← Акыда

Акыда · id 37696

شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (302 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

اليد صفة من صفات الله لا تشبه يد المخلوق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن كتاب التوحيد لإمام الأئمة ابن خزيمة في إثبات صفات الرب كتاب عظيم جليل. وقد سبق ذكر صفة اليد، وسوف نبين هنا منهج ابن خزيمة في هذه المسألة. صفة اليد صفة جليلة عظيمة، وهي من الصفات الثبوتية الذاتية الخبرية التي ثبتت لله في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وذلك كما يليق بجلال الله وكماله، وأما كيفيتها فلها كيفية لكنها غير معلومة لنا، بل هي مجهولة، ويجب أن نفوض هذه الكيفية لله جل وعلا. فمن آيات الصفات قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات:٤٧ - ٤٨]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج:١٢ - ١٣]، وقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]. فقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]، أيد: جمع يد، وهذه من آيات الصفات التي لا بد أن نعتقدها وأن نتعبد بها لله جل وعلا، ولكي نعرف الآية هل هذه من آيات الصفات أو لا، لا بد أن نعلم أن كل آية تذكر فيها صفة من الصفات، كالعين أو اليد، أو غيرها لا يمكن أن نثبتها لله جل وعلا حتى تضاف، وإلا فكيف نثبتها؟! وأما قول الله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] فإن الساق هنا لم تضف إلى الله جل وعلا، ولكن الذي جعل هذه الآية من آيات الصفات هو حديث في الصحيحين وفيه (أن الله جل وعلا يوم القيامة يكشف عن ساقه، فيسجدون له) فالضابط في آيات الصفات أنه لابد أن تذكر الصفة مضافة إلى الله جل وعلا من باب إضافة الصفة للموصوف، أما إذا أطلقت فلا نستطيع أن نثبتها لله جل وعلا إلا بقرينة أخرى. فالأيد والأيادي جمع يد، ومنهم من قال: إن معناها بقوة فهي ليست من آيات الصفات.

стр. 107

قول المشبهة في صفة اليد أما أصحاب الغلو في الإثبات فقالوا: نثبت لله يداً كما جاء في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وقال ﷺ : (وكلتا يديه يمين)، وقد أثبت الله للمخلوق يداً فقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فإذا قلنا بذلك فيد الخالق تشبه يد المخلوق، فالله أثبت لنفسه يداً وسماها يداً، وأثبت لعبده يداً وسماها يداً. ونجيب عليهم بالقاعدة التي قعدها أهل العلم، وقد استقوها من أحاديث النبي ﷺ ، ومن كلام علماء السلف الصالح وهي: أن الاشتراك في الأسماء لا يستلزم التساوي في المسمى، فإذا كان لله يد وللإنسان يد فإن يد الله لا تشبه يد الإنسان، وبالقياس الجلي فالله جل وعلا خلق للإنسان يداً، وخلق للبعير يداً وخلق للحمار يداً وخلق للقرد يداً، فهل يد الإنسان تماثل يد القرد أو يد الفيل؟ الجواب أنها لا تشترك معها إلا في الاسم فقط، وأما المسمى فلا تشابه، فإذا استوى الاسم واختلف المسمى بين المخلوقات فمن باب أولى وبالقياس الجلي أن يد الخالق لا يمكن أن تماثل يد المخلوق وإن وجد التساوي في الاسم، فهذا هو الرد على المشبهة الذين غلوا في الإثبات، لذا فالمشبهة تعبد صنماً.

стр. 108

مذهب أهل التعطيل والتأويل في صفة اليد إن الذين حرفوا وعطلوا يعبدون عدما؛ لأنهم قالوا: ليس لله يد، ولو قلنا: إن لله يداً لشبهنا الخالق بالمخلوق؛ لأن اليد جارحة، والجارحة لا تصلح لله ، ولذلك فروا من القول بأن لله يداً، وقالوا: إن المقصود باليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] النعمة، وهذا وارد في اللغة، وقد جاء في حديث صلح الحديبية أن أبا بكر قال لـ عروة: أنحن نفر عن رسول الله؟ امصص بظر اللات، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، أي: لولا أن لك نعمة عندي لم أكافأك بها لأجبتك على هذه المسبة التي سببتني بها، فقوله: لولا يد لك عندي، اليد هنا بمعنى النعمة.

стр. 109

الرد على أهل التعطيل والتأويل في تأويلهم صفة اليد بالنعمة إن الجواب على أهل التأويل الذين أولو اليد بالنعمة يكون بصريح القرآن، قال الله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فهل معنى ذلك: نعمة الله فوق أيديهم؟! وهل أنتم أعلم أم الله ورسوله، ثم الصحابة الكرام حتى تفسر اليد بما لم يفسروها؟! وهل الله جل وعلا يعجز أن يأتي بنفس اللغة فيقول: نعمة الله فوق أيديهم؟ وكأن الله لم يجد من يساعده على أن يصرح بلفظ النعمة، فالله يقول: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] وأنتم تحرفونها عن موضعها وتقولون: إن معناها النعمة، ولو كانت اليد بمعنى النعمة لبين ذلك النبي ﷺ ؛ لأنه مأمور شرعاً أن يبين كل ما أنزل عليه، فإذا كان النبي ﷺ لم يبين ذلك فالآية على ظاهرها، وقولكم يخالف ظاهر القرآن والسنة وإجماع السلف. ولو افترضنا أن اليد بمعنى النعمة فلن يستقيم كلام الله وكلام رسوله الله ﷺ ؛ لأن الله تعالى يقول لإبليس -منكراً عليه-: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، فإذا وضعت كلمة نعمتي مكان يدي للزم من ذلك لوازم باطلة منها: حصر نعمة الله في نعمتين فقط، وحاشا لله أن يكون كذلك، قال الله تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فنعمة هنا مفردة مضافة فتعم كل النعم. وقال الله عن إبراهيم: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل:١٢١]، وهذا جمع يدل على أن أنعام الله كثيرة وغزيرة لا تعد ولا تحصى، وفي الحديث أن النبي ﷺ لما بين أن الأراضين جميعاً والسموات بيد الله جل وعلا قال: (وبيده الأخرى الميزان يرفع ويخفض) فهل يمكن أن نؤول اليد بالنعمة ونقول: وبنعمته الأخرى الميزان، وبالنعمة الأولى السماوات والأرض؟! فهذا أيضاً من أبطل الباطل الذي لا تستقيم معه اللغة، ولا يتناسب مع حديث النبي ﷺ . وإذا أولنا اليد بالقدرة ووضعنا القدرة مكان كلمة يد، وقلنا: قدرة الله فوق أيديهم، فلا يمكن أن يستقيم المعنى، ولذلك ليس عندهم دليل ولا قرينة تصرف هذا الظاهر عن ظاهره. وأيضاً في آية أخرى قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فليس المعنى: بقدرتي؛ لأن قدرة الله واحدة باتفاق أهل العلم لغة وعقلاً وشرعاً، وهي قدرة عامة تعم كل شيء، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]، فلازم هذا القول أن تكون القدرة متعددة، وهذا باطل. وأيضاً: إذا قلنا: إن معنى قول الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: بقدرتي، فإنه لا مزية لإبليس على آدم، وهذه الآية تثبت لنا أن الله فضل آدم على إبليس وأمره بالسجود له، وهذا من اللوازم الباطلة، وهو من كلام أهل الجاهلية، فإنهم يجعلون لإبليس حجة على الله؛ لأن الله فضله على آدم وأمره بالسجود له وقد خلقهما بقدرته. ومن اللوازم الباطلة كذلك أنه لا مزية لآدم على سائر الخلق فقد خلق الله الحيوانات جميعاً بقدرته، وهذه الآية بينت المزية التي امتاز بها آدم على إبليس وعلى سائر الخلق، وهي أن الله باشر خلقه بيديه، فقال ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وهذه من اللوازم الباطلة التي لا يمكن أن يقبلها المسلم، وهذا رد على المؤولة الذين خالفوا ظاهر القرآن والسنة، وخالفوا إجماع أهل السنة، ولو قلنا بكلامهم للزمنا لوازم باطلهم قد تصل بالإنسان إلى الكفر. ونحن نعتقد في قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] أن يد الله جل وعلا لا تشبه أيدي المخلوقين.

стр. 110

الأدلة على أن لله يدين لقد أثبت الله لنفسه اليد، فكم لله أيد؟ يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس:٧١]، وقد يفهم من الآية أن لله أيد كثيرة، وهذا خطأ، فليس لله أيد كثيرة، وإنما له يدان فقط، والدليل على ذلك من الكتاب قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ومن السنة: (كلتا يدي ربي يمين). والجواب عن تلك الآية التي قد يفهم منها أن لله أيد كثيرة هو أن الجمع (الأيدي) هنا يدل إما على الذات كقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠]، فالكسب يشمل فعل الإنسان نفسه، وإما أن يدل على التعظيم، فقد أثبت الله جل وعلا لنفسه يدين اثنتين عظيمتين جليلتين تليق بجلال الله وكماله.

стр. 111

اختلاف أهل السنة هل لله يد شمال اختلف أهل السنة والجماعة هل لله يمين وشمال؟ فكثير من أهل السنة والجماعة يثبتون لله اليمين ويثبتون له الشمال، ودليلهم على ذلك ما جاء عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: قال ﷺ : (إن الله جل وعلا يطوي السماوات بيمينه، وبشماله الأراضين) فذكر الشمال، وأيضا هناك رواية عن ابن يسار عن عمر بن الخطاب أن الرسول ﷺ قال: (إن الله جل وعلا مسح على ظهر آدم باليمنى فأخرج الذرية، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وبشماله أخرج الذرية، فقال: هؤلاء للنار ولا أبالي). فالرواية الأولى أثبتت أنه يطوي الأراضين بشماله، والرواية الثانية عن عمر فيها أن الله يمسح على ظهر آدم بشماله، فأثبت له اليد الشمال، فمن أهل السنة والجماعة من قال: يوصف الله تعالى بأن له يداً شمالاً، وأنها تليق بجلال الله وكماله، وإذا كانت اليد الشمال بالنسبة للعباد فيها نقص فاليمنى عندهم أقوى من اليسرى، واليسرى فيها شيء من الوهن، فالله ينزه عن كل نقص، فإذا وصف الله بها دلت على الكمال والعظمة والبهاء. وجمهور أهل السنة والجماعة -وهو الذي نرجحه- على أن الشمال لا يوصف بها الله جل وعلا، ابن خزيمة يرى في كتابه أن الشمال لا يوصف بها الله جل وعلا، وأيضا درج على ذلك البيهقي والقرطبي، ورجح ذلك النووي والحافظ ابن حجر أن الله لا يوصف باليد الشمال. واستدلوا على ذلك بأدلة منها: أن النبي ﷺ عندما تحدث عن يدي الله لم يذكر إلا اليمين فقال (يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار لا يغيضها نفقة)، وقال ﷺ : (وكلتا يدي ربي يمين)، وقال آدم ﵇ لما خيره الله جل وعلا: (أختار يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين)، وهذا إقرار من الله لآدم على أن كلتا يديه يمين. وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال ﷺ الله عليه وسلم: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب) مع أن الله أول ما خلق القلم أخذه بيمينه، فقال: وكلتا يدي ربي يمين. فكل هذه الأدلة تثبت أن كلتا يدي الله يمين، فهذا تصريح من النبي ﷺ ومن آدم ﵇، وابن عباس ﵁ وأرضاه يقول: وكلتا يدي ربي يمين، وأيضا حديث: (المقسطون -الذين يعدلون- على منابر من نور على يمين الرحمن)، فهذه الأدلة كلها من الآثار الصحيحة الصريحة تصرح بأن كلتا يدي الله جل وعلا يمين، فهذا يضعف لنا قول من قال: بأن الله له يد شمال؛ لأن كل الروايات تدل على أن كلتا يديه يمين، فالصحيح الراجح أن الله جل وعلا لا يوصف بالشمال أثراً ونظراً. فأما الأثر: فما أوردناه من الآثار والأحاديث التي تثبت بأن كلتا يدي الله يمين. وأما من النظر فإن هناك قاعدة مهمة لطلبة العلم وهي: كل صفة توهم نقصاً فإننا ننزه الله عنها، كالخيانة فإنها نقص فلا يمكن أن نصف بها الله تعالى، وكذلك لا يجوز أن يقال: إن الله ماكر؛ لأن إطلاق المكر على الله يوهم أنها صفة نقص، ولكن إذا كانت من باب المقابلة فيجوز، كأن يقال: إن الله يمكر بالماكرين، ويخطئ بعض الذين لا يعرفون عن العقيدة شيئاً عندما يقولون: لا تخشى، فإن الله ضار وسيضر الظالمين، ويقولون: يا ضار ضر الظالمين، وهذا سوء أدب مع الله جل وعلا، فلا يجوز أن يقال عن الله جل وعلا: الضار ويُسكت، بل لابد وأن يقرن معه: النافع، فيكون: الضار النافع؛ لأن إطلاق الضرر يوجب نقصاً في حق الله، وأي صفة توجب نقصاً إذا أتصف بها الله جل وعلا وجب علينا أن ننزه الله جل وعلا عنها. فلا بد إذاً أن نقرن مع الصفة صفة أخرى، فنقول: الخافض الرافع، المحيي المميت، الأول الآخر، الظاهر الباطن، فكل صفة توهم نقصاً فلا بد أن ننزه الله عنها، والشمال يوهم نقصاً، والعرب الأقحاح يعتبرون اليد اليسرى أو الشمال نقصاً، ولذلك لا بد أن ننزه الله عنها. وأما إذا ثبت الحديث الدال على أن لله يد شمال فنقول: إنها تليق بجلال الله وكماله، ولكن إذا لم يثبت الحديث نقول: هذا نقص، ولم يأت دليل يدل على ذلك، والصحيح الراجح أنه لا يوصف الله جل وعلا بالشمال، فكلتا يديه يمين، من اليمن والبركة، وهي يمين حقيقة.

