← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37682

الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير

عدنان زرزور

Полный текст (498 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

على الآية من القرآن غير أبي مسلم فإنه حمل ذلك على التوراة والانجيل والشرائع التي فيها، وقال: أراد ما ننسخ من آية، أي من شرائعهم وكتبهم. (أو ننسها) يعني لا ذكر لها في القرآن (وننسئها) نؤخرها ونبقيها فلا ينسخها القرآن، ونذكرها في القرآن. وقوله (نأت بخير منها) يعود الضمير في «منها» إلى ما ننسخ، وفي (مثلها) يرجع إلى ما لم ننسخ»، قال الحاكم: «وهو محجوج بالإجماع. والذي ذكره هاهنا وجه وربما تأول الآيات المنسوخة على تأويل بعيد، ويتعسف فيها». وعرض الحاكم لموضوع مخالفة اليهود في النسخ، وأطال الرد عليهم في مسألة البداء- على منهجه الكلامي المعهود- فقال في «أحكام» آية النسخ السابقة: «ولا خلاف بين المسلمين في جواز النسخ، وإنما خالف في ذلك اليهود، فمنهم من يأباه عقلا ويزعم أنه بداء، ومنهم من يأباه سمعا بخبر زعموا أنه من موسى ﵇! وفيهم أيضا من يجوز النسخ. وعندنا: الشرائع مصالح فلا يمتنع أن تختلف بالأزمنة والأمكنة». «أما الفصل بين النسخ والبداء فالأصل فيه أن الشيء إنما يدل على البداء إذا اجتمع فيه شرائط خمس: أولها أن يرد أمر ونهي وثانيها أن يكون الفعل واحدا. وثالثها أن يكون الوقت واحدا. ورابعها أن يكون المكلّف واحدا. وخامسها: أن يكون الوجه واحدا. فمتى تكاملت هذه الوجوه دل على البداء، ومتى أخل بوجه منها لا يدل». قال: «وإن شئت قلت: كل نهي قرنته بأمر فلم يدل على المناقضة لا يدل على البداء، وكل ما يدل على المناقضة يدل على البداء. وإن شئت قلت: كل أمر ونهي ورد أحدهما عقيب الآخر، ويصح حصولهما

стр. 422

من واحد وحاله في العلم في الحالين على السواء بحيث لا يتغير، لا يدل على البداء، وإن كان لا يصح حصولهما منه وحاله في العلم في الحالين على السواء دل على البداء. مثال ذلك: إذا أمر زيدا أن يشتري وقت الظهر لحم الغنم، ثم نهاه أن يشتري وقت الظهر لحم الغنم .. هذا يدل على أنه ظهر له ما لم يكن ظاهرا، وإلا لما نهى. فإن تغير واحد لا يدل، نحو أن يأمر زيدا وينهى عمرا، أو أن يأمره في وقت الظهر وينهاه في وقت العصر، أو يأمره بالشراء وينهاه عن الانتهاب، أو يأمره بلحم الغنم وينهاه عن لحم البقر. «وإنما قلنا إنه لا يدل على البداء لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء مصلحة لزيد مفسدة لعمرو، ولا يمتنع أن يكون مصلحة لزيد في وقت دون وقت، وأن يكون فعل له فيه مصلحة، وفعل آخر مفسدة، أو يكون مصلحة على وجه دون وجه. وإذا لم يمتنع ذلك لم يدل على البداء» «١». ٢) لا نسخ في الأخبار وحيث لا تعارض: ويبدو أن التمييز بين النسخ والتخصيص والتقييد وسائر أنواع البيان كان ماثلا أمام الحاكم وهو يرد كثيرا من دعاوى النسخ أو يهمل الإشارة إليها. وواضح من كتابه أنه يذهب إلى إنكار النسخ في الأخبار، وفي الآيات التي لا يوجد بينها تناف أو تعارض، كما ينكر وقوعه في آيات الوعيد، وفي آيات أخرى كثيرة زعم أنها نسخت بآية القتال، أو اشتهر بأنها من المنسوخ، يحدوه في ذلك منهج لا يعفيه من النظر- على الدوام- ومناقشة أي دعوى والحكم عليها بالرد أو القبول. ويمكن أن تصنف الآيات التي رد فيها الحاكم دعوى

стр. 423

النسخ في فقرتين اثنتين: دعاوى النسخ في الآيات الإخبارية. وفي الآيات التي لا يوجد بينها تعارض. بل يمكن إعادتها إلى هذه الفقرة الأخيرة وحدها كما يبدو ذلك من تعليقاته الكثيرة حول هذا الموضوع: أ- قال في قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) «١» إن الربيع قال: نسخت هذه الآية بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)، قال الحاكم: «وهذا لا يصح لأنه لا تنافى بين الآيتين، ولأنه خبر فلا يدخله النسخ». ب- وذكر في قوله تعالى: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) «٢» انها منسوخة بآية السيف، عن الكلبي! قال: «وليس في الآية ما ينافي الجهاد حتى تحمل على النسخ»! ج- وقال في قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ. قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ

стр. 424

الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) «١» قيل إنها منسوخة لأنها نزلت قبل غفران ذنبه! قال: «وهذا فاسد لأنه ليس في الآية وقوع ذنب، وإنما فيها أنه يخاف! ولأن ذنوب الأنبياء تقع مكفرة». وقال في تفسير قوله تعالى: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي .. ) قل يا محمد إنني لا أعبد إلا الله تعالى وحده، ولا أعبد معه شيئا، ولا أعصيه في شيء، فاعبدوا ما شئتم فستجدون جزاءه. وقيل: تقديره إذا لم تقبلوا نصحي فأنتم وشأنكم فإني لا أعبد أحدا سواه. قال الحاكم: وقيل إنها منسوخة بآية القتال! قال: «وهذا في غاية الفساد لأنه ليس بأمر حتى ينسخ، وإنما هو تهديد ووعيد فلا تنافي القتال والقتل»! د- وأخيرا قال في تفسير قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) «٢» إنه يحتمل وجهين: أحدهما أنه لم يكلف شططا ولا شيئا لا يقدر العبد عليه. والثاني أنه أراد المبالغة، أي اتقوا الله ما أمكنكم. ثم قال: «ومتى قيل: أليس روي عن بعضهم أن هذا ناسخ لقوله (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ)؟ قلنا: ذلك ليس بصحيح لأنه تعالى لم يكلف إلا ما يطيقه العبد، والآيتان لا تتنافيان، وإنما وردتا بشرط الطاقة». ٣) من شواهد النسخ عند الحاكم: وفي الآيات الأخرى التي لم يردّ فيها الحاكم دعوى النسخ، لم يلتزم بترجيح الرأي في أنها منسوخة-

стр. 425

حيث يكون هناك معارض لدعوى النسخ يذكره هو- كما لم ينص صراحة على أنه يذهب فيها إلى القول بأنها منسوخة وإن لم يذكر فيها رأيا آخر، حتى كان الوقوف على الآيات التي صرح فيها الحاكم بالنسخ كالمتعذر. وكل ما في الأمر أن الحاكم يقول بالنسخ، وأنه يضيق دائرته إلى حد كبير. ونورد فيما يلي شاهدين من شواهده في النسخ يدلان على طريقته التي تحدثنا عنها: أ- قال في قوله تعالى في مطلع سورة المزمل: (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ... ) الآيات: «١». روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل فتسامع الناس به واجتمعوا وكثروا، فدخل البيت فقال: أخاف أن تكتب عليكم، فجعلوا يتنحنحون حتى يخرج إليهم، فنزل قوله تعالى (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ .. ) وفرضت الصلاة بالليل حتى كان أحدهم يربط حبلا فيتعلق به، فمكثوا كذلك ثمانية أشهر، ثم نسخ ذلك وصارت صلاة الليل تطوعا. قال الحاكم: «وقيل: لم تكن فريضة، بل كانت تطوعا لأن الفرض لا تخيير فيه. وقيل: كانت فرضا، والزيادة والنقصان موقوفان على رأي المصلي واختياره. وقيل: لما نزلت هذه الآية اشتدت عليهم محافظة الوقت نصف الليل أو أقل أو أكثر، فكان يقوم حتى يصبح! فشق عليهم وتورمت أقدامهم، فخفف عنهم ونسخت. وقيل: بين أن فرضت حتى نسخت سنة، عن ابن عباس والحسن وقتادة. وقيل: كان بينهما عشر سنين، عن سعيد بن جبير! وقيل: ثمانية أشهر؛

