Полный текст (205 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الفرق بين كفر النوع وكفر العين
القاعدة: أننا نفرق دائماً بين كفر النوع وكفر العين، فنقول: قال قولاً كفرياً، وفعل فعلاً كفرياً، ولكن القائل والفاعل ليس بكافر حتى تقام الحجة وتزال الشبهة، والذي يقيم الحجة ويزيل الشبهة هو العالم المجتهد، أو طالب علم مجد مميز.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 107
مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - النذر وأحكامه
النذر عبادة من العبادات التي لا تجوز إلا لله تعالى، وصرفها لغير الله شرك.
وقد أثنى الله ومدح الموفين بالنذر، فمن نذر نذر طاعة فيجب عليه الوفاء به، ومن نذر نذر معصية فلا وفاء فيه، وكفارته كفارة يمين.
стр. 108
النذر في اعتقاد أهل الجاهلية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع أهل الجاهلية وضلالاتهم التي نبذها الشرع، وجاء النبي ﷺ بإبطالها وبيان عوارها وخبثها.
ومن هذه المعتقدات والتعبدات التي كان يتعبد بها أهل الجاهلية: النذر لغير الله جل في علاه، فقد كانوا ينذرون لآلهتهم وأصنامهم من الأشجار والأحجار إذا يسر عليهم من أمرهم: من سفر أو تجارة أو مال أو ربح أو عافية في البدن، ثم يوفون بهذا النذر، لكنهم كانوا إذا قصرت بهم النفقة ينزلون عن هذا النذر، فجاء الشرع بإبطال ما يفعلونه، وبين أن النذر عبادة لا بد أن يفرد بها الله جل في علاه، قال الله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة:١٠٣]؛ رفضاً وبياناً وإنكاراً لما كان يفعله أهل الجاهلية، وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام:١٣٦]، فأنكر الله عليهم ذلك.
وفي السنن قال النبي ﷺ عن النذر: (لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله).
فأما عن أهل الجاهلية فلا عتب ولا ملامة عليهم؛ إذ لم يأتهم الرسل، وأما أهل الإسلام الذين أتاهم رسول الله ﷺ ، وأظهر الله على يديه الشرع الحنيف، ونقل لنا صحابته هذا الدين القويم، ثم من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين إلى يومنا هذا، فالعلم ينتشر بين الناس، فالعتب كل العتب على من يتمثل بمعتقدات أهل الجاهلية ويتعبد كما تعبد أهل الجاهلية، فالعتب عليهم كيف ينحرفون عن دين الله جل في علاه؟! وكيف ينحرفون عن هذا الصراط المستقيم؟! فجاهلية اليوم أشد من جاهلية الأمس، فتراهم ينذرون الآن للحسين وللبدوي ولـ فاطمة الزهراء ولغيرها، ويقولون: إن شُفي مريضي، أو إن حملت أمي أو ابنتي، أو إن أتاني الله بهذا الربح فعلي لفلان كذا فينذرون لغير الله ويوفون بهذا النذر، ومنهم من يرتقي فينذر للجن لا لصنم ولا لحجر؛ خوفاً منهم، فينذرون بمثل الديك الأحمر والعصفور الأخضر -كما هو مشهور بين العامة-، وينذرون هذه النذور لغير الله جل في علاه، ويوفون بها.
стр. 109
أحكام النذر
وسنذكر هنا النذر، وأحكامه، ومباحثه، وحكم الوفاء به.
стр. 110
تعريف النذر وصيغه
النذر لغة: الالتزام بشيء ما مطلقاً.
وأما شرعاً فهو: إلزام المرء نفسه بطاعة لم يوجبها عليه الشرع.
وصيغة النذر أن يقول: لله علي نذر أن أصوم يومين إن شفى الله مريضي، أو يقول: علي نذر لله جل في علاه أن أصلي مائة ركعة، دون أن يجعلها مشروطة معلقة.
стр. 111
حكم النذر المعلق وغير المعلق
أما حكم النذر: فالعلماء اختلفوا في ذلك على أقوال ثلاثة: فمنهم من أباحه، ومنهم من منعه، ومنهم من قال بجوازه على الكراهة.
وجماهير أهل العلم يرون أن النذر جائز مع الكراهة، ومعنى الكراهة: أنه لا يأثم فاعله ولكن يثاب تاركه، والكراهة هنا كراهة تنزيهية لا كراهة تحريمية، ويستدلون على ذلك بالأثر والنظر.
فأما الأثر: فإنهم يستدلون بحديث ابن عمر ﵁ وأرضاه: أن النبي ﷺ قال: (إنه لا يأتي بخير -يعني: النذر- وإنما يستخرج به من البخيل)، فقالوا: إن كان لا يأتي بخير فهو مكروه، ويستخرج به من البخيل، وهذا من لوازمه المذمة للذي نذر.
وأما النظر: فلعل الذي ينذر نذراً لا يستطيع أن يوفي به، والنبي ﷺ يقول: (اكلفوا من الأعمال ما تطيقون)، وعملاً بقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وهذه العلة تجعلنا نقول بالكراهة.
والذين قالوا بالإباحة قالوا: نحن نقول: إن النذر المطلق على الإباحة، فلو قال: لله علي أن أصوم شهراً، أو لله علي أن أصلي مائة ركعة، فهذا على الإباحة، وأما إذا جعله معلقاً بشروط، كأن يقول: إن شفى الله ابني فله علي أن أصوم يومين أو ثلاثة، فهذا المكروه.
والقول الثالث هو قول المحققين من أتباع المذاهب، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أنه على التحريم، وهذا الذي وصل إليه القرطبي في المفهم، واستحسنه ابن حجر، وذلك لأدلة من الأثر ومن النظر: فأما من الأثر: فاستدلوا بحديث ابن عمر السابق، وأول الحديث فيه: (نهانا النبي ﷺ عن النذر)، والأصل في النهي التحريم.
وقال: (إنه لا يأتي بخير)، والذي لا يأتي بخير محرم.
وقال: (إنما يستخرج به من البخيل)، وفي رواية أخرى قال عنها الهيثمي: رجالها رجال الصحيح، وهي في المسند عن ابن عمر أنه قال: (نهانا رسول الله ﷺ عن النذر، وأمرنا بالوفاء).
ويجمع بين هذه الأقوال: بأن النهي هنا نهي عن النذر ابتداء، لكن لا بد بعد النذر من أن توفي به، ولذلك مدح الله الذين يوفون بالنذر، لكن في الأصل هو منهي عنه.
وأما من النظر: فقالوا: القاعدة عند العلماء: أن الوسائل لها أحكام المقاصد، ولو نظرنا في النذر لوجدنا أن هناك أناساً ينذرون ولا يوفون بهذا النذر، فيلتزمون بأمر يشق عليهم، فيذَمُّون عند الله بعدم الوفاء، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٦]، فكان الجزاء على هذا التقاعس أن الله عاقبهم بنفاق في قلوبهم ولحقتهم المذمة.
فقالوا: الوسائل لها أحكام المقاصد، فإن كان النذر هو الذي تسبب في إلحاق المذمة والنفاق في قلوبهم فيحرم، والنفاق مذموم، ويحرم أن يستخدم الإنسان الطريق الذي يصل به إلى مذمة الله، فالنذر الذي وصل بهم إلى مذمة الله حرام، والوسائل لها أحكام المقاصد.
ولعل أرجح هذه الأقوال هو القول الثالث، فإذا نذر الإنسان نذراً معلقاً أو غير معلق فإنه محرم، أو يتردد بين الكراهة والحرمة وهو إلى الحرمة أقرب، وهذا هو قول المحققين من أهل العلم.
стр. 112
أقسام النذر
وإذا قلنا بأنه حرام فلا بد أن نبين ونفصل أقسام النذر حتى يكون الإنسان على علم بها، ونبين ما له وما عليه في أمر العقيدة.
стр. 113
نذر الطاعة
وهو قسمان: نذر مطلق، ونذر معلق مشروط.
نذر الطاعة: هو الذي ينذر فيه المرء أن يطيع الله جل في علاه.
القسم الأول: نذر مطلق، مثاله أن يقول: لله علي أن أصوم شهراً متتابعاً، أو لله علي أن أصلي مائة ركعة، أو لله علي أن أحج بيت الله نافلة -كان نافلة فأوجبه على نفسه-، فهذا نذر مطلق، وهذا يتردد بين الكراهة والحرمة، ونحن نقول: إن كان على الكراهة فهو قريب، وإن كان على الحرمة فهو قريب، والمقصود: لا نرجح طالما هو نذر، وهو يتأرجح بين الكراهة والحرمة للعلل السابقة.
القسم الثاني: نذر معلق، وهو يجري بين صاحبه وبين الله معاوضة -والعياذ بالله-، وهذا سوء أدب مع الله، فيقول: لئن شفى الله مريضي لأصومن ثلاثة أيام، وهذا إلى الحرمة أقرب منه إلى الكراهة كما رجح ذلك ابن حجر وغيره؛ لعلل: الأولى: كأن هذا العبد يعتقد بأن الله فيه بخل حاشا لله، أو أن الله لا يعطيه ما يريد حتى يقدم له الطاعة سبحانه جل في علاه، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:٢]، فيده سحاء بالليل والنهار سبحانه جل في علاه، (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئاً)، فهذا فيه سوء أدب، وكأنه يعتقد في داخله أن الله لا يعطيه ما يريد حتى يقدم له هذه الطاعة.
وهذا الاعتقاد اعتقاد جاهلي لا يجوز، ولذلك قلنا بحرمته.
العلة الثانية: أنه لا يعتقد بأن الله يكافئه -المعاوضة-، بل يعتقد أن النذر يؤثر في القضاء والقدر ويغير في المكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا أيضًا إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان؛ لأن قدر الله إذا كتبه وفرغ لا يتغير، كما قال النبي ﷺ : (ولو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف)، فانتهى الأمر، ولا مؤثر في قضاء الله جل في علاه.
