ضبطه، ولهذا يجب النظر في سلسلة الرواة عنهم رجلا رجلا، ولدينا من كتب الجرح والتعديل ما يفي بهذه الغاية، ولا يكفي الاعتماد على ذكر السند في كتاب كبير كتفسير ابن جرير، فقد يذكر ابن جرير أو غيره أشياء غير صحيحة ويسوق أسانيدها ثم لا يبين المجروح من رجال السند ولا المعدّل فيهم.
الأمر الثاني: أن يكون أولئك الثلاثة قد رووا ما رووه على أنه مما كان في الإسرائيليات، فتقبلها الآخذون على أنها من الإسلاميات، ولهذا يجب النظر في هذه المرويات، فإن كانت مما يقرره الإسلام قبلناها، وإن كانت مما يرده رددناها، وإن كانت مما سكت عنه سكتنا عنها عملا بقوله ﷺ : «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» [رواه البخاري بهذا اللفظ].
ورواه أحمد والبزار من حديث جابر بلفظ: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تكذّبوا بحق أو تصدقوا بباطل، والله لو كان موسى بين أظهركم ما حلّ له إلا اتباعي»، وسبب هذا الحديث أن النبي ﷺ علم أن عمر كتب شيئا من التوراة عن اليهود فغضب ﷺ وقاله. اه.
تدوين التفسير بالمأثور وخصائص كتبه
جاء قرن تابعي التابعين، وفيه ألّفت تفاسير كثيرة، جمعت من أقوال الصحابة والتابعين، كتفسير سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وآدم بن إياس، وإسحاق بن راهويه، وروح بن عبادة، وعبد ابن حميد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن أبي طلحة، والبخاري وآخرين.
ومن بعدهم ألف ابن جرير الطبري كتابه المشهور وهو من أجلّ التفاسير، ثم ابن أبي حاتم، وابن ماجه، والحاكم، وابن مردويه، وابن حبان، وغيرهم.
وليس في تفاسير هؤلاء إلا ما هو مسند إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم، ما عدا ابن جرير؛ فإنه تعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض وذكر الإعراب والاستنباط.
فكرة عن تفسير ابن جرير:
ابن جرير هو: أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، ولد (سنة ٢٢٤ هـ)، وتوفّي سنة ٣١٠ هـ)، كان فريد عصره، ووحيد دهره علما وعملا، وحفظا لكتاب الله وخبرة بمعانيه، وإحاطة بالآيات ناسخها ومنسوخها، وبطرق الرواية صحيحها وسقيمها، وبأحوال الصحابة والتابعين.
стр. 142
لذلك كان تفسيره من أجلّ التفاسير بالمأثور وأصحها وأجمعها بسبب ما أورده عن الصحابة والتابعين وعرض فيه لتوجيه الأقوال، ورجح بعضها على بعض، ورجح فيه كثيرا من الإعراب واستنباط الأحكام، وقد شهد العارفون بأنه لا نظير له في التفاسير.
قال النووي في تهذيبه: كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله، وقال أبو حامد الإسفراييني شيخ الشافعية: لو رحل أحد إلى الصين ليحصّل تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا عليه.
ومن مزاياه: أنه حرر الأسانيد وقرب البعيد، وجمع ما لم يجمعه غيره، غير أنه قد يسوق أخبارا بالأسانيد غير صحيحة ثم لا ينبه على عدم صحتها.
وقلنا: إن عذره في ذلك هو ذكر السند في زمن توافر الناس فيه على معرفة حال السند من غير توقف على تنبيه منه، وهذا التفسير موجود إلى اليوم ومنتشر مطبوع، وهو عمدة لأكثر المفسرين.
تفسير أبي الليث السمرقندي:
هو تفسير بالمأثور، يذكر فيه كثيرا من أقوال الصحابة والتابعين غير أنه لا يذكر الأسانيد وهو مخطوط في مجلدين وموجود في مكتبة الأزهر.
الدر المنثور في التفسير بالمأثور:
هو للإمام جلال الدين السيوطي، قال في مقدمته: إنه لخصه من كتاب ترجمان القرآن، وهو التفسير المسند إلى رسول الله ﷺ ، وهو مطبوع بمصر، وقد ذكر في كتابه الإتقان أنه شرع في تفسير جامع لما يحتاج إليه من التفاسير المنقولة والأقوال المعقولة، والاستنباط والإشارات والأعاريب واللغات، ونكت البلاغة، ومحاسن البديع، وسماه «مجمع البحرين ومطلع البدرين»، وذكر أنه جعل كتاب الإتقان مقدمة له، وذكر في خاتمة كتاب الإتقان نبذة صالحة من التفسير بالمأثور المرفوع إلى النبي ﷺ من أول الفاتحة إلى أول سورة الناس.
تفسير ابن كثير:
ابن كثير: هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر، القرشي، الدمشقي الشافعي المولود سنة (٧٠٥ هـ) المتوفي سنة (٧٧٤ هـ)، وتفسيره هذا من أصح التفاسير بالمأثور إن لم يكن أصحها جميعا، نقل فيه عن النبي ﷺ وكبار الصحابة والتابعين، وقد أخرجته مطبعة المنار بمصر في تسعة أجزاء، ومعه بأسفل الصفحات تفسير البغوي الآتي ذكره، وبآخره كتاب «فضائل القرآن» الذي يعتبر متمما له.
стр. 143
تفسير البغوي:
هو العلامة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الفقيه الشافعي، كان إماما في التفسير والحديث، له التصانيف المفيدة، ومنها: معالم التنزيل، أتى فيه بالمأثور، ولكن مجردا عن الأسانيد.
تفسير بقيّ بن مخلد:
ذكر الإمام السيوطي في طبقات المفسرين أن بقي بن مخلد بن يزيد بن عبد الرحمن الأندلسي القرطبي، أحد الأعلام وصاحب التفسير والسند، أخذ عن يحيى بن يحيى الليثي ورحل إلى المشرق، ولقي الكبار بالحجاز ومصر وبغداد، وسمع من أحمد بن حنبل، وسمع بالكوفة أبا بكر بن أبي شيبة، وسمع بمصر يحيى بن بكير، وسمع بالحجاز أبا مصعب الزهري، وسمع بدمشق هشام بن عمار، وشيوخه مائتان وأربعة وثمانون رجلا، وكان إماما زاهدا صوّاما صادقا مجاب الدعوة، قليل المثل، بحرا في العلم، مجتهدا لا يقلد أحدا، عني بالأثر، وليس لأحد مثل سنده في الحديث ولا في التفسير.
قال ابن حزم: أقطع أنه لم يؤلّف في الإسلام مثل تفسيره، لا تفسير ابن جرير ولا غيره، ولد سنة (٢٠٤ هـ) وتفسيره الموصوف بما ترى يؤسفنا أنه لم يكتب له البقاء، ولم يظفر بما ظفر به تفسير ابن جرير من هذا الخلود.
طرق المفسرين بعد العصر الأول:
ثم إن كتب التفسير بالمأثور موسوعات كبيرة، لا نستطيع الإحاطة بها ولا بأسماء جميع مؤلفيها، ولا بطريقة كل مؤلف فيها، غير أنا نستطيع أن نجمل القول في طرق المفسرين بعد العصر الأول فنقول:
بعد عصر الأولين الذين ألفوا في التفسير بالمأثور، والتزموا ذكر السند بجملته، جاء قوم صنفوا في التفسير، واختصروا الأسانيد، ولم ينسبوا الأقوال لقائليها، والتبس بذلك الصحيح وغيره، وصار الناظر في تلك الكتب يظنها كلها صحيحة، بينما هي مفعمة بالقصص وبالإسرائيليات على وجه لا تمييز فيه كأنها كلها حقائق، ومن هنا استهدفت رواياتهم للتجريح والطعن، ولولا ما يقوم به المحققون في كل عصر من إحقاق الحق ودحض الباطل؛ لا نطمست المعالم، واختلط الحابل بالنابل، ولكان ذلك مثار مطاعن توجه بلا حساب إلى الإسلام والمسلمين.
فقد ذكروا في قصص الأنبياء، وفي بدء الخليقة، والزلازل، ويأجوج ومأجوج،
стр. 144
وبرودة الماء الذي في الآبار زمن الصيف، وحرارته في الشتاء، ذكروا في ذلك كله ما يندى له الجبين خجلا، وما لا يتفق والحقائق العلمية أبدا، ويا ليتهم نبهوا على وضعه! لو أنهم فعلوا لكان الأمر هينا، لكنهم لم يذكروا السند، كما ذكر الأولون ليستطيع المطلع عليه نقده بالرجوع إلى كتب الجرح والتعديل، ثم لم يكلفوا أنفسهم الحكم على السند بعد محاكمته إلى كتب التعديل والتجريح (وتلك ثالثة الأثافي).
وقد عني بعض المفسرين بأن يسرد شتاب الأقوال، حتى إنه ذكر في تفسير قوله سبحانه: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ نحو عشرة أقوال، مع أن الوارد الصحيح تفسير المغضوب عليهم باليهود، وتفسير الضالين بالنصارى، لكن الولوع بكثرة النقول نأى بهم عن الاقتصار على التفسير المقبول.
وكذلك نلاحظ أن كل بارع في فن يقتصر غالبا في تفسيره على الفن الذي برع فيه، فالمبرز في العلوم العقلية كالفخر الرازي، أغرم باستعراض أقوال الحكماء
والفلاسفة وشبههم والرد عليها في تفسيره، والمبرز في الفقه كالقرطبي أولع بتقرير الأدلة للفروع الفقهية وأقوال الفقهاء فيها، والمبرز في النحو كالزجّاج والواحدي في البسيط وأبي حيان في البحر، يهتم أعظم الاهتمام بالإعراب ووجوهه، ونقل قواعد النحو وفروعها، وأصحاب المذاهب المتطرفة والنّحل الضالة يقصدون إلى تأويل الآيات على ما يروج مذاهبهم في التطرف والضلال.
والأخباريون يعنيهم أن يستقصوا القصص والأخبار عمن سلف، صحيحة كانت أو باطلة.
والإشاريون وأرباب التصوف تهمهم ناحية الترغيب والترهيب والزهد والقناعة والرضا، فيفسرون القرآن بما يوافق مشاربهم وأذواقهم، وعلى الإجمال نرى كل نابغة في فن، أو داعية إلى مذهب أو فكرة، يجتهد في تفسير الآيات بما يوافق فنه، ويلائم مشربه، ويناصر مذهبه، ولو كان بعيدا كل البعد عن المقصد الذي نزل من أجله القرآن.
ولقد غالى بعضهم فجعل القرآن مشتملا على العلوم الكونية، كالطبيعة، والكيمياء، والحساب، والجبر، وما إلى ذلك، وشغل نفسه والناس معه بهذه الأمور التي لم ينزل القرآن من أجلها وإن جاءت صراحة أو إشارة في ثنايا البراهين القرآنية على القضايا الأساسية التي أنزل القرآن من أجلها، وقد مر ذكرها في أول الكتاب.
والخلاصة هنا: أنه يجب على المفسر ملاحظة أن القرآن كتاب هداية وإعجاز، وأن يجعل هدفه الأعلى، ومقصده الأسمى، إظهار هدايات الله من كلامه، وبيان وجوه إعجازه في كتابه لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ
стр. 145
لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [سورة الأنفال آية: ٤٢].
التفسير المحمود والتفسير المذموم:
تفسير الصحابة والتابعين، وتفسير الذين اعتمدوا على أقوال الصحابة والتابعين بالأسانيد الصحيحة، وتفسير أهل الرأي الموفق الذين جمعوا بين المأثور الصحيح مع حذف أسانيده وبين آرائهم العلمية المعتدلة، كل هذه الثلاثة من التفسير المحمود، ويغلب هذا النوع الثالث في عصرنا الحاضر؛ إذ تجمع التفاسير لدينا بين معان مأثورة، ومعان توسعوا في ذكرها عن طريق الرأي والاجتهاد المعتمد على العلم والاعتدال.
وهناك نوع رابع، هو تفسير أهل الأهواء والبدع وحكمه أنه مذموم قالوا: وأشهر الغارقين في هذا الضلال: الرماني، والجبائي، والقاضي عبد الجبار، ثم اختلفوا في الزمخشري، فمنهم من عدّ تفسيره من هذا النوع لما فيه من مناحي الاعتزال، ومنهم من قال: إن فيه فوائد مهمة، يريد بذلك أن يلتمس له المعاذير وأن يغلب جانب الفوائد التي فيه على جانب الاعتزال الذي يحتويه، ولكن عدالة الأحكام تقضي بأن نسوي بين جميع التفاسير وأن نحاكمها إلى مبدأ واحد، فما وافق منها وجه الصواب، وكان بمنأى عن البدع والأهواء؛ فهو محمود، وما تورط منها في الخطأ وتخبط في الهوى والبدعة؛ فهو مذموم، لا فرق في ذلك بين الزمخشري وغير الزمخشري، ولا بين معتزلي وغير معتزلي.