стр. 426

عن عائشة. وقيل: كان هذا بمكة قبل فرض صلاة الخمس ثم نسخ بالخمس، عن ابن كيسان ومقاتل». ثم قال الحاكم: «تدل الآية على وجوب صلاة الليل عليه ﷺ ، هكذا قاله أكثر المفسرين. وذكر أبو علي أنه لم يكن واجبا بل كان نفلا فلذلك خيّر. قال القاضي: وإذا كان مقتضى الأمر لا يقتضي الوجوب لم يكن في ظاهره دلالة على ما يقوله القوم، إلا أنه ثبت أن أوامر الله ورسوله تقتضي الوجوب، فلهذا دل الظاهر عليه» قال الحاكم: «وإذ ثبت وجوبه اختلفوا فالأكثر من الفقهاء والمفسرين أنها منسوخة، وعن الحسن وابن سيرين: لا بد من قيام الليل ولو قدر حلب شاة»! ب- وقال في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) «١» إن الآية الأولى الموجبة لتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول ﷺ قيل في سبب نزولها إنهم سألوا رسول الله فأكثروا فشق عليه فأمروا بتقديم صدقة، عن ابن عباس. وقيل إن الآية نزلت في الأغنياء كانوا يناجون النبي ويغلبون الفقراء ويكثرون الجلوس، فكره رسول الله ﷺ ذلك فأمروا بتقديم صدقة قبل المناجاة فانتهوا عن مناجاته واشتد ذلك فنزلت الرخصة: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ .. )،

стр. 427

عن مقاتل. قال قتادة: لما نهوا عن مناجاته حتى يتصدقوا لم يناجه إلا علي بن أبي طالب ﵇، قدم دينارا فتصدق به ثم نزلت الرخصة. وعن علي: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ.) ثم نسخت. وعن ابن عمر: كان لعلي ثلاث لو كان لي واحدة منها كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. قال الحاكم: «ومتى قيل: هل كان ذلك واجبا؟ قلنا: نعم، ثم نسخ بالآية التي بعدها (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا ... ) عن الحسن وقتادة، وتلك الآية وإن اتصلت بهذه في التلاوة فيجوز أن تكون متأخرة بزمان في النزول. وروي أنه بقي زمانا ثم نسخ، عن مقاتل. وقيل: بل كانت ساعة ثم نسخ، عن الكلبي. وقيل عمل بها علي بن أبي طالب فقط. وقيل بل عمل فيها أفاضل الصحابة. وقيل: كان المنافقون يستثقلونه، عن أبي علي». وقال في قوله تعالى: (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) قيل معناه: إذا كنتم تائبين وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة كفاكم ذلك. وقيل: إذا لم تفعلوا ذلك وشق عليكم ذلك نسخ، فجعل ترك مؤاخذتهم بالنسخ توبة عليهم! وقيل معناه: قبل توبتكم. وقيل: لطف لكم حتى تبتم. ثم عقب الحاكم على الآيتين جميعا بقوله: «ولا خلاف أن هذه الصدقة كانت واجبة وأنها نسخت» قال: «ومتى قيل: كيف نسخ عنهم قبل الفعل؟ قلنا: مكّنوا ففعل من فعل فجاز». وهذا يسلمنا إلى الحديث عن موقف الحاكم من النسخ قبل الفعل.

стр. 428

٤) النسخ قبل الفعل: ونختم حديثنا في موقف الحاكم من النسخ في القرآن «١» بالكلام على رأيه في النسخ قبل الفعل أو قبل الوقوع، ويتلخص رأيه في هذه المسألة بالقول بجواز النسخ قبل الفعل، وعدم جوازه قبل «وقت الفعل» لأنه إذا حصل قبل التمكين منه دل على البداء، وذلك- كما قدمنا- لا يجوز على الله تعالى. قال في الآيات التي حكت قصة موسى مع قومه حين كلفهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة- قال تعالى: (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها ... ) إلى آخر الآيات «٢» - قال الحاكم: «تدل الآيات على

стр. 429

جواز النسخ قبل الفعل، وإنما لا يجوز قبل وقت الفعل لأنه يدل على البداء، فأما إذا فات وقته جاز نسخه لأن المصلحة قد تتغير.» قال: «واختار أبو مسلم وجماعة من المفسرين أن المأمور به ثانيا هو «بيان» للمأمور به أولا وليس بنسخ». قال الحاكم: وعندنا أنه تكليف بعد تكليف وليس ببيان، لوجوه: منها «أن الأمر الأول لا يحتاج إلى بيان، ولو احتاج لما جاز تأخير البيان عن وقت الخطاب. ومنها: أن العلماء أجمعوا على أنهم لو ذبحوا بقرة أجزأت عنهم، فلما راجعوا وبين صفة البقرة اشتد عليهم، فلم تجز إلا بقرة موصوفة، فكان تكليفا غير الأول. ومنها: أن قوله تعالى (فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ) استبطاء وذم لهم، فلولا أنهم مقصرون وإلا لما صح ذلك، ولو كان يلزمهم الفعل عند آخر البيان لما كانوا مقصرين ولما استحقوا الذم!». واستدل بعضهم على جواز النسخ قبل «وقت» الفعل بقصة الذبيح إسماعيل ﵇ «١» وأن الله تعالى نسخ الأمر الذي كلف به إبراهيم قبل أن يذبح ولده، وعند الحاكم أن القصة ليس فيها نسخ لا قبل الفعل ولا قبل وقت الفعل، لأن إبراهيم- عنده- لم يؤمر بذبح ولده أصلا، وإنما أمر بمقدمات الذبح، وكان الحسن يقول: ظن أنه سيؤمر بالذبح فلم يؤمر به. قال الحاكم: «ومتى قيل: لم قال (أني أذبحك)؟ قلنا: لم يقل: أمرت بالذبح، ولكن رأى في المنام كأنه أضجعه والسكين تمر في أوداجه، ولذلك قال: (افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) ولم يقل: ما أمرت!!

стр. 430

«ومتى قيل: بأي أمارة ظن الذبح؟ قلنا بالعادة، فإن من أضجع شاة وأخذ الشفرة ووضعها على حلقها ... يعلم بالعادة أنه يريد ذبحها، فلما رأى ذلك ظن أنه سيؤمر بذبحه. «ومتى قيل: ألا يجوز أن يكون مأمورا بالذبح؟ قلنا: لو كان كذلك لما نهى عنه لأنه يكون بداء، ولما قال (قد صدّقت الرؤيا)! ولأن الذبح لو كان مرادا لما كرهه من بعد!» ثم قال الحاكم في الأحكام التي تدل عليها الآية: «ولا حجة فيها لمن جوز نسخ الفعل قبل وقت التمكين منه لأنا بينا أن الأمر لم ينسخ، ولأن ذلك يكون بداء، تعالى الله عن ذلك». خامسا: اعجاز القرآن أما إعجاز القرآن فقد أفاض الحاكم في الحديث عنه والدلالة عليه في تفسيره وفي بعض كتبه الأخرى، فأشار إليه- في قواعد وملاحظات- عند الكلام على كثير من الآيات والسور القصار، كما عقد له في كتابه «شرح عيون المسائل» فصولا فريدة يمكن اعتبارها «تلخيصا» وافيا لكتاب القاضي عبد الجبار- إعجاز القرآن- و «مدخلا» دقيقا ومهما لدراسة آراء المعتزلة في الإعجاز، أو «نظريتهم» الكلامية فيه. ويبدو أن الذي حمل الحاكم على هذه العناية- فوق ما عرف من اهتمام جميع المتكلمين بهذا الموضوع، وبخاصة المعتزلة الذين يتصل تصديقهم بالمعجزة وبصحة دعوى النبوة بأهم قاعدة في منهجهم الفكري، وهي الإيمان بحكمة الحكيم وأنه لا يختار فعل القبيح- إنما هو رغبته في تصحيح أمر مرد الناس على إضافته إلى المعتزلة بعامة، وهو قولهم بالصرفة في إعجاز

