← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37691

الحديث في علوم القرآن والحديث

حسن أيوب

Полный текст (246 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أقسام الآحاد واعلم أن الآحاد تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: خبر الواحد وهو الذي تقدم ذكره، وهو المسمى بالغريب. والقسم الثاني: المستفيض، وهو ما رواه ثلاثة فصاعدا في كل طبقة. وقيل: ما زاد على الثلاثة. وقال أبو إسحاق الشيرازي: أقل ما تثبت به الاستفاضة اثنان. قال السبكي: والمختار عندنا أن المستفيض ما يعده الناس شائعا. والقسم الثالث: المشهور، وهو ما اشتهر ولو في القرن الثاني أو الثالث إلى حد ينقله ثقات لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، ولا تعتبر الشهرة بعد القرنين، هكذا قال الحنفية فاعتبروا التواتر في بعض طبقاته وهي الطبقة التي روته في القرن الثاني أو الثالث فقط، فبينه وبين المستفيض عموم وخصوص من وجه لصدقهما على ما رواه الثلاثة فصاعدا، ولم يتواتر في القرن الأول ثم تواتر في أحد القرنين المذكورين، وانفراد المستفيض إذا لم ينته في أحدهما إلى التواتر، وانفراد المشهور فيما رواه اثنان في القرن الأول ثم تواتر في الثاني والثالث. وجعل الجصاص المشهور قسما من المتواتر ووافقه جماعة من أصحاب الحنفية، وأما جمهورهم فجعلوه قسيما للمتواتر لا قسما كما تقدم. واعلم أن الخلاف الذي ذكرناه في أول هذا البحث من إفادة خبر الآحاد الظن أو العلم مقيد بما إذا كان خبرا واحدا لم ينضم إليه ما يقويه، وأما إذا انضم إليه ما يقويه أو كان مشهورا أو مستفيضا فلا يجري فيه الخلاف المذكور. ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم؛ لأن الإجماع عليه قد صيّره من المعلوم صدقه. وهكذا خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول فكانوا بين عامل به ومتأول له. ومن هذا القسم أحاديث صحيحي البخاري ومسلم، فإن الأمة تلقت ما فيهما بالقبول ومن لم يعمل بالبعض من ذلك فقد أوله، والتأويل فرع القبول. قيل: ومن خبر الواحد المعلوم صدقه أن يخبر به في حضور جماعة هي نصاب التواتر ولم يقدحوا في روايته مع كونهم ممن يعرف علم الرواية ولا مانع يمنعهم من القدح في ذلك وفي هذا نظر. اه من إرشاد الفحول للشوكاني مع اختصار.

стр. 177

شروط العمل بخبر الواحد العمل بخبر الواحد له شروط، منها ما هو في المخبر وهو الراوي، ومنها ما هو في المخبر عنه وهو مدلول الخبر، ومنها ما هو في الخبر نفسه وهو اللفظ الدال. أما الشروط الراجعة إلى الراوي فخمسة: الشرط الأول- التكليف: فلا تقبل رواية الصبي والمجنون، ونقل القاضي الإجماع على رد رواية الصبي، واعترض عليه العنبري، وقال: بل هما قولان للشافعي في إخباره عن القبلة كما حكاه القاضي حسين في تعليقه. قال: ولأصحابنا خلاف مشهور في قبول روايته في هلال رمضان وغيره. قال الفوراني: الأصح قبول روايته، والوجه في رد روايته أنه قد يعلم أنه غير آثم لارتفاع قلم التكليف عنه فيكذب. وقد أجمع الصحابة على عدم الرجوع إلى الصبيان مع أن فيهم من كان يطلع على أحوال النبوة وقد رجعوا إلى النساء وسألوهن من وراء حجاب. قال الغزالي في المنخول: محل الخلاف في المراهق المتثبت في كلامه، أما غيره فلا يقبل قطعا. وهذا الاشتراط إنما هو باعتبار وقت الأداء للرواية، أما لو تحملها صبيّا وأداها مكلّفا؛ فقد أجمع السلف على قبولها كما في رواية ابن عباس والحسنين، ومن كان مماثلا لهم كمحمود بن الربيع؛ فإنه روى حديث: أنه ﷺ مجّ في فيه مجة وهو ابن خمس سنين. واعتمد العلماء روايته. وقد كان من مع بعض الصحابة من التابعين، وتابعيهم، ومن بعدهم يحضرون الصبيان مجالس الروايات، ولم ينكر ذلك أحد. وهكذا لو تحمل وهو فاسق أو كافر ثم روى وهو عدل مسلم. ولا أعرف خلافا في عدم قبول رواية المجنون في حال جنونه، أما لو سمع في حال جنونه ثم أفاق؛ فلا يصح ذلك؛ لأنه وقت الجنون غير ضابط. وقد روى جماعة إجماع أهل المدينة على قبول رواية الصبيان بعضهم على بعض في الدماء لمسيس الحاجة إلى ذلك لكثرة وقوع الجنايات فيما بينهم إذا انفردوا ولم يحضرهم من تصح شهادته، وقيدوه بعدم تفرقهم بعد الجناية حتى يؤدوا الشهادة،

стр. 178

والأولى عدم القبول، وعمل أهل المدينة لا تقوم به حجة على ما سيأتي. على أنا نمنع ثبوت هذا الإجماع الفعلي عنهم. الشرط الثاني- الإسلام: فلا تقبل رواية الكافر من يهودي أو نصراني أو غيرهما إجماعا، قال الرازي في المحصول: أجمعت الأمة على أنه لا تقبل روايته سواء علم من دينه الاحتراز عن الكذب أو لم يعلم. قال: والمخالف من أهل القبلة إذا كفرناه كالمجسم وغيره هل تقبل روايته أم لا؟ الحق أنه إن كان مذهبه جواز الكذب لا تقبل روايته، وإلا قبلناها وهو قول أبي الحسين البصري. وقال القاضي أبو بكر، والقاضي عبد الجبار: لا تقبل روايتهم. والحاصل: أنه إن علم من مذهب المبتدع جواز الكذب مطلقا لم تقبل روايته قطعا، وإن علم من مذهبه جوازه في أمر خاص كالكذب فيما يتعلق بنصرة مذهبه، أو الكذب فيما هو ترغيب في طاعة أو ترهيب عن معصية، فقال الجمهور ومنهم القاضيان أبو بكر وعبد الجبار، والغزالي والآمدي: لا يقبل قياسا على الفاسق بل هو أولى. وقال أبو الحسين البصري: يقبل، وهو رأي الجويني وأتباعه. والحق عدم القبول مطلقا في الأول، وعدم قبوله في ذلك الأمر الخاص في الثاني، ولا فرق في هذا بين المبتدع الذي يكفّر ببدعته، وبين المبتدع الذي لا يكفّر ببدعته. وأما إذا كان ذلك المبتدع لا يستجيز الكذب؛ فاختلفوا فيه على أقوال: القول الأول: رد روايته مطلقا؛ لأنه قد فسق ببدعته، فهو كالفاسق بفعل المعصية، وبه قال القاضي والأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحاق الشيرازي. القول الثاني: أنها تقبل، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبي يوسف. القول الثالث: أنه إذا كان داعية إلى بدعته لم يقبل، وإلا قبل، وحكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن مالك وبه جزم سليم، قال القاضي عياض: وهذا يحتمل أنه إذا لم يدع يقبل ويحتمل أنه لا يقبل مطلقا. اه. والحق أنه لا يقبل فيما يدعو به إلى بدعته ويقويها لا في غير ذلك، قال الخطيب: وهو مذهب أحمد، ونسبه ابن الصلاح إلى الأكثرين، قال: وهو أعدل المذاهب وأولاها، وفي الصحيحين كثير من أحاديث المبتدعة غير الدعاة احتجاجا واستشهادا كعمران بن حطان، وداود بن الحصين وغيرهما، ونقل أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات الإجماع على ذلك.

стр. 179

قال ابن دقيق العيد: جعل بعض المتأخرين من أهل الحديث هذا المذهب متفقا عليه وليس كما قال. وقال ابن القطان في كتاب «الوهم والإيهام»: الخلاف إنما هو في غير الداعية، أما الداعية: فهو ساقط عند الجميع. قال أبو الوليد الباجي: الخلاف في الداعية بمعنى أنه يظهر بدعته، بمعنى حمل الناس عليها فلم يختلف في ترك حديثه. الشرط الثالث- العدالة: قال الرازي في المحصول: هي هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا، حتى يحصل ثقة النفس بصدقه، ويعتبر فيها الاجتناب عن الكبائر وعن بعض الصغائر كالتطفيف بالحبة، وسرقة باقة من البقل، وعن المباحات القادحة في المروءة؛ كالأكل في الطريق، والبول في الشارع، وصحبة الأرذال، والإفراط في المزاح، والضابط فيه: أن كل من لا يؤمن من جراءته على الكذب يرد الرواية، وما لا فلا. اه. وأصل العدالة في اللغة: الاستقامة. يقال: طريق عدل: أي مستقيم، وتطلق على استقامة السيرة والدين. قال الزركشي في البحر: واعلم أن العدالة شرط بالاتفاق، ولكن اختلف في معناها، فعند الحنفية: عبارة عن الإسلام مع عدم الفسق. وعندنا: ملكة في النفس تمنع من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة، والرذائل المباحة كالبول في الطريق، والمراد جنس الكبائر والرذائل الصادق بواحدة. قال ابن القشيري: والذي صح عن الشافعي أنه قال: في الناس من يمحص الطاعة فلا يمزجها بمعصية، وفي المسلمين من يمحص المعصية ولا يمزجها بالطاعة، فلا سبيل إلى رد الكل، ولا إلى قبول الكل، فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة؛ قبلت شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة؛ رددتها. قال ابن السمعاني: لا بد في العدل من أربع شرائط: ١ - المحافظة على فعل الطاعة واجتناب المعصية. ٢ - أن لا يرتكب من الصغائر ما يقدح في دين أو عرض. ٣ - أن لا يفعل من المباحات ما يسقط القدر ويكسب الندم. ٤ - أن لا يعتقد من المذاهب ما يرده أصول الشرع. والأولى أن يقال في تعريف العدالة: أنها التمسك بآداب الشرع، فمن تمسك بها فعلا وتركا فهو العدل المرضي، ومن أخلّ بشيء منها، فإن كان الإخلال بذلك الشيء يقدح في دين فاعله أو تاركه كفعل الحرام وترك الواجب؛ فليس بعدل، وأما اعتبار العادات

