Полный текст (216 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الدليل الرابع: القياس
يعتبر القياس دليلاً شرعياً على الراجح من أقوال أهل العلم، وقد تناوله العلماء ضمن مواضيع أصول الفقه، فأوضحوا معناه، وبينوا حجيته بالكتاب والسنة والنظر، وتناولوا أيضاًَ أركانه وشروطه بشيء من الإسهاب، وذلك لما له من أهمية في أخذ الأحكام الشرعية منه.
стр. 107
تعريف القياس
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فالدليل الرابع من أدلة الأحكام هو: القياس، وفيه خلاف خفيف.
القياس لغة: التقدير والمساواة.
يقال: قست الأرض بالمتر، أي: قدرتها به.
ومن معاني القياس: التسوية بين شيئين، ويأتي أيضاً في بمعنى: الميزان، أي: الذي توزن به الأمور، كما قال الله تعالى: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٧] أي: الذي توزن به الأمور.
والقياس في الاصطلاح: إلحاق فرع بأصل في حكم بجامع بينهما، أو لاشتراك علة بينهما.
قوله: (إلحاق) أي: سأسوي الفرع بالأصل.
(إلحاق فرع بأصل في حكم) بمعنى: إذا كان الأصل حكمه الوجوب فسيكون الفرع حكمه الوجوب، وإذا كان الأصل مستحباً فالفرع سيكون مستحباً، وإذا كان الأصل محرماً فالفرع يكون محرماً.
فمثلاً: أقول: إن الذهب ربوي، يعني: أن الذهب بالذهب يحرم إلا بشرطين اثنين: الأول: التقابض في المجلس.
الثاني: المساواة.
فأقول: بالنسبة للدولار أو الجنيه، أو بالنسبة للدرهم أو الدينار يلحق بالذهب، فالدرهم والدينار فرع، والذهب والفضة أصل، لكن كيف أعرف أن هذا أصل؟ أعرف ذلك أن الأصل هو: الذي ثبت بالكتاب والسنة أو الإجماع، أما الذي يثبت بالقياس فليس بأصل، فثبت في السنة أن الذهب بالذهب ربا إلا بالشرطين السابقين، وأما الدرهم والدينار والورق أو الدولار أو الجنيه فلم يذكر أي واحد من هؤلاء في النص، فنقول: إن الدولار بالدولار أو الجنيه بالجنيه هذا فرع، فهل نلحقه بالأصل؟
الجواب
نعم، فنقول: يلحق الدولار بالدولار على الذهب بالذهب الذي هو الأصل، وهذا يعني أنه ربوي، ولا بد أن يتوفر فيه شرطان: الشرط الأول: المساواة، فيكون الدولار بدولار، وألف بألف، ولو كان ألف دولار بألف وواحد دولار فهذا ربا؛ لأنه لا بد المساواة.
الشرط الثاني: التقابض في المجلس.
إذاً: الفرع الذي هو العملة الورقية فرع ألحقته بالأصل، وهو الذهب بالذهب الذي ثبت في السنة.
قال: (إلحاق فرع بأصل في الحكم) فحكم الذهب بالذهب حرام إلا بالمساواة والتقابض في المجلس.
إذاً: يبقى حكم الدولار بالدولار حرام إلا بالمساواة والتقابض في المجلس، لكن لماذا يلحق الفرع بالأصل؟ الجواب: يلحق لاشتراكهما في العلة.
وقد اختلف الفقهاء في علة الربا بالنسبة للذهب: فجمهور أهل العلم يرون أن العلة الثمنية أو غالب الثمنية؛ لأن هناك خلافاً طفيفاً بين أهل العلم؛ فالشافعية والحنابلة أو الشافعية والمالكية يرون أن هذه العلة قاصرة لا تتعدى إلى غيرها.
بينما قال الأحناف والحنابلة: العلة في الذهب الوزن.
والرأي الصحيح هو رأي الجمهور: أن العلة في الذهب أنها الثمنية أو غالب الثمنية.
فلو قلنا بقول الأحناف والحنابلة فمعنى ذلك: أن الحديد بالحديد لا يجوز، إلا وزناً بوزن مثلاً بمثل، لأن الأحناف يرون أن الوزن هو العلة، فأي شيء موزون عندهم يكون ربوياً، ولا يجوز إلا مثلاً بمثل مع التقابض في المجلس.
والصحيح الراجح: أن العلة هي الثمنية، فالعلة التي في الذهب الثمنية، والعلة في الجنيه والدولار الثمنية؛ لأنه ثمن للأشياء؛ إذ لا تشتري إلا بها، فالعلة اتفقت هنا، فالجامع بينهما علة الثمنية، فألحقنا حكم الدولار بالدولار بحكم الذهب بالذهب، ويشترط فيه شرطان حتى يصح: التقابض في المجلس، وأيضاً التساوي في العدد.
стр. 108
أركان القياس
القياس له أركان أربعة: الركن الأول: الأصل.
الركن الثاني: الفرع.
الركن الثالث: الحكم.
الركن الرابع: العلة.
فالركن الأول: الأصل، وهو المقيس عليه، ويشترط في الأصل: أن يثبت بالنص، والنص: كتاب أو سنة أو إجماع.
الركن الثاني: الفرع، وهو المقيس الذي نقيسه على الأصل.
الركن الثالث: الحكم، والمراد به الأحكام الخمسة: واجب أو محرم، فالمراد الحكم الذي اقتضاه الدليل الشرعي، فإذا قال النبي ﷺ : (الذهب بالذهب ربا إلا مثلاً بمثل يداً بيد) فهذا معناه: أن الذهب بالذهب مع التفاضل أو عدم التقابض ربا.
فيكون حكمه هنا أنه حرام، فيكون الحكم هو: ما اقتضاه الدليل الشرعي من إباحة أو استحباب أو تحريم أو وجوب.
الركن الرابع: العلة، وهي الوصف المناسب الذي من أجله وجد الحكم طرداً وعكساً.
كأن تقول مثلاً: حرمت الخمر للونها الأصفر، يعني: لو وجدت خمر لونها أحمر أو أبيض فهل تحل؟ لا تحل، بل هي محرمة، إذاً: هذه ليست علة؛ لأن العلة تكون وجوداً وعدماً طرداً وعكساً، والوصف المناسب هو الإسكار، فالإسكار هو العلة لتحريم الخمر.
ومعنى: (طرداً وعكساً) أي: إذا وجد الإسكار وجد التحريم، وإذا انتفى الإسكار انتفى التحريم.
فمثلاً: الخمر محرمة بالنص، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] إلى أن قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] إذاً: ثبت التحريم بالكتاب، والنبي ﷺ يقول: (سيأتي زمان على أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، وقال ﷺ : (كل مسكر حرام وكل مسكر خمر).
فالمقصود: أن الخمر أصل ثبت تحريمه بالكتاب والسنة.
والفرع: البيرة، إذ أنها ليست ثابتة لا بالكتاب ولا بالسنة، فهذا الفرع نريد أن نلحقه بالأصل، ونسويه به في الحكم، وهو الحرمة، فيكون حكم بيع البيرة أو شرب البيرة أو شراء البيرة حرام.
فاستنتجنا هذا الحكم بجامع العلة، وهي الإسكار.
فإن قيل: قد يشرب رجل زجاجة كبيرة فلا يسكر؟ ف
الجواب
قال النبي ﷺ : (ما أسكر كثيرة فقليلة حرام) إذاً: قليله حرام؛ لأن كثيره مسكر؛ فهذا تطبيق عملي للأركان الأربعة، وكيفية إلحاق الفرع بحكم الأصل.
فإذا قيل: الخمر أصل، وعصير الموز فرع، فهل يلحق به؟ فنقول: إن عصير الموز لا يسكر، فالعلة منتفية فلا يلحق به.
وإذا قلنا: الخمر أصل، وماء الشعير فرع، فهل يمكن أن ألحق هذا الفرع بالأصل؟ فالجواب: لو تحققت علة الإسكار نلحقها بالخمر، فإن لم تحقق فإن الأصل في الأشياء الحل؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة:١٦٨] فـ (ما) صيغة من صيغ العموم، فكل ما في الأرض حلال طيب، إلا ما فصل لكم وحرم عليكم فإنه يكون حراماً.
стр. 109
ذكر أدلة من قال بالقياس
القياس حجة ودليل من أدلة الأحكام، وقد ثبتت حجية القياس بالكتاب والسنة والنظر.
أما بالكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] فعندما ألحق الله العذاب ببني النضير قال لأهل الإسلام: اعتبروا يا أولي الأبصار! يعني: اعلموا أنكم لو فعلتم مثل فعلهم فسيكون العقاب نفس العقاب.
فالأصل: بنو النضير، والفرع: المسلمون، والعلة: التعدي.
وقال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥] ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩]، فهنا قياس البعث في اليوم الآخر بإحياء الأرض بعد موتها، فالأصل: الأرض الميتة، نزل عليها الماء فاهتزت وربت؛ لأن الله أحياها بهذا الماء، والفرع: الإنسان، يموت فيبلى ويبقى عجب الذنب، فهذا الفرع نلحقه بالأصل، فيحيا كما أحيا الله الأرض، فإن السماء تمطر مطراً كالمني، فيأتي على عجب الذنب، ثم يقوم حياً مبعوثاً من قبل الله جل وعلا، فيبعثه الله ويحييه كما يحيى هذه الأرض.
وأما الأدلة من السنة على إثبات القياس فهي كثير منها: ما ورد في الصحيحين عن ابن عباس: (أن امرأة أتت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضية إياه؟ فقالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى).
فقوله: (أرأيت) فيه ضرب مثل، وضرب الأمثال قياس، فالأصل: دين الآدمي على الآدمي، والفرع: دين الله، والحكم: وجوب قضاء الدين، والعلة: وجود الدين، والدين للآدمي فيه مطالبة، فلا بد أنك تقضي الدين، وأيضاً حق الله لابد من قضائه، وهذا قياس اسمه: قياس الأولى؛ لأن النبي ﷺ قال: (فدين الله أحق أن يقضى) أي: من باب أولى، وهذا اسمه قياس جلي.
وفي حديث آخر: (جاء رجل مغضباً إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن امرأتي ولدت ولداً أسود) هو أبيض وامرأته بيضاء، وأتت بولد أسود، فالأمر فيه ريبة، فجاء يعرض بامرأته، وفيه دلالة على أن التعريض لا يقام بموجبه الحد؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
فقال له النبي ﷺ : (ألك بعير؟ قال: نعم، قال: ما لونها؟ قال: حمر، فقال: أفيها أورق؟ - يعني: لونه مختلف- قال: إن فيها أورقاً، فقال: من أين هذا؟) يعني: إن كان هؤلاء حمراً، وهذا جاء: لون رصاصي، ولون مختلف عن اللون الأحمر، فمن أين جاء هذا اللون؟ (فقال: يا رسول الله! لعله نزعه عرق) يعني: جد البعير الكبير له نفس اللون، فنزع العرق منه، فقال النبي ﷺ : (وولدك لعله نزعه عرق) فهذا أيضاً قياس، فالأصل: الإبل المختلفة الألوان، والفرع: الآدمي، والحكم: أن الاختلاف في اللون لا يدل على الزنا، ولا يدل على أنه أصلاً أدخل عليه ما ليس منه.
وعلة الإلحاق: العرق الموجود في الجلد أو في غيره.
والمقصود: أنه بين له وضرب له مثلاً يجعله يعرف أن هذا ليس بزنا، وهذا من باب القياس.
والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقيسون الوقائع التي تنزل عليهم.
مثال ذلك: ما ورد في الصحيحين عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه).
فـ ابن عباس نظر فجعل العلة عدم القبض، فقال ابن عباس: (وأحسب كل شيء مثل الطعام، أو قال: أحسب كل شيء ينزل منزلة الطعام)، فقاس غير الطعام على الطعام.
فلو أن رجلاً اشترى سيارة من معرض سيارات، فلما اشتراها تركها اتصل بوكالة، فباع لها السيارة، وصاحب الوكالة قال له: الشيكات عندي فابعث الوكيل أو الأجير الذي عندك ليأخذها، فبعثه فأخذ الشيكات والرجل في بيته، فذهب الرجل وأخذ السيارة، فهذا البيع لا يصح لعدم القبض.
والقبض في المنقول أن ينقله، وفي الذي لا ينقل يكون القبض بالتخلية.
ومعنى ذلك: أن المنقول -وهو الشيء الذي يحمل- يؤتي به إلى مجلس العقد، والسفن منقولة أيضاً لكن لأنها كبيرة جعلوها كغير المنقول، والعمارات والبنايات والشقق يكون القبض فيها بالتخلية، وذلك بأن تعطيه المفتاح.
