← Каваид фикха

Каваид фикха · id 37692

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (206 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأدلة على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح والأدلة على هذه القاعدة العظيمة العريضة التي يندرج تحتها كثير من المسائل العلمية: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]. فالله جل وعلا نهى الصحابة الكرام أن يسبوا الآلهة أو يسفهوا أحلام من يعبد هذه الآلهة، مع أن سب الآلهة الباطلة ممدوح، بل محثوث عليه، وتسفيه أحلام من يفعل ذلك ممدوح، بل محثوث عليه، بل يثاب المرء إذا فعل ذلك، لكن منع الله جل في علاه هذه المصلحة لدرء مفسدة أعظم منها، أو لتعارض مفسدة مع هذه المصلحة، ألا وهي سب الله جل في علاه، فإن من أعظم المفاسد أن يسب الله جل في علاه. ولذلك بين لنا الله جل في علاه قاعدة شرعية لا بد أن نسير عليها طيلة تعبدنا لله جل في علاه، ألا وهي: دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإن كان في سب الآلهة مصلحة فإن دفع المفسدة أولى. ومن الأدلة التي تثبت ذلك: حديث النبي ﷺ عموماً: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا). ففي هذا الحديث دلالة على هذه القاعدة العظيمة، ووجه الدلالة: أن أمر النبي ﷺ فيه منفعة، فسهل فيه وعلقه بالاستطاعة، وأمر بامتثال النهي مطلقاً لأنه مفسدة تجتنب، فالحديث يبين أن الشرع يهتم بالانتهاء عن المنهيات، بدفع المفاسد كلها. فالمنافع فيها التسهيل، قال ﷺ : (فأتوا منه ما استطعتم)، أما في المنهيات وفي المفاسد قال: (فانتهوا). وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ دخل على عائشة ﵁ وأرضاها وقال لها: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة، ولبنيتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها باباً منه يدخل الناس، وباباً يخرجون منه)، ولم يفعل ذلك النبي ﷺ . فالمصلحة هنا: أن تكون الكعبة كما بنيت على عهد إبراهيم. والمصلحة الثانية: أنه لا يفرق بين الناس، حيث إنَّ أهل مكة كانوا قد جعلوا مصعداً يصعد عليه الشرفاء ليدخلوا الكعبة، لكن الضعفاء أو الفقراء لا يدخلون. فكان النبي ﷺ يريد مصلحة أعظم من ذلك ألا وهي عدم التفريق؛ لأن رب أشعث أغبر عند الله أفضل من آلاف من هؤلاء المعظمين، فقال: (ولجعلت لها باباً يدخل منه الناس)، والمصلحة العظمى: باب يخرجون منه خشية التزاحم. فهذه مصلحة عظيمة جداً أن تبنى الكعبة على قواعد إبراهيم، لكن نازعت هذه المصلحة مفسدة فامتنع النبي ﷺ ، وهذا هو الشاهد، والمفسدة هي: حدوث الفتنة وهو ارتدادهم عن الإسلام، فإنَّ أهل مكة كانوا يعظمون الكعبة، ويعظمون الشعائر، فإذا رأوا النبي ﷺ يهدم الكعبة سيقولون: النبي ﷺ لا يعظم الكعبة فتحدث الفتنة بينهم، فيرتدون عن الإسلام؛ لأنهم لا يفقهون أن النبي ﷺ يبين أن هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم مصلحة كبيرة جداً، بل سيقولون: لم يعظم شعائر الله جل في علاه، كيف يأمرنا أن نعظم شعائر الله وهو لم يعظم شعائر الله حين هدم الكعبة؟ ومن الأدلة على ذلك: الرجل الذي جاء ينظر إلى النبي ﷺ وهو يقسم الغنائم، فقال: اعدل يا محمد! هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى. فقال النبي ﷺ : (ويحك، ومن يعدل إن لم أعدل)، وفي رواية قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟! فقام خالد بن الوليد، وقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال له النبي ﷺ : لا، حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه). فوجه الدلالة في هذا الحديث قوله: (لا، حتى لا يتحدث الناس أن محمداًً يقتل أصحابه) فالمصلحة: كل من تطاول على رسول الله ﷺ فحده القتل حتى لا يتجرأ أحد على رسول الله ﷺ . وأما المفسدة: فهي أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، وتحدث مفسدة ناجمة عن ذلك بعدم دخول الناس في الإسلام خوفاً، فيقولون: ما من أحد يكلم هذا الرجل إلا وقتله. إذاً: في قتل هذا المنافق مفسدة وهي تنفير الناس عن النبي ﷺ وأصحابه، فقدم درؤها على مصلحة قتله.

стр. 107

تطبيقات قاعدة درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة

стр. 108

صلاة الجنب من غير اغتسال إذا أدى غسله إلى كشف العورة الصورة الأولى: امرأة كانت تسافر في صحراء، فنامت فأجنبت، فأرادت أن تغتسل فلم تجد سترة تستتر بها، وأرادت أن تصلي، وكانت الصلاة قرب سقوط حاجب الشمس. فالمصحلة: الاغتسال والطهارة من أجل الصلاة، والمفسدة: أن تكشف عورتها أمام الأجانب. والحكم الصحيح: أنها لا تغتسل؛ لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. فعندنا مصلحة نجمت، ألا وهي الاغتسال لرفع الحدث من أجل الصلاة، وعندنا مفسدة نازعت هذه المصلحة وهو تعري المرأة أمام الرجال، وفي ذلك من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله جل في علاه. صورة أخرى: قام رجل بين رجال جنباً، وأراد أن يغتسل، وليس ثمة سترة. فالمفسدة هنا: كشف العورة، والمصلحة: الاغتسال من أجل الصلاة. فمن العلماء من خفف فيها وقال: هذه مفسدة خفيفة، فيضع يده على العورة ويغتسل، لا سيما أن بعض العلماء قالوا: العورة القبل والدبر فقط، بل ابن حزم ارتقى وقال: عورة الرجل في الصلاة وخارج الصلاة القبل والدبر، يعني: لو أخذ غصن شجرة فستر القبل وستر الدبر فصلاته صحيحة. والعورة مختلف فيها، هل الورك يدخل في العورة أمْ لا؟ وهل هي من السرة والركبة أم لا؟ والمقصود: أنهم اختلفوا في هذه المسألة؛ لأن المفسدة خفيفة، فالمسألة مختلف فيها، والقول الراجح: أنه يخلع ثيابه، ويستر عورته أو ذكره بيده ثم يغتسل.

стр. 109

بيع المخدرات صورة أخرى: رجل كان يقف على جبل، فيقطع المخدرات ويبيعها، وقلنا له: حرام، قال: اتق الله أما علمت أن الله خلق المنافع للناس، وإني آخذ من هذه المنافع. قلنا: ما هي المنفعة؟ قال: راحة الناس، وأيضاً: استجلاب المال فهو يدر عليَّ الربح الذي أطعم به أولادي. نقول: حكم هذا البيع: أن هناك مفسدة نازعت المنفعة، ألا وهي إفساد الآخرين. والمنفعة كما يقول: أما رأيت الرجل دائماً يرى نفسه قوياً، ويقول: أنا قوي جداً وهو يمشي في الشارع، فيرى شجاعته متمثلة وتتجسد أمامه إذا شرب هذه المشروبات، والأصل في البيع الحل، وهناك تراضٍ بين المشتري والبائع، وقد طبق في البيع كل الشروط والأركان، وفيها منفعة له وللمشتري. والردُّ عليه: أنَّ هذه المنفعة ليست مصلحة بأي حال من الأحوال، فإنه يقف أمام هذه المنفعة مفسدة، فالشريعة جاءت بحفظ خمس كليات منها العقل، وبالمخدرات يزول العقل، فزوال العقل مفسدة تخالف مقاصد الشريعة، والمتعامل بالمخدرات يقع تحت اللعن شرعاً، كما قال ﷺ : (لعن الله شارب الخمر)، وشرب المخدرات مثل شرب الخمر. فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، والدليل على ذلك بالتصريح من قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩]، فالخمر فيه منفعة أيضاً، ولكن إثمه أكبر، وقد غلب ضرره على النفع، ولذلك فرع العلماء على هذه القاعدة، فقالوا: إذا تعارض حاظر ومبيح غلب الحاظر على المبيح.

