Полный текст (246 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أن يبدع هذا الكون ويدبره هذا التدبير المعجز! ذلك إجمال لدليل العقل.
أما أدلة النقل فنصوص فياضة ناطقة بأنه تعالى أحاط بكل شيء علما، وأنه لا تخفى عليه خافية: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [سورة الحديد آية: ٢٢].
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [سورة
الأنعام آية: ٥٩].
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ [سورة الرعد آية: ٨ - ١٠]، إلى غير ذلك من مئات الآيات والأحاديث.
ولكن على رغم وجود هذه البراهين الساطعة من عقلية ونقلية، ضل أقوام سفهوا أنفسهم فأغمضوا عيونهم عن النظر في كتاب الكون الناطق، وصموا آذانهم عن سماع كلام الله وكلام نبيه الصادق، وزعموا أن النسخ ضرب من البداء أو مستلزم للبداء! وهكذا اشتبهوا أو شبهوا على الناس الأمر، وقالوا: لولا ظهور مصلحة الله، ونشوء رأي جديد له، ما نسخ أحكامه، وبدل تعاليمه، ونسوا أو تناسوا أن الله تعالى حين نسخ بعض أحكامه ببعض، ما ظهر له أمر كان خافيا عليه، وما نشأ له رأي جديد كان يفقده من قبل، إنما كان سبحانه يعلم الناسخ والمنسوخ أزلا من قبل أن يشرعهما لعباده، بل من قبل أن يخلق الخلق، ويبرأ السماء والأرض، إلا أنه- جلت حكمته- علم أن الحكم الأول المنسوخ منوط بحكمة، أو مصلحة تنتهي في وقت معلوم، وعلم بجانب هذا أن الناسخ يجيء في هذا الميقات المعلوم منوطا بحكمة ومصلحة أخرى، ولا ريب أن الحكم والمصالح تختلف باختلاف الناس، وتتجدد بتجدد ظروفهم وأحوالهم. وأن الأحكام وحكمها، والعباد ومصالحهم، والنواسخ والمنسوخات، كانت كلها معلومة لله من قبل، ظاهرة لديه لم يخف شيء منها عليه، والجديد في النسخ إنما هو إظهاره تعالى ما علم لعباده، لا ظهور ذلك له، على حد التعبير المعروف: (شئون يبديها ولا يبتديها)، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [سورة مريم آية: ٦٤].
وخلاصة هذا التوجيه أن النسخ تبديل في المعلوم لا في العلم، وتغيير في المخلوق لا في الخالق، وكشف لنا وبيان عن بعض ما سبق به علم الله القديم المحيط بكل شيء، ولهذا ذهب كثير من علمائنا إلى تعريف النسخ بأنه: بيان انتهاء الحكم الشرعي الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي، ثم قالوا توجيها لهذا الاختيار: إن في هذا التعريف دفعا
стр. 107
ظاهرا للبداء، وتقريرا لكون النسخ تبديلا في حقنا، وبيانا محضا في حق صاحب الشرع.
الفرق بين النسخ والتخصيص
قد عرفنا النسخ بأنه: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي، وقد عرّفوا التخصيص بأنه: قصر العام على بعض أفراده، وبالنظر في هذين التعريفين نلاحظ أن هناك تشابها قويّا بين المعرفين، فالنسخ فيه ما يشبه تخصيص الحكم ببعض الأزمان، والتخصيص فيه ما يشبه رفع الحكم عن بعض الأفراد، ومن هذا التشابه وقع بعض العلماء في الاشتباه فمنهم من أنكر وقوع النسخ في الشريعة، زاعما أن كل ما نسميه نحن نسخا فهو تخصيص، ومنهم من أدخل صورا من التخصيص في باب النسخ، فزاد بسبب ذلك في عداد المنسوخات من غير موجب.
لهذا نقيم لك فروقا سبعة بين النسخ والتخصيص، تهديك في ظلمات هذا الاشتباه وتعصمك من أن تتورط فيما تورط فيه سواك:
أولها: أن العام بعد تخصيصه مجاز، لأن مدلوله وقتئذ بعض أفراده، مع أن لفظه موضوع للكل، والقرينة هي المخصص، وكل ما كان كذلك فهو مجاز، أما النص المنسوخ فما زال كما كان مستعملا فيما وضع له، غايته أن الناسخ دلّ على أن إرادة الله تعلقت أزلا باستمرار هذا الحكم إلى وقت معين، وإن كان النص المنسوخ متناولا جميع الأزمان، ويظهر ذلك جليّا فيما إذا قال الشارع مثلا: افعلوا كذا أبدا، ثم نسخه بعد زمن قصير، فإنه لا يعقل أن يكون مدلوله ذلك الزمن القصير دون غيره، بل هو مازال كما كان مستعملا في جميع الأزمان نصّا؛ بدليل قوله: «أبدا» غير أن العمل بهذا النص الشامل لجميع الأزمان لفظا قد أبطله الناسخ؛ لأن استمرار العمل بالنص مشروط بعدم ورود ناسخ ينسخه، أيّا كان ذلك النص وأيّا كان ناسخه.
فإن سأل سائل: ما حكمة تأبيد النص لفظا، بينما هو مؤقت في علم الله أزلا؟
أجبناه بأن حكمته ابتلاء الله لعباده: أيرضخون لحكمه مع تأبيده عليهم هذا التأبيد الظاهري أم لا؟ فإذا ماز الله الخبيث من الطيب، والمطمئن إلى حكمه من المتمرد عليه، جاء النسخ لحكمة أخرى من التخفيف ونحوه.
ثانيها: أن حكم ما خرج بالتخصيص لم يكن مرادا من العامّ أصلا، بخلاف ما خرج بالنسخ، فإنه كان مرادا من المنسوخ لفظا.
ثالثها: أن التخصيص لا يتأتى أن يأتي على الأمر لمأمور واحد، ولا على النهي لمنهي
стр. 108
واحد، أما النسخ فيمكن أن يعرض لهذا كما يعرض لغيره، ومن ذلك نسخ بعض الأحكام الخاصة به ﷺ .
رابعها: أن النسخ يبطل حجية المنسوخ إذا كان رافعا للحكم بالنسبة إلى جميع أفراد العام، ويبقى على شيء من حجيته إذا كان رافعا للحكم عن بعض أفراد العام دون بعض، أما التخصيص فلا يبطل حجية العام أبدا، بل العمل به قائم فيما بقي من أفراده بعد تخصيصه.
خامسها: أن النسخ لا يكون إلا بالكتاب والسنة بخلاف التخصيص فإنه يكون بهما وبغيرهما كدليل الحس والعقل مثل قول الله سبحانه: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [سورة المائدة آية: ٣٨]، فأنه قد خصصه قوله ﷺ : «لا قطع إلا في ربع دينار».
ومثل قوله سبحانه: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [سورة الأحقاف آية: ٢٥] فقد خصصه ما شهد به الحس من سلامة السماء والأرض وعدم تدمير الريح لهما.
ومثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [سورة البقرة آية: ١٠٩]، قد خصصه ما حكم به العقل من استحالة تعلق القدرة الإلهية بالواجب والمستحيل العقليين.
سادسها: أن النسخ لا يكون إلا بدليل متراخ عن المنسوخ، أما التخصيص فيكون بالسابق واللاحق والمقارن، وقال قوم: لا يكون التخصيص إلا بمقارن، فلو تأخر عن وقت
العمل بالعام كان هذا المخصص ناسخا للعام بالنسبة لما تعارضا فيه، كما إذا قال الشارع «اقتلوا المشركين» وبعد وقت العمل به قال: «ولا تقتلوا أهل الذمة»، ووجهة نظر هؤلاء أن المقصود بالمخصص بيان المراد من العام، فلو تأخر وقت العمل به لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذلك لا يجوز، فلم يبق إلا اعتباره ناسخا
سابعها: أن النسخ لا يقع في الأخبار بخلاف التخصيص فإنه يكون في الأخبار وفي غيرها.
النسخ بين مثبتيه ومنكريه
يذهب أهل الأديان مذاهب ثلاثة في النسخ:
أولها: أنه جائز عقلا وواقع سمعا، وعليه إجماع المسلمين من قبل أن يظهر أبو مسلم الأصفهاني ومن شايعه، وعليه أيضا إجماع النصارى، ولكن من قبل هذا العصر الذي خرقوا فيه إجماعهم، وركبوا فيه رؤوسهم، وهو كذلك رأي العيسوية، وهم طائفة من طوائف اليهود الثلاث.
ثانيها: أن النسخ ممتنع عقلا وسمعا وإليه جنح النصارى جميعا في هذا العصر، وتشيعوا له تشيعا ظهر في حملاتهم المتكررة على الإسلام، وفي طعنهم على هذا الدين القويم من
стр. 109
هذا الطريق طريق النسخ، وبهذه الفرية أيضا يقول الشمعونية، وهم طائفة ثانية من اليهود.
ثالثها: أن النسخ جائز عقلا ممتنع سمعا، وبه تقول العنانية وهي الطائفة الثالثة من طوائف اليهود، ويعزى هذا الرأي لأبي مسلم الأصفهاني من المسلمين، ولكن على اضطراب في النقل عنه وعلى تأويل يجعل خلافه لجمهرة المسلمين شبيها بالخلاف اللفظي إن لم يكنه.
الأدلة على النسخ
أولا: قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [سورة البقرة آية: ١٠٦].
ثانيا: قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [سورة الرعد آية: ٣٩].
وقد أسلفنا الكلام على هاتين الآيتين، ونزيدك أن دلالتهما على وقوع النسخ ظاهر فيهما، لأنهما نزلتا ردّا على طعن الطاعنين على الإسلام ونبي الإسلام بوقوع النسخ في الشريعة المطهرة.
ثالثا: قوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [سورة النحل آية: ١٠١].
ووجه الدلالة في هذه الآية أن التبديل يتألف من رفع لأصل وإثبات لبدل، وذلك هو النسخ؛ سواء أكان المرفوع تلاوة أو حكما.
رابعا: قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [سورة النساء آية: ١٦٠].
ووجه الدلالة فيها أنها تفيد تحريم ما أحلّ من قبل وما ذلك إلا نسخ، وكلمة أُحِلَّتْ لَهُمْ يفهم منها أن الحكم الأول كان حكما شرعيّا لا براءة أصلية.
خامسا: أن سلف الأمة أجمعوا على أنّ النسخ وقع في الشريعة الإسلامية كما وقع بها.
سادسا: أن في القرآن آيات كثيرة نسخت أحكامها.
وهذا دليل في طيه أدلة متعددة؛ لأن كل آية من هذه الآيات المنسوخة، تعتبر مع ناسخها دليلا كاملا على وقوع النسخ، إذ الوقوع يكفي في إثباته وجود فرد واحد.
وسنتحدث فيما بعد إن شاء الله عن هذه الآيات المنسوخة وما نسخها.
стр. 110
حكمة الله في النسخ
الآن وقد عرفنا النسخ، وفرقنا بينه وبين ما يلتبس به، وأيدناه بالأدلة، ويجدر بنا أن نبين حكمة الله تعالى فيه، لأن معرفة الحكمة تريح النفس وتزيل اللبس، وتعصم من الوسوسة والدسّ، خصوصا في مثل موضوعنا الذي كثر منكروه وتصيدوا لإنكاره الشبهات من هنا وهناك.
ولأجل تفصيل القول في الحكمة نذكر أن النسخ وقع بالشريعة الإسلامية ووقع فيها.
على معنى أن الله نسخ بالإسلام كل دين سبقه، ونسخ بعض أحكام هذا الدين ببعض.
أما حكمته سبحانه في أنه نسخ به الأديان كلها، فترجع إلى أن تشريعه أكمل تشريع يفي بحاجات الإنسانية في مرحلتها التي انتهت إليها، وبعد أن بلغت أشدها واستوت، ذلك أن النوع الإنساني تقلّب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دورا غيره.
حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه، وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه، جاء هذا الدين الحنيف، ختاما للأديان، ومتمما للشرائع، وجامعا لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية، ومرونة القواعد جمعا وفق بين مطالب الروح والجسد، وآخى بين العلم والدين، ونظم علاقة الإنسان بالله وبالعالم كله من أفراد وأسر وجماعات، وأمم وشعوب وحيوان ونبات وجماد، مما جعله بحق دينا عامّا خالدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!.