стр. 112

إثبات الأصابع لله إن لله سبحانه أصابع، ولا يقال: إن هذه الأصابع ليس لها كيفية، بل لها كيفية يعلمها الله، وأما نحن فلا نعلمها، والأصابع معلومة في اللغة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعه، والحديث ظاهر جلي كالشمس في الأفق وإن شغب المشاغبون والجهلة المبتدعون عليه، ففي الصحيحين: أنه دخل حبر من أحبار اليهود على النبي ﷺ فقال: (يا محمد! إن الله جل وعلا يحمل الأراضين على ذه، والجبال على ذه، والشجر على ذه، والماء على ذه -وفي رواية: الخلق على ذه- والثرى على ذه)، وفي رواية: (أنه ﷺ كان يقبض ويبسط يده)، وهذه الطريقة تصح في التعليم، فقد روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ لما بين أن الله جل وعلا يقبض السماوات بيمينه كان يقبض ويبسط يده، وقال: (يهزهن ثم يقول: أنا الرحمن أين المتكبرون؟ أنا الجبار أين الجبارون؟)، ثم قال: فمن شدة تأثر النبي ﷺ وهو يبين ذلك ويقبض ويبسط يده ﷺ كاد المنبر أن يسقط. فلما أخبر ذلك الخبر أن الله يحمل الشجر على ذه، والماء على ذه، والثرى على ذه، والخلق على ذه، ضحك النبي ﷺ مقراً فهم هذا الحبر على أن الله جل وعلا يحمل كل هذه على أصابعه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، فهذا فيه دلالة واضحة على إقرار النبي ﷺ على أن لله أصابع، وأقر فهم الحبر اليهودي وهو مع ذلك ليس مؤمناً. ولكن المخالفين المشاغبين قالوا: اليهود مجسمة، وقد ضحك النبي ﷺ منكراً على ذلك الحبر، وهذا تناقض لا يقبله عقل؛ لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يضلل أصحابه؛ لأنهم عندما يرون النبي ﷺ يضحك لقول الحبر، لن يقولوا: إنه إنكار وإنما سيقولون: هذا إقرار، ومن قال بأن ضحك النبي ﷺ كان إنكاراً فقد طعن في فهم صحابة رسول الله ﷺ . فالصحيح الراجح أن النبي ﷺ أقر الحبر على ما قال، وضحك مقراً فهم الحبر على أن لله أصابع. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) وكان النبي ﷺ كثيراً ما يقول (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك) فإذا اعتقد المرء أن الله جل وعلا يقلب قلب العبد بين إصبعيه إن شاء هداه وإن شاء أضله فإن ذلك يجعله يفتقر ويذل إلى ربه في كل لحظة من حياته، ويضع التراب على رأسه، ويسجد لله باكياً؛ حتى لا يصرف الله قلبه، فإنه لا يحول بين الله وبين عباده أحد، والعبد إذا ابتعد أبعده الله، ومن سقط من عين الله فلا راد له، فإذا علم العبد يقيناً أن قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن جل وعلا إن شاء أضله وجعله من أكبر الكافرين، وإن شاء هداه وجعله من أعبد العباد في الأرض، فإنه لابد أن يكون فقيراً إلى الله جل وعلا ليل نهار، وإن كنا نغفل عن هذا الأمر في بعض الأوقات، لكن رحمة الله جل وعلا واسعة، فسأله ألا يتركنا لأنفسنا قط، وإذا اعتقدنا بأن قلوبنا بيد الله جل وعلا فإنا سنطمع أن الله يثبتنا على الحق، فإنه سبحانه إذا أراد بقوم فتنة فلا عاصم لهم منها.

стр. 113

إثبات الأنامل لله كما يوصف الله بأن له أصابع، فيوصف أيضاً بأن له أنامل، وبكيفية ذلك يعلمها الله جل وعلا ولا نعلمها نحن. وهذه الأنامل ثبتت بسنة النبي ﷺ ، وأثبتها أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة مع أهل البدعة والضلالة من المفوضة يتفقان ويفترقان، فالمفوضة ذهبوا إلى تمييع الصفات، فعندما نقول: الله يسمع كل الأصوات على تعدد الحاجات واختلاف اللغات، ويسمع دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، فهم يقولون في سمع الله: لا نعلم معناه، مع أنهم يعلمون أنك إذا قلت: محمد يسمع، أنه يسمع بسمع حقيقي، لكنهم يقولون في صفة السمع: لا نعلم معناها، وكأنهم يقولون: تفوض المعنى، أي: لا معنى لها إلا هذه الحروف التي تشابكت أمامنا فقط، فهؤلاء هم المفوضة. وأما أهل السنة والجماعة فيفوضون الكيفية فقط ولا يفوضون المعنى، فهم يتفقون مع أهل البدعة في تفويض الكيف، ويفترقون عنهم في تفويض المعنى، ولذلك فالإمام أحمد لما ذكرت له الصفة قال: نفوضها لله، أي: نفوض كيفيتها، فأهل السنة والجماعة يقولوا: نفوض كيفيتها، فيقولون في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: نفوض الكيفية ولا نعلم كيف استوى، لكنا نعلم أن معنى الاستواء هو العلو والارتقاء. إذاً: فأهل السنة مع أهل البدعة يتفقان في تفويض الكيفية ويفترقان في تفويض المعنى؛ لأن أهل السنة والجماعة يثبتون المعنى ويعلمونه، وأما أهل البدعة والضلالة فيفوضونه. إذاً: فنفوض الكيفية في الأنامل، ونثبت المعنى، فلله أنامل، ولها كيفية، وهذه الكيفية مجهولة يعلمها الله. قال النبي ﷺ -كما في سنن الترمذي -: (رأيت ربي في المنام) وهذا دليل صريح على أن المؤمن يمكن أن يرى ربه في المنام بلا كيفية، فقد رأى النبي ﷺ ربه في منامه رؤية قلبية، لا رؤية بصرية؛ لأننا نعتقد أن النبي ﷺ لم يرى الله في الدنيا، ولم يراه أحد في الدنيا، يقول النبي ﷺ : (لن تروا ربكم حتى تموتوا) فلا رؤية لأحد لله جل وعلا بالعين البصرية في الدنيا، وعندما طلب موسى من الله أن يراه قال: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فالنبي ﷺ رأى الله في المنام ليلة، فسأله: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فلما لم يعلم النبي ﷺ ، وضع الله يده على صدره، قال النبي ﷺ : (حتى وجدت برد أنامله على صدري) فأثبت اليد ثم أثبت الأنامل، وهذا فيه تصريح أن لله أنامل. وهذا ختم الكلام في باب صفة اليد، والخلاصة: أن الله لا يوصف بأن له شمال، بل كلتا يديه يمين، وله أصابع وأنامل، وكيفيتها يعلمها ربنا جل وعلا. أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم.

стр. 114

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - صفة الرجل لله جل وعلا من الصفات الثابتة لله: صفة الرجل، وهي صفة خبرية تليق بالله تعالى، وقد أجمع الصحابة على إثباتها، وأما أهل التأويل والضلال فقد أولوها ولم تحتملها عقولهم، وهذا منهجهم وديدنهم في عرض صفات الله على عقولهم، فما قبلته عقولهم أثبتوه وما لم تقبله عقولهم لم يثبتوه.

стр. 115

إثبات صفة الرجل لله سبحانه بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: سنتكلم عن صفة من صفات الله الخبرية وهي صفة الرِّجْل لله سبحانه، فقد أدهش الله العقول وأبهرها بصفاته الجليلة العظيمة، ومنها: صفة الرجْل، فلله رجل تليق بجلاله وكماله لا تشبه أرجل البشر، وقد اشتركت هنا في الاسم، والقاعدة عند أهل السنة والجماعة: أن الاشتراك في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمى، فالقرد له رجل، والفيل له رجل، ورجل القرد لا تساوي رجل الفيل، فبينهما اختلاف، وأيضاً رجل النملة ورجل الفيل، ورجل القرد ورجل الحمار، فكل منها تسمى رجلاً ولا تتساوى، وكذا رجل الإنسان ورجل الحمار اشتركتا في الاسم، لكن لو قال رجل لآخر: يا أخي رجلك أراها أشبه ما تكون برجل الحمار لصفعه على قفاه؛ انتقاماً مما يقول، والتشابه في التسمية لا تقتضي التشابه من كل وجه، فمن باب أولى الخالق . إذاً: فرجْل الله جل وعلا تليق بجلاله وكماله، وهذه الصفة الجليلة ثبتت في كتاب الله بالإشارة، وفي السنة تصريحاً وتنصيصاً. فأما الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٩٥]، هنا الله جل وعلا ينكر على من يعبد من له صفات النقص، وكأنه يقول منكراً: أتعبد من ليس له رجل؟! فهذه صفة نقص، وأيضاً قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٩٥]، هنا ينكر على من يعبد من ليس له عين، فإن كان الله ينكر على من ليس له رجْل، فهو سبحانه له رجْل جل وعلا؛ لأنه أنكر عبادة من ليس له رجْل، وإن كان يشكل عليّ أنه قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٩٥] فهذه لا مجال للعقل فيها، فلا نقول: له أُذن أو ليس له أذن، حتى تبدو السنة. وأما إثبات الرجْل في السنة: فقد جاء الدليل منصوصاً بإثبات الرجل لله جل وعلا، كما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لا تزال النار يلقى فيها أفواج، فكلما ألقي فيها فوج قالت: هل من مزيد؟ حتى يضع الجبار رجله فيها)، فهذا تصريح بإثبات هذه الصفة، وفي رواية قال: (فيضع الجبار قدمه عليها). وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن لله رجْلاً يتصف بها، وهي صفة كمال وجلال تليق به جل في علاه.

