← Фикх шафии

Фикх шафии · id 37686

شرح متن أبي شجاع - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (225 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حكم غسل باطن العين الوجه من المنابت إلى أسفل الذقن، والوجه ما واجه، فخرج عن حد الوجه: باطن الأنف، وباطن الفم، وباطن العين، ولا نوجب على من يغسل وجهه أن يغسل عينيه كما كان يفعل ابن عمر، وقد أنكر العلماء على ابن عمر ما فعله حتى أنه عمي بسبب ذلك.

стр. 142

غسل اليدين إلى المرفقين

стр. 143

دليل فرضية غسل اليدين إلى المرفقين الفرض الثاني في الوضوء: غسل اليدين إلى المرفقين. وقد ثبت وجوب غسل اليدين إلى المرفقين بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]. وفي السنن عن النبي ﷺ لما علم الأعرابي كيف يتوضأ قال: (توضأ كما أمرك الله -ثم فسرها، وقال:- اغسل وجهك ويديك إلى المرفقين). ومن السنة الفعلية: حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ أخذ غرفة وغسل يديه إلى المرفقين، وفي مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه (أنه ﷺ غسل يديه حتى أشرع في العضد)، وأجمعت الأمة على أن الوضوء لا يجزئ حتى يغسل المتوضئ يديه إلى المرفقين.

стр. 144

حد اليدين حد اليدين من أطراف الأصابع -وليس من الكوع- إلى المرفق، قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، و (إلى) هنا بمعنى: (مع)، قال الله تعالى حاكياً عن عيسى أنه قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢]، يعني: من أنصاري مع الله، وقال الله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢] يعني: مع قوتكم، وهذه فيها دلالة: على أن (إلى) تأتي بمعنى: (مع)، فقول الله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] يعني: مع المرفقين.

стр. 145

حكم غسل العضو الزائد إن كان في اليد عضو زائد وجب أن يغسله مع ذلك العضو، مثل الإصبع الزائدة تغسل مع اليد. وإن كانت اليد مقطوعة من الكوع وجب أن تغسل اليد من الكوع إلى المرفق، وإن كانت مقطوعة من المرفق والمرفق ظاهر وجب غسل المرفق الظاهر، وخذ هذه القاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور.

стр. 146

حكم غسل العضد يجزئ المتوضئ أن يغسل اليدين مرة واحدة كما فعل النبي ﷺ حيث توضأ مرة مرة، والمستحب أن يغسلها مرتين مرتين، والكمال أن يغسلها ثلاثاً كما ورد في الصحيح عن النبي ﷺ ، وزيادة في الاستحباب أن يزيد في الغسل إلى أن يصل العضد؛ لأن أبا هريرة ﵁ وأرضاه فعل ذلك ورفعه إلى النبي ﷺ ، فهذا من السنة الثابتة عن النبي ﷺ .

стр. 147

حكم تحريك الخاتم عند غسل اليد الخاتم له أحوال ثلاثة: الأولى: أن يكون ضيقاً. الثانية: أن يكون واسعاً. الثالثة: أن يكون وسطاً. فإن كان الخاتم ضيقاً وجب تحريكه عند غسل اليد أو الكف، وهذا الحكم يعم النساء والرجال، فيجب تحريكه للتأكد من وصول الماء إلى العضو، وإن لم يحرك الخاتم لم يصح الوضوء؛ لأن الماء لم يصل إلى جزء من هذا العضو. وإذا كان الخاتم وسطاً فلا يجب التحريك لكن يستحب؛ لأنه يغلب على الظن أن الماء يصل إلى العضو إن كان الخاتم وسطاً، أما الخاتم الواسع فلا يجب التحريك كما هو ظاهر.

стр. 148

البداءة بغسل اليمين قبل اليسار في غسل اليدين يبدأ باليمين قبل اليسار، والدلالة على ذلك: ديمومة فعل النبي ﷺ ، حيث كان إذا توضأ بدأ باليمين، بل وقال: (أبدأ بما بدأ الله به)، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

стр. 149

مسح الرأس

стр. 150

دليل فرضية مسح الرأس الفرض الثالث في الوضوء: مسح الرأس، وقد ثبت ذلك في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، والسنة هنا: سنة قولية، وسنة فعلية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦]. وعن عبد الله بن زيد عن النبي ﷺ (أنه مسح بيده رأسه فأقبل بهما وأدبر). ومن حديث عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه (أنه مسح رأسه)، هذا الفعل، أما القول: فقد قال النبي ﷺ : (توضأ كما أمرك الله ثم قال: وامسح رأسك) وهذا أمر من النبي ﷺ . وأجمعت الأمة على أن مسح الرأس من فرائض الوضوء.

стр. 151

حكم مسح بعض الرأس مسح الرأس في المذهب يجزئ بشعرة واحدة أو ثلاث شعرات، فيجزئ أقل ما يقع به مسح الرأس، واستدلوا على ذلك بالكتاب وبالسنة: أما بالكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] وقالوا: الباء هنا للتبعيض، والدلالة على أنها للتبعيض أن النبي ﷺ -كما في حديث المغيرة في الصحيح- مسح على الناصية ثم أكمل المسح على العمامة، ولذلك في المذهب: لا يجوز المسح على العمامة إلا بمسح جزء من الرأس مثل مقدم الرأس، قالوا: فاكتفى بهذا المسح، وهذا فيه دلالة على أن الباء للتبعيض، والصحيح: خلاف المذهب، فلا يجزئ الماسح في الوضوء إلا أن يمسح كل الرأس، حتى لو قلنا: الباء للتبعيض، فإن فعل النبي ﷺ فيه بيان الواجب، والقاعدة عند العلماء: بيان الواجب واجب. إذاً: الراجح الصحيح خلاف المذهب الشافعي، وأنا قلت: لن أخرج عن المذهب إلا إذا خالف الدليل، فالأدلة الصحيحة الصريحة تدل على أنه لا يجزئ في مسح الرأس إلا كل الرأس، فمن مسح على ثلاث شعرات أو مسح على بعض الرأس فلا يجزئه هذا الوضوء خلافاً للشافعية.

стр. 152

مراتب مسح الرأس الصحيح: أن مسح الرأس له مراتب، فالمرتبة الأولى: مسحه مرة واحدة، وفي المذهب: يجوز أن يمسح الرأس ثلاثاً، بل من السنة أن يمسح ثلاثاً، لحديث ورد عن عثمان بن عفان خارج الصحيحين (أن النبي ﵊ مسح رأسه ثلاثاً)، وصححه الألباني. وأيضاً: ورد حديث عن علي بن أبي طالب أنه توضأ ورفع الوضوء إلى النبي ﷺ ومسح رأسه ثلاثاً. ونحن ندور مع الآثار حيث دارت، وقد صح الحديث عن عثمان وعن علي، وزيادة الثقة مقبولة.