стр. 110

فتح نافذة تطل على عورات الجار صورة أخرى من هذه الصور: رجل يريد أن يفتح نافذة في بيته وهذه مصلحة، ولكن هذه النافذة تطل على نساء غيره، أو على غرفة نوم الرجل مع أهله. فنقول: النافذة منفعة لك، والمفسدة أن تتطلع على عورات الجار، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة وإن كانت النافذة في ملكك.

стр. 111

اشتباه الزوجة بأجنبيات صورة أخرى: لو اشتبه على الرجل امرأته، وذلك حين اختفت فبحث عنها أسبوعاً، فدعا الله في السحر، فأتاه الله بخمس نساء كل واحدة تشبه امرأته في الطول والشكل واللون، فلم يعرف امرأته، والأصل في النكاح الحل، والأصل في الأبضاع الحرمة قبل النكاح؛ لأن النبي ﷺ قال (واستحللتم فروجهن بكلمة الله). إنَّ هذه المسألة نظرية لا وجود لها، لكن نريد تطبيق القاعدة فقط. فالمصلحة: أن يعف نفسه ويقع على زوجته، والمفسدة: احتمال أن يقع على واحدة أجنبية ليست بزوجته. فلما اشتبه الأمر نجم عنه مفسدة، وفي هذا الأمر مصلحة، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فليمت دون أن يجامع واحدة منهن. وصلِّ اللهم وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 112

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - سد الذرائع الأصل في الأشياء الإباحة، لكن المباح قد يؤدي إلى محظور أو محرم، فحينئذ يحكم بتحريم هذا العمل المباح سداً للذريعة، لكن ما حرم سداً للذريعة يباح للمصلحة الراجحة، وإذا اجتمع المبيح والمحرم غلب المحرم.

стр. 113

قاعدة ما حرم سداً للذريعة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إن الله جل في علاه له صفات الكمال والجلال، ومن أهم صفات الكمال التي يتصف بها الله جل في علاه الرحمة، فإن رحمة الله وسعت كل شيء كما قال ربنا جل في علاه ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]. وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش، قال: رحمتي سبقت غضبي). ورأى النبي ﷺ امرأة تأخذ بطفلها إلى صدرها، فقال لهم النبي ﷺ : (أترون هذه المرأة تلقي بوليدها في النار؟ قالوا: لا، فقال النبي ﷺ : الله أرحم بالعبد من هذه بطفلها). فالله أرحم بالعبد من أمه ومن نفسه التي بين جنبيه، ومن رحمات الله التي تتنزل تترا على العباد أن اختار لهم ديناً قويماً، وشرعاً حنيفاً، وهذا الشرع الحنيف يبحث دائما عن المصالح والطرق التي توصل إلى المصالح، فهو يستجلب المصالح بأسرها ويفتح كل الوسائل التي تصل إلى هذه المصالح ويهدي الناس إليها ويحلها للناس. كما جاءت هذه الشريعة الغراء بدرء كل المفاسد وإغلاق الطرق والوسائل التي توصل إلى المفاسد وإن كانت الوسائل مباحة، وإن الله جل في علاه يمنع عن المرء الغنى رحمة به كما في الحديث المختلف في إسناده: (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لفسد حاله، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد حاله). فمن حسن الظن بالله جل في علاه أن نعتقد أنه لا يمنع إلا لمصلحة العبد، ولا يحل إلا لمصلحة العبد، وهذا من تمام رحمة الله جل في علاه. وهذا الدين الحنيف جاء بجلب المصالح ودرء المفاسد، ولذلك سنأخذ هذه القاعدة العظيمة التي غالباً ما تكون في الفقه؛ لكن نستخدمها أيضاً في العقيدة ألا وهي: قاعدة سد الذرائع. هذه قاعدة مهمة جداً يستخدمها طالب العلم المجد في مسائل شتى كما سنبين. والذريعة: هي الوسيلة أو الطريق الموصلة إلى مفسدة أو مصلحة، كما قال الشاطبي وغيره: هي مصلحة تؤدي إلى مفسدة، فجاء الشرع بحسم المادة وسد الذريعة وإغلاق كل باب يوصل إلى شر ومفسدة.

стр. 114

الأدلة على قاعدة سد الذرائع ودليل هذه القاعدة العظيمة من الكتاب ومن السنة: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]. لا تسبوا الذين يدعون من دون الله والآلهة التي اتخذوها من صنم وحجر وشجر وقمر وشمس، فإن الله جل في علاه منع المسلمين من سب هذه الأشياء، مع أنك لو نظرت لوجدت أن الشرع يرغب في ذلك ويحث عليه، بل هو في بعض الأحايين يكون من الوجوب بمكان، لكن لما كانت المسبة وسيلة إلى مفسدة أعظم منعها الله جل في علاه. ولذلك حسم الله المادة ومنع هذه الوسيلة، وقال: ((لا تسبوا الذين يدعون من دون الله))؛ لأن أتباع الآلهة ينتقمون ممن يسب هذه الآلهة بسب الله. كذلك قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة:١٠٤]؛ لأن اليهود كانوا إذا تكلموا مع النبي ﷺ -بأبي هو وأمي- يتكلمون بلحن القول ويقولون: راعنا، ويقصدون الرعونة، فيسبون النبي ﷺ ، فمنع الله المسلمين عن هذه الكلمة مع أن التشابه كان في القول فقط مع الاختلاف والافتراق في المقصد، لأن المسلمين لا يقصدون سب النبي ﷺ . فلما تشابهت الأقوال وخشي أن تجر المشابهة في الظاهر إلى المشابهة في الباطن منعها الله جل في علاه. ونظر ابن القيم لهذه الذريعة من وجهة أخرى، قال: وأيضا هي هذه ذريعة ووسيلة إلى أن اليهود يقولون: نفعل مثل ما يفعل المسلمون ومثل ما قال المسلمون، وتكون ذريعة لهم، ليستبيحوا هذا الكلام على النبي ﷺ . والدليل الثالث: قول الله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]. فإن الله جل في علاه منع المرأة أن تضرب بالأرجل حتى لا يسمع الرجال صوت الخلخال فيفتنوا بهذه المرأة، وإن كان الأمر مباحاً ليس محرماً وليس بعورة؛ لكن هو يدل على العورات الخفية، فلما كان وسيلة لفتنة الرجال بالنساء منع منه الله. والدليل من السنة: حديث النبي ﷺ في الصحيح أنه قال: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ولا يبع على بيع أخيه). نهى النبي ﷺ عن الخطبة مع أن الأصل فيها الإباحة؛ لأنها تؤدي إلى مفسدة عظيمة؛ ولأن الأصل في التشريع المودة والتلطف والتواد والتحابب بين المسلمين، فلما كانت هذه الخطبة وسيلة إلى نشر البغضاء والتحاسد والحقد بين أفراد المجتمع منع الله هذه الوسيلة حفاظاً على قلوب المسلمين. ومن هذه الأدلة التي يستدل بها العلماء على هذه القاعدة العظيمة الإجماع السكوتي على مسألة قتل الجماعة إذا تكالبوا وقتلوا واحداً. فالقصاص من رجل لرجل، أما من الجماعة لرجل واحد فلا دليل على أن يقتلوا جميعاً، فلما عرضت المسألة على عمر ﵁ وأرضاه فقال: لو تكالب عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، وهذا فيه إجماع سكوتي، فاستنبط العلماء من ذلك دليلاً على سد الذريعة فقالوا: إننا لو رفضنا فلم نقتل أحداً منهم وقبلنا الدية لهذا المقتول؛ لتكالب كل جماعة يحقدون على أحد من أفراد المجتمع فيقتلونه ويدفعون الدية مقابل هذا الدم. فسداً للذريعة وحفظاً للدماء قال عمر ﵁ وأرضاه مقولته المذكورة، وما خالف عمر في هذه القضية أحد، فأصبح ذلك إجماعاً سكوتياً، واستدل به العلماء على هذه القاعدة العظيمة.

