Полный текст (302 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الحكم الشرعي في قول أهل الحلول والاتحاد
أما بالنسبة للحديث الذي استدلوا به: وهو قول النبي ﷺ : (قال الله تعالى: فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها) فيفسر هذا الحديث بالحديث، قال النبي ﷺ : (فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش) يعني: بقدرتي وبتوفيقي وتسديدي، فالمعية هنا: معية التوفيق والتسديد، فإذاً: لا دليل لهم على ما قالوه، وسلمت الأدلة عندنا من أي معارضة، وبينا بطلان كلامهم، فنقول بالدلالات الباهرات: أن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
وقولهم: إن المعية معية المخالطة، هو كفر بعد أن بينا لهم، فالكفر يتبين لنا من أكثر من لازم.
اللازم الأول: إذا قلنا بقولكم: إن الله في كل مكان، إذاً: فالله في الأرض وفي الجبال وفي البحار وفي أجواف الحيوانات -حاشا لله- وفي الأماكن التي يترفع الإنسان أن يتكلم فيها وهي أماكن قضاء الحاجة، فلازم قولكم أن الله في كل مكان، يعني: ما ترك مكاناً إلا وحل فيه، تقدست أسماء الله جل وعلا، وتعالى علواً كبيراً عن قول هؤلاء الظلمة الذين يتنقصون من قدر الله جل وعلا، ويتنقصون من كمال الله وجلال الله فهذا لازم باطل، وهم ينأون بأنفسهم أن يقولوا به.
الثاني: إذا قلتم بأن الله في كل مكان لزم ذلك أن تجزءوا الإله جزءاً في مصر، وجزءاً في الإمارات، وجزءاً في أمريكا، وجزءاً في فرنسا، وجزءاً في البحر، وجزءاً في الجبال، وجزءاً في السماء الأولى، وجزءاً في السماء السابعة، فجزأتم الإله وهو إله واحد، والله جل وعلا يقول: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ﴾ [النساء:١٧١]، فكبرت كلمة قالوها وخرجت من أفواههم، فالله فوق العرش ويعلم ما عليه العباد، فهذه لوازم باطلة لو ألزمناهم بها لنفروا منها ولقالوا: نحن لا نقول بهذا، فإذا ألزمناكم بهذا وفررتم من هذا القول فارجعوا إلى المنهج الصحيح الذي أخبره الله لنا في الاعتقاد السديد: أن الله جل وعلا فوق العرش وعلمه في كل مكان.
стр. 142
الأدلة على إثبات صفة العلو لله تعالى
стр. 143
حكم قول القائل: نستشفع بك على الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: (أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله! جهدت الأنفس، وضاع العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا؛ فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله ﷺ : ويحك! أتدري ما تقول؟ فسبح رسول الله ﷺ وما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه؛ شأن الله أعظم من ذلك.
ويحك أتدري ما الله؟ إن الله على عرشه، وعرشه على سماواته، وسماواته على أرضه)] وهذا الحديث سنده ضعيف، لكننا نستقي منه أمراً مهماً جداً، وهو سنة لابد أن تتبع، وهو أنك إذا سمعت أحداً يتكلم بكلام فيه تنقص في الله جل وعلا، أو في صفات الله جل وعلا وجب عليك أن تسبح، بأن تقول: سبحان الله، فإن النبي ﷺ كان إذا تعجب قال: سبحان الله! وكان إذا سمع أمراً عن الله جل وعلا لا يليق بجلاله ولا بكماله ولا بعظمته ولا بعزته قال: سبحان الله! جاء الرجل إلى النبي ﷺ وهو يقول: نستشفع بالله عليك فقال: سبحان الله! وقال: ويحك.
ومعناها عند أهل اللغة: أنها للزجر، حتى لا يتكلم بكلام فيه نقص في صفات الله جل وعلا.
وأيضًا (لما دخل على خطيب يخطب بالناس فقال: ما شاء الله وشئت، قال بئس خطيب الأمة أنت، أجعلتني لله نداً؟!) فهذا دلالة على الزجر في الكلام الذي يوحي بنقص في جلال الله جل وعلا.
ففي الحديث دلالة: على علو الله، حيث قال: إن الله على عرشه، وعرشه على السماوات، ومعنى نستشفع بك على الله، يعني: يجعل الله شافعاً لهم عند رسول الله ﷺ فيدعو لهم، فهذا الذي جعل النبي ﷺ يسبح.
