← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37693

تيسير أصول الفقه للمبتدئين

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (216 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تخصيص الكتاب بالقياس القسم الرابع: القياس والنظر، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا﴾ [النور:٢] فهذا لفظ عام يدخل فيه الإماء والرقيق والأحرار، وصيغة العموم التي تثبت هذا قوله: ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي)) فهذا اسم جنس معرف بالألف واللام، فيعم كل زاني وكل زانية، سواء كان حراً أم رقيقاً، أو كانت هي حرة أم كانت أمة، ثم جاءت آية أخرى خصصتها وهي قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، فالحرة إن كان عليها مائة جلدة فالأمة تجلد خمسين جلدة، وكذلك الرجل العبد يجلد خمسين جلدة؛ لأن الرجل الحر يجلد مائة جلدة، والعلة هي الرق، فيجتمع العبد في العلة مع الأمة، فنقول: العبد الرقيق هنا يقاس على الأمة بجامع العلة بينهما.

стр. 177

التخصيص بمفهوم المخالفة القسم الخامس: التخصيص بمفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة يعني: أن يكون حكم المفهوم مخالفاً لحكم المنطوق. قال النبي ﷺ : (في أربعين شاة شاة) يعني: سواء كانت سائمة أم كانت معلوفة، لكن لما يأتي النبي ﷺ ويقول: (وفي السائمة زكاة) فمفهوم المخالفة: أن غير السائمة ليس عليها زكاة، فهذا الحديث الثاني خصص العموم في الحديث الأول. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 178

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - مفهوم المخالفة من المباحث الأصولية: مبحث المفهوم، وهو المعنى المستفاد من اللفظ لا في محل النطق، وهو على قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، فمفهوم المخالفة تكلم فيه العلماء بالتعريف، وبيان حجيته في استنباط الأحكام الشرعية، وذكروا المواضع التي لا يصح فيها اعتبار مفهوم المخالفة، وهو على أنواع كثيرة منها: مفهوم الوصف، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم اللقب، وكل هذه الأنواع حجة عند جمهور أهل العلم، ما عدا مفهوم اللقب.

стр. 179

تعريف مفهوم المخالفة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فسنتكلم بمشيئة الله تعالى حول: مفهوم المخالفة. مفهوم المخالفة هو: المعنى المستفاد من اللفظ، والمخالف للمنطوق. فمثلاً: لوقلت: (نجا العالم الصادق) فإن مفهوم المخالفة من هذا اللفظ: أن العالم غير الصادق لا ينجو. ودليل ذلك: حديث أبي هريرة الذي فيه: (ثلاثة تسعر بهم النار يوم القيامة، وذكر منهم العالم)، يعني: العالم غير الصادق. وقد روي في ذلك حديث موضوع، وروي أيضاً عن علي بن أبي طالب موقوفاً بسند صحيح؛ قال: (كل الناس هلكى إلا العالمين، والعالمون هلكى إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم). وعرفه بعضهم فقال: هو أن يكون حكم المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق. مثال ذلك: قول النبي ﷺ : (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة). فالمنطوق هنا: أن الموحد حكمه أنه يدخل الجنة، ومفهومه: أنه من مات مشركاً دخل النار، أو لم يدخل الجنة. فحكم المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق.

стр. 180

حجية مفهوم المخالفة هل مفهوم المخالفة حجة أو ليس بحجة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: أما جمهور أهل العلم فيقولون: إن مفهوم المخالفة حجة شرعية، والأحناف يرون: أن مفهوم المخالفة ليس بحجة شرعية، والصحيح والراجح: قول الجمهور.

стр. 181

الأدلة على الاحتجاج بمفهوم المخالفة والأدلة على ذلك كثيرة من الأثر ومن النظر. أما من الأثر: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]. فالله جل وعلا يقول للنبي ﷺ : (استغفر أو لا تستغفر)، ثم أتى بشرط فقال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] وهذا مفهومه: أنك لو استغفرت لهم أكثر من سبعين مرة فيحتمل أن يغفر لهم، فقام النبي ﷺ يستغفر للمنافق فقال له عمر: كيف تستغفر له وقد قال الله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠]؟ فقال: (سأستغفر فوق السبعين). أو قال: (فوالله لأزيدن على السبعين). فالنبي ﷺ شرع لنا مفهوم المخالفة في هذا، وبين أنه يُحتمل أن أكثر من السبعين فإن الله يغفر له، لكن الله حسم هذا المبدأ، وبين أن هذا المفهوم غير مراد فقال: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]. الدليل الثاني: إقرار النبي ﷺ لـ عمر بن الخطاب عند أن قرأ الآية: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١]. وهنا مفهوم شرط أيضاً. فالمنطوق: إن خفت من أهل الكفر فلك أن تقصر من الصلاة، ومفهوم المخالفة: إن لم تخف فلا تقصر من الصلاة. فقال: يا رسول الله! ما لنا اليوم في أمان ونقصر من الصلاة في السفر؟ فأقره النبي ﷺ ولم ينكر عليه فهمه؛ فكأنه قال له: نعم أنت على حق في فهمك. ثم بين له أن قصر الصلاة لعلة أخرى فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم). الدليل الثالث: حديث أبي ذر ﵁ وأرضاه قال: إن النبي ﷺ قال: (يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة)، وفي رواية: (الكلب الأسود). فقال أبو ذر مستعملاً مفهوم المخالفة: يا رسول الله! ما بال الكلب الأسود؟ معنى هذا: أن أبا ذر فهم من هذا التقييد: أن الكلب الأسود هو الذي يقطع الصلاة، وأما بقية الكلاب فلا تقطع، فقال النبي ﷺ مقراً لفهم أبي ذر (الكلب الأسود شيطان). يعني: أن مفهوم المخالفة: أن الكلب الأصفر لا يقطع الصلاة؛ لأنه ليس بشيطان. الدليل الرابع: حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)، فقال ابن مسعود: وأنا أقول: من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار، أو قال: لم يدخل الجنة. فقول ابن مسعود هذا فيه دلالة على مفهوم المخالفة؛ فإنه فهم النص وفهم منه المخالفة. وقد جاء النص صريحاً عن النبي ﷺ مرفوعاً من غير رواية ابن مسعود بنفس التصريح، أو من رواية ابن مسعود بنفس التصريح: (من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار، أو لم يدخل الجنة).

стр. 182

أنواع مفهوم المخالفة لمفهوم المخالفة أنواع كثيرة منها:

стр. 183

مفهوم الوصف النوع الأول: مفهوم الوصف، أو مفهوم الصفة، كأن تقول: (أكرم العالم الصادق) فتقييد العالم بالصادق يعني: أن مفهوم المخالفة: إذا جاءك العالم الفاجر فلا تكرمه. ومثله قول الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] منطوق الآية: أنك لا تقبل خبر الفاسق إلا بعد التبين من صحة الخبر. وأما مفهوم المخالفة: إن جاء غير الفاسق بخبر، يجب قبول خبره دون تبيان، لو جاءك أخ كريم تقي نقي ورع فقال: الأمر جلل! امرأتك رأيتها تخرج بغير النقاب، أو رأيت امرأتك والنقاب واسع على وجهها، أو إلى فمها أو إلى أنفها؛ فإن جاءك الثقة وقال لك ذلك، هل ترد عليه وتقول: اذهب أيها الشيطان! لابد أن أتبين وتقرأ عليه قول الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]؟ الجواب لا؛ بل صدقة ثم اذهب وانه امرأتك عن ذلك؛ لأنه عدل. والدلالة أيضاً على هذا من الشرع: أن النبي ﷺ كان يقبل شهادة العدل الواحد، وابن عمر بين أن أعرابياً شهد عند الرسول ﷺ برؤية هلال رمضان، فصام وأمر الناس بالصيام. ومثاله أيضاً: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء:٢٥]-يعني: غناً- ﴿أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥]. فهنا أيضاً تقييد بالوصف، يعني: أن للعبد أن يتزوج الأمة بشرط أن تكون مؤمنة. وأما مفهوم المخالفة: إن كانت الأمة من أهل الكتاب فلا يحل الزواج بها. ومثل ذلك أيضاً: قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فابن الابن الذي ليس من الصلب حليلته لا تحل للجد، لأن هذا الابن يأخذ حكم الابن الصلبي، فلا يجوز للجد أن يتزوج حليلته. مثال آخر: حديث جابر في الصحيح أنه قال: (قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم) فرجل له شركة في شقة، وهذه الشقة لم تقسم فما حكمها؟ قال النبي ﷺ : (الجار أولى بالشفعة). يعني: لو أراد الذي يمتلك حجرة من الشقة أنه يبيعها فأولى الناس بها هو جاره. فالجار أولى بها حتى لو أجبره على ذلك، بل حتى لو باع بيعاً لغيره فإن له أن يفسخ البيع، ويعطيه سعر المثل، ويأخذ هذه الغرفة له. لكن النبي ﷺ قيدها فقال: (ما لم تقسم). فمفهوم المخالفة: أنها إذا قسمت -يعني: أخذ كل واحد منهم نصيبه- فليس له الشفعة.