ففي المثال السابق لم يقبض السيارة فلا يصح البيع، فأنا أعرج على كلام ابن عباس: (أحسب كل شيء كالطعام)، إذاً: كل شيء يشترى -سيارة، حديد، مكينة- لا يباع حتى يقبض وحتى ينقل، وهذا قياس من ابن عباس ﵁ وأرضاه.
وكذلك كثير من الصحابة كانوا يقيسون، وبعث عمر بن الخطاب بكتاب تلقته الأمة بالقبول إلى أبي موسى الأشعري ينصحه ببعض النصائح، ثم بين له القياس، فقال: (وعليك بالفهم).
وكان بعض علمائنا يقول: الفهم كل العلم، أو الفهم شطر العلم.
والفهم هو دقة النظر في الأدلة، وهذا هو الذي ينبغي على طالب العلم، ولذلك تجد في هذا العصر علماء يعلمون الحلال من الحرام لكنهم ليسوا بفقهاء، فهم علماء لكنهم ليسوا بفقهاء؛ لأنهم لا يدققون النظر، فالفهم عال جداً، فيرتقي به العالم عن العلماء أجمعين بدرجات، أما رأيت أن الله قد قدم سليمان ﵇ على داود ﵇ بسبب الفهم مع أنه قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩].
فقال عمر لـ أبي موسى: (الفهم الفهم فيما يأتيك، وعليك بالنظير والنظير، يعني: إذا أتتك المسألة ولا تعرف لها دليلاً، فانظر إلى نظيرها من الشرع ثم قف عليه.
والمزني تلميذ الشافعي صاحب (المختصر على الأم) قال: أجمع الفقهاء الذين رأيناهم على أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل.
فهذه أدلة من يقول بالقياس من الكتاب والسنة وآثار الصحابة ومن بعدهم.
ومن النظر نقول: إن الله جل وعلا خلق الخلق، وشرع الشرائع من أجل التسهيل عليهم، ومن أجل تكميل مصالحهم، فمقاصد الشريعة جاءت بإكمال المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، فهذا مقصد من مقاصد الشريعة، والقياس يحقق هذا المقصد.
ومن النظر أيضاً هناك مسائل كثيرة جداً لم تذكر في الكتاب ولا في السنة، فألمح الله للمجتهدين أن يقيسوا فقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] فهذا الاستنباط هو من باب القياس.
стр. 110
ذكر أدلة من أنكر القياس
لكن الإمام ابن حزم الظاهري سل السيوف وسن الرماح ليقطع رقاب من يقولون بالقياس، ومنهجه هو مثل منهج داود الظاهري، لكن ابن حزم في كتابه (الإحكام) شد الحرب، وشنع على كل من يقول بالقياس، وهذا الرجل له حجة باهرة قوية جداً، لكن عند تدقيق النظر يعلم بطلان هذا القول، والمقصود: أن الذين ينكرون القياس يشنعون على من يقول بالقياس.
ومن الأدلة التي استدلوا بها على رد القياس: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] فالله جل وعلا لم يقل في البيرة قولاً، والرسول لم يقل في البيرة قولاً، فإذا تكلمت في ذلك فأنت متقدم بين يدي الله ورسوله.
الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] فأي شيء ستتكلم فيه بدون علم - والعلم عندهم هو: العلم اليقيني، أي: الكتاب أو السنة- فقد تكلمت من غير كتاب وسنة، فأنت ستقفو ما ليس لك به علم.
الدليل الثالث: أن الصحابة ذموا القياس، ومنهم عمر بن الخطاب فإنه قال: (إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فتكلموا بالرأي).
فذموا الرأي، وأهل الرأي هم أهل قياس.
وأيضاً عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إياكم والمكايلة)! قيل: وما المكايلة؟ قال: المقايسة.
فحذرهم من القياس.
وورد بسند صحيح عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره) لكننا نقف على الأثر، فهذا علي بن أبي طالب رفض القياس، مع أن الشافعي يرى مسح الأسفل والأعلى، ويقيس الأسفل على الأعلى.
فالمقصود: أن علي بن أبي طالب أيضاً رفض القياس.
ثم قالوا: أنتم تدندنون حول القياس، وتقولون: إن الشريعة جاءت بعدم التسوية بين المختلفين، وبالتسوية بين المتماثلين، لكننا نجد الشرع جاءنا بمتماثلين وفرق بينهما، قلنا: كيف هذا؟ قالوا: المرأة تحيض فلا تصلي ولا تصوم، لكن بعد طهرها تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، وهما متماثلان في الوجوب، فلم فرقتم بين المتماثلين؟ إذاً: أنتم أصلكم باطل، فالشريعة جاءت تفرق بين المتماثلين.
وذكروا أمثلة كثيرة منها: أن السارق تقطع يده، والغاصب لا تقطع يده.
وهم أيضاً يحتجون بأن أول من قاس هو إبليس، فيقولون: إذاً: أنتم تتبعون إبليس، فإبليس هو قائدكم ومعلمكم؛ لأن إبليس هو أول من قاس، فإنه قال كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
قالوا: فأنتم تتبعون خطوات إبليس، والله يحرم هذا، كما قال سبحانه: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١].
فنقول: الراجح الصحيح مع الجمهور، وأن القياس دليل من الأدلة الشرعية، وكفى بالأدلة التي سردتها من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة والنظر على أن القياس حجة ودليل شرعي.
والله جل وعلا بين لنا القياس بقوله: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:١١] فهو بين أنه يثير السحاب في السماء، ثم ينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها، وأنه يحيي الموتى كما أحيا هذه الأرض البوار الميتة، فبين هذا بالقياس، والنبي ﷺ قاس، والصحابة فعلوا ذلك، فلا نعدو الكتاب ولا نعدو السنة ولا نعدو هؤلاء الذين قاسوا، وهم أفضل الأمة، وهم صحابة رسول الله ﷺ .
وأما الرد على المخالف فنقول: إن استدلاله بقوله تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] وأن القائس متقدم بين يدي الله ورسوله، نقول: إن القياس ليس تقدماً بين يدي الله ورسوله، فإن الله بين لنا القياس في كتابه، والرسول قد قاس، فهذا ليس تقدماً بين يدي الله ورسوله.
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] وأنك لو عملت بالقياس عملت بالظن، وظنك هذا قد يكون مخطئاً، إذاً: ستقفو ما ليس لك به علم.
فنقول: إن الأدلة القطعية شرعت لنا الاجتهاد؛ ولذلك النبي ﷺ قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر) فهذا ليس بأنه يقفو ما ليس له علم، ولذلك اشترط العلماء أن الذي يقيس لا بد أن تتوفر فيه آلة الاجتهاد وأدواته، وهذا الكلام يقال لمن لا يملك آلة الاجتهاد، لكن المجتهد قد أحال الله العلم عليه، كما قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]؛ لأن أهل الذكر يتدبرون الأمر، ويتدبرون المسألة ويأتون بالنتيجة.
وأما كلام عمر فيحمل على الرأي الذي يصادم النص؛ لأن عمر نفسه أصل القياس، وقال لـ أبي موسى: وعليك النظير بالنظير.
ثم إن في الأثر ما يؤيد هذا التأويل، وهو أنه قال: أعيتهم الأحاديث، فإذاً: هو يذم الذين يأخذون بالرأي مصادمين به النص.
أو نقول: إنه يقصد أهل الأهواء الذين لا يريدون الحق في حال من الأحوال، لكن يضربون بالأحاديث عرض الحائط، وينظرون إلى رأيهم، ويقولون: نقدم العقل على النقل، وهؤلاء هم أهل الأهواء من المعتزلة والجهمية وغيرهم.
أما قول علي بن أبي طالب: (لو كان الدين بالرأي لمسحنا الأسفل، لكني رأيت رسول الله ﷺ يمسح أعلى الخ)، فنقول: أنه أسند الفعل للرسول، وإذا جاء النص بطل الرأي وبطل القياس، فلا قياس مع النص بحال من الأحوال.
وبهذا تسلم لنا أدلة حجية القياس، وتكون الأدلة المعارضة كلها أدلة ضعيفة لا تنتهض لنفيه.
أما الإشكال الذي أوردوه على قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة فنقول: نحن أصلنا أصلاً وهو: كل قياس صادم النص فهو فاسد الاعتبار، فعندنا نص قال: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) فندور مع النص حيث دار، إذاً: قياس الصلاة على الصوم قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه مصادم النص.
فهذا وجه.
الوجه الثاني: المشقة؛ فالصوم شهر واحد في العام، فكان أيسر في القضاء، لكن الصلاة كل يوم، فيشق عليها القضاء، والله جل وعلا يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فكل ذلك يدل على أن المشقة تجلب التيسير؛ لأن من مقاصد الشريعة التيسير على البشر، فلما خالف القياس هنا مقاصد الشريعة طرح أرضاً ولم نأخذ به.
أما قياس إبليس، فنقول: إنه قياس فاسد الاعتبار؛ لمصادمته النص.
أيضاً لو تنزلنا معه فيكون قياساً مع الفارق؛ لأن الماء أفضل من النار.
ومن النظر أيضاً هناك مستجدات كثيرة جاءت لو لم يكن فيها قياس لضاعت الأمة؛ ولذلك نحن نرى أن الله جل وعلا أراد أن يرفع ويبين لهذه الأمة قدر العلماء بالقياس وبالاجتهاد والنظر، فكل نازلة تنزل ترى العالم يأخذ بالكتاب والسنة ويجتهد حتى يستنبط الحكم من هذا الدليل، ولذلك قال الشافعي: وما من نازلة إلا في كتاب الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] لكن علمها من علمها، وجهلها من جهلها، والعلم يتفاوت، فمنه علم مستنبط، ومنه علم صريح.
стр. 111
شروط القياس
والقياس له شروط، ومن شروط القياس: أولاً: أن يكون الأصل قد ثبت بنص: كتاب، أو سنة، أو إجماع، إلا أن الإجماع ليس نصاً، لكنه دليل على النص، وهذا على قول الجمهور.
ومثاله: الإجماع على أن الإسورة والطوق حلال، وبناءً عليه نقول: إن الإسورة أصل؛ لأنها تحل بالإجماع، فيلحق بها الفرع وهو: الخلخال، فيكون حلالاً.
ومن الأمثلة أيضاً: (الورق بالورق ربا) والورق هو: الفضة، فالنبي ﷺ يقول: (الفضة بالفضة ربا إلا أن تكون يداً بيد مثلاً بمثل) أي: يشترط التقابض في المجلس، والمساواة.
فالفضة أصل؛ لأنها ثبتت بالنص، والدولار فرع، فيلحق بها.
ثانياً: أن يكون الأصل له علة، والعلة لها صفات سيأتي الكلام عنها، ولما أقول: لا بد أن يكون الأصل معللاً، يخرج بذلك: الأمر التعبدي، مثل: وضع اليد اليمني على اليسرى في الصلاة، فلا نقول لمن كان خارج الصلاة: لا بد أنه يمشي وهو واضع يده اليمنى على اليسرى تحت الصدر كما في الصلاة؛ لأن الأمر هنا تعبدي، ولا توجد علة للإلحاق.
فإن قيل: إذا أصاب لعاب الكلب الثوب فهل يقاس على ولوغه في الإناء؟ نقول: غسل الإناء عند جمهور أهل العلم أمر تعبدي، لكن الشيخ أحمد شاكر بين أن له علة، إذ أن لعاب الكلب يسبب الدودة الشريطية، ولا يميتها إلا الغسل بالتراب مع السبع الغسلات، فالثوب إذا وقع فيه لعاب الكلب يغسل سبعاً ويعفر الثامنة بالتراب.
ومن الأمور التعبدية: الركوع قبل السجود، وتقبيل الحجر الأسود، ولهذا قال عمر: (إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك).
ومن الأمور التعبدية: الغسل من خروج المني بشهوة، فلا يلحق به خروج المذي أو الودي، فلا نقول: عليه الغسل، إلحاقاً للفرع بالأصل الذي هو: نزول المني من مكان معلوم، ونزول المذي من مكان معلوم، والمني ينزل بشهوة والمذي ينزل بشهوة، فيلحق المذي بالمني؛ لجامع الشهوة؛ لأن هذا الحكم تعبدي غير معلل.