стр. 116

شبهة أهل البدع في نفي صفة الرجل عن الله والرد عليهم إن أهل البدع لم يرضوا أن يثبتوا لله رجْلاً، وقالوا: إذا قلت: إن لله رجْلاً فقد وصفت الله بما وصفت به المخلوق، وأنزلت الخالق منزلة الخلق، وقالوا: الرجل هنا بمعنى الطائفة من المستحقين للنار، يعني: يضع الطائفة التي استحقت النار في نار جهنم، قالوا: وعندنا في ذلك مسوغ من اللغة؛ حتى لا تتهمونا بالزندقة، قلنا: ما هو المسوغ من اللغة؟ قالوا: حديث في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (إن أيوب بعدما عافاه الله جل وعلا مما فيه من ضر وبلاء كان يغتسل عرياناً، فنزل عليه رجْل جراد من ذهب)، ورجل هنا بمعنى طائفة جراد من ذهب، ثم قال: (فجعل يحثو منها، فقال الله له: ألم أكن قد أغنيتك؟ فيقول: لا غنى لي عن بركتك). فالشاهد من هذا أنه قال: (رجْل جراد من ذهب) يعني: طائفة جراد من ذهب، فتكون المعنى هنا: طائفة من الذين استحقوا النار، وهذا قول الأشاعرة. ونرد عليهم فنقول: هذا التأويل باطل من وجوه: الوجه الأول: أن هذا خلاف الظاهر، والقاعدة التي قعدها العلماء: أن الأصل في اللفظ أن يبقى على ظاهره إلا أن تأتي قرينة تصرفه من الظاهر إلى المؤول، فالظاهر في الرجْل أنها الرجلُ المعلومة في المعنى، والكيف مجهول. الأمر الثاني: أن الرسول ﷺ قال: (فيضع رجْله عليها) أي: يضع الله رجله عليها، والطائفة التي تنزل في النار هم فيها لا عليها، فيأبى هذا اللفظ أن يكون المراد ما قالوه. الوجه الثالث: أن المضاف إلى الله عموماً إما أن يكون من باب إضافة الأعيان أو إضافة المعان، وهو سبحانه قد أضاف الرجْل إليه، ولو تنزلنا معهم وقلنا: إن الإضافة إلى الله هنا إضافة تشريف، لكان أهل النار أفضل تشريفاً وأفضل عظمة وتكريماً من المؤمنين، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن أهل النار ليس لهم إلا التوبيخ والتقريع والنكال.

стр. 117

الأسئلة

стр. 118

إثبات صفة الهرولة لله كما تليق بجلاله السؤال جاء في الحديث القدسي: (فإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)، فهل نثبت لله صفة الهرولة؟ الجواب نعم نثبت صفة الهرولة لله كما جاءت في الحديث، ونقول: بأن الله يهرول، فإن قيل: كيف يهرول؟ فنقول: الهرولة في اللغة معلومة، والكيفية مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة.

стр. 119

وجه عدم إثبات الأذن لله بمفهوم المخالفة في قوله (أم لهم آذان يسمعون بها) السؤال هل يجوز إثبات الأذن لله بمفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٩٥]؟ الجواب لا تكفي هذه الآية لذلك، وأما في صفة الرجْل والعين فقد جاءت الأحاديث الصريحة تبين ما أشارت إليه الآية، بخلاف صفة الأذن فلم يأت في الأحاديث إثباتها؛ فإذا أثبتناها سنكون قد أثبتناها بالعقل لا بصريح النص، والعقل لا مجال له في إثبات صفات الله، وكذلك لم نثبت صفة الساق بالآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]؛ لأنها مطلقة، لكن أثبتناها بحديث النبي ﷺ الذي قال فيه: (فيكشف عن ساقه يوم القيامة، فيخرون سجداً لله جل وعلا)، فهذا الحديث فيه إثبات الصفة لله، فأثبتناها.

стр. 120

حكم إثبات العقل لصفات الله السؤال هل العقل يثبت الصفات لله ؟ الجواب لا، العقل إنما يقرر ما جاء في النص عن طريق قياس الأولى.

стр. 121

حكم الروايات التي فيها ذكر صفة الشمال لله تعالى السؤال هل صفة اليد لله فيها يمين وشمال؟ الجواب لا؛ فقد جاء في الحديث: (وكلتا يديه يمين) والرواية التي ذكر فيها الشمال رواية ضعيفة وإن كانت في مسلم، ففيها عمر بن حمزة وهو ضعيف، وهو الذي انفرد بذكر الشمال، لكن رواية مسلم والبخاري المتفق عليها جاءت بدون ذكر الشمال، وإذا وقع الخلاف بين المتفق عليه وبين الذي انفرد به مسلم، فإنه يقدم المتفق عليه.

стр. 122

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة صفة الرجل وإثبات صفة الكلام لله جل وعلا لقد جاء في السنة إثبات صفة الرجل لله تعالى، فعلى المسلم أن يسلم بذلك ولا يحكم فيه عقله، فإن العقل لا مدخل له في صفات الله ولا في الغيبيات، وهذه صفة ذاتية أثبتها أهل السنة والجماعة وأنكرها وأولها أهل البدع الذين لم يسلموا وينقادوا للشرع، ومثلها صفة الكلام لله تعالى، فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، فالله تعالى يتكلم حقيقة بكلام مسموع بحرف وصوت لا يشبه كلام المخلوقين.

стр. 123

إثبات صفة الرجل لله جل وعلا والأدلة على ذلك إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إخوتي الكرام! ما زلنا مع هذا الركن الركين من هذا الدين، وفرض عين على كل إنسان أن يتعلمه وهو علم التوحيد، فما زلنا مع كتاب (التوحيد وإثبات صفات الرب لإمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: قال: قال رسول الله ﷺ : (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوكلت بالمستكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم! فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها, وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها فتقول: قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً, وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً)]. في الحديث الآخر وفيه: (حتى تقول: قط قط) , وفي راوية أخرى: (أن الموت يذبح فيقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت, ويا أهل النار! خلود فلا موت). صفات الله جل وعلا التي أثبتها الله لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته: الصفات الفعلية الثبوتية الذاتية, والخبرية, ونحن الآن نتكلم عن صفة من صفات الله الخبرية وهي: صفة الرجل لله جل وعلا, فلله رجْل لا تشبه ولا تماثل رجل الخلق, فرجْل الله جل وعلا صفة من صفات الكمال والجلال والعظمة لله جل وعلا، وقد ثبتت هذه الصفة بالكتاب وبالسنة. فأما الكتاب: ففيه إشارة إلى ذلك فقد قال الله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٩٥]، فالله جل وعلا ينكر على الذين يعبدون من فيهم صفة النقص، فكيف يرتقون بمن وصف بالنقص إلى حيز من له الكمال المطلق؟ فهؤلاء ليس لهم أرجل, وهذه صفة نقص, فكيف يعبدونهم؟! فإذا أنكر الله جل وعلا على المعبودين أنهم يتصفون بصفة النقص وهي: أن لا رجل لهم, فمن الكمال أن يتصف الله جل وعلا بهذه الرجْل, فهذه إشارة. وأما التنصيص على ذلك ففي السنة: أن النبي ﷺ قال كما جاء في هذا الحديث: (تحاجت الجنة والنار، -وفيه- فإذا ألقي كل فوج في النار قالت النار: هل من مزيد، هل من مزيد حتى يضع الجبار رجله فيها) , وفي رواية: (حتى يضع قدمه عليها)، ورواية (عليها) فيها رد على أهل البدع والضلالة؛ لأن أهل النار يكونون في النار لا على النار, فأهل البدع يقولون: إن المراد بالرجل هنا: طائفة من أهل النار. ففيه: إثبات صفة الرجل لله جل وعلا, وهي صفة كمال، ومسماها عندنا: أجزاء وأبعاض. إن العبد إذا أثبت هذه الصفة العظيمة الجليلة لله جل وعلا فلا بد أن يتدبر في عظم هذه الصفة, وفي كمال هذه الصفة لله , فمن عظم صفة الرجْل لله جل وعلا أنه إذا وضعها في النار التي لا تمتلئ قط بالبشر أنها ينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط؛ لعظمة رجْل الله جل وعلا، ولكم أن تتدبروا وتتفكروا في قول ابن عباس بسند صحيح قال: العرش يستوي الله عليه جل وعلا, والكرسي موضع القدمين, والله جل وعلا يصف الكرسي فيقول: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهذا دلالة عظيمة على عظم رجل الله جل وعلا؛ وأنها صفة كمال وجلال وعظمة لله جل في علاه. فهذه الصفة لا بد للإنسان أن يتعبد بها لله, فإذا اعتقد هذا الاعتقاد الصحيح السديد في قلبه في عظم رجْل الله ازداد خوفاً وخشية ومهابة لله جل في علاه, وازداد وقاراً, فإن قلبه يرتجف عندما يسمع: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، والله جل وعلا يبين لنا أن الأرض والسماوات مطويات بيمينه , ويضع رجْله في النار فيزوي بعضها إلى بعض؛ من عظمة رجْله جل في علاه، ويرتجف القلب أيضاً من قول الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، وأنت لا يمكن لك أن تعظم ربك حتى تعلم عظيم صفات الله جل في علاه.