فالشفاعة تكون في واقعنا من الأدنى للأعلى، فإذا قال القائل: نستشفع بك على الله، فكأنه استشفع بالأدنى على الأعلى والعياذ بالله، ووضع الله جل وعلا في مرتبة أدنى من مرتبة النبي ﷺ ، حاشا لله وتقدست أسماؤه جل وعلا، فالله يأمر، والعباد يقولون: سمعنا وأطعنا (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فلا شفاعة على الله، بل العباد هم الذين يحتاجون إلى الله جل وعلا ويشفعون عند الله، وهم الذين ارتضى الله لهم ذلك.
فلا يستشفع في الله على أحد؛ لأن هذا يوهم بنقص لمرتبة الله جل وعلا، فإن القائل لهذا جعل مرتبة الله أدنى من مرتبة محمد ﷺ ، وهذا من الضلال العظيم، والكفر المبين.
فالنبي ﷺ سبح تنزيهاً لعظمة الله ولجلاله ولكماله جل في علاه، فإنه لا يستشفع بالله على أحد من عباده؛ لأن الله يأمر والعباد يقولون: سمعنا وأطعنا.
стр. 144
إثبات بعض الصفات الفعلية لله تعالى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)] وقال: قال رسول الله ﷺ : (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق عرشه: أن رحمتي سبقت غضبي)] الحديث الأول يستفاد منه: أن عرش الله جل وعلا فوق السماوات السبع، وفوق أعلى درجة من درجات الجنة، وهي: الفردوس الأعلى.
إذاً: فالجنة فوق السماء أو في السماء والله أعلم بمكانها، والمهم أنها في العلو.
أما الحديث الثاني: فهو مهم جداً؛ لأنه يبين ثلاث صفات فعلية: صفة الغضب، والرحمة وهما من الصفات الفعلية، فالله يغضب وقت ما يشاء، ويرحم من يشاء وقت ما يشاء.
وكذلك صفة الكتابة، التي تليق بجلاله وكماله ، فهذه صفة فعلية من صفات الكمال والجلال لله جل وعلا، فقد كتب الله التوراة كما قال آدم ﵇ لموسى عندما احتج معه فقال: (وخط لك التوراة) وقد كتب التوراة بيده، وأيضًا كتب كتاباً آخر بيده وهو الذي قال فيه: (رحمتي سبقت غضبي) فالله كتب التوراة بيده، وكتب أيضًا هذا الكتاب وهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي.
فهذه الصفات الفعلية المستنبطة من هذا الحديث.
والله جل وعلا كتب التوراة -تشريفاً لها- بيده الشريفة وتقدست أسماؤه، وكتب بيده في كتابه وهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 145
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - إثبات أهل السنة لصفتي العلو والكلام لله جل وعلا والرد على من أنكرهما
من الصفات التي أثبتها أهل السنة والجماعة لله جل وعلا صفة العلو، فالله تعالى فوق سماواته مستو على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، ولم ينازع في إثبات هذه الصفة لله تعالى إلا بعض أهل البدع كالأشاعرة الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء، وحججهم في ذلك مردودة عليهم.
стр. 146
إثبات صفة العلو لله تعالى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فمازلنا مع كتاب التوحيد في إثبات صفات رب البرية , ومن هذه الصفات صفة العلو, وصفة الكلام.
فالعلو علوان: علو مطلق, وعلو مقيد.
وأهل البدع والضلالة يعتقدون الاعتقادات الخربة، ولم يستطيعوا أن يجابهوا أهل السنة والجماعة, وخافوا من أسنة ورماح جهابذة أهل السنة فلم يظهروا هذه العقيدة الخربة في قرون الخيرية الأولى, فلما توارت شمس السنة وبزغت شمس البدعة تبجحوا بهذه العقيدة الخربة وأظهروها سافرة أمام أعين أهل السنة والجماعة.
ونسأل الله جل وعلا أن يعلي كلمته بأهل السنة والجماعة.
والجهمية المعطلة عطلوا صفة العلو, والعلو علوان: علو مطلق وعلو مقيد, فالله جل وعلا يتصف بالعلو أزلاً وأبداً.
وهناك علو المعنى وعلو الصفة, وعلو الله على عرشه صفة فعل، فالله لم يستو على العرش حتى خلق العرش, فلا نقول: إن الله استوى على العرش قبل أن يخلق العرش, وهذه الصفة من صفات الفعل.