стр. 153

حكم المسح على العمامة العمامة في عهد السلف كانت محنكة -أي: يجعل بعضها تحت ذقنه- فكانوا يتعممون بهذه الطريقة، فمن أراد أن ينزع العمامة كلما توضأ لحقته في ذلك مشقة، فالمسح على هذه العمامة يصح في المذهب، بشرط: أن يمسح على مقدمة الرأس، والدليل على ذلك حديث المغيرة بن شعبة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ مسح على مقدم الرأس ثم أكمل على العمامة. هذا الحكم في المذهب ولم نذكر خلاف العلماء.

стр. 154

حكم مسح خمار المرأة هل يلحق بالعمامة خمار المرأة أو لا يحلق بالعمامة؟ فيه قولان في المذهب: القول الأول: إن الخمار ينزل منزلة العمامة، فللمرأة أن تمسح على مقدمة الرأس ثم تمسح بعد ذلك على الخمار. القول الثاني في المذهب: أن الخمار لا ينزل منزلة العمامة. والراجح الصحيح: أن الخمار لا ينزل منزلة العمامة، وهذا الذي أدين الله به، لأنه لا يشق على المرأة أن تنزع خمارها، أما العمامة فيشق على الرجل أن ينزعها ثم يلبسها في كل وضوء، والأصل في المرأة: أن تكون في بيتها، فالصحيح: أن الخمار لا ينزل منزلة العمامة، والقاعدة عند العلماء: أن ما خرج عن القياس فغيره لا يقاس عليه. أما غسل الرأس بدل مسحه فلا يصح؛ لأنه يعتبر زيادة وإساءة، والمسح بدل الغسل هو المشروع.

стр. 155

غسل الرجلين

стр. 156

دليل فرضية غسل الرجلين الفرض الرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين، والدليل على أنه ركن من أركان الوضوء الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة. قال الله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، (وأرجلكم) معطوفة على المغسول لا على الممسوح، هذا هو الدليل من الكتاب. والدليل من السنة: أن النبي ﷺ قال: (توضأ كما أمرك الله) ثم قال: (اغسل رجليك إلى الكعبين). وكان النبي ﵊ إذا توضأ غسل رجليه إلى الكعبين، وقال عثمان: (توضأ النبي ﷺ نحو وضوئي هذا)، وكذلك ثبت في حديث عبد الله بن زيد وحديث علي بن أبي طالب كما بينا. وأجمعت الأمة على أن غسل الرجلين إلى الكعبين من فروض الوضوء، ولا يعتد بخلاف الشيعة في هذه المسألة كما ذكر ذلك النووي.

стр. 157

حد الرجلين حد الرجلين إلى العظمين الناتئين عند مفصل الساق، وهما الكعبان، فيجب غسل القدمين مع العرقوب إلى الكعبين، والكعبان يدخلان في القدم؛ لأن معنى قوله تعالى: ((إِلَى الْكَعْبَيْنِ)) أي: مع الكعبين كما تقدم.

стр. 158

مراتب غسل الرجلين يجوز أن يغسل المتوضئ الرجلين مرة أو مرتين أو ثلاثاً. إذاً: الواجب غسلها مرة، والمستحب أن يغسلها مرتين، والكمال: أن يغسلها ثلاثاً، وزيادة في الكمال يشرع في غسل الساق كما في حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه.

стр. 159

الترتيب

стр. 160

دليل فرضية الترتيب الفرض الأخير في الوضوء: الترتيب، ومعنى الترتيب: أن تتوضأ وتبدأ بما بدأ الله به، وتنتهي بما انتهى به، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] وهذا ترتيب رتبه الله جل في علاه، وهذا الترتيب رتبه النبي ﷺ بفعله. والدلالة على أن الترتيب فرض أدلة ثلاثة: الدليل الأول: ديمومة فعل النبي ﷺ ، فلا أحد وصف لنا وضوء النبي ﷺ إلا وذكر في وصفه أنه غسل يديه ثم مضمض واستنشق ثم غسل الوجه ثم غسل اليدين، ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين، فديمومة فعل النبي ﷺ تدل على الوجوب. فإن قال قائل: الأصل في الفعل الاستحباب، ف الجواب أن القاعدة أن بيان الواجب واجب، فالنبي يبين لنا أمر الله جل في علاه، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، والنبي ﷺ يترجم لنا هذه الأوامر فعلاً، والاستدلال بالفعل هنا بقرينة أنه بيان للواجب، ولم نستدل بأصل الفعل، بل استدللنا بأن هذا الفعل بيان لأمر من أوامر الله، والأمر واجب وبيان الواجب واجب. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ في النسك عندما صعد على الصفا وقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] قال: (أبدأ بما بدأ الله به)، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والله بدأ بغسل اليد وانتهى بالرجل، فنبدأ بما بدأ الله به. الدليل الثالث: أن الله جل في علاه أدخل ممسوحاً بين مغسولين، وفي لغة العرب أن هذا لا يمكن أن يأتي إلا لأمر مهم، والأمر المهم هنا هو الترتيب، فالرأس ممسوح ذكر بين مغسولين وهما اليد والرجل، وهذه دلالة واضحة جداً على أن الترتيب فرض من فروض الوضوء.

стр. 161

شرح متن أبي شجاع - الموالاة وسنن الوضوء للوضوء سنن أخذها الفقهاء من سنة النبي ﷺ القولية والفعلية، وبعض هذه السنن اختلفوا في حكمها كالموالاة في الوضوء، فقيل بسنيتها، وقيل بوجوبها، ومن جمع الأدلة في هذه المسألة فعسى أن يوفق للقول الراجح فيها.

стр. 162

تعريف الموالاة في الوضوء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: الموالاة معناها: ألا تفصل بين غسل الأعضاء بوقت طويل، وضابط ذلك عند العلماء: ألا يجف العضو، إذا كان المزاج غير متغير؛ لأنه في وقت الغضب قد يجف العضو بسرعة، ولا في وقت حار جداً.