стр. 124

مسائل وفوائد متعلقة بالكلام عن صفة الرجل لله سبحانه ومستنبطة من الأحاديث السابقة وكلامنا عن هذه الصفة العظيمة التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ يتعلق به مسائل: المسألة الأولى: كم عدد أرجل الله جل وعلا؟ الجواب أننا نقف حيث وقفت الآثار, فلم يرد أي دليل مرفوع يثبت العدد, لكن ورد بسند صحيح عن ابن عباس في مستدرك الحاكم أنه قال: الكرسي: موضع القدمين, والعرش لا يقدر قدره إلا الله جل وعلا. فذكر ابن عباس هنا خبراً غيبياً، وعلماء الحديث يقولون: إن الصحابي إذا أخبر بخبر ليس هو محلاً للاجتهاد وهو أمر غيبي فحكمه حكم المرفوع. وقد قيل: إن ابن عباس كان يأخذ من أهل الكتاب، وبعض العلماء نحا في الغيبيات: أن يكون حكمها حكم المرفوع، فنحن نقف حيث وقف الأثر، فقد ورد بسند صحيح صححه الحاكم على شرط مسلم عن ابن عباس أنه قال: والكرسي موضع القدمين. والأحاديث السابقة التي قرئت علينا فيها فوائد مستنبطة كثيرة تفيدنا في التعبد لله جل وعلا بهذه الصفات الجليلة, ومن هذه الفوائد المستنبطة: أن الله جل وعلا ينشئ للجنة أقواماً أو خلقاً جديداً, وهذا فيه دلالة وإشارة إلى أن أهل الصلاح قلة وليسوا بكثرة, والذي يدلك على ذلك: أن أهل الجنة لا يملئون الجنة حتى يخلق الله جل وعلا خلقاً يملؤها بهم، وهذا موافق لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، وأيضاً مصداق لحديث النبي ﷺ في الصحيحين: (أن الملك ينظر إلى عبد نجا وجاوز الصراط وهو يلج الجنة، فيقول الملك: نجوت نجوت! يندهش لذلك)، فهذا فيه دلالة كبيرة على أن أهل الصلاح قلة ولا يغرنك كثرة الهالكين, ولذلك ورد عن ابن مسعود بسند صحيح لما سئل عن الجماعة قال: من كان معه الحق وإن كان وحده, فهذه لفتة عظيمة ولطيفة لا بد لكل عبد أن يتدبرها وهي: ألا يغتر بالكثرة، فالقلة إذا كان معهم الحق فهؤلاء هم الذين لابد أن تلتزم برباطهم أو بصراطهم، وتسير معهم على الدرب الذي رسمه رسول الله ﷺ , كما في الصحيح (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم). وأيضاً من الفوائد المستنبطة: كلام الجنة والنار، وفي الحديث الصريح قال النبي ﷺ : (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: مالي أوثرت بالمستكبرين؟ وقالت الجنة: ما لي أوثرت بالضعفاء والعجزة؟ فيقول الله جل وعلا للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء, ويقول للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء) , ففيه دلالة: أن الجماد يتكلم, وفيه رد قاطع على أهل البدعة والضلالة الذين يعطلون صفات الله جل وعلا, ويقولون: إن الله لا يتكلم، مع أن الله جل وعلا تكلم، واستمع جبريل صوت الله جل وعلا وكلامه، فالله جل وعلا ينادي بصوت مسموع ويتكلم بحرف كما بينا قبل ذلك. وأما أهل البدع فقد أنكروا ذلك وقالوا: لو قلنا بأن الله يتكلم للزم من ذلك أن يكون آلة ولا بد من مخرج، ولا بد من فم ولسان! والذي جعل فكرهم يصل إلى ذلك أنهم شبهوا الخالق بالمخلوق، فما قدروا الله حق قدره، ولا قالوا: إن هذه صفة من صفات الكمال والجلال لله جل وعلا فعطلوها، فقد خافوا من التشبيه ففروا إلى التعطيل, ونحن نقول: هذه لوازم باطلة ولا تلزم من إثبات الصفة، ولو نظرنا في المخلوقات لوجدنا أن بعض الجمادات قد تكلمت وليس لها فم ولا لسان، والجنة تكلمت وقالت: أوثرت بالضعفاء والعجزة, والنار تكلمت وقالت: أوثرت بالمستكبرين، ولا مخرج للجنة ولا النار, وأيضاً نظير ذلك: أن السماء والأرض والجبال عندما أمرهن الله جل وعلا أن يأتين طوعاً أو كرهاً قلن: أتينا طائعين، وهذا تصريح بالكلام من السماء والأرض والجبال، والطعام تكلم أيضاً، فالصحابة رضوان الله عليهم لما طهرت قلوبهم وازداد الإيمان عندهم كانوا إذا أكلوا الطعام سمعوا تسبيح الطعام، فأين المخرج الذي يتكلم منه الطعام؟ فما ذكروه من اللوازم لا يلزم، وذلك الجذع الذي كان يرتقي عليه النبي ﷺ في خطبته، لما صنع له المنبر سمع الصحابة أنين الجذع؛ لفراق النبي ﷺ . وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ وصف الحجر الذي ضربه موسى لما قال: ثوبي حجر! ثوبي حجر! قال: (وسمع له أنين)، فالحجر أيضاً له أنين مع أنه ليس له مخرج. وأيضاً من الفوائد المستنبطة من هذه الأحاديث: إثبات صفة الإتيان لله تعالى، وهي صفة من صفات الفعل لله جل وعلا, وهي: صفة ثبوتية فعلية, وضابط الصفة الفعلية: أنها الصفة التي تتعلق بمشيئة الله تعالى، وهنا الله جل وعلا يأتي يوم القيامة يفصل بين العباد, فيأتي والملك صفاً صفاً, فالله جل وعلا يأتي إتياناً يليق بجلاله وكماله, وأما التفصيل لهذه الصفة فسيأتي إن شاء الله. وقد بينا قبل ذلك الرد على المبتدعة الذين يقولون: إنما يأتي أمره، أو تأتي ملائكته, وذكرنا أن هذا خلاف ظاهر اللفظ، فإن الله جل وعلا يأتي إلى النار, ويأتي إلى الجنة, فيأتي إلى النار فيضع رجله فيها فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط. أيضاً من الفوائد المستنبطة: نفي الظلم عن الله تعالى، فالظلم صفة سلبية أي: منفية عن الله جل وعلا, وقد نفاها عن نفسه سبحانه، ونفاها عنه رسوله ﷺ , قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ [هود:١٠١]، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، فنفى الظلم عن نفسه مع قدرته عليه جل وعلا, فالله على كل شيء قدير ، وفي الحديث الذي في مسلم قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) , فالله يقدر على الظلم لكنه لا يظلم، وهذا من كمال عدله جل في علاه. والمقصود: أن الظلم صفة سلبية منفية عن الله، فقد نفاها الله عن نفسه في كتابه، ونفاها عنه رسوله ﷺ كما في هذا الحديث, والنفي المحض لا كمال فيه, بل ننفي هذه الصفة ونثبت كمال ضدها، فقول الله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ)) نقول: لكمال عدله سبحانه، فهو الحكم العدل, فإن الله يحب المقسطين، والله ما أنزل الكتاب من السماء إلا بالحق؛ ليحكم بين الناس بالحق وبالعدل، فإن الله عدل يحب كل عدل ويحب المقسطين , ويبغض الظالمين ويبغض كل ظلم، ويكفيك لتعلم أن الله لا يحب الظلم ولا الظالمين لا أن الله جل وعلا أقسم من فوق سماواته العلى، فقال عن دعوة المظلوم: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)، فهذه دلالة على بغض الله جل وعلا للظالم وللظالمين. وفي مسند أحمد بسند صحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: لله ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفره الله أبداً, وديوان لا يتركه الله أبداً, وديوان هو في المشيئة, فإذا كانت المشيئة فهو أقرب إلى الرحمة؛ لأن الله جل وعلا قال: إن رحمتي سبقت غضبي, فأما الديوان الذي لا يغفره الله أبداً: فهو الشرك, ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، وأما الديوان الذي لا يتركه الله أبداً: فديوان المظالم، فالمظالم لا تفوت عند الله بحال من الأحوال, ففي عرصات القيامة عند دنو الشمس على قدر ميل أو شبر من الرءوس يجعل الله العبد الظالم يقف هذه الوقفة، فيرتجف قلبه، وترتعد فرائصه من المظالم التي وقعت منه على العباد، ويقتص منه يوم القيامة, فالله لا يفوت الظلم أبداً, قالت: والديوان الذي لا يتركه الله أبداً: ديوان المظالم؛ لأنه لا يظلم وقد حرم الظلم على نفسه, فلذلك لما تناطحت شاة مع أخرى قال النبي ﷺ لـ علي بن أبي طالب (إن الله جل وعلا سيقتص للشاة الجلحاء) فالله جل وعلا يبغض الظلم حتى مع البهائم وينتصر للمظلوم, فالله لا يظلم الناس شيئاً: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) فهذه أيضاً من الفوائد المستنبطة من بركة هذه الأحاديث. وأيضاً من الفوائد المستنبطة من هذه الأحاديث: رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا، وقد بين النبي ﷺ (أن أهل الصليب يذهبون مع الصليب، والذين كانوا يعبدون القمر والشمس ويعبدون عزيراً يمثل لهم بعزير ويمثل لهم بعيسى وكلاً يكون إلى نار جهنم، ويبقى المؤمنون ومعهم المنافقون فيأتي الله جل وعلا على صورة غير الصورة التي يعرفونها, فيقول لهم: لمَ لم تذهبوا مع الناس؟ قالوا: كنا وحدنا في الدنيا ونحن في الآخرة كذلك، فيقول: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا, فقال: هل بينكم وبينه علامة؟ قالوا: نعم , فيقول أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لست بربنا)؛ لأنهم لا يعرفونه، فهم يعرفون ربهم في عرصات يوم القيامة بعلامة بينهم وبينه جلا وعلا, فيأتيهم بصورة أخرى أيضاً فيقولون نفس القول، ثم يأتيهم بالصورة التي يعرفونها فيقول: أنا ربكم, فيقولون: أنت ربنا، فيكشف عن ساقه جل في علاه، فيسجد كل مؤمن كان يسجد لله إخلاصاً، وأما المنافق فيرجع ظهره طبقاً -نعوذ بالله من الخذلان- فلا يسجد، ويظهر نفاقه، فالله جل وعلا يخدعه كما خادع هو الله والمؤمنين في الدنيا. إذاً: فالمؤمنون يرون ربهم في عرصات يوم القيامة، وفي الجنة، فأفضل ما يتمتعون به في الجنة هو رؤية وجه الله جل وعلا، جعلنا الله جميعاً ننظر إلى وجهه الكريم، ونقترب منه على منابر من نور, وكل -بحسب إيمانه- ينظر إلى ربه جل وعلا, ولما سألوا النبي ﷺ كما في الصحيحين: (هل نرى ربنا؟ قال: أترون القمر ليلة البدر، وقال: أترون الشمس

стр. 125

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى وصفة العلو لله جل وعلا مما يجب على المسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته، إيماناً لا يتطرق إلى معتقده أي شك فيه، فيؤمن بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، ومن الصفات الذاتية المعلومة من دين الله ضرورة: صفة العلو، فالله تعالى علي بذاته وقهره وشأنه، والأدلة العقلية والنقلية على علو الله أكثر من أن تحصى، بل إن أكبر دليل على علوه سبحانه الفطر السليمة، التي تجد عند الملمات والضرورات والمشكلات ضرورة في الاتجاه إلى الله سبحانه في العلو، فترفع يديها داعية ربها سبحانه في اتجاه العلو، أما منكر صفة العلو فهو جاحد لم يقدر الله حق قدره.

стр. 126

انقسام صفات الله تعالى إلى ذاتية وفعلية وخبرية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إخوتي الكرام! فمازلنا مع هذا الكتاب العظيم, كتاب التوحيد: لـ ابن خزيمة إمام الأئمة. فقد ذكر المصنف الآيات والأحاديث التي تثبت صفات ربنا جل وعلا الثبوتية الذاتية, ثم هو ينتقل بنا الآن إلى الصفات الفعلية. باب: ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى. يعني: استوائه على العرش. قال المؤلف ﵀: [باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى الفعال لما يشاء على عرشه، فكان فوقه وفوق كل شيء عالياً، كما أخبر الله جل وعلا في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. وقال ربنا : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]. وقال في (الم تنزيل) السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]. وقال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]]. انتقل مؤلفنا رحمة الله عليه، ورضي عنه وعن علماء السلف إلى الصفات الفعلية للذات العليا لرب البرية جل في علاه, فصفات الخالق تنقسم إلى: صفات ثبوتية ذاتية، وصفات ثبوتية فعلية, وصفات ثبوتية خبرية.

