← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37682

الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير

عدنان زرزور

Полный текст (498 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

إن هذه الفقرة في الغالب من استنباط الحاكم نفسه، ولذلك كانت آصل في الدلالة على تمييز الحاكم من تعقيباته التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، وطريقته فيها هي طريقته الجدلية المعروفة: «فان قيل .. قلنا». ٢ - لا يعني الحاكم بهذه الفقرة: الأحكام الشرعية أو الفقهية، فهو وإن كان قد عرض لمثل هذه الأحكام بإيجاز في أحوال كثيرة، ورجح فيها ما يراه، فإن أكثر أحكامه هنا داخلة في باب التوحيد والعدل، بالإضافة إلى الكثير من الأحكام الاخلاقية والسلوكية وما ترشد إليه الآية. والمدلول الواقعي لكلمة «الاحكام» من خلال الأمور التي تضمنتها هذه الفقرة في تفسيره: هو ما يؤخذ من الآية أو يستفاد منها، أو ما ترشد إليه الآية وتدل عليه على وجه العموم. ٣ - ونورد فيما يلي شاهدين للدلالة على طريقته في هذه الفقرة، وعلى هذا المدلول لكلمة «الأحكام»: أ) قال الله تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ. ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) «١»

стр. 387

قال الحاكم في «الأحكام»: «تدل الآيات على أن خروجهم [لم يكن] عن قلة، ولكن لينصره الله، ولإلقاء الرعب في قلوبهم. «وتدل أن ما فعله عمر بن الخطاب ﵁ من إجلاء أهل الكتاب من جزيرة العرب هو الذي يقتضيه الشرع والكتاب والسنة، فقد قال ﷺ : (لا يجتمع في جزيرة العرب دينان). «ويدل قوله (فاعتبروا) على الحث على الاستدلال والنبوة والتمسك به، والإيمان الموجب للنصرة، وترك المخالفة الموجبة للنقمة. واستدل أبو العباس بن شريح بالآية على صحة القياس إلا أن ما تقدم وتأخر لا يليق بذلك. «ويدل قوله: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا) أي: ما جعلتهم فيه جزاء على أعمالهم. ويدل أن الجزاء يستحق بالعمل. ويدل أن الشقاق حادث من جهتهم فيبطل قول المجبرة في جزاء الأعمال والمخلوق». ب) وقال في قوله تعالى في قصة موسى ﵇: (فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ. وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما؟ قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا، فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) «١»

стр. 388

قال الحاكم: «تدل الآيات أن المرء يجب عليه الفرار بدينه، والتوكل على ربه. وتدل على حسن إعانة الضعفاء. «ويدل قوله (على استحياء) على عظم موقع الحياء في الدين، وورد عن رسول الله ﷺ وآله: (الحياء نصف الإيمان) «ويدل قوله: (ما خطبكما)؟ على إباحة كلام الأجنبيات عند الحاجة والأمن على النفس. «ويدل قوله (من خير فقير) على تلطف في السؤال. «وتدل الآيات على أن المجازاة على الإحسان حسن. وتدل على بشارة بالنجاة من الظلمة وأن ذلك نعمة. وتدل على أن الظلم فعل العبد ليصح النجاة بالهرب». ثامنا: القصة يورد الحاكم هذه الفقرة- كما قدمنا- حين يكون أمامه روايات صحيحة فيها بعض التفاصيل الزائدة على ما يدل عليه ظاهر الآيات موضوع القصة. ويمكن تلخيص رأيه وطريقته في هذا الموضوع في النقاط التالية: ١) نص الحاكم في بعض هذه الروايات على أنها مرفوعة، وأضاف بعضها الآخر إلى رواتها من الصحابة والتابعين، أو إلى شيوخه الذين يرفعونها إلى هؤلاء. وربما زعم في بعض الروايات أنها محل إجماع الرواة، مثل ما أورده في قصة أصحاب الفيل من الأحداث والوقائع، وما دعا إليها من الأسباب، مع الإفاضة في ذكر الأسماء والأماكن، إلى ما هنالك من الأمور التفصيلية الدقيقة. ٢) ولكن هذا لم يمنع الحاكم من تصنيف هذه الروايات، واختيار

стр. 389

أرجزها فيما يبدو، حتى إنه جعل ذلك في عنوان قصة أصحاب الأخدود، فقال بعد أن فرغ من تفسير الآية: «قصة أصحاب الأخدود مختصرة» «١» وأورد فيها بعض الروايات المرفوعة والموقوفة على بعض الصحابة. ويرجّح الباحث أن الحاكم- على أي اعتبار- كان حريصا ألا يبعد في ذكر الروايات عن المدلول الحقيقي للقصة، أو عن محل الاعتبار الذي سيقت القصة من أجله. ٣) من الراجح أن الحاكم لم يعقد هذه الفقرة في كتابه إلا لما ترجحت عنده صحته من الروايات، نظرا لقلة هذه الفقرة في جانب القصص القرآنية الكثيرة التي شرحها شرحا وافيا عند الكلام على «المعنى»، وبين أيضا ما ترشد إليه من الأحكام، ولم ير بعد ذلك ضرورة لإطالة القول في بعض رواياتها في «القصة». يرجح ذلك أمران: أحدهما أنه لم يعقب على واحدة من رواياته في «القصة» بالنقد. وثانيهما: أنه ربما أشار في ثنايا كلامه في «المعنى» إلى أنه اهمل- في تفسير الآية- بعض القصص لأنها لا تصح، كما فعل في قصص الأنبياء التي وردت في سورة ص، وكما عقب على بعض الأقوال في تفسير قوله تعالى (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ) «٢» قال في تفسير الآية: « ... وقيل إنه في إنسان بعينه، كان من الرهبان فأغواه الشيطان بأنه ينجيه من ثلاثة وقع فيها، وقال له اسجد لي سجدة واحدة، ففعل لما احتاج إليه، ثم أسلمه حتى قتل؛ عن ابن عباس وابن مسعود».

стр. 390

ثم قال: «وفيه قصه طويلة لا يصح أكثرها، فتركت ذكرها لأن فيها أن الشيطان غيّر الصور وأزال العقل وحمل عليه امرأة تداويه ... في كثير من الترهات» إلا أنه لم يمنع من جواز ما روى أن الراهب زنى بامرأة ثم قتلها، وظهر ذلك، فأخذوه وصلبوه. ولكنه رجح في الآية أنها من قبيل ضرب المثل، وأنها تصدق مع الإنسان جنسا، سواء صحت قصة الراهب أم لم تصح. ٤) وهذا يسلمنا للحديث عن موقف الحاكم من القصص والأخبار الإسرائيلية التي حشيت بها بعض كتب التفسير، وتسربت إلى بعضها الآخر. وبالرغم من وضوح موقف الحاكم من هذا الموضوع، كما سنرى، إلا أن هذا الوصف- إسرائيلية- لا بد لتحديد ما ينطوي تحته- كحد علمي أو ظواهر مرجحة- من دراسة مستفيضة للروايات ومصادرها وموضوعاتها، وما يجمعها من صفات أو ميزات، حتى نميز بين الإسرائيليات وبين الروايات التي اخترعها الرواة أو نسبت إليهم. والذي نلاحظه- انطلاقا من ظواهر أكثر القصص التي تسلك عادة في الإسرائيليات- أن أهم موضوعات هذه القصص ثلاثة: الصفات الإلهية. الأنبياء. آيات الكون والطبيعة فقد تسرب شيء من قصص بني إسرائيل في التشبيه والتجسيم في تكليم موسى، وفي أخذ الألواح، وفي خلق آدم وقصص أخرى، إلى بعض المفسرين. كما لهج مفسرون آخرون بما رواه اليهود من قصص أنبيائهم وما نسبوه إليهم من المعاصي والأمور المنفرة