ميزان المدح والذم:
ثم إن هناك ميزانا لما يحمد من التفسير وما يذم، وهو الفيصل الذي يجب أن نحكمه ونزن كل تفسير به، فما رجح في هذا الميزان قلبناه وحمدناه، وما طاش رفضناه وذممناه، والمدح والذم درجات بعضها فوق بعض، على حسب استيفاء التفسير لوجوه المدح والذم أو نقصها قليلا أو كثيرا، وسنضع هذا الميزان بين يديك تحت عنوان «منهج المفسرين بالرأي».
غير أنا نسترعي نظرك هنا إلى كلمة أهل البدع والأهواء، ونريد أن تكون موفّقا في حكمك على أية طائفة أو أي شخص ببدعة أو هوى، وإلا خيف عليك أن تكون أنت صاحب البدعة والهوى في حكمك: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ [سورة ص آية: ٢٦].
غلطة التعصب للرأي:
واعلم أن هناك أفرادا- بل أقواما- تعصبوا لآرائهم ومذاهبهم، وزعموا أن من خالف هذه الآراء والمذاهب كان مبتدعا متبعا لهواه، ولو كان متأولا تأويلا سائغا يتسع
стр. 146
له الدليل والبرهان، كأن رأيهم ومذهبهم هو المقياس والميزان، أو كأنه الكتاب والسنة والإسلام، وهكذا استزلهم الشيطان وأعماهم الغرور.
ولقد نجم عن هذه الغلطة الشنيعة أن تفرق كثير من المسلمين شيعا وأحزابا، وكانوا حربا على بعضهم وأعداء، وغاب عنهم أن الكتاب والسنة والإسلام أوسع من مذاهبهم وآرائهم، وأن مذاهبهم وآراءهم أضيق من الكتاب والسنة والإسلام، وأن في ميدان الحنيفية السمحة متسعا لحرية الأفكار، واختلاف الأنظار، مادام الجميع معتصما بحبل الله.
ثم غاب عنهم أن الله تعالى يقول: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [سورة آل عمران آية: ١٠٣].
ويقول جل ذكره: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [سورة الأنعام آية: ١٥٩].
ويقول تقدست أسماؤه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [سورة آل عمران آية: ١٠٥، ١٠٦].
لمثل هذا أربأ بنفسي وبك أن تتهم مسلما بالكفر أو البدعة والهوى لمجرد أنه خالفنا في رأي إسلامي نظري، فإن الترامي بالكفر والبدعة من أشنع الأمور.
ولقد قرر علماؤنا أن الكلمة إذا احتملت الكفر من تسعة وتسعين وجها ثم احتملت الإيمان من وجه واحد، حملت على أحسن المحامل وهو الإيمان، وهذا موضوع مفروغ منه ومن التدليل عليه، لكن يفت في عضدنا غفلة كثير من إخواننا المسلمين عن هذا الأدب الإسلامي العظيم، الذي يحفظ الوحدة، ويحمي الأخوة، ويظهر الإسلام بصورته الحسنة ووجهه الجميل من السماحة واليسر، واتساعه لجميع الاختلافات الفكرية والمنازع المذهبية، والمصالح البشرية، مادامت معتصمة بالكتاب والسنة على وجه من الوجوه الصحيحة التي يحتملها النظر السديد والتأويل الرشيد.
ولقد حدث مثل هذا الاختلاف على عهد رسول الله ﷺ بين أصحابه، فما تنازعوا من أجله، بل أخذ كل برأيه وهو يحترم الآخر ورأيه، وأقرهم الرسول ﷺ على ذلك، ولم يعب أحدا منهم، على رغم أنه ترتب على بعض هذه الاختلافات أن ترك بعضهم الصلاة في وقتها اجتهادا منه، إذ قال الرسول ﷺ لفئة من أصحابه: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة» فسافروا وجدّوا، ولكن الغزالة تدلت للغروب وهم لا يزالون ضاربين في الأرض، ولمّا يصلّوا. هنالك اجتهدوا، فمنهم من وقف عند ظاهر النص
стр. 147
فترك العصر حتى خرج وقته مادام لم يصل إلى بني قريظة، ومنهم من تأول النص وحمله على الكناية في الإسراع فصلّى حين خاف فوات الوقت من قبل أن يصل إلى بني قريظة.
نقول: إن مثل هذا الخلاف حدث على عهد صاحب الرسالة وأقره، تيسيرا على المسلمين وإعلاما بأن الإسلام دين الكافة، يسع جميع البشر في كل العصور والأحوال، وشهد المسلمون بعد ذلك عصرا سعيدا كان أئمة الدين فيه يختلفون فيما بينهم كثيرا، ولكنهم كانوا بجانب هذا يتكارمون ويتعاونون ويتراحمون كثيرا.
وإن كنت في شك فاسأل التاريخ عن إكرام مالك للشافعي، واحترام الشافعي لأحمد بن حنبل، حتى ورد أنه كان يتبرك بغسالة قميصه، أي يتبرك الأستاذ الإمام بغسالة قميص تلميذه المخالف له في الرأي والاجتهاد! ثم سل التاريخ عن معاونة صاحب أبي حنيفة للشافعي، ودفعه إليه كتبه في كرم وحسن ضيافة وصدق محبة! ولا تنس إباء مالك على الخليفة العباسي أن يحمل الناس في بلاد الإسلام كلها على موطئه ومذهبه، ويعتذر إليه بأن الإسلام أوسع من موطئه ومذهبه، وأن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلاد ولكلّ وجهة.
أرأيت هذا النبل والطهر؟ .. أجل .. أجل!! ولكنك يضيق بك الأسف حين ترى بجانبه فئات من المسلمين أيضا تراشقوا بالكفر، وتراموا بالشرك، وتقاذفوا بالتبدّع والهوى لمجرد تأويل يستسيغه النظر، ويتسع له صدر الاستدلال.
ثم اتسع الخرق على الراقع في بعض الظروف حتى دارت معارك طاحنة بين صفوف كلها مسلمة، وأريقت دماء ذكية كلها إسلامية! ولا نزال نشهد من مثل هذا الصراع القائم على التنطع مشاهد ما كان أغنانا عنها، وما كان أحرانا بالحذر منها، خصوصا بعد ما سمعنا من الآيات، وبعد أن أقر الرسول ﷺ أمثال هذه الخلافيات وبعد أن قال في حديث واحد ثلاث مرات: «هلك المتنطعون» وهي كلمة صغيرة ولكنها كبيرة، تحذر وتنذر، وتمثل الهلاك جاثما بالتنطع بأشكاله وألوانه، في الأنفس والأعراض والأموال، وفي الجماعات والأفراد على سواء.
التفسير بالرأي وبيان ما يجوز منه وما لا يجوز
المراد بالرأي هنا الاجتهاد، فإن كان الاجتهاد موفقا؛ أي مستندا إلى ما يجب الاستناد إليه بعيدا عن الجهالة والضلالة، فالتفسير به محمود، وإلا فمذموم، والأمور التي يجب استناد الرأي إليها في التفسير نقلها السيوطي في الإتقان عن الزركشي فقال ما ملخصه:
стр. 148
للناظر في القرآن لطلب التفسير مآخذ كثيرة (يستمد منها تفسيره) أمهاتها أربعة:
الأولى: النقل عن رسول الله ﷺ مع التحرز عن الضعيف والموضوع.
الثانية: الأخذ بقول الصحابي، فقد قيل: إنه في حكم المرفوع مطلقا، وخصه بعضهم بأسباب النزول ونحوها مما لا مجال للرأي فيه.
الثالثة: الأخذ بمطلق اللغة مع الاحتراز عن صرف الآيات إلى ما لا يدل عليه الكثير من كلام العرب.
الرابعة: الأخذ بما يقتضيه الكلام وتدل عليه الأصول الشرعية، وهذا النوع الرابع هو الذي دعا به النبي ﷺ لابن عباس في قوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل».
فمن فسر القرآن برأيه- أي باجتهاده- ملتزما الوقوف عند هذه الأصول معتمدا عليها فيما يرى من معاني كتاب الله؛ كان تفسيره سائغا جائزا خليقا بأن يسمى التفسير الجائز أو التفسير المحمود، ومن حاد عن هذه الأصول وفسرا القرآن غير معتمد عليها؛ كان تفسيره ساقطا مرذولا خليقا بأن يسمّى التفسير غير الجائز أو التفسير المذموم.
فالتفسير بالرأي الجائز: يجب أن يلاحظ فيه الاعتماد على ما نقل عن الرسول ﷺ وأصحابه مما ينير السبيل للمفسر برأيه، وأن يكون صاحبه عارفا بقوانين اللغة خبيرا بأساليبها، وأن يكون بصيرا بقانون الشريعة حتى ينزل كلام الله على المعروف من تشريعه.
أما الأمور التي يجب البعد عنها في التفسير بالرأي فمن أهمها: التهجم على تبيين مراد الله من كلامه على جهالة بقوانين اللغة أو الشريعة.
ومنها: حمل كلام الله على المذاهب الفاسدة.
ومنها: الخوض فيما استأثر الله بعلمه، ومنها: القطع بأن مراد الله كذا من غير دليل، ومنها: السير مع الهوى والاستحسان.
ويمكن تلخيص هذه الأمور الخمسة في كلمتين هما: الجهالة، والهوى.
وينبغي أن يعلم أن في القرآن علوما ثلاثة:
الأول: علم لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه، بل استأثر به وحده؛ كمعرفة حقيقة ذاته وصفاته وغيوبه التي لا يعلمها إلا هو، وهذا النوع لا يجوز الكلام فيه لأحد إجماعا.
الثاني: ما أطلع الله عليه نبيه ﷺ واختص به، وهذا لا يجوز الكلام فيه إلا له ﵊ ولمن أذن له الرسول، قيل: ومنه أوائل السور.
الثالث: العلوم التي علمها الله لنبيه مما أمر بتبليغه، وهذا النوع قسمان:
стр. 149
قسم لا يجوز الكلام فيه إلا بطريق السمع، كالكلام في الناسخ والمنسوخ، والقراءات، وقصص الأمم الماضية، وأسباب النزول، وأخبار الحشر والنشر والمعاد.
وقسم يعرف بطريق النظر والاستدلال، وهذا منه المختلف في جوازه، وهو ما يتعلق بالآيات المتشابهات، ومنه المتفق على جوازه، وهو ما يتعلق بآيات الأحكام والمواعظ والأمثال والحكم ونحوها لمن له أهلية الاجتهاد.
العلوم التي يحتاجها المفسر
وقد بيّن العلماء أنواع العلوم التي يجب توافرها في المفسر فقالوا: هي اللغة، والنحو والصرف، وعلوم البلاغة، وعلم أصول الفقه، وعلم التوحيد، ومعرفة أسباب النزول، والقصص، والناسخ والمنسوخ، والأحاديث المبينة للمجمل والمبهم، وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، ولا يناله من في قلبه بدعة، أو كبر، أو حب دنيا، أو ميل إلى المعاصي، قال الله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [سورة الأعراف آية: ١٤٦].
وقال الإمام الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي
ملاحظة:
هذه الشروط التي ذكرناها، وهذه العلوم كلها، إنما هي لتحقيق أعلى مراتب التفسير مع إضافة تلك الاعتبارات المهمة المسطورة في الكلمات القيمة الآتية أما المعاني العامة التي يستشعر منها المرء عظمة مولاه، والتي يفهمها الإنسان عند إطلاق اللفظ الكريم؛ فهي قدر يكاد يكون مشتركا بين عامة الناس وهو المأمور به للتدبر والتذكر؛ لأنه سبحانه سهّله ويسّره وذلك أدنى مراتب التفسير.
أهم كتب التفسير بالرأي
قد علم مما سبق أن التفسير بالرأي منه الممدوح الجائز، ومنه المذموم غير الجائز.
وهاك بيانا بأشهر من ألّف في القسم الأول من أهل السنة ومؤلفاتهم:
١ - الإمامان الجليلان: جلال الدين محمد المحلي، وجلال الدين عبد الرحمن
стр. 150
السيوطي، وهما صاحبا التفسير المعروف ب تفسير «الجلالين» .
٢ - الإمام البيضاوي ناصر الدين بن سعيد صاحب التفسير المسمى «أنوار التنزيل وأسرار التأويل».
٣ - الإمام فخر الدين الرازي محمد ابن العلامة ضياء الدين عمر المشهور بخطيب الرّيّ صاحب التفسير المسمى «مفاتيح الغيب».