стр. 180

الجارية بين الناس المختلفة باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة والأحوال، فلا مدخل لذلك في هذا الأمر الديني الذي تنبني عليه قنطرتان عظيمتان وجسران كبيران وهما: الرواية، والشهادة. نعم من فعل ما يخالف ما يعده الناس مروءة عرفا لا شرعا فهو تارك للمروءة العرفية، ولا يستلزم ذلك ذهاب مروءته الشرعية. الصغائر والكبائر اختلف الناس: هل المعاصي منقسمة إلى صغائر وكبائر، أم هي قسم واحد؟ فذهب الجمهور إلى أنها صغائر وكبائر، ويدل على ذلك قوله سبحانه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [سورة النساء آية: ٣١]، وقوله: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ [سورة الحجرات آية: ٧]. ويدل عليه ما ثبت عن النبي ﷺ متواترا من تخصيص بعض الذنوب باسم الكبائر وبعضها بأكبر الكبائر. وذهب جماعة إلى أن المعاصي قسم واحد، ومنهم الأستاذ أبو إسحاق، والجويني، وابن فورك ومن تابعهم، قالوا: إن المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالنسبة إلى ما هو أكبر كما يقال: الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا وكلها كبائر. قالوا: ومعنى قوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ إن تجتنبوا الكفر كفّرت عنكم سيئاتكم التي هي دون الكفر، والقول الأول راجح. وهاهنا مذهب ثالث ذهب إليه الحليمي، فقال: إن المعاصي تنقسم بحسب حد الكبائر إلى ثلاثة أقسام: صغيرة، وكبيرة، وفاحشة، فقتل النفس بغير حق كبيرة، فإن قتل ذا رحم له ففاحشة، فأما الخدشة والضربة مرة أو مرتين فصغيرة، وجعل سائر الذنوب هكذا. تعريف الكبائر ثم اختلفوا في الكبائر هل تعرف بالحد، أو لا تعرف إلا بالعدد؟ فقال الجمهور: إنها تعرف بالحد، ثم اختلفوا في ذلك، فقيل: إنها المعاصي الموجبة للحد. وقال بعضهم: هي ما يلحق صاحبها وعيد شديد. وقال آخرون: ما يشعر بقلة اكتراث مرتكبها بالدين. وقيل: ما كان فيه مفسدة. وقال الجويني: ما نص الكتاب على تحريمه أو أوجب في حقه حدّا. وقيل: ما ورد

стр. 181

الوعيد عليه مع الحد أو لفظ يفيد الكبر. وقال جماعة: إنها لا تعرف إلا بالعدد، ثم اختلفوا هل تنحصر في عدد معين أم لا؟ فقيل: هي سبع، وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: اثنتا عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: ست وثلاثون، وقيل: سبعون، وإلى السبعين أنهاها الحافظ الذهبي في جزء صنفه في ذلك، وقد جمع ابن حجر الهيثمي فيها مصنفا حافلا سماه «الزواجر في الكبائر» وذكر فيه نحو أربعمائة معصية، وبالجملة فلا دليل يدل على انحصارها في عدد معين. ومن المنصوص عليه منها: القتل، والزنا، واللواطة، وشرب الخمر، والسرقة، والغصب، والقذف، والنميمة، وشهادة الزور، واليمين الفاجرة، وقطيعة الرحم، والعقوق، والفرار من الزحف، وأخذ مال اليتيم، وخيانة الكيل والوزن، والكذب على رسول الله ﷺ ، وتقديم الصلاة وتأخيرها، وضرب المسلم، وسب الصحابة، وكتمان الشهادة، والرشوة، والدياثة، ومنع الزكاة، واليأس من الرحمة، وأمن المكر، والظهار، وأكل لحم الخنزير والميتة، وفطر رمضان، والربا، والغلول، والسحر، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع الزوجة من زوجها بلا سبب. وقد قيل: إن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة، وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به وإنما هي مقالة لبعض الصوفية، فإنه قال: لا صغيرة مع إصرار، وقد روى بعض من لا يعرف علم الرواية هذا اللفظ وجعله حديثا، ولا يصح ذلك، بل الحق أن الإصرار حكمه حكم ما أصر عليه، فالإصرار على الصغيرة صغيرة، والإصرار على الكبيرة كبيرة. وإذا تقرر لك هذا فاعلم أنه لا عدالة لفاسق، وقد حكى مسلم في صحيحه الإجماع على رد خبر الفاسق، فقال: إنه غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم، قال الجويني: والحنفية وإن باحوا بقبول شهادة الفاسق فلم يقولوا بقبول روايته، فإن قال به قائل فهو مسبوق بالإجماع. الشرط الرابع- الضبط: فلا بد أن يكون الراوي ضابطا لما يرويه، ليكون المروي له على ثقة منه في حفظه وقلة غلطه وسهوه، فإن كان كثير الغلط والسهو؛ ردّت روايته، إلا فيما علم أنه لم يغلط فيه ولا سها عنه، وإن كان قليل الغلط؛ قبل خبره، إلا فيما يعلم أنه غلط فيه، كذا قال ابن السمعاني وغيره. قال أبو بكر الصيرفي: من أخطأ في حديث فليس بدليل على الخطأ في غيره ولم يسقط لذلك حديثه ومن كثر بذلك خطؤه وغلطه لم يقبل خبره.

стр. 182

قال الترمذي في العلل: كل من كان متهما في الحديث بالكذب، أو كان مغفلا يخطئ الكثير، فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة أن لا يشتغل بالرواية عنه. اه. والحاصل: أن الأحوال ثلاثة: إن غلب خطؤه وسهوه على حفظه؛ فمردود إلا فيما علم أنه لم يخطئ فيه، وإن غلب حفظه على خطئه وسهوه؛ فمقبول إلا فيما علم أنه أخطأ فيه، وإن استويا، فالخلاف. قال القاضي عبد الجبار: يقبل لأن جهة التصديق راجحة في خبره لعقله ودينه. وقال الشيخ أبو إسحاق: إنه يردّ. وقيل: إنه يقبل خبره إذا كان مفسرا، وهو أن يذكر من روى عنه ويعين وقت السماع منه وما أشبه ذلك، وإلا فلا يقبل. وبه قال القاضي حسين، وحكاه الجويني عن الشافعي في الشهادة، ففي الرواية أولى. وقد أطلق جماعة من المصنفين في علوم الحديث أن الراوي إن كان تام الضبط مع بقية الشروط المعتبرة فحديثه من قسم الصحيح، وإن خفّ ضبطه؛ فحديثه من قسم الحسن، وإن كثر غلطه؛ فحديثه من قسم الضعيف. وقال الكيا الطبري: ولا يشترط انتفاء الغفلة، ولا يوجب لحوق الغفلة له ردّ حديثه إلا ما يعلم أنه قد لحققه الغفلة فيه بعينه. وما ذكره صحيح إذا كان ممن تعتريه الغفلة في غير ما يرويه، كما وقع ذلك لجماعة من الحفاظ؛ فإنهم قد تلحقهم الغفلة في كثير من أمور الدنيا، فإذا رووا كانوا من أحذق الناس بالرواية وأنبههم فيما يتعلق بها. وليس من شرط الضبط أن يضبط اللفظ بعينه كما سيأتي. الشرط الخامس: أن لا يكون الراوي مدلسا، وسواء كان التدليس في المتن أو في الإسناد. أما التدليس في المتن: فهو أن يزيد في كلام رسول الله ﷺ كلام غيره، فيظن السامع أن الجميع من كلام رسول الله ﷺ . وأما التدليس في الإسناد: فهو على أنواع: أحدها: أن يكون في إبدال الأسماء فيغيّر عن الراوي وعن أبيه اسميهما وهذا نوع من الكذب. وثانيها: أن يسميه بتسمية غير مشهورة، فيظن السامع أنه رجل آخر غير من قصده الراوي، وذلك مثل من يكون مشهورا باسمه فيذكره الراوي بكنيته أو العكس، إيهاما

стр. 183

للمروي له بأنه رجل آخر غير ذلك الرجل، فإن كان مقصد الراوي بذلك التغرير على السامع بأن المروي عنه غير ذلك الرجل، فلا يخلو إما أن يكون ذلك الرجل المروي عنه ضعيفا، وكان العدول إلى غير المشهور من اسمه أو كنيته ليظن السامع أنه رجل آخر غير ذلك الضعيف، فهذا التدليس قادح في عدالة الراوي، وإما أن يكون مقصد الراوي مجرد الإغراب على السامع مع كون المروي عنه عدلا، على كل حال فليس هذا النوع من التدليس بجرح كما قال ابن الصلاح وابن السمعاني. وقال أبو الفتح ابن برهان: هو جرح. وثالثها: أن يكون التدليس بإطراح اسم الراوي الأقرب وإضافة الرواية إلى من هو أبعد منه، مثل أن يترك شيخه ويروي الحديث عن شيخ شيخه. فإن كان المتروك ضعيفا؛ فذلك من الخيانة في الرواية ولا يفعله إلا من ليس بكامل العدالة. وإن كان المتروك ثقة وترك ذكره لغرض من الأغراض التي لا تنافي الأمانة والصدق ولا تتضمن التغرير على السامع، فلا يكون ذلك قادحا في عدالة الراوي، إذا جاء في الرواية بصيغة محتملة نحو أن يقول: قال فلان، أو روي عن فلان، أو نحو ذلك، أما لو قال: حدثنا فلان، أو أخبرنا فلان، وهو لم يحدّث ولم يخبره بل الذي حدثه أو أخبره وهو من ترك ذكره؛ فذلك كذب يقدح في عدالته. والحاصل: أن من كان ثقة واشتهر بالتدليس فلا يقبل إلا إذا قال: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، لا إذا لم يقل كذلك لاحتمال أن يكون قد أسقط من تقوم الحجة بمثله. شروط مدلول الخبر وأما الشروط التي ترجع إلى المعنى الذي دلّ عليه الخبر؛ فالمتفق عليه منها ثلاثة: الأول: أن لا يستحيل وجوده في العقل، فإن أحاله العقل ردّ. الشرط الثاني: أن لا يكون مخالفا لنص مقطوع به على وجه لا يمكن الجمع بينهما بحال. الشرط الثالث: أن لا يكون مخالفا لإجماع الأمة عند من يقول بأنه حجة قطعية. وأما إذا خالف القياس القطعي فقال الجمهور: إنه مقدّم على القياس، وقيل: إن كانت مقدمات القياس قطعية قدّم القياس، وإن كانت ظنية؛ قدم الخبر، وإليه ذهب أبو بكر الأبهري. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إنهما متساويان. وهناك آراء أخرى لا أهمية لذكرها. والحق تقديم الخبر الخارج من مخرج صحيح أو حسن على القياس مطلقا، إذا لم يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه، كحديث المصراة وحديث العرايا فإنهما مقدمان على القياس. وقد كان الصحابة والتابعون إذا جاءهم الخبر لم يلتفتوا إلى القياس ولا ينظرون فيه،

стр. 184

وما روي عن بعضهم من تقديم القياس في بعض المواطن فبعضه غير صحيح، وبعضه محمول على أنه لم يثبت الخبر عند من قدم القياس بوجه من الوجوه، ومما يدل على تقديم الخبر على القياس حديث معاذ؛ فإنه قدم العمل بالكتاب والسنة على اجتهاده. تنبيهات مهمة ١ - اعلم أنه لا يضر الخبر عمل أكثر الأمة بخلافه، لأن قول الأكثر ليس بحجة. ٢ - ولا يضره عمل أهل المدينة بخلافه خلافا لمالك وأتباعه؛ لأنهم بعض الأمة ولجواز أنه لم يبلغهم الخبر. ٣ - ولا يضره عمل الراوي له بخلافه خلافا لجمهور الحنفية وبعض المالكية؛ لأنا متعبدون بما أبلغنا من الخبر ولم نتعبد بما فهمه الراوي، ولم يأت من قدم عمل الراوي على روايته بحجة تصلح للاستدلال بها. ٤ - ولا يضره كونه مما تعم به البلوى خلافا للحنفية وأبي عبد الله البصري لعمل الصحابة والتابعين بأخبار الآحاد في ذلك. ٥ - ولا يضره كونه في الحدود والكفارات، خلافا للكرخي من الحنفية وأبي عبد الله البصري في أحد قوليه، ولا وجه لهذا الخلاف فهو خبر عدل في حكم شرعي، ولم يثبت في الحدود والكفارات دليل يخصها من عموم الأحكام الشرعية واستدلالهم بحديث: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» باطل؛ فالخبر الموجب للحد يدفع الشبهة على فرض وجودها. ٦ - ولا يضره- أيضا- كونه زيادة على النص القرآني أو السنة القطعية خلافا للحنفية، فقد قالوا: إن خبر الواحد إذا ورد بالزيادة في حكم القرآن أو السنة القطعية كان نسخا لا يقبل، والحق القبول؛ لأنها زيادة غير منافية للمزيد فكانت مقبولة. ودعوى أنها ناسخة ممنوعة، وهكذا إذا ورد الخبر مخصصا للعام من كتاب أو سنة؛ فإنه مقبول، ويبنى العام على الخاص خلافا لبعض الحنفية، وهكذا إذا ورد مقيدا لمطلق الكتاب أو السنة القطعية. ٧ - ولا يضره كون روايه انفرد بزيادة فيه على ما رواه غيره إذا كان عدلا فقد يحفظ الفرد ما لا يحفظه الجماعة، وبه قال الجمهور إذا كانت تلك الزيادة غير منافية للمزيد، أما إذا كانت منافية فالترجيح، ورواية الجماعة أرجح من رواية الواحد. وقيل: لا تقبل رواية الواحد إذا خالفت رواية الجماعة، وإن كانت تلك الزيادة غير منافية للمزيد إذا كان مجلس السماع واحدا، وكانت الجماعة بحيث لا يجوز عليهم