стр. 431

القرآن، وأن العرب كانوا قادرين على أن يأتوا بمثل هذا هذا القرآن أو بعضه، لولا أن الله تعالى صرف دواعيهم في ذلك! فقد اشتد الحاكم في الرد على هذا القول، كما نقضه من قبل الجبائيان والقاضي عبد الجبار، وإن كان للصرفة عند القائلين بها، كالنظّام وابن حزم وابن سنان وغيرهم، أكثر من معنى، وأكثر من تفسير. ونعرض في هذه الفقرة لرأي الحاكم في إعجاز القرآن بالقدر الذي تسمح به صفحات هذه الرسالة، آخذين من رأي القاضي عبد الجبار ما يوضح رأي الحاكم ويضعه في موضعه، ومكتفين من سائر الآراء بالإشارة إلى ما ناقشه الحاكم منها وسوف ندع القول في هذه الأقوال والآراء، وفي تطورها التاريخي، ومدى ما أسهم به المعتزلة من دراسات كلامية وبلاغية في هذا الموضوع إلى بحث مستقل نعده الآن عن «إعجاز القرآن عند المتكلمين» ١ - مقدمات الاعجاز قال الحاكم إنه قد صح نبوة سيدنا محمد ﷺ بمعجزات كثيرة «أظهرها» القرآن، ولا بد للكلام على إعجازه من مقدمات ضرورية لا بدّ منها: أن يعلم نفس الرسول إما بمشاهدة أو خبر، وهذا مما يعلم ضرورة. وأن يعلم أنه قد ادعى النبوة، وهذا أيضا مما يعلم ضرورة. وأن يعلم القرآن بالنقل المتواتر، وأنه تحداهم به وجعله دلالة نبوته. قال: «وذلك لأنه لا يجوز أن نعرفه نبيا ونحن لا نعرف عينه، ولا دعواه جملة وتفصيلا. وكذلك لا يجوز أن نعرف أن القرآن دلالة نبوة إلا ونعرف القرآن واختصاصه به. وكذلك نعلم أنه تحدى بالقرآن

стр. 432

وجعله معجزة له. فإذن هذه علوم ضرورية تكون مقدمة للعلوم المكتسبة؛ لأن كون القرآن معجزا يعلم استدلالا «١»» أما كون الرسول، ونسبه، وأنه الذي كان بمكة وهاجر إلى المدينة، وأنه انتصب للنبوة يأمر وينهى ويؤدي الشرع وينتظر الوحي، «فضرورته» كضرورة المشاهدات لا يشك في ذلك عاقل. أما أنه جعل القرآن دلالة نبوته، وأنه اختص به، وأن القرآن يتضمن وجه الدلالة على هذه النبوة، فهذا ما نوجز فيه القول من خلال النقاط التالية: «٢» آ- الدليل على أنه جعل القرآن دلالة نبوته: قال الحاكم: الذي يدل على ذلك وجوه: منها ما ثبت بالنقل المتواتر أنه كان يقرؤه على الوافدين عليه ويتحداهم به. ومنها: الآيات التي فيه، نحو قوله: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) «٣» وقوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) «٤» ولو لم يكن فيه إلا قوله: (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) «٥» لكفى. ولهذا تحيروا في القرآن فوصفه بعضهم بالسحر، وترك لبيد قول الشعر لمكان القرآن.

стр. 433

ومنها: أن ادعاء النبوة مع كون القرآن معجزا يكفي في باب التحدي؛ لأن إظهاره له والحال هذه بمنزلة أن يتحدى! بل أوكد. ب- وجه اختصاص القرآن بالنبي مع أنه وجد قبله: وذلك أن القرآن كلام الله تعالى، ومن حق المعجز أن يكون من فعل القديم سبحانه، قال الحاكم: «الذي لا بد منه أن يعلم ظهور القرآن عليه على وجه لولا صدقه في النبوة لما ظهر، لأنا إنما نستدل بسائر المعجزات على هذا الوجه، فلو قال قائل إن فلق البحر من فعل بعض الملائكة؛ لم يطعن ذلك في كونه معجزة، لأنه لولا كونه صادقا لما ظهر. وهذا كما نقول في تعلق الفعل بالفاعل بما يمكن، أكثر من وجوب وقوعه بحسب قصده ودواعيه، وبحسب أحواله، فإذا حصل ذلك حكم بتعلقه به، كذلك هاهنا يكفي في كونه معجزة له ظهوره على وجه لولا ثبوته لما ظهر، كإحياء الميت وغيره» فالقول بأن القرآن إذا تقدم حدوثه فكيف يدل على نبوته! لا يصح؛ لأن الدال على نبوته هو ظهور القرآن عند ادعائه النبوة من قبله لتعلقه به، فتقدم وجوده لا يمنع كونه دالا. ج- وجه القول بأن القرآن معجز دال على نبوة محمد ﷺ : قال الحاكم: العمدة في ذلك شيئان: أحدهما تعذر مثله في فصاحته على المتقدمين في الفصاحة. والثاني أنه لا سبب لذلك إلا المزية الزائدة على ما جرت به العادة. قال: «فإذا ثبت ذلك صار معجزا ودليلا يحل محل إحياء الميت وقلب العصا حية، فإذا ادعى النبوة وتحدى به واختص بما ذكرنا من الوجهين، حل محل قوله: صدقت». الأمر الأول: تعذر مثله في الفصاحة: أفاض الحاكم في هذا الأمر

стр. 434

ببيان أن المعارضة تعذرت عليهم مع توفر الدواعي، وأنهم لم يعارضوه إلا لتعذر ذلك عليهم لا لوجه آخر، وأنهم لم يعارضوه بالفعل، وإلا لنقلت معارضتهم. ١) تعذر المعارضة: والذي يدل على تعذر المعارضة علمنا بتوفر دواعيهم من كل وجه إلى المعارضة، فلولا أنها كانت متعذرة عليهم لما تركوها، لأن العاقل المميز لا يجوز ألا يفعل ما له فيه الغرض التام وقد توفرت الدواعي، قال الحاكم: «إذ لو جوزنا ذلك لجوزنا مع الجوع الشديد والدواعي المتوفرة والطعام حاضر ألا نأكله»! ثم إنهم قد عدلوا في إبطال أمره إلى الأمور الشاقة العظيمة الخطر، مع أن العاقل لا يجوز أن يعلم حصول مراده، وأنه يصل إليه بأسهل الأمور، ثم يعدل عن ذلك إلى الشاق العظيم الخطر، هذا إذا وصل إلى البغية بالسهل والشاق، فكيف وبالسهل يصل إليه وبالشاق لا يصل؟! فلولا تعذر المعارضة عليهم لما تركوها إلى الحرب والوسائل الأخرى. ٢) توفر الدواعي: أما دواعيهم إلى المعارضة فكانت متوفرة على أكمل وجه، وقد عد الحاكم من «أقسام الدواعي» التي ثبتت فيهم ما يلي: أولها: أن من قرّع بالعجز عن الشيء ولا مانع، فالتقريع محرك له داع، وبخاصة إذا كان المقرّع من أهله، لأن المنافسة بين الأقارب أشد. ثانيها: أن يكون المقرع ممن تتم له الرئاسة العظيمة. وثالثها: أن يكون مفارقا لهم عن عادات وأغراض، مقبحا لطريقتهم، مضيفا إليهم النقص، كما فعله النبي ﷺ «فقد كان يسفه عقولهم ويذم آباءهم ويقبح ما كانوا يدينون به، ويهجر آلهتهم». ورابعها: أن يكون موجبا لطاعته عليهم، وانقيادهم له في

стр. 435

الأمر والنهي، جامعا لهم على رئاسة نفسه، مبطلا لرئاستهم المختلفة. وخامسها: أن يخوفهم بأعظم العقاب، ويرغبهم بأعظم الوعد، وأن يكلفهم في المال والنفس والحقوق ما تنفر عنه طباعهم. وسادسها: أن يغض منهم فيما يتفاخرون به من الفصاحة بإظهار مزية القرآن عليهم. وكل ذلك داع مع ما جبل عليه القوم من الأنفة والحمية والتباعد من العار. قال الحاكم: «ومعلوم هذا من حال العرب فكيف يجوز أن يتمكنوا، أو بعضهم، من المعارضة فيتركوها؟». ٣) عدم وقوع المعارضة: ثم إنهم لم يعارضوا القرآن فعلا، ولو فعلوا لنقل ذلك إلينا، لأن الدواعي إلى نقل المعارضة قوية من جهات، منها: أن القرآن حينئذ يكون شبهة! ومعارضتهم حجة، والدواعي إلى نقل الحجة أتم وأوفر. ومنها: أن الذي يدعو إلى إبطال أمره بالمعارضة يدعو إلى إبراز المعارضة وإظهارها، فيجب أن تنقل والحال هذه! ومنها: أنها لو وقعت وعهدها وعهد القرآن واحد لم يجز أن ينقل أحدهما دون الآخر، لأن كل شيئين ظهرا وثبت في نقلهما الدواعي والعهد واحد، لا يجوز أن ينقل أحدهما دون الآخر! قال الحاكم: «ولولا صحة ذلك لجاز أن يقال: كان في أيامه أنبياء ولم ينقل خبرهم! وجاز أن يكون له طبقة من الصحابة أقدم من الذين عرفناهم ولم ينقل، ولأدى إلى التشكك في الأخبار والعادات». ومنها: أنه نقلت المعارضة الركيكة التي كانت من مسليمة وغيره، فكيف لم تنقل الفصيحة وهي بالنقل أولى؟ ومنها: أنه نقل عن كبارهم العدول إلى طلب أخبار الفرس وسائر ما يدل على التحير وضيق الصدر، ولو كانت المعارضة واقعة لم يكن لذلك وجه.