٤ - أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى الطحاوي صاحب التفسير المسمى «إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم».
٥ - العلامة شهاب الدين الألوسي صاحب التفسير المسمى «روح المعاني».
٦ - نظام الدين الحسن محمد النيسابوري صاحب التفسير المسمى: «غرائب القرآن ورغائب الفرقان».
٧ - العلامة الشيخ محمد الشربيني الخطيب صاحب التفسير المسمى «السراج المنير في الإعانة على معرفة كلام ربنا الخبير».
٨ - أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي صاحب التفسير المسمى «مدارك التنزيل وحقائق التأويل».
٩ - علاء الدين عليّ بن محمد بن إبراهيم البغدادي صاحب التفسير المعروف «تفسير الخازن».
تفسير الجلالين:
أما تفسير الجلالين: فكتاب قيم، سهل المأخذ إلى حد ما، مختصر العبارة كثيرا، يكاد يكون أكثر التفاسير انتشارا ونفعا، وإن كان أصغرها أو من أصغرها شرحا وحجما، تداولته طبقات مختلفة من أهل العلم وغيرهم، وطبع طبعات كثيرة متنوعة، طبع مرة واحدة مجردا، وأخرى بحاشية المصحف، وثالثة مع حاشية الصاوي، ورابعة مع حاشية الجمل، وأوسع حواشيه حاشية الجمل، والعجيب أن كثيرا من فطاحل العلماء كانوا يختارونه لأعلى دراسة عرفت في التفسير كمادة أساسية يدورون حولها، ويستلهمون وحيها، حتى إن دروس التفسير الشهيرة للعلامة المرحوم الشيخ محمد عبده كانت مادته فيها تفسير الجلالين على ما سمعت.
стр. 151
تفسير البيضاوي:
وأما تفسير البيضاوي: فهو كتاب جليل دقيق جمع بين التفسير والتأويل على قانون اللغة العربية، وقرر الأدلة على أصول أهل السنة، وقد التزم أن يختم كل سورة بما يروى في فضلها من الأحاديث، غير أنه لم يتحرّ فيها الصحيح، وأحسن حواشيه المتداولة حاشية الشهاب الخفاجي، وإن كان له حواش أخرى كثيرة، ومنها حاشية سعد أفندي، وحاشية الروشني، وحاشية الششتري وغيرها.
تفسير الفخر الرازي:
وسيأتي الكلام عليه تحت عنوان «تفاسير أهل الكلام».
تفسير أبي السعود:
تفسير رائع ممتاز يستهويك حسن تعبيره، ويروقك سلامة تفكيره، ويروعك ما أخذ نفسه به من تجلية بلاغة القرآن، والعناية بهذه الناحية المهمة في بيان إعجازه مع سلامة في الذوق، وتوفيق في التطبيق، ومحافظة على عقائد أهل السنة، وبعد عن الحشو والتطويل.
تفسير النيسابوري:
يمتاز بسهولة عباراته، وبتحقيق ما يحتاج إلى تحقيق، مع قصد وخلو من الحشو، وقد عنى بأمرين يلتزمهما: الكلام على القراءات والأوقف في أول كل مرحلة من مراحل التفسير، والكلام على التأويل الإشاري في آخر كل مرحلة من تلك المراحل، وهو مطبوع طبعة شهيرة على هامش تفسير ابن جرير، وهو مختصر لتفسير الفخر الرازي مع تهذيب كبير.
تفسير الألوسي:
وسيأتي الكلام عليه عند التفسير الإشاري.
تفسير النسفي:
كتاب جليل متداول مشهور، سهل ودقيق، قال فيه صاحب كشف الظنون: هو كتاب وسط في التأويلات، جامع لوجوه الإعراب والقراءات، متضمن لدقائق علم البديع والإشارات، ومرشح لأقاويل أهل السنة والجماعة، خال من أباطيل أهل البدع والضلالة، ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل. اه.
стр. 152
تفسير الخطيب:
كتاب عظيم يعنى بثلاثة أشياء: تقرير الأدلة وتوجيهها، والكلام على المناسبات بين السور والآيات، وسرد كثير من القصص والروايات.
تفسير الخازن:
تفسير مشهور، يعني بالمأثور، بيد أنه لا يذكر السند، وله ولوع بالتوسع في الروايات والقصص، ومن مزاياه أنه يتبع القصة ببيان ما فيها من باطل؛ حتى لا ينخدع بها غرّ، ولا يفتن بها جاهل.
تفاسير الفرق المختلفة
وذلك كالتفسير الإشاري وتفاسير أهل الكلام، وأشهر الكتب في ذلك.
وقد منيت الأمة بأن تفترق أكثر من سبعين فرقة، وأن يلبسها الله شيعا ويذيق بعضها بأس بعض، وإن كانت لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وقد تناولت كل طائفة كتاب الله تفسره بما ارتضته لنفسها من اعتدال أو تطرف، فظهرت مجموعة التفاسير كالمرايا المجلوّة تنطبع فيها صور المفسرين لها على اختلاف مشاربهم، وتباين منازعهم، ولا غرو، فكل إناء بما فيه ينضح، وكل يغني على ليلاه.
ومن هنا تجد تفاسير أهل السنة تظهر فيها عقيدة أهل السنة، و تفاسير المعتزلة تظهر فيها عقيدة الاعتزال، والشيعة تظهر في تفاسيرهم عقيدة التشيع، وهلم .. وهلم.
وقد تكلمنا تحت العنوان السابق على نماذج من تفاسير أهل السنة، فلنتكلم هنا على نماذج من تفاسير الفرق المختلفة.
تفاسير المعتزلة
ونختار منها كتاب الكشاف للزمخشري: وصاحبه هو محمود بن عمر بن محمد ابن عمر النحوي اللغوي المعتزلي الملقب بجار الله، ولد سنة (٤٦٧ هـ)، وتوفي سنة (٥٣٨ هـ)، بعد أن برع في اللغة والأدب والنحو، ومعرفة أنساب العرب حتى فاق أقرانه، ثم تظاهر بالاعتزال ودعا إليه.
وكتابه خير كتاب أو من خير الكتب التي يرجع إليها في التفسير من ناحية البلاغة،
стр. 153
رغم نزعته الاعتزالية، وأغلب التفاسير من بعده أخذت منه واعتمدت عليه.
ويمتاز الكشاف بأمور: منها: خلوه من الحشو والتطويل.
ومنها: سلامته من القصص والإسرائيليات.
ومنها: اعتماده في بيان المعاني على لغة العرب وأساليبهم.
ومنها: عنايته بعلمي المعاني والبيان والنكات البلاغية، تحقيقا لوجوه الإعجاز.
ومنها: سلوكه فيما يقصد إيضاحه طريق السؤال والجواب كثيرا، ويعنون السؤال بكلمة «إن قلت» بفتح التاء، ويعنون الجواب بكلمة «قلت» بضم التاء.
وللكشاف حواش كثيرة منها: حاشية ابن كمال باشازاده، وحاشية علاء الدين المعروف بالبهلوان، وحاشية الشيخ حيدر، وحاشية الرهاوي.
تفاسير الباطنية
الباطنية قوم رفضوا الأخذ بظاهر القرآن وقالوا: للقرآن ظاهر وباطن، والمراد منه باطنه دون ظاهره، ويستدلون بقوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [سورة الحديد آية: ١٣]، وهم فرق متعددة على المثال الآتي:
منهم القرامطة: نسبة إلى حمدان قرمط؛ وقرمط إحدى قرى واسط، وهو الذي تزعمهم فيما ذهبوا إليه.
والإسماعيلية: نسبة إلى إسماعيل، أكبر أولاد جعفر الصادق؛ وذلك لأنهم كانوا يعتقدون الإمامة فيه، وقيل: إنهم سموا إسماعيلية؛ لانتسابهم إلى محمد بن إسماعيل.
والسبعية: نسبة إلى عدد السبعة، وذلك لأنهم يعتقدون أن في كل سبعة إماما يقتدى به.
ومذهب الباطنية على عمومه وباء انتقل إليهم بطريق العدوى من المجوس.
ومن تأويلاتهم الفاسدة في القرآن أنهم يقولون في تفسير قوله تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [سورة النمل آية: ١٦]، أن الإمام عليّا ورث النبي في عمله.
ويقولون: معنى الجنابة أنها مبادرة المستجيب بإفشاء السر قبل أن ينال رتبة الاستحقاق.
ومعنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك.
ومعنى الطهارة: التبري من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام.
стр. 154
ومعنى التيمم: الأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي الإمام.
ومعنى الصيام: الإمساك عن كشف السر.
ويقولون: إن «الكعبة» هي النبي ﷺ ، و (الباب) عليّ و (الصفا) هو النبي ﷺ ، و (المروة) عليّ، و (نار إبراهيم) هي غضب النمرود عليه، و (عصا موسى) هي حجته إلى غير ذلك من الخرافات التي لا يقبلها عقل ولا يؤيدها نقل.
وهذه التأويلات الفاسدة من أشد وأنكى ما يصاب به الإسلام والمسلمون؛ لأنها تؤدي إلى نقض بناء الشريعة حجرا حجرا وإلى الخروج من ربقة الإسلام وحل عراه عروة عروة.
تفاسير الشيعة
الشيعة: طائفة كبيرة بالغت في حبها للإمام عليّ وتقديرها إياه، والمبالغة والإسراف في شأنه إلى حد أوقعهم في الرذائل.
يقول علماء الأخلاق: الفضيلة وسط بين رذيلتين، ويقولون: إذا خرج الشيء عن حده عاد إلى ضده.
ولذا أمر الإسلام بالاعتدال حتى في حب النبي ﷺ وتقديره.
يقول الله تعالى لنبيه: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [سورة الأعراف آية: ١٨٨].
ويقول النبي ﷺ لأمته: «لا تطروني (تمدحوني) كما أطرت النصارى ابن مريم، ولكن قولوا عبد الله ورسوله».
ولكن الشيعة بالغوا وأسرفوا في حب الإمام وتقديره، وهم فرق كثيرة.
فمنهم من أغرق في نفس التشيع حتى كفر، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن سبأ اليهودي عدو الله الذي ما أظهر الإسلام إلا بقصد الكيد له والإفساد فيه، ولهذا كانت تلك الفرقة في موقف خصومة وحرب من المسلمين، حتى ورد أن الإمام عليّا نفسه شن الغارة عليهم وحاربهم وطاردهم.
ومنهم قوم معتدلون لم يسقطوا في هاوية الكفر، وإن خالفوا أهل السنة والجماعة في تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان، وتقديمهم على الإمام عليّ في الخلافة- ﵃ أجمعين- ولهؤلاء مذاهب ودراسات وكتب وتفسيرات، وأدلة وتأويلات.
стр. 155
ومن تفاسير الشيعة كتاب يسمّى «مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار» مؤلفه يدعى المولى عبد اللطيف الكازلاني من النجف، وهذا التفسير مشتمل على تأويلات تشبه تأويلات الباطنية السابقة، فالأرض يفسرها بالدين، وبالأئمة ﵈، وبالشيعة، وبالقلوب التي هي محل العلم وقراره، وبأخبار الأمم الماضية ... إلخ، فيقول في قوله تعالى: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [سورة النساء آية: ٩٧] المراد دين الله وكتاب الله.
ويقول في قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [سورة الحج آية: ٤٦]. المراد: أولم ينظروا في القرآن. فأنت ترى أنه قد حمل اللفظ الذي لا يجهله أحد على معان غريبة من غير دليل، وما حمله على ذلك إلا مركب الهوى، والتعصب الأعمى لمذهبه.
وذلك لا شك ضلال لا يقل عن ضلال الباطنية والبهائية: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [سورة الزمر آية: ٢٣].
التفسير الإشاري:
وهو تأويل القرآن بغير ظاهره لإشارة خفية تظهر لأرباب السلوك والتصوف، ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر المراد أيضا.
وقد اختلف العلماء في التفسير المذكور، فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه، وإليك شيئا من أقوال العلماء لتعرف وجه الحق في ذلك.
قال الزركشي في البرهان: كلام الصوفية في تفسير القرآن قيل: إنه ليس بتفسير، وإنما هو معان ومواجيد يجدونها عند التلاوة، كقول بعضهم في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [سورة التوبة آية: ١٢٣] أن المراد: النفس، يريدون أن علة الأمر بقتال من يلينا هي القرب، وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه.
وقال ابن الصلاح في فتاويه: وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق في التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر.
قال ابن الصلاح: وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منه إذا قال شيئا من ذلك أنه لم يذكره تفسيرا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة؛ فإنه لو كان كذلك لكانوا قد سلكوا مسلك الباطنية؛ وإنما ذلك منهم تنظير لما ورد به القرآن. فإن النظير يذكر بالنظير، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإبهام والالتباس.