стр. 115

تطبيقات قاعدة سد الذرائع

стр. 116

الغلو في الأنبياء والصالحين تعمل هذه القاعدة العظيمة في العقائد، وأولها ورأسها وركنها وأساسها: عدم الغلو في النبي ﷺ ، وكذلك في الأولياء. ورأس هذه المسألة حديث صحيح عن النبي ﷺ قال: (إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله). فجمع بين منزلة العبودية ومنزلة الرسالة، وهذا ليس غلواً ولا إفراطاً ولا تفريطاً بل إن هذا حديث عظيم نعمل به، فلا نرفعه لمقام الربوبية ولا ننزل من قدره عن مقام الرسالة. فهذه -كما قلت- صورة من صور سد الذرائع، فليس لك أن تغلو في رسول الله وترفعه عن مقام النبوة، وهذا يظهر جليا في قول القائل عندما قال: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فهذا غلو في رسول الله ﷺ ، فقد رفع مكانه إلى مكان الربوبية، وعندما قيل للنبي ﷺ : أنت السيد، قال: (إنما السيد الله) وقالوا: أنت خيرنا وابن خيرنا فقال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان). فلا يصح أن نقول: إنه يعلم الغيب، أو يتحكم في بعض الأفلاك، أو له الشفاعة عند الله جل في علاه بدون إذن الله، والدليل حديث النبي ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى) قاعدة سد الذريعة؛ لأن الغلو في رسول الله يصل بالمرء إلى أن يرفعه من مقام العبودية إلى مقام الربوبية. وتعمل هذه القاعدة في الصلاة في المساجد التي فيها قبور، فالنبي ﷺ في مرض موته قال: (ألا لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك) ونهى عن الصلاة في المقبرة أو المسجد الذي فيه القبر، فهذا النهي جاء سداً للذريعة. وقد يسأل السائل طالب العلم: أي ذريعة يسدها النبي ﷺ في منعه للصلاة في المسجد الذي فيه القبر؟ و الجواب الذريعة هي ذريعة الشرك ومخافة أن يحدث الغلو في المقبور، وأن يعتقد فيه اعتقاداً باطلاً شركياً.

стр. 117

بيع ملابس التبرج للنساء أما بالنسبة للمعاملات فمن صور تطبيق هذه القاعدة: إذا جاءت المرأة تشتري الذهب والحلي من الصائغ أو بائع الذهب أو تشتري الملابس لتتزين لزوجها، فهذا البيع محرم سداً للذريعة؛ فإذا علم التاجر أنها ستتزين وتخرج أمام الرجال فتفتنهم فإن بيعه محرم، فقد قال النبي ﷺ : (ما تركت فتنة أضر على الرجال بعدي من النساء). فالملابس التي تتبرج بها المرأة وإن كانت حلالاً في ذاتها، لكنها تؤدي وتوصل إلى مفسدة، فلذلك حسم الشرع المادة ومنع هذا البيع.

стр. 118

السفر إلى بلاد الكفار ومن الصور التي تطبق فيها هذه القاعدة: السفر إلى دار الكفر: فقد قال النبي ﷺ : (أنا بريء ممن جلس بين أظهر المشركين). فإذا جاء رجل يريد أن يسافر إلى أمريكا فتقول له: السفر إليها حرام. فإن قال لك: لم يحرم الذهاب إلى هذه البلاد مع أنها مباحة، فإن الأرض أرض الله؟ تقول: يحرم سداً للذريعة وحسماً للمادة، فإن كان السفر إلى هذه البلاد مباحاً في نفسه لكنه سيؤدي إلى محرم وإلى محظور شرعي، ألا وهو أن تتآلف مع أهل الكفر فتواليهم، وأيضاً التأثر بصفات وخلال أهل الكفر، وهذا مما يفسد عليك دينك، فهذه مفسدة عظيمة من أجلها منعنا عنك هذا المباح، فلا يجوز لك أن تسافر إلى ديار أهل الكفر. أيضاً من هذه الصور التزيي بزي أهل الكفر: لأن النبي ﷺ نهى عن التشبه بأهل الكفر وقال منكراً: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: فمن؟). ونهى النبي ﷺ عن التشبه بالكفار وقال: (من تشبه بغيرنا فليس منا). وما ذلك إلا أنك إذا لبست لباس أهل الكفر يحدث التمييع في العقيدة، وأروع ما يستدل به على ذلك قول النبي ﷺ (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، فما ظهر من الإنسان قد يصل إلى قلبه.

стр. 119

ما حرم سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة أي: إذا منعنا أمراً محرماً؛ لأنه يؤدي إلى محرم أبحناه للمصلحة الراجحة. والأمثلة على ذلك: أن النظر إلى المرأة حرام، والمفسدة هي الفتنة بهذه المرأة. فإذا منع النظر للنساء لأنه يؤدي إلى الزنا، فإننا نبيح النظر إلى النساء إذا وجدت المصلحة الراجحة، كأن تكون امرأة مريضة وجهها فيه مرض، فلابد أن يكشف الطبيب عليها بأن ينظر إلى موضع العلة وينظر إلى الوجه، فأبيح النظر إلى المرأة للمصلحة الراجحة وهي: علاج المرأة. ومن صور هذه القاعدة العظيمة أيضاً: ارتداء المرأة للحلي ولبس المرأة للخلخال والضرب برجلها في الأرض، فهذا يجوز للمرأة للمصلحة الراجحة في ذلك وهي: التزين للزوج. ومن صور هذه القاعدة العظيمة الصلاة في المسجد النبوي. وأنا قصدت هذه القاعدة بالذات من أجل هذا الأمر؛ لأنه ظهر على الساحة كثير ممن ينكرون على من ينكر الصلاة في القبور فيقول: إن عندكم قبر النبي ﷺ في المسجد النبوي، فكيف تصح الصلاة فيه؟ فنقول لهم: المنع من الصلاة في المسجد الذي فيه قبر ليس منعاً لذاته ولكن لغيره، أي لما يؤدي إليه وهو الخوف من الشرك، وهناك مصلحة أعظم من هذه المفسدة المظنونة، وهذه المصلحة هو أن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، وهذه المصلحة لا تجدها في أي مسجد آخر إلا المسجد الحرام، فهذه مصلحة أعظم وأرجح. فنقول: المنع كان خوفاً من مفسدة فيباح من أجل المصلحة الراجحة، وهي أن الصلاة بألف صلاة. وأيضاً نقول: الخوف من الشرك في المسجد النبوي بالذات ممنوع كوناً وشرعاً، أو قل: قدراً وشرعاً؛ لأن النبي ﷺ دعا وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) ودعاء النبي ﷺ مستجاب. وأيضاً النبي ﷺ نهى وقال (لا تجعلوا قبري عيدا) فالخوف من الشرك ممنوع شرعاً وقدراً، فهذه المفسدة منتفية.