فإثبات علو الله جل وعلا في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والعقل, والأصل في صفات الله الخبرية الذاتية الثبوتية أنه لا يدخل العقل فيها, لكن في صفة العلو يدخل فيها العقل؛ لأن العلو صفة كمال بالعقل, واتفق العقلاء على أن العلو صفة كمال, وإذا أردت أن تنتقص من أحد فقل فيه: إنه رجل سافل في الفكر والمنطق.
والإنسان يتنزه عن أن يقال عنه: سافل؛ لأن العلو كمال, فمن باب أولى أن يتنزه الله عن السفول, حاشاه جل وعلا وتقدست أسماؤه.
وأيضاً إذا قلنا: إن من الكمال أن يتصف المرء بالعلو, أي: علو الهمة وعلو الذات, وهذه صفة كمال, فإثبات صفة العلو لله جل وعلا من باب أولى، لأن القياس قياس أولي أو قياس جلي, فمن باب أولى أن يتصف الله بصفات الكمال كصفة العلو.
стр. 147
الصفات السبع التي أثبتها الأشاعرة لله جل وعلا وتأويلهم لصفات الله الثابتة
الأشاعرة هم مؤولة العصر, الذين يحرفون الكلم عن مواضعه, وقد انتشر بين الناس الآن أنهم متكلموا أهل السنة والجماعة وهذا باطل, فإنهم أبعد الناس عن أهل السنة والجماعة, بل هم من يحرف الكلم عن مواضعه.
فهؤلاء أثبتوا لله السبع الصفات: حي عليم قدير, والكلام له, إرادة كذاك السمع والبصر، وهذه الصفات توافق العقل.
إذاً: فهم يثبتون لله جل وعلا الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام وأيضاً السمع والبصر, ثم يحرفون بعد ذلك كل صفة من صفات الله جل وعلا بقاعدة عندهم، وهي تأويل الصفة بالأدلة.
فإذا جاءوا لحديث النبي ﷺ (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ثلث الليل الآخر) يقولون: ينزل ربنا بمعنى تنزل رحمته لا ذاته.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] قالوا: تجيء رحمته أو أمره, أو ملائكته, فلا يثبتون الصفة, ويؤولونها بلازمها, وأهل السنة والجماعة يثبتون الصفة.
والفرق بين أهل السنة والجماعة وبين الأشاعرة, أن أهل السنة والجماعة يثبتون الصفة ويثبتون لازمها, فقوله ﷺ : (إن الله إذا أحب عبداً نادى في السماء أن يا جبريل إني أحب فلاناً) فالأشاعرة يقولون: المحبة هنا معناها إرادة الثواب, فأثبتوا لازم الصفة, لأن الله إذا أحب عبداً أثابه الجنة, وجعله في جواره في الجنة.
وأهل السنة والجماعة يثبتون أولاً أن الله يحب ويبغض, ثم يثبتون لازم صفة المحبة وهي أن الله إذا أحب عبداً أدخله الجنة كما قال النبي ﷺ : (إذا أحب الله عبداً عسله, قالوا: يا رسول الله وما عسله؟ قال: وفقه لعمل خير فقبضه عليه, فكان مآله الجنة).
فإذا أحب الله عبداً, فإن لازم هذه المحبة أن يجعله في جواره في الجنة.
فالأشاعرة ما أثبتوا صفة من صفات الله جل وعلا, بل حرفوها عن مواضعها, فقالوا: لا يمكن أن نقول: إن الله في علو, وأنكروا العلو, وقالوا في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: معناها الرحمن على العرش استولى!
стр. 148
القرينة اللغوية عند الأشاعرة لتأويل صفة الاستواء إلى الاستيلاء والرد عليها
قال الأشاعرة: أنتم يا أهل السنة والجماعة قعدتم قاعدة وهي: أنه يمكن لنا أن نصرف اللفظ عن ظاهره إذا جاءت القرائن, وعندنا مسوغ وقرينة من اللغة تجعلنا نؤول الاستواء بالاستيلاء، قال الشاعر العربي الأصيل: استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق فيكون معنى استوى في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: استولى.