وقال النسفي في عقائده: النصوص على ظواهرها، والعدول عنها إلى معان يدعيها
стр. 156
أهل الباطل إلحاد. اه.
قال التفتازاني في شرحه: سمّيت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها، بل لها معان لا يعرفها إلا المعلم. وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية. قال:
وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها، ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف لأرباب السلوك يمكن التوفيق بينها وبين الظواهر المرادة؛ فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان.
ومن هنا يعلم الفرق بين تفسير الصوفية المسمى بالتفسير الإشاري، وبين تفسير الباطنية الملاحدة؛ فالصوفية لا يمنعون إرادة الظاهر؛ بل يحضون عليه ويقولون: لا بد منه أولا؛ إذ من ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم الظاهر، كمن ادعى بلوغ سطح البيت قبل أن يجاوز الباب.
أما الباطنية فإنهم يقولون: إن الظاهر غير مراد أصلا، وإنما المراد الباطن. وقصدهم نفي الشريعة.
أهم كتب التفسير الإشاري:
وأهم كتب التفسير الإشاري أربعة: تفسير النيسابوري، وتفسير الألوسي وتفسير التستري، وتفسير محيي الدين بن عربي.
١ - أما تفسير النيسابوري: فقد تقدم الكلام عليه، وبقي أن نذكر لك عنه أنه بعد أن يوفي الكلام على ظاهر معنى الآية أو الآيات يقول: قال أهل الإشارة. أو يقول:
«التأويل» ثم يسوق المعنى الإشاري لتلك الآية أو الآيات تحت هذا العنوان. مثال ذلك:
أنه قال بعد التفسير الظاهر لقوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [سورة البقرة آية: ٦٧] قال ما نصه: التأويل: ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني، وهو الجهاد الأكبر. «موتوا قبل أن تموتوا».
٢ - وأما تفسير الألوسي: فاسمه «روح المعاني». ومؤلفه العلامة المحقق شهاب الدين السيد محمد الألوسي البغدادي مفتي بغداد المتوفى سنة (١٢٧٠ م) وهذا التفسير من أجلّ التفاسير وأوسعها وأجمعها. نظم فيه روايات السلف بجانب آراء الخلف المقبولة.
وألف فيه بين ما يفهم بطريق العبارة. وما يفهم بطريق الإشارة، ﵀ وتجاوز عنه.
ومما قاله في التفسير الإشاري بعد أن فسر قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [سورة البقرة آية: ٥٥] إلخ الآيات
стр. 157
بعدها قال ما نصه: ومن مقام الإشارة في الآيات. وإذا قلتم: يا موسى القلب، لن نؤمن الإيمان الحقيقي حتى نصل إلى مقام المشاهدة والعيان. فأخذتكم صاعقة الموت الذي هو الفناء في التجلي الذاتي، وأنتم تراقبون أو تشاهدون. ثم بعثناكم بالحياة الحقيقة، والبقاء بعد الفناء، لكي تشكروا نعمة التوحيد والوصول بالسلوك في الله ، وظللنا عليكم غمام تجلي الصفات، لكونها حجبت شمس الذات إلخ ما قال.
٣ - تفسير التستري: هو أبو محمد سهل بن عبد الله التستري المتوفى سنة (٣٨٣ هـ) وتفسيره هذا لم يستوعب كل الآيات، وإن استوعب السور، وقد سلك فيه مسلك الصوفية مع موافقته لأهل الظاهر.
وإليك نموذجا منه؛ إذ يقول في تفسير البسملة ما نصه:
(الباء) بهاء الله (السين) سناء الله (الميم) مجد الله (والله) هو الاسم الأعظم الذي حوى الأسماء كلها ... إلخ.
نصيحة خالصة:
بيد أن هذا التفسير كما ترى جاء كله على هذا النمط دون أن يتعرض لبيان المعاني الوضعية للنصوص القرآنية. وهنا الخطر كل الخطر؛ فإنه يخاف على مطالعه أن يفهم أن هذه المعاني الإشارية هي مراد الخالق إلى خلقه في الهداية إلى تعاليم الإسلام، والإرشاد إلى حقائق هذا الدين الذي ارتضاه لهم.
ولعلك تلاحظ معي أن بعض الناس قد فتنوا بالإقبال على دراسة تلك الإشارات والخواطر، فدخل في روعهم أن الكتاب والسنة بل الإسلام كله ما هو إلا سوانح وواردات،
على هذا النحو من التأويلات والتوجيهات، وزعموا أن الأمر ما هو إلا تخييلات، وأن المطلوب منهم هو الشطح مع الخيال أينما شطح، فلم يتقيدوا بتكاليف الشريعة. ولم يحترموا قوانين اللغة العربية في فهم أبلغ النصوص العربية كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
والأدهى من ذلك: أنهم يتخيلون ويخيّلون إلى الناس أنهم هم أهل الحقيقة الذين أدركوا الغاية واتصلوا بالله اتصالا أسقط عنهم التكليف، وسما بهم عن حضيض الأخذ بالأسباب، ما داموا في زعمهم مع رب الأرباب، وهذا- لعمر الله- هو المصاب العظيم، الذي عمل له الباطنية وأضرابهم من أعداء الإسلام، كيما يهدموا التشريع من أصوله، ويأتوا بنيانه من قواعده: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ
стр. 158
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [سورة التوبة آية: ٣٢].
فواجب النصح لإخواننا المسلمين يقتضينا أن نحذّرهم الوقوع في هذه الشباك، ونشير عليهم أن ينفضوا أيديهم من أمثال تلك التفاسير الإشارية الملتوية، ولا يعولوا على أشباهها مما ورد في كلام القوم بالكتب الصوفية؛ لأنها كلها أذواق ومواجيد خارجة عن حدود الضبط والتقييد. وكثيرا ما يختلط فيها الخيال بالحقيقة والحق بالباطل، وإذ تجردت من ذلك فقلما يظهر منها مراد القائل، وإذا ظهر فقد يكون من الكفريات الفاحشة، التي نستبعد صدورها من العلماء والمتصوفة، بل من صادقي عامة المسلمين، والتي نرى أن الطعن فيها بالدس والوضع أقرب وأسلم من الطعن فيمن عزيت إليه بالكفر والفسق.
إن أسوأ ما في هذه الكتب: أنها توهم الضعفاء في فهم الشريعة والجاهلين بها أن ما فيها هو الحقيقة التي وصلت إليها قلوب العابدين أو المفتونين، والحقيقة أن هذه العلوم طمس للحقيقة التي أنزلها الله تعالى وبينها وشرحها رسوله ﷺ ، وما هذه الشطحات إلا نوع من الخبل يراد منه صرف الناس عن الحقائق الإلهية التي جاءت في الكتاب والسنة؛ فأحيت أمة، وأقامت للإسلام دولة، وأعزت شعوبا كانت مغمورة، وحررت إنسانية كانت مستعبدة لشياطين الإنس والجن، وشادت للإنسانية صروحا من العلوم والفنون؛ قامت على أصول ربانية، وأعمدة نورانية، تحت مظلة من السعادة والسيادة التي لم ير العالم مثيلا لها. اه.
فالأحرى بالفطن العاقل، أن ينأى بنفسه عن هذه المزالق، وأن يفر بدينه من هذه الشبهات، وأمامه في الكتاب والسنة وشروحهما على قوانين الشريعة واللغة رياض وجنات أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [سورة البقرة آية: ٦١]؟!
قال ﷺ : «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه».
وقال ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
وبالله تعالى توفيقي وتوفيقك. نسأل الله تعالى أن يخرجنا من ظلمات الأوهام، وأن يحققنا بحقائق الدين وتعاليم الإسلام آمين. اه «١».
стр. 159
علوم الحديث
أهمية علوم الحديث
إن المسلمين اشتدت عنايتهم- من عهد الصدر الأول- بحفظ أسانيد شريعتهم من الكتاب والسنة، بما لم تعن به أمة قبلها، فحفظوا القرآن، ورووه عن رسول الله ﷺ متواترا آية آية، وكلمة كلمة، وحرفا حرفا، حفظا في الصدور، وإثباتا بالكتابة في المصاحف، حتى رووا أوجه نقطه بلهجات القبائل، ورووا طرق رسمه في المصحف، وألفوا في ذلك كتبا مطولة وافية، وحفظوا- أيضا- عن نبيهم كل أقواله، وأفعاله، وأحواله، وهو المبلّغ عن ربه، والمبيّن لشرعه، والمأمور بإقامة دينه، وكل أقواله وأفعاله وأحواله بيان للقرآن، وهو الرسول المعصوم، والأسوة الحسنة الذي قال الله تعالى في صفته: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [سورة النجم آية: ٣، ٤].
وقال له: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [سورة النحل آية: ٤٤].
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله ﷺ ، فنهته قريش، فذكر ذلك للرسول ﷺ فقال: «اكتب، فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق». [رواه أحمد في المسند بإسناد صحيح. ورواه أيضا أبو داود، والحاكم وغيرهما].
وأمر ﷺ المسلمين في حجة الوداع بالتبليغ عنه أمرا عامّا، فقال: «وليبلّغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلّغ من هو أوعى له منه» [رواه البخاري وغيره].
وقال ﷺ : «فليبلّغ الشاهد الغائب، فربّ مبلّغ أوعى من سامع» [رواه البخاري وغيره].
ففهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شيء، وقد فعلوا، وأدّوا الأمانة على وجهها، ورووا الأحاديث عنه ﷺ ، واجتهد علماء الحديث في رواية كل ما رواه عنه الرواة، وإن لم يكن صحيحا عندهم، ثم اجتهدوا في التوثق من صحة كل حديث، وكل حرف رواه الرواة، ونقدوا أحوالهم ورواياتهم، واحتاطوا أشد الاحتياط في النقل، فكانوا يحكمون بضعف الحديث لأقل شبهة في سيرة الناقل الشخصية، مما يؤثر في العدالة، أما إذا اشتبهوا في صدقه، أو علموا أنه كذب في شيء من كلامه؛ فقد رفضوا روايته، وسموا حديثه «موضوعا» أو «مكذوبا» وإن لم يعرف عنه الكذب في رواية الحديث، مع علمهم بأنه قد يصدق الكذوب.
وكذلك توثقوا من حفظ كل راو، وقارنوا رواياته بعضها ببعض، وبروايات غيره،
стр. 160
فإن وجدوا منه خطأ كثيرا وحفظا غير جيد: ضعفوا روايته، وإن كان لا مطعن عليه في شخصه ولا في صدقه، خشية أن تكون روايته مما خانه فيه الحفظ.
وقد حرروا القواعد التي وضعوها لقبول الحديث، وهي قواعد هذا الفن، وحققوها بأقصى ما في الوسع الإنساني، احتياطا لدينهم. فكانت قواعدهم التي ساروا عليها أصح القواعد وأعلاها وأدقها.
وقلدهم فيها العلماء في أكثر الفنون النقلية، فقلدهم علماء اللغة، وعلماء الأدب، وعلماء التاريخ، وغيرهم، فاجتهدوا في رواية كل نقل في علومهم بإسناده، كما تراه في كتب المتقدمين السابقين، وطبقوا قواعد هذا العلم عند إرادة التوثق من صحة النقل في أي شيء يرجع فيه إلى النقل.
فهذا العلم في الحقيقة أساس لكل العلوم النقلية، وهو جدير بما وصفه به صديقي وأخي العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة من أنه (منطق المنقول وميزان تصحيح الأخبار) اه «١».
المصنفون في هذا العلم
قال ابن حجر العسقلاني: وأول من صنف في ذلك القاضي أبو محمد الرامهرمزي (الحسن بن عبد الرحمن الذي (عاش إلى قريب سنة ٣٦٠ هـ) في كتابه «المحدث الفاضل»، لكنه لم يستوعب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري المتوفى سنة (٤٠٥ هـ) لكنه لم يهذب ولم يرتب.
وتلاه أبو نعيم الأصبهاني صاحب «حلية الأولياء» المتوفى سنة (٤٣٠ هـ). وجاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي: أحمد بن علي بن ثابت صاحب تاريخ بغداد وغيره، المتوفي سنة (٤٦٣ هـ) فصنف في قوانين الرواية كتابا سماه «الكفاية» وفي آدابها كتابا سماه «الجامع لآداب الشيخ والسامع». وقلّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابا مفردا، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه.
ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب، فجمع القاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي المتوفى سنة (٥٤٤ هـ) كتابا سماه «الإلماع» إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح بن عبد الرحمن الشهرزوري نزيل دمشق المتوفى سنة (٦٤٣ هـ)، فجمع لمّا تولى تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور «علوم الحديث» الشهير ب «مقدمة ابن الصلاح» فهذب فنونه
стр. 161
وأملاه شيئا بعد شيء، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك ومقتصر، ومعارض له ومنتصر» اه كلام الحافظ باختصار.
فقد ظهر لك بشهادة الحافظ ابن حجر أن كتاب ابن الصلاح ﵀ جمع شتات الكتب وعيونها، من كتب الخطيب وغيرها ممن تقدمه وتأخر.
ثم جاء الإمام ابن كثير الفقيه الحافظ المفسر فاختصرها في رسالة لطيفة سماها «الباعث الحثيث على معرفة علوم الحديث» بعبارة سهلة فصيحة، وجمل مفهومة مليحة، واستدرك على ابن الصلاح استدراكات مفيدة، يبدؤها بقوله «قلت» فسهّل على طالب الفن تناوله في رسالة وسط وخير الأمور أوساطها- لم يختصرها اختصارا مضغوطا مخلّا، ولا أطالها تطويلا منتشرا مشوشا، فكانت خطوة أولى ومرحلة ابتدائية، يدرسها الطالب، فيرتقي منها إلى دراسة أصلها وما بعده من كتب الأئمة، حتى ينتهي إلى التحقيق فيدلي بدلوه مع الدّلاء. اه كلام الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة باختصار.
وقد ألّف الشيخ أحمد شاكر شرحا على الباعث الحثيث جمع فيه أهم ما قاله العلماء في كل قضية احتاجت إلى زيادة في البحث أو ترجيح لرأي على آخر، أو ذكر لأسباب الاختلاف، أو إطناب لا بد منه ليتسع فهم طالب العلم، وليكون على بصيرة كافية في دراسته لعلوم الحديث بحيث لا يحتاج إلى غير هذا الكتاب إلا إذا أراد توسعا ذا تخصص، أو كان ممن لا يكتفي من العلم إلا بالإحاطة بكل ما قيل فيه على قدر طاقته. فجزى الله الجميع خير الجزاء ورحمهم رحمة واسعة.
ألقاب المحدثين
قال أحمد شاكر: واعلم أنه قد أطلق المحدثون ألقابا على العلماء بالحديث.
فأعلاها: «أمير المؤمنين في الحديث» وهذا لقب لم يظفر به إلا الأفذاذ النوادر، الذين هم أئمة هذا الشأن، والمرجع إليهم فيه، كشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والدارقطني، وفي المتأخرين ابن حجر العسقلاني، ﵃ جميعا.
ثم يليه: «الحافظ» وقد بيّن الحافظ المزي الحد الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ فقال: أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم
стр. 162
وبلدانهم: أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكونوا الحكم للغالب». فقال له التقي السبكي:
هذا عزيز في هذا الزمان، أدركت أنت أحدا كذلك؟. فقال: ما رأينا مثل الشيخ الدمياطي، ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة، ولكن أين الثّريّا من الثّرى؟!
فقال السبكي: كان يصل إلى هذا الحد؟ قال: ما هو إلا أنه كان يشارك مشاركة جيدة في هذا، أعني في الأسانيد، وكان في المتون أكثر، لأجل الفقه والأصول.
وقال أبو الفتح بن سيد الناس: أمّا المحدّث في عصرنا، فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع رواته، واطّلع على كثير من الرواة والروايات في عصره وتميز في ذلك، حتى عرف فيه خطه، واشتهر ضبطه، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه، طبقة بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله، فهذا هو الحافظ.
وسأل شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل بن حجر العسقلاني شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي فقال: ما يقول سيدي في الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمن استحق أن يسمى حافظا؟ وهل يتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها المزي وأبو الفتح في ذلك، لنقص زمانه، أم لا؟ فأجاب: الاجتهاد في تلك يختلف باختلاف غلبة الظن في وقت ببلوغ بعضهم للحفظ، وغلبته في وقت آخر، وباختلاف من يكون كثير المخالطة للذي يصفه بذلك.
وكلام المزي فيه ضيق، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطي.
وأما كلام أبي الفتح فهو أسهل، بأن ينشط بعد معرفة شيوخه إلى شيوخ شيوخه وما فوق.
ولا شك أن جماعة من الحفاظ المتقدمين كان شيوخهم التابعين أو أتباع التابعين وشيوخ شيوخهم الصحابة أو التابعين، فكان الأمر في ذلك الزمان أسهل، باعتبار تأخر الزمان، فإن اكتفى بكون الحافظ يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه أو طبقة أخرى؛ فهو سهل لمن جعله فيه ذلك دون غيره من حفظ المتون والأسانيد، ومعرفة أنواع علوم الحديث كلها، ومعرفة الصحيح من السقيم، والمعمول به من غيره، واختلاف العلماء، واستنباط الأحكام، فهو أمر ممكن. بخلاف ما ذكر من جميع ما ذكر؛ فإنه يحتاج إلى فراغ وطول عمر مع انتفاء الموانع.
وقد روي عن الزهري أنه قال: لا يولد الحافظ إلا في كل أربعين سنة. فإن صح كان المراد رتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وجد في زمانه من يوصف بالحفظ، وكم من حافظ وغيره أحفظ منه «١».
وأدنى من «الحافظ» درجة يسمى «المحدّث». قال التاج السبكي في كتابه:
стр. 163
«معيد النعم» فيما نقله في التدريب: إنما المحدث: من عرف الأسانيد والعلل، وأسماء الرجال، والعالي والنازل، وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون، وسمع الكتب الستة، ومسند أحمد بن حنبل، وسنن البيهقي، ومعجم الطبراني، وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية، وهذا أول درجاته، فإذا سمع ما ذكرناه وكتب الطباق، ودار على الشيوخ، وتكلم في العلل والوفيات والأسانيد؛ كان في أول درجات المحدثين، ثم يزيد الله من يشاء ما يشاء.
ودون هذين من يسمى «المسند» - بكسر النون- وهو الذي يقتصر على سماع الأحاديث وإسماعها، من غير معرفة بعلومها أو إتقان لها، وهو الرواية فقط.
اصطلاحات في كتب الحديث
قال العلامة الشاه عبد العزيز المحدث الدهلوي في العجالة النافعة ما نصه بالعربية: «إن كتب الحديث لها طرق متنوعة كالجوامع والمسانيد والمعاجم وغيرها». وإليك تعريفا بكل منها:
الجامع:
فالقسم الأول: هو الجوامع، والجامع في اصطلاح المحدثين: ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث: أي أحاديث العقائد، وأحاديث الأحكام، وأحاديث الرقاق، وأحاديث آداب الأكل والشرب، وأحاديث السفر، والقيام والقعود، والأحاديث المتعلقة بالتفسير التاريخ والسّير، وأحاديث الفتن، وأحاديث المناقب والمثالب. وقد صنّف أهل العلم بالحديث في كل فن من هذه الفنون الثمانية تصانيف مفردة.
فالجامع: ما يوجد فيه أنموذج كل فن من هذه الفنون المذكورة، كالجامع الصحيح للبخاري، والجامع الصحيح للترمذي.
وأما صحيح مسلم: فإنه وإن كانت فيه أحاديث تلك الفنون؛ لكن ليس فيه ما يتعلق بفن التفسير والقراءة، ولهذا لا يقال له الجامع كما يقال لأخويه.
المسند:
القسم الثاني من المصنفات في الحديث: المسانيد: والمسند في اصطلاحهم: ما ذكرت فيه أحاديث الصحابة إما حسب الترتيب الهجائي لأسمائهم، وإما حسب سوابقهم الإسلامية، وإما حسب شرف النسب، فإن روعي الترتيب الهجائي لأسمائهم؛ فالأحاديث المروية عن أبي بكر الصديق ﵁ تقدّم، وكذا أحاديث أسامة
стр. 164
ابن زيد، وأنس بن مالك، ونحوهما على أحاديث الصحابة الآخرين، وإن جمع على السوابق الإسلامية؛ فتقدم العشرة المبشرين بالجنة، وتذكر أحاديث الخلفاء الراشدين على الترتيب، ثم أحاديث أهل بدر، وأهل الحديبية، ثم مسلمة الفتح، ثم أحاديث النسوة الصحابيات، وتقدم الأزواج المطهرات على كلهن، ولم تقع رواية الحديث عن البنات الطاهرات إلا القدر اليسير من سيدة النساء؛ لأنهن متن في حياة النبي ﷺ ، وماتت سيدة النساء «فاطمة» بعده بستة أشهر ولم تجد ﵂ فرصة الرواية.
المعجم:
القسم الثالث منها: المعاجم، والمعجم في اصطلاح المحدثين، ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ سواء اعتبر تقدم وفاة الشيخ أم توافق حروف التهجي، أو الفضيلة، أو التقدم في العلم والتقوى، ولكن الغالب هو الترتيب على حروف الهجاء، ومن هذا القسم المعاجم الثلاثة للطبراني.
الجزء والرسالة الأربعون:
القسم الرابع منها: الأجزاء- والجزء في اصطلاحهم، تأليف الأحاديث المروية عن رجل واحد، سواء كان ذلك الرجل في طبقة الصحابة، أو من بعدهم، كجزء حديث أبي بكر، وجزء حديث مالك، وقس عليهما.
وهذا القسم- أيضا- كثير جدّا.
وقد يختارون من المطالب الثمانية المذكورة في صفة الجامع مطلبا جزئيّا ويصنّفون فيه مبسوطا، كما صنف أبو بكر بن أبي الدنيا في باب «النية وذم الدنيا» كتابين مبسوطين، والآجريّ في باب «رؤية الله».
وعلى هذا القياس صنّفت كتب كثيرة في جزئيات تلك المطالب الثمانية، وللحافظ ابن حجر، والحافظ السيوطي يد طولى في تأليف الرسائل، وهي القسم الخامس.
والقسم السادس: الأربعون حديثا: وهو أن يجمعها في باب واحد أو أبواب شتى بسند واحد أو أسانيد متعددة، وهو أيضا كثير جدّا كما يسمع ويروى.
فالحاصل: أن أقسام التصانيف في علم الحديث ترجع إلى هذه الأنواع الستة المذكورة، ويقال للرسائل الكتب أيضا. اه ملخصا.
المستخرجات: ومن أنواع كتب الحديث المستخرجات.
стр. 165
قال السيوطي في التدريب: وموضوع المستخرج كما قال العراقي أن يأتي المصنف إلى الكتاب كصحيح مسلم فيخرّج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه.
قال شيخ الإسلام: وشرطه أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سندا يوصله إلى الأقرب لعذر من علوّ أو زيادة مهمة، قال: ولذلك يقول أبو عوانة في مستخرجه على مسلم بعد أن يسوق طرق مسلم كلها: من هنا لمخرّجه. ثم يسوق أسانيد يجتمع فيها مع مسلم فيمن فوق ذلك وربما قال: من هنا لم يخرجاه. قال: ولا يظن أنه يعني البخاري ومسلما فإني استقريت صيغة في ذلك فوجدته إنما يعني مسلما وأبا الفضل أحمد بن سلمة؛ فإنه كان قرين مسلم وصنّف مثل مسلم، وربما أسقط المستخرج أحاديث لم يجد بها سندا يرتضيه، وربما ذكرها من طريق صاحب الكتاب. اه.
والمستخرجات على الصحيحين أو على أحدهما كثيرة.
فالمستخرج على صحيح البخاري للإسماعيلي، وللبرقاني، ولابن أحمد الغطريفي، ولأبي عبد الله بن أبي ذهل، ولأبي بكر بن مردويه.
والمستخرج على صحيح مسلم لأبي عوانه الأسفراييني، ولأبي جعفر بن حمدان، ولأبي بكر محمد بن رجاء النيسابوري، ولأبي عمران موسى بن العباس الجويني، ولأبي نصر الطوسي، ولأبي سعيد بن أبي عثمان الحيري. وغيرهم.
والمستخرج على كل منهما لأبي نعيم الأصبهاني، وأبي عبد الله بن الأحزم، وأبي ذر الهروي وأبي محمد الخلال، وأبي على المأسرخسي، وأبي مسعود سليمان بن إبراهيم الأصبهاني، وأبي بكر اليزدي، وأبي بكر بن عبدان الشيرازي.