стр. 163

حكم الموالاة يوجد قولان في المذهب في حكم الموالاة: القول الأول في القديم وهو قول الحنابلة: أن الموالاة شرط في صحة الوضوء، فإذا توضأ فغسل وجهه ومكث مدة طويلة حتى جف العضو ثم غسل يديه ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثم صلى فصلاته باطلة؛ لأنه اختل شرط من شروط الوضوء وهو الموالاة. القول الثاني في المذهب وهو القول الجديد: أن الموالاة سنة، فإذا فعل ذلك فقد خالف الأولى، وصلاته صحيحة. وهذان قولان للشافعي، فالقديم هو ما قبل دخوله مصر، والجديد هو بعد دخوله مصر. والوجه في المذهب غير القول، فهو قول لصاحب من الأصحاب يخرج هذا الوجه على تأصيل الإمام الشافعي. دليل المذهب القديم من الأثر: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، (فاغسلوا) أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وهو يقتضي الفورية، والفورية معناها: التعجيل، يعني لا نفصل بينهما بوقت طويل، واستدلوا بفعل النبي ﷺ كما في حديث عبد الله بن زيد وحديث عثمان بن عفان وحديث علي وحديث ابن عمر ﵃ (أن النبي ﷺ توضأ ووالى بين أعضائه)، وفعل النبي ﷺ بيان للواجب، والقاعدة عند العلماء: أن الواجب واجب. وفي حديث خالد بن معدان أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي رجله قدر اللمعة -كالدرهم- فقال له النبي ﷺ : (توضأ وأعد الصلاة)، وهذا الحديث فيه كلام، إذ الحديث أرسله خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي ﷺ ، والمرسل عند علماء الحديث ضعيف. وأيضاً في سند الحديث بقية بن الوليد، وهو يدلس شر التدليس: تدليس التسوية، وقد قيل فيه: أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية. ووجه الدلالة من هذا الحديث: أنه توضأ وجفت الأعضاء وصلى، فلما وجد قدر اللمعة أمره بإعادة الوضوء، ولو كانت الموالاة ليست بشرط لغسل القدم فقط، لكنه أمره بإعادة الوضوء، فهذه دلالة على أنه اعتبر الموالاة شرطاً للوضوء. واستدلوا من حيث النظر: فقاسوا الوضوء على الصلاة، فقالوا: كما أن الموالاة شرط لصحة الصلاة وهي عبادة، والوضوء شرط لهذه العبادة، فتكون الموالاة شرطاً فيها. ووجه الشبه بين الوضوء وبين الصلاة: أن الوضوء يفسده الحدث والصلاة أيضاً، فمن أحدث وهو يصلي توضأ واستأنف صلاته، ولا يبني على ما سبق، هذا الراجح الصحيح، ولو توضأ الرجل فمضمض واستنشق وغسل وجهه وغسل يديه ومسح برأسه ثم قبل أن يغسل رجليه أخرج ريحاً فسد وضوءه واستأنفه من جديد. والموالاة شرط في الصلاة، فلو رفع من الركوع فلا بد أن ينزل بعدما يقول الدعاء والذكر، ولو أطال طولاً يعرف منه الناظر أنه ليس من الصلاة بطلت صلاته. قالوا: فإذا كانت الموالاة بين أركان الصلاة واجبة وهي عبادة، فالوضوء عبادة كالصلاة، فتكون الموالاة فيه واجبة أيضاً. ودليل القول الثاني -وهو الجديد- على أن الموالاة ليست شرطاً في الوضوء قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة:٦]، والآية لم تصرح بشرطية الموالاة، فهذه دلالة على أن الموالاة ليست بشرط. واستدلوا من السنة بأثر ابن عمر ﵁ وأرضاه: أنه توضأ في السوق ولم يمسح على الخفين حتى ذهب إلى المسجد، رواه البيهقي بسند صحيح، وفيه: حتى جف العضو، وفيه أنه دخل المسجد فوجد جنازة يريدون الصلاة عليها، فأراد ابن عمر أن يصلي فقال: ائتوني بماء فأتوه بماء فمسح على الخفين بعدما جف العضو من الوضوء، وهذا أثر صحيح عن ابن عمر فهو يرى أن الموالاة ليست شرطاً، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. والصحيح الراجح عند المحققين من الشافعية: القول الجديد، لكن عندما نأخذ بالقاعدة التي قعدها الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فإننا نقول: الصحيح الراجح هو القول القديم، لا سيما مع تصحيح حديث خالد بن معدان؛ لأن بقية صرح بالتحديث في بعض الروايات، وكونه أرسله عن بعض أزواج النبي ﷺ لا يضعف الحديث؛ لأن كل الصحابة عدول لا سيما المؤمنات الفضليات أزواج النبي ﷺ ، فالصحيح الراجح: أن الموالاة تعتبر شرطاً وليست سنة، لأن الدليل واضح جداً، قال النبي ﷺ : (توضأ وأعد الصلاة).

стр. 164

من سنن الوضوء

стр. 165

السواك من سنن الوضوء التسوك قبل الوضوء أو عند الوضوء، والدلالة على ذلك: قول النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء). وإن لم تجد سواكاً وعندك منديل فمن الممكن أن تستخدمه، وهو يقوم ببعض ما يقوم به السواك من تنظيف الأسنان، ومن الممكن كذلك أن تدلك أسنانك بإصبعك، وإن كان الحديث الوارد فيه ضعيفاً.

стр. 166

التسمية عند الوضوء ومن سنن الوضوء: التسمية عند غسل اليدين، والأدلة على ذلك كثيرة، منها حديث النبي ﷺ عندما فقدوا الماء فطلب إناء فيه القليل من الماء فوضع يده في الماء فخرج الماء من بين أصابع النبي ﷺ ، ثم قال النبي ﷺ : (توضئوا باسم الله)، وكذلك الحديث الذي ضعفه الشيخ الألباني وصححه بعض المحدثين: (كل أمر ذي بال لم يذكر فيه اسم الله فهو أقطع)، وأيضاً حديث صريح جداً أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا ضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)، وهذا الحديث مختلف فيه، وقد صححه الشيخ الألباني وغيره. وقوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) أي: لا وضوء كامل، ولا يمكن أن ينصب النفي على الوجود؛ لأن الرجل غسل الأعضاء، ولا ينصب على الصحة؛ لأن الله جل في علاه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦]، ولم يذكر التسمية، والنبي ﷺ كما في السنن قال للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله)، ولم يقل: سم الله جل في علاه. وإذا توضأ الرجل فنسي التسمية بعدما غسل وجهه ويديه، فنقول له: افعل كما تفعل في الطعام، فإذا نسيت التسمية فقل: باسم الله أوله وآخره. أما إذا انتهيت من غسل الرجلين فلا تسم بخلاف الطعام؛ لأن التسمية بعد انتهاء الطعام تجعل الشيطان يتقيأ، أما هنا فلا توجد هذه العلة. وقد ذكر الغزالي ﵀ وكثير من الشافعية دعاء لغسل كل عضو من أعضاء الوضوء، ولا دليل عليه، والأصل في العبادات التوقيف.