ودليل نذر الطاعة حديث النبي ﷺ عن عائشة في الصحيح قال: (من نذر أن يطع الله فليطعه)، فهذا نذر الطاعة، وهو القسم الأول من أقسام النذر.
стр. 114
نذر المعصية
وهذا كمن نذر أن يشرب الخمر، أو أن يزني، أو أن يقطع رحمه، فهذا نذر معصية لا يجوز، وفيه مع الحرمة سوء الأدب مع الله، وأقبح منه أن يكافئ الإحسان بالإساءة، فيقول: لله عليَّ نذر لئن نجح ابني لأشربن الخمر والعياذ بالله! هذا أقبح من الأول؛ لأنه يقابل إحسان الله بهذه الإساءة، وهذا محرم أيضًا بالإجماع، ولا يجوز الوفاء به.
فمن نذر نذراً وقع في المحرم ويجب عليه الوفاء إجماعاً.
يعني: من قال: إن شفى الله مريضي لأصومن ثلاثة أيام.
يجب عليه الوفاء بهذا النذر، وصيام ثلاثة أيام، أما نذر المعصية فبالإجماع لا يجوز الوفاء به.
стр. 115
حكم عدم الوفاء بالنذر
اختلف العلماء: فيما لو قلنا: لا يف به، هل يكفر عنه أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: وهو قول جماهير أهل العلم: أن الوفاء في المعصية لا يجوز؛ لقول النبي ﷺ : (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، فالجماهير قالوا: لا كفارة عليه، لدلالة الأثر والنظر، فأما الأثر: (فقد رأى النبي ﷺ رجلاً واقفاً نصفه في الشمس ونصفه في الظل وهو صامت لا يريد أن يتكلم، فنظر إليه النبي ﷺ وقال: ما له؟ قالوا: يا رسول الله! نذر ألا يستظل، ويسكت ولا يتكلم، ويقوم ولا يقعد، ويصوم، فقال له النبي ﷺ : مروه فليقعد وليتكلم، وليتمنّ صومه).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ اندهش مما فعله أبو إسرائيل.
ويستدل الجمهور أيضاً على أنه لا كفارة فيه بحديث أن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وقال: (لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يطيق ابن آدم).
ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يذكر الكفارة هنا في نذر المعصية.
وأيضًا استدلوا بحديث عقبة بن عامر ﵁ وأرضاه: أن أخته نذرت أن تحج لله ماشية، فلما نذرت هذا النذر تعبت في وسط الطريق وما استطاعت، فذهب أخوها يسأل رسول الله ﷺ : (إن أختي نذرت أن تحج ماشية، فقال له النبي ﷺ : إن الله غني عن إهلاك هذه المرأة لنفسها، مرها فلتمش ولتركب).
وجه الدلالة أنه قال: مرها تمشي وتركب وما قال تكفر عن نذرها.
أما من النظر فقالوا: هذا اليمين أصالة لم ينعقد، فإذا قلنا بأن هذا اليمين لم ينعقد فتوابعه لم تنعقد؛ لأن لازمه أن يكفر وهو لم ينعقد أصلاً، فلا كفارة له، وهذا القول وجيه جداً.
القول الثاني وهو ما رجحه الحنابلة وبعض الشافعية: أن عليه كفارة يمين.
واستدلوا على ذلك بحديث في السنن عن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وكفارته كفارة يمين)، وهذا تصريح من النبي ﷺ .
وهذان القولان من القوة بمكان، فعندنا دليل قولي من النبي ﷺ ، والدليل الثاني دليل تقريري، لكن الدليل التقريري فيه قوة؛ لأنه وقت بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ومن قال: بأن كفارة اليمين على الذي نذر نذر معصية على الاستحباب ما أبعد، وكان هذا من أوجه الأقوال؛ لأن القاعدة عند العلماء: أن الخروج من الخلاف مستحب، فكأن النبي ﷺ قال له: وعليه كفارة يمين استحباباً، احتياطاً لنفسه، لكن الصحيح والأفضل: أنه لا يكفر عن يمينه.
стр. 116
نذر اللجاج
سمي نذر اللجاج بهذا الاسم لأنه لا يكون إلا في الغضب، فاللجاج هو الغضب، مثل أن يكلم رجل رجلاً ويقول له: إن أباك كان يفعل كذا وكذا وكذا، فيقول له الآخر: لو كان أبي يفعل ما قلت فنذر علي لله لأصومن شهراً.
فهو يبين تصديق أو تكذيب القائل، أو الحث أو التحضيض على شيء معين، فنذر اللجاج ينزل هنا منزلة اليمين تماماً، وله أحكام اليمين، فإن وفى فله، وإن لم يوف فعليه وجوباً كفارة يمين.
والفرق بينه وبين الذي قبله أنه ينزل منزلة اليمين، فكأنه يقول لامرأته: علي نذر لو ذهبت إلى أمك لأصومن ثلاثة أيام، فنقول: لا تذهب حتى لا يقع فيه، لكن لو ذهبت وجب عليه أن يصومها، ولو لم يصم فعليه كفارة يمين.
ومن الفوارق: أنه يجب عليه بلا خلاف أن يكفر عن يمينه ويطعم عشرة مساكين، فينتقل إلى الحكم المعلوم في كفارة اليمين.
стр. 117
النذر المباح
النذر المباح: كأن ينذر أن يأكل أكلاً مباحاً، أو يلبس لبساً مباحاً، وهذا له أن يوفي به وله ألا يوفي به، وإن لم يوف به فإن الأولى والأحرى به أن يكفر عن ذلك كفارة يمين؛ لقول النبي ﷺ : (من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه).
стр. 118
النذر المكروه
أما النذر المكروه كأن ينذر لله أن يفعل شيئاً هو مبغوض عند الله، مثل: الطلاق، فينذر أن يطلق امرأته، والطلاق مبغوض عند الله جل في علاه، لحديث: (أبغض الحلال عند الله الطلاق)، وهو حديث ضعيف.
تنبيه: إذا لم يشف الله مريضه فليس عليه أن يوفي، لكنه آثم لأنه علقه على ذلك، وفيه سوء الأدب مع الله جل في علاه، ويحرم عليه أن ينذر هذا النذر، وليس عليه أن يوف به لأنه علقه؛ فإن شفى الله مريضه وجب عليه أن يوفي به.
стр. 119
النذر عبادة
القاعدة عند العلماء في العبادات: أن ما ثبت في الشرع أنه عبادة فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك.
وحتى نبين هذه المسألة المهمة أقول: النذر عبادة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، (وليوفوا) فعل أمر، وظاهر الأمر الوجوب، والله لا يأمر إلا بما يحب، وما أحبه الله كان من العبادة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه.
أيضًا: قول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، ووجه الدلالة من هذه الآية على أن النذر عبادة: أن فيها مدحاً للوفاء، والله لا يمدح إلا ما يحب.
فلا بد للإنسان إذا قال: النذر عبادة أن يكون معه دليل، وإذا قال: الطواف عبادة لا بد أن يكون معه دليل؛ حتى لا يدخل عليه أحد ويقول له: لا، بل هذا من المباح أو من المستحبات، فنحن نأصل أصولاً لو أتقنت لما استطاع مبتدع أن يقف أمامك.
ونحن نعايش هذا، وكثير من المصريين يعلمون ذلك، بل ربما أن ثلاثة أرباع المصريين ينذرون لغير الله جل في علاه، فصندوق البدوي فيه الملايين، والسيدة زينب والحسين فيها الملايين من النذور، وهذا لا يمكن لأحد أن ينكره، وليس لصاحب عقل سديد أن ينكره، فلذا لا بد أن يتأصل لدينا علماً لنرد على هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل.
قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، يقول العلماء: في هذه الآية دلالة على أن النذر عبادة؛ لأن الله لا يمدح إلا ما يحب، وما أحبه كان عبادة، لذا قال قبلها: ﴿عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦]، فسماهم الله عباداً؛ لأنهم يوفون بالنذر.
إذاً: فالوفاء بالنذر يدل على أنه العبادة، فهم عباد لله جل وعلا بوفائهم للنذر، ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧].
والخوف من عقاب الله أيضًا سمة وصفة عباد الله جل في علاه، فهذه أدلة تدل على أن النذر عبادة.
وأيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠]، فاستدلوا بهذه الآية أيضًا على أنه عبادة، وهذه الآية فيها دلالة من وجهين: الأول: دلالة الاقتران؛ وإن كانت ضعيفة لكن السياق محكم ويبين هذا، فالله جل وعلا قرنها في كتابه مع النفقة، والنفقة عبادة، فإذا كانت النفقة عبادة فقرينتها في الكتاب تكون عبادة باللزوم.
الوجه الثاني: قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠]، وهذا هو محل الشاهد؛ لأن علم الله يدل على المحاسبة: إما مكافئة أو عقاب، فننظر فيما قال، قال: (نذر) وقال: (نفقة)، فهذه فيها ثواب، فإذا كانت محل المحاسبة دل ذلك على أنها عبادة؛ لأن الله يحاسب عباده على العبادة إما ثواباً إذا أحسنوا وإما عقاباً إذا أساءوا، إذاً: فهذه الدلالات من هذه الآيات تثبت أن النذر عبادة.
стр. 120
أقسام الناس في النذر
إذا قلنا بأن النذر عبادة وأثبتنا ذلك بالدليل، فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك، كصرفه لـ علي بن أبي طالب وللحسين، والناس في ذلك على أربعة أقسام: القسم الأول: رجل يقول: نذرت لله أن أصوم شهراً إذا ولدت امرأتي ولداً.
القسم الثاني: رجل يقول: إنه نذر للبدوي أو لـ علي أو لـ فاطمة الزهراء بدفتين شمع إذا نجح الولد.
