Полный текст (216 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
اختلاف العلماء في الأخذ بشرع من قبلنا
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: شرع من قبلنا هو: الأحكام الفرعية التي شرعها الله جل وعلا في ما مضى لمن قبلنا من الأمم، وهي لا تمس العقيدة.
فالله جل وعلا أمر اليهود بالصلاة, وشرع لهم كيف يتوضأون أو يغتسلون أو يتطهرون, فهذه كلها أحكام شرعية فرعية.
كذلك يقول الله جل وعلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] , كل هذه أحكام فرعية.
أما العقائد فواحدة عند جميع الأمم، قال النبي ﷺ كما في الحديث: (الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وشرائعهم شتى).
وقد اختلف العلماء في شرع من قبلنا على أقوال ثلاثة: القول الأول: أنه شرع لنا مطلقاً.
القول الثاني: ليس بشرع لنا مطلقاً.
القول الثالث: التفصيل.
стр. 142
القول الأول: شرع لنا مطلقاً
القول الأول: شرع من قبلنا من الأحكام التي أنزلها الله على الأمم السابقة هي شرع لنا مطلقاً.
واستدلوا بأدلة من الأثر وهي: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فهذا دليل واضح ناصع على أن الله تعالى أمر النبي ﵊ أن يقتدي بموسى وإبراهيم وعيسى.
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ﴾ [المائدة:٤٥] الآية, ولما تحاكم أنس للنبي ﷺ قال له: (يا أنس! كتاب الله القصاص)، أي: أن السن بالسن؛ فدل ذلك على أنه حكم بشرع من قبلنا, وهو: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة:٤٥] ,أي: في التوراة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة:٤٥]، إلى أن قال: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة:٤٥]، أي: أن السن بالسن راجع إلى هذه الآية التي تبين لنا حكم السن في التوراة ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى:١٣] إلى آخر الآية.
الدليل الثالث: قوله في الحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها, ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]) , وهذه الآية خاصة بموسى ﵇؛ فقرروا أن كل رسول جاء من عند الله تعالى جاء بشرائع حقة, وعلى النبي أن يتبع ما جاء به هؤلاء من الشرائع.
стр. 143
القول الثاني: ليس بشرع لنا مطلقاً
القول الثاني: أنه ليس بشرع لنا مطلقاً, واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] , اليهود لهم شرعة ومنهاجاً, والنصارى لهم شرعة ومنهاجاً, وشرعة محمد جاءت ناسخة لكل ما كان قبلها من الشرائع السماوية.
الدليل الثاني: أن هذا يلزم منه أن جميع الأمة لابد أن تتعلم شرع من قبلنا, ويكون هذا العلم فرض كفاية علينا، فيتعلمه أحدنا حتى يعلمنا ونعمل به, ويكون شرع من قبلنا حجة علينا.
الدليل الثالث: وهو من الأدلة القوية: أنه لو كانت شرائع من قبلنا حجة علينا ما انتظر النبي ﷺ نزول الوحي عليه في مسألة من المسائل النازلة؛ لأن في شرع من قبلنا الحكم؛ فيحكم ويعمل به, وهذا دليل قوي.
стр. 144
القول الثالث: التفصيل
القول الثالث: التفصيل، وهو الراجح والصحيح, وهو: أن شرائع من قبلنا أنواع.
الأول: ما قرره شرعنا، وهذا بالاتفاق شرع لنا.
مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ﴾ [المائدة:٤٥] , وأتى شرعنا يقره, كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨] ,فنقتل من قتل, ونكسر من كسر, ونشج من شج, وزيادة على هذا تخفيفاً على هذه الأمة: لنا أن نأخذ الدية, وولي الدم بخير النظرين في ذلك.
أيضاً من الأحكام التي جاء الشرع بموافقتها: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، وشرعنا يقر ذلك.
كذلك: جاء شرعنا يقر بوضوح ما عند اليهود والنصارى من أن السن بالسن، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]؛ فإذا كسر السن نكسر سنه, وهذا من شرعنا؛ فجاء الدليل من شرعنا يقر ما في التوراة, قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤].
وفي قصة عائشة لما غضبت وكسرت الإناء قال: (غارت أمكم غارت أمكم؛ طعام بطعام وإناء بإناء).
الثاني: ما نسخه شرعنا، وهذا باتفاق ليس بشرعٍ لنا.
مثال ذلك: السجود للمعظم تكريماً له لا عبادةً, كسجود إخوة يوسف ﵇ له، ولما ذهب معاذ إلى قيصر وكسرى ورآهم يصنعون ذلك له, عاد وسجد للنبي ﵊ تكريماً له وتعظيماً, فقال النبي ﵊: (لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها) , وهذا ناسخ لما ورد عن يعقوب ﵇.
كذلك: استقبال القبلة، فقد جاء شرعنا فأقر استقبال بيت المقدس، ثم جاء في شرعنا ما نسخه, فهذا أيضاًَ ليس شرعاً لنا.
كذلك: في التوراة كان في شرعهم لإزالة النجاسة إذا وقعت على ثوب أحدهم أن يطهرها بالمقاريض، أما في شرعنا فيكفيه أن يغسله حتى تذهب عنه.
فهذا ناسخ لشرع من قبلنا.
كذلك: كان في شرعهم أن الغنيمة حتى تقبل تنزل ناراً من السماء فتحرقها, ولما غل أحد بني إسرائيل منها لم يقبلها الله تعالى حتى أعاد ما أخذه منها, , أما في شرعنا فإن الغنيمة توزع على أسهم بينها الله في كتابه, وقال النبي ﷺ : (وأحلت لنا الغنائم) , وهذا ناسخ لما قبله.
الثالث: ما سكت عنه شرعنا، والقول الصحيح والراجح: أنه ليس بشرع لنا.
стр. 145
حكم قول الصحابي
لو احتج علي أحد بشرع من قبلنا فرددت عليه بسنة فإن السنة أقوى، ويليها قول الصحابي, وهذا أيضاً من الأدلة المختلف فيها.
والصحابي هو: كل من لقي الرسول ﵊ مؤمناً به ومات على ذلك؛ ليدخل بذلك الأعمى.
ورؤية النبي ﵊ لا يدانيها شيء؛ لذلك قال العلماء: أنتم تتغنون بـ عمر بن عبد العزيز وتفضلونه على معاوية , ورؤية واحدة رأى فيها معاوية النبي ﵊ خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته أجمعين.
فإن كان راءه فهو صحابي؛ فإن لم يره فهو معاصره.
قول الصحابي في مسألةٍ لم يأت بها الكتاب ولا السنة، لكن وجدنا كلاماً لـ ابن عمر أو لـ ابن مسعود أو لـ ابن عمرو بن العاص أو لـ معاوية، فهل هو حجة يلزمنا العمل به أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه حجة مطلقاً, وهو قول بعض الشافعية ورجحه ابن القيم.
القول الثاني: ليس بحجة مطلقاً, وهو قول الجمهور.
القول الثالث: التفصيل.
واستدل أصحاب القول الأول بأدلة منها: أن الله تعالى قد عدل الصحابة فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦] , فجاءت عدالتهم من السماء, والرسول ﵊ يقول: (النجوم أمنة للسماء أن تزول، وأنا أمنة لأصحابي؛ فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون, وأصحابي أمنة لأمتي؛ فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد) , وقال الرسول ﷺ أيضاً: (لا تسبوا أصحابي, لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه) , فهذا يدل على أنهم أعلم الناس بنصوص الكتاب والسنة، وبما تدل عليه الشريعة ومقاصدها, وهم أفصح العرب وأعلمهم بشريعة الله تعالى.
وأما أصحاب القول الثاني فلهم أدلة من النظر: قالوا: إنما الحجة في كتاب الله وسنة نبيه, والله قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] , وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ [الأحزاب:٣٦] , وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]؛ فكانت الحجة في كتاب الله وسنة النبي ﵊, ولا حجة على كتاب الله وسنة النبي ﵊.
قالوا: ولو قلتم بحجية قول الصحابي فأنتم تأخذون بقول غير معصوم, ونحن لا نلتزم بقول غير قول المعصوم ﵊, ولو أنه اجتهد فأخطأ فإن الله تعالى ينبهه على الخطأ، وهذا على عكس من الصحابي؛ لذا كان قوله ليس بحجة مطلقاً.
وأما أصحاب القول الثالث القائلين بالتفصيل، فهو القول الراجح والصحيح, وهو: أن أقوال الصحابة تنقسم إلى أقسام: الأول: إخبار وقول الصحابي بأمور غيبية، مثل: (ما بين السماء الأولى والثانية خمسمائة عام- إلى أن قال- والله فوق العرش عالم ما أنتم عليه).
وقد اختلف العلماء في مثل ذلك, والقول الصحيح الراجح: أنه مرفوع بضوابط أو بقيود أو بشهود: ألا يكون هذا الصحابي يأخذ من أهل الكتاب، مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص , وذلك للصحيفة التي وجدها عن أهل الكتاب، فلا نأخذ منه ولا نقول هذا مرفوع؛ لأنه من المحتمل أن يكون أخذه من أهل الكتاب، وقد كان يأخذ عن بني إسرائيل.
إذاً: القول الأول: إن كان قول الصحابي من الغيبيات, وكان لا يأخذ من بني إسرائيل فهو حجة، وله حكم المرفوع.