стр. 185

الغفلة عن مثل تلك الزيادة، وأما إذا تعدد مجلس السماع؛ فتقبل تلك الزيادة بالاتفاق. ومثل: انفراد العدل بالزيادة انفراده برفع الحديث إلى رسول الله ﷺ الذي وقفه الجماعة؛ لأنه يصدق عليه (زيادة الثقة). وكذا انفراده بإسناد الحديث الذي أرسلوه. وكذا انفراده بوصل الحديث الذي قطعوه؛ فإن ذلك مقبول منه؛ لأنه زيادة على ما قد رووه وتصحيح لما أعلّوه. شروط لفظ الخبر وأما الشروط التي ترجع إلى لفظ الخبر: فإنه علم أن للراوي في نقل ما يسمعه أحوالا أهمها أربعة: الأول: أن يرويه بلفظه فيؤدي الأمانة كما سمعها، ولكنه إذا كان النبي ﷺ قاله جوابا عن سؤال سائل، فإن كان الجواب مستغنيا عن ذكر السؤال كقوله ﷺ في ماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته» فالراوي مخير بين أن يذكر السؤال أو يتركه، وإن كان الجواب غير مستغن عن ذكر السؤال كما في سؤاله ﷺ عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص إذا جف؟ فقيل: نعم، فقال: «فلا إذا» فلا بد من ذكر السؤال. وهكذا لو كان الجواب يحتمل أمرين، فإذا نقل الراوي السؤال لم يحتمل إلا أمرا واحدا فلا بد من ذكر السؤال، وعلى كل حال فذكر السؤال مع ذكر الجواب وما ورد على سبب أولى من الإهمال. الحال الثاني: أن يرويه بغير لفظه بل بمعناه، وفيه مذاهب أهمها ما يأتي: الأول منها: أن ذلك جائز من عارف بمعاني الألفاظ لا إذا لم يكن عارفا، فإنه لا يجوز له الرواية بالمعنى، قال القاضي في التقريب: بالإجماع. المذهب الثاني: المنع من الرواية بالمعنى مطلقا، بل يجب نقل اللفظ بصورته من غير فرق بين العارف وغيره. وهكذا نقله القاضي عن كثير من السلف وأهل التحري في الحديث، وقال: إنه مذهب مالك، ونقله الجويني والقشيري عن معظم المحدّثين، وبعض الأصوليين، وحكي عن أبي بكر الرازي من الحنفية، وهو مذهب الظاهرية، نقله عنهم القاضي عبد الوهاب، ونقله ابن السمعاني عن عبد الله بن عمر، وجماعة من التابعين منهم ابن سيرين، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، ولا يخفى ما في هذا المذهب من الحرج البالغ أو المخالفة لما كان عليه السلف والخلف من الرواة، كما تراه في كثير من الأحاديث التي يرويها جماعة فإن غالبها بألفاظ مختلفة مع الاتحاد في

стр. 186

المعنى المقصود، بل قد ترى الواحد من الصحابة فمن بعدهم يأتي في بعض الحالات بلفظ في رواية، وفي أخرى بغير ذلك اللفظ مما يؤدي معناه، وهذا أمر لا شك فيه. المذهب الثالث: التفصيل بين الأوامر والنواهي وبين الأخبار، فتجوز الرواية بالمعنى في الأول دون الثاني. قال الماوردي والروياني: أما الأوامر والنواهي فيجوز روايتهما بالمعنى كقوله: «لا تبيعوا الذهب بالذهب» وروي أنه نهى عن بيع الذهب بالذهب، وقوله ﷺ أيضا-: «اقتلوا الأسودين في الصلاة» وروي: أنه أمر بقتل الأسودين في الصلاة. قال: هذا جائز بلا خلاف لأن «افعل» أمر، «ولا تفعل» نهي، فيتخير الراوي بينهما، وإن كان اللفظ في المعنى محتملا مثل: «لا طلاق في إغلاق» وجب نقله بلفظه ولا يعبر عنه بغيره؛ لأن كلمة «إغلاق» تحتمل أكثر من معنى. الحال الثالث: أن يحذف الراوي بعض لفظ الخبر، فينبغي أن ينظر فإن كان المحذوف متعلقا بالمحذوف منه تعلقا لفظيّا أو معنويّا لم يجز بالاتفاق، حكاه الصفي الهندي وابن الأنباري، فالتعلق اللفظي كالتقييد بالاستثناء والشرط والغاية والصفة، والتعلق المعنوي كالخاص بالنسبة إلى العام، والمقيد بالنسبة إلى المطلق، والمبين بالنسبة إلى المجمل، والناسخ بالنسبة إلى المنسوخ. الحال الرابع: أن يزيد الراوي في روايته للخبر على ما سمعه من النبي ﷺ ، فإن كان ما زاده يتضمن بيان سبب الحديث أو تفسير معناه فلا بأس بذلك، لكن بشرط أن يبين ما زاده حتى يفهم السامع أنه من كلام الراوي. قال الماوردي والروياني: يجوز من الصحابي زيادة بيان السبب لكونه مشاهدا للحال، ولا يجوز من التابعي، وأما تفسير المعنى فيجوز منهما. ولا وجه للاقتصار على الصحابي والتابعي في تفسير معنى الحديث، فذلك جائز لكل من يعرف معناه معرفة صحيحة على مقتضى اللغة العربية بشرط الفصل بين الخبر المروي وبين التفسير الواقع منه بما يفهمه السامع. اه «باختصار وتصرف من إرشاد الفحول للشوكاني». إيضاح مهم إن ما ذكره الإمام الشوكاني فيما سبق، عبارة عن خلاصة وافية متعلقة بالأحاديث التي تستنبط الأدلة منها، سواء كانت أحاديث متواترة أو أحاديث آحاد «مستفيضة، أو مشهورة، أو عزيزة، أو غريبة»، وسواء كانت الأحاديث الاحادية صحيحة أو حسنة؛ لأن الأحكام الشرعية تؤخذ من الحديث الحسن، كما تؤخذ من الحديث الصحيح، وإليك تعريفا خاصا بكل منهما على طريقة المؤلفين في علوم الحديث.

стр. 187

الحديث الصحيح قال النووي في مقدمته لشرح مسلم: «الصحيح ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة»، وقد سبق شرح ذلك للشوكاني بما لا يحتاج إلى مزيد. وقال ابن كثير: حاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ولا يكون شاذّا ولا مردودا، ولا معللا بعلة قادحة، وقد يكون مشهورا، أو عزيزا، أو غريبا. المشهور: والشهرة أمر نسبي، فقد يشتهر عند أهل الحديث أو يتواتر ما ليس عند غيرهم بالكلية. ثم قد يكون المشهور متواترا، أو مستفيضا، وهو ما زاد نقلته على ثلاثة. وعن القاضي الماوردي: أن المستفيض أقوى من المتواتر، وهذا اصطلاح منه. وقد يكون المشهور صحيحا، كحديث: «الأعمال بالنيات» وحسنا. وقد يشتهر بين الناس أحاديث لا أصل لها، أو هي موضوعة بالكلية، وهذا كثير جدّا، ومن نظر في كتاب الموضوعات لأبي الفرج ابن الجوزي عرف ذلك، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: أربعة أحاديث تدور بين الناس في الأسواق لا أصل لها: «من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة»، و «من آذى ذميّا فأنا خصمه يوم القيامة»، و «نحركم يوم صومكم»، و «للسائل حقّ وإن جاء على فرس»، والصواب أن الحديث الثاني والحديث الرابع رواهما أبو داود بإسنادين جيدين فهما قويان، وأما الحديثان الآخران فلا أصل لهما، ولذا قال العراقي: لا يصح هذا الكلام عن الإمام أحمد. اه من المقاصد الحسنة. الغريب والعزيز: أما الغرابة: فقد تكون في المتن، بأن يتفرد بروايته راو واحد، أو في بعضه، كما إذا زاد فيه واحد زيادة لم يقلها غيره، وقد تقدم الكلام في زيادة الثقة. وقد تكون الغرابة في الإسناد، كما إذا كان أصل الحديث محفوظا من وجه آخر أو وجوه، لكنه بهذا الإسناد غريب. فالغريب: ما تفرد به واحد، وقد يكون ثقة، وقد يكون ضعيفا، ولكل حكمه. فإن اشترك اثنان أو ثلاثة في روايته عن الشيخ سمي «عزيزا»، فإن رواه عنه جماعة سمي «مشهورا» كما تقدم، والله أعلم.

стр. 188

أقسام الصحيح من حيث القوة قال ابن الصلاح في مقدمته: إذا انتهى الأمر في معرفة الصحيح إلى ما خرجه الأئمة في تصانيفهم الكفيلة ببيان ذلك، فالحاجة ماسة إلى التنبيه على أقسامه. فأولها: صحيح أخرجه البخاري ومسلم جميعا. والثاني: صحيح انفرد به البخاري: أي عن مسلم. الثالث: صحيح انفرد به مسلم: أي عن البخاري. الرابع: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. الخامس: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه. السادس: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه. السابع: صحيح عند غيرهما وليس على شرط واحد منهما. هذه أمهات أقسامه، وأعلاها الأول. وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيرا «صحيح متفق عليه» يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه. لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه؛ لاتفاقها على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول. وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به. خلافا لقول من نفى ذلك محتجّا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول؛ لأنه يجب عليهم العمل بالظن والظن قد يخطئ. وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويّا ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولا هو الصحيح؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ. والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حجة مقطوعا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك. وهذه نكتة نفيسة نافعة. ومن فوائدها: القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره وهي معروفة عند أهل هذا الشأن. (ورجح بعض العلماء أن مراد الدارقطني أن الأحاديث التي انتقدها ليست في المستوى العالي الذي جاءت عليه أحاديث البخاري ومسلم. لا أنها أحاديث ضعيفة وهذا هو القول الراجح عند المحققين).