أما أهل السنة والجماعة فقالوا: هذا القول من أضل الضلال, والذين قالوا بذلك من الفرق الضالة المبتدعة الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، ويرد عليهم بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] هذه الآية من المحكم, فالاستواء محكم، وكذلك الآية الأخرى (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ومعنى: أن الله استوى على العرش, أي: علا وارتفع على العرش.
فهذه المحكمات لا يمكن أن نخالفها ونصرفها عن الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة, لأن الأصل في اللفظ أن يبقى على حقيقته, ولا يصرف للمجاز.
فالاستواء حقيقة في العلو, ونتنزل بأن هذا البيت عربي أصيل, فيكون مجازاً بمعنى استولى, فقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] حقيقة في العلو, مجازاً في الاستيلاء.
والأصل أن نبقي اللفظ على حقيقته, إلا أن تأتي قرينة تصرفه من الحقيقة إلى المجاز, ولا توجد قرينة صارفة، فيبقى اللفظ على حقيقته وهو العلو والارتفاع.
فنقول: علا وارتفع .
ثانياً: ظاهر قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أن الاستواء على حقيقته بمعنى علا وارتفع على هذا العرش, فهذا ظاهر اللفظ, فإننا لا نؤول من الظاهر إلى المؤول إلا بدليل, ولا دليل على ذلك في كتاب الله يؤول الاستواء إلى الاستيلاء, وكذلك لا دليل من السنة يجعلنا نقول: الاستواء بمعنى الاستيلاء.
فإن قالوا: هنالك مسوغ من اللغة, قلنا: الأصل أن يفسر القرآن بالقرآن؛ لأن الله جل وعلا أنزل الكتاب بلسان عربي مبين, إذاً: يبقى اللفظ على ظاهره وقد خالفوا الظاهر, ويبقى اللفظ على حقيقته وأتوا بالمجاز، والأصل أن يؤخذ بالحقيقة دون المجاز, فيبطل بذلك استدلالهم بهذا البيت.
стр. 149
اللوازم الباطلة من تفسير الاستواء بالاستيلاء
لو فسرنا الاستواء بالاستيلاء, يلزم من ذلك لوازم باطلة: أولها: أن العرش لم يكن تحت ملك الله جل وعلا, ثم استولى عليه بعد ذلك، وهذا كفر مبين, فلو قال قائل: إن شيئاً قيد أنملة أو شجرة أو ورقة شجر ليست في ملك الله فقد كفر بذلك, إذ أحاط الله جل وعلا بكل كونه ملكاً وقدرة وعزة وقهراً .
إذاً من أول اللوازم الباطلة: إذا قلنا بأن الاستواء بمعنى الاستيلاء، أن العرش لم يكن في ملك الله, ثم استولى عليه, فهذا أول لازم من اللوازم الباطلة, وهذا كفر مبين.
ثانيها: القول بأن هناك أرباباً من دون الله, فلو قلنا: الرحمن على العرش استولى, لزم أن يكون هنالك رب آخر كان مستولياً على العرش, وحصلت المغالبة بين هذا الرب وهذا الرب, أو هذا الإله وهذا الإله, واستولى بعد ذلك الرحمن على العرش، بعدما أخذه منه, والله جل وعلا يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] فهذا اللازم الباطل أكفر من اللازم الأول, لأنه يلزم منه وجود أرباب من دون الله تنازع الله في ملكه .
فإن قالوا: هذه اللوازم نرفضها, وأنتم تريدون أن توقعونا في شر أعمالنا, وسنخرج منكم بكلام لطيف وهو أن معنى استولى: تم ملكه, أو مطلق التمليك, وليس الاستيلاء بالمغالبة, فنقول: الرحمن على العرش استولى, يعني: الرحمن دخل في ملكه العرش.
قلنا: لم خص الله جل وعلا العرش بالتمليك؟ فالشجر ملكه وكذلك البحر والسماء والشمس والنجوم, إذاً: لِم لمْ يقل الله جل وعلا: الرحمن على الشمس استوى أو الرحمن على الشجر استوى, أو الرحمن على البحار استوى؟ فالبحر ملك لله, والشمس ملك لله, والأرض ملك لله, والجبال ملك لله, فلا مزية بين الجبال وبين العرش, ولا بين البحر وبين العرش, فيلزم التساوي بينها وبين الآية، وهذا من أبطل الباطل, فبذلك يظهر لنا بطلان تأويلهم من أجل اللوازم الباطلة.