стр. 167

غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء من السنة قبل الوضوء: أن يغسل يديه إلى الكوعين لحديث عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه أنه صب الماء على يمينه ثم غسل يديه ثلاثاً ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، وحديث عبد الله بن زيد وحديث علي بن أبي طالب ﵁، وفيه: كان النبي ﷺ يغسل يديه قبل الوضوء، أما من قام من النوم فيكره أن يضع يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً، أما إذا استيقن من وجود النجاسة فيحرم عليه أن يضع يده في الماء، قال النبي ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً)، وصرف النهي من التحريم إلى الكراهة: العلة، وهي قوله ﷺ : (فإنه لا يدري أين باتت يده)، فالعلة: أنه يخشى أن يكون علق بيديه شيء من النجاسة؛ ولذا قلنا بالكراهة إن لم يتأكد من وجود النجاسة، أما إذا استيقن منها فلا يجوز أن يضع يديه في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً؛ لأنه لو وضع يده في الإناء نجس الماء، فإذا نجس الماء يحرم عليه أن يتوضأ به، لا سيما إن كان في صحراء ولم يكن عنده سوى هذا الماء.

стр. 168

المضمضة والاستنشاق من سنن الوضوء: المضمضة والاستنشاق، والدليل على السنية قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ولم يقل: تمضمضوا واستنشقوا، ويوجد حديث خاص فاصل في النزاع وهو في مقام التبيين، والقاعدة عند العلماء: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو قول النبي ﷺ للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك)، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، وكان الرجل لا يعرف كيف يصلي ولا كيف يتوضأ، فعلمه النبي ﷺ كيف يصلي وعلمه كيف يتوضأ فقال له: (توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك ويديك إلى المرفقين، وامسح برأسك واغسل رجليك)، ولم يذكر المضمضة ولا الاستنشاق، ففيه دلالة واضحة جداً على أنهما سنة، أما حديث النبي ﷺ : (مضمض واستنشق)، فالراجح أنه صحيح، لكن الأمر هنا للاستحباب جمعاً بين الأدلة، وقول المخالف: الأنف والفم من الوجه فلا بد من المضمضة والاستنشاق فالجواب عليه: والعين من الرأس، ولها ظاهر ولها باطن، ونحن نقول بوجوب غسل ظاهر الأنف لا غسل الباطن، وإلا لكان يجب أن يفتح الإنسان عينيه ويدخل الماء في عينيه؛ لأنها من الوجه ولا بد أن تغسل، لكن نحن متفقون أنه لا يغسل باطنها بل ظاهرها، وكذلك الأنف. وللمضمضة والاستنشاق صورتان: الصورة الأولى: أن تكون المضمضة منفصلة عن الاستنشاق، فيدخل الماء في فمه، ويكرر هذا ثلاث مرات بثلاث غرفات، ثم يغسل الأنف بعد الفم ثلاث مرات، وهذه الكيفية وردت عن النبي ﷺ ، وقد ضعفها النووي، لكن الحافظ ابن حجر صححها، ونحن نأخذ بتصحيح الحافظ ابن حجر، فحديث فصل المضمضة عن الاستنشاق صحيح، لكن الأولى والأفضل: أن تجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة ثلاث مرات كما في حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي ﷺ ، وهذه هي الصورة الثانية، وهي غالب أحوال النبي ﷺ ، فيأخذ غرفة ثم يدخل بعض الماء في فمه ويدخل البعض الآخر في أنفه، ويفعل هذا ثلاث مرات.

стр. 169

سنية مسح جميع شعر الرأس في الوضوء عند الشافعية المذهب أنه يكفي في الوضوء مسح ثلاث شعرات أو مسح جزء من الرأس، وهذا مخالف للأثر، والصحيح: أنه لا بد أن يستوعب مسح كل الرأس. ومن السنة مسح الأذنين، وهذه السنة دلت عليها الأدلة الكثيرة، فقد كان النبي ﷺ يمسح أذنيه، وقال: (الأذنان من الرأس) ومن السنة أن يأخذ ماء جديداً لهما، وفي الحديث الصحيح في السنن: (أن النبي ﷺ مسح ظاهر الأذنين وباطن الأذنين)، وكيفية المسح أن يدخل الإصبعين في صماخي الأذنين، وهي الفتحة التي توصل إلى داخل الأذن، ثم النبي ﷺ ما مسح أذنيه إلا مرة واحدة. فإن قيل: هل الأذن من الرأس أم من الوجه؟ ف الجواب قال الزهري: الأذن من الوجه، واستدل بحديث: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره) وأما الجماهير فقالوا: الأذن من الرأس؛ لقول النبي ﷺ : (الأذنان من الرأس)، وهذا الحديث ضعيف، وقد صححه الشيخ الألباني، وحتى لو قلنا بتصحيح هذا الحديث فإنه يحمل على الاستحباب، وليس للوجوب، كما أن التحلل من الإحرام يكون بحلق الشعر أو تقصيره، وليس بأخذ شيء من الأذن، ولا يقول بذلك أحد، فالصحيح أن معنى: (الأذنان من الرأس) يعني حكمهما حكم الرأس، فإذا كان حكم الرأس هو الغسل فحكم الأذن الغسل مثل الرأس، وإذا كان حكمه المسح فيمسحان كما يمسح الرأس، فالراجح الصحيح أن من السنن مسح الأذنين.

стр. 170

تخليل الأصابع في الوضوء من سنن الوضوء تخليل أصابع اليدين والرجلين، لحديث لقيط بن صبرة قال له النبي ﷺ (وخلل الأصابع)، وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، لكن يحمل على الاستحباب بدليل الآية والأحاديث الأخرى، فالراجح الصحيح أن تخليل الأصابع ليس بواجب بل هو من السنة، والأكمل أن يخللها ثلاثاً حتى يبالغ في الإسباغ، وأول مراتب التخليل أن يخلل الأصابع مرة واحدة. ويجب تخليل الأصابع في حالة واحدة وهي إذا كانت الأصابع ملتصقة وغلب على ظنه عدم وصول الماء للبشرة، فيجب عليه حينئذ أن يخلل الأصابع حتى يتأكد من وصول الماء، أو إذا كانت الأظافر طويلة وفيها وسخ يمنع وصول الماء فإن عليه التخليل حتى يصل الماء إلى العضو.