القسم الثالث: رجل نذر للحسين إذا نجح الله ولده أن يذبح ذبيحة.
هذه أقسام النذر، فتعال نطبق القاعدة في هذه الأقسام: القسم الأول: نذر لله إن ولدت امرأته ولداً أن يصوم شهراً، فهذا النذر توحيد لكن صاحبه آثم وعليه الوفاء؛ فهو آثم لأنه تجرأ على شيء وكلف نفسه أمراً قد لا يستطيعه فيعقبه نفاقاً في قلبه، أو هو مكروه -على القولين كما بينا، فهو يتردد بين الكراهة والحرمة- لكن يجب عليه الوفاء به إن ولدت امرأته ولداً، يعني: إن حدث المعلق فلا بد أن يأتي بما علق عليه.
القسم الثاني: صاحبه كافر، ولا نعني بذلك رجلاً بعينه؛ لأننا فرقنا وقلنا: تكفير العين جرأة ما بعدها جرأة، ولا يتجرأ عليه إلا جاهل جريء، لكن نحن نقول: القول كفر، والفعل كفر، لكن القائل والفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، ففرق بين تكفير النوع وبين تكفير العين، فهذا كفر من حيث الربوبية ومن حيث الإلهية؛ لأنه نذر لـ فاطمة الزهراء إن نجح ابنه إلخ.
إذاً: فقد اعتقد في فاطمة ما لا يعتقد إلا في الله جل في علاه، فهذا شرك وكفر بالربوبية؛ لأنه جعل فاطمة التي هي في قبرها تحيي الموتى، وتنجح البليد، وتعطي المرأة الولد فهذا شرك في الربوبية، وأيضًا هو شرك في الألوهية؛ لأنه صرف عبادة لغير الله.
القسم الثالث: كفر وشرك أيضاً؛ لأنه نذر للحسين إذا نجح الله ولده، فهذا الفارق بينه وبين الثاني.
ولتعلموا عظيم الخطر في هذا: فقد جلست وناقشت بعض طلبة العلم فقال: لا عذر في هذه المسائل، فقلت له: تعني أن ثلاثة أرباع المصريين كفرة خارجون من الدين، فقال: أي أحد يفعل ذلك فهو كافر؛ لأنه صرف عبادة لغير الله جل في علاه، فقلت له: لو تترك النقاش في أمور العقيدة أفضل لك، أردت أن أشدد عليه حتى لا يكفر الناس بهذه الطريقة، فنحن نقول: نعم، هم صرفوا عبادة مختصة بالله لغير الله، لكن الجهل وعدم العلم يجعلنا نعذرهم، رغم أن الشيخ ابن باز في بعض الأحيان يقول لا يعذر في أصول الإيمان أحد بجهله، لكن في فتاوى أخرى للشيخ ابن باز تبين أنه يعذر بحسب المناطق، أي: أن المنطقة التي استفاض فيها العلم لا يعذر فيها، والمناطق التي لم يستفض فيها العلم يعذر فيها بالجهل.
فنقول: هذا النذر نذر شرك، وهو شرك أكبر في الألوهية؛ لأن النذر محض عبادة، فلا يجوز بحال من الأحوال صرفها لغير الله، فمحض العبادة إذا صرفت لغير الله فهي شرك، فلو نذر للبدوي أو للحسين أو لـ علي، بل لو نذر لرسول الله ﷺ أو لعيسى أو لموسى أو لنوح ﵈ فهذا النذر شرك في الألوهية؛ لأنها عبادة صرفها لغير الله جل في علاه، فهي شرك في الألوهية، لكن من لوازمها أن تكون شركاً في الربوبية وليس بصريح، لكن من باب اللازم؛ تفريقاً بين النذر وبين اليمين؛ لأن بعض النذر ينزل منزلة اليمين، وهو نذر اللجاج.
ولقائل أن يقول: أنتم قلتم أن النذر ينزل منزلة اليمين، فاجعلوا حكم النذر حكم اليمين، فاليمين ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر وشرك أصغر، فلو حلف الرجل بالنبي فهذا شرك أصغر إلا أن يعتقد أن النبي يستطيع أن يعاقبه إن لم يفعل ما أقسم به، فهو يعتقد به ما يعتقد في الله جل في علاه، فيقولون: أنزلوه منزلة اليمين، قلنا: لا؛ لأن الشرك الأصغر جاءت الأدلة المفرقة بينه وبين النذر، الشرك الأصغر هو لغو لسان، يقول: والنبي، ورحمة أمه، وشرف أبيه، وتربة الذين أنجبوه، فهذا خطأ باللسان، فنقول: هذا شرك أصغر بنص حديث النبي ﷺ ، وأما النذر فلما ثبت بالشرع أنه عبادة، فلا شرك أصغر فيه، ولا دليل على التفريق، بل هو عبادة صرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك.
إذاً: فليحذر امرؤ يتق الله ربه، وليعلم أن العبادة المحضة لا بد أن تصرف لله جل في علاه، وأنها لو صرفت لغير الله وقع صاحبها في الشرك.
стр. 121
حكم تغيير النذر
لو نذر رجل نذراً هل له أن يغيره أم لا؟ نقول: تغيير النذر لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يغير النذر إلى ما هو أفضل وأرقى وأعلى.
الحالة الثانية: أن يغير النذر إلى ما هو أدنى.
مثلاً: رجل نذر لله أن يذبح شاة مطلقاً، فلم يجد شاة ووجد ديكاً فذبحه، فهذا من الحالة الثانية، ولو نذر أن يذبح شاة فلم يجد الشاة فذبح بقرة فهذا من الحالة الأولى.
ففي الحالة الأولى يصح أن يغير إلى ما هو أفضل منه، ولا يجوز تغييره إلى الأدنى، والدليل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أن رجلاً سأله فقال: يا رسول الله! إني نذرت أن أصلي في بيت المقدس، فقال له النبي ﷺ : صل هنا -أي: في مسجد المدينة-) فالصلاة في المسجد النبوي أفضل من الصلاة في المسجد الأقصى، فلما كانت الصلاة في المسجد النبوي خير من الصلاة في المسجد الأقصى قال له النبي ﷺ : وف بنذرك هنا، وبذلك يوفر على نفسه النفقة؛ لأن الصلاة في مسجده خير من الصلاة في المسجد الأقصى.
ولذلك نقول: من قال: لله علي أن أذبح شاة وذبح بعيراً أو بقرة فله ذلك، وقد وفى بنذره، وأما أن يغير النذر للذي هو أدنى فهذا لا يجوز، لأن الأصل عدم التغيير، وجاءنا الدليل بالإقرار على التغيير في الذي هو فوق، ولم يأتنا الدليل بالتغيير إلى ما هو أدنى، فيبقى ذلك على الأصل وهو عدم التغيير.
стр. 122
محاسبة الكافر على نذره
هل يحاسب الكافر على نذره؟ هذا أمر يقول به من يقول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فلو نذر الكافر نذراً فإنه يؤمر بالوفاء به، لكن لو وفى به في حال شركه فلا يقبل منه، وإذا أسلم فإنه يؤمر بالوفاء به، والدليل على ذلك: أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه -قبل إسلامه- نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال للنبي ﷺ : نذرت نذراً -يعني: في الجاهلية-، فقال له النبي ﷺ : (أوف بنذرك)، فدل ذلك على أنه مخاطب بهذا النذر، ولا بد أن يوفيه في الإسلام حتى ولو وفاه في الكفر؛ لأنه في الكفر غير معتبر.
هذا آخر المباحث التي نتكلم عنها في باب النذر، نسأل الله جل في علاه أن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا.
стр. 123
مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - سب الدهر
لقد نهى الشرع عن سب الدهر؛ لأن الدهر هو الليل والنهار، والليل والنهار لا دخل لهما في تصريف الأمور ولا فيما يحصل في هذا الكون، فسب الدهر والحوادث التي تحصل فيه يلزم منه سب فاعل ذلك حقيقة وهو الله تعالى، لذا نهي الشرع عن ذلك.
وأما من كان يعتقد أن الدهر هو المتصرف في الأمور لذا فهو يسبه، فقد أبعد النجعة ومرق من الدين مروقاً بيناً لا مرية فيه، وخالف العقل والنقل.
стр. 124
اعتقاد أهل الجاهلية في تصريف الأمور
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: الإخوة الكرام! سنذكر اعتقاداً خاطئاً آخر كانوا يعتقدونه قبل بعثة النبي ﷺ ، فقد كانوا في جاهلية عمياء كما بينا، فجاء النبي ﷺ ليصحح هذه العقائد، ومن هذه الاعتقادات أو الأقوال الناتجة عن اعتقاد خاطئ: سب الدهر.
والدهر هو: الزمن الليالي والأيام، فقد كان الجاهليون قبل مبعث النبي ﷺ عندما تنزل بهم النوازل، ويبتلون بالكوارث والحوادث كانوا يسبون الدهر، ويقولون: قوارع الدهر، وأصابهم الدهر، وأماتهم الدهر، وأبادهم الدهر، فكانوا ينسبون كل حادثة ونازلة للدهر، ثم يسبون الدهر فيقولون: يا خيبة الدهر، يا بؤس الدهر، فيسبون الدهر بعد نسبة الحوادث والكوارث والنوازل إليه.
والجاهليون في هذا العصر ممن كانوا يعتقدون هذا الاعتقاد، ويسبون الدهر والأيام والليالي هم فرقتان: فرقة كانت تعتقد أن الدهر -الأيام والليالي- هو مقلب الأمور، وهو المتصرف في الكون، فهو الذي يرفع أقواماً ويخفض آخرين، وهو الذي يبتلي أقواماً ويعافي آخرين.