стр. 436

الأمر الثاني: سبب تعذر المعارضة هو المزية: وإنما تعذرت عليهم المعارضة للمزية الزائدة على ما جرت به العادة، لا لعذر منعهم من ذلك، أو لاشتغالهم بما هو أهم، أو أي شيء آخر. ١) لم يتركوا المعارضة لعذر: ولا يقال إنهم تركوا المعارضة لعذر، لأن التحدي بالكلام الفصيح ليس من باب المناظرة والجدل حتى يقال- مثلا- إن ذلك لم يكن طريقتهم! وقد كانوا على معرفة بصناعة الكلام، مع وفور عقلهم، فلما لم يستطيعوا التخلص من التقريع بشيء من الكلام، دل ذلك على عجزهم وأنه لا عذر لهم. ولا يقال إنهم عدلوا إلى المقاتلة لظنهم أن لها المزية؛ لأن الرسول ﷺ لم يظهر أمره لأنه أقوى، بل لأن المعجز شهد له، فكيف يخفي عليهم أن الذي يبلغون به إفساد أمره وتوهين حاله هو المعارضة دون المقاتلة! ولم لم يجمعوا بين الأمرين، وأحدهما لا يمنع من الآخر؟ أو لماذا لم يعارضوا حين لم ينفعهم القتال؟ ثم إنه صلى الله عليه بقي الزمان الطويل يتحداهم ولا جهاد ولا مقاتلة، وحيث كانت لم تتصل ولم تدم! وهل يختار أحد ما لا يؤدي إلى البغية على ما لو فعل لوقعت به البغية؟ قال الحاكم: «وكل ذلك يبطل قولهم إنه ﷺ غاظهم بالحرب فشغلهم عن المعارضة!». ٢) لم يتركوا المعارضة لغير المزية الخارجة عن العادة: ولا بد أن المزية التي قعدت بهم عن المعارضة خارجة عن المزية التي يتفاضل بها كلام البشر، لأن هذه مزية معتادة لا تترك المعارضة لأجلها. قال الحاكم: «فإن قيل: تركوها لأنهم لو عارضوا لاشتبهت الحال فوقع الاختلاف!

стр. 437

قلنا: المتقارب من الكلام كالمتماثل في أن العادة جارية بمثله، فلو أمكنهم ما يشتبه ويتقارب لأوردوه، ولقالوا إنه أفضل مما جئت به ... فكيف تدعى النبوة. وبعد، فلو جعل دلالته حمل جسم ثقيل، وقدر الزيادة مما جرت العادة به، لم يخف عليهم أنه ليس بدليل النبوة. ولو كان كذلك كيف يجوز على الخلق العظيم مع وفور أحلامهم وتشددهم في باب الدين أن يتبعوه ويعترفوا بنبوته؟!» ٣) مزية القرآن على سائر المعجزات: وهذه المزية من وجوه: أحدها أنه لو كان إحياء الميت ونحوه، والقوم لم يعتادوا الطب، لجاز أن يظنوه من الطب والسحر، فهذا أبعد من ذلك الظن. ومنها: أنه من جنس ما يقدرون عليه فكان اليأس فيه أظهر، إلى جانب أن كونهم النهاية في الفصاحة وقفهم على مباينته لسائر الكلام. ومنها: أن شريعته ﷺ مؤبدة، فجعل دليلها مؤبدا، إلى جانب صحة التحدي به في كل زمان إلى آخر الدهر. ٢ - وجه اعجاز القرآن الآراء حول «وجه» الإعجاز كثيرة، وربما ذهب بعضهم إلى أن للإعجاز وجها واحدا وأهمل النظر في سائر الوجوه، في حين يذهب آخرون إلى أن له أكثر من وجه، ثم يتفاوتون في عددها، وربما خلط بعض هؤلاء بين وجوه يصعب التوفيق بينها. وفيما كتبه الرماني والخطابي والقاضي عبد الجبار وعبد القاهر .. كثير من المذاهب والآراء: أ) أما الحاكم فقد أبان عن رأيه في وجه الإعجاز باختصار وقصد،

стр. 438

فقال: «وجه إعجاز القرآن أنه بلغ مبلغا من الفصاحة عجز الخلق عن إتيان مثله» «١». ثم قال: «وقد اختلف مشايخنا فمنهم من قال: لا رتبة أعلى في الفصاحة من رتبة القرآن، ومنهم من يقول بذلك في البعض دون البعض، ومنهم من يقول: في مقدوره تعالى ما هو أعلى منه. وكل ذلك لا يؤثر فيما بينا». ومن هنا جاء تعبيره السابق في وجه الإعجاز أن القرآن «بلغ مبلغا من الفصاحة» أعجز الخلق، سواء أكان أفصح الكلام، أم كان في مقدوره تعالى ما هو أفصح، لأن هذا لا يؤثر في شيء مما قدم، كما أنه قد يكون من فضول البحث لأنه مما لا يتعلق بالإعجاز أصلا. قال أبو هاشم: والكلام إنما يكون فصيحا لجزالة اللفظ وحسن المعنى، ولا بد من اعتبار الأمرين، لأنه لو كان جزل اللفظ ركيك المعنى لم يعد فصيحا «٢». قال الحاكم: «والفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات، وإنما تظهر في الجمل» «٣»، قال القاضي: «والفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه. وقد تكون بالموقع». قال: «وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع، لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة، أو حركاتها، أو موقعها، ولا بد من هذا الاعتبار في كل كلمة، ثم لا بد من اعتبار مثله في الكلمات إذا انضم بعضها إلى بعض،

стр. 439

لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها وحركاتها وموقعها. فعلى هذا الوجه الذي ذكرناه إنما تظهر مزية الفصاحة بهذه الوجوه دون ما عداها» «١» أما حسن النغم وعذوبة القول فمما يزيد الكلام حسنا على السمع، لا أنه يوجد فضلا في الفصاحة، لأن الذي تتبين به المزية في ذلك يحصل فيه وفي حكايته على سواء، ويحصل في المكتوب منه على حسب حصوله في المسموع. هذا الوجه الذي ذهب اليه الحاكم في الإعجاز، ووقفنا على بيانه عند أبي هاشم وعبد الجبار، أشار اليه الحاكم وإلى شيء من تفصيله في شواهد قرآنية كثيرة؛ قال في قوله تعالى: (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ. وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ. وَظِلٍّ مَمْدُودٍ. وَماءٍ مَسْكُوبٍ. وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ. وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ. إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً. فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً. عُرُباً أَتْراباً. لِأَصْحابِ الْيَمِينِ. ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.) «٢» إن الآيات «تدل على عظيم منزلة القرآن في الإعجاز، وبلوغه في الفصاحة مبلغا عجز عن مثله البشر، لأن من تأمل هذه الآيات علم أنه ليس في مقدور أحد مثله!!». وقال في سورة الكوثر: «تدل السورة على معجزات ... منها عجزهم عن الإتيان بمثل هذه السورة مع تحديه لهم، وحرصهم على بطلان أمره. ومنها: ما في السورة من الإعجاز؛ لأنها مع قصرها تدل على أنه معجز، وأنه كلام رب العزة لفظا ومعنى، أما المعنى ففيه تشريف له ﷺ بما أعطي

