعض الشواهد الموجزة، مبتدئين بشاهد أو شاهدين من أي موضع من تفسيره، عن طريقته الأساسية في الإشارة إلى الصلة بين الآيات في مطلع كلامه على «المعنى». أ- من مقاطعه التفسيرية في سورة محمد- ﵌ هذه الآيات: قال تعالى: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ، ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ. أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ. وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ) الآيات ٢٦ - ٣٠. ووجه ارتباط هذه الآيات بسابقتها، لمكان التعليل في صدرها، ظاهر. ولكنه تحدث عن وجه ارتباطها بالآيات التالية: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) الآيات ٣١ - ٣٥.

стр. 373

فقال في «المعنى: لما تقدم أنه يعلم اعمالهم عقبه بأنه مع علمه لا يجازيهم حتى يعملوا فقال ... » وقال في ربط هذه الآيات التالية من السورة: (إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ) ... إلى آخر السورة، «المعنى: لمّا حث على الجهاد بين أن ضعفه لأجل الدنيا فبين حالها لئلا يركن إليها، فقال سبحانه ... الخ). «١» ب- ومن شواهده في «النظم» - الذي نشير هنا إلى أنه أفاد فيها من منهجه إلى حد كبير- الشواهد التالية: قال تعالى: (بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ. قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.) الآيات ٢٢ - ٢٥ سورة الزخرف. شرح الحاكم هذه الآيات ثم تساءل عن كيفية اتصال الآيات التالية التي تحكى قصة إبراهيم بهذه الآيات: قال تعالى: (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ ... ) فقال في «النظم: يقال: كيف تتصل قصة إبراهيم بما قبلها؟ قلنا: لما ذم التقليد وأوجب اتباع الدليل، عقبه بذكر إبراهيم حيث خالف أباه واتبع الحجة، وأنكر ذلك أبوه وأهل بلده.

стр. 374

«وقيل: لما أمر بمناظرتهم بقوله: (أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ) وهو ما دل عليه الدليل. قال فإن أبوا إلا التقليد فتقليد إبراهيم أولى لأنهم من أولاده يعظمونه ويدّعون أنهم على طريقته». «١» وقال أيضا في نفس هذا المقطع: «ويقال: كيف يتصل قوله: (بل متّعت) بما قبله؟ قلنا: لما عولوا على تقليد الآباء ولم يتفكروا في الحجة اغتروا بطول الإمهال، وإمتاع الله إياهم بنعيم الدنيا، فأعرضوا عن الحق. وقيل: لما ذكر إعراضهم بين أنهم أتوا من جهتهم، وأنه أزاح العلة وأمهل ومتع وأمر ونهى، كي يتفكروا ويؤمنوا». وفي سورة البقرة، خص الحاكم كلا من آية النسخ: (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) «٢» والآيتين التاليتين: قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) وقوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) بفقرة مستقلة. وتحدث في الآية الأخيرة- في النظم- عن وجه اتصالها بما قبلها، وقال إن في ذلك وجوها كثيرة «أحدها: أنه لما دل ما تقدم على تدبير الله في خلقه بما يأتي من الآيات، وبما ينسخه ويثبته، بين في هذه الآية أن الواجب أن يرضوا بذلك ولا يقترحوا! كأنه قيل: ألا ترضون بتدبيره، فلا تتخيروا الآيات ولا تقترحوا المحالات، كما سئل موسى من

стр. 375

قبل، وهو تعالى يأتي بما يعلم من المصالح فليس لأحد أن يعترض؛ عن علي بن عيسى [الرماني]. وثانيها: قيل لما تقدم النواهي قال: إن لم تسلموا لما أمركم الله كنتم كمن سأل موسى ما ليس له أن يسأله؛ عن أبي مسلم. وقيل: تقديره: لما أمر ونهى قال: أتفعلون ما أمرتم أم تفعلون كما فعل من قبلكم قوم موسى!. وقيل: إنه خطاب لليهود! عابهم حين تخيروا الآيات كما عابهم بالأفاعيل التي تقدم ذكرها». وذكر الحاكم من بعد في نفس السورة وجه الصلة بين الآيتين التاليتين: قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) - الآية ١١٤ - وقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ) الآية ١١٥. فقال: إن في ذلك بعض الوجوه منها: ما ذكره الأصم أنه لما تقدم الوعيد قال: ولله المشرق والمغرب فأينما تكونوا فهو معكم وليس بغائب عنكم. ومنها: ما ذكره بعضهم أنه لما تقدم ذكر الصلاة والمساجد «١» عقبه بذكر القبلة وبيانها. وقال أبو مسلم: إنه خطاب لليهود والنصارى حيث عاب بعضهم بعضا بأن قبلتهم مختلفة، فبين أنه ليس في جهة دون جهة، بل هو خالق الجهات بخلاف ما يقوله المشبهة، ومعنى (فثم وجه الله) أي جهة الله، يعني المشرق والمغرب الذي هو خلقه وملكه. وقيل: إنه