وأما حكمة الله في أنه نسخ بعض أحكام الإسلام ببعض فترجع إلى سياسة الأمة وتعهّدها بما يرقيها ويمحصها، وبيان ذلك أن الأمة الإسلامية في بدايتها حين صدعها الرسول ﷺ بدعوته، كانت تعاني فترة انتقال شاقّ، بل كان أشق ما يكون عليها في ترك عقائدها وموروثاتها وعاداتها خصوصا مع ما هو معروف عن العرب الذين شوفهوا بالإسلام، من التحمس لما يعتقدون أنه من مفاخرهم وأمجادهم.
من هنا جاءت الشريعة إلى الناس تمشي على مهل متألفة لهم، متلطفة في دعوتهم، متدرجة بهم إلى الكمال رويدا رويدا، صاعدة بهم في مدارج الرقي شيئا فشيئا، متمشية مع
الإلف والمران والأحداث الجادة عليهم، لتسير بهم من الأسهل إلى السهل، ومن السهل إلى الصعب، ومن الصعب إلى الأصعب حسب أصول التربية، حتى تم الأمر ونجح الإسلام نجاحا لم يعرف مثله في سرعته وامتزاج النفوس به، ونهضة البشرية بسببه!
تلك الحكمة على هذا الوجه تتجلى فيما إذا كان الحكم الناسخ أصعب من
стр. 111
المنسوخ، كموقف الإسلام في سموه ونبله من مشكلة الخمر في عرب الجاهلية، وقد كانت مشكلة معقدة كل التعقيد، يحتسونها بصورة تكاد تكون إجماعية، ويأتونها لا على أنها عادة مجردة، بل على أنها أمارة القوة، ومظهر الفتوّة، وعنوان الشهامة! فقل لي بربك: هل كان معقولا أن ينجح الإسلام في فطامهم عنها لو لم يتألفهم ويتلطف بهم إلى درجة أن يمتن عليهم بها أول الأمر، كأنه يشاركهم في شعورهم.
وإلى حد أنه أبى أن يحرمها عليهم في وقت استعدت فيه بعض الأفكار لتسمع كلمة تحريمه حين سألوه ﷺ : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [سورة البقرة آية: ٢١٩].
أما الحكمة في نسخ الحكم الأصعب بما هو أسهل منه، فهي التخفيف على الناس ترفيها عنهم وإظهارا لفضل الله عليهم ورحمته بهم، وفي ذلك إغراء لهم على المبالغة في شكره وتمجيده، وتحبيب لهم فيه وفي دينه.
وأما الحكمة في نسخ الحكم بمساويه في صعوبته أو سهولته، فالابتلاء والاختبار ليظهر المؤمن فيفوز، والمنافق فيهلك لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.
يبقى الكلام في حكمة بقاء التلاوة مع نسخ الحكم، وفي حكمة نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.
أما حكمة بقاء التلاوة مع نسخ الحكم؛ فهي تسجيل تلك الظاهرة الحكيمة، ظاهرة سياسة الإسلام للناس، حتى يشهدوا أنه هو الدين الحق، وأن نبيه نبي الصدق، وأن الله هو العليم الحكيم، الرحمن الرحيم، يضاف إلى ذلك ما يكتسبونه من الثواب على هذه التلاوة، ومن الاستمتاع بما حوته تلك الآيات المنسوخة من بلاغة، ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية بها.
وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، فحكمته تظهر في كل آية بما يناسبها، وأنه لتبدو لنا حكمة رائعة في مثال مشهور من هذا النوع.
ذلك أنه صح في الرواية عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب أنهما قالا: كان فيما أنزل من القرآن: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» أي كان هذا النص آية تتلى، ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها معمولا به إلى اليوم، والسر في ذلك أنها كانت تتلى أولا لتقرير حكمها، ردعا لمن تحدثه نفسه أن يتلطخ بهذا العار الفاحش من شيوخ وشيخات حتى إذا ما تقرر هذا الحكم في النفوس نسخ الله تلاوته لحكمة أخرى، هي الإشارة إلى شناعة هذه الفاحشة وبشاعة صدورها من شيخ وشيخة، حيث سلكها مسلك ما لا يليق أن يذكر فضلا عن أن يفعل، وسار بها في طريق يشبه طريق المستحيل الذي لا يقع، كأنه قال:
стр. 112
نزّهوا الأسماع عن سماعها، والألسنة عن ذكرها فضلا عن الفرار منها، ومن التلوث برجسها. كتب الله لنا الحفظ والعصمة إنه ولي كل نعمة وتوفيق.
شبه أبي مسلم في إنكار النسخ والرد عليها
النقل عن أبي مسلم مضطرب، فمن قائل: إنه يمنع وقوع النسخ على الإطلاق، ومن قائل: إنه ينكر وقوعه في شريعة واحدة، ومن قائل: إنه يمكن وقوعه في القرآن خاصة، ورجّحت هذه الرواية الأخيرة بأنها أصح الروايات، وبأن التأويلات المنقولة عنه لم تخرج عن حدود ما نسخ من القرآن، وأبعد الروايات عن الرجل هي الرواية الأولى؛ لأنه لا يعقل أن مسلما فضلا عن عالم كأبي مسلم ينكر وقوع النسخ جملة، اللهمّ إلا إذا كانت المسألة ترجع إلى التسمية فقط؛ فإنها تهون حينئذ، على معنى أن ما نسميه نحن نسخا، يسميه هو تخصيصا بالزمان مثلا، وإلى ذلك ذهب بعض المحققين.
قال التاج السبكي: إن أبا مسلم لا ينكر وقوع المعنى الذي نسميه نحن نسخا، ولكنه يتحاشى أن يسميه باسمه، ويسميه تخصيصا .. اه.
احتج أبو مسلم بقوله: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [سورة فصلت آية: ٤٢]. وشبهته في الاستدلال: أن هذه الآية تفيد أن أحكام القرآن لا تبطل أبدا. والنسخ فيه إبطال لحكم سابق.
وندفع مذهب أبي مسلم وشبهته بأمور أربعة:
أولها: أنه لو كان معنى الباطل في الآية هو متروك العمل به مع بقاء قرآنيته، لكان دليله قاصرا عن مدّعاه؛ لأن الآية لا تفيد حينئذ إلا امتناع نوع خاص من النسخ وهو نسخ الحكم دون التلاوة؛ فإنه وحده هو الذي يترتب عليه وجود متروك العمل في القرآن، أما نسخ التلاوة مع الحكم أو مع بقائه فلا تدل الآية على امتناعه بهذا التأويل.
ثانيها: أن معنى الباطل في الآية ما خالف الحق، والنسخ حق، ومعنى الآية: أن عقائد القرآن موافقة للعقل، وأحكامه مسايرة للحكمة، وأخباره مطابقة للواقع، وألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل، ولا يمكن أن يتطرق إلى ساحته الخطأ بأي حال:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [سورة الحجر آية: ٩]، وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [سورة الإسراء آية: ١٠٥].
ولعلك تدرك معي أن تفسير الآية بهذا المعنى يجعلها أقرب إلى إثبات النسخ ووقوعه منها إلى نفيه وامتناعه؛ لأن النسخ- كما قررنا- تصرف إلهي حكيم تقتضيه الحكمة
стр. 113
وترتبط به المصلحة.
ثالثها: أن أبا مسلم على فرض أن خلافه مع الجمهور لفظي، لا يعدو حدود التسمية؛ فإنه يؤخذ عليه أنه أساء الأدب مع الله في تحمسه لرأي قائم على تحاشي لفظ اختاره- جلت حكمته- ودافع عن معناه بمثل قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها [سورة البقرة آية: ١٠٦]، وهل بعد اختيار الله اختيار؟ وهل بعد تعبير القرآن تعبير؟
سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [سورة البقرة آية: ٣٢].
رابعها: أن هناك فروقا بين النسخ والتخصيص، وقد فصلناها فيما سبق.
طرق معرفة النسخ
لا بد في تحقق النسخ- كما علمت- من ورود دليلين عن الشارع، وهما متعارضان تعارضا حقيقيّا، لا سبيل إلى تلافيه بإمكان الجمع بينهما على أي وجه من وجوه التأويل.
وحينئذ فلا مناص من أن نعتبر أحدهما ناسخا والآخر منسوخا، دفعا للتناقض في كلام الشارع الحكيم، ولكن أي الدليلين يتعين أن يكون ناسخا، وأيهما يتعين أن يكون منسوخا؟ هذا ما لا يجوز الحكم فيه بالهوى والشهوة، بل لا بد من دليل صحيح يقوم على أن أحدهما متأخر عن الآخر، فيكون السابق هو المنسوخ، واللاحق هو الناسخ.
ولنا إلى هذا الدليل مسالك ثلاثة:
أولها: أن يكون في أحد النصين ما يدل على تعين المتأخر منهما نحو قوله تعالى:
أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [سورة المجادلة آية: ١٣].
ونحو قوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [سورة الأنفال آية: ٦٦].
ونحو قوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا».
ثانيها: أن ينعقد إجماع من الأمة في أي عصر من عصورها على تعيين المتقدم من النصين والمتأخر منهما.
ثالثها: أن يرد من طريق صحيحة عن أحد من الصحابة ما يفيد تعيين أحد النصين المتعارضين للسبق على الآخر أو التراخي عنه، كأن يقول: نزلت هذه الآية بعد تلك الآية، أو نزلت هذه الآية قبل تلك الآية، أو يقول: نزلت هذه عام كذا، وكان معروفا سبق نزول الآية التي تعارضها، أو كان معروفا تأخرها عنها.
стр. 114
أما قول الصحابي: هذا ناسخ وذاك منسوخ، فلا ينهض دليلا على النسخ، لجواز أن يكون الصحابي صادرا في ذلك عن اجتهاد أخطأ فيه فلم يصب فيه عين السابق ولا عين اللاحق خلافا لابن الحصّار، وكذلك لا يعتمد في معرفة الناسخ والمنسوخ على المسالك الآتية:
١ - اجتهاد المجتهد من غير سند؛ لأن اجتهاده ليس بحجة.
٢ - قول المفسر: هذا ناسخ أو منسوخ من غير دليل؛ لأن كلامه ليس بدليل.
٣ - ثبوت أحد النصين قبل الآخر في المصحف؛ لأن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول.
٤ - أن يكون أحد الروايين من أحداث الصحابة دون الراوي للنص الآخر، فلا يحكم بتأخر حديث الصغير عن حديث الكبير؛ لجواز أن يكون الصغير قد روى المنسوخ عمن تقدمت صحبته، ولجواز أن يسمع الكبير الناسخ من الرسول ﷺ بعد أن يسمع الصغير منه المنسوخ، إما إحالة على زمن مضى، وإمّا لتأخر تشريع الناسخ والمنسوخ كليهما.
٥ - أن يكون أحد الراويين أسلم قبل الآخر، فلا يحكم بأن ما رواه سابق الإسلام منسوخ وما رواه المتأخر عنه ناسخ، لجواز أن يكون الواقع عكس ذلك.
٦ - أن يكون أحد الراويين قد انقطعت صحبته لجواز أن يكون حديث من بقيت صحبته سابقا حديث من انقطعت صحبته.
٧ - أن يكون أحد النصين موافقا للبراءة الأصلية دون الآخر، فربما يتوهم أن الموافق لها هو السابق، والمتأخر عنها هو اللاحق، مع أن ذلك غير لازم؛ لأنه لا مانع من تقدم ما خالف البراءة الأصلية على ما وافقها، مثال ذلك: قوله ﷺ : «لا وضوء مما مست النار» فإنه لا يلزم أن يكون سابقا على الخبر الوارد بإيجاب الوضوء مما مست النار، ولا يخلو وقوع هذا من حكمة عظيمة هي تخفيف الله عن عباده بعد أن ابتلاهم بالتشديد.
قانون التعارض:
وعلى ذكر التعارض في هذا الباب، نبين لك أن النصين المتعارضين إما أن يتفقا في أنهما قطعيان أو ظنيان، وإما أن يختلفا فيكون أحدهما قطعيّا والآخر ظنيّا.
أما المختلفان فلا نسخ بينهما، لأن القطعي أقوى من الظني، فيؤخذ به، وما كان اليقين ليترك بالظن. وأما المتفقان: فإن علم تأخر أحدهما بطريق من تلك الطرق الثلاث المعتمدة؛ فهو الناسخ والآخر المنسوخ، وإن لم يدل عليه واحد منهما؛ وجب التوقف. وقيل: يتخير الناظر بين العمل بهما.