ثم نقول: نفرض أن هذا البيت عربي أصيل وأنه مسوغ لذلك, ونحن لم نكفره, فالتكفير للنوع دون العين, فمن حرف الكلمة عن موضعها بدون مسوغ من اللغة, هذا كفر؛ لأنه تكذيب لقول الله جل وعلا.
فمن قال في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] بمعنى: رحمة الله فوق أيديهم, أو قدرة الله فوق أيديهم، وهذا قول أهل البدع والضلالة، فهذا كفر مبين؛ لأنه مكذب, ولا يوجد مسوغ في اللغة.
فمن قال: هنالك مسوغ من اللغة، وهو أن اليد بمعنى النعمة، كقولهم: لولا يد لك عندي ما كافأتك عليها، وأيضاً في اللغة مسوغ بأن اليد هي القدرة، فالعرب يقولون: قبض على البلدة بيد من حديد، يعني: بقدرة أي: قدر على أهلها.
الغرض المقصود: أن اليد بمعنى القدرة لها مسوغ من اللغة, فإذا قالوا: بأن الاستواء بمعنى الاستيلاء وليس لهم مسوغ كفروا, وإن قالوا: المسوغ هذا البيت, قلنا: هذا البيت ليس بعربي أصيل، إذ إنه لشاعر نصراني قال: استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق.
ونحن نقول لهم: استوى بشر على العراق, بمعنى استولى بشر على العراق, هل هذا أصل فيها أم هناك قرائن تحيل اللفظ من ظاهره إلى المؤول؟ استوى بمعنى علا واستقر، والقرينة قوله: من غير سيف ولا دم مهراق, أي: حصلت هناك مغالبة ثم استولى على مقاليد الحكم في العراق, فنقول: هنا قرينة أولته, وفي الآية ليس ثمة قرينة, فبطل استدلالهم بذلك.
стр. 150
الرد على الاعتراضات على تفسير الاستواء بمعنى العلو
قالوا: إن أبطلتم لنا الاستدلال, فعندنا لوازم باطلة نلزمكم بها إذا قلتم بأن الاستواء معناه العلو.
قلنا: هاتوا اللوازم هذه لعلنا نرجع عما اعتقدنا.
فقالوا: اللازم الأول: أنكم إذا قلتم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بمعنى: علا واستقر, لزم من ذلك أن العرش يمس الرحمن, ويحده، وكأن العرش أحاط بالله.
فإذا قلتم: إن لله حداً فهذا كفر.
فاللازم الأول أن الله جل وعلا إذا علا أو استوى على العرش, يحدث في ذلك المماثلة مع المخلوق، وأحاط العرش بالله جل وعلا, فإذا أحاط به فإن له حداً, فهذا أول لازم باطل, ونعوذ بالله من ذلك.
اللازم الثاني: قالوا: إذا قلتم ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لزم من ذلك أن الله يحتاج إلى عرش, فإن العرش يقل الرحمن .
فعندما نقول: محمد استوى على الكرسي وهو يعطي الدرس, فلو سحب رجل الكرسي من تحته فإنه سيقع؛ لأنه محتاج إلى كرسي, فكذلك لو قلتم: استوى الرحمن على العرش, فإن العرش يقل الرحمن, والرحمن يحتاج للعرش, وحاشا لله من ذلك.
فنقول لكم: هذه اللوازم الباطلة نحن لا نعتقدها ولا نقول بها, نحن نقول بظاهر القرآن، ولا يمكن أن تكون لوازمه باطلة.
أما قولكم: إنه يلزم من معنى الاستواء أن العرش يحد الرحمن, فإننا نتعامل مع الألفاظ المبهمة في العقيدة، بأن نتوقف فيها فلا ننفي الحد ولا نثبته, فإن كان معنى استوى على العرش، بأنه علا على العرش وهو بائن من خلقه, ومنفصل عنهم، ويعلم ما هم عليه، فهذا حق.
وإذا قلتم: إن العرش أحاط بالله, نقول: حاشا لله, لأن الله أكبر من أن يحاط به، فهذا كفر مبين, والذي جركم لهذا تشبيهكم الخالق بالمخلوق, وتكييفكم لصفة العلو, لأنكم بهذه الطريقة كيفتم صفة العلو, ونحن قلنا: الكيف مجهول, فنفوضه لله جل وعلا, والله جل وعلا لم يره أحد، حتى يخبركم بهذه الكيفية.