стр. 376

خطاب للمسلمين، أي: لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه، فلله المشرق والمغرب والجهات كلها؛ عن علي ابن عيسى «١». ج) ومن شواهده في المناسبات بين السور قوله في مطلع سورة الحجرات إنه «لما ختم سورة الفتح بذكر الرسول- وهو قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ... ) الآية- افتتح هذه السورة بذكره وما يجب من تعظيمه وتوقيره وطاعته كما يليق به» فقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ... ) «٢». وقال في مناسبة سورة عم لسورة المرسلات، إنه لما ختم المرسلات بذكر القيامة ووعيد المكذبين: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ... ) افتتح هذه السورة بذكر القيامة ودلائل القدرة على صحة الإعادة، وبين فيها أحوال الناس، فقال تعالى: (عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ... ) الآيات «٣». وأخيرا قال في مناسبة سورة الجن لسورة نوح، وهي مناسبة لا تخلو من تكلف لأنه إنما طلبها من السورة السابقة في جملتها لا من ختامها كما جرت عادته في الغالب، قال: «ولما تقدم في سورة نوح اتباع القوم أكابرهم ورؤساء الضلال والكفر ولم يتبعوا نوحا، افتتح هذه السورة بحديث الجن، وأنهم اتبعوا الرسول ولم يتبعوا أكابرهم ورؤساء الضلال فيما

стр. 377

بينهم؛ ليعلم الفرق بين من ربحت صفقته، وبين من خسر نفسه وعمله وأوبقها بعذاب جهنم» «١». سادسا: المعنى و «المعنى» و «الأحكام» هما لب تفسير الحاكم، وقد كانا محور دراستنا في الفصول السابقة التي كشفنا فيها عن منهجه في التفسير والتأويل. وقد وقفنا في هذه الفصول على ما يرفضه من وجوه المعنى في الآية أو يقبله تبعا لهذا المنهج. والذي نورده هنا في الكلام على هذه الفقرة من تفسيره إنما هو طريقته في عرض هذه المعاني والترجيح بينها. ونستطيع أن نحدد هذه الطريقة- كما وقفنا عليها في قراءتنا الطويلة لكتاب الحاكم- فيما يلي: ١) طريقته في إيراد الأقوال ووجوه المعاني: أ- يبدأ على الأعم بالمأثور الذي يختاره من تفسير السلف، ثم يتبعه بآراء شيوخ الاعتزال. ولم تجر عادته بمخالفة هذا الترتيب إلا إذا كان هناك توافق بين آراء هؤلاء وهؤلاء- ويكون التفسير هنا للسلف اختاره بعض رجال الاعتزال- فيضم الآراء والأسماء بعضها إلى بعض. ب- وهو يتحرى الدقة في نقل الآراء بصورة تدعو إلى الإعجاب، فكثيرا ما يقول بعد ذكره بعض الأقوال والآراء: «في معنى قول فلان»، وكأنه يعني أنه أتى بخلاصة كلامه أو سار على نهج معناه، وهذا يعني أن قوله،- في الغالب- «عن فلان» بعد ذكر الرأي، أن هذا الرأي قول فلان كما نقل عنه أو ورد في كتابه.