стр. 115
هذا كله إذا لم يمكن الجمع بين النصين بوجه من وجوه التخصيص والتأويل، وإلا وجب الجمع؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إعمال دليل وإهدار آخر، ولأن الأصل في الأحكام بقاؤها وعدم نسخها، فلا ينبغي أن يترك استصحاب هذا الأصل إلّا بدليل بيّن.
ما يتناوله النسخ
إن تعريف النسخ بأنه: رفع حكم شرعي بدليل شرعي، يفيد في وضوح أن النسخ لا يكون إلا في الأحكام، وذلك موضع اتفاق بين القائلين بالنسخ، لكن في خصوص ما كان من فروع العبادات والمعاملات، أما غير هذه الفروع من العقائد وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات ومدلولات الأخبار المحضة، فلا نسخ فيها على الرأي السديد الذي عليه جمهور العلماء.
أما العقائد: فلأنها حقائق صحيحة ثابتة لا تقبل التغيير والتبديل، فبدهيّ ألا يتعلق بها نسخ.
وأما أمهات الأخلاق: فلأن حكمة الله في شرعها ومصلحة الناس في التخلق بها أمر ظاهر لا يتأثر بمرور الزمن، ولا يختلف باختلاف الأشخاص والأمم حتى يتناولها النسخ بالتبديل والتغيير.
وأما أصول العبادات والمعاملات: فلوضوح حاجة الخلق إليهما باستمرار، لتزكية النفوس وتطهيرها، ولتنظيم علاقة المخلوق بالخالق والخلق على أساسهما، فلا يظهر وجه من وجوه الحكمة في رفعها بالنسخ.
وأما مدلولات الأخبار المحضة: فلأن نسخها يؤدي إلى كذب الشارع في أحد خبريه الناسخ أو المنسوخ. وهو محال عقلا ونقلا.
أما عقلا: فلأن الكذب نقص، والنقص عليه تعالى محال.
وأما نقلا: فلمثل قوله سبحانه: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [سورة النساء آية: ١٢٢]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [سورة النساء آية: ٨٧].
نعم إن نسخ لفظ الخبر دون مدلوله جائز بإجماع من قالوا بالنسخ ولذلك صورتان:
إحداهما: أن تنزل الآية مخبرة عن شيء ثم تنسخ تلاوتها فقط.
والأخرى: أن يأمرنا الشارع بالتحدث عن شيء ثم ينهانا أن نتحدث به.
وأما الخبر الذي ليس محضا: بأن كان في معنى الإنشاء، ودلّ على أمر أو نهي متصلين بأحكام فرعية عملية، فلا نزاع في جواز نسخه والنسخ به، لأن العبرة بالمعنى لا باللفظ.
стр. 116
مثال الخبر بمعنى الأمر: قوله تعالى: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً [سورة يوسف آية: ٤٧]، فإن معناه ازرعوا.
ومثال الخبر بمعنى النهي: قوله سبحانه: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [سورة النور آية: ٣]، فإن معناه لا تنكحوا مشركة ولا زانية (بفتح التاء) ولا تنكحوها (بضم التاء) لكن على بعض وجوه الاحتمالات دون بعض.
والفرق بين أصول العبادات والمعاملات وبين فروعها، أن فروعها هي ما تعلق بالهيئات والأشكال والأمكنة والأزمنة والعدد، أو هي كمياتها وكيفياتها. وأما أصولها: فهي ذوات العبادات والمعاملات بقطع النظر عن الكم والكيف.
واعلم أن ما قررناه هنا من قصر النسخ على ما كان من قبيل الأحكام الفرعية العملية دون سواها، هو الرأي السائد الذي ترتاح إليه النفس ويؤيده الدليل، وقد نازع في ذلك قوم لا وجه لهم، فلنضرب عن كلامهم صفحا:
وليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلا خلاف له حظّ من النّظر
ويتصل بما ذكرنا: أن الأديان الإلهية لا تناسخ بينها فيما بيّناه من الأمور التي لا يتناولها النسخ، بل هي متحدة في العقائد وأمهات الأخلاق، وأصول العبادات والمعاملات، وفي صدق الأخبار المحضة فيها صدقا لا يقبل النسخ والنقد. وإن شئت أدلة فهاك ما يأتي من القرآن:
١ - شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [سورة الشورى آية: ١٣].
٢ - وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [سورة الأنبياء آية: ٢٥].
٣ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [سورة البقرة آية: ١٨٣].
٤ - وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [سورة الحج آية: ٢٧].
٥ - وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [سورة المائدة آية: ٢٧].
٦ - وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ
стр. 117
وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [سورة المائدة آية: ٤٥].
٧ - كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ [سورة آل عمران آية: ٩٣].
٨ - إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ [سورة القصص آية: ٢٧].
٩ - فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [سورة النساء آية: ١٦٠].
١٠ - وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان آية: ١٣] إلخ ما جاء في قصة لقمان.
أنواع النسخ في القرآن
النسخ الواقع في القرآن يتنوع إلى أنواع ثلاثة: نسخ التلاوة والحكم معا، ونسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ التلاوة دون الحكم.
١ - أما نسخ الحكم والتلاوة جميعا:
فقد أجمع عليه القائلون بالنسخ من المسلمين، ويدل على وقوعه سمعا: ما ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات. وتوفّي رسول الله ﷺ وهو فيما يقرأ من القرآن. وهو حديث صحيح. وإذا كان موقوفا على عائشة ﵂ فإن له الحكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي. بل لا بد فيه من توقيف. وأنت خبير بأن جملة: «عشر رضعات معلومات يحرمن» ليس لها وجود حتى تتلى، وليس العمل بما تفيده من الحكم باقيا وإذا يثبت وقوع نسخ الحكم والتلاوة جميعا، وإذا ثبت وقوعه ثبت جوازه؛ لأن الوقوع أول دليل على الجواز، وبطل مذهب المانعين لجوازه شرعا كأبي مسلم وأضرابه.
٢ - وأما نسخ الحكم دون التلاوة:
فيدل على وقوعه آيات كثيرة، منها: آية تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول ﷺ وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [سورة المجادلة آية: ١٢].
منسوخة بقوله سبحانه: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [سورة المجادلة آية: ١٣]. على معنى أن حكم الآية الأولى منسوخ بحكم الآية الثانية، مع أن تلاوة كلتيهما باقية.
стр. 118
ومنها: أن قوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [سورة البقرة آية: ١٨٤]، منسوخ بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [سورة البقرة آية: ١٨٥] على معنى أن حكم تلك منسوخ بحكم هذه، مع بقاء التلاوة في كلتيهما كما ترى.
٣ - وأما نسخ التلاوة دون الحكم:
فيدل على وقوعه ما صحت روايته عن عمر بن الخطاب وأبيّ بن كعب أنهما قالا: كان فيما أنزل من القرآن: الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما البتة .. اه.
وأنت تعلم أن هذه الآية لم يعد لها وجود بين دفتي المصحف ولا على ألسنة القراء، مع أن حكمها باق على إحكامه لم ينسخ.
ويدل على وقوعه- أيضا-: ما صح عن أبيّ بن كعب أنه قال: (كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة أو أكثر) مع أن هذا القدر الكبير الذي نسخت تلاوته لا يخلو في الغالب من أحكام اعتقادية لا تقبل النسخ.
ويدل على وقوعه- أيضا-: الآية الناسخة في الرضاع، وقد سبق ذكرها في النوع الأول.
ويدل على وقوعه- أيضا-: ما صح عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرأون سورة على عهد رسول الله ﷺ في طول سورة براءة، وأنها نسيت إلا آية منها، وهي:
(لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من تاب).
وإذا ثبت وقوع هذين النوعين كما ترى، ثبت جوازهما؛ لأن الوقوع أعظم دليل على الجواز كما هو مقرر، وإذا بطل ما ذهب إليه المانعون له من ناحية الشرع، كأبي مسلم، ومن لف لفه. ويبطل كذلك ما ذهب إليه المانعون له من ناحية العقل، وهم فريق من المعتزلة. شذّ عن الجماعة فزعم أن هذين النوعين الأخيرين مستحيلان عقلا.
ويمكنك أن تفحم هؤلاء الشذاذ من المعتزلة بدليل على الجواز العقلي الصرف لهذين النوعين فتقول: إن ما يتعلق بالنصوص القرآنية من التعلق بلفظها، وجواز الصلاة بها، وحرمتها على الجنب في قراءتها ومسها، شبيه- كل الشبه- بما يتعلق بها من دلالتها على الوجوب والحرمة ونحوهما، في أن كلّا من هذه المذكورات حكم شرعي يتعلق بالنص الكريم وقد تقتضي المصلحة نسخ الجميع، وقد تقتضي نسخ بعض هذه المذكورات دون بعض، وإذا يجوز أن تنسخ الآية تلاوة وحكما، ويجوز أن تنسخ تلاوة لا حكما، ويجوز أن تنسخ حكما لا تلاوة، وإذا ثبت هذا بطل ما ذهب إليه أولئك الشذاذ من الاستحالة العقلية للنوعين الأخيرين.
стр. 119
النسخ ببدل وبغير بدل
الحكم الشرعي الذي ينسخه الله، إما أن يحلّ- سبحانه- محله حكما آخر أو لا.
فإذا أحل محله حكما آخر فذلك هو النسخ ببدل، وإذا لم يحل محله حكما آخر؛ فذلك هو النسخ بغير بدل، وكلاهما جائز عقلا وواقع سمعا على رأي الجمهور.
مثال النسخ ببدل: أن الله تعالى نهى المسلمين أول الأمر عن قتال الكفار، ورغبهم في العفو والصفح؛ بمثل قوله سبحانه: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [سورة البقرة آية: ١٠٩].
ثم نسخ الله هذا النهي وأذن لهم بالجهاد فقال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [سورة الحج آية: ٣٩ - ٤١].
ثم شدد الله وعزم عليهم في النفير للقتال، وتوعدهم إن لم ينفروا فقال: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [سورة التوبة آية: ٣٩، ٤٠].
ومثال النسخ بلا بدل أن الله تعالى أمر بتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول:
فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [سورة المجادلة آية: ١٢]، ثم رفع هذا التكليف عن الناس من غير أن يكلفهم بشيء مكانه، بل تركهم في حلّ من ترك الحكم الأول دون أن يوجه إليهم حكما آخر. فقال: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [سورة المجادلة آية: ١٣].
стр. 120
شبهة ودفعها
ذلك مذهب الجمهور من العلماء، لكن بعض المعتزلة والظاهرية يقولون: إن النسخ بغير بدل لا يجوز شرعا. وشبهتهم في هذا أن الله تعالى يقول: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [سورة البقرة آية: ١٠٦].
ووجه اشتباههم: أن الآية تفيد أنه لا بد أن يؤتى مكان الحكم المنسوخ بحكم آخر هو خير منه أو مثله، ولكنها شبهة مدفوعة بما ذكرنا من النصين السابقين في تقديم الصدقة بين يدي الرسول ﷺ . واحتجاجهم بآية: ما نَنْسَخْ على الوجه الذي ذكروه احتجاج باطل؛ لأن الله تعالى إذا نسخ حكم الآية بغير بدل، فهمنا بمقتضى حكمته ورعايته لمصلحة عباده أن عدم الحكم صار خيرا من ذلك الحكم المنسوخ في نفعه للناس، وصحّ حينئذ: إن الله نسخ حكم الآية السابقة، وأتى بخير منها في الدلالة على عدم الحكم الذي بات في وقت النسخ أنفع للناس وخيرا لهم من الحكم المنسوخ. ومعنى آية ما نَنْسَخْ لا يأبى هذا التأويل، بل يتناوله كما يتناول سواه، والنسخ فيها أعم من نسخ التلاوة والحكم مجتمعين ومنفردين ببدل وبغير بدل، والخيرية والمثلية فيهما أعم من الخيرية والمثلية في الثواب والنفع.
نسخ الحكم ببدل أخف أو مساو أو أثقل
النسخ إلى بدل يتنوع ثلاثة أنواع:
أولها: النسخ إلى بدل أخف على نفس المكلف من الحكم السابق؛ كنسخ تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم في ليل رمضان بإباصة ذلك؛ إذ قال سبحانه:
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [سورة البقرة آية: ١٨٧].