стр. 184

مفهوم الشرط النوع الثاني: مفهوم الشرط، وهو: دلالة اللفظ المفيد لحكم معلق بشرط على ثبوت نقيضه عند انتفاء الشرط. مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]. منطوق الآية: وجوب النفقة على المطلقة الحامل، حتى تضع حملها. ومفهوم المخالفة: إن كانت غير حامل، لا يجب الإنفاق عليها. ومثال ذلك أيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٥]. منطوق الآية: مشروعية نكاح الأمة المؤمنة عند عدم القدرة على نكاح الحرة المؤمنة. ومفهوم المخالفة: لا يجوز نكاح الأمة المؤمنة عند القدرة على نكاح الحرة المؤمنة. ومثاله أيضاً: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤]. منطوق الآية: أنه لا يجوز للزوج أن يأكل مهر المرأة، ويبقى على كل رجل كتب على نفسه مهراً لامرأته عاجلاً أو آجلاً دفعه إليه، لأن ذلك دين في ذمته، ويجب عليه أن يعطيها المهر كاملاً، إلا أن تسقطه هي. ومفهوم المخالفة: إن أسقطت حقها عن طيب من نفسها فللزوج أكله، وله ألا يعطيها منه شيئاً، ولكن لو قالت: أريد مهري، ولا تطيب نفسي عن درهم واحد من مهري، فلا يجوز له أن يأكل منه درهماً واحداً، بل لابد أن يعطيها مهرها كاملاً مكملاً. ومثاله أيضاً: قول النبي ﷺ : (الواهب أحق بهبته إذا لم يثب عليها). هذا الحديث فيه ضعف، وهو صحيح عن عمر. منطوق الحديث: أن الرجل الذي أعطى هدية ليثاب عليها أحق أن يرجع بهبته. ومفهوم المخالفة: إن أثيب عليها فليس له أن يرجع.

стр. 185

مفهوم الغاية النوع الثالث: مفهوم الغاية، وهو: دلالة اللفظ الذي قيد الحكم فيه بغاية على نفي ذلك الحكم بعد تلك الغاية. فإذا قلت: أطعم محمداً إلى الظهر. أي: بعد الظهر لا تطعمه، فهنا الحكم للغاية وهي إلى الظهر، أما بعد الظهر فلا تطعمه. ومثاله: قول الله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]. فإذا طلق الرجل امرأته وقال لها: أنت طالق، طالق، طالق. ثلاثاً، فقد وقعت بينونة كبرى، ولا يحل له أن يردها حتى تنكح زوجاً غيره. فمنطوق الآية: أن المرأة المطلقة ثلاثاً لا يجوز للرجل أن يردها حتى تنكح زوجاً غيره. وأما مفهوم المخالفة: إن نكحت زوجاً غيره وطلقها أو مات عنها فله أن يردها. ومثاله أيضاً: قول تعالى عن الصائمين: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]. المنطوق: إباحة الأكل والشرب الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. ومفهوم المخالفة: إذا تبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود فلا نأكل. وهذا هو الذي فهمه ابن عباس فقال: (كل إذا شككت حتى تستيقن) يعني: إذا قمت من الليل، وشككت هل أذن الفجر أم لا؟ فإن لك أن تأكل حتى تستيقن من الأذان؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: حتى يستيقين. ومثاله أيضاً: قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]. فـ معاوية وعلي ﵄ اقتتلا، فإذا قلنا: هذا القتال الحق فيه مع علي، وإن معاوية ﵁ وأرضاه كان متأولاً اجتهد فأخطأ، فله أجر، فنقول: نقاتل مع الفئة التي معها الحق، حتى ترجع الفئة الباغية إلى الحق، فإذا رجعت إلى الحق فلا قتال. وهذا هو الفقه الذي نادى به العلماء في قتال أهل العراق في حرب الكويت، لأن العراق ظلمت الكويت واعتدت عليها، فكانت فئة باغية، فلابد أن تُقاتل حتى ترجع إلى حدودها، ثم يُكف عن القتال. فإذا رجعت فلا تدك، ولا تقتل؛ لأن المقصود هو: قتال الفئة الباغية حتى تردها عن البغي، فإذا ردت عن البغي فلا يجوز لك أن تقاتلها، وهذا هو العمل بمفهوم المخالفة. إذاً: المنطوق: وجوب قتال الفئة الباغية. ومفهوم المخالفة: عدم جواز قتالها إذا فاءت لأمر الله تعالى. ومثاله أيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]. فالمرأة الحائض لا يجوز للمرء أن يقترب منها، يعني: لا يجامعها، لكن له أن يتمتع بها كما قال النبي ﷺ : (افعلوا كل شيء إلا النكاح) يعني: إلا الوطء. وهنا قال: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] إذاً: لا يقرب الرجل المرأة الحائض إلى غاية، والغاية هي الطهر. ومفهوم المخالفة: إذا طهرت امرأتك فلك أن تقترب منها.

стр. 186

مفهوم العدد النوع الرابع: مفهوم العدد، وهو: دلالة اللفظ الذي قيد الحكم فيه بعدد بنقيض ذلك الحكم فيما عدا ذلك العدد. كقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]. أشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، ورجب ليس من أشهر الحج؛ بدليل مفهوم المخالفة. ومفهوم المخالفة: أن غير هذه الثلاثة لا يكون من أشهر الحج. ومثاله أيضاً: قول الله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] مفهوم العدد: أنك لا تزيد على الثمانين. ومثاله أيضاً: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة:١٩٦]. المنطوق: أن كفارة اليمين قد حددها بثلاثة أيام. ومفهوم العدد: أنه لا يجب عليه أن يصوم أكثر من ثلاثة أيام.

стр. 187

مفهوم اللقب وكل هذه الأنواع التي مضت باتفاق جمهور أهل العلم أنها حجة. النوع الخامس: مفهوم اللقب، وهو: دلالة اللفظ الذي علق الحكم فيه بالاسم العلم على نفي ذلك الحكم عن غيره. وهذا النوع اتفق العلماء على أنه ليس بحجة، وهو نوعان: اسم جنس، واسم علم. فأما اسم العلم: فبالاتفاق أنه ليس بحجة، كأن تقول: (محمد رسول الله) فمفهوم المخالفة: غير محمد ليس برسول الله، فأين إبراهيم وموسى وعيسى ويونس؟! وأما اسم الجنس: كقول النبي ﷺ : (في البر صدقة).