وضرب بعض المشايخ أيضاً مثالاً آخر وهو: أن النبي ﷺ أمر بالوضوء من لحم الجزور، وهذا هو قول الحنابلة وهو الراجح، مع أن جمهور الفقهاء على أن الوضوء مما مست النار كان أول الأمر ثم نسخ.
والنووي رجح القول بالوضوء، والعلماء يقولون: إنه لا يخرج عن الشافعية قيد أنملة، لكن لا يجبره على الخروج إلا الدليل، وقد خالفهم أيضاً في مسألة سجود السهو، فقال: الحجة مع الشافعي والأقوى مع مالك، فأقوى الكلام على سجود السهو للمالكية ثم الشافعية.
فبعض العلماء قال: يجب الوضوء من لحم الجزور؛ لأنها كما قال النبي ﷺ : (خلقت مما خلق منه الجان) فبعضهم علل الأمر بالوضوء بهذا، لكن الصحيح الراجح أن الأمر تعبدي وليس بمعلل، فمن قال مثلاً: إذا أكل الرجل لحم النعامة توضأ منه، قياساً على لحم الجزور، نقول له: قياسك باطل؛ لأنه فقد شرط: العلة.
ثالثاً: أن تكون العلة مناسبة للحكم، أي: أن الحكم يوجد معها حيث وجدت، وينتفي حيث انتفت، فتكون العلة موجودة طرداً وعكساً، ففي الدولار العلة الثمنية، إذاً: لابد فيه من المثلية والتقابض في المجلس، والعلة هي الثمنية، فإذا وجدت وجد الحكم الذي هو وجود التقابض في المجلس والمساواة، فالدولار بالجنيه يصح بشرط التقابض في المجلس؛ لأن العلة هي الثمنية فهي متفقة، فالدولار بالجنيه لابد أن يكون في المجلس ولا يصح أن يكون نسيئة، وجوداً وعدماً.
فدولار بدولار لا بد من شرطين: أن يكون هناك مساواة، ولا بد من التقابض في المجلس، ودولار بجنيه أو بألف جنيه يصح لكن بشرط التقابض في المجلس للعلة التي بيناها.
أيضاً: إذا وجد الإسكار أصبح خمراً وأصبح محرماً، وإذا انتفى الإسكار انتفى التحريم، فشراب الموز حلال؛ لأن علة الإسكار منتفية فانتفى الحكم، وإذا وجد الإسكار في البيرة يوجد الحكم وهو التحريم؛ لأن العلة إذا وجدت وجد الحكم.
إذاً: لا بد أن تكون العلة موجودة طرداً وعكساً، أي: وصفاً مناسباً.
فمثلاً: لو قلت: العبد إن كان أسوداً فتخير امرأته الحرة إما أن تتركه وإما أن تبقي معه، فـ بريرة لما أعتقتها عائشة ﵂ وأرضاها سعى خلفها مغيث من شدة الوجد والغرام والعشق، فكان يبكي، فنظر النبي ﷺ إليه فتعجب، فقال: (يا عباس! ألا تعجب من حب مغيث لـ بريرة، وبغض بريرة لـ مغيث!) فلما أشفق النبي ﷺ على مغيث ذهب إلى بريرة فقال لها: (تزوجيه أو قال: اقبليه) يعني: لا تختاري العتق، فقالت: (يا رسول الله! تأمرني؟ قال: لا، إنما أنا شافع، فقالت: إذاً لا أريده) فهي لم ترده لأنه أسود؛ ولو كان أبيض لكانت تجبر عليه؛ بل السواد والبياض لا يؤثر في الحكم، فلابد أن العلة تكون وصفاً مناسباً، وجوداً وعدماً، لا أن تكون وصفاً غير مناسب، كالسواد مثلاً في العبودية.
رابعاً: ألا يصادم القياس نصاً؛ لأنه إذا صادم النص يصبح قياساً فاسد الاعتبار، فلا بد أنك إذا أردت الاجتهاد في المسألة أن تبحث عن النص في الكتاب أو في السنة، فإذا لم تجد فلك أن تقيس، أما أن تقيس والنص موجود فهذا فساد في العقل وفي الاعتبار، فلا قياس مع النص.
والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها مثالين: المثال الأول: قول الأحناف: إن للمرأة البالغة الرشيدة أن تزوج نفسها؛ لأن لها ذمة مستقلة قياساً على البيع، فإن لها أن تشتري وتبيع بالاتفاق، فقد جعلتم لها تصرفاً وصححتم هذا التصرف ولها ذمة مالية، فلها أن تأخذ المهر وتزوج نفسها من رجل، والمهر كأنه هبة لما استحل من فرجها، فهي أشبهت البيع والشراء، فلها أن تزوج نفسها، وهذا قياس بديع وقياس قوي، لكن الرد عليهم أننا نقول: هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لمصادمته للنص، وهو حديث: (لا نكاح إلا بولي) أما زيادة: (وشاهدي عدل) فقد ضعفها كثير من أهل العلم وإن صححها بعضهم، وأيضاً قوله ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل، وإذا اختلفوا أو تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له).
المثال الثاني: قال النبي ﷺ في بيع المصراة: (فليردها وصاعاً من تمر) فأنت أخذت لبناً، فالقياس أنك إذا رددت ترد المثل، والدليل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] وأيضاً قول النبي ﷺ : (طعام بطعام وإناء بإناء) فطعام بطعام أي: إما هو أو مثله؛ ولذلك ابن حزم تمسك وقال: لا بد أنه يرد اللبن أو يرد مثله، وإن لم يستطع فقيمة اللبن، فالنبي ﷺ قال: (وصاعاً من تمر).
فمن قاسها على المثليات نقول له: هذا قياس فاسد مصادم للنص؛ لأن النبي ﷺ أمر بردها وصاعاً من تمر.
خامساً: أن يكون وجود العلة في الفرع كوجودها في الأصل، مثل أن تقول: قال الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] فالعلة هنا: الإيذاء؛ ولذا حرم كل قول أو فعل تجاه الوالدين اشتمل على الإيذاء.
стр. 112
تمارين على القياس
قال النبي ﷺ : (لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) فالأصل هنا، البيع على بيع الأخ، وحكمه: حرام، للنهي الوارد، والعلة هي: التباغض والتحاسد، والفرع: أن يستأجر أحد على أحد، كأن يأتي رجل يستأجر شقة بمائة، فيأتي آخر حاسد مبغض فيستأجرها بمائة وعشرة، فيكون قد استأجر على استئجار أخيه، فهذا لا يصح؛ فهو فرع يلحق بالأصل؛ بعلة التدابر والتشاحن والتباغض والتحاسد.
مثال آخر: النبي ﷺ يقول: (لا يرث القاتل) يعني: أن القاتل لا يرث، فالأصل هو: القتل، والحكم هو: تحريم التوريث، والعلة هي: الاستعجال لكي يأخذ الميراث.
ومن الأمثلة: ابن الابن يحجب الأخ حجب حرمان، فالأصل: أن ابن الابن يحجب الأخ، وحكمه: الحجب، والعلة: وجود الفرع الوارث، ويقاس على الفرع: الجد، أي: أب الأب، ولذلك قال ابن عباس: (ألا يتقي الله زيد؟! أما يقول: إن ابن الابن يحجب الأخ؟! فلم لا يقول: إن أب الأب يحجب الأخ؟!) يعني: لأن العصبة، وهو: الأصل مثل الفرع، وإن لم يكن أقوى منه فهو مثله.
فإذاً: يقاس أب الأب على ابن الابن في حجب الأخ.
стр. 113
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الاستحسان
الاستحسان هو حكم خاص يخالف الأصل العام أو القاعدة الكلية، وللعلماء فيه قولان: الأول: أنه لا يعتبر دليلاً شرعياً بحال من الأحوال.
والثاني: أنه يعتبر دليلاً شرعياً، والتفصيل في القولين: أن ما كان مستنده الشرع فيصح العمل به، وما كان مستنده الهوى فلا يصح العمل به.
стр. 114
تعريف الاستحسان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: الاستحسان في اللغة هو: ما يهواه المرء ويتلذذ به ويميل إليه، وإن كان مستقبحاً عند غيره.
وفي الاصطلاح له تعريفات كثيرة جداً، وأفضلها: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص، وهذا لا يكون استحساناً، فسيكون إما قياس أو نص.
وهناك تعريف آخر أسهل جداً، وهو: حكم خاص يخالف الأصل العام، أو هو: قضية جزئية أو مسألة جزئية تخالف القاعدة الكلية لدليل جاء بذلك.
وبالمثال يتضح المقال: بيع المعدوم، الأصل فيه أو القاعدة الكلية فيه أنه لا يصح فهو حرام، فننظر إلى مسألة جزئية اختلفت عن نظائرها وهي: بيع السلم، فهي قضية جزئية اختلفت عن القضية الكلية، أي: عن الأصل العام، فإن بيع المعدوم لا يجوز والسلم يجوز، فمثلاً: أنت تريد التمر، فيأتي إليك صاحب التمر فيصف لك، ويقول: التمر الذي يخرج من أرضي تمر جنيب رطب، وطوله كذا، سيخرج ألفاً فقط خمسة أوسق وسيكون ثمنه في أوان الجذاذ أربعين ألفاً، لكن لأنه سيأخذ الثمن مقدماً، فسيأخذ منه ثلاثين ألفاً فقط؛ لأن الشرط في السلم أن يقدم الثمن وتؤجل السلعة، ولما يأتي أوان الجذاذ يعطيه نفس الوصف، ولو خالف الوصف فإن البيع لا يتم.
فهذا بيع معدوم، لكن استثناه النبي ﷺ من القاعدة الكلية، وبعض العلماء قالوا: هذا استحسان، وسنبين أنه استحسان بالدليل، وهو في قول النبي ﷺ : (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم).
إذاً: هذا معنى الاستحسان: فهو استثناء قضية جزئية من قضية كلية تخالفها في الحكم لدليل شرعي، وخرج بقولنا: الدليل الشرعي: الهوى.
стр. 115
اختلاف العلماء في العمل بالاستحسان
أما حجية الاستحسان فقد اختلف العلماء فيه على قولين، والراجح التفصيل: القول الأول: أنه ليس دليلاً شرعياً بحال من الأحوال، وهذا قول جمهور الشافعية، ولذلك ورد في الرسالة عن الشافعي أنه قال: من استحسن فقد شرع فهو ينكر أشد الإنكار على الاستحسان، فالمسألة ليست بالهوى: العلم قال الله قال رسوله وقال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه وأصحاب هذا القول قالوا: وبالنظر نحن لم نؤمر أن نتبع في الأحكام إلا ما جاء الدليل به، وأقواه الكتاب، ثم السنة المتواترة، ثم الآحاد، ثم الإجماع، ثم القياس على الخلاف الذي بيناه، قالوا: وما أمرنا إلا بذلك، فكيف نجعل للهوى تحكم في أمور الشرع؟ فنحن لا نتبع الشرع.
القول الثاني: أنه حجة، وهذا قول الأحناف، وبعضهم يستدل لهم بقول النبي ﷺ : (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥].
وهذا القول ضعيف جداً لما يأتي: أولاً: الحديث لا يصح مرفوعاً، فهو في مسند أحمد، لكنه موقوف على ابن مسعود بسند صحيح.
وأنا أقول: (ما رآه المؤمنون حسناً فهو حسن) ليس المقصود كل المؤمنين، وإنما المراد: المجتهدين، وبذلك قد يكون إجماعاً.
وأما الآية فهي في: الهدايات والتوحيد.
وبعض الشافعية أخذوا بالاستحسان، لكن ليس الاستحسان الذي هو حكم بالهوى، ولا مشاحة في الاصطلاح، فكثير من الأحكام التي قالها الأحناف استحساناً كان لها دليل شرعي، فيكون استحساناً؛ لأن مستنده الشرع، ونحن نوافق على هذا، وهذا الاستحسان يكون حجة، أما الاستحسان النابع عن غير دليل شرعي فليس بحجة شرعية.
стр. 116
مستند الاستحسان
أما حجية الاستحسان فقد اختلف العلماء فيه على قولين، والراجح التفصيل: القول الأول: أنه ليس دليلاً شرعياً بحال من الأحوال، وهذا قول جمهور الشافعية، ولذلك ورد في الرسالة عن الشافعي أنه قال: من استحسن فقد شرع فهو ينكر أشد الإنكار على الاستحسان، فالمسألة ليست بالهوى: العلم قال الله قال رسوله وقال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه وأصحاب هذا القول قالوا: وبالنظر نحن لم نؤمر أن نتبع في الأحكام إلا ما جاء الدليل به، وأقواه الكتاب، ثم السنة المتواترة، ثم الآحاد، ثم الإجماع، ثم القياس على الخلاف الذي بيناه، قالوا: وما أمرنا إلا بذلك، فكيف نجعل للهوى تحكم في أمور الشرع؟ فنحن لا نتبع الشرع.