стр. 120

إذا اجتمع حاظر ومبيح قدم الحاظر

стр. 121

معنى القاعدة وأدلتها آخر قاعدة مهمة جداً وهي فرع من القاعدة السابقة؛ قاعدة: إذا اجتمع حاظر ومبيح قدم الحاظر على المبيح. والمعنى: إذا جاء دليلان ظاهرهما التعارض أحدهما يحرم والآخر يبيح غلبنا الذي يحرم على الذي يبيح؛ عملاً بالورع والاحتياط. أدلة القاعدة من السنة: ما جاء في الصحيح قول النبي ﷺ : (إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه). واتقاء الشبهات أن تحرم هذا الأمر المشتبه فيه أو تمنع نفسك عنه. أيضاً من أدلة هذه القاعدة: قول النبي ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). والحديث الثالث الذي نستدل به على هذه القاعدة: حديث عدي بن حاتم ﵁ وأرضاه أنه قال: (قلت: يا رسول الله! أرسل كلبي وأسمي، فأجد معه على الصيد كلباً آخر لم أسم عليه، ولا أدري أيهما أخذ؟ فقال النبي ﷺ : لا تأكل؛ إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر)

стр. 122

تطبيقات قاعدة تغليب الحظر على الإباحة صور هذه القاعدة كثيرة جداً: منها: امرأة سافرت مع رجال فيهم محارمها وغير محارمها، فطهرت من الحيض، فلابد أن تغتسل، فلم تجد ما تستر به جسدها وهي تريد الصلاة، فإن اغتسلت تكشفت أمام الرجال وهذه فتنة، وإن تركت لم تصح صلاتها. وهناك دليل يوجب عليها الغسل، ودليل آخر يحرم عليها التكشف أمام الرجال، فلابد أن تطبق القاعدة: إذا اجتمع حاظر ومبيح نقدم أو نغلب الحاظر على المبيح، فنقول لها: لا تغتسلي ولا تتكشفي، ولها أن تتيمم وتصلي. وهذه المسألة فيها تفصيل فقهي آخر لسنا بصدد الكلام عليه، لكن هنا نغلب الحاظر على المبيح. ومن صور هذه المسألة أيضاً: رجل كانت امرأته تشبه نساء أخريات، فأراد أن يطأ امرأته فوجدها قاعدة بين شبيهات من النساء، فالدليل الذي يحرم يغلب على الدليل الذي يبيح فنقول: نغلب الحاظر على المبيح، فلا يجوز لك أن تطأ أي امرأة، بل تتركهن جميعاً بما فيهن الزوجة، ولا يجوز لك أن تطأ أي امرأة. أيضاً من صور هذه المسألة: الشرب قائماً: فالأدلة التي تبيح ذكرت أن النبي ﷺ شرب قائماً من ماء زمزم، وأيضاً أوضح من ذلك شرب النبي من شن معلقة قائماً ولم يجلس. والدليل المحرم هو قول النبي ﷺ (من شرب قائما فليستقئ). وأيضاً: حديث أنس أن النبي ﷺ قال لرجل كان يشرب قائماً: (أتريد أن يشرب معك الهر؟ قال: لا. قال: يشرب معك من هو أشر منه الشيطان). وهذا فيه دلالة على التحريم والأدلة على التحريم كثيرة فاجتمع الحاظر والمبيح عند من لا يعمل بقاعدة إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، فيغلب الحاظر على المبيح فيقول: يحرم الشرب قائماً، والحاظر يكون أقوى؛ لأن الأصل في العبادة الحيطة، ولابد للمرء أن يلتزم في كثير من أحيانه الورع. أيضاً من صور هذه المسألة: استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط: ويتجاذب هذه المسألة دليل مبيح ودليل حاظر؛ فالدليل المبيح هو حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه (رأى النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبلاً بيت المقدس ومستدبر الكعبة). والحديث الحاظر حديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ قال: (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط، ولكن شرقوا وغربوا) فنغلب الحاظر، فلا يجوز استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط. أيضاً من هذه الصور: إذا دخل الرجل في بلاد الكفر فوجد اللحوم متكاثرة متناثرة؛ لحم غنم ولحم بقر ولحم خنزير ولم يستطع أن يفرق بينها، فنقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وطبق القاعدة، فلا يأكل من أي نوع من الأنواع. فإذا اجتمع حاظر مع مبيح غلبنا الحاظر، فإذا اجتمع مال حلال مع مال حرام غلبنا حكم الحرام، فإذا غلبنا حكم الحرام قلنا: لا يجوز لك أن تتعامل معه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 123

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - الخروج من الخلاف مستحب الخروج من الخلاف مستحب حيث كان الخلاف معتبراً، وذلك مما ينشر الألفة والمودة، ولكن الخروج من الخلاف لا يكون إلا إذا لم يؤد إلى ترك سنة أو خرق إجماع.

стр. 124

فضل العلم وأهله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إن شرف العلم والعلماء عظيم، ولذلك قال الحسن البصري: لولا العلماء لكان الناس كالبهائم. وقال: علي بن أبي طالب رضي عنه وأرضاه مقسماً الناس إلى ثلاثة أقسام: الناس ثلاثة: عالم رباني, وعالم أو متعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع لم يستضيئوا بنور العلم، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح. وأيضاً قال ابن مسعود: كن عالماً أو متعلماً أو محباً لأهل العلم، ولا تكن الرابع فتهلك. وقد قسم علماؤنا الناس إلى أقسام أربعة: القسم الأول: عالم يعلم أنه عالم، فذاك عالم فاسألوه واستفيدوا من علمه، فهو يعلم أنه عالم، وليست ذلك منه مراءاة وحباً للظهور. القسم الثاني: عالم لا يعلم أنه عالم، فذاك ناس فذكروه، لتستفيدوا مما عنده. القسم الثالث: جاهل يعلم أنه جاهل، فذاك جاهل فعلموه. القسم الرابع: جاهل لا يعلم أنه جاهل، فذاك أو سفيه فاتركوه، وهذا الجهل هو الجهل المركب الذي قال فيه بعض الناس: قال حمار الحكيم توما لو أنصف الناس كنت أركب فإنني جاهل بسيط وصاحبي جهله مركب وهو الذي عنده المفاهيم المغلوطة، أو ليس عنده شيء من العلوم، ويدعي أن عنده من العلوم نصيباً، نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 125

كيفية الأخذ بالأحوط قاعدة الاحتياط هي أنه إذا اجتمع حاضر ومبيح غلب الحاضر على المبيح. والاحتياط يذكر في أبواب العبادات كثيراً، فتجد كثيرا ًمن المفتين من علمائنا ومشايخنا وأصحاب الفضل علينا إذا سألته مسألة قال لك: الأحوط أن تفعل كذا، فنجم عن هذا سؤال، وهو: ما الأحوط، أو كيف أصل إلى الأحوط؟ أقول: إن الحيطة أو الأحوط إما أن يكون في مجال الطلب أو في مجال النهي: فأما الأحوط في مجال الطلب فهو الفعل. وأما الأحوط في مجال النهي فهو الترك. ومثال ذلك: مسألة الوضوء من أكل لحم الجزور، فإنه قد أمر به النبي ﷺ ، وأيضاً ورد حديث جابر الذي يبين أن النبي ﷺ لم يتوضأ مما مست النار في آخر الأمرين، وهذا هو الحديث الناسخ على قول الجمهور. لكن يحب الوضوء من أكل لحم الجزور عند الحنابلة، والاحتياط هنا في مجال الطلب، فالأحوط هنا أن تتوضأ إذا أكلت من لحم الجزور حتى ولو كنت ترجح قول الجماهير أنه لا وضوء من أكله. وأما في مسألة النهي فالترك هو الأحوط، فإذا تردد الأمر بين أن يكون مكروهاً أو محرماً فالترك هو الأحوط.