стр. 440

من الخيرات دينا ودنيا، وأمر بالصلاة التي هي آكد عبادات البدن، وأمر بالهدايا التي هي من حقوق المال. وفيه أن ما يفعله ينبغي أن يكون لله، وفيه بشارة بهلاك أعدائه وظهور أمره. فأما اللفظ: فتشاكل الألفاظ، وسهولة مخرج الحروف، وحسن التأليف، وتقابل المعاني، لأن قوله (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) أحسن موقعا من: أعطيناك الكثير، أو النعم، أو نهرا في الجنة، أو النبوة، من حيث سهولة اللفظ واشتماله على المعاني الكثيرة. وقوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) أحسن من: صلّ لنا، وقوله: (وَانْحَرْ) أحسن من أنسك. و (الْأَبْتَرُ) أحسن من «الأحسن» وأعم، وأدل على الكناية فهذه الحروف القليلة جمعت المحاسن، مع ما فيها من الفخامة وعظم الفائدة، حتى تقبلها النفوس ولا تمجها الآذان» «١». وقال في قوله تعالى- في قصة أم موسى- (وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ) «٢» «في الكلام اختصار، أي فذهبت فوجدت آل فرعون أخرجوا التابوت وأخرجوا موسى (فبصرت به)» قال: «وهذا من إعجاز القرآن في إيجاز الكلام الدال على المعنى الكبير». وكثيرا ما يروق له مثل هذا التعليق أمام اختصار الحوادث، وفي المشاهد الحاضرة في القرآن الكريم. وبالرغم من دقة الحاكم في فهم فكرة «النظم» التي ردّها كوجه إعجاز للقرآن، على ضوء المدرسة الجبائية- كما سنرى في البند التالي- إلى جانب إيمانه بفكرة الفصاحة هذه، وأنها إنما تظهر في الجمل دون الكلمات،

стр. 441

فإن أكثر تعليقاته حول موضوع الإعجاز في تفسيره، يكاد لا يخرج عن سلك الملاحظات الذوقية الجمالية الخاصة، التي يضمها باب واسع يدعى الفصاحة! ب) رد الحاكم فكرة النظم التي قال بعضهم إن القرآن معجز بها، وقد وجدنا أبا مسلم الأصفهاني والماوردي يذهبان اليها، وقد جعلها أبو مسلم أحد وجهين دالين على إعجاز القرآن، وسلكها الماوردي ضمن ثمانية وجوه!! قال أبو مسلم: «أما الإعجاز المتعلق بفصاحته وبلاغته فلا يتعلق بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى، فإن ألفاظه ألفاظهم قال تعالى: (لِساناً عَرَبِيًّا) (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)، ولا بمعانيه فإن كثيرا منها موجود في الكتب المتقدمة، قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ)»، ثم بعد أن استعرض أنواع الكلام المنظوم والمنثور، والسجع والشعر، والخطابة والكتابة والرسائل؛ قال: «والقرآن جامع لمحاسن الجميع على نظم غير نظم شيء منها ... » «١». وقال الماوردي: «والثالث- من وجوه الإعجاز- أن إعجازه هو الوصف الذي نقض به العادة حتى صار خارجا عن جنس كلام العرب في النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والسجع والمزدوج، فلا يدخل في شيء منها ولا يختلط بها، مع كون ألفاظه وحروفه في كلامهم، مستعملة في نظمهم ونثرهم» «٢». وواضح من هذين النصين أن القرآن معجز بسبقه إلى أسلوب- نظم- جديد لم تعهده العرب، قال الحاكم: «ومن قال: الإعجاز في النظم

стр. 442

لا يصح لأنه يؤدي إلى أن يكون معجزا للسبق. ولو جاز ذلك لجاز في أول شاعر وأول خطيب! فإن قال: أريد نظما يبلغ في الفصاحة مبلغا لا يمكن فيه المعارضة! قلنا: هذا هو الذي قلناه، إلا أنه ضم اليه شيئا آخر، لأنه لو حصل كذلك بلا نظم كان معجزا، ولو حصل النظم وصح الاشتراك لم يكن معجزا» «١». على أن لفكرة النظم مفاهيم أخرى تجعل اشتراكها مع الفكرة التي رد عليها الحاكم مجرد اشتراك في اللفظ، على نحو ما يدل عليه كلام الرماني والباقلاني، ومن قبلهما الجاحظ «٢». ج) أما الصرفة التي ردها الحاكم صراحة، وبما قدمنا من كلامه في ثبوت الدواعي، فقد شرحها كثيرون، وربما وصل اليها القائلون بها، كل من طريق! وذكر الماوردي أن القائلين بها اختلفوا على وجهين رئيسيين: أحدهما: أن العرب صرفوا عن القدرة على مثل القرآن، ولو تعرضوا لذلك لعجزوا، والثاني: أنهم صرفوا عن التعرض له مع كونه في قدرتهم، ولو تعرضوا «لجاز» أن يقدروا عليه! «٣». أما القاضي عبد الجبار فقد ذكر هذين الوجهين بصفتهما احتمالين يمكن أن يفسر بهما القول بالصرفة، دون النص على أن القائلين بها اختلفوا على

стр. 443

هذين الوجهين، قال القاضي: «فأما قول من يقول: إنه تعالى صرف هممهم ودواعيهم عن المعارضة فلذلك صار القرآن معجزا، فليس يخلو من أن يريد: إنهم لو لم تنصرف دواعيهم كان يمكنهم أن يأتوا بمثله، أو يقول: كان لا يمكنهم ذلك» «١». وأيا ما كان الأمر فقد رد الحاكم هذين الوجهين- أو الاحتمالين- من وجوه الصرفة، وأبان عن فساده، قال: «وقول من يقول بالصرفة لا يصح لوجوه، منها: أن القوم في أيامه لم يكونوا ممنوعين من الكلام، فان أراد صرفهم عن العلم الذي معه يتأتى مثله فهو الذي نقول، وإن أراد صرفهم، وتلك العلوم قائمة والدواعي إلى المعارضة متوافرة؛ فذلك يستحيل. وإن قال: يصرفهم عن الدواعي فقد بينا ثبوت الدواعي فيهم. وبعد، فلو كان الإعجاز الصرفة لكان أدون في الفصاحة آكد في الإعجاز، ولكنه كان لا يصح التحدي به!». د) ورد الحاكم القول بأن المعجز بما فيه من أخبار الغيب، أو أنه غير متناقض، قال: «وقول من يقول الإعجاز أنه لا تناقض فيه لا يصح، لأن التناقض يرجع إلى المعنى، والتحدي وقع باللفظ!. وقول من يقول: المعجز بما فيه من أخبار الغيب غير سديد، لأنه لو كان كذلك لكان المعجز ما يتضمن خبرا، ولأنه تحدى بسورة، ونحن نعلم أن كثيرا من السور لا يتضمن خبرا!». هـ) وأخيرا ختم الحاكم القول في إعجاز القرآن بأن الخلاف في

стр. 444

«وجه» الإعجاز بين العلماء لا يؤثر في وجود هذا الإعجاز، وصحة التحدي بالقرآن، قال: «فإن قيل: كيف يصح كونه معجزا مع هذا الاختلاف؟ قلنا: علماء الإسلام اتفقوا في كونه معجزا لا خلاف بينهم، وإنما اختلفوا في علته، ثم بأي وجه صار معجزا فالغرض يحصل، لأنه إن كان معجزا بالفصاحة فالكلام تام، وإن كان للإخبار عن الغيوب التي هي ناقضة للعادة فكمثل، ولو كانوا يقدرون على مثله ثم منعوا فكمثل. وكذلك لو كان نظمه معجزا حصل المقصود». ثم أكد- ﵀ مذهبه السابق في الإعجاز، وعقب عليه بجملة جامعة نختم بها هذا الفصل، قال: «وإن كان الصحيح ما ذكرنا، يوضحه أنه صلى الله عليه أتى بالقرآن مع أنه لا يكتب ولا يقرأ ولا يخالط أهل الأخبار والسير. «ثم من عصره إلى يومنا هذا وقع التحدي في المناظرات والمجالس، مع كثرة أعداء الاسلام وتصنيفهم الكتب في كل نوع، ثم لم يأت أحد بآية مثله! «وبعد، فإن كل أمر أسس على فساد، فإنه عن قريب يبطل ويضمحل، والإسلام بخلافه» «١».