ثانيها: النسخ إلى بدل مساو للحكم الأول في خفته أو ثقله على نفس المكلف؛ كنسخ وجوب استقبال بيت المقدس بوجوب استقبال الكعبة في قوله سبحانه: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [سورة البقرة آية: ١٤٤].
стр. 121
وهذان النوعان لا خلاف في جوازهما عقلا ووقوعهما سمعا عند القائلين بالنسخ كافة.
ثالثها: النسخ إلى بدل أثقل من الحكم المنسوخ، وفي هذا النوع يدب الخلاف:
فجمهور العلماء يذهبون إلى جوازه عقلا وسمعا كالنوعين السابقين ويستدلون على هذا بأمثلة كثيرة تثبت الوقوع السمعي، وهو أدل دليل على الجواز العقلي كما علمت.
من تلك الأمثلة: أن الله تعالى نسخ إباحة الخمر بتحريمها، ومنها: أنه تعالى نسخ ما فرض من مسالمة الكفار المحاربين بما فرض من قتالهم: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [سورة البقرة آية: ٢١٦].
ومنها: أن حد الزنا كان في فجر الإسلام لا يعدو التعنيف والحبس في البيوت، ثم نسخ ذلك بالجلد والنفي في حق البكر، وبالرجم في حق الثيب.
ومنها: أن الله تعالى فرض على المسلمين أولا صوم يوم عاشوراء، ثم نسخه بفرض شهر رمضان كله مع تخيير الصحيح المقيم بين صيامه والفدية، ثم نسخ سبحانه هذا التخيير بتعيين الصوم على هذا الصحيح المقيم إلزاما.
النسخ في دورانه بين الكتاب والسنة
النسخ في الشريعة الإسلامية قد يرد به القرآن، وقد ترد به السنة، والمنسوخ كذلك قد يرد به القرآن وقد ترد به السنة. فالأقسام أربعة:
القسم الأول: نسخ القرآن بالقرآن:
وقد أجمع القائلون بالنسخ من المسلمين على جوازه، ووقوعه.
أما جوازه: فلأن آيات القرآن متساوية في العلم بها وفي وجوب العمل بمقتضاها.
وأما وقوعه: فلما ذكرنا وما سنذكر من الآيات الناسخة والمنسوخة. وهذا القسم يتنوع إلى أنواع ثلاثة: نسخ التلاوة والحكم معا، ونسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ التلاوة دون الحكم، وقد أشبعنا الكلام عليها فيما سبق.
القسم الثاني: نسخ القرآن بالسنة:
وقد اختلف العلماء في هذا القسم بين مجوّز ومانع، ثم اختلف المجوزون بين قائل بالوقوع وقائل بعدمه، وإذا يجري البحث في مقامين اثنين: مقام الجواز، ومقام الوقوع.
стр. 122
١ - مقام الجواز:
القائلون بالجواز هم: مالك، وأصحاب أبي حنيفة، وجمهور المتكلمين من الأشاعرة، والمعتزلة. وحجتهم أن نسخ القرآن بالسنة ليس مستحيلا لذاته ولا لغيره. أما الأول فظاهر، وأما الثاني: فلأن السنة وحي من الله كما أن القرآن كذلك، لقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [سورة النجم آية: ٣، ٤]، ولا فارق بينهما إلا ألفاظ القرآن من ترتيب الله وإنشائه، وألفاظ السنة من ترتيب الرسول وإنشائه. والقرآن له خصائصه، وللسنة خصائصها، وهذه الفوارق لا أثر لها فيما نحن بسبيله، مادام الله هو الذي ينسخ وحيه بوحيه، وحيث لا أثر لها، فنسخ أحد هذين الوحيين بالآخر، لا مانع يمنعه عقلا، كما أنه لا مانع يمنعه شرعا- أيضا، فتعين جوازه عقلا وشرعا.
هذه حجة المجيزين. أما المانعون- وهم: الشافعي، وأحمد في إحدى روايتين عنه، وأكثر أهل الظاهر؛ فيستدلون على المنع بأدلة قد ذكرها صاحب المناهل ورد عليها، ولم نذكرها ها هنا خوفا من الإطالة فيما لا أهمية كبيرة لذكرها.
شبهتان ودفعهما
١ - لقائل أن يقول: إن من السنة ما يكون ثمرة لاجتهاده ﷺ ، وهذا ليس وحيا أوحي إليه به، بدليل العتاب الذي وجهه القرآن إلى الرسول ﷺ في لطف تارة، وفي عنف أخرى. فكيف يستقيم بعد هذا أن نقول: أن السنة وحي من الله؟.
والجواب: أن مرادنا هنا بالسنة: ما كانت عن وحي جليّ أو خفيّ، أما السنة الاجتهادية؛ فليست مرادة هنا البته؛ لأن الاجتهاد لا يكون إلا عند عدم النص، فكيف يعارضه ويرفعه؟ وقد شرحنا أنواع السنة في كتابنا «المنهل الحديث في علوم الحديث» فارجع إليه إن شئت.
٢ - ولقائل أن يقول: إن من السنة ما كان آحاديّا، وخبر الواحد مهما صح فإنه لا يفيد القطع، والقرآن قطعي المتن، فكيف ينسخ بالسنة التي لا تفيد القطع؟ ومتى استطاع الظن أن يرفع اليقين؟.
والجواب: أن المراد بالسنة هنا: السنة المتواترة دون الآحادية. والسنة المتواترة قطعية الثبوت- أيضا- كالقرآن. فهما متكافئان من هذه الناحية، فلا مانع أن ينسخ أحدهما الآخر. أما خبر الواحد؛ فالحق عدم جواز نسخ القرآن به للمعنى المذكور، وهو أنه ظني والقرآن قطعي، والظني أضعف من القطعي فلا يقوى على رفعه.
стр. 123
والقائلون بجواز نسخ القرآن بالسنة الآحادية، اعتمادا على أن القرآن ظني الدلالة، حجتهم باطلة؛ لأن القرآن إن لم يكن قطعي الدلالة فهو قطعي الثبوت، والسنة الآحادية ظنية الدلالة والثبوت معا، فهي أضعف منه فكيف ترفعه؟.
٢ - مقام الوقوع:
ما أسلفناه بين يديك كان في الجواز. أما الوقوع؛ فقد اختلف المجوزون فيه: منهم من أثبته، ومنهم من نفاه وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها وهاك وجهة كل من الفريقين لتعرف أن الحق مع النافين.
استدل المثبتون على الوقوع بأدلة أربعة:
الدليل الأول: أن آية الجلد وهي قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [سورة النور آية: ٢] تشمل المحصنين وغيرهم من الزناة. ثم جاءت السنة فنسخت عمومها بالنسبة إلى المحصنين، وحكمت بأن جزاءهم الرجم.
وقد ناقش النافون هذا الدليل بأمرين: أحدهما: أن الذي ذكروه تخصيص لا نسخ.
والآخر: أن آية (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) هي المخرجة لصور التخصيص. وإن جاءت السنة موافقة لها وقد سبق الكلام على آية (الشيخ والشيخة) في عداد ما نسخت تلاوته وبقي حكمه، فلا تغفل عنه.
الدليل الثاني: أن قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [سورة البقرة آية: ١٨٠]، منسوخ بقوله ﷺ : «لا وصية لوارث».
وقد ناقشه النافون بأمرين:
أولهما: أن الحديث المذكور خبر آحاد، وقد تقرر أن الحق عدم جواز نسخ القرآن بخبر الآحاد.
ثانيهما: أن الحديث بتمامه يفيد أن الناسخ هو آيات المواريث، لا هذا الحديث، وإليك النص الكامل للحديث المذكور: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث».
ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود في صحيحه ونصه: عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ: كانت الوصية كذلك حتى نسختها آية المواريث.
الدليل الثالث: أن قوله سبحانه: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَ
стр. 124
أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [سورة النساء آية: ١٥] منسوخة بقوله ﷺ : «خذوا عني، خذوا عني. قد جعل الله لهن سبيلا:
البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». وقد ناقشه النافون.
أولا: بأن الناسخ هنا هو آية الجلد، وآية الشيخ والشيخة، وإن جاء الحديث موافقا لهما.
ثانيا: بأن ذلك تخصيص لا نسخ؛ لأن الحكم الأول جعل الله له غاية هو الموت، أو صدور تشريع جديد في شأن الزانيات، وقد حققنا أن رفع الحكم ببلوغ غايته المضروبة في دليله الأول ليس نسخا.
الدليل الرابع: أن نهيه ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطيور ناسخ لقوله سبحانه: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [سورة الأنعام آية: ١٤٥].
وقد ناقشه النافون: بأن الآية الكريمة لم تتعرض لإباحة ما عدا الذي ذكر فيها إنما هو مباح بالبراءة الأصلية، والحديث المذكور ما رفع إلا هذه البراءة الأصلية، ورفعها لا يسمّى نسخا كما سلف بيانه.
من هذا العرض يخلص لنا أن نسخ القرآن بالسنة لا مانع يمنعه عقلا ولا شرعا، غاية الأمر أنه لم يقع؛ لعدم سلامة أدلة الوقوع كما رأيت.
القسم الثالث: نسخ السنة بالقرآن:
وفيه خلاف العلماء- أيضا- بين تجويز ومنع على نمط ما مرّ في القسم الثاني: بيد أن صوت المانعين هنا خافت، وحجتهم داحضة. أما المثبتون فيؤيدهم دليل الجواز كما يسعفهم برهان الوقوع، ولهذا نجد في صف الإثبات جماهير الفقهاء والمتكلمين، ولا نرى في صف النفي سوى الشافعي في أحد قوليه ومعه قلة من أصحابه، ومع ذلك فنقل هذا عن الشافعي فيه شيء من الاضطراب أو إرادة خلاف الظاهر.
دليل الجواز:
استدل المثبتون على الجواز هنا بمثل ما استدلوا به على القسم السالف، فقالوا: إن نسخ السنة بالقرآن ليس مستحيلا لذاته ولا لغيره. أما الأول فظاهر، وأما الثاني: فلأن السنة وحي كما أن القرآن وحي، ولا مانع من نسخ وحي بوحي لمكان التكافؤ بينهما من هذه الناحية.
واستدلوا على الوقوع بوقائع كثيرة، كل واقعة منها دليل على الجواز كما هي دليل على الوقوع، لما علمت من أن الوقوع يدل على الجواز وزيادة.
стр. 125
(من تلك الوقائع) أن استقبال بيت المقدس في الصلاة لم يعرف إلا من السنة وقد نسخه قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [سورة البقرة آية: ١٤٤].
ومنها: أن الأكل والشرب والمباشرة كان محرما في ليل رمضان على من صام. ثم نسخ هذا التحريم بقوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [سورة البقرة آية: ١٨٧].
ومنها: أن النبي ﷺ أبرم مع أهل مكة عام الحديبية صلحا كان من شروطه: أن من جاء منهم مسلما رده عليهم، وقد وفّى بعهده في أبي جندل وجماعة من المكيين جاءوه مسلمين. ثم جاءته امرأة فهمّ أن يردها فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [سورة الممتحنة آية: ١٠].
شبهة للمانعين ودفعها:
أورد المانعون على هذا الاستدلال المعتمد على تلك الوقائع شبهة قالوا في تصويرها:
يجوز أن يكون النسخ فيما ذكرتم ثابتا بالسنة، ثم جاء القرآن موافقا لها، وبهذا يؤول الأمر إلى نسخ السنة بالسنة، ويجوز أن الحكم المنسوخ كان ثابتا أولا بقرآن، نسخت تلاوته ثم جاءت السنة موافقة له، وبهذا يؤول الأمر إلى نسخ القرآن بقرآن.
وندفع هذه الشبهة بأنها قائمة على مجرد احتمالات واهية لا يؤيدها دليل، ولو فتحنا بابها وجعلنا لها اعتبارا، لما جاز لفقيه أن يحكم على نص بأنه ناسخ لآخر إلا إذا ثبت ذلك صريحا عن رسول الله ﷺ ، ولكن ذلك باطل بإجماع الأمة على خلافه، واتفاقها على أن الحكم إنما يسند إلى دليله الذي لا يعرف سواه بعد الاستقراء الممكن.