стр. 126

الخروج من الخلاف مستحب

стр. 127

أدلة استحباب الخروج من الخلاف سنتكلم هنا على قاعدة: (الخروج من الخلاف مستحب) إذا نجم خلاف بين العلماء على مسألة من مسائل الدين، سواء كان الخلاف على أن هذا واجب أو مستحب، أو على أن هذا محرم أو مكروه، فهل يكون الخروج من الخلاف مستحباً أو لا؟ إن هذا الخروج من الخلاف هو الذي ينشر المحبة والتآلف بين العلماء وبين الفقهاء، بل وبين طلبة العلم، فيكون الخروج من الخلاف مستحباً. إن هذه القاعدة استقاها بعض العلماء من الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ قال لها: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم). فيقولون: النبي ﷺ أراد نشرا لتآلف بينه وبين أهل مكة في الإسلام؛ حتى لا يفتن أحدهم بهذا الفعل، فلم يفعل ذلك مع أن المستحب للنبي ﷺ أن تكون الكعبة على قواعد إبراهيم. لكن الاستدلال بهذا الحديث فيه بعد، وأولى من ذلك الأحاديث التي وردت عن الصحابة الكرام: فعن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه سافر مع عثمان فأتم عثمان الصلاة متأولاً، مع أنه كان له أن يقصر في السفر، ولكنه لما سافر إلى مكة أتم الصلاة، وكان ابن مسعود يرى أن القصر هو السنة عن النبي ﷺ ، ولكنه أتم الصلاة مع عثمان، فلما قيل له في ذلك قال: الخلاف شر كله. فلم يخالف عثمان بل صلى متماً حتى ينحي الخلاف جانباً، وهذا من ابن مسعود إظهار لقاعدة استحباب الخروج من الخلاف. وكذلك فإن الإمام أحمد قعد هذه القاعدة واقعاً، وذلك عندما سئل عن رجل يصلي بالناس إماماً فنزلت من أنفه الدماء، فهل يُصلي خلفه، أو يجب الخروج من الصلاة؟ وكان الإمام أحمد يرى أن الرعاف مبطل للوضوء، وعليه فيجب على صاحبه أن يخرج من الصلاة، ثم يذهب فيغسل عنه الدم ويتوضأ، وبعد ذلك يستأنف, ولكنهم لما سألوه عن ذلك قال لسائله: أرأيت ابن المسيب ومالكاً إذا صلى تصلي خلفه؟ قال: نعم. فقال أحمد: مالك وابن المسيب يقولان بذلك، وأباح للمصلي أن يصلي خلف من يتبنى هذا المذهب؛ لأن الخلاف شر كله. وأيضاً الإمام أحمد جاءه رجل وقال: أرأيت الرجل يقنت في الفجر أصلي خلفه أم لا؟ قال: يا بني: أرأيت الشافعي إن كان يصلي أتصلي خلفه؟ قال: نعم. قال: إن الشافعي يقول بذلك. وهذه دلالة على أن الخلاف المعتبر لا يفسد للود قضية. ونذكر هنا قصة تبين مدى تقدير العلماء وطلبة العلم للعلم وأهله: وذلك أن الإمام الشافعي كان إذا رأى بعض تلامذته قد خالفه في مسألة قال له: أما علمت أن الخلاف لا يفسد للود قضية؟ وأيضاً الإمام الألباني فهو علم من أعلام الشام، بل ومحدث الديار الشامية، رحمة الله عليه من جبل، وحفظ الله من بعده كالشيخ أبي إسحاق وغيره من الذين يسدون مسد الشيخ ويدافعون عن السنة. والشيخ الألباني كان شديداً في مسألة الإرسال والقبض بعد الرفع من الركوع، فهو يرى أن السنة هي الإرسال، ويرى وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع من البدعة، وهو يتبنى القول بالإرسال، وحصل أن صلى خلف الإمام ابن باز، والشيخ ابن باز رحمة الله عليه كان يرى أن السنة القبض لا الإرسال، وكل منهما له دليل، وهما لا يتكلمان بالهوى، بل يريدان وجه الله جل في علاه، وكل مجتهد مصيب للأجر. والألباني معروف من هو على من يخالفه! ومع ذلك لما صلى خلف الإمام ابن باز كان إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، قبض الألباني مع أنه يرى أن القبض بدعة، ومع ذلك قبض اتباعاً لإمامه، عملاً بقول النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به) على أن هذه اجتهاد منه ومن الشيخ ابن باز والحق مع واحد من الاثنين، فقال الألباني: الخلاف شر كله، وفعل كما فعل ابن مسعود مع عثمان وأتم الصلاة خلف عثمان ﵁ وأرضاه.

стр. 128

انقسام الخلاف إلى خلاف تنوع وخلاف تضاد الخلاف على نوعين: خلاف تنوع، وخلاف تضاد. أما خلاف التنوع فهو أيضاً على نوعين: خلاف الأولوية, وخلاف الراجح والمرجوح, وسنفصل هذه الأنواع كلاً على حدة.

стр. 129

خلاف التنوع

стр. 130

معنى خلاف التنوع أولاً خلاف التنوع: وتعريفه الدقيق: هو ما ينجم عن دليل. يعني: أن كل قول من الأقوال له دليل في المسألة، فمثلاً مسألة استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة اختلف العلماء فيها: فبعض العلماء يقول: لا يجوز مطلقاً، وبعض العلماء يقول: إننا نفرق بين البنيان وغير البنيان، وكل له دليل على ما يقول. ومثلها كما سبق مسألة الوضوء من أكل لحم الجزور، فالجماهير يرون أنه لا وضوء على من أكل لحم الجزور، والحنابلة يرون أن الوضوء لازم على من أكل لحم الجزور، وكل له دليل، فيكون الخلاف هنا خلاف تنوع؛ لأن كل إنسان منهم معه دليل. وهذا الخلاف سنة كونية لا يمكن أن نقطعها بحال من الأحوال, فلا يصح أن يقال: توحدوا على قول واحد، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨] وكان النبي ﷺ وهو يقيم الليل يدعو الله جل في علاه: (اللهم اهدني لما اختلف فيه من بإذنك). فهو يعلم أن الخلاف وسنة كونية لها حكم عظيمة جداً، والله جل وعلا يفرق بين المختلفين، ولا يسوي إلا بين المتماثلين. وهناك عالم يسهر ليله، ويتعب نفسه، ويجتهد في السماع والقراءة والتأمل، ويسافر في البلاد ليسمع المعلومة ويتعلم المسألة، وهناك آخر جالس على سريره، فالفرق بينهما بعيد، والله قد يفاوت بين الناس في هذه المسائل حتى يبين مرتبة الأول من مرتبة الثاني، وفي هذا حكمة عظيمة جداً يجليها لنا حديث النبي ﷺ : (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).