القول الثاني: أنه حجة، وهذا قول الأحناف، وبعضهم يستدل لهم بقول النبي ﷺ : (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥].
وهذا القول ضعيف جداً لما يأتي: أولاً: الحديث لا يصح مرفوعاً، فهو في مسند أحمد، لكنه موقوف على ابن مسعود بسند صحيح.
وأنا أقول: (ما رآه المؤمنون حسناً فهو حسن) ليس المقصود كل المؤمنين، وإنما المراد: المجتهدين، وبذلك قد يكون إجماعاً.
وأما الآية فهي في: الهدايات والتوحيد.
وبعض الشافعية أخذوا بالاستحسان، لكن ليس الاستحسان الذي هو حكم بالهوى، ولا مشاحة في الاصطلاح، فكثير من الأحكام التي قالها الأحناف استحساناً كان لها دليل شرعي، فيكون استحساناً؛ لأن مستنده الشرع، ونحن نوافق على هذا، وهذا الاستحسان يكون حجة، أما الاستحسان النابع عن غير دليل شرعي فليس بحجة شرعية.
стр. 117
الاستحسان المستند إلى الشرع
مثال الاستحسان المستند إلى الشرع: بيع السلم؛ لأن القاعدة الكلية: أن بيع المعدوم يحرم، العلة في ذلك: الغرر، وكذلك بيع الجمل الشارد أو العبد الهارب؛ لوجود الغرر، فإن المشتري لا يستطيع أن يحوز الجمل الشارد أو العبد الهارب، فهذا لا يصح ولا يجوز، فالأصل من بيع المعدوم أنه لا يحل للغرر الذي فيه، ويستثنى منه السلم مع أنه بيع معدوم، لكن أباحه النبي ﷺ فقال: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم).
стр. 118
حكم بيع الاستصناع
والأحناف قالوا في بيع الاستصناع: أنه يصح استحساناً، ومستندهم الإجماع؛ وهو أن الأمم أجمعت على أن هذا البيع صحيح.
فمثلاً: رجل ذهب إلى نجار موبيليا وقال له: اصنع لي غرفة نوم، فهذا كالسلم عند جمهور أهل العلم دون الأحناف، ولا يجوز عندهم التعامل بهذه المعاملة حتى يقول لك: غرفة النوم بألف جنيه -مثلاً- فتعطيه الألف جنيه مرة واحدة نقداً، ولا يجوز لك أن تعطيه بالتقسيط.
فالاستصناع سلم ناقص الشروط عند مالك، وأحمد والشافعي وجمهور أهل العلم، ولا يجوز لإنسان أن يقول للنجار: اصنع لي غرفة نوم، إلا أن يعطيه كل ثمنها نقداً ولا يقسطه.
أما الأحناف فقالوا به، وأيضاً المجمع الفقهي في الكويت أفتى بحل الاستصناع، والصحيح الراجح: أنه لا يصح ولا يحل.
ومثله أيضاً البنايات، فمثلاً: رجل بنى الدور الأول وباع إلى الدور التاسع؛ وهو ما عنده إلا الدور الأول، فهذا أيضاً بيع معدوم لا يصح؛ لأنه سلم ناقص الشروط، فإن أرادها فلابد أن يعطيه كل الثمن نقداً، وهذا على خلاف بين العلماء، وهو خلاف معتبر.
فالغرض المقصود أن الأحناف يقولون: بأن الاستصناع يصح استحساناً، فلو قلنا: إن الاستحسان باطل شرعاً، فإننا سنبطل الاستصناع، ولو قلنا: إن الاستحسان مستند للإجماع، فليس بصحيح، فإن جمهور أهل العلم يرون أنه سلم ناقص الشروط.
والأحناف اشترطوا شروطاً في الاستصناع حتى يصح، فقالوا: إن البيع غير ملزم، فالرجل الذي أعطى للبائع الألف جنيه، أو أعطى له خمسمائة أو ثلاثمائة أو أربعمائة فصنع له غرفة النوم، فالبائع لما صنع غرفة النوم سيبيعها بعد الاتفاق بألف، فلو جاءه مشترٍ آخر فقال: الغرفة هذه جيدة جداً أنا أشتريها منك بألفين، فللبائع أنه يبيعها؛ لأن الاستصناع غير ملزم، فما الذي سيحدث بعد هذا؟ فلو أخذنا بقول الأحناف فإنه سيحدث تشاحن بل تقاتل، فالذين أفتوا بحل الاستصناع لم يأخذوا بشرط الأحناف وقولهم، والذين قالوا بالحرمة لم يوافقوا شرط الأحناف، فالذين قالوا: بأن بيع الاستصناع صحيح فليعملوا بشروط أبي حنيفة وهي: الشرط الأول: أن البيع غير ملزم.
الشرط الثاني: أنه غير مؤقت، فلا تستطيع أن تلزمه بإنجازه في مدة معينة، كشهر مثلاً.
فالصحيح الراجح: أن الاستصناع لا يصح.
стр. 119
الاستحسان المستند إلى العرف
أيضاً: الاستصناع الذي مستنده العرف، والعرف دليل شرعي، فمثلاً: رجل أوقف كتباً، وجمهور أهل العلم يرون أن الوقف لا يكون إلا في غير المنقول، أي: في العقارات، كالمباني والأراضي، أما فيما ما ينقل كالثلاجة فلا.
والقاعدة العامة أو الدليل العام أن المنقول أيضاً يوقف، وهذا هو الصحيح، فمثلاً: يصح وقف كتب العلم على طالب العلم؛ ويمكن أن يأخذه ويذهب به إلى بيته ويبحث فيه ثم يرجعه، وكذلك الشريط فيصح وقفه، فيأخذه ليستمعه ثم يرجعه، ومستند ذلك العرف، وإن قلنا بالدليل العام، فالشرع نص بأنه يستحسن؛ وما كان مستنده النص فليس استحساناً.
стр. 120
الاستحسان المستند إلى المصلحة
يبقى لنا الاستحسان بالمصلحة ثم تضمين الصناع، فمثلاً: أعطيت رجلاً قميصاً ليصلحه أو ليكويه، وأعطيته أجرة على ذلك، فتلف عليه القميص أو احترق، فهل يضمنه أم لا؟ القاعدة العامة أنه لا يضمن؛ لأن الأجير يده يد أمانة، وكذلك المضارب، وعندما استأجرت هذا الرجل وأنت تعلم أنه متقن، وتعلم أنه أمين فيده يد أمانة ليس يد ضمان، لكن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره لما وجد أن الذمم خربت، وأن الصناع تلاعبوا استحسن أن يضمن الصانع، فنحن نقول: هذا ليس استحساناً، ولكنه من باب الشرط، والمسلمون عند شروطهم.
فصانع الملابس أو الذي يصلحها يضمن إن تلف عنده الثوب، وذلك ما لم يفرط فيه بحال من الأحوال.
فالعلماء قالوا: تضمين الصناع هذا من الاستحسان، ونحن نقول: هو ليس من الاستحسان، إنما هو من باب المسلمون عند شروطهم.
فالرسول ﷺ عندما استعار من صفوان بن أمية قال له: (عارية مضمونة)، والأصل عند جمهور أهل العلم أن يد المستعير يد أمانة لا يد ضمان، لكن عندما قال له: (عارية مضمونة)، فإنه اشترط له ضمان العارية.
فالاستحسان يكون دليلاً إن كان مستنده الشرع، أما إذا كان مستنده الهوى والميل، فلا يجوز في حال من الأحوال.
بهذا انتهينا من باب العرف والاستحسان، ويبقى لنا سد الذرائع والمصالح المرسلة في الأدلة المختلف فيها، ثم ندخل على مسألة الاستنباط العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين، وبعدها يكون فصل التعارض والترجيح والاجتهاد، ثم التقليد، ونكون بإذن الله قد انتهينا من الأصول.
стр. 121
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - المصالح المرسلة
الشريعة الإسلامية مبناها على مصالح العباد في المعاش والمعاد، فهي مصالح وحكم كلها، فكل مسألة خرجت إلى المفسدة والعبث فليست من الشريعة، وإن من المصالح ما شهدت لها أصول الدين العامة، وكانت المصلحة متحققة لا متوهمة، وقد اتفق الأئمة الأربعة على العمل بها، وإن اختلفوا في الاصطلاح على تسميتها.
стр. 122
أقسام المصالح في الشريعة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: المصالح في الشريعة تنقسم إلى أقسام ثلاثة: مصالح معتبرة، ومصالح ملغاة، ومصالح مرسلة.
فالمصالح المعتبرة هي: التي اعتبرها الشرع وجاء النص بها.
والمصالح الملغاة هي: التي ألغاها الشرع وجاء النص بإلغائها.
والمصالح المرسلة هي: التي لم يأت النص عليها لا بإلغاء ولا بإقرار.
ومن أمثلة المصالح التي جاء الشرع بإبطالها: الربا، ففيه مصلحة للمقرض، فهو يعطي الألف ويأخذها ألفاً ومائة، أو ألفاً ومائتين.
فالمرابي له مصلحة شخصية، لكن هذه المصلحة الشخصية تضر بالآخرين، فلذلك ألغاها الشارع.
أيضاً: نكاح المتعة، فيه مصلحة للذي يتمتع، لكنه يضر بالأعراض، فلذلك ألغاها الشرع وأبطلها.
أيضاً: بيع الخمر، ففيه مصلحة لبائعه، لكن جاء الشرع بإلغائها أيضاً، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩].
أيضاً: هناك مصلحة متوهمة، وهي: تسوية الذكر بالأنثى في الميراث، فهذه مصلحة متوهمة جاء الشرع بإلغائها، قال تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١].
وقد تكلم في ذلك كثير من المتنطعين وأرادوا رد الآية، والصحيح: أن الله جل وعلا قد فرق بينهما لحكم عظيمة.
أيضاً: فتوى الفقيه الذي أفتى الأمير الذي حنث في يمينه بأن يصوم، مع أن عتق الرقبة هو المطلوب؛ إذ الشرع متشوف للعتق، لكنه رأى أن العتق سيكون سهلاً على الأمير، وهو يريد أن يعزره ويشدد عليه في الكفارة، فأمره بالصيام.
والصحيح الراجح: أن عتق الرقبة هو الأولى، وكان عليه أن يأخذ به، وإن كان في الصيام مصلحة تعزير له، أو حتى يتحمل المشقة فلا يفعل مثل ذلك مرة ثانية، لكن عتق الرقبة مصلحة أكبر منها بكثير، فلذلك الشرع قال بعتق الرقبة، فهذه مصلحة تعتبر ملغاة بالنسبة لهذه المصلحة المتوهمة.
إذاً: كل ما أمر به الشرع فهو مصلحة معتبرة، وقد جاء الشرع بإقرار المصالح وتكميلها.
стр. 123
تعريف المصلحة المرسلة
المصلحة لغة: ضد المفسدة، والمصالح ضد المفاسد، ويقصد بها: جلب المنفعة ودفع المضرة.
واصطلاحاً هي: المسألة النافعة للناس، الضرورية لهم، ولم يرد عن الشرع اعتبار لها أو إلغاء بعينها، ولكن شهدت لها أصول الدين العامة ومقاصد الشريعة.
قولنا (مرسلة) أي: لم يأت عليها دليل بإلغاء ولا باعتبار، فالمرسل هو: المطلق الذي لم يأت دليل من الشرع بإلغائه ولا دليل من الشرع باعتباره.
وقولنا: (النافعة للناس) أي: أن النافع للناس ضروري وغير ضروري، والضروري: ضروري ديني، وضروري دنيوي.
стр. 124
الضرورات الدينية
أما الضروري الديني فمثل: حفظ الدين، وهذه مصلحة كبرى، فالشرع أمر بقتال الكفار لحفظ الدين، ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء:٩١]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال:٣٩] فهذا مصلحة معتبرة وهو حفظ الدين.