القول الثاني: أن يكون جميع الصحابة قد اختلفوا على قول الصحابي, مثل: عمر بن الخطاب لما أمضى طلاق الثلاث ثلاثاً, فقد اختلف الصحابة في هذا؛ فيكون ليس بحجة ملزمة, ولا حجة لواحد على الآخر.
القول الثالث: أن تجتمع كلمة الصحابة على شيء من فعل الخلفاء الراشدين، فهو حجة؛ لقول النبي ﵊ (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي, عضوا عليها بالنواجذ).
стр. 146
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الاستصحاب
الاستصحاب هو اعتماد الأصل عند انعدام الدليل الشرعي المثبت للحكم أو النافي له، وهو من أضعف الأدلة الشرعية، حيث لا يصار إليه إلا بعد البحث عن دليل من الكتاب أو السنة أو القياس أو الإجماع، وهو ليس مصدراً مستقلاً بذاته.
стр. 147
معنى الاستصحاب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: نتكلم عن دليل جديد، وإن اختلف العلماء فيه، هل هو دليل أم لا؟ وهو دليل الاستصحاب.
الاستصحاب لغة: هو طلب المصاحبة مع الاستمرار فيها.
وفي الاصطلاح: طلب استدامة إثبات ما كان ثابتاً أو نفي ما كان منفياً.
أو هو: بقاء ما كان على ما كان، بمعنى: الاستصحاب العدم الأصلي، أو البراءة الأصلية.
فمثلاً: كل ماء نزل من السماء فهو طهور، أي: كل ما نزل من السماء من ماء فهو طهور لا يتغير، وذلك حتى يأتينا دليل على التغير من الطهورية إلى النجاسة، فهذا معنى: استدامة ما كان ثابتاً على ما هو عليه، أو ما كان منفياً على ما هو عليه.
كذلك الأصل عدم اتهام المرء بالسرقة، فكل إنسان بريء من الاتهام بالسرقة حتى تثبت الإدانة، وتثبت هذه السرقة، وهو معنى الاستصحاب.
اختلف العلماء هل هو دليل أم لا؟
الجواب
الاتفاق المشترك بين الأئمة الأربعة على أنه دليل دفع، وقال الجمهور خلافاً للأحناف: إنه دليل دفع وإثبات، ومعنى: دليل دفع، أي: ندفع أي شيء يشوش علينا أمر اليقين الذي نحن فيه أو ما كان ثابتاً، فنحن ندفع كل شك يأتينا ليغير هذا اليقين، وذلك حتى يكون يقيناً مثله.
مثال ذلك: توضأ رجل فتمضمض واستنشق واستنثر وغسل وجهه، وأتى بالأركان والواجبات والمستحبات، ثم قام يصلي، فنحن على يقين أنه متوضئ، إذاً كل شك أتاه لا يزيل اليقين، ولا يزيل الطهور بحال من الأحوال، فهو دليل للدفع، أي: يدفع كل شك يقطع لنا الطهورية التي فيها الرجل.
стр. 148
أنواع الاستصحاب
الاستصحاب على أنواع أربعه: النوع الأول: استصحاب الإباحة الأصلية في الأشياء.
ومعناه: كل شيء في هذه الدنيا حكمه مباح لنا، سواء من مطعم أو مشرب أو ملبس أو غيرها.
والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩] فكل شيء خلقه الله جل وعلا لنا، وامتن علينا حيث قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة:١٦٨]، وقول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] فكل هذه الآيات تدل على أن كل شيء من ملبس ومشرب ومأكل حلال مباح.
فمثلاً: إذا حرم رجل التفاح على نفسه فنقول له: ائتنا بدليل الحرمة، فإن الأصل الإباحة، وإذا قال: ما هو الأصل الإباحة؟ فالإجابة: استصحاب الأصل بالدليل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٨].
مثال آخر: رجل رأى رجلاً ارتدى ثياباً فيها شيء من الحرير، فالأصل في الملبس الحل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] ولكن هناك دليل على حرمته وهو: (نهى النبي ﷺ عن لبس الحرير للرجال).
مثال آخر: أكل كل ذي ناب من السباع، الأصل أنه حلال حتى يأتينا الدليل على الحرمة، وقد جاء الدليل بالحرمة: (أن النبي صلى عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع)، كذلك أكل الهرة فهي ذات ناب، ولا يجوز أكلها.
النوع الثاني: استصحاب العدم الأصلي، أي: أن الأصل عدم الإلزام حتى يأتي الدليل بالإلزام، والأصل عدم شغل الذمة بشيء حتى يأتي الدليل على شغل الذمة به، والعمدة في ذلك: قول النبي ﷺ : (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) مثلاً صاحب متجر جاء إليه رجل، ولم يشتر منه شيء، فقال له: أنا أعطيتك ألف جنية لتعطيني -مثلاً- الخاتم الذي عندك، فقال البائع: ما أعطيتني شيء، فهنا القول قول البائع؛ لأن الأصل عدم الشراء، والأصل البراءة الأصلية، والأصل مع البائع إلا أن يأتي المشتري بزيد وعبيد، فيشهدا على البائع، ويكون القول قول المشتري؛ لأن الأصل براءة ذمة البائع حتى يأتي الدليل الذي ينقلنا عن هذا الأصل، فجاء الدليل وهي البينة، فنقلتنا عن الأصل إلى ما أثبته الدليل وهو البينة.
مثال آخر: ذمة الإنسان غير مشغولة بحق إلا ما قام الدليل على شغل هذه الذمة، بمعنى: فاطمة جاءت لمحمد فقالت: أنت زوجي فصرخ في وسط الشارع وقال: هذه المرأة تدعي أني زوجها وأنا لست بزوجها، فالأصل براءة الذمة وهو عدم الزواج حتى تأتي بشهود تثبت أن هذا الرجل هو زوجها، أو تأتي بعقد الزواج.
النوع الثالث: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي، حتى يثبت خلافه.
مثاله: رجل يسكن في شقة منذ مدة طويلة، فجاء خمسة رجال يريدون إخراجه من هذه الشقة، وذلك بحجة أنها شقتهم، فوجوده في الشقة ثبتت بها الملكية له، والأصل أنه بوصف -أنه موجود فيها- قد ثبتت ملكيته على هذه الشقة، فلا يخرج منها حتى يأتون ببينة.
مثال آخر: رجل تزوج امرأة فقال: لي فيك كل شيء، فأراد منها ما يريد الزوج من زوجه، فقالت: لا يصح أن تأتيني ولا تقربني، فالأصل في عقد النكاح حل المرأة كلية لزوجها ولا يمكن أن تحرم عليه شيء، إلا ما جاء الشرع بتحريم شيء معين، وقد جاء الشرع بتحريم: (اتق الحيضة والدبر)، فهذان محرمان أن يأتي الرجل زوجه فيهما.
النوع الرابع: استصحاب الدليل، وذلك يأتي دليل يحرم أو دليل يحل، فنستصحب هذا الدليل، ونعمل به حتى يأتي دليل يناقض هذا الدليل، وقد استنبط منها العلماء مسائل كثيرة جداً منها: بقاء العام على عمومه حتى يأتي المخصص فنعمل به، وبقاء المطلق على إطلاقه حتى يأتي مقيد يقيده، وبقاء الواجب على وجوبه حتى يأتي صارف يصرفه إلى الاستحباب، وبقاء المحرم على تحريمه حتى يأتي صارف يصرفه إلى الكراهة، وكذلك استصحاب الدليل الشرعي، كأن نقول: الأصل في ذبائح أهل الكتاب أنها حرام، لأن الله قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، فلا يجوز أن تأكل إلا ما سميت؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت اسم الله -أو ذكرت اسم الله- فكل).
إذاً: اشترط عليه شروط حتى يأكل، وطالما أن الأصل العام للذبائح الحرمة، فأستصحب الأصل حتى يأتيني دليل ينقلني من الحرمة إلى الحل.
وقد جاء الدليل ونقلني عن الأصل في ذبائح أهل الكتاب، والدليل هو قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُم﴾ [المائدة:٥]، مطلقاً، سواء كان مذبوحاً أو غير مذبوح، وقوله: (طعام) جمع مضاف معرف بالإضافة، فيعم كل أطعمة أهل الكتاب إلا ما دل الدليل على حرمته كالخنازير.
إذاً: فكل اللحوم المستوردة حلال ما لم يثبت دليل على الحرمة، كالذبائح التي يذبحونها بالصعق أو بالسم أو بالكهرباء، فإذا ثبت لنا أنهم لم يذبحوا الذبيحة بالطريقة الإسلامية فهي محرمة.
وهذا هو التأصيل العلمي الصحيح.
ومن الأمثلة: الأصل في لبس الحرير الحل، ثم انتقل بدليل من الحل إلى الحرمة بالنسبة للرجال، فأصبح الأصل في لبس الحرير للرجال الحرمة، والدليل: أن الزبير وعبد الرحمن بن عوف اشتكيا لرسول الله ﷺ الحكة، فأذن لهما في لبس الحرير، فهنا مستثنى.
فالأصل الحرمة حتى يأتي دليل على النقل، والنقل جاءنا من الضرورة، وأباح النبي ﷺ حوالي ثلاثة أصابع خيوط حرير يلبسها الرجال، فهذا يكون نقلني عن استصحاب الأصل، أي: استصحاب الدليل الشرعي، سواء الحرمة أو الوجوب أو غيره.