стр. 188

المواضع التي لا يصح فيها اعتبار مفهوم المخالفة متى يطرح مفهوم المخالفة عند الجمهور؟ ومتى لا يكون مفهوم المخالفة حجة شرعية؟ الجواب لا يكون حجة شرعية في ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: إذا كان القيد للغالب: نحو قول الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٣] يعني: أن الرجل إذا تزوج امرأة ولها بنت، فإن الغالب أنه سيربيها، وتكون في حجره. فمنطوق الحكم: أنه لا يجوز له أن يتزوجها. فإن كانت هذه البنت الربيبة بعيدة عن الأم، وهو تزوج أمها، ثم طلق أمها، فرأى ابنتها فأعجبته، فهي الآن ليست بربيبة، وليست في حجره، فهل له أن يتزوجها؟ مفهوم المخالفة: له أن يتزوجها، لكن نقول: إن المفهوم هنا مطروح لا يعمل به؛ لأنه قيد أغلبي، لأنه في الغالب أن زوج الأم يربي البنت، لأن الكثير يتزوجون النساء اللاتي عندهن أولاد ويكفلون أولادهن، وخاصة إذا كانوا أيتاماً. الحالة الثانية: إذا كان القيد بياناً للواقع، بمعنى: أن المفهوم ليس مراداً، وإنما هو يبين الواقع، كقول الله تعالى عن ربا الجاهلية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]. فهنا مفهوم المخالفة لو عملنا به لكان المعنى: كلوا ضعفاً واحداً وليس أضعافاً مضاعفة، وهذا المفهوم مطروح؛ لأن الله يبين هنا حال أهل الجاهلية أنهم كانوا يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة. فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] هذا بيان للواقع فلا مفهوم له. وأيضاً ممكن أن يقال ذلك في الخبر الذي جاء عن النبي ﷺ : (لتمرن الظعينة من حضرموت إلى صنعاء لا تخاف إلا الله، والذئب على الغنم). فهذا أيضاً ليس له مفهوم؛ لأن الذي يحتج به يحتج بالمفهوم، ونحن نقول: مفهومه مطروح؛ لأنه بيان للواقع. الحالة الثالثة: إذا خرج القيد مخرج الامتنان، يعني: أن الله يمن به على عباده، نحو قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل:١٤] فلو أخرجت اللحم الطري من البحر لك أن تأكله. ومفهوم المخالفة هنا: إن كان اللحم غير طري فليس لك أكله، وهذا ليس صحيحاً؛ فإن ميتة البحر كلها حل سواء كانت طرية أو غير طرية.

стр. 189

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الاجتهاد والتقليد من مباحث أصول الفقه: الاجتهاد والتقليد، والناس ثلاثة أصناف باعتبار الاجتهاد والتقليد: علماء مجتهدون، طلبة العلم، عوام، والتقليد جائز في الأصول والفروع على الراجح من أقوال أهل العلم، وللمجتهد شروط لابد أن تتوافر فيه حتى يكون مجتهداً، ويجوز اجتهاد المفضول بوجود الفاضل، وللنبي أن يجتهد، لكن لا يقر على خطأ، ويحرم على المجتهد التقليد، إلا إذا ضاق عليه الوقت في مسألة فورية.

стр. 190

انقسام الناس باعتبار الاجتهاد والتقليد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. الناس ينقسمون في مسألة الاجتهاد والتقليد إلى قسمين:

стр. 191

القسم الأول: علماء مجتهدون القسم الأول: علماء مجتهدون، وهؤلاء هم أفضل البشر على الإطلاق بعد منزلة الرسالة والنبوة والصديقية؛ لأن ورث النبي ﷺ لا يأخذه إلا العالم المجتهد، أما الشهداء فالعلماء يتقدمون عليهم بظاهرتين أو مرتبتين، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، والنبي ﷺ يقول: (إنما العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، فالوريث فرع عن الأصل، وفرع الأنبياء هم العلماء، فالعلماء هم أرقى الناس عند الله، ولذلك كان ابن عيينة يقول: أفضل الخلق على الإطلاق الواسطة بين الخالق وبين الخلق. والعلماء المجتهدون ينقسمون إلى قسمين: مجتهد مطلق، ومجتهد مقيد. فأما المجتهد المطلق: فهو الذي لا يتقيد بمذهب من المذاهب، وإنما رأس ماله الكتاب والسنة واللغة والنظر والاجتهاد، وقد عز في كثير من الأزمنة أن تجد مجتهداً مطلقاً، وإن كان يوجد كـ الشوكاني وشيخ الإسلام ابن تيمية والبخاري، مع أن الشافعية يقولون: إن البخاري شافعي، وكذلك الحنابلة يقولون: البخاري حنبلي، والصحيح: أن البخاري مجتهد مطلق، وأيضاً ابن جرير الطبري وإن نسبوه أيضاً إلى الشافعية فهو مجتهد مطلق، فالمجتهد المطلق: الذي لا يتقيد بمذهب. وأما المجتهد المقيد فهو: المجتهد المقيد بمذهب معين، كـ النووي، فهو مجتهد مذهب، فيخرج على أصول شيخ مذهبه فروعاً ومسائل عدة، أي: لا يكون هذا قول الشافعي، لكن يخرج من قول الشافعي مسائل، بينما المجتهد المطلق ينظر في الأدلة، فيخرج ويستنبط المسائل، ولا يتقيد بمذهب معين.

стр. 192

القسم الثاني: طلبة العلم القسم الثاني: طلبة العلم، والتفاوت بين طلبة العلم كما بين السماء والأرض، فهناك درجات عالية جداً متفاوتة بين طلبة العلم، وأعلى هذه الدرجات: طالب العلم المميز، الذي يكون وسطاً بين المجتهد وبين طالب العلم، أو بينه وبين المقلدة، يعني: طالب العلم المميز هو طالب العلم الذي يدقق النظر في الأدلة، ويرجح بين أقوال أهل العلم، فيكون له ارتقاء حتى يصل إلى الاجتهاد، والله تعالى أعلم. أما طالب العلم الذي يعرف المسألة بدليلها فقط، فهذا يسمى: طالب علم. والمقلده أنواع وأيضاً يتفاوتون، فمنهم: المقلد الذي يعلم فقه مذهب، كمذهب الشافعي مثلاً، ويحفظ كل الفروع، لكن لا يعرف دليل هذه المسألة، ولا يعرف كيف استدل الإمام بهذا الدليل على هذه المسألة، وإن كان في بعض الفروع فهو مقلد، وأدناهم الذي لا يعلم شيئاً عن أمر الدين، غير أنه يستفتي فيأخذ بالفتوى ويعمل بها، وهذا أدنى الدرجات. قيل: إن علي بن أبي طالب قسم الناس ثلاثة أقسام فقال: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة -طالب العلم-، وهمج رعاع لم يستضيئوا من نور العلم.

стр. 193

الراجح أن التقليد في الأصول والفروع وبعض العلماء اشترط عدم التقليد في الأصول، أي: لا يكون التقليد في العقائد، وإنما في الفروع. والراجح: أن الأمر على العموم، سواء في الأصول أو في الفروع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] أي: اسألوا عن كل شيء، سواء في الأصول أو في الفروع، وهذا هو الصحيح والراجح.