стр. 127

ضابطٌ في معرفة صفات الله تعالى الفعلية وقد نقل المصنف لنا الصفات الثبوتية الخبرية من يد وساق ورجل وقدم وعين, فأخبرنا بكل هذه الإخبارات عن النبي ﷺ , ثم انتقل بنا من الصفات الخبرية إلى الصفات الفعلية. وضابط الصفات الفعلية لرب البرية: أنها تتجدد, وأنها تتعلق بالحوادث، أما ضابطها لطالب العلم المتقن: أنها تتعلق بالمشيئة, فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل, فهذه هي الصفات الفعلية. فتتجدد: كما قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢]، وتدرج النبي ﷺ في الدعوة بتدرج أوامر الله جل وعلا النازلة عليه، فقد كانت تتعلق بالحوادث. إذاً: فالضابط الذي يريح طالب العلم: أن يضع قبلها إن شاء, فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، فالله يتكلم، إن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم، وكذلك في النزول والإتيان والقهر وهكذا. فالغرض المقصود: أن ضابط الصفات الفعلية لرب البرية: أن تضع قبلها: إن شاء.

стр. 128

ذكر صفة العلو وأقسامه واليوم نتكلم بإذن الله عن الصفات الفعلية التي أولها: صفة الاستواء أو العلو, والعلو علوان: علو مطلق, وعلو مقيد. فالعلو المطلق: هو علو الذات, وهذا قبل أن يخلق الخلق, وقبل أن يخلق العرش, فهو علي بذاته سبحانه جل في علاه, وهو علي في قهره, علي في شأنه, رفيع الدرجات، كما قال الله تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر:١٥]، وقال تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، فله العلو المطلق سبحانه جل في علاه. والعلو المقيد: هو الذي يتكلم عنه مصنفنا اليوم, وهو الاستواء على العرش, كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فاستوى، أي: علا وارتقى . والاستواء في اللغة يأتي على معان ثلاثة: فهو يتعدى بنفسه, ويتعدى بإلى, ويتعدى بعلى. فإذا تعدى بنفسه فمعناه: أنه بلغ المنتهى, تقول: استوى الطعام، أي: بلغ منتهاه في النضج. وإذا تعدى بإلى فمعناه: القصد لا العلو، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩]، أي: قصد السماء فخلقها سبع سماوات, وقال لها هي والأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً، (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]. إذاً: استوى إذا تعدى بإلى يكون معناه: القصد لا العلو, حتى نرد على أهل البدعة والضلالة. وإذا تعدى هذا الفعل بعلى فمعناه: علا وارتفع, قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، أي: علا وارتفع على العرش، ويفهم من هذه الآيات: أن الاستواء على العرش كان بعد خلق السماوات والأرض.

стр. 129

عقيدتنا في استواء الله على عرشه وعقيدتنا في استواء الله جل وعلا: هي عقيدة الإمام مالك في قوله: الاستواء في اللغة معلوم. فقصد: العلو والارتفاع، قال: الاستواء في اللغة معلوم, والكيف مجهول, فلا تقل: كيف استوى الله على عرشه؟ قال: والكيف مجهول, والسؤال عنه بدعة, والإيمان به واجب. إذاً: اعتقادنا في استواء ربنا جل وعلا على عرشه أن نقول: الاستواء معناه: العلو, فالاستواء في اللغة معلوم, والكيف مجهول, والإيمان به واجب, والسؤال عنه بدعة, فهذا هو معنى الاستواء.

стр. 130

الأدلة العقلية والنقلية على علو الله تعالى واستواء الله جل وعلا صفة فعلية كما بينها الله لنا وأثبتها في كتابه سبحانه، وأثبتها له رسوله, بل وأجمع الصحابة الكرام على استواء ربنا جل وعلا على عرشه, والعقل يقبل ذلك والفطر السليمة كما سنبين. أما بالنسبة للكتاب: فإن كل دلالات العلو المطلق يستدل بها على العلو المقيد والاستواء على العرش. قال الله تعالى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، وقال جل في علاه: (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩]، والقاعدة في أسماء الله تعالى تقول: إن أسماء الله تعالى كلها حسنى، ومعنى الحسن هنا: أنها متضمنة لصفة كمال مندرجة تحتها، فالعلي: يتضمن صفة العلو، والرحيم: يتضمن صفة الرحمة، والكريم: يتضمن صفة الكرم وهكذا. فإن قيل: فهل (النور) اسم من أسماء الله؟ ف الجواب لا؛ لأنه صفة من صفات الكمال وليس اسماً. أما الدلالات الأخرى: فبالتصريح أنه استوى وعلا على عرشه, كما قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، أي: علا وارتفع ، وقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] إذاً: فالاستواء جاء بعد خلق السماوات والأرض، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]. فهذه دلالات من الكتاب على استواء الله جل وعلا بالتصريح على عرشه, يعني: أنه علا وارتفع على العرش. ومن الدلالات على علو الله جل وعلا على عرشه أيضاً: التصريح بالفوقية, فالفوقية تدل على أنه فوق العرش, كما قال ابن مسعود: (والعرش فوق السماء السابعة, والله فوق العرش, ولا يخفى عليه شيء من أفعالكم). قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وهذا الدليل والشاهد، وقال الله تعالى عن الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، فالملائكة في السماء والله من فوقهم، أي: من فوق عرشه . ومن الدلالات الفوقية: التصريح بالعندية, أي: أن الله جل وعلا ينزل بأمره من عنده, فالتصريح بالعندية يدل أيضاً على علو الله جل وعلا، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء:١٩]، أي: الملائكة، فالعندية هنا تدل على: العلو والفوقية. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : (إن الله كتب كتاباً عنده, أن رحمتي سبقت غضبي)، فالعندية هنا أيضاً تدل على: علو الله جل في علاه. ومن الدلالات أيضاً على علو الله واستواءه على عرشه: رفع الأعمال إليه، وعروج الملائكة إليه, وأن الكلم الطيب يصعد إليه, وأن الأوامر تنزل من عنده، وكذلك الرفع الذين يكون من النزول إلى العلو, فكل هذه المعاني تدل على العلو لله . أما بالنسبة للرفع: فقد قال الله عن عيسى -بعدما كذب اليهود الذين ادعوا وزعموا أنهم قتلوه ظلماً وزوراً وهو رسول الله- قال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، والرفع يكون إلى أعلى, فهذه دلالة أيضاً على فوقية الله جل في علاه. وقال النبي ﷺ عن الله جل وعلا: (يرفع القسط ويخفضه)، وصرح بالعروج إليه فقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:١ - ٤]. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لله ملائكة يسيحون في الأرض, ينظرون إلى حلق الذكر, وإلى حلق العلم, فيلتفون حول هذه الحلق ويكتبون الأسماء, فيعرجون بها إلى الله فيسألهم وهو أعلم بهم, ماذا كانوا يفعلون؟ قالوا: يكبرونك ويهللونك ويحمدونك, فيقول: ماذا يسألون؟ فيقولون: الجنة، فيقول: أعطيتهم الجنة وعصمتهم من النار، ثم يقول ملك: ربي! إن فلاناً قد جاء لحاجة, فيقول الله جل وعلا -وهي أكبر بشارة لطلبة العلم- فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، فالملائكة تعرج إلى الله جل وعلا، فدل ذلك على الفوقية، وأن الله فوق عرشه بائن من خلقه . وفي الصحيحين أيضاً عن النبي ﷺ : أن الملائكة تتعاقب فينا وتصعد بأعمالنا في الصبح والعصر, قال النبي ﷺ : (فيصعد الذين باتوا فيكم)، أي: يصعدون إلى الله جل وعلا بعدما كتبوا أعمال عباده جل في علاه, فهذه أدلة أيضاً تدل على الفوقية. وكذلك النزول: فإنه يدل على الفوقية, قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٦]، والنزول لا يكون إلا من علو، قال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، وقال الله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل:٢]، والتنزيل لا يكون إلا من علو إلى سفل أيضاً. فالغرض المقصود: أن النزول أو العروج أو الصعود أو الارتفاع, كل هذا يدل أيضاً على علو الله على خلقه. ومن الأدلة التي تدل على فوقية الله على خلقه أيضاً: أحاديث عن النبي ﷺ أثبت فيها علو الله, فلما صفع معاوية بن الحكم السلمي الجارية وتراجع عما فعل, وندم على ذلك, قال: (يا رسول الله! أعتقها)، وقد لطمها على خدها لأن الذئب خطف منها غنمة أثناء رعيها لها، وهو صاحب جبلة بشرية يغضب ويسخط، فندم على ما فعل فقال: يا رسول الله! أعتقها؟ فقال له النبي ﷺ : (ائتني بها، فجاءت الجارية, فقال لها النبي ﷺ : أين الله؟)، وهذا رد على الذين يمنعون السؤال بأين، وأن من سأل: بأين كفر، كما سنبين في ذلك, قال: (أين الله؟ قالت: في السماء)، ومعنى في السماء: أي: على السماء, وهذا مصداق لقول الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، أي: الذي على السماء. والدليل على أن في هنا بمعنى على: قول الله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥]، أي: امشوا على الأرض, وقال أيضاً: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، فهل شق جذوع النخل ليصلبهم فيها؟ فالمعنى إذاً: على جذوع النخل. وتأتي من أيضاً بمعنى العلو, كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق:٩] والسحاب هي التي تمطر وليست السماء، قال: ((وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ))، أي: من العلو, فالسمو: يعني: العلو (فقال لها النبي ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء)، فربط النبي ﷺ إيمانها هنا باعتقادها الصحيح في علو الله جل في علاه. قال: (أين الله؟ قالت: في السماء, فقال له النبي ﷺ : اعتقها فإنها مؤمنة)، فربط إيمانها باعتقاد صحيح: وهو اعتقاد علو الله جل في علاه. ومن الأدلة أيضاً: لما أوصى النبي ﷺ أصحابه في خطبة الوداع بالوصايا، ثم قال: (هل بلغت؟ قالوا: نعم بلغت, فقال النبي ﷺ : اللهم فاشهد, وكان يشير بإصبعه إلى السماء)، فهذه أدلة تثبت علو الله جل وعلا من الكتاب والسنة.