стр. 378

ج- يراعي الحاكم في المعاني الكثيرة التي يوردها وجوه الاختلاف تبعا لاختلاف القراءة في الآية، وتبعا للاختلاف في أسباب النزول، فتراه يحاول الإشارة باختصار إلى جميع هذه الوجوه. د- قد يكرر هنا بعض المعاني اللغوية التي يكون قد قدمها في فقرة «اللغة». ويبدو أنه يعني بها هنا، أو أنه أعادها هنا- بتعبير أدق- لأنها اختيارات بعض المفسرين، في حين يجرد الأولى للبحث اللغوي الصرف، ولا يجب أن تكون آراؤهم دائما وثيقة الصلة بالمعنى اللغوي. هـ- الأمور التي يرغب الحاكم في «الإفاضة» في شرحها لمناسبة الآية، وبما يخرج عن مدلولها، من أحكام فقهية أو تفاصيل بعض القصص أو نحو ذلك- انظر مثلا أحكام السحر لمناسبة آية هاروت وماروت- يفرد لها فقرة خاصة بعد الفراغ من تفسير الآية- كما سنتحدث عن ذلك بالتفصيل فيما بعد- ويكاد يكون الاستطراد الوحيد عنده في «المعنى» استطراده للتوفيق بين الآية أو الآيات موضوع البحث وآية أخرى، وهو استطراد بارع، يكمل المعنى ويدفع عنه صورة من صور الاعتراض! ٢) طريقته في الترجيح بين هذه الأقوال: أ- في أحوال كثيرة يستعرض وجوه «المعنى» ولا يعقب عليها بشيء، أو يقول مثلا بعد الفراغ من آراء كثيرة: «والكل محتمل» على منهجه الذي أشرنا إليه من جواز أن يكون الجميع من المراد. ب- وفي أحوال أخرى كثيرة أيضا يرجح الوجه الأول، وربما نص على ذلك في أثناء استعراضه للأقوال والآراء، أو بعد فراغه منها، فيقول: «والأول الوجه».

стр. 379

ج- اعتراضاته على بعض المعاني التي يوردها، يؤخرها دائما إلى ما بعد الفراغ من استعراض جميع الوجوه التي يرغب في إيرادها. وربما عقب عليها في فقرة «الأحكام» التالية لا في هذه الفقرة. د- قد يرجح تفسيرا على آخر بالمكي والمدني، أو بصحة المعنى دون الحكم بالزيادة التي يذهب إليها، في الآية، صاحب التفسير الآخر- وهذه مسألة أكّدها أيضا في «الإعراب» - أو بالنظم وسياق الكلام، أو بأمور فرعية أخرى، ما دام الأمر لم يخرج عن حدود المنهج الذي يسير عليه، وإلا انتقل الأمر إلى الرفض والقبول، وإن كان الترجيح بالطبع صورة من صور القبول. هـ- وأسلوبه الذي لا يدعه هنا في إيراد الاعتراضات على ما يرجحه ويذهب إليه، ودفع هذه الاعتراضات هو: «ومتى قيل: ... قلنا» كما قدمنا. ٣) من شواهد طريقته في إيراد المعاني والأقوال: أ- ب: في الشواهد التي قدمناها عند الكلام على مصادره في التفسير بالمأثور (انظر الفصل الثاني من الباب الثاني) وفي الشواهد القريبة أيضا (انظر مثلا رقم ٤ من فقرة «الأعراب» في هذا الفصل) «١» ما يغني عن الإعادة. ج- د: ومن شواهد وجوهه الكثيرة تبعا لاختلاف القراءة ما ذكره في تفسير قوله تعالى:

стр. 380

(فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ) «١» قال الحاكم: «على ما قرأه الكسائي، بفتح الذال والثاء، قيل معناه: يعذّب كعذاب هذا الكافر الذي لم يقدّم لحياته أحد من الناس، ولا يوثق كوثاقة أحد، وهذا وإن أطلق فالمراد به التقييد لما علم أن إبليس أشد عذابا منه وأشد وثاقا. وقيل: (لا يعذب) أي في الدنيا، كعذاب الله يومئذ. وقيل: لا يعذب أحد بعذابه لأنه المستحق ولا يؤخذ بذنبه أحد. «فأما على قراءة الباقين، بكسر الذال والثاء، قيل: لا يعذّب كعذاب الله أحد، ولا يوثق كوثاقة أحد؛ عن الحسن وقتادة، وذلك مبالغة في شدة عذاب الله، وأن أحدا لا يبلغ ذلك المبلغ. وقيل: فيومئذ لا يعذب عذابه أحد: يناله من العذاب لأنه المستحق له، وإشارة إلى أنه لا يعاقب أحد بذنب غيره، وأنه لا يجعل ما جعل الله في عنقه في عنق غيره، بل يفعل ذلك به لاستحقاقه، والوثاق: الشد في السلاسل والأغلال؛ عن أبي علي. وقيل: لا يعذب كعذاب هذا الكافر أحد، عن أبي مسلم، قال: وليس المراد إنسانا بعينه، وإنما المراد كل من هذه صفته وفعله الفعل المحكى عنه. وقيل: لا ينفذ لأحد أمر في تعذيب ووثاق إلا له فهو المعذّب بمقدار العذاب، والوثاق يومئذ بأمره وحكمه، وهو يعلم مقاديره فيفعل بكل أحد ما يستحقه فلا يتصور ثم ظلم، ولو كان الأمر في يد غيره لكان لا يؤمن الظلم وزيادة العقوبة كما في الدنيا». وكذلك الحال في نقوله وجوه التفسير في الآية تبعا لاختلافهم في أسباب النزول، فقوله تعالى: (يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ... ) الآيات

стр. 381

من سورة البقرة ذهب بعضهم إلى أنها نزلت في المنافقين، وذهب آخرون إلى أنها نزلت في اليهود، وقد تباين تفسير هؤلاء- إلى حد- في تفسير الصفات التي وردت في هذه الآيات، ويذكر الحاكم دائما أن المعنى كذا، وقيل فيه كذا على قول من قال إنها نزلت في المنافقين وأنه كذا. وقيل فيه كذا على قول من قال إنها نزلت في علماء اليهود ... الخ. أما تكراره للمعاني اللغوية في «المعنى» - أحيانا- ففي بعض نقولنا السابقة في فقرة «اللغة» من هذا الفصل بعض الشواهد على ذلك: حيث أعاد- مثلا- تعريف الصبر والخشوع. وشواهد هذا الباب كثيرة أيضا. هـ- استطراده للتوفيق بين الآيات: وهذا الاستطراد لا صلة له بموضوع التأويل، وإنما هو ترجيح تفسير على آخر في آيتين وردتا على موضوع واحد أو في وصف أمر واحد، وبيان هذا التفسير الراجح الذي ينفي الاختلاف عن هاتين الآيتين: قال في تفسير قوله تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) «١» « ... ومتى قيل: أليس قال في موضع آخر: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)؟ «٢» قلنا: الذي في الآية الأولى: ما بين موضع التدبير من السماء الدنيا وبين الأرض: الصعود والنزول، ألف سنة، خمسمائة للصعود وخمسمائة للنزول؛ عن مجاهد. وقيل: يدبر الأمر

стр. 382

من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا، ثم يرجع الأمر والتدبير إليه بعد انقضاء الدنيا في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. والمدة المذكورة مدة يوم القيامة إلى أن يستقر الخلق في الدارين، وعلى هذا القول: المراد بقوله (خمسين ألف سنة) في الآية الثانية: أي على الكافر؛ يعني أنه يستطيل ذلك اليوم لشدة ما يلاقيه فيه. وقيل: إن المراد بالآية الثانية هو يوم القيامة أيضا؛ عن الحسن وقتادة والضحاك، قالوا: «فقدر موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سنين الدنيا، أما عروج الملائكة فيكون في بعض ذلك اليوم». وقيل: لو ولي المحاسبة غير الله تعالى في ذلك اليوم لم يفرغ إلا بعد خمسين ألف سنة، وهو- تعالى- يفرغ منه في ساعة، عن الكلبي «١». وقال في تفسيره لقوله تعالى: (فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ) «٢» «ومتى قيل: أليس وصف الريح بالعاصف في قوله: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً) «٣»؟ قلنا: مرة عاصفة، ومرة لينة- فسر هو الرخاء بالسريعة الطيبة، أو باللينة- بحسب إرادة سليمان معجزة له». وقال في قوله تعالى: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ .. ) «٤» «ومتى قيل: فما الجامع بين هذه الآية وبين قوله: (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) «٥»؟ قلنا: قوله: لا ينفعهم معذرتهم، لا يدل