والفرقة الثانية من الجاهلية: كانوا يعتقدون أن مسبب الأسباب هو الله جل في علاه، وأن خالق الأسباب هو الله سبحانه، فهو الذي يرفع، وهو الذي يخفض، وهو الذي يعز، وهو الذي يذل، وهو الذي يبتلي، هو الذي يعافي سبحانه.
وكانوا يعتقدون تنزيه الخالق، فلا ينسبون له فعل شر، ولا ينسبون له الحوادث ولا الكوارث ولا البلايا التي تنزل بهم.
стр. 125
وجود هذا الاعتقاد الجاهلي في عصرنا الحاضر
لقد جاء النبي ﷺ ليصحح هذه الاعتقاد الخاطئ، وقبل أن ننظر في تصحيح النبي ﷺ لهذه العقيدة الخربة فإننا ننظر هل هذه العقيدة الجاهلية التي كانت قبل بعثة النبي ﷺ موجودة في عصرنا هذا المتحضر في القرن الواحد والعشرين؟ وهل دبت أو أطلت هذه الفتنة برأسها علينا؟ وهل ظهر هذا الاعتقاد الخاطئ في هذا الجيل من أجيالنا؟
و
الجواب
نعم، فقد سارع فينا داء الجاهلية، وقد أسرع قوم منا لينسبوا هذه الحوادث للدهر، ويسبون الدهر بذلك، فمنهم من يقول: قدر أحمق الخطى، ويقولون أيضاً: غضب الطبيعة، وهذا يوم نحس، والأم تأتي لولدها فتقول له: يوم تعيس لما ولدت أنت، وذلك يوم نحس وبؤس عندما رأيناك، والأم كثيراً إذا أرادت أن توبخ ابنها ما تقول له: يوم نحس عندما أتيت، وآه جدتك ماتت عندما ولدت أنت.
وامرأة كتبت رسالة كاملة تقول فيها: انظروا إلى قسوة القدر؛ فما ترك مسروراً إلا ونزل عليه، وما ترك سعيداً إلا وابتلاه بالبلايا والمصائب.
وهذه الرسالة متداولة بين شبابنا وبين نسائنا.
فهذه هي الجاهلية العصرية تعتقد نفس الاعتقاد الذي اعتقده أهل الجاهلية قبل مبعث النبي ﷺ ، إذاً فقد تواكبت الاعتقادات وتوافقت في الصورة.
وجاء النبي ﷺ ليهدم هذا الصرح العظيم من الاعتقادات الخاطئة، ويبين لهم أن هذه الاعتقادات خاطئة.
فأما اعتقاد الفرقة الأولى وهو الاعتقاد بأن الأيام والليالي هي التي تبتلي الإنسان بالكوارث والحوادث، فهذا الاعتقاد جاء النبي ﷺ ليهدمه ويبين أنه كفر، فلا يجوز اعتقاده، فإن الله هو: الواحد الأحد، الفرد الصمد، المتفرد بالجلال والكمال، المتصرف في هذا الكون.
وأما الفرقة الثانية التي زعمت أنها تنزه الله جل في علاه فلا تنسب إليه هذه الشرور، فهذا الاعتقاد أيضاً لا يجوز بحال من الأحوال، قال رسول الله ﷺ كما في الصحيحين: قال الله تعالى: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر)، وفي رواية قال: (يسبني -أو قال يؤذيني- ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار)، وفي رواية ثالثة حسم وقطع رسول الله ﷺ هذه المادة؛ حتى يميت هذا الاعتقاد الخاطئ، فقال فيما يرويه عن ربه: (لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر)، والأصل في النهي التحريم.
وهذا كله ينصب في منطقة واحدة وهو النهي عن سب الدهر، والنهي عن هذا الاعتقاد الخاطئ، أو النهي عما ينبع عن هذا الاعتقاد الخاطئ من سب الدهر.
وهنا وقفة وهي في تفسير قول النبي ﷺ : (يؤذيني ابن آدم)، فهل يصل الإيذاء إلى الله جل في علاه مع أنه الله مالك الملك، وفاطر السموات والأرض، وله الجبروت الكامل، وله الملك والسؤدد الكامل ، وإذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون جل في علاه؟ والجواب: نعم يصل الإيذاء إلى الله جل في علاه، وما لنا لا نثبت ما أثبته الله لنفسه، فقد أثبت الله أنه يصل إليه الإيذاء فنقول: يصل إليه الإيذاء، ووصول هذا الإيذاء إليه لا يدل على الضعف، ولا على النقص، ولا على التضرر من ذلك، فالإيذاء غير الضرر، فإذا بلغ الضرر إليه ولم يستطع دفعه عن نفسه فهذا نقص في حق الله جل في علاه.
وهناك فرق بين الإيذاء والضرر، فالإيذاء لا يمنع الكمال، وقد أثبته الله لنفسه، ونفى عن نفسه الضرر فقال: ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٤٤]، وفي الحديث الصحيح في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني)، إذاً فلن يصل الضر إليه؛ لأن الضرر صفة نقص، والله تعالى له صفات الكمال.
إذاً فالإيذاء يصل إلى الله، لكن لا يصل إليه الضرر، ونظائر ذلك كثيرة، فالإنسان قد يصل إليه الإيذاء دون أن يصل إليه الضرر، وهذا الإيذاء لا يؤثر فيه كما يؤثر الضرر، قال الله تعالى عن الكافرين وما يعملونه بالمسلمين: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران:١١١] يعني: لن يكون ضررهم بالكيد والحسد والسب والشتم إلا أذى فقط، ولا يصل إليكم ضررهم في غير ذلك.
وأيضاً النبي ﷺ لما اتهموه وقالوا: كذاب، وقالوا: مجنون، وقالوا: ساحر، وقالوا: كاهن، فكان ذلك يؤذي النبي ﷺ لكن لا يضره، قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣]، فهذه تسليه من الله جل في علاه، فالله جل في علاه أثبت أن الإيذاء يصل إليه ويصل لنبيه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأحزاب:٥٧].
إذاً فالإيذاء يخالف الضرر، فالضرر نقص فلا يصل إلى الله، وأما الإيذاء فليس بنقص، والإيذاء يخالف الضرر، فقد أثبت الله لنفسه الإيذاء ولم يثبت له الضرر، فالإيذاء كالسب والانتقاص من مقدار الله جل في علاه، كما قال الله تعالى حاكياً عن هؤلاء الملاعين عندما قالوا: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١].
فنسبوا الفقر إليه سبحانه وهذا إيذاء، وقالوا أيضاً: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، فآذوا الله جل في علاه بالسب والشتم والتنقص، والله جل في علاه هو أغنى الأغنياء، والله جل في علاه له يدان كاملتان مبسوطتان، وله عينان سبحانه جل في علاه، وله صفات الكمال.
وكذلك الملائكة أيضاً يصل إليهم الإيذاء مع أن الإنسان لا يستطيع أن يضرهم بشيء، فالملك لا تستطيع أن تضره لكن تستطيع أن تؤذيه، كما قال بعضهم: إن الملائكة بنات الله، فهذا إيذاء لهم؛ لأنه تنقص من قدرهم، وكذلك من ذهب إلى المسجد وقد أكل بصلاً أو ثوماً فإنه يؤذي إخوانه المسلمين، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح.
والذين ينسبون لله الولد فهذا أيضاً من الإيذاء وليس من الضرر، إذاً فالنبي ﷺ جاء ليقطع دابر هذا الاعتقاد الخاطئ في سب الدهر.
стр. 126
حكم الاعتقادات الجاهلية السابقة
بعد بياننا هذه الأقوال فما حكم من قال ذلك؟
و
الجواب
أن الحكم يتفرع على التأصيل الذي أصلناه في أن الجاهلية كانوا على فرقتين في ذلك، إذاً فالحكم سيكون حكمين؛ لأن السب سبان: سب عن اعتقاد، وسب عن غير اعتقاد.
فالأول -هو السب عن اعتقاد- أن يعتقد أن الأيام والليالي هي التي تأتي بهذه النوائب، وهي التي تأتي بهذه الكوارث، فيسب الدهر بناء على هذا الاعتقاد، فيقول: بؤساً للدهر، وخيبة للدهر ما يأتينا إلا بالشر، وما نرى منه إلا البلايا والحوادث، فهذا السب نابع عن اعتقاد، وحكم هذا السب أنه كفر يخرج من الملة، وهو سوء أدب.
فإذا اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فهذا كفر، فقد اعتقد هنا في الأيام والليالي أنها هي التي تتحكم في هذه الكوارث وهذه البلايا، وأنزل المخلوق منزلة الخالق، فهذا كفر.
فهم يقولون: غضب الطبيعة، ويعتقدون هذا، فالدهريون يقولون: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، والشيوعيون يعتقدون هذا الاعتقاد فينسبون الأمر إلى الطبيعة؛ لأنهم لا يعتقدون أن هناك رباً يتحكم في الكون، ويميت ويحيي.
وأما الاعتقاد الثاني: فحكمه أنه كفر، وهو كفر أصغر ومحرم، لكن الصحيح الذي أدين الله به أن هذا شرك أصغر، فالسب للأيام والليالي مع الاعتقاد بأن الله هو الذي يقلب الأيام والليالي، وأن الله جل في علاه هو الذي ينزل البلايا، وهو الذي يرفع البلايا لكنه يسب ويقول: يوم نحس عندما رأيتك، ولما ولدت كان يوم بؤس علينا، فهذه الكلمات كلها شرك أصغر من شرك الألفاظ، ولو اعتقد فيها صارت كفراً أكبر، وإن لم يعتقد فهي شرك أصغر.
وأظهر نظير له في الشرع قول: ومحمد، وحياتك، ورحمة أمي، فهو يقسم ولا يعتقد أن أمه أو رحمة أمه، أو أن النبي ﷺ يتحكم في الكون أو يعظمه كتعظيم الله جل في علاه، ومع ذلك فإن النبي ﷺ وسمه بأنه مشرك فقال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، فهذا من شرك الألفاظ.