أيضاً: المرتد إن لم يتب يقتل -على خلاف فقهي مشهور- كما قال النبي ﷺ في الصحيح: (من بدل دينه فاقتلوه)، فهذا كله لحفظ الدين، فلذلك نرى أن بعض الناس الذي يسب الدين ويتجرأ على دين الله عندما ينصح تجد آخر -كأنه لم يشتم رائحة علم- يقول لك: مصلحة الدعوة تقتضي أن تتركه، حتى لا تنفر الناس منك، ولماذا تنكر عليه سب الدين؟ فنقول: إن المصلحة أكبر من ذلك، فالمصلحة الأكبر هي حفظ الدين، والرجل قد ضيع دينه، ولو مات وهو يسب الدين لمات كافراً، فأنت يجب عليك أمران تجاه هذا الرجل: الأول: أن ترده لدينه؛ لأنك لو تركته يسب الدين وسكت عنه، ثم مات كافراً، فإنه يخلد في نار جهنم، فأنت رفقاً به رده إلى دينه.
الثاني: حتى لا تجرأ أحداً غيره على دين الله جل وعلا، فلا بد أن تذهب فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالتواضع، فتقول له: اتق الله لا تسب الدين، قل: لا إله إلا الله، وهو يستمع لك، لكن أن تسمع سب الدين وتسكت، ولا يحترق قلبك مما تسمع، ولا تتحرك لتنهى عن هذا المنكر بدعوى أن هذه من أجل الدعوة فهذا خطأ، فحفظ الدين من المصالح الكبرى.
أيضاً: حفظ النفس، ولذلك شرع الله القصاص، قال الله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩] وهذه من أكبر المصالح، فالله جل وعلا حرم قتل النفس إلا في حالة واحدة وهي: قتل الوالد لولده، لكن من الذي يقتل؟ النفس بالنفس، فالله جل وعلا ما أباح دم المسلم إلا في قتل النفس بالنفس.
أيضاً: حفظ العقل، ولذلك حرم الله الخمر، والنبي ﷺ حرم كل مسكر، فقال: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام).
فحرم كل المسكرات حفاظاً على العقل.
ومن المصالح الكبرى أيضاً: حفظ العرض والنسب، لذا حرم الشرع الزنا، ولذلك كان من المصالح سد الذرائع التي سدها عمر بن الخطاب مع نصر بن حجاج، فقد كان يسير ليلاً، فسمع نساء المدينة يقلن: من أصبح أهل المدينة؟ أي: من أوسم وأجمل شكلاً ومنظراً؟ فقلن: نصر بن حجاج، فذهب إليه فرآه وقد وهبه الله جمالاً عالياً، فقال: أنت مصبحهم، تعال ثم أمر بالحلاق فقال: احلق له شعره، فحلق شعره عن بكرة أبيه، فازداد الرجل جمالاً، ثم نظر إليه عمر وقال: ما ازدت إلا جمالاً، تعمم يعني: البس العمامة، فلما تعمم ازداد الرجل جمالاً، فقال: لا تمكث في هذه البلدة، ونفاه، ثم قال شعراً يذكر فيه أنه ما ذنبي أني خلقني الله بهذه الصورة، لم تنفيني عن بلدي وتغربني عن أهلي ومالي؟ فغربه سيدنا عمر بن الخطاب للمصلحة الكبرى: حفظاً على الأنساب، لاحتمال أن امرأة تشتهيه فتراوده عن نفسه فيقع عليها، وهذا حفظاً للأعراض، لذلك شرع الشارع جلد القاذف وجلد الزاني حفظاً للأنساب وحفظاً للأعراض.
أيضاً: حفظ الأموال من المصالح الكبرى، لذا شرع الشارع قطع يد السارق إذا بلغ النصاب وهو ربع دينار.
стр. 125
الضرورات الدنيوية
أما الضرورات الدنيوية فهي كثيرة، وهي تدخل تحت المعاملات، فلذلك أباح الله كل معاملة، فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].
وأيضاً: جعل الأصل في الشروط الإباحة، فالمسلمون على شروطهم، فهذه أيضاً من الضروريات الكبرى التي فيها مصالح دنيوية.
أيضاً: قال النبي ﷺ : (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، فجعل الأصل فيها الإباحة دون التحريم.
стр. 126
رأي الإمام الغزالي في اعتبار الأصل الذي تعود عليه المصلحة المرسلة بالحفظ
أما الغزالي فقد توسط فقال: يؤخذ من المصالح في الضروريات أو في مقاصد الشريعة.
وهذا هو الصحيح الراجح: أن المصالح المرسلة تؤخذ في الضروريات.
стр. 127
شروط المصالح المرسلة
الشروط التي ذكرها العلماء على الأخذ بالمصالح قد ضيقوا بها، وهي: أولاً: أن تكون المصلحة متحققة غير متوهمة.
مثال المصلحة المتوهمة: التساوي في الميراث بين الذكر والأنثى.
مثال آخر: بيع الخمر، فهي مصلحة لكنها متوهمة؛ لأنها تعود على البائع فقط وتضر بكل المجتمع، والمفروض أن تكون المصلحة متحققة لجميع المجتمع.
ثانياً: أن يقود على الضروريات الدينية أو الدنيوية بالحفظ والصيانة، أما الضروريات من أجل الدين فهي: حفظ الدين، أو النفس، أو العقل، أو العرض، أو المال.
ثالثاً: أن يكون المستند في المصلحة الأصول العامة ومقاصد الشريعة، أي: عموم كتاب أو سنة، أو إجماع أو قياس.
رابعاً: أن تكون المصلحة للعموم لا للخصوص، ونحن نرى من المصالح: فرض الضرائب، وحتى لو فرضوها وعمومها فهي لا تؤخذ إلا من الفقير، أما الأغنياء فلا يدفعون ضرائب، بينما الأصل والمفروض أن الأغنياء هم الذين يدفعون الضرائب، فلا بد للمصلحة أن تكون عامة وليست خاصة.
стр. 128
حكم الاحتجاج بالمصلحة المرسلة
اختلف العلماء في حجية المصالح المرسلة، فقالت الشافعية والأحناف: إنها ليست بحجة، إذ أن كل المصالح قد ذكرها الله جل وعلا في كتابه، وذكرها رسوله في سنته.
ولو دققنا النظر لوجدنا أن الخلاف إنما هو في الاصطلاح فقط، بل الأئمة الأربعة يقولون ويعملون بالمصالح المرسلة كما سنبين، فلا داعي للدخول في مسألة الخلاف، لكن المالكية والأحناف أكثر الناس أخذاً بالمصالح المرسلة.
فالمصلحة ليست دليلاً مستقلاً، لكنها تابعة لأصول الدين، وهذا بالاتفاق، لكنهم اختلفوا في الاصطلاح فقط، فالمالكية يقولون: هي دليل مستقل.
والأحناف والشافعية يقولون: ليست دليلاً مستقلاً، وعند النظر إلى بعض الصور نرى فيها المصالح المرسلة، وقد أفتى بها الشافعية والأحناف الذين ينكرون المصالح المرسلة، وأفتى بها المالكية الذين يعملون بالمصالح المرسلة.
ومن هذه النماذج: ما قاله الأحناف بجواز حرق ما يغنمه المسلمون من متاع ومال وغنيمة إذا عجزوا عن حملها إلى بلادهم، أي: إن كانوا في بلاد الكفر وغنموا منهم بقراً وبعيراً وغنماً وأموالاً وذهباً وأشياء كثيرة جداً لا يستطيعون حملها، فقد أفتى الأحناف بحرقها، مع أن هذا يخالف النهي عن قتل الحيوان، كما أن إتلاف المال محرم، لقول النبي ﷺ : (كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).
فإتلاف المال لا يجوز، لكن نحن نقول: عندنا مصلحة أكبر من ذلك، وهي: إضعاف اقتصاد الكفار؛ لأن الكفار إذا تقووا بهذه الأموال والغنائم سيخرجون علينا مرة ثانية، ويهدمون لنا الدين، ونحن لا نقاتلهم إلا من أجل رفعة الدين.
أكثر من ذلك: هم يقولون ذلك استحساناً، وهذه هي المصالح المرسلة؛ لأن الشارع لم يأت عليها إلغاءً ولا اعتباراً، وإنما جاء عليها إلغاءً في أموال المسلمين وليست في أموال الكفرة، ولكن لو علمنا يقيناً أن الكفرة سيعودون ثم يتحكمون في هذه الأموال فيقوى اقتصادهم فيميلون علينا ميلة واحدة فلنا تحريق هذه الأموال.
كذلك أفتى الشافعية بنفس الفتوى، مع العلم أنه قد نهي في الشرع عن حرق الشجر وقتل النساء وغير ذلك، لكن للمصلحة الأكبر أفتى الشافعي بإحراق وإتلاف الأشجار والأرض إن كان أهل الكفر سيستفيدون بها دون أهل الإسلام.
ولهم أصول عامة تدل على ذلك، منها: أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والأطفال، فجاءوا فقالوا: يا رسول الله! إنا ندخل القرية فنبيِّت القوم فيكون معهم الأطفال والنساء؟ فقال النبي ﷺ : (هم منهم) أي: لو قتلتموهم لا شيء عليكم، مع أنه ورد في الأحاديث النهي عن قتل النساء والأطفال، لكن لما كانت المصلحة الأعظم والأكبر في إهلاك أعداء الله جل وعلا، ولا يهلكون إلا بإهلاك الأطفال والنساء الذين معهم قال: (هم منهم) طالما هي المصلحة الأكبر.
وهذه تبين لك الآن أن فتاوى كثيرة يميناً ويساراً ليس لها زمام، لكن نحن لا نتكلم عن حكم هذه المسائل الآن.
الغرض المقصود: أن هذا الفعل تظهر فيه المصلحة.
أيضاً أفتى المالكية: بجواز بيعة المفضول مع وجود الفاضل، وهذا أقرب ما يكون على علي ومعاوية، فـ علي أفضل بكثير من معاوية ﵁ وأرضاه، ومع ذلك بايع أهل الشام معاوية، ثم بايع الناس بعد ذلك معاوية وفيهم من هو أفضل منه وهو الحسن، كذلك ابن عمر ﵁ وأرضاه كان يضاهي علي بن أبي طالب في مكانته، وإن كان علي بن أبي طالب لا يضاهيه أحد في مكانته في تلك الآونات، لكن ابن عمر ليس بالهين ومكانته عالية جداً؛ فـ ابن عمر أفضل من معاوية، ومع ذلك بايع الناس معاوية وتركوا ابن عمر ﵁ وأرضاه.
أيضاً أجاز المالكية: فرض الضرائب رغم أن هناك نهي عام، قال النبي ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)، لكنهم أفتوا بجواز أخذ الضرائب بشروط، وهذا من باب المصالح المرسلة؛ لأن الأصول العامة تؤكد هذه الفتوى، فلو أن خزانة بيت المال أصبحت ضعيفة، واحتاج الجند في الجهاد إلى التجهيز ولا مال في بيت المال، أو أن الأموال التي في الخزانة لا تكفي المئونة، فلولي الأمر أن يفرض الضرائب على الأغنياء أولاً، فإن لم يكتف بيت المال من الأغنياء فله أن يعود إلى الفقراء فيفرض عليهم، لكن الحال مقلوب الآن، ففرض الضرائب هو على الفقراء دون الأغنياء.
والصحيح أن نقول: إن فرض الضرائب من باب المصالح المرسلة عند خواء بيت مال المسلمين، ثم مع عدم الاكتفاء من الأغنياء، للوالي أن يأخذ من الفقراء ويفرض عليهم الضرائب.
أيضاً الحنابلة يفتون: بأن الوالي له أن يجبر المحتكر أن يبيع السلعة بسعر المثل، وفي الشرع لا تسعير، لما قالوا للنبي ﷺ : (سعر لنا، قال: إن الله هو المسعر -ثم قال:- لا أحب أن يأتي أحدكم بمظلمة على يوم القيامة)، فالله هو المسعر والتسعير لا يجوز، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: يجوز للمصلحة العامة أن يسعر ولي الأمر في السلع، حتى لا يضر بالمجتمع، فنظر إلى المصلحة الأكبر فقدمها، وهذه فتوى أحمد بن حنبل.
وقد سبق الأئمة الأربعة بالفتاوى في المصالح المرسلة الصحابة: أبو بكر وعمر، فقد جمعوا القراءات في مصحف واحد، ثم جاء عثمان ﵃ أجمعين فجمع الناس على مصحف واحد، وهو المصحف العثماني.
وأيضاً عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أمضى الطلاق ثلاثاً، وجلد ثمانين في الخمر، وحلق لـ نصر بن حجاج.
واتفق الأئمة الأربعة على تضمين الصناع بفتوى علي بن أبي طالب للمصلحة، ولذلك علي بن أبي طالب قال: لا يصلح الناس إلا مثل ذلك، أي: عند تضمين الصناع.