стр. 391

القبيحة! واعتمد مفسرون غيرهم على أقاويل اليهود في خلق الكون وتفسير بعض ظواهر الطبيعة. «١» أ- وموقف الحاكم من الموضوعين الأولين معروف من منهجه الاعتزالي الكلامي، ومما قدمناه من رأيه في تنزيه الأنبياء، فلا حاجة بنا إلى الإطالة في الحديث عنه أو الدلالة عليه. ب- أما آيات الطبيعة والكون فلم يورد فيها إسرائيلية واحدة، ولم يزد على نقل بعض التفسيرات اللغوية التي قال بها شيوخه أو بعض رجال السلف، وعند ما يثير بعض النقاط التي تحدث فيها هؤلاء؛ فإنه يذهب إلى أن كل شيء لا تشير إليه الآية أو تدل عليه فالتوقف فيه أولى، ولعله يذكر من دلالات هذه الآيات على الصانع وعلى وجوب النظر، أكثر مما يورده في تفسيرها من الأقوال. قال في تفسير قوله تعالى: (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ، وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) «٢»: « ... ثم نبه تعالى على كمال قدرته، فقال سبحانه (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) لإقامة الحق، وعبادة الله، والدلالة على وحدانيته. (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ) أي يلف هذا على ذاك، وذاك على هذا. وقيل يدخل أحدهما في الآخر بالزيادة والنقصان؛ عن الحسن وجماعة. وقيل: يأتي أحدهما خلف الآخر.

стр. 392

(وسخر) أي ذلك يجريه كما يشاء (الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) أي: إلى أجل مسمى، قيل هو قيام الساعة، فإنهما يجريان إلى ذلك الوقت، عن أبي علي وأبي مسلم. وقيل: هو المطلع والمغرب، لكل واحد وقت معلوم في الشتاء والصيف. (أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ): مع قدرته على أخذكم لا يؤاخذكم ويغفر لكم إن تبتم». وقال في تفسير قوله تعالى. (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) «١» قال: «قيل سبع أرضين. وقيل هي أطباق لا سكان فيها. وقيل بل فيها سكان مكلفون أو غير مكلفين، فأما السموات فسبع وفي كل واحدة ملائكة» قال: «ومتى قيل: هل في الأرضين والسموات أحد من الخلائق؟ قلنا: لا خلاف أن السموات سبع، وفي كل سماء ملائكة، واختلفوا في الأرضين، قال قتادة: في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه، وأمر من أوامره، وقضاء من قضائه. وقيل ليس فيها أحد. وقال أبو علي: ليس بين في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع غير هذه. وقال: ليس بين الأرضين خلل وفتوق، وإنما كانت سبعا لأنها من سبعة أجناس! قال الحاكم: «وليس في الآية أن فيها أحدا أم لا، ولا أن بين كل اثنين فرجا أم لا، ولا أنها من أجناس متباينة، فالتوقف فيه أولى». ج- ولكن إذا حملنا على «الإسرائيليات» بعض التفاصيل التي يوردها الحاكم في كلامه على «المعنى» في بعض القصص القرآنية- المتصلة ببني إسرائيل خاصة- دون أن يكون في كلامه ما يدل على عدم التفاته إلى هذه

стр. 393

التفاصيل، أو القول بعدم جدواها، أو ما يدل على قوله برفض هذه الجزئيات التي لا تفهم من ظاهر النص؛ فإن تفسير الحاكم لم يخل من الإسرائيليات على هذا الاعتبار، فقد ختم كلامه- مثلا- في تفسير الآيات التي ذكرت قصة موسى مع قومه لما أمروا بذبح بقرة «١»، بقوله: «ويقال: بكم اشتريت البقرة؟ قلنا بملء جلدها ذهبا. وقيل: بوزنها عشر مرات، عن السدي! وقيل كانت البقرة لشاب من بني إسرائيل بار بأبويه» «٢» كما أنه في تفسير قوله تعالى: (فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها) «٣» - في القصة السابقة- عرض لجميع ما قاله كل من مجاهد وعكرمة والسدي والفراء والضحاك وسعيد بن جبير في تفسير البعض!! من أنه الفخذ أو الذنب أو الغضروف أو اللسان أو البضعة التي بين الكتفين ... كل ذلك مما لا طائل تحته ولا فائدة فيه. وكذلك الأمر في «ماهية»! الهدية التي بعثت بها بلقيس إلى سليمان، و «الكيفية» التي وصل عليها إلى هذه الملكة كتاب سليمان! قال الله تعالى، على لسان سليمان آمرا الهدهد، (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ) «٤» ذكر الحاكم في تفسير الآية أنه حمل الرسالة وألقاها إليها، ثم قال: (واختلفوا كيف حملها وكيف ألقاها، قيل بمنقاره وطار حتى وقف على رأس المرأة فألقاها إليها وحولها الملأ، عن

стр. 394

مقاتل، وقيل: كانت تقعد للقضاء إلى انتصاف النهار .. ثم تدخل البيت وتنام فجاء الهدهد ودخل كوة البيت فألقى الكتاب عند رأسها .. وتولى، فانتهبت ورأت الكتاب ففزعت وخافت أن يكون وقع في ملكها شيء، فحملته وخرجت إلى الناس. وقيل أتى بالكتاب إليها وهي على ثلاثة أميال من صنعاء اليمن نائمة في بيتها، فوضع الكتاب على صدرها، عن قتادة! وقيل: كان لها كوة مستقلة للشمس تقع الشمس عند ما تطلع عليها، فإذا نظرت إليها سجدت، فجاء الهدهد إلى الكوة فسدها بجناحه، فارتفعت الشمس ولم تعلم، فقامت تنظر فرمى الكتاب إليها، عن وهب وابن زيد». وذكر أيضا عدة أقوال في الهدية التى بعثت بها الملكة إلى سليمان، كما ذكر صورة دقيقة «للاحتفال» الذي قدمت فيه هذه الهدية، واصطفّت فيه الشياطين والوحش والسباع والطيور ... ولكن من الظلم للحاكم، على كل حال، أن يحكم عليه بأنه حفل بهذه الأخبار، أو حرص على أن لا تفوته في تفسيره القيم. وقد تكون قصة سليمان هذه من أبرز الشواهد على تسرب هذه الروايات إلى تفسيره، وبهذا القدر الذي لم يزد عليه في قصة أخرى. د- وأخيرا فقد نص في تفسيره على عدم اكتراثه بما يرويه أهل الكتاب أو بما ينقلونه، قال في تفسير قوله تعالى في قصة إبراهيم: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ .. ) إلى قوله تعالى (سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ .. ) «١».

стр. 395

قال: إنهم اختلفوا في الذبيح، قيل إسحق؛ عن عمر وعلي وابن مسعود والعباس بن عبد المطلب وكعب الأحبار وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والزهري والسدي وأبي علي. وقيل إسماعيل؛ عن ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب القرطي وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والربيع والكلبي، قال القاضي: وهو الصحيح ... ». ثم ذكر أدلة القاضي وما رد به على أدلة شيخه أبي علي، وبعد أن رجح ما ذهب اليه القاضي، قال: «فإن قالوا: أجمع أهل الكتابين أنه إسحاق وحكوا ذلك عن التوراة! قلنا: ليس إجماعهم حجة، ونقلهم غير مقبول ... ». ٥) ومما يتصل بموضوع القصة وأخبار بني إسرائيل في القرآن الكريم، أن الحاكم لاحظ كثرة ورود قصة موسى ﵇ في القرآن، وعلل ذلك بمناسبة تفسيره لقوله تعالى: (وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ) «١» من سورة الشعراء، بأن «اليهود كانوا حول المدينة، وكثيرا ما دخلوا على النبي ﷺ يجادلونه». ٦) أما الأمر الذي يتصل بموضوع القصة في القرآن عموما عند الحاكم، والذي نختم به هذه الفقرة، هو أنه تحدث في غير موضع عن فائدة القصص وتكرارها في القرآن، فقال إن في ذلك وجوها كثيرة: منها ليعلم الرسول ﷺ أنه كأحد هؤلاء الأنبياء فيتسلى بذلك في أذى قومه. ومنها: أن ينذر قومه بعاقبة مثل عاقبة الأمم التي كذبت أنبياءها.