стр. 189

حكم المعلق في البخاري ومسلم ما أسنده البخاري ومسلم رحمهما الله في كتابيهما بالإسناد المتصل، فذلك الذي حكمناه بصحته بلا إشكال. وأما «المعلق» وهو الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر، وأغلب ما وقع ذلك في كتاب البخاري وهو في كتاب مسلم قليل جدّا، ففي بعضه نظر. وينبغي أن نقول: ما كان من ذلك ونحوه بلفظ فيه جزم وحكم به على من علقه فقد حكم بصحته عنه، مثاله: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، قال ابن عباس كذا، قال مجاهد كذا، قال عفان كذا، قال القعنبي كذا، روى أبو هريرة كذا وكذا، وما أشبه ذلك من العبارات، فكل ذلك حكم منه على من ذكره عنه بأنه قد قال ذلك ورواه، فلن يستجيز إطلاق ذلك إلا إذا صح عنده ذلك عنه، ثم إذا كان الذي علق الحديث عنه دون الصحابة فالحكم بصحته يتوقف على اتصال الإسناد بينه وبين الصحابي. وأما ما لم يكن في لفظه جزم وحكم. مثل: روي عن رسول الله ﷺ كذا وكذا، أو روي عن فلان كذا وكذا، أو في الباب عن النبي ﷺ كذا وكذا، فهذا وما أشبهه من الألفاظ ليس في شيء منه بصحة ذلك عمن ذكره عنه؛ لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف- أيضا، ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارا يؤنس به ويركن إليه. اه ابن الصلاح. الفرق بين: صحيح وصحيح الإسناد قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد. دون قولهم: هذا حديث صحيح أو حديث حسن؛ لأنه قد قال: هذا حديث صحيح الإسناد. ولا يصح؛ لكونه شاذّا أو معللا، غير أن المصنّف المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله: إنه صحيح الإسناد ولم يذكر له علة ولم يقدح فيه، فالظاهر منه الحكم له بأنه صحيح في نفسه؛ لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر. متى يصير الحسن صحيحا ؟ إذا كان راوي الحديث متأخرا عن درجة أهل الحفظ والإتقان غير أنه من المشهورين بالصدق والسّتر، وروي مع ذلك حديثه من غير وجه فقد اجتمعت له القوة من الجهتين، وذلك يرقّي حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح.

стр. 190

مثاله: حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» فمحمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة، لكنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته، فحديثه من هذه الجهة حسن، فلما انضم إلى ذلك كونه روي من أوجه أخر زال بذلك ما كنا نخشاه عليه من جهة سوء حفظه وانجبر به ذلك النقص اليسير، فصح هذا الإسناد والتحق بدرجة الصحيح، والله أعلم. اه ابن الصلاح. متى يكون الضعيف قويّا لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكوما بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة مثل حديث: «الأذنان من الرأس» ونحوه فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن؛ لأن بعض ذلك عضد بعضا كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفا؟. وجواب ذلك: أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر؛ عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختلّ فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ؛ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر، ومن ذلك: ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذّا، وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة، والله أعلم. أول من جمع صحاح الحديث أول من اعتنى بجمع الصحيح: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وتلاه صاحبه وتلميذه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري. فهما أصح كتب الحديث، والبخاري أرجح؛ لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا: أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة. ومن هنا ينفصل لك النزاع في ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسلم، كما هو قول الجمهور، خلافا لأبي علي النيسابوري شيخ الحاكم، وطائفة من علماء المغرب.

стр. 191

ثم إن البخاري ومسلما لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث؛ فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما، كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده، بل في السنن وغيرها. عدد ما في الصحيحين من الحديث قال ابن الصلاح: جميع ما في البخاري بالمكرر: سبعة آلاف حديث ومائتان وخمسة وسبعون حديثا. وبغير المكرر أربعة آلاف. وقال أحمد شاكر: الذي حرره الحافظ ابن حجر في مقدمته فتح الباري: أن عدة ما في البخاري من المتون الموصولة بلا تكرار (٢٦٠٢) ومن المتون المعلقة المرفوعة (١٥٩). فمجموع ذلك (٢٧٦١). وأن عدة أحاديثه بالمكرر وبما فيه من التعليقات والمتابعات واختلاف الروايات (٩٠٨٢). وهذا غير ما فيه من الموقوف على الصحابة وأقوال التابعين. وجميع ما في صحيح مسلم بلا تكرار: نحو أربعة آلاف حديث. قال العراقي: وهو بالمكرر يزيد على عدة كتاب البخاري: لكثرة طرقه. قال: وقد رأيت عن أبي الفضل أحمد بن مسلمة أنه اثنا عشر ألف حديث. اه. الزيادات على الصحيحين قال في الباعث الحثيث: وقد خرّجت كتب كثيرة على الصحيحين يؤخذ منها زيادات مفيدة، وأسانيد جيدة، كصحيح أبي عوانة، وأبي بكر الإسماعيلي، والبرقاني وأبي نعيم الأصبهاني، وغيرهم، وكتب أخر التزم أصحابها صحتها، كابن خزيمة، وابن حبان البستي، وهما خير من المستدرك بكثير، وأنظف أسانيدا ومتونا. وكذلك يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد والمتون شيء كثير مما يوازي كثيرا من أحاديث مسلم، بل والبخاري أيضا، وليست عندهما ولا عند أحدهما، بل ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة، وهم: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال أحمد شاكر: هذا كلام جيد محقق فإن «المسند» للإمام أحمد بن حنبل، وهو عندنا أعظم دواوين السنة. وفيه أحاديث صحاح كثيرة لم تخرج في الكتب الستة، كما قال الحافظ ابن كثير. قال في الباعث: وكذلك يوجد في معجمي الطبراني الكبير والأوسط، ومسندي أبي يعلى

стр. 192

والبزار، وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد والأجزاء: ما يتمكن المتبحر في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه، بعد النظر في حال رجاله وسلامته من التعليل المفسد. اه. وقد جمع الحافظ الهيثمي (المتوفي سنة ٨٠٧ هـ) زوائد ستة كتب. وهي: مسند أحمد، وأبي يعلى، والبزار، ومعاجم الطبراني الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير على الكتب الستة، أي ما رواه هؤلاء الأئمة الأربعة في كتبهم زائدا على ما في الكتب الستة المعروفة، وهي: الصحيحان والسنن الأربعة. فكان كتابا حافلا نافعا سماه «مجمع الزوائد»، طبع بمصر سنة (١٣٥٢) في عشرة مجلدات كبار. وتكلم فيه على إسناد كل حديث، مع نسبته إلى من رواه منهم، والمتتبع له يجد أن الصحيح منها كثير يزيد على النصف، وأن أكثر الصحيح هو ما رواه الإمام أحمد في مسنده. ويجوز له الإقدام على ذلك، وإن لم ينص على صحته حافظ قبله، موافقة للشيخ أبي زكريا يحيى النووي، وخلافا للشيخ أبي عمرو بن الصلاح الذي ذهب إلى أنه قد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، ومنع- بناء على هذا- من الجزم بصحة حديث لم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة. وبنى على قوله هذا: أن ما صححه الحاكم من الأحاديث ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحا ولا تضعيفا: حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه، وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث، بعد الفحص عن إسناده وعلله وهو الصواب. والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث. وهيهات فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل، لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ولا تجد له شبه دليل. اه. أحمد شاكر. موطأ مالك (تنبيه) قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀: لا أعلم كتابا في هذا العلم أكثر صوابا من كتاب مالك، إنما قاله قبل البخاري ومسلم. وقد كانت كتب كثيرة مصنفة في ذلك الوقت في السنن، لابن جريج، وابن إسحاق- غير السيرة- ولأبي قرّة موسى بن طارق الزبيدي، ومصنف عبد الرزاق بن همام، وغير ذلك.

стр. 193

وكان كتاب مالك وهو (الموطأ) أجلّها وأعظمها نفعا، وإن كان بعضها أكبر حجما منه وأكثر أحاديث. قال السيوطي في شرح الموطأ: الصواب إطلاق أن الموطأ صحيح، لا يستثنى منه شيء «١» وهذا غير صواب، والحق أن ما في (الموطأ) من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله ﷺ صحاح كلها، بل هي في الصحة كأحاديث الصحيحين، وأن ما فيه من المراسيل والبلاغات وغيرها يعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها، مما تحويه الكتب الأخرى. وإنما لم يعدّ في الكتب الصحاح لكثرتها وكثرة الآراء الفقهية لمالك وغيره. ثم إن (الموطأ) رواه عن مالك كثير من الأئمة، والذي في أيدينا منه رواية يحيى الليثي، وهي المشهورة الآن. ورواية محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وهي مطبوعة في الهند. وقد طلب المنصور من الإمام مالك أن يجمع الناس على كتابه، فلم يجبه إلى ذلك. وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وقال: إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطّلع عليها. وقد اعتنى الناس بكتابة (الموطأ) وعلقوا عليه كتبا جمّة. ومن أجود ذلك كتابا (التمهيد)، و (الاستذكار) للشيخ أبي عمر ابن عبد البر النّمري القرطبي. اه من الباعث وشرحه. إطلاق اسم الصحيح على الترمذي والنسائي كان الحاكم أبو عبد الله، والخطيب البغدادي يسميان كتاب الترمذي: «الجامع الصحيح». وهذا تساهل منهما. فإن فيه أحاديث كثيرة منكرة. وقول الحافظ أبي علي ابن السكن، وكذا الخطيب البغدادي في كتاب «السنن» للنسائي: إنه صحيح، فيه نظر. وإن له شرطا في الرجال أشدّ من شرط مسلم غير مسلّم؛ فإن فيه رجالا مجهولين: إما عينا، وإما حالا، وفيهم المجروح، وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة، كما نبهنا عليه في «الأحكام الكبير». اه. ابن كثير. مسند الإمام أحمد وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن مسند الإمام أحمد: إنه صحيح: فقول ضعيف، فإن فيه أحاديث ضعيفة، بل وموضوعة، كأحاديث فضائل مرو، وعسقلان، والبرث (الأرض اللينة) الأحمر عند حمص، وغير ذلك كما قد نبه

стр. 194

عليه طائفة من الحفاظ. وللشيخ ابن تيمية كلام حسن في ذلك ذكره في (التوسل والوسيلة) محصلة، إن كان المراد بالموضوع ما في سنده كذاب فليس في المسند من ذلك شيء، وإن كان المراد ما لم يقله النبي ﷺ ، لغلط راويه وسوء حفظه. ففي المسند والسنن من ذلك كثير. الكتب الخمسة وقول الحافظ أبي طاهر السلفي في الأصول الخمسة يعني البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، إنه اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب: تساهل منه. وقد أنكره ابن الصلاح وغيره. قال ابن الصلاح: وهي مع ذلك أعلى رتبة من كتب المسانيد كمسند عبد بن حميد، والدارمي، وأحمد بن حنبل، وأبي يعلى والبزار، وأبي داود الطيالسي، والحسن بن سفيان، وإسحاق بن راهويه، وعبيد الله بن موسى وغيرهم. اه. ابن كثير. الحديث الحسن قال الإمام النووي في مقدمته على شرح صحيح مسلم: وأما الحسن فقد تقدم قول الخطابي ﵀: أنه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله. وقال أبو عيسى الترمذي: الحسن: ما ليس في إسناده من يتهم وليس بشاذ وروي من غير وجه. وضبط الشيخ الإمام أبو عمرو ابن الصلاح ﵀ الحسن فقال: هو قسمان: أحدهما: الذي لا يخلو إسناده من مستور لم تتحقق أهليته وليس كثير الخطأ فيما يرويه ولا ظهر منه تعمد الكذب ولا سبب آخر مفسّق، ويكون متن الحديث قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر. القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح لقصوره عنهم في الحفظ والإتقان، إلا أنه مرتفع عن حال من يعد تفرده منكرا. قال: وعلى القسم الأول ينزل كلام الترمذي، وعلى الثاني كلام الخطابي فاقتصر كل واحد منهما على قسم رآه خفيّا، ولا بد في القسمين من سلامتهما من الشذوذ والعلة. ثم الحسن وإن كان دون الصحيح فهو كالصحيح في جواز الاحتجاج به.