стр. 171

تقديم اليمنى على اليسرى من السنن تقديم اليمنى على اليسرى، والأدلة على أنها من السنة ديمومة فعل النبي ﷺ ، وقول النبي ﷺ : (إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم)، وهذا الحديث صححه النووي والحافظ والشيخ الألباني، وأيضاً حديث عائشة ﵂ وأرضاها: (أن النبي ﷺ كان يحب التيمن في شأنه كله). والأئمة الأربعة قالوا بالسنية، أما فقهاء المدينة السبعة فقد قالوا بوجوب الابتداء باليمين، بمعنى: أنه لو توضأ الرجل فغسل يده اليسرى ثم غسل اليد اليمنى، فوضوءه لا يصح. وقول الفقهاء السبعة بالوجوب قوي؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا توضأتم فابدءوا بالميامن)، وهذا أمر وظاهره الوجوب، وأيضاً ديمومة فعل النبي ﷺ ، وأيضاً حديث عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (كان النبي ﷺ يحب التيمن في شأنه كله في وضوئه وترجله وتنعله). لكن النووي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب بحديث صححه عن علي بن أبي طالب أنه توضأ أمام الناس فابتدأ باليسرى ولم يبتدئ باليمنى، ثم صلى ليظهر للناس أن هذا على الجواز، وهذا هو قول الأئمة الأربعة، والله أعلم.

стр. 172

عدم نفض الأعضاء من ماء الوضوء من السنن عدم نفض اليد من الماء ليبقى أثر العبادة على جسده، ففي المذهب يكره إزالة أثر العبادة، مثل الشهيد يدفن في ثيابه ودمه، وقالوا: من السنة عدم تنشيف الأعضاء، وهذه المسألة فيها أقوال ثلاثة، الأول: عدم جواز تنشيف الأعضاء، والثاني: جواز التنشيف، والثالث: وهو قول ابن عباس وهو القول الصحيح الراجح: جواز التنشيف أو تركه، أما حديث أن النبي ﷺ نفض يديه من الماء بعدما اغتسل وأتته ميمونة بالمنديل فرده، فله تأويلات واحتمالات، والصحيح الجواز. ويستحب بعد الفراغ من الوضوء أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله كما في حديث عمر بن الخطاب، وفي رواية الترمذي زيادة: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، وهذه الزيادة صححها بعض العلماء وضعفها كثير من العلماء، وفي حديث آخر مختلف في صحته أن يقول بعد الفراغ من الوضوء: (سبحانك اللهم وبحمدك, أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).

стр. 173

حكم الشك في مسح الرأس في الوضوء السؤال رجل توضأ وفعل جميع الواجبات والسنن، وبعد أن فرغ من الوضوء وجفت الأعضاء، شك هل مسح رأسه أم لا، فماذا عليه؟ الجواب القاعدة عند العلماء: أن كل شك جاء بعد العبادة فلا عبرة به، فهذا وضوءه صحيح، ولا يلتفت إلى هذه الوسوسة، والأصل: أن وضوءه كامل، والأصل بقاء ما كان على ما كان إلا بدليل ينقل عن الأصل، والمشكوك كالمعدوم حتى يتبين بالقرائن صدق هذا الشك.

стр. 174

شرح متن أبي شجاع - فصل الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة [١] امتدح الله الأنصار بأنهم كانوا يلحقون بالحجارة الماء في الاستنجاء، وهذا هو الذي يفضل في الاستنجاء وهو الدرجة الأعلى، ثم يأتي بعد ذلك الاقتصار على الماء، ثم الحجارة، وللاستنجاء آداب وتفاصيل تكلم عنها الفقهاء وفصلوا فيها، فحري بالمسلم أن يتفقه في دينه، فإنه من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.

стр. 175

حكم الترتيب بين أعضاء الوضوء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: نحن مع هذا العلم الشريف علم الفقه، وقد قال الشافعي: من أراد رجاحة العقل فعليه بالفقه، ومن أراد قوة الحجة فعليه بالحديث. وأقول: قد جمع الخير كله من جمع الله له الفقه والحديث؛ لذلك كان كثيراً ما يقول شيخ الإسلام: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفقه متنه، وفهم المتن هو ضبط الأمر، وقد ذكرنا الكلام على الوضوء واجباته أو أركانه ومستحباته ويبقى لنا شيء واحد وهو الترتيب بالنسبة للوضوء. والترتيب: أن تبدأ بما بدأ الله به، وتنتهي بما انتهى الله به. فتبدأ بالوجه وتنتهي بالرجل إلى الكعبين. والترتيب واجب من واجبات الوضوء، والوجوب بالنسبة للترتيب في الأركان، فتخرج بذلك السنن فليس الترتيب واجباً فيها. وهذا فيه رد على ما استدل به الشيخ الألباني على مسألة عدم وجوب الترتيب: على أنه تمضمض واستنشق بعد أن غسل رجليه، فنقول: إن المضمضة والاستنشاق الراجح أنها من السنن وليست من الواجبات، والترتيب ركن أو واجب في الواجبات.