стр. 396

ومنها: ما في إخباره صلى الله عليه بها وتلاوته لها من المعجزة له مع أنه كان لا يقرأ ولا يكتب ... «١». وقال في أسباب تكرار القصة الواحدة في أكثر من موضع إن القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة، وكل قصة في مقام وعبرة، فلا يعد تكرارا! وقال أيضا: «لأنها تتضمن من عجيب الفصاحة ما يدل على إعجاز القرآن، فإن الواحد منا إذا ذكر قصة مرتين انحدر كلامه إلى الدركة الآخرة، والله تعالى كرر هذه القصص في مواضع بألفاظ عجيبة. وهذا من عظيم الفائدة» «٢». تاسعا: الفقه وقد جرت عادة الحاكم على أن ينهى وجوه القول في الآية أو الآيات- إذا كانت تتضمن بعض الأوامر الشرعية في بابي العبادات والمعاملات- بذكر ما يتصل بها من الأحكام الفقهية في فقرة خاصة. ١) والعنوان الذي يضع تحته هذه الأحكام، في الغالب، هو «الفقه» ولكنه ربما ذكرها في بعض الأحيان تحت عنوان «أحكام كذا» - بحسب بابها الفقهي المعروف، كأحكام التيمم، وأحكام الديات- يجعلها بعد فقرة «الأحكام» السابقة التي تحدثنا عنها، تمييزا لهذه الفقهيات عن تلك الدلالات العامة للآية، وربما اكتفى بالفصل بين الموضوعين دون أي عنوان «٣».

стр. 397

٢) رتب الحاكم هذه الفقرة «الفقه» من كتابه على الفصول المعروفة في كتب الفقه، وأوجز فيها القول، حتى إنها جاءت على شكل «ملخصات» دقيقة، أقرب ما تكون إلى المتون الفقهية التي يقصد منها التعليم، أو إغناء القارئ عن الرجوع إلى كتب الفقه، ولم يجر الحاكم في تفسيره مرة واحدة وراء أدلة الفقهاء الطويلة ومنازعاتهم في أصول التعارض والترجيح، على الرغم من كثرة الآراء التي يوردها في مسائل الفصل الواحد. ٣) حفل الحاكم في هذه الفصول بفقه التابعين، وفقه الأئمة الثلاثة، وفقه الإمام زيد والإمام الهادي الى الحق يحيى بن الحسين، وإن كانت نقوله عن الإمام زيد لا تكاد تذكر أمام نقوله عن الإمام الهادي وعن أبي حنيفة- بخاصة- والشافعي، وهذا مما يرجح أن مذهب الزيدية الفقهي هو مذهب الهادي، وأن اتّباعهم لمذهب الإمام زيد ﵁ إنما كان في الأصول كما قدمنا. ٤) أما ترجيحاته بين الآراء فهي ترجيحات عارضة لا تكشف لنا عن شخصية الحاكم الفقهية، مقلدا أو مجتهدا ولعل من الغريب أن المرء يعوزه على الدوام أن يجد في الكتاب أثرا بارزا لزيدية الحاكم التي طالما لهج بها المؤرخون وكتاب التراجم، بل إن الذي يبدو في ترجيحاته القليلة

стр. 398

ميله الملحوظ إلى المذهب الحنفي، وعنايته الزائدة بآراء أبي حنيفة بخاصة «١». كما أن المرء في الوقت الذي يظن فيه أن الحاكم سيأخذ في التفريع واستعراض الأدلة والترجيح؛ يجد نفسه فجأة أمام عبارته الأثيرة التي كررها في مواضع كثيرة من كتابه: «وموضع تفصيله كتب الفقه» «٢»!

стр. 399

٥) ومهما يكن من أمر فإن الحاكم لم يجعل من هذه الفقرة في كتابه ميدانا لعرض آرائه في الفقه، وإن كنا نرجح عدم التزامه الكامل بمذهب بعينه، كما نرجح أنه لم يخرج فيما ذهب إليه من آراء عن اجتهادات الفقهاء السابقين مع نزوع واضح إلى الاجتهاد. وطريقة الحاكم هذه- على كل حال- يختلف الحكم عليها بين من يطلب الخلاف والاجتهاد في كتب التفسير، وبين من يرجو ألا تتضخم أوراق آيات تفسير الأحكام، التي تعتبر قليلة إذا قيست بجميع آي الكتاب، وأن يكون حظها في كتب «التفسير» كحظ سائر الآيات، ولعل طريقة الحاكم التي نأت بكتب التفسير عن منازعات الفقهاء- مع نجاحها في ربط خلاصة الآراء الفقهية بالنص القرآني- هي الأقرب إلى الصواب، لولا أنها تركت خلافات الفقهاء إلى جدل المتكلمين! ٦) وشاهد واحد يغني للدلالة في هذه الفقرة على كل ما ذكرناه: قال في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) «١» إن الكلام في أحكام هذه الآية من وجهين «أحدهما: دلالات الآية. والثاني ذكر الجمعة وشرائطها» ثم خص كل واحد منهما- كلّ ذلك تحت عنوان فقرته «الأحكام» - بفصل خاص. ونحن نورد فيما يلي كل ما قاله في الفصل الأول، مع ذكر رءوس المسائل التي عرض لها في الفصل الثاني، للدلالة أيضا على ما قدمناه من تفريقه بين

стр. 400

«الأحكام» - أو دلالات الآية كما سماها هنا بدقة- و «الفقه»، وحتى لا نستعرض مسائل فقهية ليس محلها هنا: قال: «أما الأول، فتدل على اختصاص يوم الجمعة بصلاة وذكر. وتدل على أن للجمعة نداء وهو أذان، وليس في الكتاب ذكر الأذان إلا هاهنا، وفي قوله: (وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ). وتدل على وجوب السعي، والأقرب أنه يجب عند النداء لأنه عقبه به. وتدل على وجوب الجمعة لأن وجوب السعي إليها وتحريم المبايعة لأجلها يدل على وجوبها. وتدل على أن الخطاب للأحرار لأن العبد لا يملك البيع. وتدل على أنه خطاب للرجال لأن (آمنوا) حقيقة فيهم. وتدل على اختصاص الجمعة بمكان، لذلك أوجب السعي اليه. وتدل على ذكر يجب السعي إليه. وتدل على اختصاصه بوقت حيث ينادى فيه. وتدل على تحريم البيع، واختلفوا فالأكثر على أنه يكره وينعقد، وقيل لا ينعقد. وهو قول الحسن ومالك. «ويدل قوله (وَابْتَغُوا)، على جواز الكسب خلاف ما يقوله بعضهم. «ويدل قوله (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أنه أراد من جميعهم الفلاح، ويدل على أن الفلاح يدرك بهذه الطاعات. «واستدل بعضهم بقوله (فَانْتَشِرُوا) على إباحة السفر بعد الصلاة، فيدل على تحريمه قبلها، حتى زعموا أنه لا يجوز بعد طلوع الفجر يوم الجمعة أن يسافر، والظاهر لا يدل عليه، وهو مذهب الأكثر. «وتدل على أن السعي والبيع فعلهم، وكذلك الانتشار والابتغاء، لذلك علق به الأمر والنهي، وكيف يكون جميع ذلك خلقا له وهو يدعو

стр. 401

إلى ترك البيع والسّعي بألطف استدعاء: (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)». قال الحاكم: «وأما الفصل الثاني فالكلام فيه ينقسم إلى عشرة فصول: أولها: وجوبها، وثانيها على من تجب، وثالثها الكلام في الخطبة، ورابعها في الموضع الذي تقام فيه، وخامسها العدد المعتبر فيها، وسادسها هل يقيمها السلطان، وسابعها الجماعة والإمام، وثامنها الوقت، وتاسعها صفات الجمعة، وعاشرها سنن الجمعة. وموضع تفصيلها كتب الفقه، ونشير إلى جمل من ذلك». ثم ذكر جملا من ذلك- في ثلاث صفحات تقريبا- في غاية الدقة والتركيز.