стр. 445

الباب الخامس مكانة الحاكم وأثره في التفسير

стр. 446

الفصل الأوّل مكانة الحاكم نقف في هذا الفصل من الباب الأخير على منزلة الحاكم في الثقافة الإسلامية على ضوء ما قدمناه من الكلام على تفسيره وسائر كتبه، كما نقف على القيمة العامة لكتابه «التهذيب». ثم نتحدث في الفصل الثاني عن أثر هذا الكتاب لدى المفسرين. أولا: منزلة الحاكم العامة تتلخص هذه المنزلة في النقاط التالية: ١) يعتبر الحاكم مؤرخ المعتزلة الوحيد في الحقبة ما بين نهاية عصر أبي هاشم (ت ٣٢١) ومن هو في طبقته، إلى أواخر القرن الخامس على وجه التقريب. والتي ترجم فيها للقاضي- بتوسع مفرد- ولمن هو في طبقته، وطبقة تلامذته وتلامذتهم ممن تلقى عنهم الحاكم أو عاصرهم، فأعطانا بذلك صورة واضحة عن حالة المعتزلة في هذا العصر. ٢) كما يعتبر الحاكم- على ضوء ما اتفق له الوقوف عليه من الكتب فيما يبدو، وبخاصة كتاب المقالات للكعبي- أول من وضع بين أيدينا أسماء المعتزلة- في فصول خاصة ألحقها بالطبقات- من العترة ﵈،

стр. 447

وممن بويع له بالخلافة، وممن كان من الأمراء والرؤساء. كما أبان لنا في فصول أخرى عمن ذهب كذلك مذهب العدل من اللغويين والنحاة والشعراء والفقهاء والزهاد والرواة- من جميع الأقطار- بالإضافة إلى فصل هام ختم به الطبقات، وهو «خروج أهل العدل» تحدث فيه عن الحروب التي خاضها رجال المعتزلة، أسماهم، مع بعض الخارجين على بني أمية، أوضح فيه عمق الصلة بين الشيعة والمعتزلة من جهة، وعدم «اعتزال» أهل العدل للأمور السياسية من جهة أخرى. ٣) قدمنا القول في قيمة كتابه «السفينة» في التاريخ، ومدى اعتماد الزيدية عليه في التاريخ لأئمتهم ودعاتهم، وذكرنا بعض نقولهم في ذلك «١» حتى ليمكن عن الحاكم واحدا من أهم مؤرخي الزيدية. أما منزلته في التاريخ بعامة فلا يمكن الوقوف عليها، كما لا يمكن تحديد مكانته الثابتة في التاريخ للزيدية بخاصة إلا بعد الاطلاع على كتاب «السفينة» ذاته. وما زلت منذ أن وقع اختياري على دراسة الحاكم جادا في طلب هذا الكتاب؛ حتى وقفت عليه أخيرا في بعض المكتبات، وأرجو أن أفرغ من دراسته وتحقيقه والتعليق عليه في وقت قريب إن شاء الله. ٤) قدم لنا القاضي عبد الجبار في موسوعته الكلامية الكبرى «المغنى في أبواب التوحيد والعدل» صورة جدلية دقيقة وشاملة لآراء المعتزلة بوجه عام، ولآراء المدرسة الجبائية بخاصة، حتى غد القاضي لسان هذه المدرسة وقلمها وأبرز أشياعها على الإطلاق، وقد ذكرنا أن الحاكم يعتبر آخر رجالات هذه المدرسة الكبار بعد القاضي. والواقع أن كتاب

стр. 448

«المغنى» للقاضي وبعض كتبه الأخرى، على الرغم مما تشتمل عليه من إحاطة فائقة، وغوص على دقيق المعاني قد لا يتيسر تصويره والتعبير عنه ورد الاعتراضات من دونه، إلا للقليل من الأفذاذ أمثال القاضي، إلا أن كثرة التفريعات التي يحتوي عليها كتاب المغنى بخاصة، مع محاولة القاضي الدائبة لربط الفروع بالأصول، ورد المسائل البعيدة المتناثرة إلى أصولها القليلة الجامعة، خلع على هذا الكتاب شيئا من الصعوبة في كثير من المواطن، كما جعل فرص الاستفادة منه غير ميسرة على الوجه الأكمل، إلا لمن وطّن نفسه على إدامة النظر في جميع أجزاء الكتاب، وعلى القراءة الطويلة فيه، في سبيل الوقوف على مسألة من المسائل! ومن هنا تأتي واحدة من أهم ميزات الحاكم، وهي أنه جعل من كتاباته الكلامية- كما يدل على ذلك كتابه «شرح عيون المسائل» - تلخيصا ذكيا ودقيقا لكتب القاضي ولآراء المدرسة الجبائية، بعبارة سهلة قريبة واضحة قد تفوق عبارة للقاضي- الذي وضع كتابه «المغنى» بطريقة الإملاء- على التحقيق. فإذا أضفنا إلى ذلك النقص الواقع في كتاب المغنى، والذي يسده (شرح العيون) أدركنا أهم ميزة للحاكم- على الإطلاق- بوصفه «ملاخلّا» ضروريا وهاما- ومدرسيا كذلك- إلى المدرسة الجبائية والقاضي عبد الجبار. ٥) ولعل هذا يفسر طرفا من اعتماد أئمة الزيدية وشيوخهم في اليمن على كتب الحاكم وعنايتهم بها، ونقلهم عنها في أكثر كتبهم ومصنفاتهم،- في الوقت الذي لم يكونوا يفتقدون فيه كتب القاضي- كما نجد ذلك

стр. 449

عند يحيى بن حميد صاحب كتاب «نزهة الأنظار» «١»، والإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى، وغيرهما. وقد قال يحيى بن الحسين في الطبقات في ترجمة الحاكم عند ذكر كتابه «عيون المسائل» إن الإمام المهدي اختصر كتاب القلائد منه «٢» وقد وقفنا من كتب ابن المرتضى على كتاب «الدرر الفرائد في شرح كتاب القلائد- المذكور- في تصحيح العقائد» «٣» فوجدنا اعتماده على شرح العيون للحاكم كبيرا أيضا. ولعل مراجعة شاملة لآثار ابن المرتضى (ت ٨٤٠) والإمام يحيى بن حمزة (ت ٧٤٩) «٤» بصورة خاصة- وهما من المكثرين في التأليف في الفقه والكلام- على ضوء ما تم الوقوف عليه من كتب الحاكم، تكشف عن المزيد من هذه العناية والاعتماد. ٦) ويمكننا القول- من جهة أخرى- إن الحاكم بما اتفق له الوقوف عليه من تفاسير المعتزلة وكتبهم في علم الكلام، وكتب الزيدية في الفقه والأصول، وغير ذلك من المصنفات في أنواع العلوم الأخرى، وبما فرغ الحاكم نفسه له من التوفر على هذه الكتب، جمعا ودراسة وتلخيصا وتقديما على أحسن وجوه العرض والترتيب «٥» كل ذلك على نظر وبصيرة

стр. 450

ومنهج دقيق، وعناية تستحق الإعجاب بإضافة الآراء إلى أصحابها على الدوام .. قد جعل من الحاكم حلقة وصل مهمة في تاريخنا العلمي، وبخاصة حين نفتقد أكثر مصادره تلك. وسوف يظهر ذلك جليا في حديثنا التالي عن قيمة تفسير الحاكم. ثانيا: قيمة كتابه «التهذيب في التفسير» أما تفسيره الكبير فقد انضحت لنا قيمته من خلال هذه الدراسة. ونعدد هنا بإيجاز أهم ميزاته الموضوعية الخاصة: ١) قدم لنا هذا التفسير لأول مرة خلاصة دقيقة لأهم تفاسير المعتزلة في القرنين الثالث والرابع، وبخاصة تفسيري أبي علي الجبائي وأبي مسلم الأصفهاني، بعد أن افتقدت المكتبة العربية الإسلامية هذه التفاسير الهامة. ومن هنا تبرز الصفة الأهم في تفسير الحاكم، باعتباره أجمع كتاب في تفسير أهل الرأي وصل إلينا. ٢) وضع هذا الكتاب أيدينا- إلى حد كبير- على النزعات الخاصة التي تحكم تفاسير المعتزلة- نظرا لإدامة الحاكم نقل الآراء ونسبتها إلى أصحابها- على الرغم من اتفاق هذه التفاسير في المنهج العام، حتى إنه لا يصعب على الباحث أن يكتشف هذه النزعات، ويحدد اتجاهات أصحابها في التفسير. وربما أمكن تصنيف هذه التفاسير- تبعا لذلك- في تصنيف