стр. 195

وأما الضعيف: فهو ما لم يوجد فيه شروط الصحة ولا شروط الحسن. وأنواعه كثيرة منها: الموضوع، والمقلوب، والشاذ، والمعلل، والمضطرب وغير ذلك. ولهذه الأنواع حدود وأحكام وتفريعات معروفة عند أهل هذه الصنعة، وقد أتقنها مع ما يحتاج إليه طالب الحديث من الأدوات والمقدمات ويستعين به في جميع الحالات الإمام الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح في كتابه «علوم الحديث». الترمذي أصل في معرفة الحسن قال ابن الصلاح في علوم الحديث: كتاب أبي عيسى الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه باسمه وأكثر من ذكره في جامعه، ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما، ويختلف النسخ من كلام الترمذي في قوله: هذا حديث حسن، وهذا حديث حسن صحيح، ونحو ذلك؛ فينبغي أن تصحح أصلك بجماعة أصول، وتعتمد ما اتفقت عليه. أبو داود سننه من مظان الحسن قال: ومن مظانه سنن أبي داود، روينا عنه أنه قال: ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض. قال: وروي عنه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرف فيه. (قلت): ويروى عنه أنه قال: وما سكتّ عنه فهو حسن. قال ابن الصلاح: فما وجدناه في كتابه مذكورا مطلقا، وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد فهو حسن عند أبي داود. (قلت): الروايات عن أبي داود بكتابه «السنن» كثيرة جدّا ويوجد في بعضها من الكلام، بل والأحاديث ما ليس في الأخرى، ولأبي عبيد الآجرّي عنه أسئلة في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، كتاب مفيد. ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه. فقوله: «وما سكتّ عنه فهو حسن» ما سكت عنه في سننه فقط؟ أو مطلقا؟. هذا مما ينبغي التنبيه عليه، والتيقظ له. فائدة: وقال: الحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على

стр. 196

المتن؛ إذ قد يكون شاذّا أو معللا. اه من الباعث الحثيث. مفهوم قول الترمذي: حسن صحيح قول الترمذي في جامعه: هذا حديث حسن صحيح مشكل عند رجال الحديث، إذ كيف يتأتى الجمع في حديث واحد بين الصحة والحسن بعد أن عرفنا أن لكل منهما تعريفا خاصّا به؟ وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة كثيرة لم تسلم كلها من النقد، والإجابة التي ارتضاها الحافظ ابن حجر هي إجابة ابن دقيق العيد حيث قال: والذي أقول في جواب هذا السؤال: إنه لا يشترط في الحسن قيد القصور عن الصحيح، وإنما يجيئه القصور ويفهم ذلك فيه إذا اقتصر على قوله «حسن». فالقصور يأتيه من قيد الاقتصار لا من حيث حقيقته وذاته. وشرح ذلك وبيانه: أن ها هنا صفات للرواة تقتضي قبول الرواية، ولتلك الصفات درجات بعضها فوق بعض، كالتيقظ، والحفظ، والإتقان مثلا؛ فوجود الدرجة الدنيا كالصدق، وعدم التهمة بالكذب، لا ينافيه وجود ما هو أعلى منه كالحفظ والإتقان. فإذا وجدت الدرجة العليا لم يناف ذلك وجود الدنيا كالحفظ مع الصدق، فيصح أن يقال في هذا إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا وهي الصدق مثلا، صحيح باعتبار الصفة العليا وهي الحفظ والإتقان، ويلزم على هذا أن يكون كل صحيح حسنا، ويؤيده ورود قولهم: هذا حديث حسن في الأحاديث الصحيحة، وهذا موجود في كلام المتقدمين. اه. حكم الحديث الموقوف قال النووي: إذا قال الصحابي قولا أو فعل فعلا فقد قدمنا أنه يسمى «موقوفا»، وهل يحتج به؟ فيه تفصيل واختلاف. قال أصحابنا: إن لم ينتشر فليس هو إجماعا، وهل هو حجة؟ فيه قولان للشافعي رحمه الله تعالى وهما مشهوران، أصحهما الجديد: أنه ليس بحجة، والثاني وهو القديم: أنه حجة. فإن قلنا حجة؛ قدّم على القياس، ولزم التابعيّ وغيره العمل به، ولم تجز مخالفته. وهل يخص به العموم؟ فيه وجهان. وإذا قلنا: ليس بحجة؛ فالقياس مقدم عليه، ويجوز للتابعي مخالفته.

стр. 197

فأما إذا اختلف الصحابة ﵃ على قولين، فإن قلنا بالجديد؛ لم يجز تقليد واحد من الفريقين بل يطلب الدليل، وإن قلنا بالقديم؛ فهما دليلان تعارضا فيرجح أحدهما على الآخر بالمرجحات المعتمدة. أما إذا قال التابعي قولا ولم ينتشر؛ فليس بحجة بلا خلاف، وإن انتشر وخولف؛ فليس بحجة بلا خلاف أيضا، وإن انتشر ولم يخالف؛ فظاهر كلام جماهير أصحابنا أن حكمه حكم قول الصحابي المنتشر من غير مخالفة، وحكى بعض أصحابنا فيه وجهين: أصحهما هذا، والثاني ليس بحجة. قال صاحب الشامل من أصحابنا: الصحيح أنه يكون إجماعا وهذا هو الأفقه، ولا فرق في هذا بين الصحابي والتابعي. المعنعن الإسناد المعنعن وهو فلان عن فلان. قال بعض العلماء: هو مرسل، والصحيح الذي عليه العمل، وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول: أنه متصل بشرط أن يكون المعنعن غير مدلس، وبشرط إمكان لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضا، وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف. منهم من لم يشترط شيئا من ذلك، وهو مذهب مسلم، وادعى الإجماع عليه. ومنهم من شرط ثبوت اللقاء وحده وهو مذهب عليّ بن المديني والبخاري، وأبو بكر الصيرفي الشافعي، والمحققين، وهو الصحيح. ومنهم من شرط الصحبة وهو قول أبي المظفر السمعاني الفقيه الشافعي، ومنهم من شرط أن يكون معروفا بالرواية عنه، وبه قال أبو عمرو المقرئ. الحديث المؤنن وأما إذا قال: حدثنا الزهري، أن ابن المسيب قال كذا، أو حدث بكذا، أو فعل أو ذكر أو روى أو نحو ذلك؛ فإنه يسمى «المؤنن». وحكمه أنه عند الجماهير مثل المعنعن، محمول على السماع بالشرط المتقدم، وهذا هو الصحيح. اه. النووي.

стр. 198

الاعتبار و المتابعة و الشاهد إذا روى حماد مثلا حديثا، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، ينظر هل رواه ثقة غير حماد عن أيوب أو عن ابن سيرين غير أيوب أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبي ﷺ غير أبي هريرة؛ فأي ذلك وجد علم أن له أصلا يرجع إليه، فهذا النظر والتفتيش يسمّى اعتبارا. المتابعة المتابعة: مثل أن يروى الحديث عن أيوب غير حماد، أو عن ابن سيرين غير أيوب، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبي ﷺ غير أبي هريرة؛ فكل واحد من هذه الأقسام يسمّى «متابعة» وأعلاها الأولى؛ وهي متابعة حماد في الرواية عن أيوب، ثم ما بعدها على الترتيب. الشاهد الشاهد هو: أن يروى حديث آخر بمعناه. وتسمّى المتابعة شاهدا، ولا يسمى الشاهد متابعة. وإذا قالوا في نحو هذا: تفرد به أبو هريرة، أو ابن سيرين، أو أيوب، أو حماد؛ كان مشعرا بانتفاء وجوه المتابعات كلها. واعلم أنه يدخل في المتابعات والاستشهاد رواية بعض الضعفاء، ولا يصلح لذلك كل ضعيف، وإنما يفعلون هذا لكون التابع لا اعتماد عليه، وإنما الاعتماد على من قبله. الشاذ والمنكر إذا انتفت المتابعات، وتمحض فردا فله أربعة أحوال: - حال يكون مخالفا لرواية من هو أحفظ منه، فهذا ضعيف، ويسمى شاذّا ومنكرا. - وحال لا يكون مخالفا ويكون هذا الراوي حافظا ضابطا متقنا، فيكون صحيحا. - وحال يكون قاصرا عن هذا الراوي، ولكنه قريب من درجته، فيكون حديثه حسنا.

стр. 199

- وحال يكون بعيدا عن حاله فيكون شاذّا منكرا مردودا. فتحصل أن الفرد قسمان: مقبول ومردود، والمقبول ضربان: فرد لا يخالف، وراويه كامل الأهلية. وفرد هو قريب منه. والمردود- أيضا- ضربان: فرد مخالف للأحفظ، وفرد ليس في راويه من الحفظ والإتقان ما يجبر تفردا. القول في خلط الثقة إذا خلط الثقة لاختلال ضبطه بخرف أو هرم، أو لذهاب بصره أو نحو ذلك، قبل حديث من أخذ عنه قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنه بعد الاختلاط، أو شككنا في وقت أخذه. فمن الخالطين: عطاء بن السائب، وأبو إسحاق السبيعي، وسعيد الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وربيعة أستاذ مالك، وصالح مولى التوأمة، وحصين بن عبد الوهاب الكوفي، وسفيان بن عيينة. قال يحيى القطان: أشهد أنه اختلط سنة سبع وتسعين، وتوفى سنة تسع وتسعين، وعبد الرزاق بن همام عمي في آخر عمره وكان يتلقن، وعارم اختلط آخرا، واعلم أن ما كان من هذا القبيل محتجّا به في الصحيحين فهو مما علم أنه أخذ قبل الاختلاط. بيان الناسخ والمنسوخ هذه أحرف مختصرة في بيان الناسخ والمنسوخ، وحكم الحديثين المختلفين ظاهرا. أما النسخ: فهو رفع الشارع حكما منه، متقدما بحكم منه متأخر. هذا هو المختار في حدّه، وقد قيل فيه غير ذلك، وقد أدخل فيه كثيرون أو الأكثرون من المصنفين في الحديث ما ليس منه، بل هو من قسم التخصيص أو ليس منسوخا ولا مخصصا بل مؤولا أو غير ذلك. بم يعرف النسخ ؟ النسخ يعرف بأمور: منها: تصريح رسول الله ﷺ به: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». ومنها: قول الصحابي: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار.