فأصبح اللازم الأول باطلاً والثاني باطل والثالث أبطل ما يكون، فيرد عليكم هذا اللازم ولا نقول به.
فالله جل وعلا علا على العرش بكيفية يعلمها, وهي صفة كمال وجلال وعظمة وبهاء لله جل وعلا, والله يحيط بكل شيء، ولا شيء يحيط بالله .
أما اللازم الثاني فنقول: كل المخلوقات أحوج ما تكون لله, والله لا يحتاج لأحد, وهذا من لوازم اسمه الصمد.
والصمد: هو الذي يحتاج إليه كل العباد وهو لا يحتاج إلى أحد, قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
فالعرش أحوج ما يكون لله جل وعلا, والعرش لا يحمل الله, بل العرش نفسه محمول, يحمله ثمانية من الملائكة, فبطل هذا اللازم وبطلت أدلته.
ونقول: الله جل وعلا عالٍ على عرشه, وهو فوقه، ويعلم ما العباد عليه, لا تخفى عليه خافية ، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، وهذا آخر الرد على الأشاعرة.
ونكون قد انتهينا من باب العلو.
стр. 151
الفوائد المستنبطة من حديث: (سبقت رحمتي غضبي)
نذكر بعض الفوائد المستنبطة من بعض الأحاديث التي رواها المصنف كما يلي: أولاً: الحديث الأول, قوله: (سبقت رحمتي غضبي)، فيه صفتان فعليتان ثبوتيتان: صفة الرحمة وصفة الغضب.
وضابط الصفة الفعلية أنها تتعلق بالمشيئة وبالأحكام وتتجدد، أي: إن شاء رحم وإن شاء لم يرحم .
وصفة الرحمة هي صفة عامة وصفة خاصة, فهي خاصة في الآخرة, أما في الدنيا فهي رحمة عامة مطلقة تشمل الكافر والمؤمن.
والله يرحم الكافر أولاً بأنه يهديه إلى طريق الرشاد, وهذه هداية البيان والدلالة, وإنزال الآيات البينات الباهرات يعتبر من رحمة الله به, ويشفيه إذا مرض, ولا يمنعه من خير في هذا الكون, فيعطيه المال والطعام, بل ويزيد له في ذلك في الدنيا, فرحمة الله تعم الكافر والمؤمن في الدنيا وتخص المؤمن في الآخرة.
وغضب الله جل وعلا صفة فعلية من الصفات التي تتعلق بمشيئة الله جل وعلا كما في الحديث الصحيح وهو حديث الشفاعة عن النبي ﷺ وفيه: (إن الله غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله قط، ولن يغضب مثله بعده) وفي هذا دلالة على أن الله يغضب يوم القيامة.
وهنا لفتة لطيفة جداً وهي: (سبقت رحمتي غضبي) وهذا من فقه التعبد لله بأسمائه الحسنى والصفات العلى, أن تهرب من الله إليه, ولذلك قال النبي ﷺ : (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) وأن تستعيذ بالله منه, وأن تستعيذ بصفة من صفاته، فتقول: أعوذ برحمتك من غضبك, فإن رحمتك قد سبقت غضبك.
فالمؤمن يهرب من صفة إلى صفة أخرى, أعوذ بمعافاتك من عقوبتك.
стр. 152
الفوائد المستنبطة من حديث: (احتج آدم وموسى)
الحديث الذي بعده عن النبي ﷺ أنه قال: (احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه).
والروح مضاف إلى الله, والأصل في (من) أنها للتبعيض, فهذه مهمة جداً.
(ونفخ فيك من روحه) يحتج بها النصارى على التثليث, لأنهم يقولون: عيسى روح الله, يعني: أنه جزء منه, لأن من للتبعيض, فكيف نرد عليهم؟.
نرد عليهم بالفائدة التي سنبينها، فمن هنا للابتداء لا للتبعيض, يعني من روح عنده, والإضافة هنا إضافة تشريف.
إذ الإضافة لله جل وعلا نوعان: إضافة أعيان قائمة بذاتها, وإضافة معاني.
وإضافة الأعيان القائمة بذاتها تضاف إلى الله جل وعلا تشريفاً وتعظيماً, نحو: الكعبة بيت الله, وقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣]، وعيسى روح الله.
وأما المضاف إلى الله جل وعلا من المعاني: فهي إضافة الصفة إلى الموصوف.