وأيضاً هو من باب الشرك الأصغر الذي هو وسيلة إلى الشرك الأكبر، فكلما نزلت به مصيبة سب الدهر، فيتدرج قلبه حتى يعتقد أن الدهر هو الذي يتحكم فيما يصل إليه أو يمتنع عنه.
إذاً فتحريم سب الأيام والليالي لا لكونها تشعر بذالك فتحزن منك، ولكن سب الأيام والليالي يلزم منه السب لمسببها وهو الله سبحانه.
فكأنه يريد أن يسب الذي قدر عليه هذا البلاء لكنه لا يستطيع ذلك فيسب الريح والأيام والليالي، ويلزم من ذلك السب لله، والسب لله الأصل فيه أنه شرك أو كفر أكبر يخرج من الملة، لكن قلنا هنا: إنه شرك أصغر؛ لأنه لم يسب الله مباشرة.
стр. 127
إشكال وجوابه
هنا إشكال وهو: قال الله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت:١٦]، وقال جل في علاه: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر:١٨ - ١٩]، وقال الله تعالى حاكياً عن لوط: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود:٧٧]، وأقره الله ولم ينكر عليه.
والنبي ﷺ يقول: (إن بين يدي الساعة سنوات خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويؤتمن فيها الخائن).
و
الجواب
أن كلام الله جل في علاه ينقسم إلى خبر وإنشاء، فالإنشاء أن تنشئ شيئاً في أمر ونهي تفعله، فالنبي ﷺ نهاك عن أن تسب الدهر، فالله جل في علاه يخبر عن شيء قد وقع فأنت عندما تقول: رأيت زيداً أمس يقول: بؤساً للدهر، فأنت لم تسب الدهر وإنما أخبرت عن أمر وقع، ولو قلت: حلف أحمد وقال: والنبي، فأنت لم تقسم بغير الله، وإنما حكيت وأخبرت، وأما عندما تقول: والنبي! فأنت أقسمت بغير الله؛ لأنك أنشأت القسم، وهناك فرق بين الخبر والإنشاء، فالآيات السابقة يخبر الله فيها عن هذه الأيام خبراً وليس إنشاء.
إذاً فالكلام والسب للدهر على أقسام ثلاثة: القسم الأول: عن اعتقاد، وهذا كفر مخرج من الملة.
والقسم الثاني: عن تيسير وتسهيل اللفظ بسب الدهر صراحة دون أن يعتقد بغير الله جل في علاه، فهذا كفر أصغر.
والقسم الثالث: مباح، وهو الإخبار بما وقع، أو وصف الحال.
إذاً فنقول: يصح للإنسان أن يتلفظ بسب الدهر إن لم ينشئه وكان يخبر عن غيره في ذلك، فأولئك القوم كانوا يقولون: ﴿يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر:١٩]، ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود:٧٧].
стр. 128
خلق الله للخير والشر
وأما مسألة هل خلق الله الشر أم لم يخلقه؟ ف
الجواب
أنه خلقه، ومن الأدب ألا تنسبه إلى الله جل في علاه.
стр. 129
مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - التبرك [١]
لقد حذر النبي ﷺ أمته من الغلو في الصالحين والأولياء، ومن إطرئه إطراءً يرفعه فوق منزلة النبوة؛ وقد حصل ما حذر منه النبي ﷺ في هذه الأمة، فعظموا الأولياء والأضرحة، وزعموا فيها البركة، فكانت سبباً في خروجهم من الدين والإشراك بالله، فدعوا غير الله، وطلبوا النفع والضر والخير والبركة في غير ما شرعه الله .
стр. 130
وقوع الأمة فيما حذر منه النبي ﷺ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: إخوتي الكرام! ما زلنا مع ظلمة الجاهلية، وشمس الإسلام التي تشرق على هذه الظلمة فتبددها، ومن هذه الظلمة التي كانت في العصر الجاهلي التبرك بآثار المعظمين عندهم، أو التبرك بما يعبدونه من دون الله جل في علاه.
فقد كان أهل الجاهلية يتبركون بالمعظمين عندهم سواء كان شخصاً أو حجراً أو صنماً أو كانت داراً كدار الندوة أو غيرها، فكانوا يعظمونها ويتبركون بها، أي: يتعبدون لله بالتبرك بهذه الآثار، أو يسألونها من دون الله جل في علاه، فيصرفون لها العبادة من دون الله، وهذه المسألة شائكة ودقيقة جداً.
فأهل الجاهلية كانوا يتبركون بالأصنام والأحجار والأشجار، ويسألون البركة والنفع وثبوت الخير عندها، وقد جاء النبي ﷺ ليبدد ظلمات هذه الجاهلية، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى﴾ [النجم:١٩ - ٢١].
واللاتّ على قراءة ابن عباس بالتشديد كان رجلاً صالحاً يلتّ السويق للحجيج، فلما مات عظمه هؤلاء، وعظموا مكانه الذي قبر فيه، ثم بعد ذلك ذهبوا يتبركون بآثاره عند قبره.
ذكر ابن إسحاق وغيره: أن كثيراً من أهل الجاهلية كانوا إذا أرادوا سفراً أو عودة من السفر، ذهبوا إلى أصنام وحجارة يعبدونها من دون الله جل في علاه، فيتمسحون بها ويطلبون البركة في أسفارهم، فإذا انتهوا من سفرهم وقضوا حاجتهم رجعوا إلى نفس الصنم، أو يرجعون إلى هذه الحجارة فيتمسحون بها ويطلبون البركة سواء في الحل أو في الترحال، فكانوا يتبركون بهذه الآثار التي لم يقبلها الإسلام، فجاء الشرع وأشرقت شمس الإسلام لتبدد هذه الظلمات، وجاء النبي ﷺ ليبين لنا أن هذا من الشرك، وأنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك كما قال النبي ﷺ : (إياكم والغلو!)؛ والتبرك سببه الغلو، وقال النبي ﷺ : (إنما أهلك من كان قبلكم الغلو)، وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله).
وجاء من حديث أبي واقد الليثي أن الصحابة مروا في غزوة حنين على قوم يتبركون بشجرة يسمونها ذات أنواط، فيعلقون السيوف عليها طلباً للبركة وثبوت الخير لهم، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط! يعني: اجعل لنا شجرة نعلق سيوفنا عليها فنتبرك بها كما يتبركون هم بهذه الشجرة، فزجرهم زجراً شديداً، وغضب غضباً شديداً، وبين أن هذا من الكفر بمكان، فقال: (الله أكبر -وكان النبي ﷺ يسبح ويكبر عند الدهشة والعجب- قلتم والله كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]).
فانظروا! كيف أنهم لما أرادوا التبرك بالشجرة أنزلهم النبي ﷺ منزلة من يقول: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، وهذا بعدما بين النبي ﷺ أن هذه جاهلية جهلاء.
وهذه الظلمات الجاهلية التي كانت في القرون المتقدمة عادت كما هي، واستدار الزمان كما هو، فعادت هذه الجاهلية كما كانت في الجاهلية الأولى، فنرى التبرك اليوم قد غشي الأمة الإسلامية، وللأسف نجد من يتنطع ويعلنها صراحة: بأن هذا الدين لا يحدث فيه الشرك، أو أن هذه الأمة لا يدب فيها الشرك، وأن الشرك قد انقطع عن هذه الأمة؛ فهي أمة مرحومة متمسكة بالتوحيد، ولن يقع أحد منهم في الشرك، وهذه الأمة -كما سنبين- غارقة في الشركيات وهي لا تدري.
فيتنطع متنطع ويقول: لا شرك في هذه الأمة! وهذا خلاف لنبوءات النبي ﷺ ، وخلاف لما صرح به رسول الله ﷺ ، ورد لوحي الله جل في علاه؛ حيث يقول النبي ﷺ : (لن تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة).
وذو الخلصة صنم كان يعبد في الجاهلية، فهؤلاء سيطوفون به في آخر الزمان، وفي هذه القرون رجعت هذه الظلمات كما هي عليه، فترى الناس يتبركون ويطلبون البركة من غير الله جل في علاه، فيصرفون هذه العبادة لغير الله، ويتبركون بالنبي ﷺ ، أو بقبر النبي ﷺ ، ويتبركون بأستار الكعبة، وبمقام إبراهيم، ويتبركون بالقبور وأصحابها وتراب القبور، فمنهم من غلا وقال: طوبى لمن تمرغ في تراب قبر النبي ﷺ يستشفي بهذا التراب، ويطلب منه الخير، فانظروا كيف يذب الشرك في هذه الأمة وهي لا تدري! ومنهم من يذهب يتقصد هذه الأماكن ويقول: هذا مكان الأولياء الصالحين ندعو الله فيه؛ لعل الله يتقبل منا الدعاء، وهذا واقع نعيشه ونراه، بل ينافحون عنه ويقاتلون من أجله، ويحادون الله ورسوله، ولا يسمعون لمن يناصحهم في الله جل في علاه.
стр. 131
واجب العلماء نحو الأمة فيما وقعت فيه من الشرك
إن الأمة الآن قد وقعت في مثل هذه الظلمات، ولا بد علينا لزاماً إذا تبنينا هذه المسألة أن نأخذ طريق النبي ﷺ ، وأن نحمل إرث النبي ﷺ ، وأن نحافظ على التوحيد، ونتمسك ونعض بالنواجذ على هذه الشريعة الغراء التي أشرقت على ظلمات الجاهلية، ونبين للناس أن هذا تيه وتخبط، وأن هذه ظلمات الجاهلية.