стр. 200

ومنها: ما يعرف بالتاريخ. ومنها: ما يعرف بالإجماع، كقتل شارب الخمر في المرة الرابعة؛ فإنه منسوخ عرف نسخه بالإجماع. والإجماع لا ينسخ ولا ينسخ لكن يدل على وجود ناسخ. وأما إذا تعارض حديثان في الظاهر؛ فلا بد من الجمع بينهما أو ترجيح أحدهما، وإنما يقوم بذلك غالبا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون المتمكنون في ذلك، الغائصون على المعاني الدقيقة، الرائضون أنفسهم في ذلك، فمن كان بهذه الصفة؛ لم يشكل عليه شيء من ذلك، إلا النادر في بعض الأحيان. ثم المختلف قسمان: أحدهما: يمكن الجمع بينهما فيتعين، ويجب العمل بالحديثين جميعا، ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة، تعين المصير إليه، ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع؛ لأن في النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به. ومثال الجمع: «لا عدوى» مع حديث: «لا يورد ممرض على مصحّ» وجه الجمع: أن الأمراض لا تتعدى بطبعها، ولكن جعل الله مخالطتها سببا للإعداء، فنفى في الحديث الأول ما يعتقده الجاهلية من العدوى بطبعها، وأرشد في الثاني إلى مجانبة ما يحصل عنده الضرر عادة بقضاء الله وقدره وفعله. القسم الثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بوجه، فإن علمنا أحدهما ناسخا قدمناه وإلا عملنا بالراجح منهما، كالترجيح بكثرة الرواة وصفاتهم وسائر وجوه الترجيح، وهي نحو خمسين وجها، جمعها الحافظ أبو بكر الحازمي في أول كتابه «الناسخ والمنسوخ». معرفة صفة من تقبل روايته ومن تردّ روايته أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه، وتفصيله أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظا غير مغفل، حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يغير المعاني، وقد سبق الكلام في شروط قبول رواية الراوي بما لا مزيد عليه، ولكن توجد أمور لا بد من الكلام فيها لتكتمل الصورة، وهي ما نبينه فيما يأتي:

стр. 201

بما تثبت عدالة الراوي وضبطه ؟ عدالة الراوي تارة تثبت بتنصيص معدّلين على عدالته، وتارة تثبت بالاستفاضة، فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة؛ استغنى فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصا، وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه. وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ، ومثّل ذلك بمالك وشعبة، والسفيانين، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، ووكيع، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم، وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره على الطالبين. فائدة: التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور، لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها، فإن ذلك يحوج المعدّل إلى أن يقول: «لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا» فيعدد جميع ما يفسق بفعله أو بتركه، وذلك شاق جدّا. وأما الجرح: فإنه لا يقبل إلا مفسرا مبيّن السبب؛ لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناء على أمر اعتقده جرحا وليس بجرح في نفس الأمر، فلا بد من بيان سببه لينظر فيه أهو جرح أم لا، وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله. وذكر الخطيب الحافظ أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل: البخاري، ومسلم وغيرهما، ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس ﵄، وكإسماعيل بن أبي أويس، وعاصم بن علي، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم. واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم. وهكذا فعل أبو داود السجستاني، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه، ومذاهب النقاد للرجال غامضة مختلفة. وعقد الخطيب بابا في بعض أخبار من استفسر في جرحه فذكر ما لا يصلح جارحا. منها: عن شعبة أنه قيل له: لم تركت حديث فلان؟ فقال: رأيته يركض على برذون، فتركت حديثه.

стр. 202

العدد الذي يثبت به الجرح والتعديل اختلفوا في أنه هل يثبت الجرح والتعديل بقول واحد أو لا بد من اثنين؟ فمنهم من قال: لا يثبت ذلك إلا باثنين كما في الجرح والتعديل في الشهادات، ومنهم من قال- وهو الصحيح الذي اختاره الحافظ أبو بكر الخطيب وغيره-: أنه يثبت بواحد؛ لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر، فلم يشترط في جرح راويه وتعديله بخلاف الشهادات، والله أعلم. وإذا اجتمع في شخص جرح وتعديل؛ فالجرح مقدم؛ لأن المعدّل يخبر عما ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدّل. فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل: التعديل أولى. والصحيح الذي عليه الجمهور أن الجرح أولى لما ذكرناه. رواية المجهول المجهول ههنا أقسام: أحدها: المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعا وروايته غير مقبولة عند الجماهير على مانبهنا عليه أولا. الثاني: المجهول الذي جهلت عدالته الباطنة وهو عدل في الظاهر وهو المستور. فقد قال بعض أئمتنا: «المستور من يكون عدلا في الظاهر ولا تعرف عدالة باطنه». فهذا المجهول يحتج بروايته بعض من رد رواية الأول، وهو قول بعض الشافعيين، وبه قطع منهم الإمام سليم بن أيوب الرازي، قال: لأن أمر الأخبار مبني على حسن الظن بالراوي. قلت: ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم، والله أعلم. الثالث: المجهول العين. وقد يقبل رواية المجهول العدالة من لا يقبل رواية المجهول العين. ومن روى عنه عدلان وعيّناه، فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة. ذكر أبو بكر الخطيب البغدادي في أجوبة مسائل سئل عنها: أن المجهول عند أصحاب الحديث: كل من لم تعرفه العلماء، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد مثل: عمرو ذي مر، وجبار الطائي، وسعيد بن ذي حدّان، لم يرو عنهم غير

стр. 203

أبي إسحاق السبيعي. ومثل: الهزهاز بن ميزن لا راوي عنه غير الشعبي. ومثل: جريّ ابن قليب لم يرو عنه إلا قتادة. قلت: قد روي عن الهزهار الثوري- أيضا-. قال الخطيب: «وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان من المشهورين بالعلم، إلا أنه لا يثبت لم حكم العدالة بروايتهما عنه». قلت: قد خرّج البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم غير راو واحد، منهم مرداس الأسلمي لم يرو عنه غير قيس بن حازم، وكذلك خرّج مسلم حديث قوم لا راوي لهم غير واحد، منهم: ربيعة بن كعب الأسلمي لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن. وذلك منهما مصيرا إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه. والخلاف في ذلك متجه نحو اتجاه الخلاف المعروف في الاكتفاء بواحد في التعديل على ما قدمناه. والله أعلم. حكم التائب من الكذب التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق تقبل روايته، إلا التائب من الكذب متعمدا في حديث رسول الله ﷺ ، فإنه لا تقبل روايته أبدا، وإن حسنت توبته على ما ذكر من غير واحد من أهل العلم، منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري. وأطلق الإمام أبو بكر الصيرفي الشافعي فيما وجدت له في شرحه لرسالة الشافعي فقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويّا بعد ذلك. وذكر أن ذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة. وذكر الإمام أبو مظفر السمعاني المروزي أن كل من كذب في خبر واحد، وجب إسقاط ما تقدم من حديثه، وهذا أيضا هو من حيث المعنى ما ذكره الصيرفي. اه من المقدمة بتصرف. حكم أخذ الأجرة على الحديث من أخذ على التحديث أجرا منع ذلك من قبول روايته عند قوم من أئمة الحديث. روينا عن إسحاق بن إبراهيم أنه سئل عن المحدث يحدث بالأجر؟ فقال: «لا يكتب عنه». وعن أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي نحو ذلك. وترخص أبو نعيم الفضل

стр. 204

ابن دكين وعليّ بن عبد العزيز المكي وآخرون، في أخذ العوض على التحديث، وذلك شبيه بأخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه، غير أن في هذا من حيث العرف خرما للمروءة، والظن يساء بفاعله؛ إلا أن يقترن ذلك بعذر ينفي ذلك عنه. الحديث المعلل وهو فنّ خفي على كثير من علماء الحديث، حتى قال بعض حفّاظهم: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل. وإنما يهتدي إلى هذا الفن الجهابذة النقاد منهم، يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، ومعوجّه ومستقيمه، كما يميز الصيرفي البصير بصنعته بين الجياد والزيوف والدنانير والفلوس. فكما لا يتمارى هذا، كذلك يقطع ذاك بما ذكرناه، ومنهم من يظن، ومنهم من يقف بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث وذوقهم حلاوة عبارة الرسول ﷺ التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس. فمن الأحاديث المروية: ما عليه أنوار النبوة، ومنها: ما وقع فيه تغيير لفظ أو زيادة باطلة أو مجازفة أو نحو ذلك، يدركها البصير من أهل هذه الصناعة. وقد يكون التعليل مستفادا من الإسناد، وبسط أمثلة ذلك يطول جدّا، وإنما يظهر بالعمل. ومن أحسن كتاب وضع في ذلك وأجلّه وأفحله (كتاب العلل) لعلي بن المديني شيخ البخاري. وسائر المحدثين بعده في هذا الشأن على الخصوص. وكذلك «كتاب العلل» لعبد الرحمن بن أبي حاتم وهو مرتب على أبواب الفقه، «وكتاب العلل» للخلّال. ويقع في مسند الحافظ أبي بكر البزار من التعاليل ما لا يوجد في غيره من المسانيد. وقد جمع أزمّة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجلّ الكتب، بل أجلّ ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده فرحمه الله وأكرم مثواه. اه من الباعث الحثيث. وقد قال أحمد شاكر معلقا: والحديث المعلول: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر سلامته منها. والطريق إلى معرفة العلل: جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، وفي ضبطهم وإتقانهم، فيقع في نفس العالم العارف بهذا الشأن أن الحديث معلول، ويغلب على ظنه، فيحكم بعدم صحته أو يتردد فيتوقف فيه. وربما تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه. قال عبد الرحمن بن مهدي: معرفة

стр. 205

علل الحديث إلهام، لو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك، وقيل له- أيضا-: إنك تقول للشيء: هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمّن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا بهرج، أكنت تسأل عن ذلك، أو تسلّم له الأمر؟! قال: بل أسلم له الأمر، قال: فهذا كذلك لطول المجالسة والمناظرة والخبرة. وسئل أبو زرعة: «ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث به علة فأذكر علته، ثم تقصد ابن وارة: يعني محمد بن مسلم بن وارة، وتسأله عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم. فيعلله. ثم تميّز كلامنا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافا فاعلم أن كلّا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة، فاعلم حقيقة هذا العلم. ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام». والعلة قد تكون بالإرسال في الموصول أو الوقف في المرفوع، أو بدخول حديث في حديث أو وهم واهم أو غير ذلك، مما يتبين للعارف بهذا الشأن من جمع الطرق ومقارنتها، ومن قرائن تنضم إلى ذلك. وأكثر ما تكون العلل في أسانيد الأحاديث فتقدح في الإسناد والمتن معا، إذا ظهر منها ضعف الحديث. وقد تقدح في الإسناد وحده، إذا كان الحديث مرويّا بإسناد آخر صحيح. مثل الحديث الذي رواه يعلى بن عبيد الطنافسي- أحد الثقات- عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «البيعان بالخيار» ... الحديث، فهذا الإسناد متصل بنقل العدل عن العدل، وهو معلول، وإسناده غير صحيح، والمتن صحيح على كل حال؛ لأن يعلى بن عبيد غلط على سفيان في قوله: «عمرو بن دينار» وإنما صوابه «عبد الله بن دينار». هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان. كأبي نعيم الفضل بن دكين، ومحمد بن يوسف الفريابي، ومخلد بن يزيد وغيرهم، ورووه عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. وقد تقع العلة في متن الحديث، كالحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم: حدثنا الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، ولا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول قراءة ولا في آخرها. ثم رواه مسلم- أيضا- من رواية الوليد عن الأوزاعي. أخبرني إسحاق