стр. 402

الفصل الثاني آراؤه في علوم القرآن قدمنا في الفصل السابق طريقة الحاكم في تفسيره، ووقفنا من خلال هذه الطريقة على آراء الحاكم في بعض مسائل علوم القرآن الهامة، وقد آثرنا بحث هذه المسائل هناك- كما قدمنا- لإعطاء صورة متكاملة لتفسير الحاكم وطريقته في تقسيم كتابه وترتيبه، وقد ذهب هو نفسه إلى اعتبار جميع فقرات كتابه السابقة من «علوم القرآن»، فقال: «وعلوم القرآن كثيرة، مدارها على ثمانية: أولها القراءة ووجوهها وعللها، وثانيها اللغة، وثالثها الإعراب، ورابعها النظم، وخامسها المعنى، وسادسها النزول، وسابعها الأدلة والأحكام، وثامنها الأخبار والقصص» «١». والواقع أن علوم القرآن وإن كانت تعتبر في الأصل «مدخلا» إلى تفسير القرآن وطريقا إليه، إلا أن قسما كبيرا منها، حتى بعد أن اتخذ هذا المصطلح شكله النهائي فيما بعد، يدخل في نطاق التفسير، ويبدو أن الحاكم يعنى بعلوم القرآن، في المقام الأول، تلك الأمور والمعلومات

стр. 403

التي لا بدّ من الوقوف عليها في تفسير كل آية، فهي والتفسير عنده- أو علوم التفسير إن صح هذا التعبير- على حد سواء. ومهما يكن من أمر فإن الذي نعرض له في هذا الفصل إنما هو آراء الحاكم في سائر علوم القرآن، أو في أهم علوم القرآن الأخرى، كما وقفنا عليها من خلال تفسيره. اولا: نزول القرآن ١) نزوله إلى سماء الدنيا: ذهب كثير من العلماء إلى أن القرآن نزل مرتين، الأولى إلى سماء الدنيا نزل فيها- على قول الأكثر- جملة واحدة، والثانية على النبي صلّى الله عليه وسلم، نزل عليه فيها منجما في بضع وعشرين سنة، ويروون في نزوله إلى بيت العزة في السماء الدنيا بضعة أحاديث وصفت أسانيدها بأنها صحيحة «١»، وقد عرض الحاكم لهذا الموضوع في مواضع عدة من تفسيره، عند الكلام على قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ) «٢» وقوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) «٣» وقوله: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) «٤» وقوله: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) «٥» وفي مواضع أخرى.

стр. 404

قال في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ) إنه يدل على «أن القرآن مؤلف في اللوح، وأنه أنزله حالا بعد حال حسب المصلحة». أما الآيات الأخرى فأجمع ما قال في تفسيرها، ما ذكره في آية سورة القدر، قال في قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ): «فيه ثلاثة أقوال: أولها: أنزلنا القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل على رسول الله ﷺ نجوما؛ عن ابن عباس. وقيل: كان ينزل في كل سنة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا ما يريد إنزاله في تلك السنة على نبيه متفرقا، ثم كذلك في كل سنة، عن أبي علي. وقيل إنا أنزلنا ما يدل عليه العباد في ليلة القدر، بمعنى بينا وأثبتنا، حكاه القاضي. وثانيها: ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، عن الشعبي، وكان المبعث في رمضان، وثالثها: أنزلنا القرآن في فضل ليلة القدر» قال الحاكم: «والأول أولى، لأن أكثر المفسرين عليه، وتواتر النقل بأنه أنزل القرآن ليلة القدر إلى سماء الدنيا». ٢) الوحي: ورد في الأحاديث عدة «كيفيات» للوحي تكفلت بجمعها كتب علوم القرآن، مثل النفث في الروع، أو أن يأتي الملك إلى الرسول في مثل صلصلة الجرس، أو أن يأتيه في صورة الرجل فيكلمه، أو يأتيه في النوم، أو أن يكلم الله تعالى رسوله من وراء حجاب «١». ولم يعرض الحاكم لموضوع الوحي- فيما بين أيدينا- إلا من خلال تفسيره لبعض الآيات التي أبان فيها عن كيفية تكليم الله تعالى للرسل، وعن المراد بإضافة القرآن إلى جبريل، وعن بعض المسائل الأخرى التي سنعرض لها

стр. 405

في هذه الفقرة، وبالرغم من أنه لم يبحث في بعض الكيفيات السابقة إلا أنه يذهب فيما يبدو إلى أن الأصل في إنزال القرآن أنه كان بالوحي عن طريق جبريل ﵇، بغض النظر عن الكيفية التي كان يأتي عليها، وإن كان المعلوم من رأي الحاكم- في تفسيره لسورة النجم- أن النبي لم ير جبريل على صورته الحقيقة إلا مرتين يوم عرج إلى السماء، ويبدو لنا رأي الحاكم في نزول القرآن على الرسول وفي موضوع الوحي عموما من خلال تفسيره للآيات التالية: أ- قال الله تعالى: (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ) «١» قال الحاكم: والوحي في اللغة إعلام في إخفاء، وكل أمر سريع فهو وحي، ومنه: الوحى الوحى، وتسمى الرسالة والكتاب والإشارة وحيا. وأوحى ووحى لغتان، والإلهام يسمى وحيا. ثم قال في الآية إنها تدل على أن كلام الله تعالى لعباده على ثلاثة أوجه: «الأول: الوحي، وإن كان جميعا وحيا. وقيل: أراد بالوحي الإلهام. وقيل هو القاء الخواطر وإقامة الأدلة وشرع الاستدلال، كما فعل إبراهيم في قوله: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)، عن أبي مسلم. وقيل الإلهام من جنس الاعتقادات لا من جنس الكلام فلا يكون الإلهام وحيا! وقيل: الخواطر وما يراه في المنام، عن أبي علي. والثاني: من وراء حجاب، قيل: يكلمه بكلام يسمعه ولا يرى المتكلم

стр. 406

بمنزلة ما يسمع من وراء الحجاب؛ لأنه تعالى لا يجوز عليه الحجاب، ولا يكون كلامه كلام من يرى ويدرك، عن أبي مسلم، وقيل: يحجب ذلك عن جميع خلقه إلا ممن يريد أن يكلمه به، نحو كلامه لموسى ﵇ في المرة الأولى، بخلاف كلامه في المرة الثانية لأنه سمع ذلك معه السبعون، عن أبي علي، وقيل يحصل الكلام من وراء حجاب، أي مكانه الذي خلق فيه، فالحجاب راجع إلى مكان الكلام، ولا يقال إن المتكلم من وراء حجاب؛ لما بينا أن الحجاب لا يجوز عليه لأنه من صفات الأجسام، وما يسمعه الملك من هذا القبيل لأنه يسمع الكلام من غير رؤية محله والمتكلم به، ويعلم انه كلامه بمعجزة أو ما يجري مجرى المعجزة، والحجاب ثلاثة أوجه: حجاب عن إدراك الكلام إلا المكلّم به. والثاني حجاب بمحل الكلام. والثالث بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب. الثالث: أو يرسل رسولا من الملك فيأتي به إلى النبي ﷺ فيسمعه منه فيؤديه إلى الخلق (بإذنه) قيل بعلمه. وقيل بأمره، وهو الوجه». هذه الطرق الثلاث التي ذكرتها الآية لم ينص الحاكم في أولها- وهو الوحي- على تفسير بعينه، وإن كان قوله في الإلهام إنه يسمى وحيا، إلى جانب ميله المعهود إلى رأي أبي علي الذي ختم به هنا ما قدمه من آراء؛ يرجح ميله إليه، وذهابه إلى أن المراد بالوحي في الآية الخواطر وما يراه في المنام. أما الطريق الثاني فالمراد به عنده أن الرسول يسمع كلام الله تعالى من غير واسطة، والذي يود الحاكم تأكيده هنا إنما هو عدم جواز الحجاب على الله تعالى. أما الطريق الثالث فقد «نص» فيه على أن الرسول- جبريل- يأتي بالكلام إلى النبي- على أي صفة- «فيسمعه