стр. 194

تعريف الاجتهاد الاجتهاد لغة: من جهد، بفتح الجيم وضمها، وهو تحمل المشقة وبذل الجُهد أو الجَهد واستفراغ الوسع. واصطلاحاً: بذل الجهد أو استفراغ الوسع، للوصول إلى الحكم الشرعي بالنظر والاستدلال والاستنباط والاستقراء، فيبذل المجتهد كل ما يستطيع من جهد لإدراك الحكم الشرعي. والمجتهد نوعان: مجتهد مصيب، ومجتهد مخطئ. فالمجتهد الذي يملك آلة الاجتهاد بالشروط التي وضعها العلماء، إذا أصاب الحق فله أجران أجر اجتهاده للوصول إلى الحق، وأجر إصابة الحق، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، والذي يجتهد ليصيب الحق فيخطئ فله أجر واحد: أجر اجتهاده لإصابة الحق، ولكنه لم يدرك، فكم من مريد للخير لم يصبه، والله له حكم في ذلك، وهذا مستقى من حديث النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر)، وتمثيل ذلك: ما حدث بين علي ومعاوية، فـ علي ﵁ وأرضاه أصاب الحق، أو كان هو أقرب الطائفتين إلى الحق فله أجران، ومعاوية اجتهد وكان له تأويل سائغ في الاعتبار فله أجر واحد، ورضي الله عنهم أجمعين. فالمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر، والمقلد المجتهد لو أصاب الحق فهو آثم؛ لأنه ليس له أن يجتهد، وليس عنده آلة الاجتهاد ليجتهد، وهذا الذي قال عنه النبي ﷺ : (من أفتى بغير علم فقد تقحم النار على بصيرة)، يتقحم النار على بصيرة ولو أصاب الحق، يعني: المقلد الذي لا يفقه في دين الله شيئاً، فيفتي وإن أصاب الحق فيما قاله الله وقال الرسول، فهو آثم عند الله وقد تقحم النار على بصيرة.

стр. 195

شروط الاجتهاد أن يكون عالماً بأدلة الأحكام، عالماً بالكتاب والسنة، والسنة لابد أن يعلم متونها وأسانيدها، فيعرف الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود، والمحتج به من غير المحتج به. أن يكون عالماً بمواطن الإجماع. أن يكون عالماً بالاستنباطات والاستقراء والقياس، أي: آلات القياس. أن يكون عالماً بالناسخ والمنسوخ. أن يكون عالماً باللغة وإقامة لسانه. أن يكون عالماً بأصول الفقه، وهذا أهم شيء؛ لأن الفتوى رأس مالها الارتباط بأصول الفقه، وأصول الفقه هي التي تجعل علو فهمه في فقه المتن. أن يكون عالماً بأصول التفسير، ومواطن النزول، وأسباب النزول، وعلوم القرآن. أن يكون عنده صفاء ذهن، ونفاذ بصيرة، وحدة ذكاء، وقدرة فطرية على الاستدلال والنظر. وهذه الشروط ليست كلية بل على الأغلبية، يعني: إجمالاً لا تفصيلاً، إذ لم يحط أحد بهذه العلوم بحال من الأحوال، لم يحط أحد بهذه العلوم إلا الله جل وعلا، فهو الذي أحاط بكل شيء علماً جل وعلا، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، ولا أحد يمكن أن يحيط بكل شيء علماً. لكن نقول إجمالاً: يكون عالماً بمواطن الإجماع، وعالماً بالناسخ والمنسوخ، وعنده قوة نظر من الاستقراء والاستنباط والقياس، وعنده العلم باللغة، وعنده علم بأصول الفقه، وأصول التفسير، وعنده علم بآلة التضعيف والتصحيح في الحديث، حتى يصل إلى مرتبة المجتهدين.

стр. 196

مسائل تتعلق بالاجتهاد الاجتهاد في زمن النبي، أي: اجتهاد المفضول مع وجود الفاضل، وهذا فيه خلاف طفيف، لكن الصحيح الراجح: أنه يجوز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ، وقد اجتهد الصحابة في وجود النبي ﷺ ، مع أن الوحي كان ينزل على النبي ﷺ ، وسواء أصاب الصحابي أم أخطأ؛ لأن النبي ﷺ إما سيقره على الإصابة إذا أصاب، أو يخطئه إذا أخطأ.

стр. 197

الأدلة على جواز اجتهاد المفضول بوجود الفاضل ودلالات ذلك كثرة منها: اجتهاد سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه في قضائه في بني قريظة، فكان حكمه موافقاً لحكم الله ، لقوله ﷺ : (قضيت فيهم بحكم الله من فوق سبع سبع سماوات) فأقره على هذا الاجتهاد الصحيح. أيضاً: اجتهاد عمرو بن العاص عندما صلى بالناس وهو جنب؛ خوفاً من الماء البارد، فتيمم مع وجود الماء، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦]، ومع ذلك تيمم عملاً بقول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، فأقره النبي ﷺ على ذلك. ومن الاجتهاد الذي أخطأ فيه بعض الصحابة فرده النبي ﷺ ولم يقره: حديث عمار، وهو حديث ضعيف، وعلى القول بصحته، قال النبي ﷺ : (قتلوه قتلهم الله، وذلك حين قالوا: ما نرى لك شيئاً، فاغتسل فمات، فقال: قتلوه قتلهم الله، أما كان لهم أن يسألوا إذا جهلوا، إنما شفاء العي السؤال) أي: شفاء الجاهل أن يسأل فيتعلم، فهذا حديث ضعيف، لكن نقول بصحته، وإذا قلنا بصحته فهذا دلالة على أنه أنكر عليهم الاجتهاد الخاطئ. أيضاً: قصة عدي بن حاتم لما اعتقد أن قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧] معناه: أنه عمد إلى عقالين أبيض وأسود، ووضعه تحت الوسادة، ومكث يأكل ويشرب حتى يظهر له السواد من البياض، فقال له النبي ﷺ قال: (إن وسادك لعريض)، وأولها بعضهم: أن هذا توبيخ وتقريع له، وهذا لا يصح ولا يخرج من النبي ﷺ ، لكن معنى الكلام: إن كانت الوسادة التي تنام عليها غطت الخيط الأبيض من الأسود الذي هو في السماء الذي يبين بياض الفجر من سواد النهار فهي وسادة عريضة، فكان هذا اجتهاداً منه ﵁، لكن لم يقره النبي ﷺ على ذلك. ومنهم من أصاب في بعض وأخطأ في بعض: كقوله ﷺ لـ أبي بكر لما فسر رؤية لرجل في وجوده ﷺ : (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً). وأيضاً في مسألة: عمار: (لما تمرغ في التراب كما تفعل الدابة، فقال: إنما كان يكفيك)، فأقره على أصل التيمم، لكنه أنكر عليه الطريقة، وقال: (إنما كان يكفيك أن تضرب بيدك هكذا) وعلمه التيمم الصحيح.

стр. 198

جواز الاجتهاد من النبي فيما لم ينزل به الوحي هل للنبي أن يجتهد أم لا؟ أيضاً خلاف أصولي، والصحيح الراجح من أقوال أهل العلم: أن للنبي أن يجتهد، لكنه لا يقر على خطأ، يعني: إذا اجتهد فأخطأ، فإن الله لا يقره على هذا الخطأ، والأمثلة كثيرة منها: قول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١ - ٣] فالنبي ﷺ اجتهد في دعوة أكابر الناس وفضلاء أهل مكة، حيث كان يرى أنهم إذا آمنوا فالرعاع سينجرون خلفهم، فقال: أنا أنشغل بهؤلاء وأرجئ هذا الضعيف بعد، ثم أرى ما يريد، فعاتبه الله، وبين أن هذا خير من هؤلاء: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢]. أيضاً: اجتهاده في أسرى بدر، وقبوله الفداء فعاتبه الله ﵎: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، وقال: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال:٦٨] إلى آخر الآيات، فبكى النبي ﷺ . كذلك: اجتهاده ﷺ في الصلاة على المنافقين، لما قال له عمر: ألم ينهك الله جل وعلا عن ذلك، قال: أستغفر لهم أكثر من سبعين مرة، ووافق عمر كتاب الله، فقال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤].