فالخلاصة: أن المصالح المرسلة حجة إذا كانت تستند إلى الأصول العامة من الشريعة، وكانت مصلحة متحققة لا متوهمة، ولم يأت الشرع بإلغائها.
стр. 129
أمثلة للمصالح المرسلة المعاصرة
في عصرنا نرى أن من المصالح المرسلة: ألا يدخل المرء بحذائه إلى المسجد، فلو دخل به إلى المسجد أفسد، مع أن الشرع أباح له أن يصلي بالنعل، لكن نقول: من باب المصلحة المرسلة أنه لا يصلي بالنعل، ولا بد أن نحافظ على المسجد، ولا يحافظ على المسجد إلا بخلع النعال، فمن المصلحة ألا تدنس المسجد، وقد جاءت قواعد عامة وأصول تشريع تدل على عدم تدنيس المسجد، ومنها: (النخامة في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) وقال: (أهريقوا على بوله سجلاً من ماء).
فهذه دلالة على أن من أصول الشرع أنك لا تدنس المسجد، أو تدخل بنعال متسخة أو قذرة فتنجس المسجد.
أيضاً من المصالح المرسلة: الميكرفونات، فهي مصلحة لها مصلحة، ألا وهي: إبلاغ وإعلام الناس بالأذان، فهذا يؤدي الغرض بالإعلام، والأذان هو: إيذان الناس بالصلاة.
أيضاً من المصالح المرسلة: فرش المسجد، فما كان المسجد على عهد رسول الله ﷺ مفروشاً إلا بالرمال والحصى، ولذلك كان ينهى عن مس الحصى.
ومنها أيضاً: الخط الذي يوضع لتسوية الصفوف، وإن رأى بعض أهل العلم أنه بدعة، لكن نحن نخالف في هذا على أن تمام الصلاة من إقامة الصفوف، واستواء الصفوف واجب من الواجبات إذا لم يكن شرطاً من شروط الصلاة.
فالقاعدة العامة عندنا: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهذه من باب المصالح المرسلة.
أيضاً، المنارات، وإن كانت لم تعرف في القديم، فهي من باب المصالح المرسلة، لإعلام الناس بأن هناك مكاناً يصلى فيه وهو المسجد، والمنارة تثبت ذلك.
فالحق الذي عليه الأئمة الأربعة -وإن كان قد اختلفوا في الاصطلاح على التسمية- الأخذ بالمصالح المرسلة والعمل بها.
стр. 130
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - العرف
جاء الشرع الحنيف برفع الحرج والتخفيف عن الأمة المسلمة، فما كان من أمر الدنيا فهو راجع إلى ما تعارف عليه الناس، من أجل ذلك لا يجوز الحظر على شيء من أمور الدنيا إلا إذا خالف نصاً شرعياً أو أفضى إلى مفسدة راجحة، والعرف منه ما هو عرف دنيوي ومنه ما هو عرف ديني.
فالدنيوي: ما تعارف عليه الناس من أقوال أو أفعال، والديني: ما علق الشارع الحكم فيه على لفظ لم يجعل له حداً شرعياً ولا لغوياً.
والعرف لا يكون دليلاً مستقلاً إلا عند مجيء الحكم الشرعي معلقاً على لفظ لم يحده الشرع ولا اللغة.
стр. 131
تعريف العرف
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
نتكلم عن الأدلة التي يستدل بها أصحاب الأصول على الأحكام، وقد سبق وأن تكلمنا عن شرع من قبلنا، وعن قول الصحابي، وهذه الأدلة مختلف فيها، وسنتكلم بمشيئة الله تعالى عن العرف.
العرف لغة: المتعارف عليه بين الناس.
واصطلاحاً: هو ما ألفه مجتمع -وليس فرد- من أمور الدنيا، من غير حظر من الشارع، سواء كان قولاً أو فعلاً أو تركاً.
стр. 132
الفرق بين العرف والعادة
والعرف والعادة عند الفقهاء بمعنى واحد، ولذلك عندهم قاعدة فقهية تقول: العادة محكمة.
والفرق بين العرف والعادة: أن العادة هي: الشيء المألوف سواء كان عند فرد أو جماعة.
وأما العرف فهو: الشيء المألوف الخاص بجماعة.
وعليه فإن العادة أعم من العرف، فكل عرف عادة، وليس كل عادة عرفاً.
وبينهما فارق في القاعدة الأصولية، وقد بينا أن هناك فوارق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية، كما سنبين أن العرف لا بد من ضبطه، وأنه دليل شرعي في وجه، ولا يؤخذ دليلاً شرعياً في وجه آخر.
стр. 133
شروط اعتبار العرف في الأمور الدنيوية
هناك أعراف دنيوية وأعرف دينية، والفارق بينهما: أن الأعراف الدينية جاء النص بها، ولكنه أطلقها في بعض المواضع.
الأعراف الدنيوية أقوال وأفعال، وحتى تعتبر هذه الأعراف لا بد لها من قيود: القيد الأول: ألا يخالف دليلاً شرعياً؛ لأن هناك كثير من الناس يقعون في مسائل ولا يعرفون هل فيها سعة من الشرع أو تضييقاً من الشرع؟ فلا بد لكي يكون العرف معتبراً في المجتمع -مجتمع الإسكندرية مثلاً- مأخوذاً به: ألا يخالف دليلاً شرعياً.
القيد الثاني: ألا يؤدي إلى مفسدة.
القيد الثالث: أن يفضي إلى مصلحة راجحة.
فقولنا: (ألا يخالف دليلاً شرعياً) خرج به: أعراف الجاهلية، كالاستبضاع، وهو: أن تذهب المرأة لأكثر من واحد، فتذهب إلى عظيم القبيلة الفلانية فيطؤها، وتذهب إلى عظيم القبيلة الفلانية الآخر فيطؤها، وهذا ما يسمى بـ (تشريف النسب)، فجاء الشارع وألغى هذا، واعتبره سفاحاً لا يجوز.
أيضاً: كانوا يتعاملون بنكاح المتعة، ثم جاء الشرع فألغاه.
كذلك: كانوا يتعاملون بربا الفضل، وهو: أن يكون الدرهم بدرهمين، والدرهمين بثلاثة، وقد كان هذا في أول الإسلام مباحاً، ثم نسخ على الراجح، وهو الذي تمسك به ابن عباس، والمقصود: أن الشرع جاء فألغاه.
فهذه بعض الأمور التي كانت أعرافاً في الجاهلية فألغاها الشرع، وهناك أعراف أخرى جاء الشارع فأقرها مثل: الدية على العاقلة، فقد كان معروفاً أن الدية على كل الأقرباء من عصبة أو ولاء، وكل هؤلاء يدفعون الدية، أي: أن الدية على العاقلة، فجاء الشرع فأقرها.
وأيضاً: المضاربة، فقد كانت معروفة قبل الإسلام، وكان النبي ﷺ يضارب بمال خديجة ﵂ وأرضاها، فجاء الشرع فأقر هذا العرف.
وأما بالنسبة للقيد الثاني وهو: ألا يؤدي إلى مفسدة، فلو قلنا -على سبيل المثال- بأن الراجح أن الفخذ ليس بعورة كما بينا فقهياً، وكان في عرف المجتهد: أن كل الشباب يمشون في الساحة بالشورت، وهو: البنطلون القصير، فلا نقول: إن العرف هنا يحكم أو العادة محكمة؛ لأنه سيؤدي إلى مفسدة، وهي: فتنة النساء بهؤلاء الرجال، وكذا لا يعني العرف: أن كل إنسان حر ما لم يضر؛ لأنه سيضر وسيؤدي إلى مفسدة، فالعرف لو أدى إلى مفسدة لا بد أن يلغى.
وأيضاً: لا بد أن يؤدي العرف إلى مصالح.
ومثال ذلك: بيع السلم والمضاربة كما سنبين.
стр. 134
العرف في الأمور الدنيوية
الأعراف الدنيوية قولية وفعلية.
فأما القولية فمثلاً: المصطلحات عند أرباب الحرف، فهي تصح حتى ولو كانت كلمات مستقبحة عند بعض الناس، لكنها عند بعض المجتمعات أعراف معروفة، فليس فيها شيء.
مثال ذلك: استخدام لفظ (الولد)، فكثير من المجتمعات إذا قيل: محمد رزقه الله ولداً، وعقيقته الأسبوع القادم، يتبادر إلى الذهن أنه ذكر، مع أن (الولد) لفظ يطلق على الذكر والأنثى، ومع ذلك نحن نقول: الولد في عرف المجتمع يسمى ذكراً، ويفيدنا هذا في الهبة، فلو جاء رجل من بعيد وقال: إني أحبك فخذ هذا وأعطه لولدك، فيعطى لمحمد أو أحمد، ولا يعطى للبنات؛ لأنه قال: أعطه لولدك، والولد في العرف هنا يطلق على الذكر، أيضاً العرف هنا محكم.
ومن الأقوال أيضاً: اللحم، يطلق في العرف على: لحم البقر والغنم والبعير، ولكن لا يطلق على السمك، مع أنه بلسان الشرع يطلق على السمك أيضاً: قال تعالى: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل:١٤]، وهذا يفيدنا في القسم وفي الطلاق.
فمثلاً: لو دخل رجل على امرأته ورأى وجهها فلم يعجبه، فقال لها: أنت طالق لو لم تأكلي هذا النهار لحماً، فأتت بسمك وأكلت منه، فحكمها طالق في العرف، ولو واحد قال: والله لا آكلن اللحم أسبوعاً، وكل يوم يأكل سمكاً، فهذا لم يحنث في يمينه؛ لأن السمك في العرف لا يسمى لحماً.
ومن الكلمات التي تنتشر بين العامة ولا يفقهونها، ولو طبق الشرع لجلدوا عليها مائة جلدة، وهذه الكلمة لا أستطيع أن أنطقها، لكن أتكلم بحروفها وهي: الخاء والواو واللام، وهذه الكلمة كثير من الساقطين والساقطات يلوكها بلسانه، ويتكلم بها، وهو لا يدري معناها، وفي اللغة العربية معناها: بوأته مكانة، فتقول: خولت محمداً مكانة كذا، أي: بوأته مكانة، لكن إذا قالها واحد لآخر فالعرف الآن جارٍ على أنه يقصد بها: مسبة، وهي: فعل قوم لوط، وهذا الذي أخذ به الإمام مالك بأن القرائن المحتفة يمكن أن تقيم الحدود، ولا يبقى فيه شبهة تدرأ بها، وهذا هو الصحيح، فلو قال واحد لواحد: يا كذا! بهذه الكلمة، وهي في العرف غلبت على اللغة، وهي الآن مسبة فيجلد عليها مائة جلدة، فالعرف يحكم، ونقول: هذا قاذف، ولا بد أن يجلد مائة جلدة؛ ولذلك كثير من العامة يسقطون في مثل هذه الكلمة، ولا يلقون لها بالاً، فلابد أن يجلدوا مائة جلدة بسبب هذه الكلمة.
وأما الأعراف الفعلية الدنيوية، فنمثل لها بمسألة تهم كل عاقد: ففي الخطوبة يأتي الخاطب بهدايا، ويشتري ذهباً، وهو ليس من المهر في شيء، ويعطيها للمخطوبة مودة ومحبة، أسبوعاً، أو أسبوعين، أو ثلاثة، ثم تكشر له عن أنيابها، ويعرف حقيقتها، فيقول: أنا لم أدخل بك، ولم أعقد عليك، لكن أنت طالق إلى يوم الدين.
فهذه الهدايا التي أتى بها لا تعتبر من المهر؛ لأنها في العرف تعتبر هدايا، فلا يجوز له أن يأخذ شيئاً منها، حتى لو عقد عليها، وكتب المهر وأتى لها بالشبكة، والشبكة متعارف عليها أنها من المهر، وإن كانت هدية، فتأخذ حكم الهدية، والمتعارف عليه أن كل الهدايا التي أتى بها لا يمكن أن ترد له؛ لأنها ليست من المهر، بل العرف يقول: إنها هدايا، وتسمى هدايا، وهذا عرف سائد بين المجتمعات المصرية على أن كل شيء يأتي للزوجة من الهدايا لا ترد، وإن حدث طلاق؛ لأنها هبة قال ﷺ : (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) والصحيح: أن هذه من الأعراف المتعارف عليها.
ومسألة: تقسيم المهر: المعروف أنه يجب أن تعطي المهر كله، ولكن المأذون الشرعي عندنا يكتب المقدم ربع جنيه لكي لا يعطيها شيئاً، والمؤخر أربعين ألفاً، ولا يعلم المسكين أن المؤخر دين في ذمته، ولو مات سيحبس في قبره، فإذا كتب على نفسه مؤخراً فهو دين في ذمته، إلا أنه يضحك عليها حتى تقول: أسقطت ما عليك.