стр. 407

الرسول منه». وعلى هذه الطريقة نزلت جميع آي القرآن على الرسول صلى الله عليه، فيما يذهب اليه الحاكم ﵀، كما «يبدو» ذلك لنا مما يأتي: ب- قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ. أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ. وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ) «١» قال الحاكم: الروح الامين هو جبريل، عن ابن عباس والحسن والضحاك وابن جريج، سمي روحا لأنه روحاني، وقيل: لأن الدين يحيا به، وسمي أمينا لانه أمين الله على وحيه. (على قلبك) يا محمد، قال الحاكم: «وهذا توسع لانه تعالى كان يسمعه جبريل فيحفظه وينزل به على الرسول ﷺ ، ويقرأ عليه فيعيه ويحفظه بقلبه، فكأنه نزله على قلبه» (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ): من المخوفين عباد الله، (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) يعني أن القرآن بلغة العرب نزل، وكل نبي أرسل بلسان قومه ليفهموا عنه. (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) أي كتب الاولين، قال الحاكم: «واختلفوا ما الذي في كتب الاولين، قيل الدعاء إلى التوحيد والعدل والاعتراف بالبعث وأقاصيص الامم الذي نزل به القرآن، وهو مذكور في تلك الكتب، عن مقاتل. وقيل: ذكر القرآن والبشارة به وبمحمد ﷺ مذكور في الكتب، عن أكثر المفسرين». قال: «ولا يقال إن عين هذا القرآن في الكتب لأنه عربي ونزل

стр. 408

على محمد، بخلاف تلك الكتب» ولهذا رد في «الاحكام» استدلال بعض أصحاب أبي حنيفة بقوله (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) أن القرآن قرآن وإن كان بغير لغة العرب! لان معنى الآية ما قدم «ولأن القرآن ما كان بلفظه ومعناه». ج- وقال الحاكم في قوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) «١» إن سبب نزول الآية أن الرسول كان إذا نزل القرآن عجل بتحريك لسانه لحبه إياه، فنزل (لا تحرك)، عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك. قال الحاكم: وفيه نزل (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) «٢» قال: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ) يعني بالقرآن والوحي (لِتَعْجَلَ بِهِ) أن بقراءته لتحفظه ولا تنساه (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) قيل إن علينا جمعه في صدرك حتى تحفظه، وقراءته عليك حتى تعيه ويمكنك بيانه، عن ابن عباس والضحاك. وقيل إن علينا جمعه في صدرك، وتأليفه على ما نزل عليك، عن قتادة. (فإذا قرأناه) قيل: قرأه الملك عليك بأمرنا. وقيل إذا جمعناه لك (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) أي أتبع قراءته بقراءتك. وأيا ما كان رأي الحاكم في معنى القراءة في الآية، فإن ما ذكره هنا وفي الآية السابقة يشير إلى رأيه في أن جميع القرآن نزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ وقرأه عليه- والآثار الصحيحة في أنه كان يعارضه به كثيرة-، وأن الوحي بالقرآن، كما اتفق على ذلك جميع المسلمين،

стр. 409

إنما كان بلفظه ومعناه جميعا، لان قوله تعالى في الآية السابقة (عَلى قَلْبِكَ) ليس له في الاصل ظاهر يصح التمسك به «١» حتى يقال إنه أولى من المجاز والتوسع، فضلا عما دلت عليه هذه الآية الثانية وآيات أخرى كثيرة، وما علم من دين الإسلام بالضرورة، وإنما المراد بقوله تعالى (عَلى قَلْبِكَ) ما قدمناه من كلام الحاكم ﵀. د- أما إضافته تعالى القرآن إلى النبي ﷺ أو إلى جبريل، فقد

стр. 410

عرض له الحاكم في قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ .. ) «١» قال الحاكم: الرسول الكريم قيل جبريل، عن أبي علي. وقيل محمد ﷺ ، عن الحسن، والكريم: الجامع لخصال الخير، وقيل إنه كريم على ربه. قال: «ومتى قيل: إذا كان القرآن كلامه تعالى فلم أضافه إلى الرسول؟ قلنا: فيه وجوه: قيل كانوا ينكرون أن يكون كلام رسول الله ويقولون هو سحر! فبين أنه كلام رسوله لانه سمع منه، عن أبي علي. وقيل: تلاوته وأداؤه. وقيل فيه حذف، أي قول مرسل رسول كريم، كقولهم: (واسأل القرية) أي أهلها». وذكر الحاكم أيضا نحوا من هذه الوجوه في تفسير قوله تعالى (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) من سورة التكوير «٢». ثانيا: نقل القرآن ١) تواتر النص القرآني: ويعرف القرآن عند جميع المسلمين بالنقل المتواتر، ولا خلاف أنه ما بين الدفتين، وأنه المختص بهذه السور أوّلها وآخرها، قال الحاكم: وذلك أظهر من أن يمكن الخلاف فيه. ومن هنا اشتدت حملته- في تفسيره وفي مواطن أخرى من كتبه- على من لفق من رواية نفي ابن مسعود المعوذتين، واثبات أبيّ سورتي القنوت، ومن

стр. 411

القول بأن القرآن من جمع عثمان ﵁، بعض المزاعم الباطلة، قال الحاكم: والذين تلقفوا هذه الروايات فريقان: الحشوية، وعوام الإمامية، وهؤلاء جهلة مقلدة راجت عليهم دسائس الملحدة، قال: «وأما العلماء فلا خلاف عندهم في القرآن البتة، وأنه كان مجموعا على هذا الحد في آخر أيام الرسول، يبين صحته ما رواه القوم من فضائل السور. وإنما كان من أبي بكر التشدد في جمعه في المصاحف، وتشدد عثمان في الجمع على هذا المعروف لاختلاف اللغات، وكان ابن مسعود يقول: أنزل المعوذتين للتعوذ وأبيّ يقول في سورتى القنوت إنه منزل ليثبت، والخلاف كان في الإثبات، فكان الخلاف في إثباته في المصحف لا في إنزاله» «١». وقد عقد الحاكم في مطلع تفسيره لسورة الأحزاب فصلا نقد فيه هذه الروايات، وفند مزاعم الرافضة، وأبان في ذلك عن علم وبصيرة، ونكتفي هنا بذكر هذا الفصل للوقوف على ردود الحاكم التي تغنى عن الإطالة في تقسيم هذه الفقرة، قال: «وروى جماعة من نقله الحديث عن أبي بن كعب أن سورة الأحزاب تقارب سورة البقرة، وكان فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. ورووا عن عمر قريبا منه، ورووا عن عائشة أنها- أي السورة- كانت تقرؤ في زمن الرسول ﷺ مائتي آية، فلما كتب عثمان ﵁ المصاحف لم يقدر عليها إلا على ما هي الآن! ولما رووا هذا القدر وجدت الرافضة لنفسها مجالا، فرووا في هذه السورة ما يتجاوز هذا الحد، وذكروا أن فيها النص على تكفير عثمان وغيره من الصحابة فحذفوه منها ... »