فائدة:
اعلم أن هذه المستخرجات لم يلتزم فيها موافقة الصحيحين في الألفاظ؛ لأنهم إنما يروون بالألفاظ التي وقعت لهم عن شيوخهم، فحصل فيها تفاوت قليل في اللفظ وفي المعنى أقل، وكذا ما رواه البيهقي في السنن والمعرفة وغيرهما، والبغوي في شرح السنة وشبههما، قائلين رواه البخاري أو مسلم، ووقع في بعضه- أيضا- تفاوت في المعنى أو في الألفاظ، فمرادهم بقولهم ذلك: أنهما إنما رويا أصل الحديث دون اللفظ الذي أورده، وحينئذ لا يجوز لك أن تنقل من الكتب المذكورة من المستخرجات وغيرها حديثا وتقول فيه: هو كذا في الصحيحين إلا أن تقابله بهما، أو يقول المصنّف: أخرجاه بلفظه،
стр. 166
بخلاف المختصرات من الصحيحين، فإنهم نقلوا فيها ألفاظهما من غير زيادة ولا تغيير.
ثم اعلم أن المستخرج لا يختص بالصحيحين؛ فقد استخرج محمد بن عبد الملك ابن أيمن على سنن أبي داود، وأبو علي الطوسي على الترمذي، وأبو نعيم على التوحيد لابن خزيمة، وأملى الحافظ أبو الفضل العراقي على المستدرك مستخرجا لم يكمل.
فوائد المستخرجات على الصحيحين:
ثم اعلم أن للكتب المخرجة على الصحيحين فوائد:
منها: علوّ الإسناد: لأن المصنف المستخرج لو روى حديثا مثلا من طريق البخاري لوقع أنزل من الطريق الذي رواه به المستخرج.
ومنها: القوة بكثرة الطرق للترجيح عند المعارضة، ذكره ابن الصلاح في مقدمة شرح مسلم.
ومنها: أن يكون مصنف الصحيح روى عمن اختلط ولم يبين هل سماع ذلك الحديث في هذه الرواية قبل الاختلاط أو بعده فيبينه المستخرج إما تصريحا، أو بأن يرويه عنه في الصحيح عن مدلّس بالعنعنة: فيرويه المستخرج بالتصريح بالسماع.
ومنها: أن يروي عن مبهم: كحدّثنا فلان، أو رجل، أو فلان وغيره، أو غير واحد فيعيّنه المستخرج.
ومنها: أن يروي عن مهمل: كمحمد من غير ذكر ما يميزه عن غيره من المحمدين، ويكون في مشايخ من رواه كذلك من يشاركه في الاسم فيميزه المستخرج.
قال شيخ الإسلام: وكل علة أعلّ بها حديث في أحد الصحيحين جاءت رواية المستخرج سالمة منها فهي من فوائده وذلك كثير جدّا.
المستدركات:
ومن أنواعها: المستدركات: والمستدرك: كتاب جمع مؤلفه فيه أحاديث استوفت حسب نظره شروط الأحاديث التي ذكرها البخاري أو مسلم أو غيرهما في كتابه ولكنه لم يذكرها فيه وذلك كمستدرك الحاكم وغيره.
كتب العلل:
ومن أنواعها: كتب العلل: وهي الكتب التي يجمع فيها الأحاديث المعلولة مع بيان عللها، ومن صنّف في هذا النوع: الإمام مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، والإمام
стр. 167
الحافظ أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي. قال الذهبي في التذكرة: وللساجي كتاب جليل في علل الحديث يدل على تبحره في هذا الفن. اه ملخصا من مقدمة «تحفة الأحوذي».
اصطلاحات لفظية لعلماء الحديث
التعريف بألفاظ يتداولها أهل الحديث:
المسند:
قال الحاكم: هو ما اتصل إسناده إلى رسول الله ﷺ .
وقال الخطيب: هو ما اتصل إلى منتهاه. وحكى ابن عبد البر: أنه المروي عن رسول الله ﷺ سواء كان متصلا أو منقطعا، فهذه أقوال ثلاثة.
المتصل:
ويقال له: «الموصول» أيضا، وهو ينفي الإرسال والانقطاع، ويشمل المرفوع إلى النبي ﷺ ، و الموقوف على الصحابي أو من دونه.
المرفوع:
هو ما أضيف إلى رسول الله ﷺ خاصة، لا يقع مطلقه على غيره سواء كان متصلا أو منقطعا.
الموقوف:
هو ما أضيف إلى الصحابي قولا أو فعلا أو نحوه متصلا كان أو منقطعا، ويستعمل في غيره مقيدا فيقال: حديث كذا وقفه فلان على عطاء مثلا.
المعضل:
هو ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا، ومنه ما يرسله تابع التابعي.
المقطوع:
هو الموقوف على التابعي قولا له، أو فعلا متصلا كان أو منقطعا.
المنقطع:
هو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، فإن كان الساقط رجلين فأكثر سمّي- أيضا- «معضلا» بفتح الضاد المعجمة.
المرسل:
هو عند الفقهاء، وأصحاب الأصول، والخطيب الحافظ أبي بكر البغدادي، وجماعة من المحدّثين: ما انقطع إسناده على أي وجه كان انقطاعه فهو عندهم بمعنى المنقطع. وقال جماعات من المحدثين أو أكثرهم: لا يسمّى مرسلا إلا ما أخبر فيه التابعي عن النبي ﷺ ، وهذا هو الذي اختلف في العمل به؛ فمذهب المحدّثين أو جمهورهم وجماعة من الفقهاء أنه لا يحتج بالمرسل.
ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وأكثر الفقهاء أنه يحتج به.
ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به، وذلك بأن يروى أيضا مسندا أو مرسلا من جهة أخرى، أو يعمل به بعض الصحابة أو أكثر العلماء.
وأما مرسل الصحابي: وهو روايته ما لم يدركه أو يحضره كقول عائشة ﵂:
стр. 168
أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة. فمذهب الشافعي والجماهير أنه يحتج به. وقال الأستاذ الإمام أبو إسحاق الأسفرائيني الشافعي: لا يحتج به إلا أن يقول: إنه لا يروى إلا عن صحابي والصواب الأول.
حكم ما يصدر عن الصحابي من الأقوال
إذا قال الصحابي: كنا نقول أو نفعل أو يقولون أو يفعلون كذا، أو كنا لا نرى أو لا يرون بأسا بكذا، اختلفوا فيه، فقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي: لا يكون مرفوعا بل هو موقوف، وسنذكر حكم الموقوف في فصل بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وقال الجمهور من المحدثين وأصحاب الفقه والأصول: إن لم يضفه إلى زمن رسول الله ﷺ ؛ فليس بمرفوع بل هو موقوف، وإن أضافه فقال: كنا نفعل في
حياة النبي ﷺ أو في زمنه أو وهو فينا أو بين أظهرنا أو نحو ذلك، فهو مرفوع، وهذا هو المذهب الصحيح الظاهر؛ فإنه إذا فعل في زمنه ﷺ ؛ فالظاهر اطلاعه عليه وتقريره إياه ﷺ وذلك مرفوع.
وقال آخرون: إن كان ذلك الفعل مما لا يخفى غالبا كان مرفوعا وإلا كان موقوفا وبهذا قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الشافعي، والله أعلم.
وأما إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، أو من السنة كذا؛ فكله مرفوع على المذهب الصحيح الذي قاله الجماهير من أصحاب الفنون وقيل: موقوف.
وأما إذا قال التابعي: من السنة كذا؛ فالصحيح أنه موقوف. وقال بعض أصحابنا الشافعيين: إنه مرفوع مرسل.
وأما إذا قيل عند ذكر الصحابي: يرفعه أو ينهيه أو يبلغ به أو رواية؛ فكله مرفوع متصل بلا خلاف.
أما إذا قال التابعي: كانوا يفعلون، فلا يدل على فعل جميع الأمة بل على بعض الأمة، فلا حجة فيه إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع، فيكون نقلا للإجماع، وفي ثبوته بخبر الواحد خلاف. اه الشوكاني.
стр. 169
الحديث القدسي
معنى الحديث القدسي:
الحديث القدسي: هو الذي يرويه النبي ﷺ ، على أنه من كلام الله تعالى، فالرسول ناقل لهذا الكلام، راو له ولكن بلفظ من عنده هو، يتبدى ذلك صريحا فيما ينقل الرواة في آخر سند الحديث. قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى، أو قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه . ويطلق بعض العلماء على الأحاديث القدسية اسم «الأحاديث الإلهية» و «الأحاديث الربانية».
والقدسي: نسبة إلى القدس وهي نسبة تكريم وإجلال؛ لأنها نسبة إلى الطهارة والتنزيه، فالقدس والتقديس لغة: تنزيه الله تعالى، والتقديس: التطهير والتبريك، وتقدّس: تطهّر، ومنه: البيت المقدّس؛ لأنه يتقدس فيه من الذنوب، وفي القرآن الكريم على لسان الملائكة: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [سورة البقرة آية: ٣٠].
قال الزجّاج: معنى وَنُقَدِّسُ لَكَ أي نطهّر أنفسنا لك، وكذلك نفعل بمن أطاعك، نقدسه: أي نطهره. ويقول ابن الأثير: ومنه الحديث: «لا قدّست أمّة لا يؤخذ لضعيفها من قويّها»، أي لا طهّرت.
وأما عن روايتها: فقد لوحظ أن لروايتها صيغتين:
إحداهما: أن يقول الراوي: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه .
والثانية: أن يقول: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى، أو يقول الله تعالى: والمعنى واحد، إلا أنّ العبارة الأولى هي عبارة السلف، ومن أجل ذلك آثرها الإمام النووي ﵀.
الفرق بين القرآن والحديث القدسي:
إذا نظرنا إلى ماهية الحديث القدسي، وإلى خصائص القرآن وجدنا أن هنالك فروقا كثيرة بينهما. من هذه الفروق:
١ - أن القرآن الكريم موحى به، إلقاء على لسان الملك جبريل ﵇ بلفظه ومعناه.
٢ - أن القرآن هو لفظ معجز وقف العرب- على بلاغتهم وفصاحتهم- لا يقوون على معارضته أو الإتيان ولو بسورة من مثله، وقفوا عاجزين عن المعارضة، بعد أن تحداهم رسول الله ﷺ ، وهو معجزة باقية على مرّ الأزمنة والعصور، ووجوه إعجازه
стр. 170
كثيرة، والتحدي به قائم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
٣ - إن القرآن الكريم لا ينسب إلا إلى الله تعالى، بخلاف الحديث القدسي، فقد يروى مضافا إلى الله تعالى، وتكون النسبة إليه حينئذ نسبة إنشاء، فيقال: قال الله تعالى، أو يقول الله تعالى، وقد يضاف إلى الرسول ﷺ وتكون النسبة حينئذ نسبة إخبار؛ لأنه ﵇ هو المخبر به عن الله فيقال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه .
٤ - القرآن جميعه قطعي الثبوت، لأنه منقول بالتواتر، وهو محفوظ من التغيير والتبديل، مصداقا لقول الله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [سورة الحجر آية: ٩] وليس كذلك الحديث القدسي.
٥ - القرآن لا يجوز مسّه للمحدث، كما لا تجوز قراءته للجنب، وهما جائزان مع الحديث القدسي. وقال بعضهم: هما جائزان- أيضا- مع القرآن، وليس في المنع حديث صحيح.
٦ - القرآن متعبد بتلاوته، فهو المتعيّن للقراءة في الصلاة: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [سورة المزمل آية: ٢٠] ومجرد قراءته عبادة، فللتالي عشر حسنات بكل حرف يتلوه من حروفه، كما جاء في الحديث الصحيح، وليس كذلك الحديث القدسي.
٧ - جاحد القرآن يكفر لأنه متواتر قطعي الثبوت.
هذا عن القرآن الكريم.
أما الحديث القدسي: فلا يثبت له شيء من ذلك. فليس فيه إعجاز، والمعنى من عند الله، أما اللفظ: فهو من عند رسول الله ﷺ .
والأحاديث القدسية ظنية الثبوت؛ لأن أكثرها أخبار آحاد، ويطرأ عليها ما يطرأ على بقية الأحاديث، فقد يكون الواحد منها مقبولا، وقد يكون مردودا، فمنها الصحيح، ومنها الحسن، ومنها الضعيف، ووصف الحديث بكونه قدسيّا لا يعني أن يكون ذلك عنوان صحة هذا الحديث وصلاحيته للقبول، وإنما يخضع كما تخضع الأحاديث النبوية لسلامة النقل عن رسول الله ﷺ وصحة السند؛ لأن ذلك في الغالب هو مناط الحكم على الحديث بالقبول أو الرد.
الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي:
١ - يمكن القول: بأن ما ثبت عن النبي ﷺ سواء أكان من الأمور التوقيفية التعليمية من الوحي أو من الأمور الاجتهادية- ولا يقره الوحي إلا على الصواب- فمردها جميعا بجملتها إلى الوحي، وليس معنى ذلك أن كل حديث بعينه موحى به، بل إن هذه
стр. 171
الأحاديث لا تخرج بجملتها عنه- كما قلنا- فهو ﷺ لا ينطق عن الهوى.