стр. 206

ابن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنسا يذكر ذلك، قال ابن الصلاح في كتاب «علوم الحديث»: «فعلّل قوم رواية اللفظ المذكور- يعني التصريح بنفي قراءة البسملة- لمّا رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه: فكانوا يستفتحون القراءة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح. ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له، ففهم من قوله: «كانوا يستفتحون ب الْحَمْدُ لِلَّهِ: أنهم كانوا لا يبسملون، فرواه على ما فهم، وأخطأ؛ لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة، وليس فيه تعرض لذكر التسمية. وانضم إلى ذلك أمور: منها: أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية، فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئا عن رسول الله ﷺ . والله أعلم». وقد أطال الحافظ العراقي في شرحه على ابن الصلاح الكلام على تعليل هذا الحديث، وكذلك السيوطي في التدريب. اه منه. الحديث المضطرب إذا جاء الحديث على أوجه مختلفة، في المتن أو في السند، من راو واحد، أو من أكثر، فإن رجّحت إحدى الروايتين أو الروايات بشيء من وجوه الترجيح- كحفظ راويها، أو ضبطه، أو كثرة صحبته لمن روى عنه- كانت الراجحة صحيحة، والمرجوحة شاذة أو منكرة. وإن تساوت الروايات وامتنع الترجيح: كان الحديث مضطربا، واضطرابه موجب لضعفه، إلا في حالة واحدة، وهي أن يقع الاختلاف في اسم راو أو اسم أبيه أو نسبته مثلا، ويكون الراوي ثقة؛ فإنه يحكم للحديث بالصحة، ولا يضر الاختلاف فيما ذكر، مع تسميتة مضطربا. وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة. وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره، فقال: «وقد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن» نقل ذلك السيوطي في التدريب. والاضطراب قد يكون في المتن فقط، وقد يكون في السند فقط، وقد يكون فيهما معا. مثال الاضطراب في الإسناد، على ما ذكر السيوطي في التدريب حديث أبي بكر: «أنه قال: يا رسول الله. أراك شبت؟ قال: «شيّبتني هود وأخواتها». قال الدارقطني: هذا حديث مضطرب؛ فإنه لم يرو إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه: فمنهم من رواه مرسلا، ومنهم من رواه موصولا،

стр. 207

ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، ورواته ثقات، لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر. ومثله: حديث مجاهد عن الحكم بن سفيان عن النبي ﷺ في نضح الفرج بعد الوضوء، قد اختلف فيه على عشرة أقوال. ومثال الاضطراب في المتن: حديث التسمية في الصلاة السابق في «المعلّل»، قال السيوطي: فإن ابن عبد البر أعله بالاضطراب، كما تقدم، والمضطرب يجامع المعلل؛ لأنه قد تكون علته ذلك. وأمثلة المضطرب كثيرة. وقد ألف الحافظ ابن حجر كتابا فيه سماه «المقترب في بيان المضطرب». قال المتبولي في مقدمة شرحه على الجامع الصغير: أفاد وأجاد، وقد التقطه من كتاب العلل للدارقطني. اه أحمد شاكر. المدرج الحديث المدرج: ما كان فيه زيادة ليست منه. وهو إما مدرج في المتن، وإما مدرج في الإسناد. هكذا قسمه السيوطي وغيره. والإدراج في الحقيقة إنما يكون في المتن كما سيأتي. ويعرف المدرج بوروده منفصلا في رواية أخرى. أو بالنص على ذلك من الراوي أو من بعض الأئمة المطلعين، أو باستحالة كونه ﷺ يقول ذلك. ومدرج المتن: هو أن يدخل في حديث رسول الله ﷺ شيء من كلام بعض الرواة. وقد يكون في أول الحديث، أو في وسطه، أو في آخره. وهو الأكثر. فيتوهم من يسمع الحديث أن هذا الكلام منه. مثال المدرج في أول الحديث: ما رواه الخطيب من رواية أبي قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار». فقوله: «أسبغوا الوضوء» مدرج من قول أبي هريرة، كما بيّن في رواية البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم ﷺ قال: «ويل للأعقاب من النار» قال الخطيب: «وهم أبو قطن وشبابة في روايتهما له عن شعبة على ما سقناه، وقد رواه الجمّ الغفير عنه كرواية آدم» نقله في التدريب. ومثال المدرج في الوسط: ما رواه الدارقطني في السنن من طريق عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 208

«من مسّ ذكره، أو أنثييه، أو رفغيه، فليتوضأ» قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرفغين، وأدرجه كذلك في حديث بسرة، والمحفوظ أن ذلك قول عروة، وكذا رواه الثقات عن هشام، منهم: أيوب، وحماد ابن زيد وغيرهما، ثم رواه من طريق أيوب بلفظ: «من مس ذكره فليتوضأ» قال: وكان عروة يقول: إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ. وكذا قال الخطيب. فعروة لما فهم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة، جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك. فقال ذلك، فظن بعض الرواة أنه من صلب الخبر، فنقله مدرجا فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال ففصلوا. قاله في التدريب. وقد يكون الإدراج في الوسط على سبيل التفسير من الراوي لكلمة من الغريب. مثل: حديث عائشة في بدء الوحي في البخاري وغيره: كان النبي ﷺ يتحنث في غار حراء- وهو التعبد الليالي ذوات العدد- فهذ التفسير من قول الزهري أدرج في الحديث. وكذا حديث فضالة مرفوعا عند النسائي: «أنا زعيم- والزعيم الحميل- لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة» فقوله «والزعيم الحميل» مدرج من تفسير ابن وهب. ومثال في آخر الحديث: ما رواه أبو داود من طريق زهير بن معاوية عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة عن علقمة عن ابن مسعود: حديث التشهد، وفي آخره: «إذا قلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت صلاتك، وإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد». فهذه الجملة وصلها زهير بالحديث المرفوع، وهي مدرجة من كلام ابن مسعود، كما نص عليه الحاكم والبيهقي والخطيب. ونقل النووي في الخلاصة اتفاق الحفاظ على أنها مدرجة- ومن الدليل على إدراجها: أن حسينا الجعفي وابن عجلان وغيرهما رووا الحديث عن الحسن بن الحر بدون ذكرها، وكذلك كل من روى التشهد عن علقمة أو غيره عن ابن مسعود، وأن شبابة بن سوار، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان- وهما ثقتان- رويا الحديث عن الحسن بن الحر، ورويا فيه هذه الجملة، وفصلاها منه وبينا أنها من كلام ابن مسعود. فهذا التفصيل والبيان- مع اتفاق سائر الرواة على حذفها من المرفوع-: يؤيدان أنها مدرجة وأن زهيرا وهم في روايته. مثال آخر: في الصحيح عن أبي هريرة مرفوعا: «للعبد المملوك أجران». والذي نفسي بيده لولا الجهاد والحج وبرّ أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك. فهذا مما يتبين فيه بداهة أن قوله: والذي نفسي بيده ... إلخ مدرج من قول أبي

стр. 209

هريرة لاستحالة أن يقوله النبي ﷺ ؛ لأن أمه ماتت وهو صغير، ولأنه يمتنع منه ﷺ أن يتمنى الرق وهو أفضل الخلق ﵊. هذا مدرج المتن. وأمّا مدرج الإسناد: ومرجعه في الحقيقة إلى المتن: فهو ثلاثة أقسام؛ ولا نجد الحاجة ماسة إلى ذكرها، وفيما سبق كفاية ومن أراد المزيد فعليه بتعليق أحمد شاكر على الباعث الحثيث. حكم الإدراج الإدراج لتفسير شيء من معنى الحديث، فيه بعض التسامح، والأولى أن ينص الراوي على بيانه. وأما ما وقع من الراوي خطأ غير عمد، فلا حرج على المخطئ إلا إن كثر خطؤه، فيكون جرحا في ضبطه وإتقانه. وأما إن كان من الراوي عن عمد؛ فإنه حرام كله على اختلاف أنواعه باتفاق أهل الحديث والفقه والأصول وغيرهم، لما يتضمن من التلبيس والتدليس، ومن عزو القول إلى غير قائله. قال السمعاني: من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة وممن يحرّف الكلم عن مواضعه، وهو ملحق بالكذابين. الحديث الموضوع ويدل على وضعه شواهد كثيرة، منها: إقرار واضعه على نفسه، بقوله أو بدلالة حاله، ومن ذلك: ركاكة ألفاظه، وفساد معناه، أو مجازفة فاحشة، أو مخالفة لما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة. نقل السيوطي في التدريب، عن ابن الجوزي قال: ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث الحسن يباين المعقول، أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول؛ فاعلم أنه موضوع. قال: ومعنى مناقضته للأصول: أن يكون خارجا عن دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهورة، فلا تجوز روايته لأحد من الناس، إلا على سبيل القدح فيه ليحذره من يغترّ به من الجهلة والعوام والرعاع. والواضعون أقسام كثيرة: منهم زنادقة.

стр. 210

ومنهم متعبدون يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يضعون أحاديث فيها ترغيب وترهيب في فضائل الأعمال ليعمل بها، وهؤلاء طائفة من الكرّامية وغيرهم، وهم أشر من فعل هذا، لما يحصل بضررهم من الغرر على كثير ممن يعتقد صلاحهم فيظن صدقهم، وهم شر من كل كذاب في هذا الباب. وقد انتقد الأئمة كل شيء فعلوه من ذلك، وسطروه عليهم في كتبهم، عارا على واضعي ذلك في الدنيا، ونارا وشنارا في الآخرة. قال رسول الله ﷺ : «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وهذا متواتر عنه. قال بعض هؤلاء الجهلة: نحن ما كذبنا عليه، وإنما كذبنا له: وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائهم؛ فإنه ﵇ لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره. وقد صنف الشيخ أبو الفرج بن الجوزي كتابا حافلا في الموضوعات (في مجلدين) غير أنه أدخل فيه ما ليس منه، وخرّج عنه ما كان يلزمه ذكره، وقد أخذ غالبه من كتاب الأباطيل للجوزقاني. ولكن أخطأ في بعض أحاديث انتقدها عليه الحفّاظ. قال الحافظ ابن حجر: غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي ينتقد عليه بالنسبة إلى ما لا ينتقد قليل جدّا، وفيه من الضرر أن يظن ما ليس بموضوع موضوعا عكس الضرر بمستدرك الحاكم، حيث يظن ما ليس بصحيح صحيحا، ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين في تساهلهما؛ عدم الانتفاع بهما إلا لعالم بالفن؛ لأنه ما من مادة حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيها التساهل. وقد لخص الحافظ السيوطي كتاب ابن الجوزي، وتتبع كلام الحفاظ في تلك الأحاديث خصوصا كلام الحافظ ابن حجر في تصانيفه وأماليه، ثم أفرد الأحاديث المتعقبة في كتابين خاصين وهما (اللآلئ المصنوعة)، و (ذيل اللآلئ المصنوعة). وألّف ابن حجر كتاب (القول المسدّد في الذّبّ عن المسند) أي مسند الإمام أحمد ابن حنبل ﵀، ذكر فيه أربعة وعشرين حديثا من المسند، جاء بها ابن الجوزي في الموضوعات وحكم عليها بذلك؛ ورد عليه ابن حجر ودفع قوله. ثم ألّف السيوطي ذيلا عليه ذكر فيه أربعة عشر حديثا أخرى كذلك من المسند، ثم ألّف ذيلا لهذين الكتابين سمّاه: (القول الحسن في الذّبّ عن السنن) أورد فيه مائة وبضعة وعشرين حديثا- من السنن الأربعة- حكم ابن الجوزي بأنه موضوعة، ورد عليه حكمه. ومن غرائب تسرع الحافظ ابن الجوزي في الحكم بالوضع: أنه زعم وضع حديث في