стр. 131

إجماع الصحابة والتابعين على إثبات صفة العلو لله تعالى أما الإجماع: فقد أجمع الصحابة الكرام على علو الله، وأن الله فوق عرشه لا يغيب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض, فهذا أبو بكر ﵁ وأرضاه لما بلغه موت النبي ﷺ بأبي هو وأمي ـ (دخل عليه فبكى، فنظر إليه فقبل بين عينيه وقال: طبت حياًً وميتاً يا رسول الله! ثم خرج على الناس وعمر يتهاوى بين الناس شاهراً سيفه يقول: من قال: إن رسول الله قد مات ضربت عنقه, فإنما ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وسيرجع إلينا, فقال أبو بكر: اسكت يا عمر! فسكت عمر، فقال أبو بكر: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت) , وهذا هو الشاهد. فـ أبو بكر يعتقد أن ربه في علو فوق العرش, قال: (ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت)، وعمر أيضاً يعتقد هذا الاعتقاد الصحيح؛ فإنه ربي على مائدة رسول الله ﷺ , وقد جاءت إليه خولة تردد عليه الوعد وتبين له أنه أمير المؤمنين, وأنه مسئول أمام ربه, وأن عليه أن يتقي الله في الرعية ويخشى الله سبحانه، قال رجل من عماله: قد أكثرت على أمير المؤمنين, فقال عمر بن الخطاب: اسكت! أما تعلم أن هذه خولة ﵂ وأرضاها- التي سمع الله قولها أو شكايتها من فوق سبع سماوات. فهنا يبين عمر أنه يعتقد أن الله يسمع صوت هذه المرأة وهي تشتكي من فوق سبع سماوات, ولذلك قالت عائشة: (سبحان الذي وسع سمعه كل الأصوات! فإن المرأة تشتكي لرسول الله ﷺ فيخفى علي بعض حديثها, فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي﴾ [المجادلة:١]، من فوق سبع سماوات)، وأيضاً اعتقاد عائشة ﵂ وأرضاها هو اعتقاد عمر، وهو نفس اعتقاد ابن عباس، فقد دخل ﵁ وأرضاه على عائشة وهي تموت, فقال لها: (أبشري)، وهذه هي السنة: أن ترجي من كان على فراش الموت بالله جل وعلا, فلا يموتن إلا وهو يحسن الظن بربه؛ لأن الله جل وعلا يقول: (أنا عند ظن عبدي بي, فمن ظن بي خيراً فله, ومن ظن غير ذلك فله)، (فدخل ابن عباس فقال: أبشري أنت زوج النبي ﷺ في الدنيا وفي الآخرة، وأنت وأنت وأنت، ثم قال: وأنت التي برأك الله من فوق سبع سماوات)، فالله جل وعلا برأها وهو على العرش, يقصد بذلك الآيات التي نزلت من فوق سبع سماوات. ومن الدلائل أيضاً: قول النبي ﷺ لـ معاذ: (قد وافقت حكم الله)، أي: على بني قريظة عندما قال: تقتل مقاتلتهم، قال: (قد وافقت حكم الله من فوق سبع سماوات)، وكان ابن عباس يقول أيضاً: (ما بين الأرض والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام, وبين كل سماء وأخرى ميسرة خمسمائة عام، ثم قال: وفوق ذلك الكرسي, وفوق الكرسي العرش, وفوق العرش الله جل وعلا, ولا يخفى عليه منكم شيء). وكان هذا أيضاً اعتقاد التابعين, فقد كان مسروق يقول وهو يفسر الآيات: حدثتني عائشة التي برأها الله من فوق سبع سماوات، وهو قول مجاهد وعطاء وغيرهم، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك والإمام أحمد. أما أبو حنيفة: فقد جاءته امرأة فقالت: أنت معلم الناس الفقه, أسألك عن فقه أكبر, قال: ما هو؟ قالت: أين الله؟ -فهذا هو الفقه الأكبر: أن تعتقد في الله الاعتقاد الصحيح السليم- قالت: أين الله؟ فقال لها: ائيتني بعد أسبوع, ثم قال: الله فوق السماء, أو قال: فوق العرش، والعرش فوق السماء. ومن قال: إن الله فوق السماء ولا يعلم ما عليه العباد فهو كافر؛ لأنه ضل في صفة من صفات الله وهي: صفة العلم. وقال الإمام مالك: إن الله فوق عرشه، ولا يخفى عليه شيء من عباده. وكان الإمام الشافعي يقول: إن الاعتقاد السليم الذي عليه الأئمة والعلماء: هو أن الله فوق عرشه بائن من خلقه. وقالوا للإمام أحمد: ما رأيك فيمن يقول: إن الله ليس فوق العرش, قال: يكفر, أو قال: إن الله فوق العرش, أو كما قال ﵁ وأرضاه. فهذه إجمال الآثار التي ثبتت عن الصحابة وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 132

الفطر السليمة والعقل يقرران علو الله تعالى أما العقل فإنه يقرر ذلك؛ إذ أن العلو صفة كمال، فإنك إذا أردت أن تزدري إنساناً فإنك تقول له: هذا إنسان سافل، أي: أن فيه سفولاً، والإنسان أصلاً إذا انحط أو سفل فهذا نقص فيه, أما إذا أردت أن تظهر أن الرجل هذا رجل ذو أخلاق رفيعة فإنك تقول: إن فلاناً كامل، والعلو صفة كمال، وتقول: هذا رجل عنده أخلاق عالية, أخلاق سامية, أخلاق راقية, فالعلو صفة كمال بالعقل, والسفول صفة نقص به أيضاً, والقاعدة: أن الله منزه عن كل نقص، فبالعقل أيضاً تقرر صفة العلو, وأنها كمال, ونحن نصف الله جل وعلا بكل كمال, فإذا اتصف الإنسان بصفة كمال فالله أولى بها, فإذا وصفت عبداً بأن له الكمال في الخلق أو أن خلقه راقٍ مثلاً أو سام، فإنك لابد أن تقول: والله أولى بهذه الصفة؛ لأنها صفة كمال. ومن الأدلة أيضاً: الفطر السليمة, فالفطر السليمة تعتقد الاعتقاد السليم في كمال الله جل في علاه, فإن الله فوق عرشه وأنت في الأرض، إذا أصابتك مصيبة التف قلبك حول العرش, وإذا أردت أن تدعو الله جل وعلا اتجه قلبك إلى من فوق العرش , ولذلك كان الجويني يبين أن الله جل وعلا ليس على عرشه, فجاء الهمداني فألقى عليه شبهة من أعظم ما تكون, فقال: يا إمام! نسلم لك أن الله ليس على العرش, لكن أمراً حيرنا, قال: ما هو؟ قال: ما تضيق بنا ضائقة إلا ونجد القلوب ترتقي إلى من فوق العرش, وإذا دعونا رفعنا أيدينا إلى السماء, فما هذا؟ فضرب الإمام الجويني على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني. معنى ذلك: أنه كان يرى في نفسه ذلك, فكان إذا ضاقت به الأمور وإذا وقعت به الملمات وجد نفسه تنظر إلى السماء, فقلبه معلق بصاحب العرش, أو بمن فوق العرش , فإذا دعا الله لا يدعو إلا وهو رافع يديه, وهذا واقع مشاهد. والنبي ﷺ في غزوة بدر رفع يديه حتى ظهر بياض إبطيه وهو يقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعد اليوم)، وأنت كلما نزلت بك المصائب نظرت إلى السماء فدعوت، بل إنك تبكي وأنت تنظر إلى السماء بفطرة سليمة جبلت عليها. إذاً: فالله جل وعلا فوق عرشه, وهذا ثابت بالكتاب وبالسنة، وبإجماع الصحابة, وبالعقل السليم الصحيح الذي لا يخالف صريح السنة, وبالفطر السليمة أيضاً. أخي الكريم: إذا اعتقدت هذا الاعتقاد الصحيح السديد السليم فلك تبع ستحاسب عليه. أولاً: يجب عليك أن تتعلم هذا العلم؛ لأنه فرض عين على كل إنسان أن يعتقد في الله الاعتقاد السديد الصحيح, ولا يعتقد الاعتقاد الباطل الذي يعتقده أهل الباطل والبدع كما سنبين في الرد عليهم, لكن إذا اعتقدت بعدما تعلمت هذا, وجب عليك أمر آخر فوق هذا الأمر وهو: أن تتعبد لله بهذا الاعتقاد الصحيح، فإذا اعتقدت أن ربك جل وعلا له العلو المطلق, وعلو الشأن، وعلو القهر, ((رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ))، وعلمت أن الله علي يحب كل علي، فلا بد أن تتعبد لله بأثر هذه الصفة, صفة الكمال, فتكون عالي الهمة أمام ربك، لا من الدون ومن الأسافل, فلا ترضى لنفسك بسفاسف الأمور, بل تكبر همتك فتقول: ولم لا أكون مثل ابن تيمية؟ ولم لا أكون مثل العز بن عبد السلام؟ ولم لا أكون مثل أبي بكر أو عمر؟ فذاك فضل الله يؤتيه من يشاء, فالذي يفرق بيني وبين رسول الله هي: درجة النبوة, لم لا تكون همتك كذلك؟ إذا اعتقدت في ربك هذا الاعتقاد السديد الصحيح السليم, وأن الله علي يحب كل علي فإن همتك تكبر وتعلو, فتصبح دائماً في عروج وفي علو, ولا ترضى بالدنيا والدون, فإن الذين يلتفون حول الدنيا يلتفون حول الجيف, والأسد أبداً لا يقع على الجيف, بل تنظر لأهل الدنيا فتبكي عليهم؛ لأن الله شغلهم بالدنيا عن الدين, وأنت تعلم وتقر في نفسك إقراراً صحيحاً سديداً بأن الله لا يعطي الدين لأي أحد أبداً؛ فإن الله يغار؛ لأن الدين جوهرة, والجوهرة لا تعطى إلا لمن يصون هذه الجوهرة, وكما قال علمائنا: إن الله يعطي هذه الدنيا لمن أحب ومن لم يحب, أما الدين فلا يعطيه الله إلا لمن يحب. فكن -أخي الكريم- عالي الهمة حتى يصطفيك الله جل وعلا فيحبوك بالدين, ويحبوك بالعلم, ويحبوك بالرفعة والارتقاء عنده. إذاً: إذا اعتقدت الاعتقاد الصحيح بأن الله علي فستكون علي الهمة, علي الخلق, فإن الأخلاق السامية ترفعك عند ربك، كما في مسند أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن المسلم ليدرك بحسن خلقه درجه الصائم القائم)، إذاً: فأنت علي في همتك علي في أخلاقك, فإذا كنت صاحب أخلاق سامية فسترتقي إلى درجة الصائم القائم, فميزان المؤمن عند ربه: هو ميزان الخلق, كما قال أبو هريرة في بعض الآثار: (أثقل ما يوضع في ميزان العبد: البر، وحسن الخلق). لقد كان النبي ﷺ أحسن الناس أخلاقاً, حتى إن الله جل وعلا لما مدحه مدحه بأرقى السمات والصفات, فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] واجعل يدك -أخي- هي العلية, فيد المعطي: هي العلية, وذاك فضل الله يؤتيه من يشاء, ويد الآخذ: هي اليد السفلى, لكن العلو كل العلو أن تعطي العلم أولاً, إذ أن العلماء قالوا: أكبر الصدقات وأعظم الصدقات صدقة العلم, ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس, وكان أجود ما يكون حين يدارسه جبريل القرآن, ودارسه عند موته مرتين)، ففيه دلالة: على أنه كان أجود ما يكون عندما يدارسه القرآن. فإعطاء العلم صدقة أيما صدقة, والفرق بين صدقة العلم وصدقة المال: أن العلم يكثر بالنفقة, والمال ينقص بالنفقة عند الذي لا يوقن بالأجر عند ربه، أما من أيقن بالأجر عند ربه تعالى فإن ماله يزيد ويعلو، كما قال ﷺ : (أنفق بلال! ولا تخش من ذي العرش إقلالاً)، أما الملائكة فإنهم يقولون في الصباح والمساء: (اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً). فالصحيح الراجح في ذلك: أن المال يزكو عند الاعتقاد الصحيح في الرب الجليل . أخي الكريم! إذا اعتقدت أن ربك فوق عرشه يدبر أمر خلقه, فلن تعبئ بالناس كلهم, إذ لا يمكن لأحد أن يضرك إلا الله جل وعلا, فهو الذي يدبر أمرك من فوق سبع سماوات, وهو الذي يملك خزائن السماوات والأرض, فلن تطلب الرزق من أحد تذللاً, وإن أخذت بالسبب أخذت به مع يقين قلبك أن المسبب هو الله جل في علاه, فأنت لن تتذلل إلا لربك, ولن تعتقد الاعتقاد الصحيح إلا في ربك, قال ﷺ : (لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, وإن اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فالأقلام بيد الله لا بأيدي البشر, والقلوب تتحول في لحظة واحدة, فإذا اعتقدت الاعتقاد الصحيح في ربك بأنه يدبر أمور الخلق وشئون الخلق أجمعين, وأنه فوق عرشه فلن يمتلئ قلبك إلا بحب الله, ولن يمتلئ قلبك إلا بالخوف من الله جل وعلا, ولن يمتلئ قلبك إلا برجاء الله والتذلل له جل في علاه. أخي الكريم! إذا اعتقدت أيضاً أن الله جل وعلا فوق عرشه قاهر لعباده فلن تخاف إلا من ربك جل وعلا, وستعلم أن النصر والقوة بيده، وأن العزة بيده سبحانه، وستكون من حزب الله الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦]، فإن حزب الله هم المقربون من ربهم جل في علاه. فإذا اعتقدت هذا الاعتقاد الصحيح السديد السليم في أن ربك قاهر فوق عباده, فإنك بإذن الله سوف تكون من حزبه ومن أوليائه، وسوف تكون ممن ينصر دينه سبحانه جل في علاه. هذا هو التطبيق العملي لهذا الاعتقاد الصحيح السديد, فإنك إذا اعتقدت أن ربك فوق عرشه, علي بذاته, وعلي بقهره ، فستكون أغنى الناس وأكملهم وأقواهم وأعزهم. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يضرب لنا أروع الأمثلة في ذلك فيقول: ماذا يريدون مني؟ إن قتلوني فقتلي شهادة, وإن سجنوني فسجني خلوة -أي: خلوة بربي جل وعلا- وإن نفوني فنفيي سياحة, أنا جنتي في قلبي, إن في هذه الدنيا جنة من دخلها دخل جنة الآخرة, ومن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، نعوذ بالله من الخذلان. ونسأل الله ربنا جل في علاه أن يجعلنا من المعتقدين بهذا الاعتقاد الصحيح, وأن يجعلنا متعبدين له بحسن العبادة وبما يرضاه منا جل في علاه، وأن يجعل قلوبنا كلها معلقة بذاته وصفاته , وألا نتعلق بأي أحد من أبناء آدم، كما نسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا ولكم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 133