أما الحديث القدسي: فالمعنى من عند الله يلقى إلى الرسول بكيفية من كيفيات الوحي- لا على التعيين- والألفاظ والصياغة من عند رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ومن هنا ترى أن المراد بنسبة الحديث القدسي إلى الله تعالى نسبة مضمونه لا نسبة ألفاظه، واستخدام هذه النسبة كثير في منابت العربية، ففي القرآن الكريم عديد من المواقف التي يحكي الله تعالى فيها بلسان عربي، مضمون خطاب كل رسول لقومه، وجواب قومه له، وغير ذلك، وينسب ذلك إليهم مع أنهم لم يكونوا يتكلمون العربية.
٢ - لا يبدو في الأحاديث القدسية لون من ألوان الأحكام التكليفية، أو جواب على سؤال معين، أو معالجة لواقعة معينة، وإنما الملاحظ أنها تؤدي نوعا من التوجيه الرباني العظيم، مما يتعلق بصحة العقيدة بالله وكمال قدرته وعظمته وسعة رحمته، وبسلامة السلوك وصحة العمل الذي ينسجم مع تلك العقيدة.
بينما نجد الأمر في القرآن الكريم والأحاديث الأخرى أعم وأشمل، على ما نعلم من طابع الإجمال والعموم في القرآن على الأغلب، وطابع البيان والتفصيل فيما صح عن رسول الله ﷺ من قول وفعل وتقرير.
٣ - بينما نجد القرآن الكريم قد نقل بالتواتر، نجد أن الأحاديث القدسية أخبار آحادية، والأحاديث النبوية: فيها المتواتر اللفظي والمتواتر المعنوي، ولكن غالبيتها العظمى أخبار آحاد.
عدد الأحاديث القدسية:
ذكر المحقق أبو الفضل أحمد بن حجر الهيثمي المتوفى سنة (٩٧٥ هـ) ﵀ في شرحه للأربعين النووية: أن عدد الأحاديث القدسية يتجاوز المائة، وقد أوصلها بعضهم إلى أكثر من ذلك، كما نرى المحدّث المناوي المتوفى سنة (١٠٣١ هـ) الذي جمع مائتين واثنين وسبعين حديثا في كتابه الذي أسماه «الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية». وقد ذكرها مرتبة على حروف المعجم ولكن بغير إسناد.
стр. 172
أقسام الخبر «الحديث»
الخبر بجميع أنواعه: سواء كان خبرا عن رسول الله ﷺ ، أو عن صحابي أو تابعي أو غيرهم، وسواء كان خبرا في أمور الدين أو أمور الدنيا ينقسم إلى متواتر، وآحاد.
الحديث المتواتر
القسم الأول: المتواتر، وهو في اللغة: عبارة عن مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما. مأخوذ من الوتر.
وفي الاصطلاح: خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم.
وقيل في تعريفه: هو خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه.
وقيل: خبر جمع عن محسوس يمتنع تواطؤهم على الكذب من حيث كثرتهم.
فقولهم: «من حيث كثرتهم» لإخراج خبر قوم يستحيل كذبهم بسبب أمر خارج عن الكثرة. كالعلم بخبرهم ضرورة أو نظرا.
وقد اختلف في العلم الحاصل بالتواتر هل هو ضروري حاصل بغير نظر واستدلال أو نظري يحتاج إليهما؟ فذهب الجمهور إلى أنه ضروري بدهي.
وقال الكعبي وأبو الحسن البصري: إنه نظري، قال الغزالي: إنه قسم ثالث ليس أوليّا ولا كسبيّا، وقال المرتضي، والآمد: بالوقف.
والحق قول الجمهور؛ للقطع بأنا نجد نفوسنا جازمة بوجود البلاد الغائبة عنا ووجود الأشخاص الماضية قبلنا جزما خاليا عن التردد جاريا مجرى جزمنا بوجود المشاهدات.
فالمنكر لحصول العلم الضروري بالتواتر كالمنكر لحصول العلم الضروري بالمشاهدات وذلك سفسطة لا يستحق صاحبها المكالمة.
واحتج الجمهور- أيضا- بأن العلم الحاصل بالتواتر لو كان نظريّا لما حصل لمن لا يكون من أهل النظر كالصبيان المراهقين وكثير من العامة، فلما حصل ذلك لهم علمنا أنه ليس بنظري، وكما يندفع بأدلة الجمهور قول من قال إنه نظري يندفع- أيضا- قول من قال: إنه قسم ثالث، وقول من قال بالوقف؛ لأن سبب وقفه ليس إلا تعارض الأدلة عليه، وقد اتضح بما ذكرنا أنه لا تعارض فلا وقف.
واعلم أنه لم يخالف أحد من أهل الإسلام ولا من العقلاء في أن خبر التواتر يفيد العلم، وما روي من الخلاف في ذلك عن السمنية والبراهمة، فهو خلاف باطل لا يستحق قائله الجواب عليه.
стр. 173
متى يفيد المتواتر العلم الضروري
اعلم أن الخبر المتواتر لا يكون مفيدا للعمل الضروري إلا بشروط: منها ما يرجع إلى المخبرين، ومنها ما يرجع إلى السامعين، فالتي ترجع إلى المخبرين أربعة:
الشرط الأول: أن يكونوا عالمين بما أخبروا به غير مجازفين، فلو كانوا ظانين لذلك فقط؛ لم يفد القطع، هكذا اعتبر هذا الشرط جماعة من أهل العلم منهم القاضي أبو بكر الباقلاني، وقيل إنه غير محتاج إليه لأنه إن أريد وجوب علم الكل به فباطل؛ لأنه لا يمتنع أن يكون بعض المخبرين به مقلدا فيه أو ظانّا له أو مجازفا، وإن أريد وجوب علم البعض فمسلّم ولكنه مأخوذ من شرط كونهم مستندين إلى الحس.
الشرط الثاني: أن يعلموا ذلك عن ضرورة من مشاهدة أو سماع؛ لأن ما لا يكون كذلك يحتمل دخول الغلط فيه.
قال الأستاذ أبو منصور: فأما إذا تواترت أخبارهم عن شيء قد علموه واعتقدوه بالنظر والاستدلال أو عن شبهة، فإن ذلك لا يوجب علما ضروريّا؛ لأن المسلمين مع تواترهم يخبرون الدهرية بحدوث العالم وتوحيد الصانع، ويخبرون أهل الذمة بصحة نبوة نبينا محمد ﷺ فلا يقع لهم العلم الضروري بذلك؛ لأن العلم به من طريق الاستدلال دون الاضطرار. اه.
ومن تمام هذا الشرط أن لا تكون المشاهدة والسماع على سبيل غلط الحس كما في أخبار النصارى بصلب المسيح ﵇.
وأيضا لا بد أن يكونوا على صفة يوثق معها بقولهم، فلو أخبروا متلاعبين أو مكرهين على ذلك؛ لم يوثق بخبرهم ولا يلتفت إليه.
الشرط الثالث: أن يصل عددهم إلى حد يمنع في العادة تواطؤهم على الكذب، ولا يقيد ذلك بعدد معين بل ضابطه حصول العلم الضروري به، فإذا حصل ذلك علمنا أنه متواتر وإلا فلا، وهذا قول الجمهور، وهناك أقوال كثيرة غير ذلك لا يعبأ بها.
الشرط الرابع: وجود العدد المعتبر في كل الطبقات، فيروى ذلك العدد عن مثله إلى أن يتصل بالمخبر عنه.
وقد اشترط عدالة النقلة لخبر المتواتر، فلا يصح أن يكونوا أو بعضهم غير عدول، وعلى هذا لا بد أن لا يكونوا كفارا ولا فسّاقا.
ولا وجه لهذا الاشتراط؛ فإن حصول العلم الضروري بالخبر المتواتر لا يتوقف على ذلك، بل يحصل بخبر الكفار والفساق والصغار المميزين والأحرار والعبيد وذلك هو المعتبر.
стр. 174
وقد اشترط- أيضا- اختلاف أنساب أهل التواتر.
واشترط- أيضا- اختلاف أديانهم.
واشتراط- أيضا- اختلاف أوطانهم.
واشترط- أيضا- كون المعصوم منهم- كما يقول الإمامية- ولا وجه لشيء من هذه الشروط.
شروط السامعين
وأما الشروط التي ترجع إلى السامعين فإنها ثلاثة:
الأول: أن يكونوا عقلاء؛ إذ يستحيل حصول العلم لمن لا عقل له.
والثاني: أن يكونوا عالمين بمدلول الخبر.
والثالث: أن يكونوا خالين عن اعتقاد ما يخالف ذلك الخبر بشبهة تقليد أو نحوه.
حديث الآحاد
القسم الثاني: الآحاد: وهو خبر لا يفيد بنفسه العلم سواء كان لا يفيده أصلا، أو يفيده بالقرائن الخارجة عنه، فلا واسطة بين المتواتر والآحاد، وهذا قول الجمهور.
وقال أحمد بن حنبل: إن خبر الواحد يفيد بنفسه العلم.
وحكاه ابن حزم في كتاب «الأحكام» عن داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث المحاسبي قال: وبه نقول. وحكاه ابن خويز منداد عن مالك بن أنس واختاره وأطال في تقريره.
ونقل الشيخ في التبصرة عن بعض أهل الحديث أن منها ما يوجب العلم؛ كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر وما أشبهه.
وحكى صاحب المصادر عن أبي بكر القفال: أنه يوجب العلم الظاهري.
وقيل في تعريفه: هو مالم ينته بنفسه إلى التواتر سواء كثر رواته أو قلوا، وهذا كالأول في نفي الواسطة بين التواتر والآحاد.
وقد ذهب الجمهور إلى وجوب العمل بخبر الواحد وأنه وقع التعبد به.
وقال القاشاني والرافضة وابن داود: لا يجب العمل به، وحكاه الماوردي عن الأصم وابن علية.
стр. 175
قال ابن السمعاني: واختلفوا- يعني القائلين بعدم وجوب العمل بخبر الواحد- في المانع من القبول، فقيل: منع منه العقل وينسب إلى ابن علية والأصم.
وقال القاشاني من أهل الظاهر، والشيعة: منع منه الشرع، فقالوا: إنه لا يفيد إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا.
ويجاب عن هذا بأنه عام مخصص لما ثبت في الشريعة من العمل بأخبار الآحاد.
ثم اختلف الجمهور في طريق إثباته، فالأكثر منهم قالوا: يجب بدليل السمع.
وقال أحمد بن حنبل والقفال وابن شريح، وأبو الحسن البصري من المعتزلة، وأبو جعفر الطوسي من الإمامية، والصيرفي من الشافعية: إن الدليل العقلي دلّ على وجوب العمل به لا يحتاج الناس إلى معرفة بعض الأشياء من جهة الخبر الوارد.
وأما دليل السمع فقد استدلوا من الكتاب: بمثل قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ [سورة الحجرات آية: ٦]، وبمثل قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [سورة التوبة آية: ١٢٢].
ومن السنة: بمثل قصة أهل قباء لما أتاهم واحد فأخبرهم أن القبلة قد تحولت فتحولوا، وبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينكر عليهم.
وبمثل بعثه ﷺ لعماله واحدا بعد واحد. وكذلك بعثه بالفرد من الرسل يدعو الناس إلى الإسلام.
ومن الإجماع: بإجماع الصحابة والتابعين على الاستدلال بخبر الواحد، وشاع ذلك وذاع ولم ينكره أحد ولو أنكره منكر لنقل إلينا وذلك يوجب العلم العادي باتفاقهم كالقول الصريح.
قال ابن دقيق العيد: ومن تتبع أخبار النبي ﷺ والصحابة والتابعين وجمهور الأمة ما عدا هذا الفرقة اليسيرة؛ علم ذلك قطعا. اه.
القول الفصل
وعلى الجملة: فلم يأت من خالف في العمل بخبر الواحد بشيء يصلح للتمسك به، ومن تتبع عمل الصحابة من الخلفاء وغيرهم، وعمل التابعين وتابعيهم بأخبار الآحاد؛ وجد ذلك في غاية الكثرة، بحيث لا يتسع له إلا مصنّف بسيط، وإذا وقع من بعضهم تردد في العمل به في بعض الأحوال، فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبرا واحدا من ريبة في الصحة، أو تهمة للراوي، أو وجود معارض راجح أو نحو ذلك.
стр. 176
أقسام الآحاد
واعلم أن الآحاد تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: خبر الواحد وهو الذي تقدم ذكره، وهو المسمى بالغريب.