стр. 199

تعريف التقليد التقليد في اللغة: من القلادة، التي يقلد الإنسان بها غيره، وتوضع في العنق، ومنه: تقليد الهدي. وفي الاصطلاح: هو العمل بقول الغير من غير حجة. وما عليه إلا أن يقول: يا شيخ! المسألة الفلانية ماذا فيها؟ فيقول له: هذه المسألة حلال أو هذه المسألة حرام، وامرأتك طالق أو غير طالق، ما عليه إلا أن يسأل فيأخذ الجواب فيعمل به، لكن الواجب على المقلد أن يجتهد في رأيه فيمن يسأله، ولابد أنه يتخير الأورع والأتقى والأعلم والأتقن، والمقلد جاهل، يعني: بعضهم شبه المقلد بالبعير أو بالبقر، ونحن لا نقول ذلك، فهم يشبهونه بذلك؛ لأنه لا ينظر في الأدلة، وهذا فرق ضعيف، وكفى بالجهل ذماً أن الجاهل لا يرضى أن يقال له: أنت جاهل، فالجاهل ينافح على أن يقال له: جاهل، فلو أنك قلت لرجل أمي لا يقرأ ولا يكتب: أنت جاهل تستحق الضرب والصفع على وجهك، فلا يرتضي أبداً الجاهل بأن يوسم بالجهل، والجهل ضد العلم، والعلم ليس إلا قول الله وقول الرسول وقول الصحابة، هذا هو العلم، كما قال ابن القيم: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فالعلم ما قاله الرسول ﷺ ، أو ما قاله الله ، وما قالته الصحابة عن فهم عن قول الله أو قول الرسول. وقال الشافعي ﵀: العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذلك من وساويس الشياطين أي: أن العلم ما قال فيه الراوي: حدثنا، يعني: عن الرسول ﷺ ، يقصد كتاب الله وسنة النبي ﷺ . وورد عنه أيضاً أنه قال: جهة العلم هي الخبر من الكتاب أو السنة أو الإجماع وأضعف ذلك القياس. والفرق بين العالم والمقلد كما بين السماء والأرض، فالعالم: هو من عرف الأحكام بأدلتها الشرعية عن نظر واستقراء واستنباط واستدلال. والمقلد هو: من عرف أقوال الأئمة أو المذاهب بدون دليل، فترى على حقب كثيرة من الزمن كثيراً من الناس يحفظون الفروع، يحفظون أقوال الشافعي وأقوال مالك، وهم لا يعرفون الأدلة التي استدل بها مالك، أو استدل بها الشافعي، فهؤلاء أيضاً من المقلدة، والمقلد ليس من العلماء بحال من الأحوال.

стр. 200

أنواع التقليد التقليد نوعان: أحدهما محرم، والثاني: جائز. التقليد المحرم هو: التقليد في أصول الشركيات، كتقليد الآباء والأجداد على أمر شركي أو أمر كفري، وهذا هو الذي ذمه الله تعالى في كتابه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠]، وفي آية أخرى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان:٢١]، ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧٠ - ١٧١]. فالجاهل جهلاً مذموماً هو الذي يقلد آباءه في الأمور الشركية، أو يقلد آباءه في استباحة المحرم أو بفعل المحرم، فيقول: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]. التقليد الجائز -بل يجب على الذي ليس عنده آلة النظر- هو: أن يقلد المفتي فيما أفتى له. ويحرم على المجتهد التقليد، وهذه قاعدة صحيحة جداً، قال الشيخ: أحمد شاكر في مقدمة رسالة قام بتحقيقها: لو أمرت مجتهداً أن يقلد مجتهداً لأمرت المجتهد أن يقلد الشافعي، فلا يصح للمجتهد أن يقلد في حال من الأحوال إلا في حالة واحدة، وذلك إذا ضاق الوقت في مسألة فورية، وما عنده الآلة للاجتهاد، ولا عنده الكتب التي تساعده، ولا عنده الوقت الذي يسعه أن ينظر ويستدل ويحقق ويرجح وينقح؛ فله أن يقلد غيره في ذلك، لكن عندما يجد سعة الوقت والعلم والنظر والاستدلال، فلابد وجوباً أن يبحث وينظر ويستدل حتى لا يقلد؛ لأن الذي يقلد والله قد منحه النعمة لا يشكر هذه النعمة التي منحه الله إياها، فالعالم قد منحه الله النظر في كتابه وسنة نبيه، فعليه أن يشكر الله بالعمل لله جل وعلا، وأن ينظر في الأدلة ويستخرج الفروع من الأصول. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

стр. 201

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - التعارض وأقسامه كثيراً ما يقف الناظر في أدلة الشرع على أحاديث ظاهرها بالنسبة إليه التعارض، وقد اتخذ العلماء أمام ذلك عدة طرق للتخلص من هذا، فهم إما أن يجمعوا بين الدليلين، أو أن يكون أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً، أو أن يرجح بينهما، وقد صنف العلماء التعارض بين الأدلة إلى أقسام أربعة: عام وعام، وعام وخاص، وخاص وخاص، وعام من وجه خاص من وجه آخر، وخاص من وجه عام من وجه آخر.

стр. 202

تعريف التعارض وأسبابه إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: التعارض لغة: التقابل والتمانع. واصطلاحاً: تقابل الدليلين بحيث يخالف حكم أحدهما حكم الآخر. مثاله: لا تشرب واقفاً؛ فإن الشرب واقفاً حرام، يعارضه دليل: شرب النبي ﷺ واقفاً، أو نقول: رأى النبي ﷺ رجلاً يشرب قائماً فلم يزجره، فأصبح حكم الأول يخالف حكم الثاني، فنقول: هذا ظاهره التعارض. لكن بالنسبة لأدلة الشرع لا تعارض فيها على الحقيقة؛ لأن كل هذه الأدلة خرجت من مشكاة واحدةً، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] والوحي نزل من قبل الله جل وعلا، وكلام الله لا تعارض فيه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، هذا ظاهر لكل قارئ بأن غير كلام الله لا بد وأن يكون فيه تعارض. فهل يؤخذ مفهوم المخالفة من قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، أي: لو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافاً قليلاً؟ الجواب مفهوم المخالفة هنا مطروح، لأنه بيان للواقع، والواقع: أن أي كلام لأي واقع سنجد فيه اختلافاً كثيراً، والاختلاف في كلام الله لا يكون بحال من الأحوال، فالكل خارج من مشكاة واحدة، فلا تعارض في الأدلة. والتعارض سببه اختلاف الأئمة والمجتهدين في النظر إلى الأدلة، فتظهر الأدلة أمامه متعارضة، ولذلك كان الشافعي يقول: لا تعارض بين أي دليلين، وائتوني بأي دليلين وسأجمع لكم بينهما. المقصود: أن الأدلة الشرعية لا اختلاف فيها في الأصل وفي الحقيقة، أما التعارض فهو في نظر المجتهد، فلذلك قال الحافظ ابن حجر: وهذه الأدلة ظاهرها- لا يقول متعارضة- التعارض. أدباً مع الله جل وعلا.

стр. 203

الخطوات العامة لمعالجة إيهام التعارض إن جاءت أدلة ظاهرها التعارض؛ فإن الأئمة لهم في حل هذا الإشكال خطوات ووسائل:

стр. 204

الجمع بين الأدلة يعتبر الجمع بين الأدلة من أقوى ما يستعملها العلماء، والجمع إنما يكون من المجتهد. مثال ذلك: ورد في الأحاديث عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ قال: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط) يعني: لا يجوز أن يتبول المرء ولا أن يتغوط وهو مستقبل القبلة أو مستدبرها، قال أبو أيوب الأنصاري: (فذهبنا إلى الشام فوجدنا الكنف -المراحيض- مستقبله بين بيت المقدس مستديرة الكعبة، قال: فكنا ننحرف ونستغفر الله)، أي: نستدير حتى لا نستقبل ولا نستدبر. فهذا الحديث يدل على تحريم استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، وهو على عمومه، سواء كان ذلك في الصحراء أو في غير الصحراء، في الكنف أو في غير الكنف. وجاء في حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: (صعدت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبلاً بيت المقدس مستدبراً القبلة). إذاً: فعل النبي ﷺ هنا ظاهره أنه يخالف قوله، فقد حرم على الناس أن يستقبلوا القبلة أو يستدبروها. فللعلماء في الجمع بين هذين الحديثين اللذين ظاهرهما التعارض مسالك كثيرة منها: الأول: ما تبناه الشوكاني في قواعده الأصولية: أنه إذا خالف فعل النبي ﷺ قوله، ففعل النبي خاصه به، والقول على العموم. أي: فعل النبي الذي رواه ابن عمر خاص بالنبي، وما من أحد من الأمة يستطيع أن يفعل ذلك، وقول النبي: (لا تستقبلوا ولا تستدبروا) عموم لكل الأمة. إذاً: أبقى النهي على ما هو عليه، وجعل فعل النبي الذي رواه ابن عمر خاص به، وهذا الجمع ضعيف جداً. الثاني: من العلماء من قال: نرجح الحاظر على المبيح، وحديث أبي أيوب حاظر وحديث ابن عمر مبيح، وهذا أيضاً ضعيف. الثالث: ما ذهب إليه الشافعي: بالتفريق بين البنيان وغير البنيان، يعني: يفرق بين الكنف والفضاء. فمثلاً: لو سافر رجل للحج ثم نزل يقضي حاجته، ممكن أن يستقبل أو يستدبر، هذا الحكم هنا، أما إذا كان في البنيان فإن الحكم يختلف، هذا قول الشافعية وبعض الحنابلة، وهم قول قوي جداً؛ وإن كان هناك قول بالتفريق بين البول والغائط، لكن نقول: الصحيح الراجح في ذلك: التفريق بين البنيان وغير البنيان، والدليل: فعل النبي ﷺ ، فقد استقبل بيت المقدس واستدبر الكعبة، فإن قالوا: أليس يكون الفعل على الخصوص؟ قلنا: لا؛ لأن الأصل عدم ذلك إلا إذا وجدت قرينة، والأصل عدم الخصوص، ولا يوجد حكم يختص به إلا إذا دل الدليل. مثال ذلك: المرأة الواهبة نفسها للنبي ﷺ : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] فبين بالنص التخصيص له، فإن كان الأصل التخصيص احتيج إلى دليل يبين التخصيص. فالصحيح في ذلك: أن الأصل عدم الخصوص، فيكون فعل النبي يبين لنا جواز استقبال القبلة ببول وغائط، واستدبارها في الكنف والمراحيض التي في البنيان، أما في الصحراء فلا يجوز لقول أبي أيوب الأنصاري: (لا تستقبلوا ولا تستدبروا). ما العلم إلا قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه. وابن عمر كان في الصحراء وأناخ راحلته، وقضى حاجته مستقبلاً بيت المقدس مستدبراً الكعبة، ثم قال: ما تعلمون عن ذلك؟ ذاك في الصحراء، يعني: إن لم يكن هناك ساتر، وابن عمر هو الذي روى حديث حفصة، وهو عالم بحديث أبي أيوب الأنصاري، فهذا دلالة على فهم ابن عمر الأثري: أن المسألة فيها تفريق بين البنيان وغيره. مثال آخر: أن النبي ﷺ مر على رجل يشرب قائماً فقال له: (أتريد أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: يشرب معك من هو أشر منه، الشيطان). ثم نهى بالتصريح عن الشرب قائماً، فقال: (من شرب قائماً فليستقيء). فهذه دلالة على التحريم، لكن جاء دليل آخر بأن النبي ﷺ شرب قائماً من شن معلقة، ومن لا يأخذ بالجمع -مثل الشيخ الألباني - أخذ بقاعدة: الحاظر يقدم على المبيح، والقاعدة هذه وجه من وجوه الترجيح. لكن نقول له: إن العلماء في الأدلة التي ظاهرها التعارض لهم خطوات ثلاث مرتبة، وهي أيضاً على التخيير: الأولى: الجمع. الثانية: النسخ. الثالثة: الترجيح. وهو قد أخذ بالتخيير فرجح دون أن يبدأ بالأولى والثانية. ونقول له أيضاً: نحن معك في هذه القاعدة، ونتفق على أن الحاظر يقدم على المبيح، لكن عندنا أن الجمع أولى، وهو: أن فعل النبي ﷺ يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، وسنقول: بكراهة الشرب قائماً؛ لأن النبي ﷺ لا يفعل محرماً. لكن قد يقول آخر: قد يفعل مكروهاً، لكن لو قلنا: هذا الفعل مكروه، من الذي يكرهه؟ الله جل وعلا هو الذي يكرهه، فكيف تفعل فعلاً يكرهه الله جل وعلا، وكيف فعل النبي شيئاً يكرهه الله؟ نقول: هو في حق النبي ليس مكروهاً، بل هو مأمور شرعاً أن يبين ذلك، بل هو في حقه بيان للتشريع، وفي حقه فضل ونعمة؛ لأنه يبين للناس حتى لو ضاق الأمر بأحدكم فشرب قائماً فلا يخشى على نفسه من الإثم، بل هو مكروه فقط، فينقل من التحريم إلى الكراهة، وهذا أيضاً ما قاله العلماء وفي الحديثين السابقين، قالوا: إن استقبال القبلة واستدبارها في الكنف على الكراهة، وهذا أيضاً من طرق الجمع، قالوا: في البنيان على الكراهة، وفي الصحراء على التحريم. إذاً: أول الطرق الجمع بين الدليلين.

стр. 205

النسخ يعتبر النسخ من أصعب الطرق على المجتهد، لأن معرفة الناسخ من المنسوخ لا بد لها من معرفة التاريخ، ليعرف المتقدم من المتأخر، وصعب جداً على العلماء القول بالنسخ إلا بالتصريح أو بقرائن ظاهرة جداً محتفة بالناسخ والمنسوخ. مثال ذلك: أن النبي ﷺ أباح نكاح المتعة، ثم حرمت في خيبر كما في حديث علي: (إن الله حرم نكاح المتعة، ولحوم الحمر الأهلية) ثم أباحها النبي ﷺ مرةً ثانية، ثم حرمها إلى الأبد في يوم أوطاس، حيث قال النبي ﷺ : (حرم الله عليكم نكاح المتعة إلى يوم القيامة)، فهذا النسخ معروف فيه المتقدم والمتأخر، فلا نقول بالجمع هنا، فهو أباح ثم حرم، ثم أباح ثم حرم، فهل هناك جمع؟ لا، ولا يمكن أن نقول أن التحريم على الكراهة.

стр. 206

الترجيح أما الترجيح فقد ذكر صاحب اللمع أن هناك أكثر من سبعين وجهاً للترجيح بين الأدلة، ونحن نعرف أن الأدلة لها ترتيب معين، فالنص يقدم على الظاهر، والظاهر يقدم على المؤول، والمحكم يقدم على المتشابه، والمتحقق يقدم على المتوهم، والقول يقدم على الفعل، والمثبت يقدم على النافي، والناقل عن الأصل يقدم على الأصل. فمثلاً: لو قال رجل: الأصل في البيع الإباحة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، وأنت تقول له: بيع الغرر حرام، سيقول لك: لا، الأصل معي، ماذا تقول له؟ نقول: الأصل: الحل عندك، وأنا عندي ناقل من الأصل، وهو نهى النبي ﷺ عن بيوع الغرر، فالذي ينقلنا عن الأصل أقوى من الأصل المبيح.

стр. 207

أمثلة للجمع والنسخ والترجيح بين الأدلة عند التعارض نضرب بعض الأمثلة التي تبين الجمع والنسخ والترجيح إجمالاً ثم نفصل في التعارض.