والمهر في العرف ينقسم إلى: مقدم ومؤخر، وهذا كله يسمى مهراً، وهو لم يعطها شيء، فلما يحدث التشاحن والتباغض والتدابر، ولا يستطيع هو أن يقيم دين الله معها، ولا تستطيع هي ذلك، ففي الطلاق يقول لها: ليس لك عندي إلا المؤخر، ويكون المقدم خمسة آلاف والمؤخر عشرين ألفاً، فليس لك عندي إلا العشرين ألفاً، والصحيح: أن لها الخمسة والعشرين ألفاً؛ لأن المقدم والمؤخر كله يسمى مهراً، ولكن بالعرف قسم إلى مقدم ومؤخر، وهو شرعاً يسمى مهراً.
كذلك: البيع بالتعاطي: مثل رجل يريد أن يستأجر سباكاً فيقول: ائتوا بالسباك فيأتي السباك، ولا يتكلم، ويصلح الصنبور بدون كلام، ويأتي بالبضاعة وينتهي منها.
فيسأله: كم تريد؟ ويأخذ عشرين جنيهاً، وهذه عامة في الأعراف أنه لن يقول له: أستأجرك لتصليح الصنبور بكذا، بل يأخذ الأجرة عرفاً، فأي سباك معروف أنه يأتي ويصلح الصنبور بعشرة جنيهات، فهو يصلحها، ويأتي بالجلدة، ويعمل كل ما عليه، فيعطيه عشر جنيهات دون أن يقول له: استأجرتك، ولا الآخر يقول: قبلت، وهذا فرع عن أصل، والأصل هو: بيع المعاطاة، وهو: أنه يأتي ويأخذ عشرين رغيفاً، ويترك للرجل المال من غير أن يقول له: أشتري منك، أو البائع يقول له: بعتك العشرين رغيفاً بعشر جنيهات، والآخر يقول: قبلت، فمتعارف عليه بين الناس أنه يضع العشر جنيهات ويأخذ العشرين رغيفاً ويذهب، فالعرف يتحكم في مثل هذه المسألة أيضاً.
стр. 135
العرف الديني
стр. 136
تعريفه وترتيبه
العرف الديني هو: أن يعلق الشارع الحكم على لفظ لم يجعل له حداً شرعياً ولا لغوياً.
والقاعدة عند العلماء: ما لم يحده الشرع تحده اللغة، وما لم تحده اللغة يحده العرف، وهذا هو الترتيب الصحيح.
مثال ما حده الشرع: الصلاة: فالصلاة لها حد شرعي وحد لغوي، فهي أعم في اللغة، ولكن حدها في الشرع هو: حركات مخصوصة في أوقات مخصوصة، فإذا قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فقام رجل ورفع يديه ودعا، فقد أخطأ؛ لأن هذا هو الحد اللغوي، ونحن نقول: إن الحد الشرعي يقدم.
كذلك: قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] هذه لها حد شرعي وهو: اثنين ونصف في المائة بعد بلوغ النصاب وحولان الحول.
وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] له حد شرعي.
والذي حد لغوياً: كالشمس، فالشمس لها حد معروف في اللغة، وكذلك القمر، والليل، والنهار.
стр. 137
الأحكام التي علقت على اللفظ ولم تحد شرعاً ولا لغةً
هناك أحكام علقها الشارع على ألفاظ، وهذه الألفاظ ليس لها حد شرعي ولا لغوي، وأمثلة ذلك: قال الله تعالى عن كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] ولا يوجد تحرير رقبة الآن، فلو وجد رجل ميسور وأقسم يميناً فوجد غيره هو أفضل منه، نقول له: ائت الذي هو خير، ثم كفر عن يمينك، كما قال النبي ﷺ ، والتكفير بإطعام عشرة مساكين يكون كما قال تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، وهذا حسب العرف.
فمثلاً: الذي يسكن في مبنى بآلاف، وهو يطعم أهله كل يوم لحماً أو سمكاً أو دجاجاً فلما يكفر نقول له: كفر من أوسط ما تطعم أهلك.
ومثلاً: رجل في كرموز ما عنده طعام إلا ما أعطاه الله جل وعلا لسد حاجته، فنقول له: أطعمهم البر أو الشعير، أطعمهم من أوسط ما تطعم منه أهلك، والكل يأكل قشر الفول وليس الفول، فإذا أطعمت فأطعم بقشر الفول، المهم أنك تطعم من أوسط ما تطعم به أهلك.
ومن الأمثلة أيضاً: الوصي الذي يكون ولياً على مال يتيم، فمحرم عليه في مال اليتيم أن يحرقه أو يأكله، ولكن يمكن له أن يتجر فيه، وأن يرعاه، وقد بين الله تعالى أن له حالتين: الحالة الأولى: أن يكون ولي اليتيم غنياً.
الحالة الثانية: أن يكون فقيراً.
فالله جل وعلا بين لنا الحكم في الحالتين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:٦] أي: لا يجوز له أن يأخذ شيئاً من مال اليتيم، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦]، أي: إباحة الأكل بشرط ما تعارف الناس عليه، وإن جاءه ضيف أعطاه حاجته فقط، دون أن يرتقي عن المعروف في طعامه كل يوم.
ومن الأمثلة كذلك: قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:٢] والعدالة تفتقر إلى العرف، وضابطها: خلو المرء من الفسق وخوارم المرءوة، وهي: ملكة يكتسبها المرء تربأ بنفسه أن يقع في الكبائر، أو يصر على الصغائر.
ويفسق الإنسان إذا أتى الكبائر دون توبة، فإن تاب فليس بفاسق.
فمثلاً: لو زنى شخص، ثم تاب توبة نصوحاً، سواء تاب بينه وبين ربه، أو أقيم عليه الحد، فإنه ترجع عدالته كما هي ولا تسقط، فمن فعل كبيرة ولم يتب فهو فاسق، أو فعل صغيرة واستمر عليها فهو كذلك، كالرجل الذي ما من امرأة تمشي أمامه إلا ونظر إليها، فتمر الأولى فيتبعها بصره، ثم تمر الثانية ويتبعها بصره، ويأتي اليوم الآخر ويقول له الرجل: اتق الله في نفسك، فتمر الأولى فيتبعها بصره، والثانية، وهكذا هو مصر على الصغائر، أو رجل قبل امرأة فيقول: هذا التقبيل ليس فيه شيء، وليس كبيرة، فيقبل الأولى، ويقبل الثانية، ويصر على التقبيل، فنقول له: أنت فاسق؛ لأنك أصريت على الصغائر، فالفسق علامته: فعل الكبائر دون توبة أو الإصرار على الصغائر، وخلو الرجل من الفسق نصف عدالة، والنصف الثاني: خلوه من خوارم المروءة، والمروءات هنا ترجع للعرف.
ومثال خوارم المروءة الأكل ماشياً، وأذكر أن البخاري مر على رجل كان يريد منه حديثاً فنظر إليه فوجده يأكل تمرة على بابه فرجع وتركه، ورأى البخاري أيضاً محدثاً فذهب إليه ليأخذ منه الحديث فوجده يشير إلى الحمار: أن تعال أعطيك، ولا يوجد شيء، وقرب إليه القفة التي فيها الشعير ولم يكن فيها شعير فتلهف الحمار على القفة فما وجد شعيراً، فـ البخاري قال: أما أطعمته؟ قال: أنا أسليه، قال: تكذب على الحمار! والله لا آخذ منك حديثاً للنبي ﷺ ، وتركه، ورأى أن هذا خارم للمروءة، واليوم لو واحد يفعل ذلك مع الحمار فهو صادق مصدوق، والمهم ألا يكذب على البشر، ونحن نفعل ذلك مع الحمار، ومع الذين أتوا بالحمار، والصدق فينا أصبح عزيزاً، ويغفر الله لنا، وأقلنا كذباً، أو أكثرنا صدقاً الذي يعرض، ويعيش على التعريض، هذا أفحلنا صدقاً ويغفر الله لنا.
دخل راوٍ من الرواة على شخص فقال له: تحدثني وأنت تأكل، أما تخشى أن تسقط مروءتك؟ قال: تحدثني الآن عن المروءة، هذا كان في القرن الثالث، فالمروءات ذهبت مع أصحاب المروءات، والجلوس في الطرقات ليس من خوارم المروءة، وأنكر علي البعض أننا كنا نتحدث في بعض المسائل الشرعية، ونحن نجلس في الطريق -والجلوس في الطرقات ليست من خوارم المروءة شرعاً- والنبي ﷺ قد نهى عن الجلوس في الطرقات، فقالوا: (يا رسول الله! ما لنا من مجالسنا، بد قال: فأعطوا الطريق حقه) وحق الطريق: غض البصر، ورد السلام، وكف الأذى.
والجلوس في المقاهي من خوارم المروءة، فإذا رأيت رجلاً أمامك قاعد يشرب الشيشة، وأنت جالس بجانبه تنظر إليه، ولا تنكر عليه، فهذه من خوارم المروءة، حتى قال بعض العلماء: إن الجلوس في الأسواق من خوارم المروءة؛ لأن الأسواق فيها الساقطات وفيها الكذب، وفيها الحلف بالله كذباً، وكل هذه من خوارم المروءة.
فالمقصود أن قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، أحالنا على العرف في مسائل العدالة، والعدالة تكون بالخلو من الفسق والخلو من خوارم المروءة.
أيضاً: قول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] والتراضي عمل قلبي، فالأعراف تتحكم فيه وتدل عليه.
ومن أمثلة العرف المتراضي عنه: أن الضرب على القفا عندنا في مصر عيب كبير، وفي ليبيا يسلم بعضهم على بعض بالضرب على القفا، وفي لبنان يقال: احلق له، بمعنى: مشيه، فانظر إلى الأعراف في لبنان، احلق له: أي مشيه، وهذا غير مستصاغ هنا، لكن التسليم في ليبيا بالقفا، وأنت لو ضربت صعيدياً بالقفا يمكن أن يقتلك، فالأعراف تختلف، والمسألة تدور مع العرف، والعرف يتحكم في كل مجتمع من المجتمعات، ولذلك نحن نقول: إن من السنة إذا دخل واحد أو اثنين مصريين إلى ليبيا يسلمون على بعض بالقفا، لكي لا يستوحش الليبيون منهم، أو يدخل مثلاً إلى أي بلدة، وزيهم السروال إلى الركب، والإزار والرداء فيرتدي زيهم حتى لا يكون مستوحشاً بينهم، وهذا من السنة، حتى لا يرتدي لبساً يكون من لبس الشهرة إن لم يكن الشرع نص عليه.
وهناك أعراف من السنة علق الحكم فيها على لفظ لم يحد شرعاً ولا لغة: كالحديث في الصحيح: أن هند ﵂ وأرضاها جاءت للنبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح) فطلبت أن تأخذ المال لها ولأولادها، فقال النبي ﷺ : (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) أي: إذا كان المعروف في المدينة أو في مكة أن عشرة دنانير تكفيك وولدك، فإذا أخذت عشرة دنانير ونصف دينار، ظلمت وتعديت، فتأخذ بحد العرف، وهذا يستدل به للنساء المظلومات في بيوتهن، فالزوج الشحيح الذي لا يعطي امرأته شيئاً لا بد لنا أن نفتي بأنه يجوز للمرأة أن تأتي وهو نائم، أو في حين غفلة فتأخذ من جيبه ما يكفيها وولدها بالمعروف، ونصرح لكل النساء بهذا، فلها أن تأخذ من زوجها الذي يمسك دون أن يعرف، بشرط أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف، فإن كانت في حيٍّ مرفهٍ فلا تأتي وتقول: إنه يكفيني كل يوم مائة جنيه أنا وولدي بالمعروف، فإنها بهذا ستخرب بيته بسرعة، والمفروض أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف.
أيضاً: قول النبي ﷺ في حديث ابن عمر في الصحيح: قال ابن عمر: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير) كان هذا بعرف البلد عندهم في المدينة، والعلماء عمموا المسألة، وقالوا: صاعاً من طعام أهل البلد، فلو كان غالب أهل البلد طعامهم الأرز، فيخرج الأرز.
أيضاً: قول النبي ﷺ : (من أحيا مواتاً فهي له) إحياء الموات حده العرف، فيمكن أن يزرع شجرة ويكون قد أحيا مواتاً، أو يجعلها صالحة للزراعة، أو ينبت فيها ثمراً، ويكون هذا إحياء موات، فالعرف هو المتحكم في ذلك.