стр. 412

قال الحاكم: «ولا يجوز في مثل هذه الروايات إلا القول بأنها من دسيس الملحدة الذين غرضهم هدم الإسلام وإبطال التمسك بالقرآن، إذ هو الأصل في الإسلام، وإلقاء الشك في قلوب المستضعفين. «ولو جاز ما قالوا لجاز أن يكون فيها آيات ناسخة لكثير مما نتمسك به من الشرائع،- وهذا يقتضي الشك في الشرع كما اقتضى الشك في القرآن- ولجاز لليهود أن تقول: قد غير القرآن مع كثرة الحفاظ له! «وكيف يعترض عليه بمثل هذه الأخبار وهي آحاد غير صحيحة. ولأنه تعالى تولى حفظه قال سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) فكيف يجوز أن يقال مع هذا إنه غير وبدل وزيد ونقص؟! «وبعد، فلو رام في زماننا هذا الوجه أحد لأتاه النكير من كل جهة، فكيف يجوز مثل ذلك في زمن الصحابة والإسلام غض، والزمان زمان فضل ودين؟ ولأن تلك الآيات إما أن يحتاج إليها فكان الله يحفظها، وإلا لم يكن مزيحا للعلة، أو لا يحتاج إليها فكان إنزالها عبثا!! ولأن نقل القرآن متواتر، وحفاظه جماعة فلا يجوز عليهم التواطؤ، فكيف يكتم شيء منه؟! ولو جاز فيه ذلك لجاز في معارضة القرآن شيء آخر مثل ذلك! وفي هذا هدم الإسلام ... «ومتى قيل: حفاظ القرآن كانوا خمسة، وهم الذين ترجع إليهم الأسانيد. قلنا: غلط، الحفاظ كان في عددهم كثرة، ولكن هؤلاء انتصبوا للقراءة عليهم، كما أن حفاظ القرآن في بلاد الإسلام كثير وإن كان في كل بلد واحد ترجع إليه الأسانيد. «ومتى قيل: أليس روى أن عثمان جمعه؟ قلنا: معاذ الله! فقد كان

стр. 413

مجموعا في زمن الرسول ﷺ يقرأ كما هو عليه، وإنما نقله عثمان إلى المصاحف، وجمع الناس على الظاهر منها- الأحرف- لما رأى اختلاف الناس في القرآن وخاف وقوع الفتنة، وفي الظاهر أن رسول الله ﷺ قرأ على أبيّ وأبيّ قرأ على رسول الله ﷺ . وذكر الهادي ﵇ في «الأحكام» أنه وجد مصحف علي ﵇ عند عجوز من آل الحسن، فكان علي ما في أيدي الناس. «ومتى قيل: إنما أسقطوه لداع لهم، ولم يكن في غير إمامة علي داع! قلنا: لو أن عثمان أسقطه أليس كان يقرأ؟! على أن الدواعي في الأمور تختلف، فلئن كتموا نص عليّ حسدا؛ جاز أن يكتموا أحكاما وشرائع لدواع آخر! فيقال: نسخ الحج فكتموه لئلا تنقطع الرحلة عنهم!. ويقال: نسخت الصلاة فكتموها، ويقال: نسخت الزكاة فكتموها ليتوصلوا إلى أخذ الأموال! «ويقال لهم: هلا أظهر عليّ ما كتموه في أيامه، إذ لم يكن في الإسلام أمر أهم من ذلك؟ وهلا نقلته الأئمة اللذين يشيرون إليهم! أم يزعمون أنه بعد إمامة «الاثنا عشر» سر! «وبعد، فإذا لم يعلموا، فكيف قالوا: كتموا ذلك؟ وكل ذلك يدل على سخف قائله، وأنه لا يرجع إلى دين، وأنه يستتر بالإسلام ويعتقد غير الإسلام. «ومتى قيل: فلو صح حديث أبيّ وعمر، هل له تأويل؟ قلنا: القدر الذي روى عن عمر وأبي أنه كان فيما يتلى (الشيخ والشيخة) هذا يحتمل أنه نسخ تلاوته. فأما من يقول كانت تتلى مائتي آية- سورة الأحزاب-

стр. 414

فكتمها عثمان وكان فيه نص عليّ فكتموه، فلا قول فيه غير أنه من دسائس الملحدة» «١». ٢) السور والآيات: قال الحاكم: «وفي القرآن آيات وسور، فالسور جمع سورة، كغرفة وغرف، وهو بغير همز: المنزل المرتفع، ومنه سور المدينة، ومنهم من يهمزه ويريد به القطعة من القرآن، وسؤر كل شيء: بقيته بعد الأخذ منه. فأما الآية فقيل معناها العلامة، سميت بذلك لدلالتها على أول الكلام وآخره. وقيل: الآية: الجماعة ... ؛ يقال: خرج القوم بآيتهم، أي بجماعتهم». «٢» أ- ويرى الحاكم أن عدد السور منقول إلينا بالتواتر، وأن ترتيبها توقيفي كذلك كما قدمنا، قال في تفسيره لسورة الضحى: «وذكر بعض الجهال أن سورة (والضحى) و (ألم نشرح) واحدة. وهذا باطل لأنا بالطريق الذي علمنا فضل السور، بذلك علمنا أنهما سورتان، ألا ترى أنه فصل بينهما بالتسمية، وتواتر النقل بأنهما سورتان» «٣» وقال أيضا: وقد قال بعضهم إن سورة الفيل وسورة قريش واحدة، وروى أن في مصحف أبيّ لا فصل بينهما. والصحيح أنهما سورتان، وعليه جل الصحابة والتابعين، وبالطريق الذي نعلم تفاضل السور، بذلك نعلم أنهما سورتان. وما روى عن عمر ﵁ أنه قرأهما في ركعة واحدة لا يدل على أنهما سورة واحدة. «٤»

стр. 415

ب- أما عدد الآيات في كل سورة ففيه بعض الاختلاف تبعا لاختلافهم في رءوس الآي، فالسورة واحدة بالإجماع ولكن «عد» آيها قد اختلفت فيه الرواية اختلافا طفيفا لا يكاد يذكر، وقد جرى الحاكم على أن يذكر في رأس كل سورة عدد آياتها عند قراء أهل البصرة والكوفة، ومكة والمدينة، ومصر والشام، ولكنه نص في أكثر من موضع على أن أصح الأعداد عدد الكوفة «لأنه عدد أمير المؤمنين» علي ﵇، قال في سورة غافر: «قال القاضي: هي مكية فيما نقله المفسرون «١»، وهي خمس وثمانون آية في الكوفى، واثنان في البصرى، وأربع في المكي والمدني، وست في الشامي. وأصح الأعداد عدد الكوفة لأنها عدد أمير المؤمنين» «٢». وقال في سورة الطور: «مكية، وهي تسع وأربعون آية في المدني، وثمان في البصرى، وسبع في الكوفى. وقد بينا أن أصح الاعداد: الكوفى؛ لانه عدد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇». «٣»

стр. 416

ثالثا: فضائل القرآن ولا نعني بها فضائله على الجملة، فإن هذه الفضائل لم يعرض لها الحاكم، ولكننا نعني فضائل سوره سورة سورة، وفضائل بعض الآيات، وقد حفل الحاكم بهذا النوع من الفضائل في كل سور القرآن. ١) فضائل السور: نقل الحاكم في مطلع كل سورة- بعد ذكر عددها وأنها مكية أو مدنية- خبرا أو أكثر مما ورد في فضلها، ولم تخل سورة واحدة عنده من خبر أو أكثر في فضلها وشرفها، على الرغم من أن كتب الحديث لا تصحح كثيرا من هذه الاخبار، ويبدو أن الذي حمله على استقصاء «أحاديث» الفضائل هذه تعويله عليها- فيما عول عليه- في بيان أن أعداد السور منقول إلينا بالرواية، وإن كان قوله إن طريق العلم بالسور هو التواتر لا تصححه هذه الروايات في الفضائل، وإنما تصححه روايات أخرى لا يتطرق اليها الشك، إلا أنه لا يمتنع أن يقال إن ورود بعض الأحاديث الصحيحة في الفضائل، إلى جانب بعض الأحاديث الحسنة، مما يصح أن يستأنس به على ما ذهب اليه الحاكم، وقد يدل عليه من بعض الوجوه. وقد جرت عادته في ذكر هذه الأحاديث على رفعها إلى النبي ﷺ دون ذكر الراوي، أو مع ذكره في أغلب الأحيان- ويتردد هنا اسم أبي بن كعب كثيرا- وقد يذكر طرفا من سند الحديث في بعض الأحيان، قال في سورة الفاتحة: «وعن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن فاتحة الكتاب، فقال: (والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الانجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، هي أم

стр. 417

القرآن وهي مقسومة بين الله وعبده، ولعبده ما سأل) «١». وقال في سورة البقرة: «وعن سهل بن سعد عن النبي ﷺ وآله: (لكل شيء سنام، وسنام القرآن البقرة: من قرأها في بيته نهارا لم يدخل بيته شيطان ثلاثة أيام. ومن قرأها ليلا لم يدخله شيطان ثلاث ليال)». «٢» وقال في سورة الرحمن: «وروى الصادق عن أبيه عن النبي ﷺ : (لكل شيء عروس، وعروس القرآن الرحمن) وروى أبيّ عن النبي ﷺ : (من قرأ سورة الرحمن رحم الله ضعفه، وأدّى شكر ما أنعم الله عليه) وعن جابر، قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: ما لي أراكم سكوتا؟! للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية مرة (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك يا رب نكذب، فلك الحمد». «٣» وفي أول سورة غافر، ذكر فضل «الحواميم» على الجملة «٤»، بالإضافة إلى ما نقله من فضل كل واحدة منها على التعيين، قال: «فضل الحواميم: روى أنس عن النبي صلى الله عليه وآله: حواميم ديباج القرآن. وعن ابن عباس: لكل شيء لباب، ولباب القرآن الحواميم. وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله:

стр. 418

من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليقرا الحواميم» قال الحاكم: «وفي فضل هذه السورة- غافر- روى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله (من قرأ حم المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلوا عليه واستغفروا له)». «١» ٢) فضائل الآيات: أما فضائل الآيات فطريقة الحاكم في روايتها لا تختلف عن طريقته في فضائل السور، ومحلها عنده في شرح الآية في آخر كلامه على «المعنى»، وقسم كبير من هذه الفضائل يقع في أواخر السور لكثرة الآثار الواردة في فضائل الخواتيم، مثل ما ورد في آخر البقرة، وآخر آل عمران، وآخر الاسراء، وآخر الحشر ... قال في قوله تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ... ) الآيات إلى آخر سورة الحشر: «روى أنس عن النبي ﷺ : (من قرأ آخر سورة الحشر غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) وروى عن النبي ﷺ أنه قال: (من قرأ آخر سورة الحشر: لو أنزلنا هذا القرآن إلى آخره، فمات من ليله مات شهيدا) وعن أبي أمامة: من قرأ خواتيم الحشر من ليل أو نهار فقبض في ذلك اليوم أو الليلة فقد أوجب له الجنة وعن أبي هريرة قال: سألت رسول الله ﷺ عن اسم الله الأعظم، فقال: عليك بآخر سورة الحشر فأكثر قراءتها» «٢». وقال في آية الكرسي: «وعن أبي بن كعب: أعظم آية في كتاب الله آية الكرسي». «٣».

стр. 419

وقال في أول الكهف- بعد أن روى من حديث أبي سعيد أن من قرأها يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين- «وروى عن النبي ﷺ : (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال)». وما أورده الحاكم من الآثار في باب فضائل بعض الآيات، أقل بكثير مما ذكره في فضائل السور، ولعل تلك الآثار أقل من هذه في كتب الحديث، وفي كتب التفسير الأخرى. رابعا: النسخ في القرآن أكثر ما عرض الحاكم لموضوع النسخ عند كلامه على «الأحكام» - وهذا مما حملنا على إفراده بفقرة مستقلة بعيدة عن فقرة «الفقه» التي لم يشر فيها إلى هذا الموضوع- لبيان أن الآية التي فسرها وقدم فيها القول ناسخة أو منسوخة، مع الإشارة إلى أن دعوى النسخ لا تصح في كثير من الآيات، خلافا لما ذهب اليه البعض. وهو وإن قال بوقوع النسخ في القرآن- فعل الجمهور- إلا أن مخالفته لدعاويه الكثيرة، كثيرة أيضا. ونحاول في هذه الفقرة الوقوف على «خلاصة» رأية في النسخ- من خلال تعليقاته وردوده الكثيرة في تفسيره- مع ذكر بعض الشواهد الموجزة الموضحة لهذا الرأي: ١) تعريف النسخ وجوازه والفرق بينه وبين البداء: ذكر الحاكم في تفسيره لقوله تعالى: (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها) «١» وجوه القراءة في الآية وما يتبع ذلك من اختلاف المعنى،

стр. 420

وما ذهب إليه السلف والأئمة وكثير من شيوخ الاعتزال في معنى النسخ الوارد في الآية، وما هو المراد من «الآية» الواردة فيها، كما ذكر أصل معنى «النسخ» في اللغة أهو من الإبدال كما قال به الرماني، أم من الإزالة كما ذهب اليه أبو هاشم. ثم ذكر من تعاريفه الاصطلاحية هذين الحدين للقاضي عبد الجبار وعلي ابن عيسى الرماني، قال القاضي: «النسخ في الشرع: هو ما دل على أن مثل الحكم الثابت بالشرع غير ثابت في المستقبل، على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول، مع تراخيه عنه، فالنص الثاني ناسخ، والأول منسوخ» وقال الرماني: «هو رفع لشيء قد كان يلزم العمل به إلى بدل منه». ولم يرجح الحاكم أحد هذين التعريفين، ولعله وجد أنه لا تعارض بينهما لأن تعريف القاضي الذي ينسب عادة إلى المعتزلة «١» - إنما هو تعريف «للناسخ» «والمنسوخ»، وتعريف الرماني إنما هو لحقيقة «النسخ» عندهم. وأيا ما كان الأمر فقد ذهب الحاكم إلى جواز النسخ- وحكم بوقوعه- كما قدمنا، ورد على أبي مسلم الأصفهاني مذهبه في إنكار النسخ، قال الحاكم: «واختلفوا في قوله (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) فكل المفسرين حملوه