القسم الرابع: نسخ السنة بالسنة:
ويتنوع إلى أنواع أربعة: نسخ سنة متواترة بمتواترة، ونسخ سنة آحادية بآحادية، ونسخ سنة آحادية بسنة متواترة، ونسخ سنة متواترة بسنة آحادية. أما الثلاثة الأول فجائزة عقلا وشرعا. وأما الرابع وهو نسخ سنة متواترة بآحادية: فاتفق علماؤنا على جوازه عقلا، ثم اختلفوا في جوازه شرعا، فنفاه الجمهور، وأثبته أهل الظاهر.
أدلة الجمهور: استدل الجمهور على مذهبهم بدليلين:
أولهما: أن المتواتر قطعي الثبوت وخبر الواحد ظني، والقطعي لا يرتفع بالظني؛
стр. 126
لأنه أقوى منه والأقوى لا يرتفع بالأضعف.
ثانيهما: أن عمر ﵁ ردّ خبر فاطمة بنت قيس: أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى، مع أن زوجها طلقها وبتّ طلاقها، وقد أقر الصحابة عمر على رده هذا، فكان إجماعا، وما ذاك إلا لأنه خبر آحادي لا يفيد إلا الظن، فلا يقوى على معارضة ما هو أقوى منه، وهو كتاب الله إذ يقول: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [سورة الطلاق آية: ٦] وسنة رسوله ﷺ المتواترة في جعل السكن حقّا من حقوق المبتوتة.
ملاحظة:
روت كتب الأصول في هذا الموضع: خبر فاطمة بنت قيس بصيغة مدخولة فيها أن عمر قال حين بلغه الخبر: «لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت» وعزا بعضهم هذه الرواية المدخولة إلى الإمام مسلم في صحيحه. والحقيقة أن الرواية بهذه الصورة غير صحيحة، كما أن عزوها إلى مسلم غير صحيح.
والرواية الصحيحة في مسلم وغيره ليس فيها كلمة «أصدقت أم كذبت» بل اقتصرت على كلمة «أحفظت أم نسيت»، ومثلك- حماك الله- يعلم أن الشك في حفظ فاطمة ونسيانها لا يقدح في عدالتها وصدقها، فإياك أن تخوض مع الخائضين من المستشرقين وأذنابهم فتطعن في الصحابة وتجرحهم في تثبتهم لمثل هذا الخبر المردود. اه.
стр. 127
التفسير والمفسرين وما يتعلق بهما
[معنى] التفسير:
التفسير معناه في اللغة:
الإيضاح والتبيين ومنه قوله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [سورة الفرقان: ٣٣].
والتفسير في الاصطلاح:
علم يبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية.
التأويل:
والتأويل مرادف للتفسير في أشهر معانيه اللغوية، قال صاحب القاموس: أوّل الكلام تأويلا وتأوّله: دبّره وقدّره وفسّره. ومنه قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [سورة آل عمران آية: ٧].
أنواع التفسير:
التفسير على نوعين بالإجمال:
النوع الأول: تفسير جاف لا يتجاوز حل الألفاظ وإعراب الجمل، وبيان ما يحتويه نظم القرآن الكريم من نكات بلاغية وإشارات فنية، وهذا النوع أقرب إلى التطبيقات العربية منه إلى التفسير وبيان مراد الله من هداياته.
النوع الثاني: تفسير يجاوز هذه الحدود، ويجعل هدفه الأعلى تجلية هدايات القرآن وتعاليم القرآن، وحكمة الله فيما شرع للناس في هذا القرآن على وجه يجتذب الأرواح، ويفتح القلوب، ويدفع النفوس إلى الاهتداء بهدى الله، وهذا هو الخليق باسم التفسير وفيه يساق الحديث إذا تكلمنا عن فضله والحاجة إليه.
فضل التفسير والحاجة إليه:
نهضة الأمم لا يمكن أن تكون صحيحة عن تجربة، ولا سهلة متيسرة، ولا رائعة مدهشة، إلا عن طريق الاسترشاد بتعاليم القرآن ونظمه الحكيمة، التي روعيت فيها جميع عناصر السعادة للنوع البشري بناء على ما أحاط به علم خالقه الحكيم، وبدهيّ أن العمل بهذه التعاليم لا يكون إلا بعد فهم القرآن وتدبره، والوقوف على ما حوى من نصح ورشد، والإلمام بمبادئه عن طريق تلك القوة الهائلة التي يحملها أسلوبه
стр. 128
البارع المعجز، وهذا لا يتحقق إلا عن طريق الكشف والبيان لما تدل عليه ألفاظ القرآن (وهو ما نسميه بعلم التفسير) خصوصا في هذه العصور الأخيرة التي فسدت فيها ملكة البيان العربي، وضاعت فيها خصائص العروبة حتى من سلائل العرب أنفسهم.
فالتفسير هو مفتاح هذه الكنوز والذخائر التي احتواها هذا الكتاب المجيد النازل لإصلاح البشر وإنقاذ الناس، وإسعادهم في الدنيا والآخرة.
وبدون التفسير لا يمكن الوصول إلى هذه الكنوز والذخائر، مهما بالغ الناس في ترديد ألفاظ القرآن وتوافروا على قراءته كل يوم.
وهنا تلمح السر في تأخر مسلمة هذا الزمن على رغم وفرة المصاحف في أيديهم، ووجود ملايين الحفّاظ بين ظهرانيهم، وعلى رغم كثرة عددهم، واتساع بلادهم، في حين أن سلفنا الصالح نجحوا بهذا القرآن نجاحا مدهشا، كان ومازال موضع إعجاب المؤرخين، مع أن أسلافنا أولئك كانوا في قلة من العدد، وضيق من الأرض، وخشونة من العيش، ومع أن نسخ القرآن ومصاحفه لم تكن ميسورة لهم، ومع أن حفاظه لم يكونوا بهذه الكثرة الغامرة.
إن السر في ذلك هو أنهم توفّروا على دراسة القرآن واستخراج كنوز هداياته، يستعينون على هذه الثقافة العليا بمواهبهم الفطرية، وملكاتهم السليمة العربية من ناحية، وبما يشرحه رسول الله ﷺ ويبينه لهم بأقواله وأعماله وأخلاقه وسائر أحواله كما قال- سبحانه-:
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [سورة النحل آية: ٤٤].
وعلى ذلك كان همهم الأول هو القرآن الكريم يحفظونه ويفهمونه، ثم يعملون بتعاليمه بدقة، ويهتدون بهديه في يقظة.
بهذا وحده صفت أرواحهم وطهرت نفوسهم، وعظمت آثارهم؛ لأن الروح الإنساني هو أقوى شيء في هذا الوجود، فمتى صفا وتهذب، وحسن توجيهه وتأدب أتى بالعجب العجاب.
وكذلك أتت الأمة العربية بالعجب العجاب، في الهداية والإرشاد، وإنقاذ العالم وإصلاح البشر، وكتب الله لهم النصر والتأييد والدولة والظفر، حتى على أقوى الدول المعادية لدعوة الحق والإصلاح في ذلك العهد؛ دولة الفرس في الشرق، ودولة الرومان في الغرب، تلك محوها من لوح الوجود بهدم طغيانها وإسلام شعبها، وهذه سلبوها ما كان في حوزتها من ممالك الشرق وشعوبه الكثيرة، ثم دانت لهم الدنيا فاستولوا على بعض بلاد أوربا وأقاموا فيها دولة عربية شامخة البنيان كانت بهجة الدنيا وزينة الحياة، ومنها شع النور على الشعوب
стр. 129
الأوربية، وكانت النواة الناجحة في نهضتهم الحديثة الحاضرة (تلك هى فردوس الأندلس المفقود)!! أما غالب مسلمة اليوم، فقد اكتفوا من القرآن بألفاظ يرددونها، وأنغام يلحنونها، في المآتم والمقابر والدور، وبمصاحف يحملونها أو يودعونها بركة في البيوت، ونسوا أن بركة القرآن العظمي إنما هى في تدبره وتفهمه، وفي الجلوس إليه، والاستفادة من هديه وآدابه، ثم في الوقوف عند أوامره ومراضيه، والبعد عن مساخطه ونواهيه، والله- تعالى- يقول: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [سورة ص: ٢٩]، ويقول جل ذكره: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [سورة محمد: ٢٤]، ويقول سبحانه: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [سورة القمر آية: ١٧].
فما أشبه المسلمين اليوم بالعطشان يموت من الظمأ والماء بين يديه، وبالمريض يفتك به المرض ودواؤه أمام عينيه، فلا حول ولا قوة إلا بالله!! ألا إن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، وهو أن يعودوا إلى كتاب الله يستلهمونه الرشد، ويستمنحونه الهدى، ويحكمونه في نفوسهم وفي كل ما يتصل بهم، كما كان آباؤنا الأولون يتلونه حق تلاوته بتدبر وتفكر، حتى ظهرت آثاره الباهرة عاجلة فيهم، فرفع نفوسهم وانتشلها من حضيض الوثنية، وأعلى هممهم وهذب أخلاقهم، وأرشدهم إلى الانتفاع بقوى الكون ومنافعه، وكان من وراء ذلك أن مهروا في العلوم والفنون والصناعات، كما مهروا في الأخلاق والآداب والإصلاح والإرشاد، ووصلوا إلى غاية بزّوا فيها كل أمم الدنيا، حتى قال بعض فلاسفة الغرب في كتابه (تطور الأمم) ما نصه: «إن ملكة الفنون لا تستحكم في أمة من الأمم إلا في ثلاثة أجيال: جيل التقليد، وجيل الخضرمة، وجيل الاستقلال، وشذّ العرب وحدهم فاستحكمت فيهم ملكة الفنون في جيل واحد». اه.
قال السيوطي في بيان الحاجة إلى التفسير ما ملخصه: «القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب، فكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه».
أما دقائق باطنه فلا تظهر لهم إلا بعد البحث والنظر وسؤالهم النبي ﷺ مثل قولهم:
«وأيّنا لم يظلم نفسه .. ؟!» حينما نزل قوله- تعالى-: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [سورة الأنعام: ٨٢]، ففسره النبي ﷺ بالشرك، واستدل بقوله- سبحانه-: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان آية: ١٣].
وكذلك حين قال النبي ﷺ : «من نوقش الحساب عذّب» سألته عائشة أم المؤمنين ﵂ عن قوله تعالى: فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً [سورة الانشقاق آية: ٨، ٩]، فقال ﷺ : «ذلك العرض»، وكقصة عدي بن حاتم في
стр. 130
الخيط الأبيض والخيط الأسود، ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه، بل نحن أشد احتياجا إلى التفسير لقصورنا عن مدارك اللغة وأسرارها بغير تعلم» اه.
مما تقدم يتبين أن فائدة التفسير هي التذكر والاعتبار، ومعرفة هداية الله في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، ليفوز الأفراد والمجاميع بخير العاجلة والآجلة. ويتبين أيضا- أن هذا العلم من أشرف العلوم الدينية والعربية، إن لم يكن أشرفها جميعا، وذلك لسمو موضوعه، وعظم فائدته.
وسمّى «علم التفسير» لما فيه من الكشف والتبيين، واختص بهذا الاسم دون بقية العلوم مع أنها كلها مشتملة على الكشف والتبيين؛ لأنه لجلالة قدره، واحتياجه إلى زيادة الاستعداد، وقصده إلى تبيين مراد الله من كلامه، كان كأنه هو التفسير وحده دون ما عداه.
стр. 131
أقسام التفسير
ورد عن ابن عباس ﵄ أن التفسير أربعة: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العرب بألسنتها، وتفسير تفسره العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله. اه.
قال الزركشي في البرهان ما ملخصه: «هذا تقسيم صحيح».
- فأما الذي تعرفه العرب بألسنتها: فهو ما يرجع إلى لسانهم من اللغة والإعراب.
- وأما ما لا يعذر أحد بجهله: فهو ما تبادر إلى الأفهام معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام، ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنى واحدا جليّا يعلم أنه مراد الله تعالى، فهذا القسم لا يلتبس تأويله؛ إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [سورة محمد آية: ١٩]، أنه لا شريك له في
الألوهية، وإن لم يعلم أن «لا» موضوعة في اللغة للنفي، و «إلا» موضوعة للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر.
ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى «أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» ونحوه إيجاب المأمور به، وإن لم يعلم أن صيغة «افعل» للوجوب.