стр. 211

صحيح مسلم، وهو حديث أبي هريرة مرفوعا: «إن طالت بك مدة أوشك أن ترى أقواما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر» [رواه أحمد في المسند وهو في صحيح مسلم (ج ٢ ص ٣٥٥)]. قال ابن حجر في القول المسدد «١»: ولم أقف في كتاب الموضوعات لابن الجوزي على شيء حكم عليه بالوضع وهو في الصحيحين غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة منه!!. اه من الباعث وشرحه. خلاصة في حكم رواية الحديث الموضوع من علم أن حديثا من الأحاديث موضوع فلا يحل له أن يرويه منسوبا إلى رسول الله ﷺ ، إلا مقرونا ببيان وضعه، وهذا الحظر عام في جميع المعاني، سواء الأحكام والقصص، والترغيب والترهيب وغيرها؛ لحديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة قالا: قال رسول الله ﷺ : «من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين» [رواه مسلم في صحيحه، ورواه أحمد وابن ماجه عن سمرة]. وقوله «يرى» فيه روايتان: بضم الياء وبفتحها، أي بالبناء للمجهول والبناء للمعلوم. وقوله «الكذابين» فيه روايتان أيضا بكسر الباء وبفتحها، أي بلفظ الجمع وبلفظ المثنى. والمعنى على الروايتين في اللفظين صحيح. فسواء أعلم الشخص أن الحديث الذي يرويه مكذوب، بأن كان من أهل العلم بهذه الصناعة الشريفة أم لم يعلم، إن كان من غير أهلها، وأخبره العالم الثقة بها؛ فإنه يحرم عليه أن يحدّث بحديث مفترى على رسول الله ﷺ ، وأما مع بيان حاله فلا بأس؛ لأن البيان يزيل من ذهن السامع أو القارئ ما يخشى من اعتقاد نسبته إلى الرسول ﷺ . قرائن المروي: ومن القرائن في المروي: أن يكون ركيكا لا يعقل أن يصدر عن النبي ﷺ ؛ فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد لوضعها ركاكة لفظها ومعانيها. قال الحافظ ابن حجر: المدار في الرّكّة على ركّة المعنى. فحيثما وجدت دلّت على الوضع، وإن لم ينضم إليها ركة اللفظ، لأن هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة، أما ركاكة اللفظ فلا تدل على ذلك، لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى فغيّر

стр. 212

ألفاظه بغير فصيح. نعم. إن صرح بأنه من لفظ النبي ﷺ فهو كاذب. وقال الربيع بن خثيم: «إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره». وقال ابن الجوزي: «الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب». قال البلقيني: «وشاهد هذا: أن إنسانا لو خدم إنسانا سنين، وعرف ما يحب وما يكره، فادعى إنسان أنه كان يكره شيئا يعلم ذلك أنه يحبه، فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيبه». وقال الحافظ ابن حجر: «ومما يدخل في قرينة حال المروي ما نقل عن الخطيب عن أبي بكر بن الطيب: أن من جملة دلائل الوضع أن يكون مخالفا للعقل، بحيث لا يقبل التأويل. ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة، أو يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعية، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي. أما المعارضة مع إمكان الجمع فلا. ومنها ما يصرح بتكذيب رواة الحديث المتواتر، أو يكون خبرا عن أمر جسيم تتوافر الدواعي على نقله بمحضر الجمع، ثم لا ينقله منهم إلا واحد. ومنها: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو الوعد العظيم على الفعل الحقير. وهذا كثير في حديث القصّاص، والأخير راجع إلى الرّكّة». قال السيوطي: «ومن القرائن: كون الراوي رافضيّا والحديث في فضائل أهل البيت. ومن المخالف للعقل ما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده مرفوعا: إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، وصلّت عند المقام ركعتين! فهذا من سخافات عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقد ثبت عنه من طريق أخرى نقلها في التهذيب عن الساجي عن الربيع عن الشافعي قال: «قيل لعبد الرحمن بن زيد: حدثك أبوك عن جدك أن رسول الله ﷺ قال: إن سفينة نوح طافت بالبيت وصلّت خلف المقام ركعتين؟! قال: نعم!!» «١». وقد عرف عبد الرحمن بمثل هذه الغرائب حتى قال الشافعي فيما نقل في التهذيب: «ذكر رجل لمالك حديثا منقطعا فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه عن نوح». وروى ابن الجوزي- أيضا- من طريق محمد بن شجاع الثلجي- بالثاء المثلثة والجيم- عن حبان- بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة- ابن هلال عن حماد بن سلمة عن أبي المهزوم عن أبي هريرة مرفوعا: «إن الله خلق الفرس فأجراها، فعرقت، فخلق نفسه منها»!! قال السيوطي في

стр. 213

التدريب: «هذا لا يضعه مسلم، والمتهم به محمد بن شجاع. كان زائغا في دينه». أسباب الوضع قال أحمد شاكر تعليقا على الباعث: والأسباب التي دعت الكذابين الوضّاعين إلى الافتراء، ووضع الحديث كثيرة. فمنهم الزنادقة، الذين أرادوا أن يفسدوا على الناس دينهم، لما وقر في نفوسهم من الحقد على الإسلام وأهله، يظهرون بين الناس بمظهر المسلمين، وهم المنافقون حقّا. قال حماد بن زيد: «وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث». مثل عبد الكريم بن أبي العوجاء. قتله محمد بن سليمان العباسي الأمير بالبصرة، على الزندقة بعد سنة (١٦٠ هـ)، في خلافة المهدي ولما أخذ لتضرب عنقه قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرّم فيها الحلال، وأحلّل الحرام. وكيان بن سمعان النهدي، من بني تميم ظهر بالعراق بعد المائة، وادعى- لعنه الله- إلهية عليّ- كرم الله وجهه- وزعم مزاعم فاسدة. ثم قتله خالد بن عبد الله القسري، وأحرقه بالنار. وكمحمد بن سعيد بن حسان الأزدي الشامي المصلوب. قال أحمد بن حنبل: «قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع». وقال أحمد بن صالح المصري: زنديق ضربت عنقه، وضع أربعة آلاف حديث عند هؤلاء الحمقى فاحذروها. وقال الحاكم أبو أحمد: «كان يضع الحديث، صلب على الزندقة». وحكى عنه الحاكم أبو عبد الله: أنه روى عن حميد عن أنس مرفوعا: أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله. وقال: «وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التنبي (ادعاء النبوة)». ومنهم أصحاب الأهواء والبدع والآراء التي لا دليل لها من الكتاب والسنة، وضعوا أحاديث نصرة لأهوائهم، كالخطابية، والرافضة (الشيعة) وغيرهم. قال عبد الله بن يزيد المقرئ: «إن رجلا من أهل البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه: فإنا كنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثا!». وقال حماد بن سلمة: «أخبرني شيخ من الرافضة أنهم كانوا يجتمعون على وضع

стр. 214

الأحاديث». وقال أبو العباس القرطبي صاحب كتاب «المفهم شرح صحيح مسلم»: «استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دلّ عليه القياس الجلي إلى رسول الله ﷺ نسبة قوليه، فيقولون في ذلك: قال رسول الله ﷺ كذا!! ولهذا ترى كتبهم مشحونه بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها سندا». نقله السخاوي في شرح ألفية العراقي «١»، والمتبولي في مقدمة شرحه الجامع الصغير. ومنهم القصّاص: يضعون الأحاديث في قصصهم قصدا للتكسب والارتزاق، وتقربا للعامة بغرائب الروايات. ولهم في هذا غرائب وعجائب، وصفاقة وجه لا توصف. كما حكى أبو حاتم البستي: أنه دخل مسجدا، فقام بعد الصلاة شاب فقال: حدثنا أبو خليفة: حدثنا أبو الوليد عن شعبة عن قتادة عن أنس وذكر حديثا، قال أبو حاتم: فلما فرغ دعوته، قلت: رأيت أبا خليفة؟ قال: لا، قلت: كيف تروي عنه ولم تره؟ فقال: إن المناقشة معنا من قلة المروءة! أنا أحفظ هذا الإسناد، فكلما سمعت حديثا ضممته إلى هذا الإسناد!!. وأكثر هؤلاء القصاص جهال، تشبهوا بأهل العلم، واندسوا بينهم، فأفسدوا كثيرا من عقول العامة. ويشبههم بعض علماء السوء، الذين اشتروا الدنيا بالآخرة، وتقربوا إلى الملوك والأمراء والخلفاء، بالفتاوى الكاذبة، والأقوال المخترعة، التي نسبوها إلى الشريعة البريئة، واجترأوا على الكذب على رسول الله ﷺ ، إرضاء للأهواء الشخصية، ونصرا للأغراض السياسية، فاستحبوا العمى على الهدى، كما فعل غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي الكذاب الخبيث، كما وصفه إمام أهل الجرح والتعديل، يحيى بن معين! فإنه دخل على أمير المؤمنين المهدي، وكان المهدي يحب الحمام، ويلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له: حدّث أمير المؤمنين، قال: حدثنا فلان عن فلان أن النبي ﷺ قال: لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح، فأمر له المهدي ببدرة (صرة فيها دنانير)، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله ﷺ ! ثم قال المهدي: أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام، ورفض ما كان فيه. وشر أصناف الوضاعين وأعظمهم ضررا: قوم ينسبون أنفسهم إلى الزهد والتصوف، لم يتحرجوا من وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، احتسابا للأجر

стр. 215

عند الله، ورغبة في حض الناس على عمل الخير واجتناب المعاصي فيما زعموا، وهم بهذا العمل يفسدون ولا يصلحون. ولولا رجال صدقوا في الإخلاص لله، ونصبوا أنفسهم للدفاع عن دينهم، وتفرغوا للذّبّ عن سنة رسول الله ﷺ ، وأفنوا أعمارهم في التمييز بين الحديث الثابت والحديث المكذوب، وهم أئمة السنة وأعلام الهدى. لولا هؤلاء لاختلط الأمر على العلماء والدهماء، ولسقطت الثقة بالأحاديث: فقد رسموا قواعد النقد، ووضعوا علم الجرح والتعديل، فكان من عملهم علم مصطلح الحديث، وهو أدق الطرق التي ظهرت في العلم للتحقيق التاريخي، ومعرفة النقل الصحيح من الباطل، فجزاهم الله عن الأمة والدين أحسن الجزاء. ومن الأحاديث الموضوعة المعروفة: الحديث المروي عن أبيّ بن كعب مرفوعا في فضائل القرآن سورة سورة. وقد ذكره بعض المفسرين في تفاسيرهم، كالثعلبي والواحدي والزمخشري والبيضاوي وقد أخطأوا في ذلك خطأ شديدا. لا يلزم من ضعف السند ضعف الحديث فائدة: من وجد حديثا بإسناد ضعيف؛ فالأحوط أن يقول: إنه ضعيف بهذا الإسناد، ولا يحكم بضعف المتن- مطلقا من غير تقييد- بمجرد ضعف ذلك الإسناد، فقد يكون الحديث واردا بإسناد آخر صحيح، إلا أن يجد الحكم بضعف المتن منقولا عن إمام من الحفاظ المطلعين على الطرق، وإن نشط الباحث عن طريق الحديث وترجح عنده أن هذا المتن لم يرد من طريق أخرى صحيحة، غلب على ظنه ذلك- فإني لا أرى بأسا بأن يحكم بضعف الحديث مطلقا. وإنما ذهب ابن الصلاح إلى المنع تقليدا لهم في منع الاجتهاد. اه. أحمد شاكر. رواية الحديث الضعيف قال ابن الصلاح: ويجوز رواية ما عدا الموضوع في باب الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ، ونحو ذلك. إلا في صفات الله . وفي باب الحلال والحرام. قال: وممن يرخّص في رواية الضعيف- فيما ذكرناه- ابن مهدي، وأحمد بن حنبل رحمهما الله.
следующие страницы →