стр. 383

على أنهم يعتذرون. فيحتمل أنه أراد: لو اعتذروا لما نفعهم. وقيل: ثم مقامات يعتذرون في بعض، ولا يؤذن في ذلك في بعض». ٤) من شواهد طريقته في الترجيح: ولا نطيل في تجزئة الشواهد وتكرارها للدلالة على جميع النقاط التي حددناها لطريقته في الترجيح، فبعض هذه النقاط ربما تضمنها شاهد واحد، كما أن الكثير من هذه الشواهد قد تقدم في الفصول السابقة. ونكتفي هنا بإيراد بعض الشواهد الدالة على «جملة» طريقته في التعقيب والترجيح: أ) قال في تفسيره لقوله تعالى- في شجرة الزقوم- (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) «١» إن أصلها في قعر جهنم وأغصانها في الدركات. وطلعها أي ثمرها. ثم قال: «ومتى قيل: كيف تشبه رءوس الشياطين ولم نر ذلك؟ قلنا: فيه أقوال: أولها: أن قبح منظرها متصور في النفس، يقال في الشيء القبيح غاية القبح: كأنه شيطان، وكأنه رأس شيطان؛ عن ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي ... قال امرؤ القيس: أتقتلني والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال فشبه النصال بأنياب الأغوال ولم يرونها. وثانيها: أنه شبه برأس حية تسمى شيطانا عند العرب كريهة المنظر. وثالثها: أنه شبه بنبت يعرف برءوس الشياطين، وهي شجرة قبيحة مرة تشبهها العرب برءوس الشياطين» قال الحاكم: «والأول أوجه وأحسن، وهو قول أبي مسلم وأبي علي».

стр. 384

ب) وقال في قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) «١» إنهم اختلفوا في تفسيره، قيل معناه: إلا أن تتقربوا إلى الله وتتوددوا إليه بالطاعة والعمل الصالح؛ عن الحسن وأبي علي وأبي مسلم، قال الحاكم: والمعنى لا تتقربوا إليّ بالأجرة، لكن تقربوا إلى الله بالعمل الصالح، فعلى هذا: الخطاب للمؤمنين. وقيل: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى): إلا أن تودّوني لقرابتي منكم وصلة الرحم، وكل قرشي كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه قرابة، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي والضحاك ... وعلى هذا الخطاب للكفار، يعني إن لم تودوني للرسالة فلا تتركوا مودتي لحق القرابة التي بيني وبينكم. وقيل: إلا أن تودوا قرابتي وتحفظوني فيهم، عن علي بن الحسين وسعيد بن جبير وعمرو بن شعيب وجماعة. وبعد أن أطال الحاكم القول في اختلاف هؤلاء في هذه القرابة قال: «ومتى قيل: أي الأقوال أصحّ؟ قلنا: قول الحسن وأبي علي؛ لوجوه: منها أن الخطاب للكفار، لأن المؤمنين كانوا يعلمون أنه لا يسألهم أجرا فكأنه وصاهم بطاعته ليأنسوا إليه. ومنها: أنه قال عقيبه (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) وأن المراد بالقربى: الأمور المقرّبة إلى الله. ومنها: أن من كان من أقربائه مؤمنا فولايته واجبة كسائر المؤمنين، ومن كان كافرا أو فاسقا فمعاداته واجبه، ولذلك نزلت (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) في عمه، فلا معنى لتخصيصهم بذلك. ومنها: أن مودتهم لا يجوز أن تجعل أجرا له. ومنها: أنه قال في موضع آخر:

стр. 385

(لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) كما حكى عن سائر الأنبياء .. ». ج) وذكر في تفسير قوله تعالى: (إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ) «١» الأقوال التالية: قيل يعني الذي خلقه ابتداء من هذا الماء (خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ) يقدر على إرجاعه حيا بعد الموت، عن الحسن وقتادة وأبي علي وأبي مسلم. وقيل: رد الماء في الصلب، عن عكرمة ومجاهد. وقيل: على رد الانسان ماء، عن الضحاك. ثم قال معقبا على هذه الآراء: «والأحسن قول الحسن وأبي علي، ولذلك عقبه بقوله: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ) يعني: يوم القيامة. وقال في قوله تعالى: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) «٢» في بيان حال المتقين في الجنة: إنهم اختلفوا متى يتساءلون، فقيل: حين يبعثون من قبورهم، عن ابن عباس، وقيل: في الجنة، قال الحاكم: «وهو الوجه لأنه نسق الكلام». سابعا: الأحكام أما «الأحكام» فقد رأينا منها صورا كثيرة عن الكلام على منهج الحاكم، وهي التي ساعدتنا على تحديد شخصيته في تفسيره حين وقفنا فيها على محور هذا التفسير، وعلى صورة جلية من قاعدة الحاكم الفكرية كما رأينا. والذي نذكره هنا في كلامنا على هذه الفقرة: ١ - نقول الحاكم فيها أقل من نقوله في سائر فقرات الكتاب. بل