стр. 176

حكم الوضوء مع وجود النجاسة قال المؤلف ﵀: فصل في الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة: الاستنجاء واجب من البول والغائط، والأفضل أن يستنجي بالأحجار ثم يتبعها بالماء، ويجوز أن يقتصر على الماء أو على ثلاثة أحجار ينقي بهن المحل، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل. ويجتنب استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء، ويجتنب البول والغائط في الماء الراكد وتحت الشجرة المثمرة وفي الطريق والظل والثقب، ولا يتكلم على البول والغائط، ولا يستقبل الشمس والقمر ولا يستدبرهما]. أتى المصنف بباب جديد، وهو باب الاستطابة أو الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة، وهذا أمر محير؛ لأنه كان الأولى بالترتيب أن يبدأ بالاستطابة أو الاستنجاء ثم يأتي بالوضوء، لكنه لما تكلم عن الاستنجاء بعد الوضوء كأنه يشير لنا إشارة مهمة جداً ألا وهي أن الاستنجاء أو الاستطابة ليست شرطاً في صحة الوضوء. يعني: يصح الوضوء مع وجود النجاسة على الجسد أو على العموم، وهذه إشارة من المصنف، وكأنه يقول: ولو توضأ قبل أن يستنجي بالأحجار أو بالماء صح وضوءه، لكن إذا أراد أن يصلي لا تصح الصلاة بحال النجاسة ولكن له أن يستنجي بعد الوضوء دون أن يمس الذكر ودون أن يمس الفرج حتى لا ينتقض الوضوء بعد ذلك. والصحيح أن في المذهب أخباراً ثلاثة في مسألة صحة الوضوء مع وجود النجاسة أي: قبل الاستنجاء: القول الأول: يصح الوضوء والتيمم مع وجود النجاسة، والقول الثاني في المذهب: لا يصح الوضوء ولا التيمم مع وجود النجاسة، ومن ثم فلازم هذا القول: أن الاستنجاء شرط في صحة الوضوء. الثالث: يصح الوضوء مع وجود النجاسة ولا يصح التيمم، أما وجهة نظر القول الثالث فهو: أن التيمم ليس برافع للحدث، أما الوضوء فهو رافع للحدث. وقالوا: التيمم مبيح، فإذاً لا يصح مع وجود النجاسة؛ ولذلك هم يقولون: صاحب الأعذار غير متوضئ، والله جل وعلا يسر عليه العبادة فقط بأن تستباح له الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. والصحيح الراجح من هذه الأقوال الثلاثة هو القول الأخير، فهذه أول إشارة من إشارات المصنف أنه أتى بهذا الباب بعد الوضوء، وكأنه يقول: يصح الوضوء وإن لم يستنج، لكن إذا أراد أن يصلي فلابد أن يستنجي على الراجح من كلام العلماء في مسألة حمل النجاسة في الصلاة. والاستنجاء، والاستطابة، والاستجمار، بمعنى واحد فهن مترادفات. فالاستطابة: طلب الطيب، وكأن الإنسان يطيب نفسه بإزالة النجس منه، وأيضاً الاستنجاء: طلب النجاة، وكأن الإنسان ينجي نفسه من هذه القاذورات، والاستجمار: نفس الأمر باستخدام الحجارة. لكن الاستطابة والاستنجاء تطلق على الماء والحجارة، وأما الاستجمار فهو خاص بالحجارة.

стр. 177

حكم الاستنجاء وسننظر في هذا الباب من أكثر من وجه، الوجه الأول: هل الاستطابة أو الاستنجاء واجب أم هو سنة كما قالت الأحناف؟ وثمرة الخلاف: أننا إذا قلنا بوجوب الاستنجاء فيأثم إن لم يستنج، وإذا قلنا: بأنه مستحب فنقول: لا يأثم، لكنه ترك الأولى بالنسبة للوجوب. وأما الأدلة على وجوب الاستنجاء -خلافاً للأحناف- ووجوب الاستطابة أولاً: حديث السنن بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال عاذراً المكلف: (وليستنج بثلاثة أحجار). فقال: (وليستنج)، وهذا فعل أمر، وظاهر الأمر الوجوب ما لم تأت صارفة تصرفه إلى الاستحباب، فيبقى الأمر على ذاته أنه على الوجوب، وأيضاً حديث سلمان في السنن وهذا سنستخدمه كثيراً: (ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار). فإذا نهى عن العدد فالأولى أن يكون الأمر بالاستنجاء وإنقاء المحل على الوجوب، فهذه الدلالات من الأثر ترجح لنا وجوب الاستنجاء، أما الأدلة السلبية: فانظر إلى حديث الصحيحين عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال النبي ﷺ بعد أن مر بقبرين قال: (يعذبان وما يعذبان بكبير)، يبين أنه كبير، بمعنى: بل هو كبير، (أما الأول فكان لا يستنزه من بوله)، في رواية: (لا يستتر)، والشاهد الذي نريده، قال: (كان لا يستنزه من البول)، أي: كان لا يستنجي، فسبب العذاب أنه لم يكن يستنج للبول، ولا يرد فيقال: لا، بل سبب ذلك: أن الصلاة لا تصح فعذب على مسألة الصلاة. نقول إذاً: الوسائل لها أحكام المقاصد وهذه وسيلة فلها حكم المقصد.

стр. 178

مراتب الاستنجاء الاستنجاء له مراتب ثلاثة: مرتبة أعلى، ومرتبة وسط، ومرتبة دنيا كما بين المصنف. أما المرتبة الأعلى: فهي استخدام الأحجار مع استخدام الماء، ويستأنس هذا من الأثر ومن النظر، فمن الأثر: أن الله جل في علاه عندما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، بأن سبب نزول هذه الآية في أهل قباء: أنهم كانوا يستعملون الحجارة أولاً لإنقاء المحل ثم يستخدمون الماء، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وهذه دلالة على استحباب هذه الدرجة وهي درجة الكمال، وهذا الحديث فيه ضعف، لكن نستأنس به. ومن النظر: أن الحجر ينقي المحل من العين، ويأتي الماء على الأثر فيزيل الأثر، وهذه قوة، فهو يزيل أولاً العين ويزيل بعد ذلك الأثر، فهذه مرتبة أعلى وقد فعلها من الصحابة كثير. وفي المذهب يقولون: إذا كانت المسألة أن القوي إنقاء المحل ثم إزالة الأثر بالماء، فيمكن للإنسان أن يستخدم حجراً واحداً لإنقاء المحل، فهل إذا استخدم حجراً واحداً صح أن نقول: إنه اعتلى هذه المرتبة أو استلزم هذه المرتبة الأعلى؟ وسبب وجهة النظر عند الشافعية في ذلك أنهم يرون أنه لا يجزئ إلا ثلاثة أحجار كما سنبين. لكن ضعف العلماء صحة هذه المسألة وقالوا: المقصود الأدنى: إزالة العين، فإذا زالت بحجر ثم أتبع ذلك بالماء فقد اعتلى هذه أو استلزم هذه المرتبة الأعلى دون الوسطية ودون الأدنى. وهذه المسألة هي درجة أو مرتبة الكمال، ثم مرتبة أخرى: مرتبة الماء، وهي المرتبة الوسطى؛ لأن الماء أقوى ما يكون في إزالة النجاسة، بل لا يستخدم في إزالة النجاسة في المذهب إلا الماء؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]. والنبي ﷺ من قوله ومن فعله قد استخدم الماء كثيراً كما دل على ذلك الحديث الصحيح عن أنس ﵁ وأرضاه قال: (كان النبي ﷺ يخرج لحاجته فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة فيها ماء، وهذا الماء يستنجي به النبي ﷺ . وأيضاً المغيرة بن شعبة وهو يصف النبي ﷺ عندما يقضي حاجته يقول: (فبعد حتى توارى عني) ثم آتاه بماء يستنجي به -بأبي هو وأمي- فأكثر ما استخدم النبي ﷺ الماء؛ ولذلك قالت عائشة: (لو أمرتن أزواجكن أن أن يستخدموا الماء فأكثر ما استخدم النبي ﷺ الماء في الإنقاء)، فهذه المرتبة الثانية. لكن البخاري والمحدثين: أن سعيد بن المسيب وهذا قول عبد الله بن الزبير وبعض الصحابة قالوا: لا يصح ولا يجزئ استخدام الماء إلا للنساء، والرجال لا يصلح أن يستخدموا الماء في الإنقاء؛ لأن الرائحة النتنة تبقى في اليد، والصحيح أن النبي ﷺ استخدم الماء، واستخدم الصحابة الماء، فالمرتبة الثانية استخدام الماء للإنقاء. المرتبة الأدنى هي: استخدام الحجارة لإنقاء المحل ويعفى عن الأثر، وهذه دلالتها كثيرة من السنة فعلاً وقولاً، أما فعلاً: فإن النبي ﷺ أمر ابن مسعود ﵁ وأرضاه فقال: (ائتني بثلاثة أحجار فأتى ابن مسعود بحجرين وروثة فألقى الروثة)، وهذا في الصحيحين. وفي السنن: (وأمره أن يأتي بالحجر الثالث)، فاستخدم النبي ﷺ الإنقاء أو الاستنجاء بالحجارة وهذا من فعل النبي ﷺ . أما من قول النبي ﷺ فحديث سلمان عندما جاء اليهودي يحسد أهل الإسلام على أن النبي ﷺ ما ترك لهم شيئاً إلا علمهم إياه قال: نعم حتى كيفية قضاء الحاجة أو كما قال في التصريح بالكلمة المشهورة في سنن أبي داود. فهذه دلالة واضحة على أن النبي ﷺ قولاً أمر باستخدام الحجارة وفعلاً بأن فعل ذلك، وهذه كما قلت: مرتبة دنيا.