стр. 208

الجمع بين نفي العدوى والفرار من المرض مثال الجمع: صح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا عدوى ولا طيرة) فهنا نفى النبي ﷺ العدوى والتشاؤم. وجاءنا حديث آخر عن النبي ﷺ في البخاري أنه قال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، لماذا تفر من المجذوم؟ حتى لا يعديك. فالظاهر هو التعارض، فكيف نجمع؟ قال العلماء: ننظر إلى الجمع وهو أول الدرجات، وقد اختلفت مشاربهم في الجمع أيضاً، فالجمهور يقولون: (لا عدوى) أي: لا عدوى تمرض بذاتها، وعضدوا هذا الجمع بأن الواقع يشهد بذلك، فهناك أمراض غير معدية. والجمع الثاني: وهذا الذي أميل إليه قلباً، وهو ما جمعه الحافظ ابن حجر فقال: قول النبي ﷺ : (لا عدوى)، على العموم، فلا توجد عدوى بحال من الأحوال، فهو نفي عام. أما قول النبي ﷺ : (فر من المجذوم فرارك من الأسد) فمؤول: (لا عدوى) هذا محكم، والثاني محتمل، والمحكم يقدم على المحتمل، فقوله: (لا عدوى) يعني: لا عدوى تمرض بذاتها ولا هي سبب، أما قول النبي ﷺ : (فر من المجذوم) فمن باب سد الذرائع. فالجمع بينهما نقول: فر من المجذوم سداً للذريعة؛ لأن الرجل الصحيح إذا جلس مع المريض وجاءه مرض الجذام، فسيقول: هذا المريض أعداني، وأيضاً: قد يقع في قلبه ظن الجاهلية بأن العدوى تمرض بذاتها، فهو ذريعة إلى أن يظن بالله ظن السوء، أو يظن في غير الله ما لا يكون إلا لله جل وعلا، فسد الذريعة وحسم المادة، وقال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، وهذا القول قوي جداً لأدلة: منها: ثبت بسند صحيح: أن سلمان الفارسي أخذ بيد مجذوم، فوضعها في الصحفة يأكل وقال: كل إيماناً بالله وتوكلاً عليه. فرأى أن الأمر بقدر الله، وأنه لا عدوى تمرض ولا شيء يمرض، وإذا قدر الله المرض فإنه سيكون وإلا فلن يكون. ومنها: ما جاء في الآثار الصحيحة أن رجلاً جاء للنبي ﷺ وسأله عن العدوى، فبين له أنه لا يعدي شيء شيئاً، فقال: يا رسول الله! ما بال الجمل الأجرب يدخل في الجمال فيجربها؟ فقال النبي ﷺ : (فمن أعدى الأول) إن قلت لكم بأنه أجرب الجمال، فمن الذي أعدى الأول؟ الله. فسكت الرجل، وعلم أن المسألة قدر من الله جل وعلا، وهذا الجمع هو الصحيح بأن العدوى لا تمرض بذاتها، لكنها سبب لذريعة اعتقاد ظن الجاهلية، فنغلق هذا الباب، وأذكر أن شخصاً كان يصلي فيعطس، ومن بجانبه يعطس، بل في الحرم حدث ذلك، فقام ورجل آخر فقال: يا أخي! لم لا تصلي في بيتك بدل ما تعدينا وتمرضنا بهذه الطريقة وتضيع علينا صلاتنا؟ فالأمر هكذا سيكون ذريعة لكل إنسان ينظر إلى المريض نظرة ازدراء، أما إذا قلنا: بأنه لا عدوى عامة، قوّى الإنسان إيمانه وتوكله على الله جل وعلا.

стр. 209

نسخ حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) مثال النسخ: إذا وجد لدينا دليلان، وعلم المتقدم منهما من المتأخر، فإن المتقدم منهما منسوخ. مثال ذلك: قول النبي ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم)، يعني: رجل في نهار رمضان حجم له شخص آخر، فالحاجم والمحجوم له أفطرا، وهذا الحديث يقول به الحنابلة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية يعني: أيُّ حجامة في الصوم تفطر، وهذا قول قوي عند الحنابلة، والجمهور على خلاف ذلك، والصحيح هو ما عليه الجمهور؛ أن هذا الحديث منسوخ، لأنه متقدم، قال أنس: مر النبي ﷺ على جعفر وعلى غيره وهو يحتجم، فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم)، ثم قال: (ثم رخص النبي ﷺ في الحجامة)، وهذا رواه الدارقطني. وعن أبي سعيد الخدري أيضاً: (أن النبي ﷺ رخص في القبلة للصائم والحجامة) فـ (رخص) معناه: أنه كان قبل ذلك مفطراً، ثم نسخ هذا الحكم، ففيه دلالة على النسخ بمعرفة المتأخر من المتقدم.

стр. 210

مثال الترجيح مثال الترجيح: أن النبي ﷺ قال له بعض أصحابه: (يا رسول الله! إذا لقي أحدنا صاحبه أينحني له؟ قال: لا -وهذا يبين للإخوة الذين يسلمون بانحناء أن هذا لا يجوز، وترى ألعاب القوى مليئة بهذا البلاء- قال: فيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: فيصافحه؟ قال النبي ﷺ : نعم إن شاء). وورد عن النبي ﷺ أنه لما قدم جعفر قام فقبله. فبعض العلماء لم يستطع أن يجمع فقال: بالترجيح، وقال: إن حديث أنس أقوى من حديث جعفر، ووجه الدلالة: أولاً: حديث أنس قول، وحديث جعفر فعل، والقول أقوى من الفعل. ثانياً: حديث أنس حاظر، وحديث جعفر مبيح، ومن قواعد الترجيح: أن الحاظر يقدم على المبيح، فهذا المثال يذكره بعض العلماء على الترجيح. لكن نحن نقول: هذا الترجيح ضعيف؛ لأن الجمع أولى منه، وهو: أن الأخ يقبل أخاه في حالة القدوم من السفر، وقد قال بعض العلماء: إذا قدم من سفر يقبله ويعانقه للشوق. إذاً: الجمع أولى من الترجيح.

стр. 211

أقسام التعارض

стр. 212

تعارض عام مع عام أن يكون بين دليلين عامين، فإذا أمكن الجمع فهو الأولى، وإن لم يمكن أبحث عن المتقدم والمتأخر بالنص، وإذا لم يمكن وجب الترجيح. مثال لإمكانية الجمع: قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] هنا الله جل وعلا نفى عن النبي الهداية، وفي آية أخرى قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. الجمع: أن الهداية هدايتان: هداية عامة، وهداية خاصة. فالنبي ﷺ أقره الله على الهداية العامة، وهي: هداية البيان والدلالة والإرشاد ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت:١٧] أي: بينا لهم، ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧]. وأما الهداية الخاصة: فهي لله، وهي هداية القلوب، وهذه هي المنفية عن رسوله صلى عليه وسلم. إذاً: نقول: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] هداية عامة، وهي: هداية البيان والدلالة والإرشاد، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي﴾ [القصص:٥٦] هداية القلوب؛ لأن هداية القلوب لله جل وعلا. الثاني: ما لا يمكن الجمع بينهما، يعني: دليل عام عارض دليل آخر عام، ولا يمكن الجمع بينهما، فنبحث عن المخصص، كما في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] إلى أن قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] إذاً: هو على التخيير: إما أن يطعم أو يصوم ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] خير لكم الصيام، ثم الآية التي تلتها فيها تحديد للزمن، الآية الأولى متأخرة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فهذا الأمر نسخ التخيير، أي: لابد أنك تصوم، ونسخ التخيير بين أن يطعم أو يصوم، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فنسخ التخيير، فلا الدليل العام الأول يعارض الدليل العام الثاني، ولم نعرف الجمع بينهما، فقلنا: المتأخر ينسخ المتقدم. الثالث: مثال الترجيح، يعني: ما عرفنا كيف نجمع، وما عرفنا الناسخ من المنسوخ، فنحن نرجح، هذا أيضاً في ما ظاهره التعارض بين عام وعام. مثلاً: قال النبي ﷺ : (من مس ذكره فليتوضأ) هذا عام. وقال النبي ﷺ لما سئل: أيمس أحدنا ذكره؟ فقال: (إنما هو بضعة منك). وهذا يمثل به البعض على الترجيح، وإن كان الصواب هو الجمع، فالجمع فقهياً هو: قوله: (من مس ذكره فليتوضأ) إذا كان بإفضاء دون حائل، (وإنما هو بضعة منك) إن كان بوجود حائل. أما على الترجيح: قالوا: نقدم الحاظر على المبيح، فنقدم قوله: (من مس ذكره فليتوضأ)، على قوله: (إنما هو بضعة منك). والمحدثون يقولون: إذا تعارض الحديثان حديثياً نقول: ما كان متفقاً عليه يقدم على ما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاري يقدم على ما انفرد به مسلم، وما انفرد به مسلم يقدم على ما كان على شرطهما، وما كان على شرط البخاري يقدم على ما كان على شرط مسلم، وما كان على شرط مسلم يقدم على السنن بعد ذلك، هذا هو الترتيب.