стр. 131

خلاف الأولوية وهذا النوع من الخلاف على قسمين: الأول خلاف الأولوية: وذلك بأن يصح للإنسان أن يعمل بقول العالمين أو بقول الطائفتين، لكن قول طائفة يكون أولى أو أعظم أجراً من قول الطائفة الأخرى. وبالمثال يتضح المقال: فمسألة صلاة الوتر اختلف العلماء في أي أوقاتها أفضل؟ هل في أول الليل، أو نصف الليل، أو ثلث الليل الآخر؟ فبعض العلماء قال: أول الليل أفضل أوقات الوتر، ويستدلون على ذلك بأحاديث منها حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه أنه قال: (أوصاني خليلي بثلاث وذكر من الثلاث: أن لا ينام حتى يوتر) فقالوا: هذا هو أفضل أوقات الوتر. وبعض العلماء يقولون: ثلث الليل الآخر هو أفضل أوقات الوتر، والدلالة على ذلك أن النبي ﷺ قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً). وجاء من فعل النبي ﷺ ما روته عائشة فقالت: (إن النبي ﷺ كان يوتر من أول الليل وأوسط الليل وأوخر الليل). والخلاف هنا خلاف أولية، فلك أن تأخذ بالأول أو بالثاني أو بالثالث؛ لأن كل عالم أو كل طائفة لها دليل، والخلاف هنا خلاف في أيها أولى وأعظم أجراً: صلاة الوتر في أول الليل أو وسطه أو آخره؟ ومثل ذلك ما جاء أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى ثمان ركعات، وبعضهم روى أنه كان يصلي ركعتين، وبعضهم قال: بل يصلى أربع ركعات. وكل قول له دليل، فقد صلى النبي ﷺ ركعتين وصلى أربعاً، والخلاف إنما هو في صلاة ثمان ركعات صلاها النبي ﷺ يوم فتح مكة هل كانت تلك صلاة الضحى أم صلاة الفتح؟ حصل هنا خلاف لسنا بصدده الآن. إذاً: خلاف التنوع الأولوي: هو أن تعمل بكل قول كيفما شئت، لكن الأعظم في الأجر أن ترتب ذلك العمل على الراجح من الأدلة.

стр. 132

خلاف الراجح والمرجوح أما النوع الثاني من خلاف التنوع فهو: خلاف الراجح والمرجوح: وهذا تكون فيه المناصحة، فلا بد أن يكون الحق هنا مع واحد من الاثنين؛ لأن الحق لا يتعدد خلافاً لمن قال بأنه يمكن أن يكون الحق مع كل مفتٍ، فهذا خطأ فاحش، بل الحق واحد عند الله لا يتعدد، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢]. ولذلك اختلف العلماء في مسائل مهمة جداً، منها مسألة الشرب قائماً، فقد اختلف العلماء في الشرب قائماً، واختلفوا في مسألة استقبال القبلة عند الغائط, واختلفوا في الوضوء من لحم الجزور، اختلفوا في التسمية على الوضوء هل هي واجبة أو ليست واجبة، وهل هي شرط في صحة الوضوء أم ليست شرطاً في صحة الوضوء؟ فالحق مع واحد من الاثنين، فعلى طالب العلم الأريب الفقيه اللبيب أن يبحث عن القول الذي يلتزم بالدليل، ويصحح الدليل، ويعرف كيف يستنبط الحكم من الدليل. فإن كان المرء يعلم كيف يفصل بين القولين فحيا هلاً به، فقد ارتقى مرتبة عالية, وإن لم يستطع أن يفرق بين القولين، فلا بد أن يلتزم بالعالم الذي علم منه أنه يتحرى السنة ويلتزم بها ويطلع كثيراً ولا يكف عن الطلب؛ لأن هذا يكون أوفر حظاً في التوفيق من غيره, فهذا النوع من الخلاف وإن كان خلاف تنوع، لكنه فيه راجح ومرجوح. وكذلك مسألة الزواج من المرأة الكبيرة البكر دون ولي، فهل لها أن تزوج نفسها أم لا؟ وهذا الخلاف خلاف معتبر، والخلاف المعتبر لازمه أن يترك المرجوح ويؤخذ الراجح. والخلاف المعتبر لا إنكار فيه، وإنما فيه التناصح فقط، والمناظرة تناصح كما وقع بين الشافعي وأحمد في مسألة تكفير تارك الصلاة، وعلماء الشام لا يقولون بتكفير تارك الصلاة، وعلماء الحجاز يقولون بتكفير تارك الصلاة، وهذا الخلاف لا يفسد للود قضية، وهو خلاف معتبر. ولما دخل الشافعي على أحمد -إن صحت القصة- فقال له يا أحمد: ماذا تقول في رجل لا يصلي؟ قال: كافر. قال كيف يدخل الإسلام، قال: يقول: لا إله إلا الله. فقال لـ أحمد: أرأيت إن كان يقول لا إله إلا الله! فأخذ أحمد حذاءه وذهب. ومعناه أنه قبل كلام الشافعي، بل لعله خشي أن يصل النقاش إلى الجدال. ولم ينكر الشافعي على أحمد، فـ الشافعي هنا يناصح ويناظر الإمام أحمد، والحق مع واحد من الاثنين, فالخلاف المعتبر فيه المناصحة والمناظرة، وليس فيه الإنكار، وهو لا يفسد للود قضية. فإن قيل: أنتم تقولون: إن الحق واحد، وإن الخلاف المعتبر فيه التناصح لا الإنكار، فما دليلكم؟ ف الجواب قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢]. وقد جاء أن النبي ﷺ عندما بعث سرية وقال لأصحابه: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)، فقال قوم: أمرنا الرسول أن لا نصلي إلا في بني قريظة، وقال قوم: لا والله إنما أمر الرسول أن نحافظ على صلاة العصر فلا يخرج وقتها. فصلى أناس في الطريق، وأناس تمسكوا بظاهر أمر النبي وصلوا في بني قريظة، فلما قصوا على النبي ﷺ القصة أقر الفريقين. فهذا دليل على أن الحق متعدد، فهو مع الطائفة التي صلت في بني قريظة، وهو أيضاً مع الطائفة التي صلت قبل أن تصل إلى بني قريظة، ونحن قلنا: إن الحق واحد، فما هو حل الإشكال الظاهر هنا؟ الجواب على ذلك: أن إقرار النبي هنا لم يكن إقراراً على أن الحق متعدد، بل هو إقرار على أن كل طائفة لها أجر، وهذا هو محل النزاع. فإقرار النبي كان على اجتهادهم، فلم ينكر اجتهاد هذه الطائفة ولا تلك الطائفة، وليس فيه إقرار على أن الحق متعدد، بل الحق مع الذين صلوا في بني قريظة؛ لأنهم عملوا بظاهر أمر النبي ﷺ , وأما الذين اجتهدوا بالاستنباط وقالوا: إن أمر النبي له معنى وحكمة، وهو تعجيل الخروج، فإن النبي ﷺ أقرهم على اجتهادهم لا على أن الحق معهم، وكل مجتهد من الطائفتين مصيب للأجر، هذا هو الراجح في الرد على هذا الإيراد. إذاً: خلاف تنوع لا يكون فيه الإنكار، بل فيه المناصحة والمناظرة، وهو لا يفسد للود قضية.