стр. 179

أحكام أحجار الاستنجاء إذا قلنا بأن الطهارة والاستنجاء والاستطابة تصح بالأحجار فلابد أن ننظر في صفة هذا الحجر وما يصح منه، وما لا يصح استخدامه، ثم ننظر هل يتعدى الأمر إلى غيره أم لا؟ فإذا قلنا: المرتبة الدنيا أن يستخدم الرجل حجارة إن كان في سفر مثلاً ولم يجد ماءً فله أن يبعد المنزل كما سنبين في الآداب ويأخذ الحجارة ويستنجي بهذه الحجارة. وهل لهذه الحجارة التي يصح بها الاستنجاء مواصفات؟ وهل هناك عدد محدود لهذه الحجارة التي تستخدم؟ هذا الذي نبحثه الآن.

стр. 180

صفة حجر الاستنجاء أولاً: الحجارة المستخدمة لابد أن تزيل العين وإن أبقت الأثر. ثانياً: هذه الحجارة يشترط فيها: أن تكون ثلاثة أحجار، فلو أنقى المحل بحجر واحد ثم توضأ وصلى فصلاته باطلة، ولو استخدم حجراً ثم استخدم حجراً ثانياً وتوضأ وصلى فصلاته باطلة؛ لأن النجاسة لم تزل موجودة، ولابد أن يستخدم الحجر الثالث. فإذاً يشترط الاستنجاء بثلاثة أحجار، والدلالة على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه كما في السنن قال: (ونهانا أن نستطيب بأقل من ثلاثة أحجار)، وأيضاً في حديث سلمان ﵁ وأرضاه قال: (نهى النبي ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار). والنهي أصله التحريم، يعني: حرام أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، فلو استنجى بحجر أو حجرين لقلنا له: وقعت في الحرام؛ لأن النبي ﷺ نهى أن تستنجي إلا بثلاثة أحجار، وفي المقابل فإنه لا يجزئه أن يستنجي إلا بثلاثة أحجار، وهذا من القول، ومن الفعل: أن النبي ﷺ لما أخذ الحجرين ما استخدمهما، بل أمر ابن مسعود كما في السنن فقال له: (ائتني بحجر ثالث). وهذا دلالة واضحة جداً على: أن العدد يشترط في مسألة الاستنجاء ولا يصح الاستنجاء إلا بثلاثة أحجار، وفي المذهب نظروا نظراً دقيقاً وقالوا: هل العدد متعبد فيه، أم له حكمة؟ وفي الصحيح الراجح: أن له حكمة؛ لأن الثلاثة يغلب على الظن أو يتأكد منها إزالة العين. قالوا: إذاً العدد هو المطلوب للتأكد من إزالة العين، فلو كان حجراً واحداً له ثلاثة أطراف صح استخدامه بثلاث مسحات، فقالوا: العدد المفترض هنا المسحات وليست الأحجار. فلو أتى بحجر كبير وهذا الحجر له أطراف ثلاثة فمسح الأولى بالطرف الأول ومسح الثانية بالطرف الثاني ومسح الثالثة بالطرف الثالث وأنقى المحل أجزأه؛ لأن الشرط في ذلك ليس بثلاثة أحجار ولكن بثلاث مسحات، هذا أول ما يبحث في مسألة الحجارة. الأمر الثاني: الوتر في الأحجار، وهذا ليس بشرط لكنه مستحب، ولو أن رجلاً استخدم حجراً واحداً ثم استخدم الثاني ثم استخدم الثالث ولم ينق المحل ثم قام فتوضأ وصلى فصلاته باطلة. إذ لابد من إنقاء المحل، فإن أنق المحل وتوضأ وصلى فصلاته صحيحة، لكن نقول له: الأولى أن تستخدم الحجر الخامس، فمن السنة: الإيتار، واستدل على ذلك بعموم وخصوص، أما العموم: فحديث النبي ﷺ حيث قال: (إن الله وتر يحب الوتر). وفي سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج)، وهذا الحديث ظاهر جداً في سنية واستحباب الإيتار؛ لأن النبي ﷺ قال: (من فعل)، يعني: من استخدم ثلاثة أحجار: (من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج). ثالثاً: مسألة هل يتعدى الحكم لغيره أم لا؟ يعني هل الأمر مشترط بالأحجار، أم يمكن أن تقوم مقامه خرقة مثلاً أو أخشاب أو مناديل أو زجاج أو غير ذلك؟ فالعلماء نظروا فوجدوا أن الغالب في الاستخدام هي الأحجار، قالوا: ننظر في مواصفات الأحجار فإن وجدنا هذه المواصفات تتعدى لغير الأحجار استخدمناها؛ لأن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، بل يفرق بين المختلفين، فإذا قام مقام الحجر شيء يزيل العين أو ينقي المحل كما يفعل الحجر فإنه ينزل منزلة الحجر في الحكم، فنظر العلماء ودققوا النظر في الأحجار فوجدوا في الأحجار بعض الصفات، منها أولاً: أنها مزيلة للعين. الثاني: الثالث: أنها طاهرة. الرابع: أنها غير محترمة. الخامس: أنها لسيت بعظم. السادس: أنها غير متصلة بحيوان. فقولنا في صفة الحجر: مزيل للعين، يخرج من ذلك الذي لا يزيل العين: كالزجاج أو الحديد أو أي شيء أملس، فالصحيح أنه لا يستخدم الزجاج ولا الحديد لأنه ليس بصالح، وإن كان الخشب صالحاً نزل منزلة