ومن الأمثلة أيضاً: وجوب التسمية قبل الوضوء، ورجح هذا القول بعض الحنابلة والألباني، وسيقول أصحاب هذا القول: الأصل أنني ألزمك بالتسمية، وعندي الدليل على ذلك، وهو قوله ﷺ : (لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)، فأقول: هذا الدليل ضعيف ضعفه أساطين أهل العلم من المحدثين قديماً، وإن قلنا بتصحيحه فإنه يئول؛ لأن الحديث المضعف أو المصحح الذي لم يسلم من المعارضة لا يصح أن ألزم به الناس؛ لأن الإلزام أمر لا بد له من دليل أوضح من شمس النهار، فهي مستحبة وليست لازمة، فنرجع للبراءة الأصلية من الكتاب، وهو أن الكتاب ألزمني بغسل الوجه فقط ولم يلزمني بالتسمية، فالأصل معي والناقل لم أوافق عليه، فأبقى على الأصل واستصحاب الأصل.
مثال آخر: قراءة الحائض للقرآن، الأصل الحل ما لم يأت دليل يثبت النقل، والأدلة كثيرة جداً تنص على حرمة قراءة القرآن للمرأة الحائض.
والغرض المقصود أن أقول: الأصل معي ولا أنتقل من الأصل حتى يأتيني الدليل الذي ينقلني عن الأصل.
إذاً: هذا النوع الأول من الاستصحاب: استصحاب الإباحة الأصلية في الملبس أو المطعم أو المشرب أو في المعاملات أو في العقود، فكل عقد فهو حلال حتى يأتي الدليل على تحريمه، وكل شرط حلال ما دام يوافق كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، وكل مطعم ومشرب وملبس فهو حلال حتى يأتيني دليل الحرمة.
стр. 149
مسائل تتعلق بالاستصحاب
الاستصحاب في الحقيقة ليس حكماً جديداً، فهو في ذاته ليس بدليل، لكن كما ذكرت أنه هو دليل دفع.
وقد يسأل سائل: متى يلجأ الفقيه أو الأصولي إلى الاستصحاب؟
الجواب
على الأصولي أولاً أن يبحث كثيراً عن الأدلة، فإن لم يجد دليلاً للحرمة فيقول: أبقى مع الأصل وهو الحل، فإن وجد دليلاً فهو حرام؛ لأن الدليل قد نقلني عن الأصل فيصير الفقيه إلى الاستدلال باستصحاب الأصل عندما لا يجد دليلاً من الكتاب أو السنة على مسألته.
مثال ذلك: رجل يبيع الكلاب فما حكم أمواله؟ نقول: الأصل الحل لقوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] لكن إن وجدت دليلاً ينقلني عن الأصل إلى الحرمة فالمال حرام، والدليل في البخاري أو في مسلم عن النبي ﷺ أنه نهى عن ثمن الكلب.
إذاً: أنا ظفرت بالدليل فأذهب إليه وأقول: حرام عليك ثمن الكلب، لأني وجدت الدليل على الحرمة.
стр. 150
بعض القواعد الفقهية التي تتعلق بالاستصحاب
منها: اليقين لا يزول بالشك، وهذه من القواعد الأصولية وليس الفقهية، ودليل ذلك: (عندما شكي له ﵊: أن الرجل يجد الشيء في بطنه فماذا يفعل؟ فقال النبي ﷺ : لا ينفتل من صلاته حتى يجد ريحاً أو يسمع صوتاً).
فهذه دلالة على أن اليقين لا يزول بالشك.
وأيضاً: القاعدة الفقهية: إبقاء ما كان على ما كان حتى يأتي الدليل بنقله.
وأيضاً: الأصل البراءة الأصلية دون شغل الذمة إلا بدليل.
стр. 151
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - العام
يعد العام من المباحث الأصولية التي تناولها الأصوليون، لما له من أهمية في أخذ واستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الكلية الإجمالية، وقد تناوله العلماء بالتعريف، والفرق بينه وبين المطلق، وحكم العمل به، وبيان صيغه الدالة عليه، ومسائل أخرى تتعلق به.
стр. 152
تعريف العام
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد: العام لغة: ضد الخاص، وهو من عم الشيء، أي: شمله فهو شامل.
وفي الاصطلاح: هو اللفظ -أو الاسم- المستغرق لجميع ما يصلح له، بحسب وضع واحد دفعة من غير حصر.
стр. 153
الفرق بينه وبين المطلق
ما الفرق بين العام والمطلق؟ العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له دفعة واحدة، أي، يستغرق كل أفراده.
أما المطلق فيستغرق واحد من الكل، فالعام: يشمل كل أفراده، أما المطلق: فيشمل واحد من الأفراد فقط.
стр. 154
حكم العام
اختلف العلماء في حكم العمل بالعام على قولين: القول الأول: جوب العمل به دون البحث عن المخصص، بمعنى: أن النبي ﷺ إذا قال: (كل مسكر حرام) فإنه يشمل عصير العنب والشعير والتمر، لأن لفظ (كل) نص في العموم، فلا يجوز لأحد أن يقول: لن أعمل به حتى أبحث عن المخصص، فلعل النبي ﷺ لم يقصد كل المسكرات، وإنما قصد نبيذ العنب فقط وإن قال ذلك فنقول له: أخطأت، فإن الصحيح الراجح: أن دلالة العام يجب العمل بها.
القول الثاني: من أهل العلم: لا يعمل بالعام حتى يبحث عن المخصص؛ ولذلك قالوا: ما من عام إلا وقد خصص بدليل الاستقراء، وأقول: هذا كلام ضعيف جداً، والصحيح الراجح: العمل بالعام دون البحث عن المخصص، ويشهد لذلك أن الصحابة في قضايا كثيرة عملوا بالعام دون أن يبحثوا عن المخصص.
стр. 155
صيغ العموم
وصيغ العموم كثيرة، منها ما هو نص في العموم، ومنها ما هو الغالب في العموم.
الأول: المعرف بالألف واللام؛ ويشترط في الألف واللام أن تكون استغراقية، أي: كاسم الجنس، فإذا عرف الاسم بالألف واللام التي تفيد الاستغراق فإنه يفيد العموم.
مثال ذلك: الجمعة عيد، فإنه يفيد العموم، بمعنى: كل جمعة عيد؛ لأن (الجمعة) اسم جنس معرف بالألف واللام، ولكي تعرف اسم الجنس جرده من الألف واللام وضع قبلها كل، فإذا استقام الكلام علمت أنه اسم جنس، سواء كان مفرداً أو جمعاً، بل الجمع من باب أولى.
فمثال المفرد: قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨]، فـ (الإنسان) مفرد، وهو اسم جنس معرف بالألف واللام، فيفيد العموم، أي: أن كل إنسان ضعيف.
وهنا
السؤال
الإنسان من المخلوقات القوية، فلماذا قال: ((وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا))؟
الجواب
أن المراد بالآية: أنه حين خلق كان ضعيفاً.
ومثال الجمع: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور:٥٩]، و (أطفال): جمع طفل، وهو معرف بالألف واللام، فيفيد العموم، أي: كل طفل.
وهنا سؤال: كيف نعرف أن المراد كل طفل حتى الأطفال الذين يعيشون في أسرة تقية نقية؟ الجواب: نعرف من كونه جمع معرف بالألف واللام، فيفيد كل طفل.
ومثال اسم الجمع: قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] فلفظ (الرجال) و (النساء)، عام، لأنه اسم جمع معرف بالألف واللام.
وقال الله تعالى في قصة موسى لما أمرهم بذبح البقرة، قالوا: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٧٠] فـ (البقر) اسم جنس جمعي معرف بالألف واللام، فيفيد العموم.
الثاني: المعرف بالإضافة، سواء كان مفرداً أو جمعاً أو غيره.
فمثال المفرد المعرف بالإضافة: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فـ (نعمة) اسم مفرد مضاف يفيد العموم، فيكون المعنى: نعم الله لا يمكن أن تعد ولا تحصى.
ومثلها قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٢٣١].
ومثال الجمع المعرف بالإضافة: قول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٦٩]، فـ (آلاء) جمع مضاف لله جل وعلا، فتعم كل آلاء الله جل وعلا.
أيضاً: قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢]، فـ (نساء النبي) اسم جمع مضاف يعم كل نساء النبي.
ومثال اسم الجنس المعرف بالإضافة: قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] فـ (أولاد) مضاف والكاف مضاف إليه، فيعم كل الأولاد الذكر والأنثى، ثم قال: ((لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)).
ومن أمثلة اسم الجنس المعرف بالإضافة: تمري لفلان، مثلاً.
الثالث: الأسماء الموصولة، فكل الأسماء الموصولة تفيد العموم، فإذا رأيت الاسم الموصول فاعلم أنه يستغرق كل ما يكون تحته من أفراد.
مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف:١٧] فـ (الذي) هنا معناه: شامل لكل من يتأفف.
أيضاً: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] فهي شاملة لكل أحد يأتي بالصدق ويصدقه.
وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠] ليس فقط العثاة، بل لكل من يأكل أموال اليتامى ظلماً، فإنما يأكل في بطنه ناراً.
وقول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] هل هو للمتبرجات دون المنتقبات؟ لا، بل هو لكل النساء؛ لأن الأسماء الموصولة كلها تفيد العموم.