стр. 451

خاص. وهذا ما نحاول الآن القيام به في مطلع الدراسة التي نعدها لمنهج أبي مسلم في تفسير القرآن. ٣) أبان تفسير الحاكم عن جهود المعتزلة الكبيرة في الدفاع عن القرآن، ورد ما رمى به من دعوى التناقض واللحن والاختلاف، وأن فيه الدلالة على الشيء وضده- كما زعم ابن الراوندي وغيره- وذلك بما أسسوا من قواعد المنهج، وأوّلوا ما يدل بظاهره على خلاف العدل والتوحيد، غير متقولين في ذلك على لغة العرب، أو سالكين طريق تحريف الكلم عن مواضعه! ويحضرني هنا مقالة أبي الحسن الأشعري في تفسير أبي علي الجبائي إنه «لم يرو فيه حرفا واحدا عن أحد من المفسرين، وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه!!» «١» وقد علم الأشعري مكانة تفسير أبي علي في الرد على الملاحدة، والنقض على ابن الراوندي وعبيد الله بن الحسن العنبري، كما وقف على اعتماد أبي علي فيه على ابن عباس والحسن البصري، وغيرهما من الصحابة والتابعين .. حتى كان لنا أن نقول: إن هذا من الأشعري تهجم لا يليق!! ٤) أظهر لنا كتاب الحاكم تشدد المعتزلة في قبول القراءات القرآنية، ولهذا لم يعنّ الحاكم نفسه بذكر وجوه القراءات الشاذة، أو التي ثبتت بطريق الآحاد. أما صنيع الزمخشري من بعده فلا يلتفت إليه- وسوف نعرض للكلام على الزمخشري في الفصل التالي- كما أظهر لنا كتاب الحاكم تفوق مصنفه ﵀ في الدفاع عن تاريخ القرآن نزولا وجمعا وتدوينا .. وما رده عنه في ذلك من شبهات الرافضة والملاحدة وسائر المارقين.

стр. 452

٥) ومن الملاحظات الجديرة بالاعتبار، سواء أكان الحكم فيها للحاكم أم عليه؛ أن تفسيره الكبير قد حمل إلينا صورة من صور النزاع بين المعتزلة والأشاعرة في القرن الخامس، أو بين المعتزلة والمجبرة كما يسميهم الحاكم، حتى إنه جعل من خصومته معهم محور تفسيره كما رأينا. وفي هذا ما يؤكد ضرورة الوقوف على عصر أي مفسر في دراسة منهجه في تفسير القرآن، من جهة، كما أنه يمهد الطريق لفهم بعض المواقف المتطرفة أيضا لدى بعض مفسري الأشاعرة في هذا القرن «١»، من جهة أخرى. ٦) أشرنا في تعقيبنا العام على ما وصل إلينا من كتب الحاكم- عند الكلام على آثاره في الباب الأول- إلى مدى اعتماد الزيدية في بلاد اليمن على كتاب التهذيب- وكتاب الكشاف- وكيف أنهم كانوا يروونه ويتدارسونه ويتناقلونه، منذ أن رواه عنه ابنه محمد إلى عهد قريب، وذكرنا أن القاضي جعفر بن عبد السلام (ت ٥٧٣) سمع كتاب الحاكم على أبي جعفر الديلمي عن ولد الحاكم،- كما سمع بعض كتبه الأخرى على ابن وهاس تلميذ الزمخشري- وأن الإمام شرف الدين (ت ٩٦٥) قد روى كتبا كثيرة منها تفسير الحاكم كله، وجلاء الأبصار، والسفينة ... وكتبا أخرى، ونص على أن روايته لتفسير الحاكم عن الفقيه ابن الأكوع من نسخة القاضي جعفر- تسعة أجزاء- التي كانت في خزانة الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى. وقد قال ابن القاسم في الطبقات عند حديثه

стр. 453

عن تفسير الحاكم: «قلت: وقد اعتمده أئمة الزيدية المتأخرين» «١» ونضيف هنا إلى أن ما تشتمل عليه مكتبة الجامع الكبير بصنعاء اليمن اليوم من أجزاء كثيرة متفرقة من كتاب التهذيب جمعت من بيوتات اليمن الكبيرة «٢» وجلها «نسخ برسم» جلة من علماء اليمن وفقهائه. وبعضها الآخر نسخ بأيدي هؤلاء العلماء أنفسهم، «٣» يدل على مبلغ عناية الزيدية بهذا الكتاب، علما بأن هذه الأجزاء تفوق في عددها أي كتاب آخر في التفسير، بل أي كتاب آخر في هذه المكتبة، كما تبين لنا من مراجعة فهرسها مراجعة شاملة، هذا عدا ما تسرب من أجزاء هذا التفسير- من نسخ عدة- إلى بعض البلاد الأوربية. ويبدو أن هذه العناية والاعتماد لتفسير الحاكم أهم ميزاته الخاصة. ٧) أما قيمة كتاب الحاكم على ضوء التفسير الاعتزالي الوحيد الذي عرفه العالم الإسلامي، وهو الكشاف للزمخشري، فإنها أكبر بكثير مما كان يظن! بل إن من الحقائق الهامة أن كتاب الحاكم هو الذي قوم لنا- إلى حد كبير- تفسير الزمخشري، وهيأ لنا للمرة الأولى فرصة إعادة النظر وإعطاء الحكم الصحيح في هذا التفسير، بعد أن نال صاحبه في التاريخ فوق ما يستحق، كما سنبين ذلك في كلامنا على أثر تفسير الحاكم في الفصل التالي.

стр. 454

الفصل الثاني أثره في المفسّرين أولا: أثره في الزمخشري (٤٦٧ - ٥٣٨) تتلمذ الزمخشري على الحاكم كما قدمنا «١»، ولكن هذه الصلة بين الشيخين بقيت محجوبة قرونا متطاولة عن ناقدي الزمخشري ومتعقبيه ودارسيه- في القديم والحديث-، ولم يعن أحد بالبحث عن شيوخه الذين تلقى عليهم التفسير وعلوم القرآن، بالرغم من إفاضة هؤلاء الباحثين في الثناء على تفسير «الكشاف» ومكانته، وأسبقيته- أو تفرده- في الكشف عن إعجاز القرآن!! وبالرغم من حديثهم المكرور عن منهجية صاحبه في التأويل على مذهب المعتزلة. والشيخ الذي يذكر عادة على أنه أكبر أساتذة الزمخشري وأبلغهم أثرا في نفسه؛ هو أبو مضر محمود بن جرير الأصبهاني المتوفى سنة ٥٠٧، ولم يتلق الزمخشري عليه التفسير، وإنما تتلمذ عليه في النحو والأدب. أما شيوخه الآخرون فلم تذكر المصادر المعروفة أيضا أنه تلقى على أحدهم شيئا في تفسير القرآن.

стр. 455

ولسنا نقول إن تلمذة الزمخشري على بعض شيوخ التفسير، أو إدامته النظر في تفسير بعينه أو في سائر التفاسير، ضرورة لازمة لا يستطيع بدونها أن يكتب في التفسير أو يبرع فيه! ولكنا نقول: إن مثل هذا الافتراض كان من حقه أن يخطر ببال الباحث وهو لا يرى في سائر تراث الزمخشري أثرا يدل على السبق والنبوغ والابتكار. ولسنا هنا على أية حال بصدد تقييم الزمخشري- ولهذا الموضوع مكان آخر- أو بصدد إثبات تلمذته على الحاكم بأدلة جديدة، ولكننا نعرض في هذه الفقرة إلى بيان صلة تفسيره بتفسير الحاكم، ومدى اعتماده عليه- إن وجد- وبخاصة ونحن أمام بعض النصوص التي تشير إلى هذه الصلة. وبالرغم من أن هذا سيعرّضنا إلى تقويم كتاب الكشاف، على الجملة، إلا أننا نرجو أن نوجز القول في ذلك بأقل قدر ممكن. أمامنا نصان يشير أحدهما إلى صلة كشاف الزمخشري بتفسير الرماني، ويشير الآخر إلى صلته بتفسير الحاكم: قال ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة في كلامه على الرماني: «وله كتاب التفسير الكبير، وهو كثير الفوائد إلا أنه صرح فيه بالاعتزال. وسلك الزمخشري سبيله وزاد عليه». «١» وقال الجنداري: «وتفسير الكشاف قيل: من تفسير الحاكم بزيادة تعقيد، والله أعلم». «٢»