الحجر، وكثيراً ما تجد هذه في الصحراء أو في مكان وليس عندك ماء ولا ترى حجارة فالمناديل تقوم مقام الحجارة، وهذا من تيسير الشريعة الغراء؛ لأنها صالحة تزيل العين، فإذا أزالت العين قامت مقام الحجر. وقولنا: (جامد) احتراز من المائعات، فالجامد ضد المائع، فالمائع لا يستطيع أن يزيل النجاسات كالزيت؛ لأنه لا يزيل العين لكن يمكن أن يرد علينا إيراد قوي جداً وهو: أن الماء من المائعات ونحن نستخدمه، ف الجواب أن ما أمرنا به نستخدمه، فنحن ندور مع الشرع حيث دار، بل الماء له قوة في دفع النجاسات ليست لغيره في حال من الأحوال، بل من قوة الماء في دفع النجاسات أنه يدفع عن نفسه النجاسة بالتكاثر. ونحن قلنا: الماء القليل إن كان به نجاسة أو وقعت فيه نجاسة نجس، لكن بالتكاثر إذا وصل إلى قلتين قلنا: إذا لم يتغير طعم ولا لون ولا رائحة، وصل إلى الطهارة ودفع عن نفسه النجاسة؛ لقول النبي ﷺ : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث). وقولنا: (أن يكون طاهراً) فلا تستخدم المجلات، والدلالة على ذلك من الأثر والنظر، أما من الأثر فالنبي ﷺ عندما أمر ابن مسعود وقال: (ائتني بثلاثة أحجار فأتاه بحجر وآتاه بحجر آخر وآتاه بروثة فألقاها وقال: إنها رجس). فالعلة: في أنه لم يستخدمها النبي ﷺ أنه وصفها بأنها رجس، وأيضاً: ففي بعض الأحاديث أن النبي ﷺ تبرأ ممن يستخدم ذلك في إزالة النجاسة، فالصحيح في ذلك أن نقول: يشترط أن يكون طاهراً، فلا يمكن للمرء أن يستخدم الخمر في إزالة النجاسة. ولو أن رجلاً أراد أن يستنجي وبحث عن الماء فما وجد بعد أن قضى بوله ووجد خمراً فقال: أستخدمها فيما هو أنفع فأزيل النجاسة وأتوضأ بها. فنقول: لا يصح هذا من وجهين: لأنه من المائعات والمائعات لا تستخدم في طهارة المحل، والثاني: لأنه عند الجمهور من النجاسة، إذاً لابد من الطهارة لحديث النبي ﷺ : (إنها رجس). وقولنا: (غير محترم) يحترز به من المحترم، فالمحترم لا يجوز أن يستخدمه الإنسان، والمحترم: كأن يأتي بخرقة مكتوب فيها باللغة العربية، أو يكون مكتوباً فيها حديث أو آية. فلا يصح له أن يأخذ منديلاً مكتوب فيه باللغة العربية؛ لأن اللغة العربية محترمة، والعلماء في المذهب فسروا تفسيرات وتفريعات، منها: أنهم قالوا: إن كان كتب في الورقة فلسفة فليفعل ما شاء فليس فيها شيء؛ لأن الفلسفة غير محترمة، وقالوا: حتى إن كانت فلسفة أو منطقاً أو شيئاً من هذه الأمور فهذه غير محترمة فلا تدخل معه. وبحثوا بحثاً في مسألة التوراة والإنجيل وليس لنا أن ندخل في هذا الباب، والصحيح أن نقول: إنها غير محترمة حتى لو كتب فيها باللغة العربية، بشرط: ألا يكون اسم الله فيها ولا اسم الرسول ﷺ ولا آية من الآيات فيمكن أن تستخدم هذه المناديل وإن كتب فيها؛ لأنها غير محترمة وليست هذه من اللغة العربية. الخامس: أن يكون غير مطعوم يعني: غير مأكول، وإذا قلنا غير مطعوم فلا يجوز له أن يستخدم أي طعام خبزاً أو غير خبز أعوذ بالله من ذلك، فمن فعل ذلك فقد أهان نعمة الله جل في علاه، ولهذا أدلة كثيرة ومنها: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج:٣٠]. وأيضاً ورد في السنن عن ابن مسعود أن النبي ﷺ نهى عن الاستنجاء بالعظم وقال: لأنه طعام إخوانكم من الجن فمن باب أولى إن كان طعام المكلف فلا يستخدم مثل هذا. الشرط السادس: أن يكون غير متصل بحيوان، فمثلاً رجل قضى حاجته وأراد أن يستنجي فأخذ بذيل الحمار فاستنجى، بأن كان في محل فيه حمير أو بعير فأراد أن يستنجي فاستنجى بذيل الحمار نقول: قد أثمت بذلك ولا يصح لك؛ لأن الحجارة منفصلة، وعليه فلو توضأ فوضوءه باطل. فإن قال قائل: كيف يشترط الانفصال ويد الإنسان لازمة غير منفصلة عنه؟ قلنا له: أما بالنسبة لليد فلنا قاعدتان تقرر لنا استخدام اليد؛ لأنه لابد لنا من ذلك وما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب، وأيضاً مباشرة اليد للنجاسات ليست مخصوصة بذاتها بل هي تابعة والتابع تابع، أو قل: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل. وخلاصة القول أنه لا يقوم مقام الحجارة إلا من اتصف بهذه المواصفات: أن يكون جامداً، خالعاً، مزيلاً للنجاسة، طاهراً غير نجس، ولا يكون مائعاً وأن يكون الطاهر غير مطعوم وغير عظم وغير متصل بحيوان.
следующие страницы →