стр. 386

إن هذه الفقرة في الغالب من استنباط الحاكم نفسه، ولذلك كانت آصل في الدلالة على تمييز الحاكم من تعقيباته التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، وطريقته فيها هي طريقته الجدلية المعروفة: «فان قيل .. قلنا». ٢ - لا يعني الحاكم بهذه الفقرة: الأحكام الشرعية أو الفقهية، فهو وإن كان قد عرض لمثل هذه الأحكام بإيجاز في أحوال كثيرة، ورجح فيها ما يراه، فإن أكثر أحكامه هنا داخلة في باب التوحيد والعدل، بالإضافة إلى الكثير من الأحكام الاخلاقية والسلوكية وما ترشد إليه الآية. والمدلول الواقعي لكلمة «الاحكام» من خلال الأمور التي تضمنتها هذه الفقرة في تفسيره: هو ما يؤخذ من الآية أو يستفاد منها، أو ما ترشد إليه الآية وتدل عليه على وجه العموم. ٣ - ونورد فيما يلي شاهدين للدلالة على طريقته في هذه الفقرة، وعلى هذا المدلول لكلمة «الأحكام»: أ) قال الله تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ. ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) «١»

стр. 387

قال الحاكم في «الأحكام»: «تدل الآيات على أن خروجهم [لم يكن] عن قلة، ولكن لينصره الله، ولإلقاء الرعب في قلوبهم. «وتدل أن ما فعله عمر بن الخطاب ﵁ من إجلاء أهل الكتاب من جزيرة العرب هو الذي يقتضيه الشرع والكتاب والسنة، فقد قال ﷺ : (لا يجتمع في جزيرة العرب دينان). «ويدل قوله (فاعتبروا) على الحث على الاستدلال والنبوة والتمسك به، والإيمان الموجب للنصرة، وترك المخالفة الموجبة للنقمة. واستدل أبو العباس بن شريح بالآية على صحة القياس إلا أن ما تقدم وتأخر لا يليق بذلك. «ويدل قوله: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا) أي: ما جعلتهم فيه جزاء على أعمالهم. ويدل أن الجزاء يستحق بالعمل. ويدل أن الشقاق حادث من جهتهم فيبطل قول المجبرة في جزاء الأعمال والمخلوق». ب) وقال في قوله تعالى في قصة موسى ﵇: (فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ. وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما؟ قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا، فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) «١»

стр. 388

قال الحاكم: «تدل الآيات أن المرء يجب عليه الفرار بدينه، والتوكل على ربه. وتدل على حسن إعانة الضعفاء. «ويدل قوله (على استحياء) على عظم موقع الحياء في الدين، وورد عن رسول الله ﷺ وآله: (الحياء نصف الإيمان) «ويدل قوله: (ما خطبكما)؟ على إباحة كلام الأجنبيات عند الحاجة والأمن على النفس. «ويدل قوله (من خير فقير) على تلطف في السؤال. «وتدل الآيات على أن المجازاة على الإحسان حسن. وتدل على بشارة بالنجاة من الظلمة وأن ذلك نعمة. وتدل على أن الظلم فعل العبد ليصح النجاة بالهرب». ثامنا: القصة يورد الحاكم هذه الفقرة- كما قدمنا- حين يكون أمامه روايات صحيحة فيها بعض التفاصيل الزائدة على ما يدل عليه ظاهر الآيات موضوع القصة. ويمكن تلخيص رأيه وطريقته في هذا الموضوع في النقاط التالية: ١) نص الحاكم في بعض هذه الروايات على أنها مرفوعة، وأضاف بعضها الآخر إلى رواتها من الصحابة والتابعين، أو إلى شيوخه الذين يرفعونها إلى هؤلاء. وربما زعم في بعض الروايات أنها محل إجماع الرواة، مثل ما أورده في قصة أصحاب الفيل من الأحداث والوقائع، وما دعا إليها من الأسباب، مع الإفاضة في ذكر الأسماء والأماكن، إلى ما هنالك من الأمور التفصيلية الدقيقة. ٢) ولكن هذا لم يمنع الحاكم من تصنيف هذه الروايات، واختيار