أيضاً: (من) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات:٢٦] فهي عامة لكل أحد يخشى.
وأيضاً: (ما) قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] فـ (ما) هنا للعموم، لكنها لغير العاقل.
الرابع: أسماء الشرط، فهي تدل على العموم، فإذا قلت: إن جاءك زيد فأكرمه، فإنها تدل على عموم الإكرام، بمعنى: أنه كلما أتاك زيد أكرمه، سواء أتاك في السبت أو الأحد أو الجمعة أكرمه، فهذا عموم وصف أو عموم إكرام.
وأيضاً: قول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦] فـ (من) من أسماء الشرط.
وكذلك: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل:٨٩] شرطية أيضاً، فيكون المعنى: لن يكون له خير منها إلا من جاء بالحسنة، أو نقول على الاسم الموصول: الذي جاء بالخير، أو بالعمل الصالح فله خير منه.
وأيضاً: أينما ومهما وحيثما، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]، ومثله: حيثما العلم فأنا معه، وحيثما العلم فكن.
الخامس: أسماء الاستفهام تفيد العموم، فمثال (من) قول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة:٢٤٥]، وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] والاستفهام هنا إنكاري.
وأيضاً (أين) الاستفهامية تفيد العموم ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء:٧٨].
السادس: النكرة في سياق النفي، أو في سياق الشرط، أو في سياق النهي تفيد العموم، وهي نص في العموم، مثلها مثل: (كل، وجميع، وقاطبة، وعامة) كما يأتي.
فمثال النكرة في سياق النفي التي تفيد العموم: قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٦٢]، (ما) هنا نافية تنفي وجود أي إله مع الله تعالى.
وقال الله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، فعموم الرفث حرام، وهذا نفي يراد به النهي، فهو خبر يراد به الإنشاء، فيكون معنى: (فلا رفث) أي: أنهاكم عن الرفث في الحج.
ومثال النكرة في سياق النهي التي تفيد العموم: قال الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤] (آثماً أو كفوراً) نكرة في سياق النهي تفيد العموم، أي: كل الآثمين في العالم، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة:٨٤]، أي: لا تصل على أحد من المنافقين؛ لأنه نكرة في سياق النهي فأفادت العموم.
ومثال ة في سياق الشرط الت تفيد العموم: قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٤] فـ (شيئاً) نكرة في سياق الشرط تفيد العموم.
وأيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فـ (أحد) نكرة في سياق الشرط يفيد العموم.
﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٢] فـ (آية) نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أي: أي آية، سواء العصا أو بياض يدك أو إخبارك بشيء، فلن نؤمن لك.
ومثله قول النبي ﷺ : (إذا ابتعت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه) فـ (شيئاً) نكرة في سياق الشرط تفيد العموم.
وأيضاً قول النبي ﷺ : (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم) فـ (قوماً) نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أي: سواء كانوا عرباً أو غير عرب، قليلاً أو كثيراً.
ومثال النكرة في سياق الاستفهام الإنكاري التي تفيد العموم: قال الله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص:٧١].
السابع: ما كان بمادته نص في العموم، وهي: كل، وجميع، وكافة، وقاطبة.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]، أي: كل إنسان بما كسب سيحاسب.
وقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، يعم كل نفس حية.
وقول الله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر:٦٧]، أي: كل الأرض.
وقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦] أي: كل المشركين.
ويجتمع نصان للعموم في جملة إذا جاء بـ (كل) و (جميع) قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر:٣٠].
стр. 156
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - أقسام العام وتخصيص العام
من المسائل التي يتكلم عنها الأصوليون ضمن مبحث العام: أقسام العام، إلى أربعة أقسام: العام الباقي على عمومه، والعام الوارد على سبب خاص، والعام المخصوص، والعام المراد به الخصوص.
стр. 157
مراجعة لما سبق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع أبواب الأصول، ونحن على موعد مع الكلام على العام وأقسام العام وتخصيص العام.
وسبق أن بينا أن العام في اللغة: ضد الخاص، وهو الشامل.
واصطلاحاً: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له، بحسب وضع واحد دفعة من غير حصر.
وقلنا: إن الحكم العام يجب العمل به قبل البحث عن المخصص.
وذكرنا أن من صيغ العموم: اسم الجنس المعرف بالألف واللام، والجمع المعرف بالألف واللام، والمفرد المعرف بالإضافة، وكذلك الجمع واسم الجنس، مثل: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، ومثل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤].
وقلنا: إن هناك ألفاظاً هي نص قاطع في العموم، مثل: (كل) و (جميع)، كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر:٣٠] فهذه دلالة على العموم؛ لأن كل الملائكة سجدوا ثم أكد بـ ((أَجْمَعُونَ)).
وأيضاً: كلمة (قاطبة) و (عامة) تدل على النص القاطع في العموم، وكذلك كلمة (كافة) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨].
وكذلك مما هو نص في العموم: النكرة في سياق النفي، مثل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [ص:٦٥].
أو النكرة في سياق النهي مثل: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُراً﴾ [الإنسان:٢٤].
стр. 158
أقسام العام
ينقسم العام إلى أربعة أقسام:
стр. 159
العام الباقي على عمومه
القسم الأول: العام الباقي على عمومه، أي: لم يدخله التخصيص.
مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
قوله: (أمهاتكم) جمع معرف بالإضافة، كذلك يعطف عليه: (بناتكم) (أخواتكم)، فهذا جمع معرف بالإضافة فيفيد العموم، وهذا العموم لم يخصص، فلم يقل -مثلاً-: إن الجدة الثالثة لا تحرم على الرجل أن ينكحها.
أيضاً قول الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦].
فـ (دابة) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، يعني: أي دابة تدب على الأرض فإن الله يرزقها، فهذا عام باق على عمومه، فهل يقال: النمل ليس على الله رزقه وهذا تخصيص؟ لا، فهذا خطأ (ما من دابة) يعني: أي نملة أو دودة أو كائن في البحر أو في السماء رزقها على الله جل وعلا، فهذا عام لم يدخله الخصوص.
أيضاً: قول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦]، فـ (من) اسم موصول للعاقل، يعني: أن أي أحد يعمل عملاً صالحاً فإن ذلك يكون لنفسه وثوابه له، فهل دخله تخصيص؟ لا، بل هو عام باق على عمومه لم يخصص.
стр. 160
العام المخصوص
القسم الثاني: عام دخله التخصيص، أي: عام جاء فيه التخصيص.
فمثلاً: قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فـ (الناس) معرف بالألف واللام وهما للاستغراق، أي: أن كل الناس عليهم حج، لكنه في السياق نفسه خصص فقال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ [آل عمران:٩٧]، يعني: ليس كل الناس عليهم الحج، وإنما يكون الحج على المستطيع.
وأيضاً: يمكن التخصص بالحالة، وذلك كما جاء في قصة الرجل الذي صام في غزوة الفتح فمر عليه النبي وقد ظلل عليه فقال: (ليس من البر الصيام في السفر)، فالنبي ﷺ قال ذلك على حالة هذا الرجل، فنقول: هذا تخصيص بحالته، يعني: كل رجل لا يستطيع الصوم في السفر أو سيهلك إذا صام في السفر فلا يجب عليه، بل ليس من البر أن يصوم، ولا يجوز له أن يصوم بل يأثم إن صام، وقد وقع الخلاف الفقهي بين الناس في كون صيامه مقبولاً أو أن عليه القضاء.
ومن العام المخصص قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨] فالعموم هنا: أن كل من يقتل ويزني ويدعو مع الله غيره، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه، ثم خصص بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [مريم:٦٠].
إذاً: فليس كل عاص أو كل مشرك سيضاعف له العذاب؛ لأن من تاب تاب الله عليه.
وهنا
السؤال
ما الفائدة من قولنا: إن هناك عاماً باقياً على عمومه، وعاماً مخصصاً؟ أقول: هذا التفصيل يهم أهل الفقه، إذ أن العام الذي يبقى على عمومه أقوى في الدلالة من العام الذي قد خصص، فإذا تعارضا في الظاهر -إذ لا تعارض بين الأدلة فكلها من مشكاة واحدة، لكن قد يظهر للمجتهد التعارض بين العام الذي بقي على عمومه وبين العام الذي خصص -فإن العام الذي بقي على عمومه يتقدم على العام الذي خصص ودخله التخصيص؛ لأنه أقوى في الدلالة.
مثال ذلك: جاء في الصحيحين عن ابن عباس: أنه قال (شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر بن الخطاب، أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ونهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس)، وقال النبي ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فهذا عام في كل الدخول.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين)، عام لم يدخله تخصيص، أما حديث ابن عباس: (نهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر) فهذا عموم، أي: في كل صلاة، لكن خصص بقضاء الفائتة من السنن الرواتب، فقد ثبت أن النبي ﷺ قضي سنة الظهر بعد العصر، وأيضاً في الحديث الصحيح -رغم أن بعض العلماء ضعفه-: (أن النبي ﷺ مر على رجل يصلي بعدما صلى الفجر، فقال النبي ﷺ : آلفجر مرتين؟ فلما بين له الرجل أن هذه هي سنة الفجر أقره النبي ﷺ على ذلك ولم ينكر عليه).