إذاً: فلا بد أن نبين كما بين رسول الله ﷺ ، فإن الوحي إذا انقطع فالرسالة لا تنقطع؛ لأن الرسول ﷺ قال: (بلغوا عني ولو آية)؛ ولذلك جعل الله جل في علاه العلماء وطلبة العلم في مرتبة الأنبياء، ولا فرق بين العالم وبين النبي ﷺ إلا درجة النبوة والوحي، فهو كل ما نزلت الظلمات والبلايا على الناس في الجهل العميق جاء ليزيح عن هذه الأمة هذه الظلمات وهذا الجهل.
إذاً: فلا بد أن نبين كما بين النبي ﷺ أن هذه من الجاهليات التي لا يقبلها الله جل في علاه.
стр. 132
مسائل في التبرك
стр. 133
تعريف التبرك
التبرك لغة: مأخوذ من البركة، والمتبرك هو الذي يطلب ثبوت الخير عنده أو له، كما قالوا: برك البعير، أي: ثبت في مكانه، وسميت البركة بِرْكةً لأنها تجمع فيها ماء كثير.
ويقال أيضاً: إن المتبرك يطلب الزيادة والنماء، إذ البركة زيادة الخير.
والبركة بيد الله لا بيد أحد، فيعطيها لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء، فلا يملكها أحد غير الله ولا حتى رسول الله، ولا جبريل، ولا البدوي، ولا الحسين، فالذي يملك البركة هو الله جل في علاه، فيمنحها من يشاء ويمنعها عمن يشاء؛ ولذلك ترى أن الله جل وعلا بارك في أماكن معينة، وفي أوقات معينة، بل وفي ذوات، فإن الله بارك في ذوات الأنبياء، وبارك في ذوات الصالحين، فبارك الله في ذوات الأنبياء كما في قوله تعالى عن سيدنا عيسى ﵇: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ [مريم:٣٠ - ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات:١١٣]، فبارك الله على إبراهيم وعلى إسحاق وعلى ذريتهما.
وجعل الله كتابه مباركاً، وليست صفة، ولكن البركة في الكتاب بتلاوته وحفظه، وأن تعلم حروفه وتعمل بحدوده، ولا تقول: الكتاب مبارك؛ لأن لفظ المبارك لا يقال في حق الله، وإنما يقال: تبارك، والكلام صفة من صفات الله.
فلو قلنا: إن هذا الكتاب مبارك وحده بذاته، فإن وضعته في السيارة كما يفعلون بهذه التمائم، أو وضعته في السلسلة على الصدر، أو علقت الآيات على الحائط فلا ينكر عليك؛ لأن فيها بركة، لكن هذا غير صحيح؛ لأن البركة التي جعلها الله في كتابه إنما هي بالتلاوة والتدبر، وبالعمل به، وبحفظ حروفه والعمل بحدوده.
إذاً: فالله هو الذي جعل البركة وهو الذي يملك البركة، والله جل في علاه يوصف بأنه (تبارك) أي: المعظم الممجد، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، وقال جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان:٦١]، وقال جل في علاه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١]، فالله جل في علاه يتصف بأنه (تبارك) ولا تقل: (الله مبارك) حاشا لله، لكن إذا قلت: العبد مبارك، أو المكان هذا مقدس ومبارك فلا بأس بذلك.
إذاً: فلفظ (مبارك) للمخلوق، (وتبارك) للخالق لا يشاركه أحد في هذه الصفة كما تقول: (تباركت وتعاليت)، فالتعالي أيضاً صفة تخص الله جل في علاه، فالعلو الكامل المطلق لله جل في علاه.
стр. 134
حكم التبرك
هل التبرك عبادة أم لا؟ هذا محل نزاع.
فإذا قلنا: بأن التبرك هو طلب البركة، فنقول: الطلب أصله دعاء، والدعاء يكون من العبد لله، فيكون التبرك عبادة؛ لأنه طلب، والطلب لا يكون إلا من الله جل في علاه، فإذا طلب من غير الله فقد أشرك، وهذا محل النزاع الذي نحن بصدده، فنقول: إن الذي يطلب البركة من غير الله فقد أشرك بالله بذلك، والذي يطلب البركة من الله هو الذي وحد ربه جل في علاه.
стр. 135
أقسام التبرك
القسم الأول: أن يطلب البركة من غير الله، فإذا طلب البركة من غير الله فقد أشرك بالله في الإلهية، كأن يقول: يا عبد القادر الجيلاني! بارك لي في زوجتي، أو يا بدوي! مُنّ علي بكذا، فهذا فيه صرف للعبادة لغير الله، فهذا إذا قلت له: أنت تطلب من البدوي أن يمنحك البركة، فإنه يقول: أنا أعتقد أن البركة بيد الله، لكن البدوي هذا وسيلة أتوسل به؛ لأن له مكانة وجاهاً، ولذلك أنا أطلب منه أن يكون شافعاً متوسلاً لي عند ربي فيمنّ عليّ بالبركة، فهذا يعتقد أن البركة من الله لكنه طلبها من غيره، فهو صرف عبادة ثبتت بالشرع لغير الله، فيكون شركاً في الإلهية.
القسم الثاني: أن يعتقد أن أحداً يملك البركة مع الله، كأن يذهب يجلس بجانب قبر النبي ﷺ ويقول: أنا أعلم وأعتقد بأن النبي ﷺ بيده البركة، وأن النبي ﷺ منحه الله ما لم يمنح غيره من الخلق، فيعتقد أن النبي ﷺ يملك البركة مع الله جل في علاه، فهذا أيضاً اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله جل في علاه، ولا تحسبوا أنني آتي بالكلام من عندي، فهذا واقع نعيشه، فإذا ذهبت إلى العمرة فسترى ذلك، وكثير من النساء والرجال يعتقدون في النبي ﷺ ما لا يعتقد إلا في الله جل في علاه، وهذا النوع يعتبر شركاً في الربوبية.
القسم الثالث: أن يعتقد بأن البركة بيد الله جل في علاه، ولا يطلبها من غير الله، فهو لا يعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، وأيضاً لم يطلب البركة من غير الله، بل هو طلبها من الله، لكنه اتخذ سبباً لم يشرعه الله، فطلبها عند قبر البدوي، أو عند قبر عبد القادر الجيلاني، وارتقى أكثر فطلبها عند قبر النبي ﷺ ، وذهب فطلبها عند جبل الطور، أو ذهب إلى غار حراء وقال: هذا المكان مبارك، وقد كان النبي ﷺ يتحنث فيه ويتعبد، وجاءه جبريل بالوحي فيه، فذهب يدعو هناك ويطلب البركة في هذا المكان، ويعتقد أن هذا المكان سبب في نزول البركة له.
أو يعتقد أن هذا الولي المقبور بركته تجلب البركة إذا دعا عنده، ويعتقد في بركة وجود قبر الولي أن الله يستجيب له دعاءه، أو أن الله يرفع عنه البلية، أو أن الله جل وعلا يأتيه بالنفع الذي يريده.
وهذا حكمه أنه شرك أصغر؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، ويقول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، إذاً: فالأمر والتشريع بيد الله، والله جل وعلا هو الذي سبب الأسباب والمسببات والمقدمات والنتائج، ونحن عباد لله فنقول: سمعنا وأطعنا لله جل في علاه، فلتعبد الله على الطريق التي ارتضاها، ولتعبد الله بما شرع؛ ولذلك فإن الله جل في علاه لما أنكر على النصارى عبادتهم -مع أنهم تعبدوا وتحنثوا لله جل في علاه- ما أنكر عليهم إلا لأنهم اتخذوا سبلاً لم يشرعها الله، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧].
وكذلك من الأدلة: أن هذه وسيلة إلى الشرك؛ لأنه يعتقد في الولي أو في المكان ما لا يعتقد إلا في الله، فيكون وسيلة إلى الشرك الأكبر، والقاعدة عند العلماء: أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فكل ما كان وسيلة للشرك فهو شرك، لكن لم يخرج به صاحبه من الملة؛ لأنه من الشرك الأصغر، ولا يصل إلى الشرك الأكبر.
стр. 136
أحكام التبرك المشروع والممنوع
والتبرك قسمان: تبرك ممنوع، وتبرك مشروع، والتبرك الممنوع مقسم إلى أقسام: تبرك بالأماكن، وتبرك بالأزمنة، وتبرك بالأشخاص، وهذا مختلف فيه حتى بين أهل السنة والجماعة، فمن أهل السنة والجماعة من قال بجواز التبرك بذوات الصالحين أو بآثار الصالحين كـ ابن حجر والنووي، فهذا يكون قسماً ثالثاً سنتكلم عليه إن شاء الله.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦]، فإذاً كان البيت الحرام مباركاً فهل يجوز للإنسان أن يتبرك به؟
الجواب
لا، لا يتبرك به لا بجدرانه ولا بأستاره، ولكن يتبرك بالعبادة فيه؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، فهذا هو محل البركة، ثم جاء أناس ووسعوا المسألة وخالفوا شرع الله، وتبركوا بأستار الكعبة، وهذا ظاهر وواقع ومشاهد، فترى الناس -وأكثرهم من الهنود والأعاجم- يتعلقون بأستار الكعبة، ويتمسحون بها، ويبكون ويصرخون، والأصوات تعلو من الرجال والنساء، فيتبركون بأستار الكعبة، وبالحديد والسياج الذي يدور حول مقام إبراهيم، ويتبركون بمقام إبراهيم، فهذا التبرك لا يجوز بحال من الأحوال، ولو كان جائزاً لشرعه النبي ﷺ ، ولفعله أصحابه، بل إن رسول الله ﷺ لم يقبّل شيئاً من البيت إلا الحجر الأسود، ولم يمس إلا الركن اليماني.
والدليل على أن هذه بدعة وشرك أن معاوية ﵁ وأرضاه جاء للكعبة -وهو يعلم أن هذا البيت مبارك- فتمسح في كل أركان الكعبة الأربعة، فلما تمسح بالأركان الأربعة جاء ابن عباس فقال: والله ما كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك، يبين أن رسول الله ﷺ ترك ذلك، فيلزمك ألا تفعله، فقال: والله ما كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك، قال: ليس من البيت شيء مهجور، فقال له: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، فقال: أصبت، وامتنع أن يتمسح بأي حجر من أحجار البيت.