стр. 389

أرجزها فيما يبدو، حتى إنه جعل ذلك في عنوان قصة أصحاب الأخدود، فقال بعد أن فرغ من تفسير الآية: «قصة أصحاب الأخدود مختصرة» «١» وأورد فيها بعض الروايات المرفوعة والموقوفة على بعض الصحابة. ويرجّح الباحث أن الحاكم- على أي اعتبار- كان حريصا ألا يبعد في ذكر الروايات عن المدلول الحقيقي للقصة، أو عن محل الاعتبار الذي سيقت القصة من أجله. ٣) من الراجح أن الحاكم لم يعقد هذه الفقرة في كتابه إلا لما ترجحت عنده صحته من الروايات، نظرا لقلة هذه الفقرة في جانب القصص القرآنية الكثيرة التي شرحها شرحا وافيا عند الكلام على «المعنى»، وبين أيضا ما ترشد إليه من الأحكام، ولم ير بعد ذلك ضرورة لإطالة القول في بعض رواياتها في «القصة». يرجح ذلك أمران: أحدهما أنه لم يعقب على واحدة من رواياته في «القصة» بالنقد. وثانيهما: أنه ربما أشار في ثنايا كلامه في «المعنى» إلى أنه اهمل- في تفسير الآية- بعض القصص لأنها لا تصح، كما فعل في قصص الأنبياء التي وردت في سورة ص، وكما عقب على بعض الأقوال في تفسير قوله تعالى (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ) «٢» قال في تفسير الآية: « ... وقيل إنه في إنسان بعينه، كان من الرهبان فأغواه الشيطان بأنه ينجيه من ثلاثة وقع فيها، وقال له اسجد لي سجدة واحدة، ففعل لما احتاج إليه، ثم أسلمه حتى قتل؛ عن ابن عباس وابن مسعود».

стр. 390

ثم قال: «وفيه قصه طويلة لا يصح أكثرها، فتركت ذكرها لأن فيها أن الشيطان غيّر الصور وأزال العقل وحمل عليه امرأة تداويه ... في كثير من الترهات» إلا أنه لم يمنع من جواز ما روى أن الراهب زنى بامرأة ثم قتلها، وظهر ذلك، فأخذوه وصلبوه. ولكنه رجح في الآية أنها من قبيل ضرب المثل، وأنها تصدق مع الإنسان جنسا، سواء صحت قصة الراهب أم لم تصح. ٤) وهذا يسلمنا للحديث عن موقف الحاكم من القصص والأخبار الإسرائيلية التي حشيت بها بعض كتب التفسير، وتسربت إلى بعضها الآخر. وبالرغم من وضوح موقف الحاكم من هذا الموضوع، كما سنرى، إلا أن هذا الوصف- إسرائيلية- لا بد لتحديد ما ينطوي تحته- كحد علمي أو ظواهر مرجحة- من دراسة مستفيضة للروايات ومصادرها وموضوعاتها، وما يجمعها من صفات أو ميزات، حتى نميز بين الإسرائيليات وبين الروايات التي اخترعها الرواة أو نسبت إليهم. والذي نلاحظه- انطلاقا من ظواهر أكثر القصص التي تسلك عادة في الإسرائيليات- أن أهم موضوعات هذه القصص ثلاثة: الصفات الإلهية. الأنبياء. آيات الكون والطبيعة فقد تسرب شيء من قصص بني إسرائيل في التشبيه والتجسيم في تكليم موسى، وفي أخذ الألواح، وفي خلق آدم وقصص أخرى، إلى بعض المفسرين. كما لهج مفسرون آخرون بما رواه اليهود من قصص أنبيائهم وما نسبوه إليهم من المعاصي والأمور المنفرة
следующие страницы →