стр. 138
شروط العمل بالعرف الديني
الشروط التي يجب أن تتوفر في هذا القسم لنعمل بالعرف، ونقول: إنه وصف في بابه مستقل: أولاً: أن يكون الحكم في المسألة هو حكم الشرع، أي: جاء من كتاب أو سنة أو إجماع.
ثانياً: أن يكون الحكم معلقاً بلفظ غير محدود شرعاً ولا لغة كما بينا.
الثالث: أن يكون اللفظ مطلقاً، وهو لا يبعد كثيراً عن الثاني؛ ولذلك قعد الفقهاء قاعدة فقالوا: كل ما ورد به الشرع مطلقاً ولا ضابط فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف.
مثال ذلك: الحرز في السرقة، فإذا أردت أن تقيم الحد على سارق، وتقطع يده فلا بد من شروط، وهي: الأول: ثبوت هذا بوجود الشهود.
الثاني: أن يكون بلغ النصاب، أي: فوق ربع دينار.
الثالث: أن يكون في حرز، والحرز قد يكون في خزنة، وكذلك الجيب عند الناس حرز، فلو سرق مالاً بنصف دينار أو ربع دينار من جيب رجل فهذا سارق تقطع يده.
إذاً: الحرز ما كان العرف يقول: بأنه حرز، وهو الذي به يقام عليه الحد.
стр. 139
العرف ليس دليلاً شرعياً مستقلاً
الصحيح: أن العرف ليس دليلاً شرعياً مستقلاً، ولكن عندما يأتينا حكم الشرع ويعلق على لفظ لم يحد لغة ولا شرعاً، فالعرف هنا دليل مستقل.
فإذا قال النبي ﷺ كما في حديث عائشة في الصحيح: (لا تقطع اليد في أقل من ربع دينار) أو (قطع النبي ﷺ اليد في ثمن المجن) وكان ثمن المجن يقارب الربع الدينار، فنقول: قطع على أنه سرق من حرز مثله، والعرف هو الذي يحدد لنا الحرز؛ لأن الشرع لم يأت بتحديده، واللغة لم تأت بذلك أيضاً، فالعرف هنا هو الذي يحده لنا.
стр. 140
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - شرع من قبلنا
اختلف العلماء في العمل بشرع من قبلنا من الأمم السابقة؛ فمنهم من رده مطلقاً، ومنهم من عمل به مطلقاً، والصواب التفصيل، فما وافق شرعنا أخذنا به، وما رده شرعنا رددناه، ويشبه هذا قول الصحابي، فما اختلفوا فيه لا حجة لواحد منهم على الآخر، وما أجمعوا عليه فهو حجة ملزمة لنا.
стр. 141
اختلاف العلماء في الأخذ بشرع من قبلنا
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: شرع من قبلنا هو: الأحكام الفرعية التي شرعها الله جل وعلا في ما مضى لمن قبلنا من الأمم، وهي لا تمس العقيدة.
فالله جل وعلا أمر اليهود بالصلاة, وشرع لهم كيف يتوضأون أو يغتسلون أو يتطهرون, فهذه كلها أحكام شرعية فرعية.
كذلك يقول الله جل وعلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] , كل هذه أحكام فرعية.
أما العقائد فواحدة عند جميع الأمم، قال النبي ﷺ كما في الحديث: (الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وشرائعهم شتى).
وقد اختلف العلماء في شرع من قبلنا على أقوال ثلاثة: القول الأول: أنه شرع لنا مطلقاً.
القول الثاني: ليس بشرع لنا مطلقاً.
القول الثالث: التفصيل.
стр. 142
القول الأول: شرع لنا مطلقاً
القول الأول: شرع من قبلنا من الأحكام التي أنزلها الله على الأمم السابقة هي شرع لنا مطلقاً.
واستدلوا بأدلة من الأثر وهي: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فهذا دليل واضح ناصع على أن الله تعالى أمر النبي ﵊ أن يقتدي بموسى وإبراهيم وعيسى.
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ﴾ [المائدة:٤٥] الآية, ولما تحاكم أنس للنبي ﷺ قال له: (يا أنس! كتاب الله القصاص)، أي: أن السن بالسن؛ فدل ذلك على أنه حكم بشرع من قبلنا, وهو: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة:٤٥] ,أي: في التوراة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة:٤٥]، إلى أن قال: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة:٤٥]، أي: أن السن بالسن راجع إلى هذه الآية التي تبين لنا حكم السن في التوراة ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى:١٣] إلى آخر الآية.
الدليل الثالث: قوله في الحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها, ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]) , وهذه الآية خاصة بموسى ﵇؛ فقرروا أن كل رسول جاء من عند الله تعالى جاء بشرائع حقة, وعلى النبي أن يتبع ما جاء به هؤلاء من الشرائع.
стр. 143
القول الثاني: ليس بشرع لنا مطلقاً
القول الثاني: أنه ليس بشرع لنا مطلقاً, واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] , اليهود لهم شرعة ومنهاجاً, والنصارى لهم شرعة ومنهاجاً, وشرعة محمد جاءت ناسخة لكل ما كان قبلها من الشرائع السماوية.
الدليل الثاني: أن هذا يلزم منه أن جميع الأمة لابد أن تتعلم شرع من قبلنا, ويكون هذا العلم فرض كفاية علينا، فيتعلمه أحدنا حتى يعلمنا ونعمل به, ويكون شرع من قبلنا حجة علينا.
الدليل الثالث: وهو من الأدلة القوية: أنه لو كانت شرائع من قبلنا حجة علينا ما انتظر النبي ﷺ نزول الوحي عليه في مسألة من المسائل النازلة؛ لأن في شرع من قبلنا الحكم؛ فيحكم ويعمل به, وهذا دليل قوي.
стр. 144
القول الثالث: التفصيل
القول الثالث: التفصيل، وهو الراجح والصحيح, وهو: أن شرائع من قبلنا أنواع.
الأول: ما قرره شرعنا، وهذا بالاتفاق شرع لنا.
مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ﴾ [المائدة:٤٥] , وأتى شرعنا يقره, كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨] ,فنقتل من قتل, ونكسر من كسر, ونشج من شج, وزيادة على هذا تخفيفاً على هذه الأمة: لنا أن نأخذ الدية, وولي الدم بخير النظرين في ذلك.
أيضاً من الأحكام التي جاء الشرع بموافقتها: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، وشرعنا يقر ذلك.
كذلك: جاء شرعنا يقر بوضوح ما عند اليهود والنصارى من أن السن بالسن، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]؛ فإذا كسر السن نكسر سنه, وهذا من شرعنا؛ فجاء الدليل من شرعنا يقر ما في التوراة, قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤].
وفي قصة عائشة لما غضبت وكسرت الإناء قال: (غارت أمكم غارت أمكم؛ طعام بطعام وإناء بإناء).
الثاني: ما نسخه شرعنا، وهذا باتفاق ليس بشرعٍ لنا.
مثال ذلك: السجود للمعظم تكريماً له لا عبادةً, كسجود إخوة يوسف ﵇ له، ولما ذهب معاذ إلى قيصر وكسرى ورآهم يصنعون ذلك له, عاد وسجد للنبي ﵊ تكريماً له وتعظيماً, فقال النبي ﵊: (لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها) , وهذا ناسخ لما ورد عن يعقوب ﵇.
كذلك: استقبال القبلة، فقد جاء شرعنا فأقر استقبال بيت المقدس، ثم جاء في شرعنا ما نسخه, فهذا أيضاًَ ليس شرعاً لنا.
كذلك: في التوراة كان في شرعهم لإزالة النجاسة إذا وقعت على ثوب أحدهم أن يطهرها بالمقاريض، أما في شرعنا فيكفيه أن يغسله حتى تذهب عنه.
فهذا ناسخ لشرع من قبلنا.
كذلك: كان في شرعهم أن الغنيمة حتى تقبل تنزل ناراً من السماء فتحرقها, ولما غل أحد بني إسرائيل منها لم يقبلها الله تعالى حتى أعاد ما أخذه منها, , أما في شرعنا فإن الغنيمة توزع على أسهم بينها الله في كتابه, وقال النبي ﷺ : (وأحلت لنا الغنائم) , وهذا ناسخ لما قبله.
الثالث: ما سكت عنه شرعنا، والقول الصحيح والراجح: أنه ليس بشرع لنا.
стр. 145
حكم قول الصحابي
لو احتج علي أحد بشرع من قبلنا فرددت عليه بسنة فإن السنة أقوى، ويليها قول الصحابي, وهذا أيضاً من الأدلة المختلف فيها.
والصحابي هو: كل من لقي الرسول ﵊ مؤمناً به ومات على ذلك؛ ليدخل بذلك الأعمى.
ورؤية النبي ﵊ لا يدانيها شيء؛ لذلك قال العلماء: أنتم تتغنون بـ عمر بن عبد العزيز وتفضلونه على معاوية , ورؤية واحدة رأى فيها معاوية النبي ﵊ خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته أجمعين.
فإن كان راءه فهو صحابي؛ فإن لم يره فهو معاصره.
قول الصحابي في مسألةٍ لم يأت بها الكتاب ولا السنة، لكن وجدنا كلاماً لـ ابن عمر أو لـ ابن مسعود أو لـ ابن عمرو بن العاص أو لـ معاوية، فهل هو حجة يلزمنا العمل به أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه حجة مطلقاً, وهو قول بعض الشافعية ورجحه ابن القيم.
القول الثاني: ليس بحجة مطلقاً, وهو قول الجمهور.
القول الثالث: التفصيل.
واستدل أصحاب القول الأول بأدلة منها: أن الله تعالى قد عدل الصحابة فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦] , فجاءت عدالتهم من السماء, والرسول ﵊ يقول: (النجوم أمنة للسماء أن تزول، وأنا أمنة لأصحابي؛ فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون, وأصحابي أمنة لأمتي؛ فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد) , وقال الرسول ﷺ أيضاً: (لا تسبوا أصحابي, لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه) , فهذا يدل على أنهم أعلم الناس بنصوص الكتاب والسنة، وبما تدل عليه الشريعة ومقاصدها, وهم أفصح العرب وأعلمهم بشريعة الله تعالى.
وأما أصحاب القول الثاني فلهم أدلة من النظر: قالوا: إنما الحجة في كتاب الله وسنة نبيه, والله قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] , وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ [الأحزاب:٣٦] , وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]؛ فكانت الحجة في كتاب الله وسنة النبي ﵊, ولا حجة على كتاب الله وسنة النبي ﵊.
قالوا: ولو قلتم بحجية قول الصحابي فأنتم تأخذون بقول غير معصوم, ونحن لا نلتزم بقول غير قول المعصوم ﵊, ولو أنه اجتهد فأخطأ فإن الله تعالى ينبهه على الخطأ، وهذا على عكس من الصحابي؛ لذا كان قوله ليس بحجة مطلقاً.
وأما أصحاب القول الثالث القائلين بالتفصيل، فهو القول الراجح والصحيح, وهو: أن أقوال الصحابة تنقسم إلى أقسام: الأول: إخبار وقول الصحابي بأمور غيبية، مثل: (ما بين السماء الأولى والثانية خمسمائة عام- إلى أن قال- والله فوق العرش عالم ما أنتم عليه).
وقد اختلف العلماء في مثل ذلك, والقول الصحيح الراجح: أنه مرفوع بضوابط أو بقيود أو بشهود: ألا يكون هذا الصحابي يأخذ من أهل الكتاب، مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص , وذلك للصحيفة التي وجدها عن أهل الكتاب، فلا نأخذ منه ولا نقول هذا مرفوع؛ لأنه من المحتمل أن يكون أخذه من أهل الكتاب، وقد كان يأخذ عن بني إسرائيل.
إذاً: القول الأول: إن كان قول الصحابي من الغيبيات, وكان لا يأخذ من بني إسرائيل فهو حجة، وله حكم المرفوع.
القول الثاني: أن يكون جميع الصحابة قد اختلفوا على قول الصحابي, مثل: عمر بن الخطاب لما أمضى طلاق الثلاث ثلاثاً, فقد اختلف الصحابة في هذا؛ فيكون ليس بحجة ملزمة, ولا حجة لواحد على الآخر.
القول الثالث: أن تجتمع كلمة الصحابة على شيء من فعل الخلفاء الراشدين، فهو حجة؛ لقول النبي ﵊ (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي, عضوا عليها بالنواجذ).
следующие страницы →