ولك أيضاً أن تتدبر أن عمر بن الخطاب جاء إلى الحجر الأسود فقبله ثم قال معلنها صراحة: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك)، إذاً: فالذين يتبركون بأحجار الكعبة، وبجدران قبر النبي ﷺ ، ويتبركون بالسياج أو بمقام إبراهيم، فتركهم هذا لا يجوز بحال من الأحوال، ولنا أدلة كثيرة تدل على أنه لا يجوز: الأول: أن هذا التبرك -إذا قلنا: إنه عبادة- لا بد له من دليل شرعي؛ إذ الأصل في العبادات التوقف، وليس ثمة دليل يثبت التمسح بكل أركان الكعبة إلا بالحجر الأسود -لعلة أخرى- أو بمقام إبراهيم.
الأمر الثاني: أن النبي ﷺ طاف بالبيت وطاف أصحابه، ولم ينقل لنا أنه فعل ما يفعل الناس اليوم، فهذا دليل على أنه لا يجوز.
وأما حكم فاعل ذلك: كأن يدخل رجل الكعبة فينظر إلى الحجْر فيقول: هذا الحجْر من الكعبة وقصرت النفقة عن أن يدخلوه في البيت، فذهب يتمسح بأحجار الحجْر ويقبلها، ثم نظر وقال للناس: إن إبراهيم هو الذي بنى البيت، فقال: أين مقام إبراهيم؟ قالوا: هو ذاك، فانكب عليه باكياً متضرعاً متذللاً: يا رب! ويقول: إن هذا آية من آيات الله، فيتمسح فيه ويمسح في جسده، ويقبل هذا المقام، فما حكم هذا الرجل؟ الجواب: هذا الرجل له أحوال ثلاثة: الحالة الأولى: إذا اعتقد في مقام إبراهيم أنه هو الذي يمنحه البركة، فهذا الفعل شرك أكبر؛ لأنه اعتقد فيه أنه يفعل ما لا يفعله إلا الله ؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]؛ لأنهم اعتقدوا فيهم ما لا يعتقد إلا في الله .
الحالة الثانية: إذا اعتقد أن البركة من الله، ولكنه يزعم أن هذا المقام واسطة بينه وبين الله فقال: هذا المقام يسمعني، وطلب من الحجر نفسه فقال: بارك لي في زوجتي، بارك لي في ابنتي، فهذا شرك أكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله، وممكن نقول: إن هذه تتلازم مع الاعتقاد صراحة؛ لأنه لو صرف العبادة لابد أنه يعتقد في هذا الحجر أنه ينفع ويضر.
الحالة الثالثة: إذا اعتقد أنها لله، وهو طلبها من الله، ولكن قال: البركة ستكون هنا، وستحل في هذا المكان، فهذا شرك أصغر؛ لأنه اتخذ وسيلة لم يشرعها الله، أو اتخذ سبباً لم يشرعه الله جل في علاه.
وحتى تتضح المسألة أكثر: فمثلاً: إذا كنت جالساً في المسجد الحرام وأحرص على أن تكون كل صلاة أصليها في المسجد الحرام ولا أفرط فيها، فقيل لي: لم تحرص على الصلاة في المسجد الحرام؟ قلت: إن الصلاة في هذا المكان مباركة، فهذا الفعل صواب؛ لأنني تبركت بهذا المكان الذي أصلي فيه وهو المسجد الحرام، والنبي ﷺ بين لي أن فيه بركة، فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة! إذاً: فأنا اتخذت وسيلة صحيحة وسبباً مشروعاً.
وأما الآخر الذي قال: إن البركة ستحل عند مقام إبراهيم، فهذا اتخذ وسيلة لم يشرعها الله جل في علاه، إذاً: فالتبرك بالأمكنة: كالتبرك بالأحجار والأشجار أو بالمسجد الحرام أو بأستار الكعبة وأحجارها غير مشروع.
وأيضاً: من الأماكن التي يتبرك بها: غار حراء، وغار ثور، فهذه تسمى عند أهل المدينة والحجيج: المزارات السبعة أو الستة، فهذه المزارات بدعة، فالذي يقول: على الإنسان أن يذهب إلى غار حراء، وغار ثور؛ لأن هذه أماكن مباركة، وكفى أن الله جل في علاه بعث جبريل إلى النبي ﷺ وهو يتحنث فيها، فيرى أن البركة في هذه الأماكن بأن الوحي نزل فيها، فهذا أيضاً اعتقاد خاطئ، ولو ذهب إلى غار حراء أو ثور يدعو هناك أو يصلي هناك أو يقيم العبادة هناك، ويقول: إن الله سيتقبل مني لبركة هذا المكان، فهذا قد ابتدع في دين الله، واتخذ سبباً لم يشرعه الله جل في علاه، وهذا المكان ليس فيه ثمة بركة؛ لأنه لا دليل عليه.
من التبرك بالأماكن التبرك بالقبور: وله صورتان: الصورة الأولى: التبرك بالمقبور نفسه، وهو الولي الصالح.
الصورة الثانية: التبرك بالقبر الذي قبر فيه المقبور.
كرجل ذهب إلى البدوي أو إلى الجيلاني فقال: يا بدوي! أسألك أن تبارك لي في مالي ورزقي، وتمنع عني الشر.
فهذا تبرك بالمقبور نفسه، ثم جاء إليه آخر فقال: لا تفعل، لكن اجلس بجانب قبر هذا الولي الصالح المبارك وادع الله عنده، فإن الله سيغفر لك ذنبك.
والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].
стр. 137
موقف الصحابة من التبرك الممنوع
إن الصحابة رضوان الله عليهم قد حرصوا على هذه المسألة حرصاً شديداً، وتثبتوا فيها تثبتاً لا يعلمه إلا الله جل في علاه، ومما يبين لنا حرص السلف على جناب التوحيد وحفظه أنهم علموا أن التبرك عبادة، وأنه لا بد للإنسان ألا يتقدم بين يدي الله ورسوله، فحفظوا جناب التوحيد، ومنهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهم.
أما عمر بن الخطاب فكان يطوف بالكعبة ويقبل الحجر ويقول: (والله! إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك).
ثم أُخبر عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه بأن هناك أناساً يتقصدون المسجد الذي كان يصلي فيه النبي ﷺ بين مكة وبين المدينة، فذهب وقال: أيها الناس! إنما أهلك من كان قبلكم اتباعهم لآثار أنبيائهم، واتخاذهم هذه الآثار مساجد.
ثم أُخبر مرة أخرى بعدما نصحهم هذه النصيحة الغالية بأن هناك أناساً يتقصدون شجرة بيعة الرضوان وهي بيعة الموت، فيصلون عندها يتبركون بها، فجاء عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه وأمر بقطع الشجرة؛ حفظاً لجناب التوحيد، وسداً لذريعة الشرك.
وهذا أبو هريرة ﵁ وأرضاه قابل أبا بصرة الغفاري وقد رجع من الطور، فقال له: من أين أتيت؟ قال: من الطور، صليت هناك.
فقد رحل من المدينة إلى الطور ليصلي هناك، فقال له أبو هريرة مانعاً إياه: لو قابلتك ما ذهبت إلى هناك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)، فهذه المساجد الثلاثة فيها بركة، وأما جبل الطور فلم يأتِ دليل على أنه مكان مبارك.
стр. 138
بيان بعض الإشكالات الواردة في التبرك
هناك بعض الإشكالات نريد أن نبينها: الإشكال الأول: أن ابن عمر ﵁ وأرضاه كان إذا ذهب إلى الحج سأل أين صلى رسول الله ﷺ ، فيتقصد المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ فيصلي فيه.
والإشكال الثاني: أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قبل الحجر؛ لأنه رأى رسول الله ﷺ يقبله.
ويرد على استدلالهم بأثر ابن عمر من وجهين: الوجه الأول: أن نقول: أين الدليل على أن ابن عمر كان يفعل ذلك تبركاً؟ لا يوجد دليل.
الوجه الثاني: أن هذا له تخريج وتوجيه، وتوجيه ذلك أن ابن عمر كان رجلاً أثرياً يتتبع سنن النبي ﷺ حذو القذة بالقذة، فينظر كيف كان ينام النبي ﷺ فينام مثله، فقد طبق سنن العادات والعبادات، وما ترك شيئاً يفعله النبي ﷺ إلا وكان يتقصده ويفعله، وذلك له نظائر كثيرة: منها: أن أنس ﵁ وأرضاه كان لا يأكل الدباء، قال: (فجلست في مائدة يأكل فيها النبي ﷺ ، فكان يتتبع الدباء، فأحببت الدباء لما رأيت رسول الله ﷺ يتتبعه)، وكان يأكل الدباء تأسياً بالنبي ﷺ حتى ولو كان ذلك من سنن العادات، وهناك قاعدة: أن سنن العادات بالنيات تنقلب إلى عبادات.
وكذلك أبو أيوب الأنصاري ﵁ كان لا يأكل البصل مطبوخاً مع أن البصل إذا طبخ مات، كما قال عمر بن الخطاب: أميتوه بالطبخ، ومع ذلك كان أبو أيوب لا يأكله؛ عملاً بما رآه من أن النبي ﷺ ما أكل البصل ولو كان مطبوخاً.
إذاً: فيكون الجواب الثاني: أن ابن عمر كان أكثر الناس تأسياً بسنة النبي ﷺ .
وأما الجواب عن الإشكال الثاني: فـ عمر لم يقبل الحجر تبركاً بل عمر تبرك باتباعه للنبي ﷺ ، والدليل على ذلك أنه قال: (لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك).