فهذا فيه دلالة على أن النهي عن الصلاة بعد الفجر مخصوص وليس عاماً، فإذا دخل الخصوص على العام أضعف دلالته، أما العام الباقي على عمومه فنقدمه لقوة دلالته، كحديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين)، وصيغة العموم فيه: (أحدكم) فهو نكرة في سياق الشرط، فـ (إذا) شرطية، و (حتى يصلي) غائية، والغاية تبين الخصوص (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي) فإذا قلت: (يجلس) من الجلوس فيمكن أن يكون مصدراً، فنقول: نكرة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فقوله: (أن يشرك به) مصدر مؤول من الإشراك، والإشراك نكرة.
قوله: (أحدكم) مفرد مضاف فيعم كل داخل، وأيضاً: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) ما نقول: نكرة في سياق الشرط، ولكن نقول: الشرط يفيد العموم، فنقول مثلاً: أعط زيداً إذا جاءك درهماً، فهذه جملة شرطية، يعني: كلما جاءك زيد فأعطه الدرهم، ونفس الأمر في قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) فهذا العموم لم يدخل عليه ما يخصصه فيبقى على عمومه.
أما العموم الثاني في قوله: (نهى النبي ﷺ عن صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ونهى عن صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس)، هنا: (صلاة) نكرة في سياق النهي فتفيد العموم، لكن هذا العموم قد دخله التخصيص، وهو الحديث الذي سبق ذكره: أن النبي ﷺ صلى بعد العصر سنة الظهر التي شغله عنها تفريق المال، وأيضاً حديث الصحابي الذي صلى بعد الفجر.
فهذا العام الذي دخله المخصص أضعف دلالته، وأما الآخر فهو باق على عمومه لم تضعف دلالته فيقدم عليه.
إذاً نقول: العام الذي دخله التخصيص وهو النهي عن الصلاة بعد العصر بعد الفجر ويقدم عليه العام في دخول المسجد وهو الذي لم يدخله التخصيص.
ونقول هنا: لكن إذا دخل المسجد بعد العصر فهنا يتعارض العام الأول مع العام الثاني، العموم الأول: نهي النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر، والعموم الثاني: أنه إذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي.
فيعمل بالعموم الثاني؛ لأنه لم يدخله التخصيص فيضعف دلالته، لكن الأول لما دخله التخصيص أضعف دلالته، وبعض العلماء مثل له بمثال آخر وهو قول النبي ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) (صلاة) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.
وهنا مسألة تتعلق بقراءة الفاتحة للمأموم، فالذين يقولون بأن المأموم لا يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية قالوا: قراءة الفاتحة عامة دخلها الخصوص، وهو أن المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً يركع وتحسب له ركعة، واستدلوا بحديث مختلف في صحته، حيث ضعفه البخاري وغيره، ولكن صححه كثير من أهل العلم قال: (من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة).
ويحتجون أيضاً بحديث أبي بكرة -وهو صحيح- أن النبي ﷺ قال له: (زادك الله حرصاً ولا تعد) فقالوا: باتفاق الفقهاء (من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة)، وهذا مخصص لقول النبي ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] عموم ليس له مخصص، فالآية تقدم على الحديث الأولى، لأنها عامة لم يدخلها التخصيص، وهذا قوي جداً من وجهة النظر، لكن عند التأمل نقول: هذه الآية دخلها التخصيص وهو: (أن النبي ﷺ صلى الفجر، فقام رجل فقرأ مع النبي ﷺ فقال: من ينازعنيها؟ من يخالجنيها؟ -يعني: من يقرأ وأنا أقرأ- فقال رجل: أنا يا رسول الله! قرأت بسبح، فقال النبي ﷺ : لا تفعل إلا بأم الكتاب).
إذاً هذه الآية دخلها التخصيص يبقى عموم هنا، ويبقى لنا أن ننظر أيهما أقوى، فيفصل في النزاع أنه قال: (إلا بأم الكتاب) فلابد وجوباً أن تقرأ الفاتحة حتى ولو كان الإمام يقرأ الفاتحة.
وهذا أيضاً من باب أنه إذا تعارض العام مع العام ننظر أيهما دخله التخصيص فتضعف دلالته، وأيهما لم يدخله التخصيص فلم تضعف دلالته.
стр. 161
العام المراد به الخصوص
القسم الثالث: العام المراد به الخصوص.
أي: ذكره الله بلفظ العموم، لكنه ما أريد به العموم وإنما أريد به الخصوص.
مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
الناس الأولى لفظ عام، وأريد به معين وهو نعيم بن مسعود والثانية أريد به أبو سفيان.
فالكلام جاء بلفظ العموم بينما يراد به الخصوص.
مثال آخر: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩].
(الملائكة) لفظ عام يشمل جميع الملائكة، لكن يراد به الخصوص وهو جبريل ﵇، والإجماع يدل عليه.
مثال آخر أيضاً: قول الله تعالى عن النار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] قوله: (الناس) لفظ عام يراد به الخصوص، فليس كل الناس وقوداً للنار؛ لأن هناك من الناس من يدخل الجنة بغير حساب، والدليل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١].
стр. 162
العام الوارد على سبب خاص
القسم الرابع: العام الذي جاء على سبب خاص، أي: أن لفظ العموم كان من أجل سبب خاص، وهذه المسألة مهمة جداً، ولذلك قعد العلماء قاعدة مهمة جداً ألا وهي: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
مثال ذلك: حديث أبي هريرة: (أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء، فإذا توضئنا عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال النبي ﷺ : هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فهذا التعميم ليس للرجل وحده.
مثال آخر: رجل جاء إلى النبي فقال: (يا رسول الله! قبلت امرأة لا تحل لي -أو قال: فعلت معها ما يفعل الزوج مع زوجه إلا أني لم أجامع- فالنبي ﷺ سكت، فلما قضى الصلاة قال: أين السائل؟ فقال: أنا يا رسول الله! فقال: صليت معنا؟ قال: نعم، قال: اذهب، ثم تلا عليه قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فقال للنبي ﷺ : إلى هذه وحدي يا رسول الله! فقال النبي ﷺ : بل لأمتي كلها) فهذا لفظ عام، وفيه إجابة على سؤال الرجل بأن كل الحسنات تذهب السيئات، وهذا ليس خاصاً بهذا الرجل، بل هو على العموم كما بين ذلك النبي ﷺ .
وعلى هذا إذا جاء العام لسبب يكون العبرة فيه بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالحجة بعموم اللفظ؛ لأن الله جل وعلا لما شرع الشرائع ما شرعها على الأشخاص وإنما التشريع ينزل عاماً، ولذلك قلنا: أي خطاب للنبي ﷺ فهو لأمته، وإن كان الخطاب للأئمة فالنبي ﷺ يدخل أيضاً في خطاب الأمة.
يقول الله جل وعلا: ﴿يا أيها النَّبِيُّ﴾ [الطلاق:١] ثم جمع فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، فالأصل أن الخطاب ينزل للعموم؛ لأن الأحكام لا ترد على الأشخاص بحال من الأحوال.
مثال آخر أيضاً: أن هلال بن أمية جاء للنبي ﷺ يتهم زوجته بالفاحشة، فقال النبي ﷺ : (البينة أو حد في ظهرك) والنبي ﷺ يعلم أن الرجل صادق، ولما صدق الله صدقه وجعل له مخرجاً، والمخرج هو: آية اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦] فالنبي ﷺ أتى به وبزوجته وقال: تقسم بالله أنها فعلت الفاحشة أربع مرات، فأقسم أربع مرات، وفي الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وأتى بها ثم بين لها غلظ اليمين، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فأقسمت القسم الخامس، وهي كاذبة، لكن المقصود أن هذا اللعان جاء بسبب هلال بن أمية، فهنا العبرة بعموم السبب، وليس خاصاً بـ هلال بن أمية، فأي رجل علم من امرأته أنها تفعل الفاحشة فله أن يلاعن ويقسم بالله أربع مرات، ينفي الولد الذي في بطنها.
مثال آخر: قصة أوس بن الصامت مع زوجته خولة بنت ثعلة عندما جاءت إلى الرسول ﷺ تسأله عن الظهار، فقالت: يا رسول الله! إن زوجي قد ظاهر مني وقال لي: أنت علي كظهر أمي، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة:٣] إلى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣] فهل هي خاصة بـ أوس بن الصامت زوج خولة؟ لا، بل هي عامة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
مثال آخر: حديث: (أن النبي ﷺ سأله رجل عن بئر بضاعة يلقى فيها النتن والحيض وغير ذلك أنتوضأ منها؟ فقال النبي ﷺ : الماء طهور لا ينجسه شيء).
فقوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء) عام جاء لسبب معين، فهل نقول: إن الماء طهور لا ينجسه شيء ببئر بضاعة فقط؛ لأن السؤال كان عن بئر بضاعة؟ لا، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وهنا مسألة مهمة جداً وهي: أن قولنا: جاء لسبب معين، إما أن يقصد به شخص أو بوصف، فما كان بسبب بسبب شخص فالشريعة لا تتعلق بأشخاص، فيكون دائماً العبرة بعموم اللفظ، أما إن كان اللفظ العام هذا جاء بسبب حالة أو بسبب وصف معين فإنها لا تعمم، بل تبقى على هذه الحالة فقط، ويقاس عليها مثلها.