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة صفة العلو لله جل وعلا صفة العلو لله تعالى من الصفات التي أثبتها أهل السنة والجماعة، فالله تعالى استوى على عرشه استواءً يليق بجلاله وكماله، ولم ينكر صفة العلو إلا أهل البدع من الجهمية والمعطلة، وأهل الحلول والاتحاد الذين يقولون: إن الله في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. ولقد رد أهل السنة والجماعة على هؤلاء بالأدلة النقلية والعقلية.

стр. 134

إثبات صفة العلو لله جل وعلا إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فإن على المسلم أن يتعلم كتاب التوحيد وإثبات صفات ربه لإمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقد تكلم المصنف عن صفة من صفات الأفعال، وهي صفة العلو، وهذه الصفة ثابتة بالكتاب والسنة وبإجماع سلف الأمة، وكذلك العقل أو القياس الجلي يقرران ذلك، فالمسلم يتعبد الله في ذلك واقعاً باعتقاده الصحيح الشديد أن ربه فوق العرش يبدل أمر الكون، ولا يخفى عليه شيء من أفعال عباده. فالمسلم يعتقد اعتقاداً صحيحاً بأن الله جل وعلا كان ولم يكن شيء، ثم خلق السماء والأرض والعرش والقلم والماء، ثم بعد ذلك استوى على العرش.

стр. 135

تعريف الاستواء الاستواء في اللغة معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإن الله استوى بكيفية تليق بجلاله وكماله سبحانه جل في علاه.

стр. 136

لا تنافي بين استواء الله على العرش وبين قربه من عباده والسؤال هنا: هل الاستواء على العرش ينافي قرب الله من عباده وإحاطته بأفعالهم أم لا؟ والجواب عنه بإذن الله يكون يسيراً: فإن الله فوق العرش ويعلم ما العباد عليه، ولا يخفى عليه شيء من أفعال عباده ، كما قال ابن مسعود: العرش فوق السماء، والله فوق العرش، ويعلم ما أنتم عليه. وقد قال الإمام مالك: إن الله عالم فوق عرشه ويعلم ما العباد عليه. أو كما قال أبو حنيفة: الله فوق العرش ولا يخلو من علمه مكان. فلا تنافي بين علو الله جل وعلا وبين قربه إحاطة وصنعاً وقدرةً وعلماً سبحانه جل في علاه، فلذلك نقول: هو علي في قربه، وهو قريب في علوه ، وهو فوق العرش، فالكون كله في يده كحبة خردل في يد أحدكم، وهو أقرب إلى أحدكم من عنق الراحلة كما قال النبي ﷺ ، فقد أحاط بكل شيء علماً وأحاط بكل شيء سمعاً، وأحاط بكل شيء قدرة، فإذا شاء شيئاً قال له: كن، فيكون، وفي الصحيح (عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها! إن المرأة لتشتكي زوجها للنبي ﷺ ويخفى عني بعض حديثها، فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١]). إذاً: علو الله جل في علاه لا ينافي قربه جل وعلا من عباده، فقد أحاط بهم قوة وقدرة وسمعاً وعلماً.

стр. 137

أقوال أهل الاتحاد والحلول أما أهل البدع فما تركونا نهنأ بهذه العقيدة السديدة السليمة، بل شوشوا علينا وأتوا بالمتشابه ليشوشوا علينا هذه العقيدة الصحيحة، فقالوا: الله ليس في السماء، بل الله في السماء وفي الأرض وفي البحار وفي الجبال وفي كل مكان، كما قال قائلهم: ما تراه بعينك فهو الله، يعني: أن كل شيء تراه فهو الله جل في علاه، تقدست أسماؤه وصفاته وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وقد زلت أقدام كثير من الناس في هذه الآونة، حتى ممن ينشغلون بالإعجاز العلمي في القرآن، فإنهم يقولون بهذا وزلت أقدامهم في مسألة الاتحاد والحلول، ولذلك الدكتور زغلول النجار يقول في تفسير هذه الآية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: لا نقول بأن الله فوق العرش، بل الله في كل مكان. فهذا القول ضلال مبين، لكن القائل ليس بضال، حتى تقام عليه الحجة ويتعلم؛ فإنه جاهل، وسبب هذه الزلة هو: ضعف العلم في العقيدة.

стр. 138

أدلة أهل الاتحاد والحلول فهؤلاء الذين تبنوا هذه العقيدة الخربة الفاسدة الباطلة الكفرية التي تتنقص حق الله تنقصاً شديداً يعتقدون أن الله احتوشته الخنازير والكلاب والبحار وغيرها، وهذه العقيدة الكفرية تبناها كثير ممن يعيشون في عصرنا هذا، وأبواقهم من خلفهم يحاربون ويقاتلون من أجل نصرة هذه العقيدة الخربة، ثم أتوا بتشويش ذلك بالمتشابه من القرآن ومن السنة ومن العقل، لإثبات أن ما هم عليه حق ليس بضلال، وأول الأدلة من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٣ - ٤]، فقالوا في قول الله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)): أي: فهو معي في بيتي ومع الآخر في بستانه ومع الثالث في بلده ومع الآخر في مركبه في البحار، وهذا هو ظاهر القرآن وأنتم تأخذون بظاهر القرآن. والدليل الثاني: قول الله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] أي: ثلاثة والرابع الله، وخمسة والسادس الله، وسبعة والثامن الله، وهذا ظاهر القرآن، فهذه المعية تثبت أن الله في كل مكان.

стр. 139

الرد على أدلة أهل الاتحاد والحلول والرد على أهل البدع القائلين بالحلول والاتحاد ما يلي: أولاً: قول الله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ))، فسنقعد قواعد لطلبة العلم لابد أن يسيروا عليها إذا حفظوها وتعلموها. القاعدة الأولى: أن الله جل وعلا أنزل القرآن وفيه المحكم والمتشابه، وقد قال علماؤنا: إذا رد المرء المتشابه إلى المحكم فسر المتشابه بالمحكم، يعني: ظهر لك مراد الله جل وعلا وعلمت ما يريده الله من الآيات. القاعدة الثانية: أن الله جل وعلا لم ينزل القرآن ليضل به عباده ولا ليحيرهم، بل أنزل القرآن لهداية العباد ولهداية الحائرين، لا أن يحير المهتدين، قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فإذا كان الكلام من عند الله فلن يوجد فيه ثمة اختلاف، فلا تناقض في آيات الله جل وعلا، فالله جل وعلا أنزل الآيات المحكمات التي فيها تبيان لكل شيء، قال الله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، فأي شيءٍ غامض فالقرآن يبينه، فالمتشابه إذا رددته إلى المحكم بان وظهر لك ما يريد الله جل في علاه. فمن المحكمات: قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فهذه الآية لا تحتمل غير الاستواء فقط. وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]. ثم ننظر في المتشابه حتى نرده إلى المحكم، فننظر في هذه الآيات التي استدلوا بها وهي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وقوله أيضاً: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]. فقوله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ))، من المتشابه؛ لأنها تحتمل أكثر من وجه، فالمعية هنا يحتمل أن تكون معية الاختلاط، يعني: داخلكم، أو معكم مع هذا وهذا وذاك، في البحار وفي الجبال وفي السماء وفي الأرض، ويحتمل أن يكون معناها: معكم بعلمه وإحاطته وقدرته وسمعه. وإذا أردنا أن نبين معنى هذه الآية لنصل إلى التفسير الصحيح فلابد أن نرد الاحتمالين إلى المحكم، والمحكم هو أن الله فوق العرش، والعرش فوق السماء. فالاحتمال الأول: أنه معنا معية اختلاط في الأرض وفي السماء وفي البحار وفي الجبال، وهذا الاحتمال بعيد، وهو احتمال باطل؛ لأنه صادم المحكم. أما الاحتمال الثاني: فإنه على العرش وهو معكم بعلمه وقدرته وسمعه وإحاطته. فإذاً: توافقت هذه الآية مع الآية السابقة، عندما رددنا المتشابه للمحكم، فظهر لنا أن الرحمن على العرش استوى، وأن قوله: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) يعني: بعلمه وسمعه وقدرته. إذاً: هذا أول دليل في الرد عليهم، فنقول: معية الله جل وعلا في قوله: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) معية مطلق المصاحبة. ومعية المخالطة مثل قول القائل: ائتني بكوب شاي مع الحليب، فإن الحليب داخل الشاي. أما قول القائل: سرت والقمر، أو سرت والنيل، فإن الواو هنا: واو المعية، أي معية مطلق المصاحبة. إذاً: إذا كانت المعية معية مخالطة ومعية مصاحبة، فالذي يفصل لنا في النزاع هو الآيات المحكمة. أما قوله تعالى: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ)) يعني: بعلمه وقدرته وإحاطته ، والدليل على ذلك في نفس الآيات التي استدلوا بها، فإن سياق الآية يدل على هذا المعنى، إذ أن السياق يعتبر من المقيدات والمفسرات، ففي الآية الأولى وهي: قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا)) يدل سياق الآية على العلم، فكل ما خفي ودق فالله يعلمه ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) أي: معكم بعلمه. أما الآية الثانية: وهي قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فبدأ الله في صدر الآية بالعلم وختمها بالعلم، فهذا السياق يبين لنا معنى قوله تعالى: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ)) أي: بعلمه فقد أحاط بكل شيء علماً. فإذا رددنا المتشابه للمحكم ظهر لنا المراد من هذه الآيات، وهذا رد على الجهمية المعطلة الذين عطلوا صفات الله جل وعلا وقالوا: هو في كل مكان، وأن ما تراه بعينك فهو الله.