стр. 133

خلاف التضاد القسم الثاني: خلاف التضاد: وهذا لا بد أن يكون فيه الإنكار، وهو الذي لا ينجم عن أدلة، بل يكون مضاداً لقول معه دليل من الكتاب أو من السنة، لكن صاحبه قال به إما تعصباً للمذهب أو تعصباً لشيخ أو تعصباً لإمام. والفاصل في ذلك هو ما عبر عنه بعض العلماء بقولهم: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وقول كل سفيه ومثال هذا الخلاف: الخلاف في مسألة الرمي قبل الزوال: والرمي قبل الزوال ليس عليه دليل من كتاب ولا من سنة وانفرد بالقول به عطاء، أما الأدلة بأسرها فهي تثبت أن السنة هي الرمي بعد الزوال، ولا أدري عن الذين أفتوا بهذه الفتوى من أين أتوا بالأدلة التي تعضد قولهم في ذلك. وإن كانوا قد قالوا: إن مقاصد الشريعة توجب القول به؛ حتى لا يموت الناس، قلنا: والله لو أفتيتم بأنه يجوز امتداد وقت الرمي إلى الفجر أو إلى غروب الشمس لقلنا بأنه يمكن أن يكون القول به أوفر حظاً وأقرب إلى الأدلة والآثار من هذه الفتوى التي لا دليل عليها, فإن ابن عمر قال: (كان النبي ﷺ يتحين الزوال حتى يرمي الجمرة)، ورسول الله كان كما وصفت عائشة: (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً). بعد هذا هل يكون الأيسر على الناس أن يمشوا بعد الفجر فيرمون ويعجلون دون أن يجلسوا في منى ويحدث الرخام الشديد، أو أن ينتظر الناس بعد زوال الشمس فيرمون؟ الجواب أن الأيسر في نظرنا أن يكون بعد الفجر قبل الزوال، وسبق أن الرسول يختار الأيسر مراعاة لروح الشريعة ومقاصدها، فما جعل الله حرجاً في الدين، وقال النبي ﷺ : (يسروا ولا تعسروا) وهو قد اختار الأيسر لنا، فهو أرحم الأمة بالأمة، لكن نقول: إنه وإن كان التيسير عندنا الرمي قبل الزوال، لكن الرسول يعلم أن الناس سيأتسون بفعله، فهو الذي يقول: (خذوا عني مناسككم)، فلما ترك النبي ﷺ الرمي قبل الزوال وفعله بعد الزوال أدركنا أن ذلك هو الأيسر. والمراد من هذا أن خلاف التضاد لا يمكن القبول بالقول الثاني الذي لا دليل عليه، ولا بد من رده وإنكاره؛ لأنه مصادم لصريح قول النبي ﷺ وصريح فعله، أما قوله فإنه قال: (خذوا عني مناسككم)، والأمر يدل على الوجوب، وأما فعله: فإن النبي ﷺ رمى بعد الزوال، فخلاف هذا القول هو خلاف تضاد، لا بد فيه من الإنكار. وبهذا التقسيم حصرنا قاعدة (الخروج من الخلاف مستحب) وأن ذلك يكون في خلاف التنوع لا في خلاف التضاد.

стр. 134

تطبيقات على مسألة الخروج من الخلاف إن أمثلة هذه القاعدة كثيرة جداً نذكر بعضها.

стр. 135

التسمية قبل الوضوء يستحب للمرء أن يسمي الله قبل أن يتوضأ؛ لأنه قد نجم الخلاف بين العلماء ولكل دليله: فالحنابلة يقولون بوجوب التسمية عند الوضوء؛ عملاً بحديث النبي ﷺ : (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). وأما الجماهير فيرون أن التسمية ليست واجبة بل مستحبة. فخروجاً من الخلاف نقول: سم الله؛ لأنك ستوافق وترضي الطرفين، فإن سميت قال الإمام أحمد: قد أجرت، وقال الأئمة الثلاثة: قد أجرت, فهما قد اتفقا على الأجر، وافترقا والمعنى. فيقول الفقيه: اخرج من الخلاف، وسم الله عند الوضوء؛ لأن الخروج من الخلاف مستحب، فالأجر عند الحنابلة والجمهور حاصل، ولكن الأجر الذي يقصده الحنابلة أعظم من الأجر الذي يقصده الجمهور؛ لأن الأجر الذي يقصده الحنابلة هو الأجر على الواجب، وأما الأجر الذي يقصده الجمهور فهو على مستحب، وقد قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إليَّ مما افترضته عليه) فالفرض أحب إلى الله وأعظم أجراً من النفل.

стр. 136

المضمضة والاستنشاق عند الغسل المضمضة والاستنشاق عند الغسل حصل الخلاف فيهما بين العلماء: فالأحناف يرون وجوب المضمضة والاستنشاق عند الاغتسال، والجماهير لا يرون ذلك على خلاف بينهم مع الحنابلة. فينبغي أن يقال: إذا اغتسلت فمضمض واستنشق لتخرج من الخلاف، فإنك إن لم تفعل ذلك فأنت عند الأحناف لم تغتسل غسلاً يجزئ، وإن كنت عند الجمهور قد اغتسلت غسلاً يجزئ، فالأفضل أن تخرج من الخلاف، فالخروج من الخلاف مستحب، وحينها ستكون باتفاق المختلفين قد اغتسلت غسلاً تؤجر عليه ويجزئ في أداء العبادة. مسألة الاستصناع هي: أن تعطي رجلاً مالاً مقابل بناء البيت لك، فهو لا زال يبني الأساس وأنت تعطيه قيمة البناء الذي لم يتم بعد. وقد علمنا أن السلم له شروط: منها أن يكون لأجل معلوم، يعني: أن يتفق المتعاقداه على أن تُستَلم الشقة مثلاً بعد سنة، أو بعد سنتين، بوصف معلوم وكيل معلوم، أو وزن معلوم، وأيضاً السلم أن يدفع كل المال مقدماً، فمن اشترى هذه الشقة التي لم تقم بعد وقع في هذا الخلاف. أما الأحناف فيرون أن الاستصناع يكون في الشيء الغائب الذي يستصنعه الإنسان، فيرون أنه عقد مستقل ويصح فيه أن تعطي القيمة مقدماً أو أن تؤخر. وأما عند الجمهور فلا يصح ذلك إلا بشروط السلم؛ لأنه سلم ناقص الشروط، فبيع الغائب والمعدوم لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تبع ما ليس عندك). ولكن وردت الرخصة في السلم؛ السلم، قالوا: فإذا أجزنا الاستصناع فلا بد أن نعامله معاملة السلم بشروطه، فيدفع المال كله مقدماً. فيقال للحائر في هذا الخلاف: أرح نفسك من الخلاف، وإذا أرت هذه الشقة فادفع المال كله مقدماً وخذ الضمانات الكفيلة التي تستطيع أن تأخذها عليه، وتكون بذلك قد خرجت من الخلاف؛ لأن الخروج من الخلاف مستحب، فإن فعلت ذلك لا يلومك الأحناف ولا الجمهور، لكنك لو أخذت بقول الأحناف قال الجمهور: العقد باطل.

стр. 137

الخلاف في طهارة المني اتفق الفقهاء جميعاً على أن من غسل منيه من ثوبه فإنه قد فعل حسناً، فليس أحد يقول: لا تغسله، وإنما وقع النزاع في طهارة المني من عدمها، فالأحناف على نجاسة المني, والجماهير على طهارة المني. وأنت إذا غسلت الثوب منه تكون قد وافقت الجماهير؛ لأنهم لن يلوموك على الغسل بل يقولون: قد فعلت الأفضل، ولن يلوموك على ذلك والأحناف كذلك، بل سيقولون: قد أتيت بالواجب عليك، فتكون قد خرجت من الخلاف, والخروج من الخلاف مستحب.