والقسم الثاني: المستفيض، وهو ما رواه ثلاثة فصاعدا في كل طبقة.
وقيل: ما زاد على الثلاثة.
وقال أبو إسحاق الشيرازي: أقل ما تثبت به الاستفاضة اثنان.
قال السبكي: والمختار عندنا أن المستفيض ما يعده الناس شائعا.
والقسم الثالث: المشهور، وهو ما اشتهر ولو في القرن الثاني أو الثالث إلى حد ينقله ثقات لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، ولا تعتبر الشهرة بعد القرنين، هكذا قال الحنفية فاعتبروا التواتر في بعض طبقاته وهي الطبقة التي روته في القرن الثاني أو الثالث فقط، فبينه وبين المستفيض عموم وخصوص من وجه لصدقهما على ما رواه الثلاثة فصاعدا، ولم يتواتر في القرن الأول ثم تواتر في أحد القرنين المذكورين، وانفراد المستفيض إذا لم ينته في أحدهما إلى التواتر، وانفراد المشهور فيما رواه اثنان في القرن الأول ثم تواتر في الثاني والثالث.
وجعل الجصاص المشهور قسما من المتواتر ووافقه جماعة من أصحاب الحنفية، وأما جمهورهم فجعلوه قسيما للمتواتر لا قسما كما تقدم.
واعلم أن الخلاف الذي ذكرناه في أول هذا البحث من إفادة خبر الآحاد الظن أو العلم مقيد بما إذا كان خبرا واحدا لم ينضم إليه ما يقويه، وأما إذا انضم إليه ما يقويه أو كان مشهورا أو مستفيضا فلا يجري فيه الخلاف المذكور.
ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم؛ لأن الإجماع عليه قد صيّره من المعلوم صدقه.
وهكذا خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول فكانوا بين عامل به ومتأول له.
ومن هذا القسم أحاديث صحيحي البخاري ومسلم، فإن الأمة تلقت ما فيهما بالقبول ومن لم يعمل بالبعض من ذلك فقد أوله، والتأويل فرع القبول.
قيل: ومن خبر الواحد المعلوم صدقه أن يخبر به في حضور جماعة هي نصاب التواتر ولم يقدحوا في روايته مع كونهم ممن يعرف علم الرواية ولا مانع يمنعهم من القدح في ذلك وفي هذا نظر. اه من إرشاد الفحول للشوكاني مع اختصار.
стр. 177
شروط العمل بخبر الواحد
العمل بخبر الواحد له شروط، منها ما هو في المخبر وهو الراوي، ومنها ما هو في المخبر عنه وهو مدلول الخبر، ومنها ما هو في الخبر نفسه وهو اللفظ الدال.
أما الشروط الراجعة إلى الراوي فخمسة:
الشرط الأول- التكليف:
فلا تقبل رواية الصبي والمجنون، ونقل القاضي الإجماع على رد رواية الصبي، واعترض عليه العنبري، وقال: بل هما قولان للشافعي في إخباره عن القبلة كما حكاه القاضي حسين في تعليقه.
قال: ولأصحابنا خلاف مشهور في قبول روايته في هلال رمضان وغيره.
قال الفوراني: الأصح قبول روايته، والوجه في رد روايته أنه قد يعلم أنه غير آثم لارتفاع قلم التكليف عنه فيكذب.
وقد أجمع الصحابة على عدم الرجوع إلى الصبيان مع أن فيهم من كان يطلع على أحوال النبوة وقد رجعوا إلى النساء وسألوهن من وراء حجاب.
قال الغزالي في المنخول: محل الخلاف في المراهق المتثبت في كلامه، أما غيره فلا يقبل قطعا.
وهذا الاشتراط إنما هو باعتبار وقت الأداء للرواية، أما لو تحملها صبيّا وأداها مكلّفا؛ فقد أجمع السلف على قبولها كما في رواية ابن عباس والحسنين، ومن كان مماثلا لهم كمحمود بن الربيع؛ فإنه روى حديث: أنه ﷺ مجّ في فيه مجة وهو ابن خمس سنين. واعتمد العلماء روايته.
وقد كان من مع بعض الصحابة من التابعين، وتابعيهم، ومن بعدهم يحضرون الصبيان مجالس الروايات، ولم ينكر ذلك أحد.
وهكذا لو تحمل وهو فاسق أو كافر ثم روى وهو عدل مسلم.
ولا أعرف خلافا في عدم قبول رواية المجنون في حال جنونه، أما لو سمع في حال جنونه ثم أفاق؛ فلا يصح ذلك؛ لأنه وقت الجنون غير ضابط.
وقد روى جماعة إجماع أهل المدينة على قبول رواية الصبيان بعضهم على بعض في الدماء لمسيس الحاجة إلى ذلك لكثرة وقوع الجنايات فيما بينهم إذا انفردوا ولم يحضرهم من تصح شهادته، وقيدوه بعدم تفرقهم بعد الجناية حتى يؤدوا الشهادة،
стр. 178
والأولى عدم القبول، وعمل أهل المدينة لا تقوم به حجة على ما سيأتي. على أنا نمنع ثبوت هذا الإجماع الفعلي عنهم.
الشرط الثاني- الإسلام:
فلا تقبل رواية الكافر من يهودي أو نصراني أو غيرهما إجماعا، قال الرازي في المحصول: أجمعت الأمة على أنه لا تقبل روايته سواء علم من دينه الاحتراز عن الكذب أو لم يعلم. قال: والمخالف من أهل القبلة إذا كفرناه كالمجسم وغيره هل تقبل روايته أم لا؟ الحق أنه إن كان مذهبه جواز الكذب لا تقبل روايته، وإلا قبلناها وهو قول أبي الحسين البصري.
وقال القاضي أبو بكر، والقاضي عبد الجبار: لا تقبل روايتهم.
والحاصل: أنه إن علم من مذهب المبتدع جواز الكذب مطلقا لم تقبل روايته قطعا، وإن علم من مذهبه جوازه في أمر خاص كالكذب فيما يتعلق بنصرة مذهبه، أو الكذب فيما هو ترغيب في طاعة أو ترهيب عن معصية، فقال الجمهور ومنهم القاضيان أبو بكر وعبد الجبار، والغزالي والآمدي: لا يقبل قياسا على الفاسق بل هو أولى.
وقال أبو الحسين البصري: يقبل، وهو رأي الجويني وأتباعه. والحق عدم القبول مطلقا في الأول، وعدم قبوله في ذلك الأمر الخاص في الثاني، ولا فرق في هذا بين المبتدع الذي يكفّر ببدعته، وبين المبتدع الذي لا يكفّر ببدعته.
وأما إذا كان ذلك المبتدع لا يستجيز الكذب؛ فاختلفوا فيه على أقوال:
القول الأول: رد روايته مطلقا؛ لأنه قد فسق ببدعته، فهو كالفاسق بفعل المعصية، وبه قال القاضي والأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحاق الشيرازي.
القول الثاني: أنها تقبل، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبي يوسف.
القول الثالث: أنه إذا كان داعية إلى بدعته لم يقبل، وإلا قبل، وحكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن مالك وبه جزم سليم، قال القاضي عياض: وهذا يحتمل أنه إذا لم يدع يقبل ويحتمل أنه لا يقبل مطلقا. اه.
والحق أنه لا يقبل فيما يدعو به إلى بدعته ويقويها لا في غير ذلك، قال الخطيب:
وهو مذهب أحمد، ونسبه ابن الصلاح إلى الأكثرين، قال: وهو أعدل المذاهب وأولاها، وفي الصحيحين كثير من أحاديث المبتدعة غير الدعاة احتجاجا واستشهادا كعمران بن حطان، وداود بن الحصين وغيرهما، ونقل أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات الإجماع على ذلك.
стр. 179
قال ابن دقيق العيد: جعل بعض المتأخرين من أهل الحديث هذا المذهب متفقا عليه وليس كما قال.
وقال ابن القطان في كتاب «الوهم والإيهام»: الخلاف إنما هو في غير الداعية، أما الداعية: فهو ساقط عند الجميع. قال أبو الوليد الباجي: الخلاف في الداعية بمعنى أنه يظهر بدعته، بمعنى حمل الناس عليها فلم يختلف في ترك حديثه.
الشرط الثالث- العدالة:
قال الرازي في المحصول: هي هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا، حتى يحصل ثقة النفس بصدقه، ويعتبر فيها الاجتناب عن الكبائر وعن بعض الصغائر كالتطفيف بالحبة، وسرقة باقة من البقل، وعن المباحات القادحة في المروءة؛ كالأكل في الطريق، والبول في الشارع، وصحبة الأرذال، والإفراط في
المزاح، والضابط فيه: أن كل من لا يؤمن من جراءته على الكذب يرد الرواية، وما لا فلا. اه.
وأصل العدالة في اللغة: الاستقامة. يقال: طريق عدل: أي مستقيم، وتطلق على استقامة السيرة والدين. قال الزركشي في البحر: واعلم أن العدالة شرط بالاتفاق، ولكن اختلف في معناها، فعند الحنفية: عبارة عن الإسلام مع عدم الفسق.
وعندنا: ملكة في النفس تمنع من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة، والرذائل المباحة كالبول في الطريق، والمراد جنس الكبائر والرذائل الصادق بواحدة.
قال ابن القشيري: والذي صح عن الشافعي أنه قال: في الناس من يمحص الطاعة فلا يمزجها بمعصية، وفي المسلمين من يمحص المعصية ولا يمزجها بالطاعة، فلا سبيل إلى رد الكل، ولا إلى قبول الكل، فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة؛ قبلت شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة؛ رددتها.
قال ابن السمعاني: لا بد في العدل من أربع شرائط:
١ - المحافظة على فعل الطاعة واجتناب المعصية.
٢ - أن لا يرتكب من الصغائر ما يقدح في دين أو عرض.
٣ - أن لا يفعل من المباحات ما يسقط القدر ويكسب الندم.
٤ - أن لا يعتقد من المذاهب ما يرده أصول الشرع.
والأولى أن يقال في تعريف العدالة: أنها التمسك بآداب الشرع، فمن تمسك بها فعلا وتركا فهو العدل المرضي، ومن أخلّ بشيء منها، فإن كان الإخلال بذلك الشيء يقدح في دين فاعله أو تاركه كفعل الحرام وترك الواجب؛ فليس بعدل، وأما اعتبار العادات
стр. 180
الجارية بين الناس المختلفة باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة والأحوال، فلا مدخل لذلك في هذا الأمر الديني الذي تنبني عليه قنطرتان عظيمتان وجسران كبيران وهما:
الرواية، والشهادة. نعم من فعل ما يخالف ما يعده الناس مروءة عرفا لا شرعا فهو تارك للمروءة العرفية، ولا يستلزم ذلك ذهاب مروءته الشرعية.
الصغائر والكبائر
اختلف الناس: هل المعاصي منقسمة إلى صغائر وكبائر، أم هي قسم واحد؟
فذهب الجمهور إلى أنها صغائر وكبائر، ويدل على ذلك قوله سبحانه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [سورة النساء آية: ٣١]، وقوله: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ [سورة الحجرات آية: ٧].
ويدل عليه ما ثبت عن النبي ﷺ متواترا من تخصيص بعض الذنوب باسم الكبائر وبعضها بأكبر الكبائر.
وذهب جماعة إلى أن المعاصي قسم واحد، ومنهم الأستاذ أبو إسحاق، والجويني، وابن فورك ومن تابعهم، قالوا: إن المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالنسبة إلى ما هو أكبر كما يقال: الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا وكلها كبائر. قالوا: ومعنى قوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ إن تجتنبوا الكفر كفّرت عنكم سيئاتكم التي هي دون الكفر، والقول الأول راجح.
وهاهنا مذهب ثالث ذهب إليه الحليمي، فقال: إن المعاصي تنقسم بحسب حد الكبائر إلى ثلاثة أقسام: صغيرة، وكبيرة، وفاحشة، فقتل النفس بغير حق كبيرة، فإن قتل ذا رحم له ففاحشة، فأما الخدشة والضربة مرة أو مرتين فصغيرة، وجعل سائر الذنوب هكذا.
تعريف الكبائر
ثم اختلفوا في الكبائر هل تعرف بالحد، أو لا تعرف إلا بالعدد؟ فقال الجمهور:
إنها تعرف بالحد، ثم اختلفوا في ذلك، فقيل: إنها المعاصي الموجبة للحد.
وقال بعضهم: هي ما يلحق صاحبها وعيد شديد.
وقال آخرون: ما يشعر بقلة اكتراث مرتكبها بالدين.
وقيل: ما كان فيه مفسدة.
وقال الجويني: ما نص الكتاب على تحريمه أو أوجب في حقه حدّا. وقيل: ما ورد