والقرائن التي أثبتت لنا أن من هنا للابتداء وليست للتبعيض، وهي أن نلزم النصارى بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] فنقول: هل من أحد منهم يقول: السماء جزء من الله؟ أو الأرض أجزاء من الله بأشجارها وأنهارها وبحارها؟ هم يقولون: لا نقول بذلك.
إذاً: من هنا للابتداء، وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] مضافة إلى الله تشريفاً, فعيسى من باب أولى يكون مضافاً إلى الله تشريفاً وتعظيماً؛ لأن عيسى بالاتفاق ليس جزءاً من الله، بل هو مخلوق, وكذلك آدم الذي نفخ الله فيه من روحه، فالإضافة هنا من باب التشريف والتعظيم.
стр. 153
أنواع الاحتجاج بالقدر
وقوله ﷺ : (قال: أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة, فقال آدم: وأنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه, تلومني على عمل عملته قد كتبه الله علي قبل أن يخلق السماوات والأرض, قال: فحج آدم موسى) فالاحتجاج بالقدر أنواع ثلاثة: الأول: احتجاج بالقدر على المعايب وعلى المعاصي.
الثاني: احتجاج بالقدر على المصائب.
الثالث: احتجاج بالقدر على المعاصي بعد التوبة منها.
أولاً: الاحتجاج بالقدر على المعاصي لا يجوز بحال من الأحوال، فهو محرم, وهذا مذهب الجبرية المبتدعة الذين يبطلون الشرع كلية, فيسوون بين إبليس وبين جبريل, فيقولون: إن إبليس يصنع ما قدره الله عليه, وما أمر الله به كوناً وقدراً, وجبريل يصنع نفس الأمر, فهو سائر يسير على وفق ما قدره الله عليه, كما قيل: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء فالجبرية يحتجون دائماً بالقدر على المعاصي, فإذا سرق رجل قال: مهلاً, سرقت بقدر الله, وإذا زنى قال: مهلاً زنيت بقدر الله, وإذا اغتاب قال: اغتبت بقدر الله, فهم يحتجون بالقدر على الشر! وعمر بن الخطاب لما قبض على سارق فأمر بقطع يده, فقال السارق: مهلاً يا أمير المؤمنين, والله ما سرقت إلا بقدر الله.
فقال: ونحن ما نقطع يدك إلا بقدر الله.
فالسارق يريد أن يحتج بالقدر على هذه المعصية, وعمر احتج عليه بالشرع لا بالقدر.
فبين له أنه متعبد لله بالشرع, والله أمرنا شرعاً أن من سرق, وإن قدر عليه ذلك وكتب عليه في اللوح المحفوظ, فإنه محاسب على فعله, فإن سرق قطعت يده.
والقصة الثانية: المرأة التي زنت -والعياذ بالله- فدخل عليها زوجها الجبري ووجد عليها رجلاً, فاستل سيفه ليقتله, فقالت: مهلاً ما فعل ذلك إلا بقدر الله, قال: نعم أصبت, وتركها.
فهذا أساء إساءة منكرة، فلما علمت المرأة أن هذا الجبري يصل بذلك إلى الدياثة, تركت هذا المذهب ولم تنتحله.
فنقول: ضرب القدر بالشرع كفر مبين.
فالاحتجاج بالقدر على المعاصي لا يجوز في حال من الأحوال, وآدم لم يحتج بحال من الأحوال على المعصية بالقدر أبداً، ومن فهم ذلك فقد أخطأ.
أما الثاني: فهو الاحتجاج بالقدر على المصائب, وهذا جائز، وهو أفضل الاحتجاجات.
الثالث: الاحتجاج بالقدر على المعاصي بعد التوبة, وهذا يصح, فإذا عصى العبد ربه ثم تاب من المعصية توبة نصوحاً, فجاء أحد يعيره بهذا الذنب الذي أذنبه, فله أن يقول: قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بخمسين ألف سنة.
قال بعض العلماء: إن آدم لما قال: أما رأيت أن الله قد كتب علي هذا الذنب قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال موسى: بلى, فسكت, فحج آدم موسى.
فالله تعالى قبل توبة آدم، قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧] والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
إذاً: التائب لا يمكن أن يعير, ولا يصح شرعاً أن يعير تائب من ذنب, وآدم ﵇ قد تاب من الذنب ولذلك فقد حج موسى، وهذا تأويل ضعيف, لكنه يعمل به.