стр. 138

تغطيه وجه المرأة اختلف العلماء هل يجب على المرأة تغطيه وجهها أم لا؟ فالمعاصرون مثلاً من أهل الشام قالوا: ليس بواجب ذلك، ولنعم أهل الشام كما قال النبي ﷺ : (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم) فأهل الشام لهم شأن وعلو، وعندما قالوا بذلك أيضاً قالوا: لكن الأفضل أن تغطيه. والمعاصرون من أهل الحجاز قالوا: لا يجوز بحال من الأحوال كشف الوجه؛ لأنه عورة، فهذا الخلاف خلاف تنوع. وعند هذا تحار السائلة ماذا تفعل، وإخراجها من هذه الحيرة أن يقال لها: الخروج من هذا الخلاف مستحب. فإن قالت: كيف أخرج من الخلاف؟ فيقال لها: الخروج من الخلاف أن تغطي وجهك؛ لأنك لو غطيت وجهك تكونين قد عملت بقول أهل الشام وقول أهل الحجاز؛ لأن أهل الشام يرون أن الحجاب أو النقاب سنة، ومنهم الألباني رحمة الله عليه، فإنه كان يتبنى القول بعدم الوجوب، ولكن بناته كن منتقبات وهو يعلم ذلك ولا يمنع، وعلى قول أهل الحجاز تكونين قد عملت الواجب عليك.

стр. 139

القصر في السفر إذا سافر المرء فعليه أن يقصر الصلاة خروجاً من الخلاف، فإن الأحناف يقولون بالوجوب، والجماهير يرون الاستحباب. فالرجل إذا سافر ورأى من يوجبون القصر ومن يستحبونه، ينبغي له أن يقصر؛ لأنه لا يكون قد أخطأ عند الفريقين. فهو على قول الأحناف عمل الواجب، وعلى قول الجمهور عملاً مستحباً، فيكون قد خرج من الخلاف، والخروج من الخلاف مستحب.

стр. 140

حكم الولي في النكاح بعض العلماء يرى أن الخلاف في مسألة تزويج المرأة البكر نفسها بولي خلاف تضاد، ونحن لا نداهن بل نكون منصفين، فالحق أن هذا الخلاف خلاف معتبر، وهذا هو الذي قرره ابن رشد في بداية المجتهد، وبين أن من قال بأن المرأة تزوج نفسها له حظ من النظر قوي جداً. لكن الأثر يقدم على النظر، فلا بد للمرأة أن تتزوج بولي، لكنا لا نزال نقول فيه: إنه خلاف معتبر. ويستحب أن يخرج من هذا الخلاف فلا تزوج المرأة نفسها إلا بوجود الولي؛ لقول النبي ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل).

стр. 141

شروط استحباب الخروج من الخلاف هذه الشروط هي ثلاثة شروط:

стр. 142

الشرط الأول الشرط الأول: أن لا نسقط بهذا الخروج سنة من سنن النبي ﷺ . ومثال ذلك: رفع اليدين في الصلاة في عدة مواضع: عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع، والرفع منه، وزاد الشافعية موضعاً آخر وهو عند الرفع من التشهد الأول، وهناك قول بالرفع في كل خفض ورفع حتى في السجود، وهذا الذي يتبناه الشيخ الألباني. والأحناف يرون أنه لا رفع إلا في تكبيرة الإحرام. فلو أخذنا بقاعدة الخروج من الخلاف وفعلنا ما قاله الأحناف فقط سنكون قد أسقطنا سنة الرفع عند كل خفض ورفع على رأي الألباني، فلا يصح أن نقول: إن كل خروج من الخلاف مستحب. ومنها لو أن رجلاً سخياً كريماً لا يترك أحداً له حاجة إلا وسد حاجته بالقرض، فلو قلت: لا بد أن أكافئه فأعطيه أكثر من القرض الذي أقرضنيه فهل لك ذلك أم لا؟ حصل الخلاف بين العلماء في ذلك: فالجماهير يرون جواز ذلك. وأما المالكية فيرون جواز أن تعطيه زيادة على قرضه وصفاً لا كماً يعني: لو أعطاك لبناً فشربته، وأردت أن تزيده أكثر، فعند المالكية تعطيه الأكثر وصفاً لا كماً، وذلك بأن تعطيه لبناً ألذ من لبنه. أما الجماهير فقالوا بجواز الزيادة في الوصف أو الكم؛ لأن النبي ﷺ اقترض بعيراً ورد بعيراً أفضل منه. وقال بعض العلماء: لا يجوز أن تعطيه زيادة؛ لأن هذه ذريعة للربا. فلو قلنا هنا: الخروج من الخلاف مستحب فإننا سنسقط سنة النبي ﷺ في أنه كان كريماً جواداً، لكن السنة بشرط وهو أن لا يكون باتفاق مسبق؛ حتى لا يكون قرضاً جر نفعاً فيكون ربا، فلا نقول بعدم جواز الزيادة في رد القرض دون شرط مسبق بحجة أن هناك من يعتبره ربا، وأن الخروج من الخلاف مستحب، بل هنا تنطبق هذه السنة، ولا نطبق القاعدة لأنها ستسقط سنه.

стр. 143

الشرط الثاني الشرط الثاني: عدم مخالفة الإجماع: فلا يكون الخروج من الخلاف بأن تأتي بصورة تخرق الإجماع مركباً فيها أقوال المختلفين بحجة مراعاة الخلاف، وقد نقلوا عن ابن سريج أنه أخذ بالأقوال الثلاثة في مسألة مسح الأذن مع الوجه على قول، وعلى القول الآخر أن الأذنان من الرأس؛ للحديث (الأذن من الرأس) على الخلاف في صحته، وعلى قول ثالث أن الأذن عضو مستقل، فأخذ مراعياً هذا القول، وبعد أن انتهى من وضوئه غسل أذنيه غسلاً مستقلاً، فيكون قد غسل الأذن ثلاث مرات، وهذا خلاف الإجماع. فالخروج من الخلاف ليس مستحباً هنا لأنه يخرق الإجماع. كذلك في مسألة الذهب المحلق إذا قلنا بقول بعض المشايخ الفضلاء بتحريمه، فستخرق اتفاق علماء الأمة على إباحته، فلا يراعي خلاف من قاله، فنحرمه على المرأة. وأما مسألة قراءة الفاتحة خلف الإمام فالشافعية والحنابلة يقولون بقراءة الفاتحة خلف الإمام في الجهرية وفي السرية, والأحناف قالوا: لو لم يقرأ في السرية والجهرية فصلاته صحيحة، وأما المالكية ففرقوا بين الجهرية وبين السرية. فالخروج من الخلاف في هذه المسألة مستحب؛ وذلك بأن تقرأ الفاتحة في السرية وفي الجهرية؛ لأنك لو فعلت ذلك ما لامك الأحناف في السرية، ولو قرأت في الجهرية لامك المالكية، فحتى لا يلومونك فتقرأها في سكتات الإمام، وتكون بهذا قد خرجت من الخلاف, فهذا الخلاف خلاف معتبر، وهو خلاف تنوع, وفيه تكون المناظرة لوجود راجح فيه ومرجوح. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 144

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - أحكام التابع والمتبوع من القواعد الفقهية: أن التابع يأخذ حكم المتبوع، وتدخل هذه القاعدة في كثير من أبواب الفقه، هذا بالنسبة للغالب، وإلا فإنه قد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، كما أنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، ولكل من هذه القواعد تطبيقاتها الفقهية المتعددة.

стр. 145

قاعدة التابع حكمه حكم المتبوع إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:
следующие страницы →