стр. 213

تعارض خاص مع خاص مثال ذلك: حديث جابر ﵁ وأرضاه في حجة الوداع أنه قال: (صلى النبي ﷺ بمكة الظهر). وجاء عن ابن عمر أيضاً في الصحيح أنه قال: ﷺ الظهر بمنى). فهذا دليل خاص ظاهره أنه تعارض مع دليل آخر خاص، كيف صلى الظهر بمنى، وكيف صلاها بمكة، والمسافة بين مكة ومنى بعيدة؟ فكيف نجمع؟ بعض العلماء يرى أنه لا جمع بينهما، فيقدمون حديث جابر على حديث ابن عمر؛ لأن جابراً هو أعلم الناس بالمناسك، وأروى الناس عن النبي ﷺ . وبعض العلماء جمع بينهما، مثل الحافظ ابن حجر في الفتح، فقال: يجمع بينهما بأن النبي ﷺ صلى الظهر بمكة ثم رجع فصلى بأصحابه الظهر بمنى، فيكون قد صلى الظهر صلى الظهر مرتين، المرة الأولى تكون فرضاً والمرة الثانية تكون نافلة له، فهذا جمع جمعه بعض العلماء، وهو أيضاً جمع طيب، ونقله الحافظ ابن حجر. وإن لم يكن فيكون الناسخ والمنسوخ، وإن لم يكن فيكون الثالث وهو الترجيح. مثلاً: حديث في الصحيحين يحتج به الأحناف، وهم حديث فيه وهم، وهو حديث ميمونة ﵂ وأرضاها: (أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال) يعني: ليس بمحرم، وهو حديث عضده حديث أبي رافع قال: كنت السفير بينهما. وجاء في البخاري عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم)، والنبي ﷺ قد نهى المحرم أن يتزوج أو يزوج أو يخطب. فكيف ذلك وميمونة تقول: تزوجني حلالاً، وابن عباس يقول: تزوجها محرماً، فكيف نجمع بينهما، ونحن لا نعرف المتقدم من المتأخر، وأيهما الراجح؟ حديث ميمونة يقدم على حديث ابن عباس لأكثر من وجه: الوجه الأول: الراوي أعلم بما روى، وهو أيضاً صاحب القصة، والقاعدة عند المحدثين: صاحب القصة يقدم على غير صاحب القصة، وصاحب القصة هي ميمونة، وأبو رافع هو السفير بينهما، فيقدم صاحب القصة على قول ابن عباس الذي ليس بصاحب القصة. الثاني: أن كلام ابن عباس مبيح؛ لأنه يبيح للمحرم أن يتزوج، وهذا يوقع في إشكالية الحديث الحاظر، وهو: نهى النبي ﷺ للمحرم أن ينكح، وحديث ميمونة لم يقع له إشكال مع أي أحاديث أخرى، فهو متفق مع النهي عن الزواج للمحرم. إذاً: نرجح أحاديث ميمونة على حديث ابن عباس.

стр. 214

التعارض بين عام وخاص التعارض بين العام والخاص ضعيف جداً؛ لأنك ستقدم الخاص على العام، فلا تعارض بين عام وخاص؛ لأن الخاص أقوى في الدلالة من العام، فيتقدم الخاص على العام، والأمثلة كثيرة جداً، وقد ذكرناها في البيوع والعقيدة. مثال ذلك: حديث النبي ﷺ : (في ما سقت السماء العشر) أي: كل شيء يخرج من الأرض قليلاً كان أو كثيراً، ففيه الزكاة. لكن جاء حديث آخر يقول فيه النبي ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة)، فهذا خاص، والحديث الأول عام، فكيف نجمع بينهما؟ نقدم الخاص على العام، فنقول: فيما سقت السماء العشر إن بلغ خمسة أوسق، وإن كان أقل من خمسة أوسق فلا زكاة فيه، فيقدم الخاص على العام.

стр. 215

التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه أي: هذا عام من وجه وأخص من وجه، والآخر: عام من وجه وخاص من وجه، ويمثل له العلماء بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فالمرأة التي توفي عنها زوجها تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام. وقال الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]. فالآية الأولى خاصة في الموت، عامة في كل الأزواج، الحامل والحائض. والآية الأخرى خاصة بالحمل، عامة في الطلاق والموت. فنقول: خصوص وجه الحمل يحمل على على عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ﴾ [البقرة:٢٣٤]، فنقدم خاص وجود الحمل على عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٤]، يعني: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] عام في كل النساء إلا الحامل، وعند ذلك سنخصص الحامل بأن تضع حملها. لماذا هذا التعسف؟ لماذا لا نقول: الخاص يحمل على العام، ونجعل الخاص هو الذي يحمل على العام الثاني؟ نقول: هذا أصعب وجوه الجمع، لأن القرينة المحتفة هي التي ترجح لنا، وقد جاءتنا قرينة تبين لنا حمل عموم آية: ((وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ)) على خصوص الحامل، وهي حديث سبيعة الأسلمية، فقد كانت حاملاً ومات عنها زوجها قبل أن تضع بليال قليلة، فالنبي ﷺ قال: (قد حل لك الزواج). أي: بعد أن وضعت. وحديث أبي السنابل قال: (كذب أبو السنابل)، أي: أخطأ؛ لأنه قال: (كلا حتى يبلغ الكتاب أجله) يعني: أربعة أشهر وعشراً، فقال النبي ﷺ : (بل هي حلت للأزواج) وذلك بعدما وضعت حملها، فهذه قرينة ودليل تجعلنا نرجح حمل هذا العام على الخصوص. أيضاً: هناك دليل آخر ظاهره التعارض، وهو أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر، فهذا عام في كل الصلوات، خاص بالوقت بعد العصر وبعد الفجر. وحديث آخر: قال النبي ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) فهذا عام في كل وقت، فإذا دخل أحدكم عصراً مغرباً عشاءً فجراً، فليركع ركعتين إذا أراد الجلوس. إذاً: دخول المسجد وصلاة ركعتين فيه يكون عاماً في الوقت خاصاً في الصلاة، فأيهما يحمل عن الآخر؟ نبحث عن القرائن، وإن لم نجد نتوقف، لكن هنا إن لم يكن هناك قرائن فإن عندنا وجوه للترجيح في الحمل، وهي: أن العام الذي خصص قد يكون أضعف في الدلالة من العام الذي لم يخصص، فننظر في النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر، فنجد أنه قد خصص بقضاء الفائتة، يعني: رجل نام عن الظهر ولم يستيقظ إلا بعد العصر، فهل يصليها أو لا؟ يصليها لحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك). أيضاً: سنة الفجر إذا نام عنها، فقضاء السنن الرواتب التي لم يفرط فيها المرء إما أن يقضيها بعد الفجر، أو بعد الشروق، لأن النبي وجد من يصليها بعد الفجر فقال له: (الفجر مرتين؟) فقال: إنما هي سنتها، فأقره، والنبي ﷺ قد قضى سنة الظهر بعد العصر. إذاً: هذا العام قد خصص فضعفت دلالته، فنقدم عليه العام الذي لم يخصص، وهو حديث النبي ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين).
следующие страницы →