- وأما ما لا يعلمه إلا الله تعالى: فهو ما يجري مجرى الغيوب، كالآيات التي تذكر فيها الساعة والروح، والحروف المقطعة، وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره، ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف، وبنص من القرآن أو الحديث أو إجماع الأمة على تأويله.
- وأما ما يعلمه العلماء: فيرجع إلى اجتهادهم؛ فهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، وذلك استنباط الأحكام، وبيان المجمل، وتخصيص العموم، وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه اعتمادا على الدلائل والشواهد دون مجرد الرأي. اه المقصود منه، لكنه لم يلتزم فيه ترتيب الأقسام على ما روي عن ابن عباس، ولا ضير في ذلك مادام أنه قد استوعب عدتها الأربعة كما رأيت.
وقسم بعضهم التفسير باعتبار آخر إلى ثلاثة أقسام:
«تفسير بالرواية» ويسمى التفسير بالمأثور، و «تفسير بالدراية» ويسمى التفسير بالرأي، و «تفسير بالإشارة» ويسمى التفسير الإشاري، وسنتحدث عن كل واحد منها إن شاء الله.
стр. 132
التفسير بالمأثور
هو ما جاء في القرآن، أو السنة، أو كلام الصحابة، بيانا لمراد الله- تعالى- من كتابه.
١ - مثال ما جاء في القرآن: قوله سبحانه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [سورة البقرة آية: ١٨٧]، فإن كلمة «من الفجر» بيان وشرح للمراد من كلمة الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ التي قبلها.
وكذلك قوله- سبحانه-: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [سورة الأعراف آية: ٢٣]، فإنها بيان للفظ كَلِماتٍ من قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [سورة البقرة آية: ٣٧]، على بعض وجوه التفاسير.
وقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [سورة المائدة آية: ٣]، فإنها بيان للفظ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ» من قوله سبحانه: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [سورة المائدة آية: ١].
وقوله- تعالى-: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [سورة المائدة آية: ١٢]، فإنها بيان للعهدين في قوله- سبحانه-: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [سورة البقرة آية: ٤٠]، الأول للأول، والثاني للثاني.
وقوله تعالى: وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ [سورة الطارق آية: ٢، ٣]، فإن كلمة النَّجْمُ الثَّاقِبُ بيان لكلمة الطَّارِقِ التي قبلها، وغير ذلك كثير يعلم بالتدبر في كتاب الله- تعالى.
٢ - ومثال ما جاء في السنة شرحا للقرآن: أنه ﷺ فسر الظلم بالشرك في قوله سبحانه:
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [سورة الأنعام آية: ٨٢]، وأيد تفسيره هذا بقوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان آية: ١٣]، وفسر ﷺ الحساب اليسير بالعرض حين قال: «من نوقش الحساب عذّب» فقالت له السيدة عائشة: أو ليس قد قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً [سورة الانشقاق آية: ٧ - ٩]، فقال ﷺ «ذلك العرض» بيانا للحساب اليسير، وكذلك فسر الرسول ﷺ القوة بالرمي في قوله- سبحانه-: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [سورة الأنفال آية: ٦٠]، وفي صحيح كتب السنة من ذلك شيء كثير.
وكلا هذين القسمين لا شك في قبوله، وأما الأول: فلأن الله تعالى أعلم بمراد نفسه من غيره، وأصدق الحديث كتاب الله تعالى. وأما الثاني: فلأن خير الهدي
стр. 133
هدى سيدنا محمد ﷺ ، ووظيفته البيان والشرح، مع أنّا نقطع بعصمته وتوفيقه قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [سورة النحل آية: ٤٤].
٣ - بقي القسم الثالث وهو بيان القرآن بما صح وروده عن الصحابة رضوان الله عليهم: قال الحاكم في المستدرك: «إن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل له حكم المرفوع»، كذلك أطلق الحاكم، وقيّده بعضهم بما كان في بيان سبب النزول ونحوه مما لا مجال للرأي فيه، وإلا فهو من الموقوف.
ووجهة نظر الحاكم ومن وافقه: أن الصحابة رضوان الله عليهم قد شاهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا وعاينوا من أسباب النزول ما يكشف لهم النقاب عن معاني الكتاب، ولهم من سلامة فطرتهم، وصفاء نفوسهم، وعلو كعبهم في الفصاحة والبيان، ما يمكنهم من الفهم الصحيح لكلام الله، وما يجعلهم يوقنون بمراده من تنزيله وهداه.
أما ما ينقل عن التابعين ففيه خلاف العلماء: منهم من اعتبره من المأثور؛ لأنهم تلقوه من الصحابة غالبا، ومنهم من قال: إنه من التفسير بالرأي.
وفي تفسير ابن جرير الطبري كثير من النقول عن الصحابة والتابعين في بيان القرآن الكريم، بيد أن الحافظ ابن كثير يقول: إن أكثر التفسير المأثور قد سرى إلى
الرواة من زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب، قال بعضهم: وجلّ ذلك في قصص الرسل مع أقوامهم، وما يتعلق بكتبهم ومعجزاتهم، وفي تاريخ غيرهم كأصحاب الكهف، ومدينة إرم ذات العماد، وسحر بابل، وعوج بن عنق، وفي أمور الغيب من أشراط الساعة وقيامتها، وما يكون فيها وبعدها، وجلّ ذلك خرافات ومفتريات، صدقهم فيها الرواة حتى بعض الصحابة ﵃، ولذلك قال الإمام أحمد: «ثلاثة ليس لها أصل:
التفسير، والملاحم، والمغازي» وكان الواجب جمع الروايات المفيدة في كتب مستقلة، كبعض كتب الحديث وبيان قيمة أسانيدها، ثم يذكر في التفسير ما يصح منها بدون سند، كما يذكر الحديث في كتب الفقه لكن يعزى إلى مخرجه. اه ما أردنا نقله.
المفسرون من الصحابة
قال السيوطي في الإتقان: «اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة، الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير.
أما الخلفاء الأربعة، فأكثر من روي عنه منهم، عليّ بن أبي طالب- كرم الله وجهه-
стр. 134
والرواية عن الثلاثة قليلة جدّا، وكأن السبب في ذلك تقدم وفاتهم اه.
ومعنى هذا أن السبب في إقلال الثلاثة- أبي بكر، وعمر، وعثمان- من التفسير، أنهم كانوا في وسط أغلب أهله علماء بكتاب الله، واقفون على أسرار التنزيل، عارفون بمعانيه وأحكامه، مكتملة فيهم خصائص العروبة.
أما الإمام عليّ ﵁: فقد عاش بعدهم حتى كثرت حاجة الناس في زمانه إلى من يفسّر لهم القرآن، وذلك لاتساع رقعة الإسلام، ودخول العجم في هذا الدين الجديد ممن كادت تذوب بهم خصائص العروبة، ونشأة جيل من أبناء الصحابة كان في حاجة إلى علم الصحابة، فلا جرم كان ما نقل عن عليّ أكثر مما نقل عن غيره، أضف إلى ذلك ما امتاز به الإمام من خصوبة الفكر، وغزارة العلم، وإشراق القلب: ثم أضف- أيضا- سبق اشتغال الثلاثة بمهام الخلافة وتصريف الحكم دونه.
روى معمر عن وهب بن عبد الله بن أبي الطفيل قال: شهدت عليّا ﵁ يخطب ويقول: سلوني، فو الله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار؟ أفي سهل أم في جبل؟.
وفي رواية عنه قال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت؟ وأين نزلت؟ إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا سؤولا .. اه.
وقد كثرت الروايات- أيضا- عن ابن مسعود، وحسبك في معرفة خطره وجلالة قدره ما رواه أبو نعيم عن أبي البحتري قال: قالوا لعليّ: أخبرنا عن ابن مسعود؟ قال:
علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علما.
وأما ابن عباس: فهو ترجمان القرآن بشهادة رسول الله ﷺ ، فعن مجاهد قال:
قال ابن عباس، قال لي رسول الله ﷺ : «نعم ترجمان القرآن أنت»، وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود ﵁ قال: نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وقد دعا له النبي ﷺ بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل».
وروي أن رجلا أتى ابن عمر يسأله عن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما: أي من قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [سورة الأنبياء آية: ٣٠]، فقال: اذهب إلى ابن عباس، ثم تعال أخبرني، فذهب فسأله فقال: كانت السموات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات، فرجع إلى ابن عمر فأخبره فقال: قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن! فالآن، قد علمت أنه أوتي علما .. اه.
стр. 135
لكنه تجب الحيطة فيما عزي إلى ابن عباس من التفسير؛ فقد كثر عليه فيه الدسّ والوضع كما سيأتي.
وكذلك أبيّ بن كعب بن قيس الأنصاري أحد كتّاب الوحي، فقد كان ﵁ من المكثرين في التفسير، المبرزين فيه، كما اشتهر في القراءة وبرز فيها، روى له في التفسير أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب وإسناده صحيح.
وأما الباقي من العشرة، وهم: زيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، فمع شهرتهم في التفسير كانوا أقل من الأربعة الذين قبلهم.
وقد ورد عن جماعة من الصحابة غير هؤلاء العشرة شيء من التفسير، بيد أنه قليل، منهم أنس، وأبو هريرة، وابن عمر، وجابر، وعمرو بن العاص، وعائشة- أم المؤمنين- ﵃ أجمعين.
تفسير ابن عباس الرواية عنه واختلاف الرواة فيها
أكثر الصحابة تفسيرا ابن عباس ذلك لما عرفت من أنه ترجمان القرآن، ولتأخر الزمان به حتى اشتدت حاجة الناس إلى الأخذ عنه بعد اتساع الإسلام واتساع العمران، ولانقطاعه وتفرغه للنشر والدعوة والتعليم، دون أن تشغله خلافة أو تصرف في سياسة وتدبير لشئون الرعية، غير أن الرواية عنه مختلفة الدرجات.
قال السيوطي في الإتقان: «ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة بروايات وطرق مختلفة، فمن جيّدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه».
قال أحمد بن حنبل: «بمصر صحيفة في التفسير رواها عليّ بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا» [أسنده أبو جعفر النحاس].
قال ابن حجر: وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها عن معاوية بن أبي صالح عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه كثيرا فيما يعلّق عن ابن عباس.
وقال قوم: لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير، ثم قال ابن حجر: بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة، فلا ضير في ذلك. اه.
وأخرج منها ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وابن المنذر كثيرا، ولكن بوسائط
стр. 136
بينهم وبين أبي صالح.
وأوهى طرقه: طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وكذا طريق مقاتل بن سليمان.
وطريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس منقطع، فإن الضحاك لم يلقه.
وبالجملة فقد روى عن الشافعي أنه قال: لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث.
المفسرون من التابعين وطبقاتهم
نستطيع أن نعتبر التابعين طبقات ثلاثة: طبقة أهل مكة ، وطبقة أهل المدينة، وطبقة أهل العراق.
طبقة أهل مكة:
أما طبقة أهل مكة من التابعين: فقد كانوا أعلم الناس بالتفسير، نقل السيوطي عن ابن تيمية أنه قال: أعلم الناس بالتفسير أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاووس.
أما مجاهد: فقد كان أوثق من روى عن ابن عباس، ولذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أقطاب العلم وأئمة الدين.
قال النووي: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وقال الفضيل بن ميمون:
سمعت مجاهدا يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، وعنه- أيضا- قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية منه أسأله عنها: فيم أنزلت؟ وكيف كانت؟.
ولا تعارض بين هاتين الروايتين، فالإخبار بالقليل لا ينافي الإخبار بالكثير، ويحتمل أن عرضه القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة كان طلبا لضبطه وتجويده وحسن أدائه، وأما عرضه إياه ثلاث مرات؛ فكان طلبا لتفسيره ومعرفة أسراره، وحكمه وأحكامه، كما يدل عليه قوله: أقف عند كل آية منه أسأله عنها: فيم أنزلت؟ وكيف أنزلت؟.
وأما عطاء وسعيد: فقد كان كل منهما ثقة ثبتا في الرواية عن ابن عباس.
قال سيفان الثوري: خذوا التفسير عن أربعة: عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك.
وقال قتادة: أعلم التابعين أربعة، كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان
стр. 137
سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير .. إلخ.
وقال أبو حنيفة: ما لقيت أحدا أفضل من عطاء.