مثال ذلك: (أن النبي ﷺ مر برجل يظلل عليه فقال: ما له؟ قالوا: صائم -فهنا الحالة: الصيام في السفر وهم يظللون عليه لما حصل له من مشقة شديدة- فقال النبي ﷺ : ليس من البر الصيام في السفر) فالعموم هنا: أن أي صيام في السفر ليس من البر، سواء كان نفلاً أو فرضاً، وسواء كان مستطيعاً أو غير مستطيع.
فنحن هنا نقول: إن النبي ﷺ قال هذا اللفظ العام بسبب وصف حالة، ولا نقول: العبرة بعموم اللفظ، وذلك لوجود قرائن تثبت أنه مخصص بهذه الحالة، يعني: كأن التقدير: ليس من البر أن يصوم الرجل الذي يشق عليه الصيام في السفر.
فإن قيل: ما الدليل الذي جعلنا نقدر مع أن الأصل عدم التقدير؟ فنقول: القرائن كثيرة: منها: أن النبي ﷺ صام في السفر كما في حديث أبي موسى وغيره، وذلك في وقت اشتداد الحر، فقال: (وما منا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة)، فهذه دلالة على أن النبي ﷺ صام في السفر.
كذلك: الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ وأخبره بأن له القدرة على الصيام وهو يسافر، فقال له النبي ﷺ : (إن شئت فصم وإن شئت ففطر)، فقوله: (إن شئت فصم) دلالة على أنه من البر أن يصوم.
وعليه فيكون الصيام في السفر ليس من البر عندما يشق على الرجل أو يكاد يموت من هذا الصيام.
مثال آخر أيضاً: أن النبي ﷺ قال: (إنما الرضاعة من المجاعة).
وقال: (لا رضاع إلا في الحولين) أي: في السنتين، بمعنى: أن الرضاع المحرِّم هو ما يكون عند الصغر فقط.
وكان سالماً مولى أبي حذيفة كبيراً في السن، فجاءت زوجة أبي حذيفة إلى النبي ﷺ تسأله في شأنه، فقال: (أرضعيه تحرمي عليه).
فنحن نقول كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذه واقعة حال فلا تعمم، وليس كل كبير يأتي فترضعه المرأة فتحرم عليه، لكن يقاس عليها إذا وجد يتيم قارب أو ناهز الاحتلام ولم يكن له مأوى إلا هذا البيت، ويريد صاحب البيت كفالته حتى يبلغ سن الرشد، فله أن يجعل امرأته تعصر له اللبن في زجاجة -مثلاً- فيرضع خمس رضعات حتى تحرم عليه.
стр. 163
تعريف الخاص وأنواع المخصص
معناه: إخراج جزء من الحكم يخالف حكم الكل.
مثلاً: أكرم الطلبة إلا زيداً.
فقولنا: (أكرم الطلبة) عام، وقولنا: (إلا زيداً)، نكون قد خصصنا زيداً بعدم الإكرام، فهنا (زيد) جزء يخرج بحكم مخالف لحكم الكل، فحكم الكل (الإكرام)، و (زيد) لا يكرم، فأخرجناه من الإكرام.
والمخصص نوعان: إما متصل، وإما منفصل.
فأما المخصص المتصل فهو: ما يرتبط بنفس الجملة، ولا يفصله عن سياق العبارة شيء، وهو أنواع:
стр. 164
التخصيص بالاستثناء
الأول: التخصيص بالاستثناء، وذلك كما قلنا: أكرم الطلبة إلا زيداً.
وأدوات الاستثناء هي: إلا، وسوى، وغير، وعدا، وما عدا، وخلا، وما خلا.
فلو قلنا مثلاً: خذ عشرة إلا ثلاثة.
فالثلاثة هنا مخصوصة من العشرة بعدم الأخذ، وكما لو قلت: معي عشرة جنيهات خذ عشرة إلا ثلاثة، يعني: خذ السبعة الجنيهات واترك ثلاثة جنيهات.
إذاً: الثلاثة خالفت الحكم، وهذا مثال على التخصيص بمتصل.
كذلك قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
فهذا مثال أيضاً للاستثناء المتصل، فكل جنس الإنسان في خسر إلا من آمن منهم.
أيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢] فالمستثنى منه: (قتل المؤمن)، والمستثنى (خطأ) كما نقول: خذ عشرة إلا ثلاثة.
المستثنى منه: (عشرة)، والمستثنى: (ثلاثة).
والاستثناء المنقطع أيضاً يكون فيه تخصيص، قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة:٣٤] فإبليس ليس من جنس الملائكة، و (إلا) هنا معناها (لكن)، أي: فسجدوا لكن إبليس لم يسجد، فإبليس اشترك مع الملائكة في كونه مأموراً مكلفاً بالسجود لآدم.
كذلك: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء:٢٩] هذا أيضاً من التخصيص، فكل أموال الناس لا يجوز لك أن تأكلها إلا في حالة واحدة، وهي التجارة عن تراض وطيب نفس، (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) وطيب النفس يكون بالبيوع.
ومن أمثلته أيضاً: قول الله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦].
стр. 165
الأحكام المتعلقة بالمستثنى
وهناك أحكام تتعلق بالتخصيص بالاستثناء، ومنها: أنه إذا جاءت عدة جمل متعاطفة على بعض، ثم جاء في آخر هذه الجمل المتعاطفة استثناء، فهل يرجع الاستثناء على كل الجمل المتعاطفة أم هو على آخر جملة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: قول الجمهور وهو: إنه يرجع إلى كل الجمل المتعاطفة.
القول الثاني: قول الأحناف وهو: أنه لا يرجع إلا على الجملة الأخيرة.
مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] ثم قال: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤] ثم: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤].
فهنا ثلاثة أحكام: الأول: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤].
﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤].
الثالث: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤].
إذاً اتهامهم بالفسق معطوف على عدم قبول الشهادة، معطوف على الجلد ثمانين جلدة.
ثم بعد هذه الأحكام قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥] فهل هذا يرجع على الثلاثة؟ على قول الجمهور: يرجع على الثلاثة، لكن هناك قرينة جاءت تبين أن التوبة لا تسقط الحد، وهي: أن الغامدية جاءت تائبة ومع ذلك أقام عليها النبي ﷺ الحد، وكذلك قال لـ هلال بن أمية: (البينة أو حد في ظهرك)، فلو كانت التوبة تنفعه وتزيل عنه الحد لقال له: البينة أو توبة أو حد في ظهرك، وبهذا نكون قد أخرجنا سقوط الحد من الاستثناء الذي قال به الجمهور، وهو أنه يرجع على الكل، فيسقط الحد ويقبل الشهادة ولا يكون فاسقاً، فأخرجنا سقوط الحد بهذه الأدلة الكثيرة، فيبقى لنا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥] أي: ستقبل شهاداتهم ولن يكونوا فاسقين.
لكن الأحناف قالوا: لا تقبل شهادتهم، وإنما يرفع عنهم الفسق فقط؛ لأن الاستثناء يرجع على آخر جملة.
ونحن نقول: إن قول الجمهور هو الراجح، ودليل ذلك: أن أبا بكرة بعدما قذف المغيرة جلده عمر، والجلد يسقط الحد، فقال له عمر بن الخطاب: تب فأقبل شهادتك، وهل هناك أحد رمى أبا بكرة بالفسق؟ حاشا لله، فهو صحابي كريم، لكن قال له عمر: تب أقبل شهادتك، وهذه دلالة على أنه لو تاب يرجع الاستثناء إلى قبول الشهادة، وأيضاً إلى عدم اتهامه بالفسق.
стр. 166
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - أحكام المستثنى
المخصص نوعان: مخصص متصل، ومخصص منفصل، فأما المخصص المتصل فهو أقسام: تخصيص بالاستثناء، وتخصيص بالشرط، وتخصيص بالغاية، وتخصيص بالصفة، والمخصص المنفصل أقسام أيضاً: تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة، والسنة بالسنة، وتخصيص الكتاب والسنة بالإجماع والقياس، وأخيراً التخصيص بمفهوم المخالفة، ولكل نوع مثال يوضحه.
стр. 167
المخصص المتصل وأقسامه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع دروس الأصول، وقد تكلمنا عن تخصيص العام، وقلنا: إن الخاص هو: قصر العام، على بعض أفراده، وقلنا أيضاً أن المخصص على نوعين: تخصيص متصل، وتخصيص منفصل، والتخصيص المتصل على أربعة أقسام: الاستثناء، والشرط، والغاية، والصفة.
стр. 168
التخصيص بالاستثناء
هل يشترط في الاستثناء أن يكون متصلاً بالكلام؟ بعض العلماء اشترط ذلك وهم الجمهور.
وقال بعض العلماء: إذا فصل المستثنى عن المستثنى منه بكلام، فحكمه حكم غير المفصول، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم.
واستدلوا على ذلك: أن النبي ﷺ قال في فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه الله، يوم خلق السماوات والأرض، لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، فقال العباس بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه: يا رسول الله! إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم وبيوتهم) إلى آخر الحديث، فقال النبي ﷺ : (إلا الإذخر)، فهم يرون أن هذا الاستثناء قد فصل بكلام العباس ﵁.
стр. 169
التخصيص بالشرط
التخصيص بالشرط كقول القائل مثلاً: أعط زيداً درهماً، ثم يقول: إن حضر، فقوله: (إن حضر) شرط لكن لو قال: كلما جاءك زيد فأعطه درهماً، وإن لم يأتك فأعطه درهماً.