стр. 140

أدلة أهل الاتحاد والحلول والرد عليها أيضاً من الأدلة التي يستدل بها أهل البدع على أن الله في كل مكان: قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:٣]، وقالوا: إن معنى هذه الآية أن الله في السماوات وفي الأرض، وهذا ظاهر وصريح. أما الآية الثانية: فهي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، قالوا: الله إله في السماء وإله في الأرض، فيكون مدلوله أن الله في السماء وفي الأرض. ونرد عليهم بنفس القاعدة أي: رد المتشابه إلى المحكم، والمحكم أن الله جل وعلا قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فلو قلنا: إن الله في السماوات وفي الأرض لكان غير مستوٍ على العرش، والله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وهم يقولون: هو في السماء وفي الأرض، والعرش معلوم أنه في السماء، إذاً: فسنضرب آيات الله بعضها في بعض والله جل وعلا يقول ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] إذاً: لا اختلاف في كتاب الله جل وعلا، فيبقى أنْ ننظر في المحكم، وهو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وننظر في الآيات الأخرى، فإذا كان لها احتمالات رجحناها، فقوله تعالى: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ)) لها احتمالان، الاحتمال الأول: هو الله المعبود في السماوات، وهذا الاحتمال أتى من دلالة لفظ الجلالة (الله) ويتضمن صفة الإلهية، فهو المألوه في السماوات وفي الأرض، وهو الله المعبود في السماوات وفي الأرض، والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء:١٧٢] أي: في الأرض، ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢] أيْ: في السماء، وحديث النبي ﷺ : (أن البيت المعمور الذي في السماء يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، يتعبدون لله جل وعلا فيه، ولا يرجعون إليه إلى يوم القيامة). فالله يعبد في السماء ويعبد في الأرض، فيكون معنى الآية: هو الله المعبود في السماوات، وهو الله المعبود في الأرض، وهو المستوي على العرش. أيضًا: دلالة أخرى تدلل لنا هذا الكلام في قول الله جل وعلا: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ))، وهنا قراءة سبعية متواترة وفيها وقف لازم، وهي مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فهو فوق السماء السابعة. وحروف الصفات تتناوب كما يقول أهل اللغة، فيكون معنى قوله تعالى: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ)) أي: على السماوات؛ إذ أن (في) الظرفية تأتي بمعنى: على، مثل قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] بمعنى: على السماء، فكأنك تقرأ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، إذاً: نقف وجوباً عند قوله تعالى: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ)) ثم نقرأ بعد ذلك ((وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ))، قال مالك: الله فوق العرش وعلمه في كل مكان، فإذاً: نقول: الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم، وهذا الرد يطبق على الآية الثانية ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] يعني: في السماء معبود وفي الأرض معبود، ويدلل على ذلك: الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (أنت ربنا في السماء وأمرك في السماء وفي الأرض) أي: شرعك في السماء وفي الأرض. ومن الأدلة التي يستدل بها أهل الحلول والاتحاد: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، إذاً: فالله جل وعلا قريب من كل داع فهو معهم، فهذه الآية تدل على أنه ليس على العرش. وأيضًا: حديث آخر: قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها) وهذا الحديث يدل على أنه مع كل إنسان. ونرد على هذه الشبهات: بأن نرد المتشابه إلى المحكم، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، فهذه الآية من المتشابه، فكلمة قريب: محتملة بأن يكون معناها: قريب الإجابة، فهو يسمع ثم يجيبه، ويحتمل أن يكون معناها: قرب مخالطة، فقرب المخالطة يتصادم مع المحكم. والاحتمال الثاني الذي هو قريب الإجابة، يوافق المحكم ويدل على ذلك سياق الآية نفسها، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، ويدل على ذلك أيضاً: الحديث الذي فسر القرآن، إذ أن من أفضل ما يفسر به القرآن بالقرآن ثم القرآن بالسنة، قال النبي ﷺ : (يا أيها الناس! اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً بصيراً، وإن الله لأقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) فإنه يسمع دعاءك ويستجيب لك، والنبي ﷺ قال: (ينزل الله في ثلث الليل الآخر كل ليلة فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟) فالقرب هنا قرب إجابة. ونحن نلزمهم برد آخر فنقول لهم وإن لم يقبلوا منا هذا الاحتمال الصحيح: إن مفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، هو إذا كان القرب عندهم قرب مخالطة، فإن هذا القرب مختص بالداعي، أما إذا لم يدع فليس بقريب، وهذا باطل عندهم؛ لأنهم يقولون بعموم المخالطة، فلما بطلت حجتهم بهذا المفهوم الذي لا يقولون به، إذاً: القرب هنا قرب إجابة، وهي راجعة إلى المحكم وهو قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].

стр. 141

الحكم الشرعي في قول أهل الحلول والاتحاد أما بالنسبة للحديث الذي استدلوا به: وهو قول النبي ﷺ : (قال الله تعالى: فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها) فيفسر هذا الحديث بالحديث، قال النبي ﷺ : (فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش) يعني: بقدرتي وبتوفيقي وتسديدي، فالمعية هنا: معية التوفيق والتسديد، فإذاً: لا دليل لهم على ما قالوه، وسلمت الأدلة عندنا من أي معارضة، وبينا بطلان كلامهم، فنقول بالدلالات الباهرات: أن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. وقولهم: إن المعية معية المخالطة، هو كفر بعد أن بينا لهم، فالكفر يتبين لنا من أكثر من لازم. اللازم الأول: إذا قلنا بقولكم: إن الله في كل مكان، إذاً: فالله في الأرض وفي الجبال وفي البحار وفي أجواف الحيوانات -حاشا لله- وفي الأماكن التي يترفع الإنسان أن يتكلم فيها وهي أماكن قضاء الحاجة، فلازم قولكم أن الله في كل مكان، يعني: ما ترك مكاناً إلا وحل فيه، تقدست أسماء الله جل وعلا، وتعالى علواً كبيراً عن قول هؤلاء الظلمة الذين يتنقصون من قدر الله جل وعلا، ويتنقصون من كمال الله وجلال الله فهذا لازم باطل، وهم ينأون بأنفسهم أن يقولوا به. الثاني: إذا قلتم بأن الله في كل مكان لزم ذلك أن تجزءوا الإله جزءاً في مصر، وجزءاً في الإمارات، وجزءاً في أمريكا، وجزءاً في فرنسا، وجزءاً في البحر، وجزءاً في الجبال، وجزءاً في السماء الأولى، وجزءاً في السماء السابعة، فجزأتم الإله وهو إله واحد، والله جل وعلا يقول: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ﴾ [النساء:١٧١]، فكبرت كلمة قالوها وخرجت من أفواههم، فالله فوق العرش ويعلم ما عليه العباد، فهذه لوازم باطلة لو ألزمناهم بها لنفروا منها ولقالوا: نحن لا نقول بهذا، فإذا ألزمناكم بهذا وفررتم من هذا القول فارجعوا إلى المنهج الصحيح الذي أخبره الله لنا في الاعتقاد السديد: أن الله جل وعلا فوق العرش وعلمه في كل مكان.

стр. 142

الأدلة على إثبات صفة العلو لله تعالى

стр. 143

حكم قول القائل: نستشفع بك على الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: (أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله! جهدت الأنفس، وضاع العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا؛ فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله ﷺ : ويحك! أتدري ما تقول؟ فسبح رسول الله ﷺ وما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه؛ شأن الله أعظم من ذلك. ويحك أتدري ما الله؟ إن الله على عرشه، وعرشه على سماواته، وسماواته على أرضه)] وهذا الحديث سنده ضعيف، لكننا نستقي منه أمراً مهماً جداً، وهو سنة لابد أن تتبع، وهو أنك إذا سمعت أحداً يتكلم بكلام فيه تنقص في الله جل وعلا، أو في صفات الله جل وعلا وجب عليك أن تسبح، بأن تقول: سبحان الله، فإن النبي ﷺ كان إذا تعجب قال: سبحان الله! وكان إذا سمع أمراً عن الله جل وعلا لا يليق بجلاله ولا بكماله ولا بعظمته ولا بعزته قال: سبحان الله! جاء الرجل إلى النبي ﷺ وهو يقول: نستشفع بالله عليك فقال: سبحان الله! وقال: ويحك. ومعناها عند أهل اللغة: أنها للزجر، حتى لا يتكلم بكلام فيه نقص في صفات الله جل وعلا. وأيضًا (لما دخل على خطيب يخطب بالناس فقال: ما شاء الله وشئت، قال بئس خطيب الأمة أنت، أجعلتني لله نداً؟!) فهذا دلالة على الزجر في الكلام الذي يوحي بنقص في جلال الله جل وعلا. ففي الحديث دلالة: على علو الله، حيث قال: إن الله على عرشه، وعرشه على السماوات، ومعنى نستشفع بك على الله، يعني: يجعل الله شافعاً لهم عند رسول الله ﷺ فيدعو لهم، فهذا الذي جعل النبي ﷺ يسبح. فالشفاعة تكون في واقعنا من الأدنى للأعلى، فإذا قال القائل: نستشفع بك على الله، فكأنه استشفع بالأدنى على الأعلى والعياذ بالله، ووضع الله جل وعلا في مرتبة أدنى من مرتبة النبي ﷺ ، حاشا لله وتقدست أسماؤه جل وعلا، فالله يأمر، والعباد يقولون: سمعنا وأطعنا (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فلا شفاعة على الله، بل العباد هم الذين يحتاجون إلى الله جل وعلا ويشفعون عند الله، وهم الذين ارتضى الله لهم ذلك. فلا يستشفع في الله على أحد؛ لأن هذا يوهم بنقص لمرتبة الله جل وعلا، فإن القائل لهذا جعل مرتبة الله أدنى من مرتبة محمد ﷺ ، وهذا من الضلال العظيم، والكفر المبين. فالنبي ﷺ سبح تنزيهاً لعظمة الله ولجلاله ولكماله جل في علاه، فإنه لا يستشفع بالله على أحد من عباده؛ لأن الله يأمر والعباد يقولون: سمعنا وأطعنا.

стр. 144

إثبات بعض الصفات الفعلية لله تعالى قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)] وقال: قال رسول الله ﷺ : (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق عرشه: أن رحمتي سبقت غضبي)] الحديث الأول يستفاد منه: أن عرش الله جل وعلا فوق السماوات السبع، وفوق أعلى درجة من درجات الجنة، وهي: الفردوس الأعلى. إذاً: فالجنة فوق السماء أو في السماء والله أعلم بمكانها، والمهم أنها في العلو. أما الحديث الثاني: فهو مهم جداً؛ لأنه يبين ثلاث صفات فعلية: صفة الغضب، والرحمة وهما من الصفات الفعلية، فالله يغضب وقت ما يشاء، ويرحم من يشاء وقت ما يشاء. وكذلك صفة الكتابة، التي تليق بجلاله وكماله ، فهذه صفة فعلية من صفات الكمال والجلال لله جل وعلا، فقد كتب الله التوراة كما قال آدم ﵇ لموسى عندما احتج معه فقال: (وخط لك التوراة) وقد كتب التوراة بيده، وأيضًا كتب كتاباً آخر بيده وهو الذي قال فيه: (رحمتي سبقت غضبي) فالله كتب التوراة بيده، وكتب أيضًا هذا الكتاب وهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي. فهذه الصفات الفعلية المستنبطة من هذا الحديث. والله جل وعلا كتب التوراة -تشريفاً لها- بيده الشريفة وتقدست أسماؤه، وكتب بيده في كتابه وهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 145

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - إثبات أهل السنة لصفتي العلو والكلام لله جل وعلا والرد على من أنكرهما من الصفات التي أثبتها أهل السنة والجماعة لله جل وعلا صفة العلو، فالله تعالى فوق سماواته مستو على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، ولم ينازع في إثبات هذه الصفة لله تعالى إلا بعض أهل البدع كالأشاعرة الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء، وحججهم في ذلك مردودة عليهم.
следующие страницы →