وأما عكرمة مولى ابن عباس: فقد قال الشافعي فيه: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. اه. وقال عكرمة: كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل (القيد) ويعلمني القرآن. وكان يقول: لقد فسرت ما بين اللوحين (لعله يريد ما بين دفتي المصحف) وكل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس. اه.
وأما طاووس بن كيسان اليماني: فقد كان من رجال العلم والعمل، وأدرك من أصحاب النبي ﷺ نحو الخمسين، ورد أنه حج بيت الله الحرام أربعين مرة، وكان مجاب الدعوة، قال فيه ابن عباس: إني لأظن طاووسا من أهل الجنة .. اه.
طبقة أهل المدينة:
منهم: زيد بن أسلم: وقد أخذ عنه ابنه عبد الرحمن، ومالك بن أنس إمام دار الهجرة.
ومنهم: أبو العالية: وهو من رواة أبيّ بن كعب، وقد روى عنه الربيع بن أنس.
ومنهم: محمد بن كعب القرظي: الذي قال فيه ابن عون: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظي.
طبقة أهل العراق:
منهم: مسروق بن الأجدع: وكان ورعا زاهدا صحب ابن مسعود، قال ابن معين فيه: ثقة لا يسأل عنه، وكان القاضي شريح يستشيره في معضلات المسائل، روى عنه الشعبي، وأبو وائل وآخرون، لصدق روايته وأمانته.
ومنهم: قتادة بن دعامة: وهو من رواة ابن مسعود، شهد له ابن سيرين بالضبط والحفظ، وقال فيه ابن المسيب: ما رأيت عراقيّا أحفظ من قتادة، غير أنه كان يخوض في القضاء والقدر، فتحرّج بعض الناس من الرواية عنه. وقد احتج به أرباب الكتب الصحيحة.
ومنهم: أبو سعيد الحسن البصري: قال ابن سعد فيه: كان ثقة مأمونا وعالما جليلا، وفصيحا جميلا، وتقيّا نقيّا، حتى قيل: إنه سيد التابعين.
ومنهم: عطاء بن أبي مسلم الخرساني: أصله من البصرة لكنه أقام بخراسان بعد أن دخلها، لذلك نسب إليها، كان من أجلاء العلماء، غير أنه كان مصابا بسوء الحفظ لذلك اختلفوا في توثيقه.
стр. 138
ومنهم مرة الهمذاني الكوفي: لكثرة عبادته قيل: مرة الطيب، ومرة الخير، أخذ عن أبيّ بن كعب، وعمر بن الخطاب وغيرهما من الصحابة، وروى عنه الشعبي وغيره.
هؤلاء هم أعلام المفسرين من التابعين استمدوا آراءهم وعلومهم مما تلقوه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وعنهم أخذ تابعو التابعين وهكذا، حتى وصل إلينا دين الله وكتابه وعلومه ومعارفه سليمة كاملة عن طريق التلقي والتلقين، جيلا عن جيل، مصداقا لقوله- سبحانه-:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [سورة الحجر آية: ٩].
ولقوله ﷺ : «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».
نقد المروي عن التابعين:
يلاحظ على ما روي عن التابعين اعتبارات مهمة تثير الطعن فيه وتوجّه الطعن إليه.
منها أنهم لم يشاهدوا عهد النبوة، ولم يتشرفوا بأنوار الرسول ﷺ ، فيغلب على الظن أن ما يروى عنهم من تفسير القرآن إنما هو من قبيل الرأي لهم، فليس له قوة المرفوع إلى النبي ﷺ .
ومنها: أنه يندر فيه الإسناد الصحيح.
ومنها: اشتماله على إسرائيليات وخرافات انسابت إليه تارة من زنادقة الفرس، وأخرى من بعض مسلمة أهل الكتاب، إما بحسن نية، وإما بسوء نية.
ضعف الرواية بالمأثور
علمنا أن الرواية بالمأثور، تتناول ما كان تفسيرا للقرآن بالقرآن، وما كان تفسيرا للقرآن بالسنة، وما كان تفسيرا للقرآن بالموقوف عن الصحابة أو التابعين على رأي.
أما تفسير بعض القرآن ببعض، وتفسير القرآن بالسنة الصحيحة المرفوعة إلى النبي ﷺ ، فلا خلاف في وجاهته وقبوله.
وأما تفسير القرآن بما يعزى إلى الصحابة والتابعين؛ فإنه يتطرق إليه الضعف من وجوه:
أولها: ما دسه أعداء الإسلام مثل: زنادقة اليهود والفرس، فقد أرادوا هدم هذا الدين المتين عن طريق الدس والوضع، حينما أعيتهم الحيل في النيل منه عن طريق الحرب والقوة، وعن طريق الدليل والحجة.
ثانيها: ما لفّقه أصحاب المذاهب المتطرفة ترويجا لتطرفهم، كشيعة عليّ المتطرفين
стр. 139
الذين نسبوا إليه ما هو منه بريء، وكالمتزلفين الذين حطبوا في حبل العباسيين، فنسبوا إلى ابن عباس ما لم تصح نسبته إليه تملقا لهم واستدرارا لدنياهم.
ثالثها: اختلاط الصحيح بغير الصحيح، ونقل كثير من الأقوال المعزوّة إلى الصحابة أو التابعين من غير إسناد ولا تحرّ، مما أدى إلى التباس الحق بالباطل، زد على ذلك أن من يرى رأيا صار يعتمده دون أن يذكر له سندا، ثم يجيء من بعده فينقله على اعتبار أن له أصلا، ولا يكلف نفسه البحث عن أصل الرواية، ولا من يرجع إليه هذا القول.
رابعها: أن تلك الروايات مليئة بالإسرائيليات، ومنها كثير من الخرافات التي يقوم الدليل على بطلانها، ومنها ما يتعلق بأمور العقائد التي لا يجوز الأخذ فيها بالظن، ولا برواية الآحاد، بل لا بد من دليل قاطع فيها، كالروايات التي تتحدث عن أشراط الساعة، وأهوال القيامة وأحوال الآخرة حين تذكر على أنها اعتقاديات في الإسلام.
خامسها: أن ما نقل نقلا صحيحا عن الكتب السابقة التي عند أهل الكتاب كالتوراة والإنجيل، أمرنا الرسول ﷺ أن نتوقف فيه، فلا نصدقهم لاحتمال أنه مما حرفوه في تلك الكتب، ولا نكذبهم لاحتمال أنه مما حفظوه منها فقد قال تعالى فيهم إنهم:
أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ [سورة آل عمران آية: ٢٣].
وكلمة الإنصاف في هذا الموضوع: أن التفسير بالمأثور نوعان:
أحدهما: ما توافرت الأدلة على صحته وقبوله، وهذا لا يليق بأحد رده، ولا يجوز إهماله وإغفاله، ولا يجمل أن نعتبره من الصوارف عن هدى القرآن، بل هو على العكس عامل من أقوى العوامل على الاهتداء بالقرآن.
ثانيهما: ما لم يصح لسبب من الأسباب الآنفة أو غيرها، وهذا يجب رده ولا يجوز قبوله ولا الاشتغال به، اللهم إلا لتمحيصه والتنبيه إلى ضلاله وخطئه حتى لا يغتر به أحد.
ولا يزال كثير من أيقاظ المفسرين كابن كثير يتحرون الصحة فيما ينقلون، ويزيّفون ما هو باطل أو ضعيف ولا يحابون ولا يجبنون.
ولعل الذين أطلقوا القول في رد المأثور إنما أرادوا المبالغة- كما علمت في توجيه كلمة الإمام أحمد بن حنبل- وعذرهم أن الصحيح منه قليل نادر، نزر يسير، حتى لقد قال الإمام الشافعي ﵁: لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث.
أي مع كثرة ما روي عنه.
وقد أشار ابن خلدون إلى أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم
стр. 140
البداوة والأمية، وإذا تشوفوا إلى معرفة شيء مما تتشوف إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم؛ ويستفيدون منهم إلى أن قال: وهؤلاء مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم وتلقّيت بالقبول، لما كان لهم من المكانة السامية، ولكن الراسخين في العلم قد تحروا الصحة، وزيفوا ما لم تتوافر أدلة صحته. اه. بتصرف.
تنبيه: إياك أن تفهم من عبارة ابن خلدون أو ابن تيمية أو غيرهما ما يجعلك تخوض مع الخائضين في هؤلاء الأعلام الثلاثة: عبد الله بن سلام، ووهب بن منبه، وكعب الأحبار، فقد ضل بعض الأدباء والمؤرخين من كبار الكتاب في هذا العصر، حين زعموا ذلك، حتى لقد سلكوا عبد الله بن سلام الصحابي الجليل في سلك واحد مع عبد الله ابن سبأ اليهودي الخبيث، الذي تظاهر بالإسلام ثم كاد له شر الكيد، فتشيّع لعليّ، وزعم أن الله حل فيه، وطعن على عثمان، وأظهر الرفض عند حكم الحكمين بصفين، ودعا الناس إلى ضلاله الأثيم، حتى نفي مرارا، والحقيقة أن ثلاثتنا هؤلاء عدول ثقات.
أما ابن سلام: فحسبك أنه صحابي من خيرة الصحابة، ومن المبشرين بالجنة، يروي الترمذي عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه عاشر عشرة في الجنة» وفيه أنزلت آية: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ [سورة الأحقاف آية: ١٠]، وآية: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [سورة الرعد آية: ٤٣]، على ما جاء في بعض الروايات.
وأما وهب بن منبه: فقد كان تابعا ثقة واسع العلم، روى عن أبي هريرة كثيرا وله حديث في الصحيحين عن أخيه همام: وقد بلغ من تنسكه وصلاحه أنه لبث عشرين سنة يصلي الفجر بوضوء العشاء ﵁.
وأما كعب: فقد كان تابعا جليلا، أسلم في خلافة أبي بكر، وناهيك أن الصحابة أخذوا عنه كما أخذ هو عن الصحابة، وروى عنه جماعة من التابعين مرسلا، وله شيء في صحيح البخاري وغيره.
ولكن يجب أن نفرق في هذا المقام بين ما يصح أن يقال فيهم، وما يصح أن ينقل عنهم، فأما ما يصح أن يقال فيهم؛ فهو الثقة والتقدير على نحو ما ألمحنا، وأما الذي ينقل عنهم؛ فمنه الصحيح وغير الصحيح، لكن عدم صحة ما لم يصح لا يعلل باتهامهم وجرحهم، فقد علمت من هم؟! إنما يعلل بأحد أمرين:
أولهما: رجال السند الذين ينقلون عنهم، فقد يكون بينهم متّهم في عدالته أو
стр. 141
ضبطه، ولهذا يجب النظر في سلسلة الرواة عنهم رجلا رجلا، ولدينا من كتب الجرح والتعديل ما يفي بهذه الغاية، ولا يكفي الاعتماد على ذكر السند في كتاب كبير كتفسير ابن جرير، فقد يذكر ابن جرير أو غيره أشياء غير صحيحة ويسوق أسانيدها ثم لا يبين المجروح من رجال السند ولا المعدّل فيهم.
الأمر الثاني: أن يكون أولئك الثلاثة قد رووا ما رووه على أنه مما كان في الإسرائيليات، فتقبلها الآخذون على أنها من الإسلاميات، ولهذا يجب النظر في هذه المرويات، فإن كانت مما يقرره الإسلام قبلناها، وإن كانت مما يرده رددناها، وإن كانت مما سكت عنه سكتنا عنها عملا بقوله ﷺ : «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» [رواه البخاري بهذا اللفظ].
ورواه أحمد والبزار من حديث جابر بلفظ: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تكذّبوا بحق أو تصدقوا بباطل، والله لو كان موسى بين أظهركم ما حلّ له إلا اتباعي»، وسبب هذا الحديث أن النبي ﷺ علم أن عمر كتب شيئا من التوراة عن اليهود فغضب ﷺ وقاله. اه.
تدوين التفسير بالمأثور وخصائص كتبه
جاء قرن تابعي التابعين، وفيه ألّفت تفاسير كثيرة، جمعت من أقوال الصحابة والتابعين، كتفسير سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وآدم بن إياس، وإسحاق بن راهويه، وروح بن عبادة، وعبد ابن حميد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن أبي طلحة، والبخاري وآخرين.
ومن بعدهم ألف ابن جرير الطبري كتابه المشهور وهو من أجلّ التفاسير، ثم ابن أبي حاتم، وابن ماجه، والحاكم، وابن مردويه، وابن حبان، وغيرهم.