كذلك في هذا الفعل فائدتان تعود على المرء: الفائدة الأولى: أن النبي ﷺ قد بيّن أن (الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وله عينان ولسان يشهد لمن قبله أو استلمه).
الفائدة الثانية: أن النبي ﷺ أخبر أن (استلام ركن اليماني يحط الخطايا)، فهذه هي الفائدة وليس ذلك من التبرك.
وأما مسألة الشجرة ذات الأنواط: فلا يجوز التبرك بالشجر، وهؤلاء المسلمون كانوا حدثاء عهد بالإسلام، والحديث يبين لنا ذلك، قال أبو واقد الليثي: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة حنين ونحن حديثو عهد بكفر فوجدوا قوماً يعلقون أسلحتهم بشجرة يسمونها ذات أنواط، ويعتقدون فيها البركة، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) وقولهم: (اجعل لنا) له عدة احتمالات: الاحتمال الأول: اجعل لنا ذات أنواط؛ أي: لأن هذه الشجرة ستمنحنا البركة، هذا احتمال، ولكن هل هذا مرفوض أم مقبول؟ مرفوض؛ لأنهم حدثاء عهد بإيمان، آمنوا بالله وعلموا أن الله جل وعلا هو الذي يملك النفع والضر، وما زال الله جل وعلا يزيح عنهم على لسان النبي ﷺ الشرك بالأصنام.
الاحتمال الثاني: أنهم يجعلون ذات الأنواط ليطلبوا منها البركة، وهذا مرفوض؛ لأن النبي ﷺ معهم وبين لهم أن السؤال لا يكون إلا لله جل في علاه.
الاحتمال الثالث: أنهم ما علقوا هذه السيوف إلا التماساً للبركة، كأن الله جل في علاه سيبارك لهم في سيوفهم أو في رحلتهم هذه عندما يعلقون السيوف على هذه الشجرة؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (الله أكبر! قلتم مثل ما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]).
والراجح الصحيح في هذه القصة: أن هذا من الشرك الأصغر وليس من الشرك الأكبر؛ لأنهم لم يعتقدوا في ذات أنواط ولم يطلبوا منها البركة، لكن جعلوها وسيلة، فاتخذوا سبباً لم يشرعه الله فوقعوا في الشرك الأصغر؛ لأنه وسيلة إلى الشرك الأكبر، وغلظ لهم النبي ﷺ القول لأنهم على شفير هلكة، فهم على أبواب الشرك الأكبر فحذرهم؛ لأن وسائل الشرك الأكبر تصل من الأصغر إلى الأكبر، والقاعدة عند العلماء: أن الوسائل لها أحكام المقاصد.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 139
مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - التبرك [٢]
ينقسم التبرك إلى قسمين: تبرك مشروع، وتبرك ممنوع، فالتبرك المشروع مثل: التبرك بآثار الأنبياء وذواتهم حال حياتهم، أو بآثارهم بعد مماتهم إن ثبت وجودها.
وأما التبرك بآثار غيرهم من الصالحين والأولياء فيجوز التبرك بأفعالهم ودعائهم، وأما التبرك بغير ذلك فلا يجوز؛ وذلك لأن الصحابة والتابعين لم يتبركوا بذوات كبار الصحابة ولا بآثارهم، فلما لم يفعلوا ذلك مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، دل ذلك على أنه غير مشروع.
стр. 140
أحكام التبرك
стр. 141
معنى التبرك
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
بينا في الدرس الماضي معنى التبرك وأصل التبرك، وأن التبرك عبادة, وجماع التبرك هو طلب البركة، وإذا قلنا بأن جماع التبرك هو طلب البركة أو زيادة الخير, فالطلب إذاً لا يكون إلا ممن يملك هذه البركة، ولا أحد يملك هذه البركة إلا الله جل في علاه.
وطلب البركة يتعلق بها أمران: الأول: ألا يكون الطلب إلا من الله, فمن طلب من غير الله جل في علاه فقد وقع في الشرك؛ لأن الطلب دعاء والدعاء عبادة, ومن صرف العبادة لغير لله فقد وقع في الشرك, فمن صلى لغير الله فقد أشرك, وأيضاً من دعا غير الله لجلب منفعة أو دفع مضرة فقد أشرك.
الأمر الثاني: من اعتقد بأن البركة بيد أحد غير الله فقد اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، ومن اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله فقد وقع في الشرك.
فهناك قاعدة تقول: من عبد الله واعتقد في الله حق الاعتقاد ثم اتخذ سبباً لم يشرعه الله جل في علاه فقد وقع في الشرك الأصغر؛ لقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧].
في هذا الدرس سنبين التبرك الممنوع، وقد ابتدأنا به من باب قول الشاعر: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه فنحن نبين للناس الشركيات التي لا بد أن يتجنبوها وحتى يسلم توحيد المرء.
стр. 142
حكم التبرك بالأمكنة والأشجار
من التبرك الممنوع: التبرك بالكعبة, والتبرك بمقام إبراهيم, والتبرك بجدران بيت المقدس، أو بجدران المسجد النبوي, فكل ذلك لا يجوز, وأيضاً التبرك بالأشجار كما بينا في حديث: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال: الله أكبر إنها السنن، فقد قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨])، ورجحنا أن هذه المسألة من الشرك الأصغر وليست شركاً أكبر، وهو من باب التغليظ والزجر الشديد؛ حتى يسلم أهل التوحيد من الشرك الأصغر فضلاً عن الشرك الأكبر.
стр. 143
حكم التبرك بالأزمنة
أيضاً من التبرك الممنوع: التبرك بالأزمنة, وقد قلنا: إذا اعتقدنا اعتقاداً جازماً صحيحاً بأن البركة من الله جل في علاه, فإن هذه البركة لها أسباب، وهذه الأسباب من اتخذها جعل الله له البركة، فقد شرعها سبحانه لحصول البركة, ومن اخترع أو ابتدع أو شرع أسباباً لم يشرعها الله جل في علاه فقد أشرك.
فإذا قال امرؤ: أن البركة نزلت في أزمنة معينة، فإن لم يأت عليها بدليل من كتاب الله ولا من سنة النبي ﷺ فقد افترى على الله وعلى رسوله ﷺ ؛ لأن الله جل في علاه علام الغيوب, وهو الذي يملك البركة وهو الذي أنزل البركة, فهو يعلم أين تكون البركة, وما السبب الذي إذا أخذ به المرء حصلت له البركة، فإن قال الله لنا: إن زمان كذا ومكان كذا فيها البركة في أعمالكم وفي أرزاقكم، أخذنا بهذه الأسباب، وإن لم يذكر الله جل في علاه فليس لأحد أن يتقدم بين يدي الله ورسوله ويقول: هذا زمان تتنزل فيه البركات, وتكثر فيه الرحمات, وترفع فيه الدرجات, وتغفر فيه السيئات.
стр. 144
نماذج من التبرك الممنوع ببعض الأزمنة
من قال: بأن الاحتفال بالمولد النبوي مثلاً فيه بركات, وهذا زمن مبارك لا بد أن نتبرك بالاجتماع فيه، وإظهار السرور، وتوزيع الطعام، والاحتفال فيه؛ لأنه زمن مبارك على الله وعلى رسوله.
أو يقول مثلاً: ليلة النصف من شعبان ليلة مباركة، فنفعل فيها كذا وكذا, أو الأعياد المخترعة: كعيد الحب، وعيد الشجرة, فكل هذا لا يصح؛ لأن الله جل في علاه لم يذكر في كتابه أن هذه الأيام أيام مباركات, فيتبرك بها المرء.
إن رسول الله ﷺ ما ترك طائراً يقلب جناحيه في السماء إلا وأخبرنا خبره، ولم يقصر في البلاغ؛ والله جل في علاه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] فلو كانت هذه الأزمنة من المولد النبوي أو ليلة الإسراء والمعراج أو ليلة بدر أو غيرها أزمنة مباركة تتنزل فيها البركات لبينها النبي ﷺ ، فلما لم يبين النبي ﷺ أن هذه الأزمنة من الأزمنة المباركات, لزم من يقول ببركتها الآتي: أولاً: أن رسول الله ﷺ قصر في البيان, وحاشاه ﷺ ، فقد شهد الله أنه بلغ وأتم البلاغ.
ثانياً: أنكم مفترون ومتقدمون بين يدي الله ورسوله، فلا نقبل قولكم.
إذاً: فهؤلاء قد افتروا على الله وعلى رسوله بأن ابتدعوا أزمنةً وقالوا: إن هذه الأزمنة تتنزل فيها البركات، وهذا من باب الشرك الأصغر لا الشرك الأكبر؛ لأنهم لم يعتقدوا في غير الله ولم يطلبوا البركة من غير الله جل في علاه, لكنهم اتخذوا سبباً لم يشرعه الله جل في علاه للبركة, وقد بينا أن البركة عبادة, والأصل في العبادات التوقيف.
وختاماً نقول: ليس معنى كلامنا أننا نغلق على الناس هذا الباب ونقول لهم: لا بركة في أي شيء، لا، فإن ديننا السمح وشريعتنا الغراء إذا أغلقت باباً فتحت أبواباً للناس، ففتحت أبواب الرجاء والخير للناس, فهناك التبرك المشروع, فإنا نرجو من الله جل في علاه أن يبارك لنا فيما رزقنا، وأن البركة أفضل بكثير من الكثرة.
стр. 145
شروط البركة المشروعة وأنواعها
هذه البركة لها شروط: الأول: الاعتقاد الصحيح بأن البركة بيد الله جل في علاه.
الثاني: لا تطلب البركة من غير الله.
الثالث: اتخاذ الأسباب الصحيحة التي بها نحصل على البركة.
وهذه البركة أنواع: فهي أقوال وأفعال وهيئات وأمكنة وأزمنة.
следующие страницы →