стр. 421

على الآية من القرآن غير أبي مسلم فإنه حمل ذلك على التوراة والانجيل والشرائع التي فيها، وقال: أراد ما ننسخ من آية، أي من شرائعهم وكتبهم. (أو ننسها) يعني لا ذكر لها في القرآن (وننسئها) نؤخرها ونبقيها فلا ينسخها القرآن، ونذكرها في القرآن. وقوله (نأت بخير منها) يعود الضمير في «منها» إلى ما ننسخ، وفي (مثلها) يرجع إلى ما لم ننسخ»، قال الحاكم: «وهو محجوج بالإجماع. والذي ذكره هاهنا وجه وربما تأول الآيات المنسوخة على تأويل بعيد، ويتعسف فيها». وعرض الحاكم لموضوع مخالفة اليهود في النسخ، وأطال الرد عليهم في مسألة البداء- على منهجه الكلامي المعهود- فقال في «أحكام» آية النسخ السابقة: «ولا خلاف بين المسلمين في جواز النسخ، وإنما خالف في ذلك اليهود، فمنهم من يأباه عقلا ويزعم أنه بداء، ومنهم من يأباه سمعا بخبر زعموا أنه من موسى ﵇! وفيهم أيضا من يجوز النسخ. وعندنا: الشرائع مصالح فلا يمتنع أن تختلف بالأزمنة والأمكنة». «أما الفصل بين النسخ والبداء فالأصل فيه أن الشيء إنما يدل على البداء إذا اجتمع فيه شرائط خمس: أولها أن يرد أمر ونهي وثانيها أن يكون الفعل واحدا. وثالثها أن يكون الوقت واحدا. ورابعها أن يكون المكلّف واحدا. وخامسها: أن يكون الوجه واحدا. فمتى تكاملت هذه الوجوه دل على البداء، ومتى أخل بوجه منها لا يدل». قال: «وإن شئت قلت: كل نهي قرنته بأمر فلم يدل على المناقضة لا يدل على البداء، وكل ما يدل على المناقضة يدل على البداء. وإن شئت قلت: كل أمر ونهي ورد أحدهما عقيب الآخر، ويصح حصولهما

стр. 422

من واحد وحاله في العلم في الحالين على السواء بحيث لا يتغير، لا يدل على البداء، وإن كان لا يصح حصولهما منه وحاله في العلم في الحالين على السواء دل على البداء. مثال ذلك: إذا أمر زيدا أن يشتري وقت الظهر لحم الغنم، ثم نهاه أن يشتري وقت الظهر لحم الغنم .. هذا يدل على أنه ظهر له ما لم يكن ظاهرا، وإلا لما نهى. فإن تغير واحد لا يدل، نحو أن يأمر زيدا وينهى عمرا، أو أن يأمره في وقت الظهر وينهاه في وقت العصر، أو يأمره بالشراء وينهاه عن الانتهاب، أو يأمره بلحم الغنم وينهاه عن لحم البقر. «وإنما قلنا إنه لا يدل على البداء لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء مصلحة لزيد مفسدة لعمرو، ولا يمتنع أن يكون مصلحة لزيد في وقت دون وقت، وأن يكون فعل له فيه مصلحة، وفعل آخر مفسدة، أو يكون مصلحة على وجه دون وجه. وإذا لم يمتنع ذلك لم يدل على البداء» «١». ٢) لا نسخ في الأخبار وحيث لا تعارض: ويبدو أن التمييز بين النسخ والتخصيص والتقييد وسائر أنواع البيان كان ماثلا أمام الحاكم وهو يرد كثيرا من دعاوى النسخ أو يهمل الإشارة إليها. وواضح من كتابه أنه يذهب إلى إنكار النسخ في الأخبار، وفي الآيات التي لا يوجد بينها تناف أو تعارض، كما ينكر وقوعه في آيات الوعيد، وفي آيات أخرى كثيرة زعم أنها نسخت بآية القتال، أو اشتهر بأنها من المنسوخ، يحدوه في ذلك منهج لا يعفيه من النظر- على الدوام- ومناقشة أي دعوى والحكم عليها بالرد أو القبول. ويمكن أن تصنف الآيات التي رد فيها الحاكم دعوى

стр. 423

النسخ في فقرتين اثنتين: دعاوى النسخ في الآيات الإخبارية. وفي الآيات التي لا يوجد بينها تعارض. بل يمكن إعادتها إلى هذه الفقرة الأخيرة وحدها كما يبدو ذلك من تعليقاته الكثيرة حول هذا الموضوع: أ- قال في قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) «١» إن الربيع قال: نسخت هذه الآية بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)، قال الحاكم: «وهذا لا يصح لأنه لا تنافى بين الآيتين، ولأنه خبر فلا يدخله النسخ». ب- وذكر في قوله تعالى: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) «٢» انها منسوخة بآية السيف، عن الكلبي! قال: «وليس في الآية ما ينافي الجهاد حتى تحمل على النسخ»! ج- وقال في قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ. قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ

стр. 424

الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) «١» قيل إنها منسوخة لأنها نزلت قبل غفران ذنبه! قال: «وهذا فاسد لأنه ليس في الآية وقوع ذنب، وإنما فيها أنه يخاف! ولأن ذنوب الأنبياء تقع مكفرة». وقال في تفسير قوله تعالى: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي .. ) قل يا محمد إنني لا أعبد إلا الله تعالى وحده، ولا أعبد معه شيئا، ولا أعصيه في شيء، فاعبدوا ما شئتم فستجدون جزاءه. وقيل: تقديره إذا لم تقبلوا نصحي فأنتم وشأنكم فإني لا أعبد أحدا سواه. قال الحاكم: وقيل إنها منسوخة بآية القتال! قال: «وهذا في غاية الفساد لأنه ليس بأمر حتى ينسخ، وإنما هو تهديد ووعيد فلا تنافي القتال والقتل»! د- وأخيرا قال في تفسير قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) «٢» إنه يحتمل وجهين: أحدهما أنه لم يكلف شططا ولا شيئا لا يقدر العبد عليه. والثاني أنه أراد المبالغة، أي اتقوا الله ما أمكنكم. ثم قال: «ومتى قيل: أليس روي عن بعضهم أن هذا ناسخ لقوله (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ)؟ قلنا: ذلك ليس بصحيح لأنه تعالى لم يكلف إلا ما يطيقه العبد، والآيتان لا تتنافيان، وإنما وردتا بشرط الطاقة». ٣) من شواهد النسخ عند الحاكم: وفي الآيات الأخرى التي لم يردّ فيها الحاكم دعوى النسخ، لم يلتزم بترجيح الرأي في أنها منسوخة-

стр. 425

حيث يكون هناك معارض لدعوى النسخ يذكره هو- كما لم ينص صراحة على أنه يذهب فيها إلى القول بأنها منسوخة وإن لم يذكر فيها رأيا آخر، حتى كان الوقوف على الآيات التي صرح فيها الحاكم بالنسخ كالمتعذر. وكل ما في الأمر أن الحاكم يقول بالنسخ، وأنه يضيق دائرته إلى حد كبير. ونورد فيما يلي شاهدين من شواهده في النسخ يدلان على طريقته التي تحدثنا عنها: أ- قال في قوله تعالى في مطلع سورة المزمل: (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ... ) الآيات: «١». روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل فتسامع الناس به واجتمعوا وكثروا، فدخل البيت فقال: أخاف أن تكتب عليكم، فجعلوا يتنحنحون حتى يخرج إليهم، فنزل قوله تعالى (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ .. ) وفرضت الصلاة بالليل حتى كان أحدهم يربط حبلا فيتعلق به، فمكثوا كذلك ثمانية أشهر، ثم نسخ ذلك وصارت صلاة الليل تطوعا. قال الحاكم: «وقيل: لم تكن فريضة، بل كانت تطوعا لأن الفرض لا تخيير فيه. وقيل: كانت فرضا، والزيادة والنقصان موقوفان على رأي المصلي واختياره. وقيل: لما نزلت هذه الآية اشتدت عليهم محافظة الوقت نصف الليل أو أقل أو أكثر، فكان يقوم حتى يصبح! فشق عليهم وتورمت أقدامهم، فخفف عنهم ونسخت. وقيل: بين أن فرضت حتى نسخت سنة، عن ابن عباس والحسن وقتادة. وقيل: كان بينهما عشر سنين، عن سعيد بن جبير! وقيل: ثمانية أشهر؛
следующие страницы →