فهذا على العموم، لكن لما يقيد بالشرط ويقول: أعط زيداً درهماً إن جاءك، وإن لم يأتك فلا تعطه، فهذا تخصيص بالشرط.
مثاله في الآيات والأحاديث: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] فتخلية السبيل ليست على العموم، بل يشترط فيها التوبة مع إقامة الصلاة مع إيتاء الزكاة، أي: إخلاء السبيل معلق بشرطين: الأول: التوبة، الثاني: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
أيضاً: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، يعني: أن صوم رمضان على كل الأحياء، لكن ليس على العموم، وإنما يخصص منه ﴿مَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، فالمريض أو المسافر مرخص له أن يفطر.
والأحكام المتعلقة بالشرط هي نفس الأحكام المتعلقة بالاستثناء، فحكم جواب الشرط بعد جملة متعاطفة أنه يرجع إلى الجميع، على الخلاف الذي سبق في الاستثناء، والراجح أنها ترجع إلى الجميع.
стр. 170
التخصيص بالصفة
التخصيص بالصفة هو: أن يكون اللفظ يدل على العموم، وفي السياق صفة مقيدة أو مخصصة، كقول القائل: (أكرم العلماء) عموم، فيعم كل العلماء، سواء كان صغيراً أو كبيراً، فاسقاً أو فاجراً، صالحاً أو قانتاً، ورعاً أو تقياً، متقناً أو غير متقن، لكن لما يقول: (أكرم العلماء الصادقين) فهنا وصف (العلماء) بصفة، وهذه الصفة تعتبر صفة مخصصة، فيكون قد خصصت طائفة من العلماء بأنهم يستحقون الإكرام، وهم العلماء الصادقون.
أو يقول: أعط طلبة العلم المال، أي: أعط طلبة أي علم: علم الكمبيوتر، علم الهندسة، علم الطب، لكن لو قال: أعط طلبة العلم الشرعي المال، فإذاً: خصصت طلبة العلم الشرعي.
ومثل قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] ووجه الاستدلال أن الحج واجب على الناس المستطيع وغير المستطيع، ولكن الوصف جعله عاماً في الناس الموصوفين بالاستطاعة فقط.
وقال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣] فهنا الربيبة: التي في حجر زوج الأم، فتحرم عليه، لكن هذه الزوجة التي تزوجها ولها ابنة هل لها وصف يقيدها أم لا؟ قالت الآية: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٣] يعني: كل امرأة سواء دخلت بها أو لم تدخل بها إذا كان لها ابنة ربيبة فتحرم عليك هذه الربيبة، ثم جاء الوصف الذي قيد هذا العموم وهو قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣]، فهذا يفيد على أنها ليست على العموم، بل تخرج بذلك التي لم يدخل بها، فإذا لم تدخل بها فالربيبة تحل لك.
مثاله: رجل عقد على هند، وهند لها ابنة تسمى: زينب، فحدثت بين الرجل وهند مشاجرة، فطلق هنداً، ونظر إلى زينب فأعجبته فأراد الزواج منها، نقول: يصح التزوج بزينب؛ لأن الربائب اللاتي في الحجور مخصصة بالدخول على الأمهات، وهنا لم يحصل الدخول بأم زينب.
أيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥]، ملك اليمين هي: الإماء، والأمة قد تكون مؤمنة وغير مؤمنة، وممكن تكون من أهل الكتاب وممكن تكون مشركة، فيقول الله تعالى: إن لم يكن معك مال تستطيع أن تتزوج الحرة المحصنة ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، يعني: لك أن تتزوج أمة، لكن لا يكون ذلك إلا بثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يخشى على نفسه العنت.
الشرط الثاني: ألا يجد طولاً في نكاح المحصنات المؤمنات.
الشرط الثالث: أن تكون مؤمنة، وهذا الشرط ورد في قول الله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥]، إذاً: الوصف في الآية خصص المؤمنات من الفتيات دون غير المؤمنات.
وهناك بعض الأحكام تتعلق بالصفة منها: إذا تقدمت الصفة على متعدد، فهي وصف للجميع كما قلنا في الاستثناء والشرط، أما إذا توسطت المتعدد، فهي وصف لما تقدمها فقط.
стр. 171
التخصيص بالغاية
التخصيص بالغاية هو: نهاية الشيء المقتضية ثبوت الحكم لما قبلها وانتفائها عما بعدها، أي: أن الحكم بعد الغاية منتف وقبل الغاية ثابت.
مثال ذلك قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، أي: أن الوجوب إلى المرافق، فما تحت المرفق واجب، أما العضد فليس بواجب.
إذاً: ما بعد الغاية ليس بواجب، وما قبل الغاية واجب، فثبت الحكم فيما قبل الغاية وينتفي فيما بعد الغاية.
مثال آخر: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] عام، ثم قال الله تعالى مبيناً لنا الغاية حتى نخصص بها: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، أي: لا تحلق رأسك أبداً وأنت في الحج، وإلا فعليك الدم والفدية إن حلقت أو قصرت، وهذا على العموم والإطلاق، وقد خصصه الله في غاية معينة فقال: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] أي: لك يوم النحر الأكبر أن تحلق رأسك.
وأيضاً يقال في مسألة الذين أحصروا، هل يحلق المحصر قبل أن يصل إلى المحل أم لا؟ نقول: هذا مقيد ومخصص للغاية: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
مثال آخر أيضاً: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٢٢] أي: لا يمكن لك أن تقرب الحائض، ثم خصص فقال: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] أي: حتى ينقطع الدم، وهذا خلاف فقهي بين العلماء، فالجمهور يرون: أنه لا يجوز أن يجامعها بعد انقطاع الدم حتى تغتسل، وأما الأحناف وهو ترجيح الألباني فيرون: أنه يمكن أن يأتيها قبل أن تغتسل إذا انقطع الدم، وهذا الكلام ضعيف مرجوح.
مثال آخر: قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [البقرة:١٨٧]، أي: تتم الصيام إلى نصف النهار، إلى آخر النهار، إلى الليل، إلى اليوم الثاني، هذا معنى: ((ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ))؛ لأن إتمام الصيام ليس له غاية، فقيده الله وخصصه بغاية فقال: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، ويعرف الليل بسقوط حاجب الشمس، قال النبي ﷺ : (إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم)، فهذا أيضاً تقييد بالغاية، يعني: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
стр. 172
المخصص المنفصل وأقسامه
المخصص المنفصل هو: الدليل الشرعي، المنفصل عن اللفظ العام، بمعنى: مجيء آية عامة وجاءت آية أخرى مخصصة لها، أو حديث عام وجاء حديث آخر مخصصاً له، ويمكن التخصيص بالإجماع أو القياس.
والمخصص المنفصل ستة أنواع: الكتاب والسنة، الإجماع، القياس، مفهوم المخالفة، مفهوم الموافقة.
стр. 173
تخصيص الكتاب بالكتاب
القسم الأول: المخصص المنفصل من الكتاب، وهذا بالاتفاق، ودلالة العام قطعية عند الجمهور، أما الأحناف فيرون أن دلالة العام ظنية وليست قطعية، وإنما الخلاف هل الكتاب يخصص بالسنة أم لا؟ نقول: الراجح من أقوال أهل العلم: أن الكتاب يخصص بالسنة، وكذلك يخصص بالقياس وبالإجماع.
مثال ذلك: قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].
المطلقة التي طلقها زوجها على أنواع: مطلقة تحيض، ومطلقة لا تحيض وتسمى يائسة، وصغيرة لا تحيض، قال الله تعالى في النوع الثاني: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق:٤]، أما المرأة التي تحيض فعدتها ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ والقرء فيه خلاف فقهي شديد بين العلماء؛ لأن القرء من الأضداد، فيأتي بمعنى الطهر، ويأتي بمعنى الحيض، فالمالكية والشافعية يرون أنه الطهر، ولغة القوة معهم، وشرعاً القوة مع الأحناف والحنابلة بأن القرء معناه الحيض، وهذا ورد في حديث صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (فاعتدي أقرائك) فجعل اللفظ المبين للقرء هو الحيض.
فقوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يعني: ثلاث حيضات هي عدة المرأة، أما التي لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر بنص الآية.
فقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة:٢٢٨] هذا لفظ عام، وقد جاءت أدلة تخصص هذا اللفظ العام، فمثلاً: الحامل على الراجح من الأقوال أن عدتها تنقضي بوضع الحمل؛ لحديث سبيعة الأسلمية، ولقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤].
إذاً: المرأة الحامل تعتبر حكمها خاص من الحكم العام في المطلقات، وحكمها أنها إذا وضعت الحمل ولو بعد يوم من الطلاق لها أن تتزوج؛ لأن عدتها قد انقضت.
أيضاً: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩]، أي: أن حكم المطلقة المعقود عليها قبل أن يدخل بها زوجها مخصوص من حكم المطلقات العام، ويمكن أن يعقد عليها آخر بعد ساعة.
إذاً: الحكم العام في المطلقات أن عدتهن ثلاثة قروء، لكن خصصنا من ذلك أولات الأحمال بأن يضعن حملهن، وأيضاً المعقود عليها قبل أن يدخل بها ليس لها عدة.