стр. 456

١) ونجمل القول في مقالة صاحب النجوم الزاهرة بأننا معه في أن تفسير الرماني كثير الفوائد- بغض النظر عن استدراكه اللطيف- وأن الزمخشري سلك سبيله، سواء أفاد منه بطريق مباشر، أم أنه التقى معه في المنهج الاعتزالي الذي لا تتضارب معه وجوه التأويل، ولكننا لا نرى وجها لقوله إن الزمخشري زاد على تفسير الرماني، مما يوهم أن الزمخشري ركن في كتابه إلى الرماني، ولكنه أضاف عليه، وربما فاقه كذلك! لأن تفسير الرماني- كما يدل عليه الجزء الذي رجعنا إليه- أكبر حجما من تفسير الزمخشري، كما أن صاحبه أدق نظرا، وأوفى بيانا، وأقل عناية بالإعراب والقراءات والمشاكل اللفظية من الزمخشري!! فقول صاحب النجوم منزلة في الاتهام لا نصححها على الزمخشري .... اللهم إلا إذا كانت زيادته على الرماني من النوع الذي أشار إليه الجنداري! ٢) أما اتهام الجنداري، الذي نقله ولم يحقق فيه، والذي قد يؤيده ما قيل من تلمذة الزمخشري على الحاكم، فلا سبيل إلى مناقشته قبل الوقوف على بعض المقارنات بين الكتابين- بأوجز قدر ممكن- وقد اخترنا لذلك بعض الشواهد المتقدمة من كتاب الحاكم، نحيل على بعضها، ونورد بعضها الآخر كاملا- أي نذكر جميع فقرات الحاكم في هذا الشاهد- طلبا للاختصار من جهة، وحتى تكون المقارنة حاضرة وكاملة من جهة أخرى. هذا بالإضافة إلى بعض الشواهد الأخرى الجديدة، ننقلها الساعة من أي مكان يصادفنا عند فتح الكشاف، دفعا للتحيز- الذي لم نلتفت اليه في موضع واحد من هذه الرسالة- وحتى تكون المقارنة موضوعية تؤدي إلى غرض علمي صحيح:

стр. 457

أ) من الشواهد التي نكتفي فيها بالاحالة على ما تقدم: ١) قوله تعالى: (فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى. لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى. الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى. وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى .. ) «١» قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف قال (لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) وقد علم أن كل شقي يصلاها وكل تقي يجنبها لا يختص بالصلى أشقى الاشقياء، ولا بالنجاة أتقى الاتقياء. وان زعمت أنه نكر النار فأراد نارا بعينها مخصوصة بالاشقى، فما تصنع بقوله (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟ قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين، فقيل: الاشقى، وجعل مختصا بالصلى كأن النار لم تخلق إلا له! وقيل: الاتقى، وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر ﵁». «٢» ٢) قوله تعالى: (أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) «٣». قال الزمخشري: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) يعني: خلقكم وخلق ما تعملونه من الاصنام كقوله: (بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ) أي: فطر الاصنام!.

стр. 458

«فإن قلت: كيف يكون الشيء الواحد مخلوقا لله معمولا لهم حيث أوقع خلقه وعملهم عليها جميعا؟ قلت: هذا كما يقال: عمل النجار الباب والكرسي، وعمل الصائغ السوار والخلخال، والمراد: عمل أشكال هذه الاشياء وصورها دون جواهرها، والاصنام جواهر وأشكال، فخالق جواهرها الله، وعاملو أشكالها: الذين يشكلونها بنحتهم وحذفهم بعض أجزائها حتى يستوي التشكيل الذي يريدونه! «فإن قلت: فما أنكرت أن تكون «ما» مصدرية لا موصولة، ويكون المعنى: والله خلقكم وعملكم كما تقول المجبرة؟ قلت: أقرب ما يبطل به هذا السؤال بعد بطلانه بحجج العقل والكتاب، أن معنى الآية يأباه إباء جليا، وينبو عنه نبوا ظاهرا، وذلك أن الله قد احتج عليهم بأن العابد والمعبود جميعا خلق الله، فكيف يعبد المخلوق المخلوق، على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود وشكله، ولولاه لما قدر أن يصور نفسه ويشكلها. ولو قلت: والله خلقكم وخلق عملكم لم يكن محتجا عليهم، ولا كان لكلامك طباق!! وشيء آخر، وهو أن قوله (ما تعملون) ترجمة عن قوله (ما تنحتون) و «ما» في (ما تنحتون) موصولة لا مقال فيها، فلا يعدل بها عن أختها إلا متعسف متعصب لمذهبه في غير نظر في علم البيان ولا تبصر لنظم القرآن!! «فإن قلت: اجعلها موصولة حتى لا يلزمني ما ألزمت، وأريد: وما تعملونه من أعمالكم. قلت: بل الالزامان في عنقك لا يفكهما إلا الاذعان للحق، وذلك أنك وإن جعلتها موصولة فإنك في إدارتك بها العمل غير محتج على المشركين، كحالك وقد جعلتها مصدرية، وأيضا فإنك قاطع

стр. 459

بذلك الصلة بين ما تعملون وما تنحتون حيث تخالف بين المرادين بهما، فتريد بما تنحتون: الأعيان التي هي الاصنام، وبما تعملون: المعاني التي هي الاعمال، وفي ذلك فك النظم وتبتيره، كما إذا جعلتها مصدرية!». «١» وقبل أن نمضي في استعراض المزيد من الشواهد الأخرى، نورد فيما يلي بعض الملاحظات العابرة على هذين الشاهدين، بعد مقارنتهما بما قدمناه فيهما من كلام الحاكم ﵀. ١) وأول ما يلاحظه القارئ أن النقلة في أسلوب الرجلين بعيدة جدا، ففي حين يذكّرنا الحاكم بإشراق عبارته، وصدقه فيما يرى وينقل، بأسلوب القرنين الأول والثاني، يردنا الزمخشري بأسلوبه الملتوي ومحاولته الدائبة في التعالي إلى أظلم عصور الانحطاط. ٢) أكثر الوجوه التي ذكرها الزمخشري في تأويل هذه الآيات موجود عند الحاكم، وكذلك بعض تصوير الاعتراضات، وقد مضى الحاكم على إضافة كل رأي إلى قائله، ولا شك أن الزمخشري قد انتفع بهذه الآراء- من أي طريق- ولكنه درج على الترفع عن النقل عن أي مخلوق! ٣) وجه التأويل الذي اختاره في الآية الأولى، والذي يمكن أن يظهر عليه الناظر في الوجوه التي ذكرها الحاكم- مع ما أورده من سبب النزول- يبعد أن يكون غرضا تأتي الآية من أجله على هذا الأسلوب! ولا نتعجل الحكم على الزمخشري قبل عرض المزيد من المقارنات: ب) من الشواهد الموجزة التي أشرنا إليها في هذه الرسالة: «٢»

стр. 460

١) قوله تعالى: (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) «١». قال الحاكم: «اللغة: المدهن: الذي يجري في الباطن على خلاف الظاهر، كالدهن في سهولة ذلك والإسراع فيه. أدهن يدهن إدهانا، وداهنه مداهنة، مثل نافقه منافقة. «النزول: قيل نزل قوله (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) في الاستسقاء، عن ابن عباس- وقيل: بل هو في عبد كذب بالقرآن، قال الحسن: خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به- وعن ابن عباس: مطر الناس على عهد رسول الله فقال: أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر، قال بعضهم: هذه رحمة وضعها الله تعالى. وقال بعضهم: صدق نوء كذا فنزلت الآية: (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ .. ) إلى قوله (تُكَذِّبُونَ) ... «المعنى: (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ) قيل القرآن، وقيل الإعادة، وقيل حديث النبوة. (أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) قيل مكذبون، عن ابن عباس، وقيل كافرون، عن مقاتل. وقيل المدهن: الذي لا يفعل ما يجب عليه ويدفعه بالعلل. وقيل المدهن: المنافق. وقيل: تريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم، عن مجاهد. (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) قيل: تجعلون حظكم من الخير، الذي هو رزقكم أنكم تكذبون به. وقيل: تجعلون شكر رزقكم التكذيب، عن ابن عباس وأبي علي. وقيل حظكم من
следующие страницы →