وليس في تفاسير هؤلاء إلا ما هو مسند إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم، ما عدا ابن جرير؛ فإنه تعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض وذكر الإعراب والاستنباط.
فكرة عن تفسير ابن جرير:
ابن جرير هو: أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، ولد (سنة ٢٢٤ هـ)، وتوفّي سنة ٣١٠ هـ)، كان فريد عصره، ووحيد دهره علما وعملا، وحفظا لكتاب الله وخبرة بمعانيه، وإحاطة بالآيات ناسخها ومنسوخها، وبطرق الرواية صحيحها وسقيمها، وبأحوال الصحابة والتابعين.
стр. 142
لذلك كان تفسيره من أجلّ التفاسير بالمأثور وأصحها وأجمعها بسبب ما أورده عن الصحابة والتابعين وعرض فيه لتوجيه الأقوال، ورجح بعضها على بعض، ورجح فيه كثيرا من الإعراب واستنباط الأحكام، وقد شهد العارفون بأنه لا نظير له في التفاسير.
قال النووي في تهذيبه: كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله، وقال أبو حامد الإسفراييني شيخ الشافعية: لو رحل أحد إلى الصين ليحصّل تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا عليه.
ومن مزاياه: أنه حرر الأسانيد وقرب البعيد، وجمع ما لم يجمعه غيره، غير أنه قد يسوق أخبارا بالأسانيد غير صحيحة ثم لا ينبه على عدم صحتها.
وقلنا: إن عذره في ذلك هو ذكر السند في زمن توافر الناس فيه على معرفة حال السند من غير توقف على تنبيه منه، وهذا التفسير موجود إلى اليوم ومنتشر مطبوع، وهو عمدة لأكثر المفسرين.
تفسير أبي الليث السمرقندي:
هو تفسير بالمأثور، يذكر فيه كثيرا من أقوال الصحابة والتابعين غير أنه لا يذكر الأسانيد وهو مخطوط في مجلدين وموجود في مكتبة الأزهر.
الدر المنثور في التفسير بالمأثور:
هو للإمام جلال الدين السيوطي، قال في مقدمته: إنه لخصه من كتاب ترجمان القرآن، وهو التفسير المسند إلى رسول الله ﷺ ، وهو مطبوع بمصر، وقد ذكر في كتابه الإتقان أنه شرع في تفسير جامع لما يحتاج إليه من التفاسير المنقولة والأقوال المعقولة، والاستنباط والإشارات والأعاريب واللغات، ونكت البلاغة، ومحاسن البديع، وسماه «مجمع البحرين ومطلع البدرين»، وذكر أنه جعل كتاب الإتقان مقدمة له، وذكر في خاتمة كتاب الإتقان نبذة صالحة من التفسير بالمأثور المرفوع إلى النبي ﷺ من أول الفاتحة إلى أول سورة الناس.
تفسير ابن كثير:
ابن كثير: هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر، القرشي، الدمشقي الشافعي المولود سنة (٧٠٥ هـ) المتوفي سنة (٧٧٤ هـ)، وتفسيره هذا من أصح التفاسير بالمأثور إن لم يكن أصحها جميعا، نقل فيه عن النبي ﷺ وكبار الصحابة والتابعين، وقد أخرجته مطبعة المنار بمصر في تسعة أجزاء، ومعه بأسفل الصفحات تفسير البغوي الآتي ذكره، وبآخره كتاب «فضائل القرآن» الذي يعتبر متمما له.
стр. 143
تفسير البغوي:
هو العلامة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الفقيه الشافعي، كان إماما في التفسير والحديث، له التصانيف المفيدة، ومنها: معالم التنزيل، أتى فيه بالمأثور، ولكن مجردا عن الأسانيد.
تفسير بقيّ بن مخلد:
ذكر الإمام السيوطي في طبقات المفسرين أن بقي بن مخلد بن يزيد بن عبد الرحمن الأندلسي القرطبي، أحد الأعلام وصاحب التفسير والسند، أخذ عن يحيى بن يحيى الليثي ورحل إلى المشرق، ولقي الكبار بالحجاز ومصر وبغداد، وسمع من أحمد بن حنبل، وسمع بالكوفة أبا بكر بن أبي شيبة، وسمع بمصر يحيى بن بكير، وسمع بالحجاز أبا مصعب الزهري، وسمع بدمشق هشام بن عمار، وشيوخه مائتان وأربعة وثمانون رجلا، وكان إماما زاهدا صوّاما صادقا مجاب الدعوة، قليل المثل، بحرا في العلم، مجتهدا لا يقلد أحدا، عني بالأثر، وليس لأحد مثل سنده في الحديث ولا في التفسير.
قال ابن حزم: أقطع أنه لم يؤلّف في الإسلام مثل تفسيره، لا تفسير ابن جرير ولا غيره، ولد سنة (٢٠٤ هـ) وتفسيره الموصوف بما ترى يؤسفنا أنه لم يكتب له البقاء، ولم يظفر بما ظفر به تفسير ابن جرير من هذا الخلود.
طرق المفسرين بعد العصر الأول:
ثم إن كتب التفسير بالمأثور موسوعات كبيرة، لا نستطيع الإحاطة بها ولا بأسماء جميع مؤلفيها، ولا بطريقة كل مؤلف فيها، غير أنا نستطيع أن نجمل القول في طرق المفسرين بعد العصر الأول فنقول:
بعد عصر الأولين الذين ألفوا في التفسير بالمأثور، والتزموا ذكر السند بجملته، جاء قوم صنفوا في التفسير، واختصروا الأسانيد، ولم ينسبوا الأقوال لقائليها، والتبس بذلك الصحيح وغيره، وصار الناظر في تلك الكتب يظنها كلها صحيحة، بينما هي مفعمة بالقصص وبالإسرائيليات على وجه لا تمييز فيه كأنها كلها حقائق، ومن هنا استهدفت رواياتهم للتجريح والطعن، ولولا ما يقوم به المحققون في كل عصر من إحقاق الحق ودحض الباطل؛ لا نطمست المعالم، واختلط الحابل بالنابل، ولكان ذلك مثار مطاعن توجه بلا حساب إلى الإسلام والمسلمين.
فقد ذكروا في قصص الأنبياء، وفي بدء الخليقة، والزلازل، ويأجوج ومأجوج،
стр. 144
وبرودة الماء الذي في الآبار زمن الصيف، وحرارته في الشتاء، ذكروا في ذلك كله ما يندى له الجبين خجلا، وما لا يتفق والحقائق العلمية أبدا، ويا ليتهم نبهوا على وضعه! لو أنهم فعلوا لكان الأمر هينا، لكنهم لم يذكروا السند، كما ذكر الأولون ليستطيع المطلع عليه نقده بالرجوع إلى كتب الجرح والتعديل، ثم لم يكلفوا أنفسهم الحكم على السند بعد محاكمته إلى كتب التعديل والتجريح (وتلك ثالثة الأثافي).
وقد عني بعض المفسرين بأن يسرد شتاب الأقوال، حتى إنه ذكر في تفسير قوله سبحانه: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ نحو عشرة أقوال، مع أن الوارد الصحيح تفسير المغضوب عليهم باليهود، وتفسير الضالين بالنصارى، لكن الولوع بكثرة النقول نأى بهم عن الاقتصار على التفسير المقبول.
وكذلك نلاحظ أن كل بارع في فن يقتصر غالبا في تفسيره على الفن الذي برع فيه، فالمبرز في العلوم العقلية كالفخر الرازي، أغرم باستعراض أقوال الحكماء
والفلاسفة وشبههم والرد عليها في تفسيره، والمبرز في الفقه كالقرطبي أولع بتقرير الأدلة للفروع الفقهية وأقوال الفقهاء فيها، والمبرز في النحو كالزجّاج والواحدي في البسيط وأبي حيان في البحر، يهتم أعظم الاهتمام بالإعراب ووجوهه، ونقل قواعد النحو وفروعها، وأصحاب المذاهب المتطرفة والنّحل الضالة يقصدون إلى تأويل الآيات على ما يروج مذاهبهم في التطرف والضلال.
والأخباريون يعنيهم أن يستقصوا القصص والأخبار عمن سلف، صحيحة كانت أو باطلة.
والإشاريون وأرباب التصوف تهمهم ناحية الترغيب والترهيب والزهد والقناعة والرضا، فيفسرون القرآن بما يوافق مشاربهم وأذواقهم، وعلى الإجمال نرى كل نابغة في فن، أو داعية إلى مذهب أو فكرة، يجتهد في تفسير الآيات بما يوافق فنه، ويلائم مشربه، ويناصر مذهبه، ولو كان بعيدا كل البعد عن المقصد الذي نزل من أجله القرآن.
ولقد غالى بعضهم فجعل القرآن مشتملا على العلوم الكونية، كالطبيعة، والكيمياء، والحساب، والجبر، وما إلى ذلك، وشغل نفسه والناس معه بهذه الأمور التي لم ينزل القرآن من أجلها وإن جاءت صراحة أو إشارة في ثنايا البراهين القرآنية على القضايا الأساسية التي أنزل القرآن من أجلها، وقد مر ذكرها في أول الكتاب.
والخلاصة هنا: أنه يجب على المفسر ملاحظة أن القرآن كتاب هداية وإعجاز، وأن يجعل هدفه الأعلى، ومقصده الأسمى، إظهار هدايات الله من كلامه، وبيان وجوه إعجازه في كتابه لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ
стр. 145
لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [سورة الأنفال آية: ٤٢].
التفسير المحمود والتفسير المذموم:
تفسير الصحابة والتابعين، وتفسير الذين اعتمدوا على أقوال الصحابة والتابعين بالأسانيد الصحيحة، وتفسير أهل الرأي الموفق الذين جمعوا بين المأثور الصحيح مع حذف أسانيده وبين آرائهم العلمية المعتدلة، كل هذه الثلاثة من التفسير المحمود، ويغلب هذا النوع الثالث في عصرنا الحاضر؛ إذ تجمع التفاسير لدينا بين معان مأثورة، ومعان توسعوا في ذكرها عن طريق الرأي والاجتهاد المعتمد على العلم والاعتدال.
وهناك نوع رابع، هو تفسير أهل الأهواء والبدع وحكمه أنه مذموم قالوا: وأشهر الغارقين في هذا الضلال: الرماني، والجبائي، والقاضي عبد الجبار، ثم اختلفوا في الزمخشري، فمنهم من عدّ تفسيره من هذا النوع لما فيه من مناحي الاعتزال، ومنهم من قال: إن فيه فوائد مهمة، يريد بذلك أن يلتمس له المعاذير وأن يغلب جانب الفوائد التي فيه على جانب الاعتزال الذي يحتويه، ولكن عدالة الأحكام تقضي بأن نسوي بين جميع التفاسير وأن نحاكمها إلى مبدأ واحد، فما وافق منها وجه الصواب، وكان بمنأى عن البدع والأهواء؛ فهو محمود، وما تورط منها في الخطأ وتخبط في الهوى والبدعة؛ فهو مذموم، لا فرق في ذلك بين الزمخشري وغير الزمخشري، ولا بين معتزلي وغير معتزلي.
ميزان المدح والذم:
ثم إن هناك ميزانا لما يحمد من التفسير وما يذم، وهو الفيصل الذي يجب أن نحكمه ونزن كل تفسير به، فما رجح في هذا الميزان قلبناه وحمدناه، وما طاش رفضناه وذممناه، والمدح والذم درجات بعضها فوق بعض، على حسب استيفاء التفسير لوجوه المدح والذم أو نقصها قليلا أو كثيرا، وسنضع هذا الميزان بين يديك تحت عنوان «منهج المفسرين بالرأي».
غير أنا نسترعي نظرك هنا إلى كلمة أهل البدع والأهواء، ونريد أن تكون موفّقا في حكمك على أية طائفة أو أي شخص ببدعة أو هوى، وإلا خيف عليك أن تكون أنت صاحب البدعة والهوى في حكمك: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ [سورة ص آية: ٢٦].
غلطة التعصب للرأي:
واعلم أن هناك أفرادا- بل أقواما- تعصبوا لآرائهم ومذاهبهم، وزعموا أن من خالف هذه الآراء والمذاهب كان مبتدعا متبعا لهواه، ولو كان متأولا تأويلا سائغا يتسع
следующие страницы →