مثال آخر: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] ما الحكم هنا في الذي يقذف امرأة ويقول: هذه المرأة زانية؟ نقول: يجلد ثمانين جلدة، فهذا على العموم، لكن جاءنا دليل منفصل قد خصص الزوج من هذا العام، وهذا الدليل المنفصل هو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ﴾ [النور:٦] يعني: لا يجلد ثمانين جلدة، لكن يلاعن، فهذا أيضاً حكم مخصوص من قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤] يعني: إلا الزوج إذا قذف زوجته.
ودليل التخصيص جاء متأخراً؛ لأن النبي ﷺ قال لـ هلال بن أمية: (البينة أو حد في ظهرك) فنزل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦]، فخصص بذلك أزواجهم.
مثال آخر أيضاً: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١].
قوله: (المشركات) لفظ يعم المجوسية والهندوسية والروسية والنصرانية واليهودية، فكل هؤلاء مشركات، فالعموم يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة:٢٢١]، يعني: كل مشركة لا يجوز لك أن تنكحها، وهذا عام، ثم جاءنا دليل آخر منفصل خصص عموم النهي، وهو قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥]، فقوله: ((أوتوا الكتاب)) يعني: من اليهود والنصارى، فهنا خصص النصرانيات واليهوديات على أنهن من أهل الكتاب، والله جل وعلا بين لنا أن المحصنة من أهل الكتاب تحل لنا، فهذا أيضاً تخصيص لهذا العموم.
стр. 174
تخصيص الكتاب بالسنة
القسم الثاني: المخصص المنفصل من السنة، لا خلاف بين العلماء أن القرآن يخصص بالقرآن، ويخصص بالسنة المتواترة، لكن الخلاف بين العلماء في تخصيص القرآن بسنة الآحاد، فأما الأحناف: فلا يرون التخصيص بالآحاد، ويقولون: إن حديث الآحاد لا يخصص القرآن، لكن استثنوا ما إذا خُصص هذا القرآن بدليل من القرآن؛ لأنه إذا خصص بدليل من القرآن سيضعف، فإذا ضعف نزل إلى مرتبة حديث الآحاد فيخصصه.
أما المالكية: فلا يرون بحال من الأحوال أن القرآن يخصص بسنة الآحاد إلا إذا كان عمل أهل المدينة يوافق خبر الآحاد.
وأروع الأمثلة التي أستحضرها الآن للمالكية: قول النبي ﷺ : (يحرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير).
يقول الإمام مالك: إن هذا الحديث لا يخصص عموم قول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٨] ويأتي إلى هذا الحديث ويقول: ما أدركنا أحداً من أهل المدينة يعمل به، ثم يقول: هذا حديث آحاد لا يخصص العموم.
إذاً: عنده أن كل موجود على الأرض حتى القطط وغيرها يحل أكلها.
أما القول الراجح: فهو قول الشافعية وقول الحنابلة بأن القرآن تخصصه السنة؛ لأن السنة والقرآن وحي من الله جل وعلا، فهما خرجا من مشكاة واحدة، فيصح تخصيص هذا بذاك، ويصح تخصيص الآخر بالأول، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، يعني: كل ما يأتي به الرسول ﷺ من كتاب أو سنة يؤخذ، وقال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، والتبيين من الكتاب ومن السنة، وأيضاً من الحديث القدسي، فهذا كله يدل على أنه خرج من مشكاة واحدة فيخصص.
مثال: قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١].
قوله: (أولادكم) اسم جنس مضاف وهو يفيد العموم، أي: يعم المسلم والكافر، والرقيق وغير الرقيق.
لكن هذا العموم خص بحديث النبي ﷺ : (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) فهذا فيه تخصيص من عموم الآية بأن الكافر لا يرث.
مثال آخر أيضاً: قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].
ووجه الاستدلال أن جميع أنواع البيع حسب الآية حلال، ولكن هذا العموم خص من قبل السنة الآحادية بنحو: (نهى النبي ﷺ عن بيوع الغرر)، فبيوع الغرر مخصوصة من عموم حل البيع.
وأيضاً: (نهى النبي ﷺ عن ثمن الدم)، فالذي يتبرع بالدم ويأخذ أجرة على ذلك حرام؛ لأن ثمن الدم مخصوص من قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾.
كذلك: (نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب) فهذا مخصوص من عموم الآية.
مثال آخر: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣] فهذا عام في كل ميتة، لكن جاءنا حديث فخصص الآية، وهو (أحلت لنا ميتتان ودمان) وإن كان الحديث فيه ضعف لكن عضد بشواهد فارتقى إلى الحسن، فقوله: (أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فهما السمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال)، فهذا الحديث روي بسند صحيح عن ابن عمر موقوفاً، وله شواهد يرتقي بها المرفوع.
إذاً: هذا الحديث خصص عموم قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] فيخص من الميتة الجراد والسمك، ومن الدم الكبد والطحال.
مثال آخر أيضاً: قال تعالى عن النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:٢٤] قوله: (ما) من الأسماء المبهمة، فهي تعم كل ما وراء ذلك، فتعم كل النساء اللاتي لم يذكرن في التحريم في الآيات السابقة، لكن جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها) فهذا التخصيص من عموم قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤].
стр. 175
تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع
القسم الثالث: الإجماع، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] هذه الآية عامة في كل الأولاد سواء كان رقيقاً أو غير رقيق، لكن الإجماع قد خص الرقيق؛ لأن أهل العلم: أجمعوا على أنه لا يرث العبد من الحر؛ لأن هذا المال لا يمتلكه، وإنما سيذهب لسيده، فكونه يرد على أخيه أولى.
مثال آخر: قال النبي ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء) أجمع أهل العلم: أن الماء إذا لاقته نجاسة فغيرت طعمه أو لونه أو ريحه، فإنه ينجس بذلك.
إذاً: فهذا تخصيص لقول النبي ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء).
стр. 176
تخصيص الكتاب بالقياس
القسم الرابع: القياس والنظر، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا﴾ [النور:٢] فهذا لفظ عام يدخل فيه الإماء والرقيق والأحرار، وصيغة العموم التي تثبت هذا قوله: ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي)) فهذا اسم جنس معرف بالألف واللام، فيعم كل زاني وكل زانية، سواء كان حراً أم رقيقاً، أو كانت هي حرة أم كانت أمة، ثم جاءت آية أخرى خصصتها وهي قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، فالحرة إن كان عليها مائة جلدة فالأمة تجلد خمسين جلدة، وكذلك الرجل العبد يجلد خمسين جلدة؛ لأن الرجل الحر يجلد مائة جلدة، والعلة هي الرق، فيجتمع العبد في العلة مع الأمة، فنقول: العبد الرقيق هنا يقاس على الأمة بجامع العلة بينهما.
стр. 177
التخصيص بمفهوم المخالفة
القسم الخامس: التخصيص بمفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة يعني: أن يكون حكم المفهوم مخالفاً لحكم المنطوق.
قال النبي ﷺ : (في أربعين شاة شاة) يعني: سواء كانت سائمة أم كانت معلوفة، لكن لما يأتي النبي ﷺ ويقول: (وفي السائمة زكاة) فمفهوم المخالفة: أن غير السائمة ليس عليها زكاة، فهذا الحديث الثاني خصص العموم في الحديث الأول.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 178
تيسير أصول الفقه للمبتدئين - مفهوم المخالفة
من المباحث الأصولية: مبحث المفهوم، وهو المعنى المستفاد من اللفظ لا في محل النطق، وهو على قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، فمفهوم المخالفة تكلم فيه العلماء بالتعريف، وبيان حجيته في استنباط الأحكام الشرعية، وذكروا المواضع التي لا يصح فيها اعتبار مفهوم المخالفة، وهو على أنواع كثيرة منها: مفهوم الوصف، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم اللقب، وكل هذه الأنواع حجة عند جمهور أهل العلم، ما عدا مفهوم اللقب.
стр. 179
تعريف مفهوم المخالفة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فسنتكلم بمشيئة الله تعالى حول: مفهوم المخالفة.
مفهوم المخالفة هو: المعنى المستفاد من اللفظ، والمخالف للمنطوق.
فمثلاً: لوقلت: (نجا العالم الصادق) فإن مفهوم المخالفة من هذا اللفظ: أن العالم غير الصادق لا ينجو.
ودليل ذلك: حديث أبي هريرة الذي فيه: (ثلاثة تسعر بهم النار يوم القيامة، وذكر منهم العالم)، يعني: العالم غير الصادق.
وقد روي في ذلك حديث موضوع، وروي أيضاً عن علي بن أبي طالب موقوفاً بسند صحيح؛ قال: (كل الناس هلكى إلا العالمين، والعالمون هلكى إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم).
وعرفه بعضهم فقال: هو أن يكون حكم المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق.
مثال ذلك: قول النبي ﷺ : (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة).
فالمنطوق هنا: أن الموحد حكمه أنه يدخل الجنة، ومفهومه: أنه من مات مشركاً دخل النار، أو لم يدخل الجنة.
فحكم المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق.
стр. 180
حجية مفهوم المخالفة
هل مفهوم المخالفة حجة أو ليس بحجة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: أما جمهور أهل العلم فيقولون: إن مفهوم المخالفة حجة شرعية، والأحناف يرون: أن مفهوم المخالفة ليس بحجة شرعية، والصحيح والراجح: قول الجمهور.
следующие страницы →