أقول: الذي يتوب من ذنب إذا عير بالذنب له أن يحتج بالقدر, لكن هذا التأويل في هذا الباب فقط ضعيف؛ لأن موسى أفقه من أن يعير آدم بذنب قد تاب منه, ولا يمكن أن يقال: موسى الذي هو أعلم أهل الأرض في زمانه لا يعلم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له, أو أن يؤاخذ أحداً قد تاب الله عليه من ذنبه, فهذا يبين ضعف هذا التأويل.
والصحيح الراجح في ذلك أن آدم كانت له الحجة حين احتج على المصيبة بالقدر, وهي الخروج من الجنة، وكأن موسى لم يعيره بالذنب, إنما قال له: أخرجتهم من الجنة, فهو لا يعاتبه على الذنب وهو الأكل من الشجرة, إنما يعاتبه على الخروج من الجنة.
فلما عاتبه على تلك المصيبة قال آدم: ألم تر أن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ؟! إلى آخر الحديث, فقال النبي ﷺ : (حج آدم موسى) وأقر ذلك.
إذاً: الاحتجاج بالقدر على المصائب جائز, والدليل من كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [التغابن:١١] قال ابن مسعود: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [التغابن:١١] يعني: يؤمن بالله ويعلم أن هذه المصيبة من عند الله قد كتبها في اللوح المحفوظ, وأنها لابد أن تقع عليه فوقعت, ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] ومعنى ذلك ما يلي: أولاً: هذا إقرار بأن قلبه مهدي.
ثانياً: أنه يزداد إيماناً فوق الإيمان.
إذاً: الاحتجاج بالقدر على المصائب من أكمل الإيمان, ودليل هذا من الكتاب والسنة, فمن محض الإيمان أن تعلم أن المصيبة مكتوبة عليك في اللوح المحفوظ.
وحديث عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: وأن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك, وما أخطأك لم يكن ليصيبك, فإن مت على غير ذلك دخلت النار, ووجه الشاهد, قوله: فإن مت على غير ذلك دخلت النار.
إذاً: محض الإيمان أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك, وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك, وأنا عرضت هذا الحديث لما فيه من الزيادة.
والدليل الثاني الذي يثبت علو الإيمان, وأن المصيبة من عند الله جل وعلا, وأنك إن آمنت بذلك يهد الله قلبك, هو قوله ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير, إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 154
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب ذكر تكليم الله لموسى ﵇
من عقيدة أهل السنة والجماعة: إثبات ما أثبته الله لنفسه وإثبات ما أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، من غير تمثيل ولا تعطيل، ومن ذلك إثبات صفة الكلام لله تعالى، وصفة الكلام صفة ذاتية فعلية قديمة النوع حادثة الأفراد.
стр. 155
إثبات صفة الكلام لله جل وعلا
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما زلنا مع كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لإمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وتكلمنا عن صفة العلو واستواء الله جل وعلا على عرشه والرد على أهل البدع، واليوم إن شاء الله نتكلم عن صفة من الصفات الفعلية للرب جل وعلا وهي: صفة الكلام.
قال المؤلف ﵀: (باب ذكر تكليم الله لموسى ﵇ خصوصية خصه الله تعالى بها من بين الرسل، بذكر آي مجملة غير مفسرة، فسرتها آيات مفسرات.
قال أبو بكر: نبدأ بذكر تلاوة الآي المجملة غير المفسرة، ثم نثني بعون الله وتوفيقه بالآيات المفسرات.
الأدلة من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣].
فأجمل الله تعالى ذكر من كلمه الله في هذه الآية فلم يذكره باسم، ولا نسب، ولا صفة، فيعرف المخاطب بهذه الآية التالي لها، أو سامعها من غيره، أيَّ الرسل الذي كلمه الله من بين الرسل).
صفة الكلام هي صفة من صفات الأفعال تتعلق بمشيئة الله جل وعلا، أي: تتجدد، وهي تتعلق بمشيئة الله، وهذا ضابط صفات الأفعال، يعني: إن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم، فهي من صفات الأفعال الثبوتية لرب البرية جل في علاه.
إن صفة الكلام صفة جليلة ثبتت لله جل وعلا بالكتاب والسنة وبإجماع أهل السنة وبالعقل أيضاً، أما في الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، فالقول كلام، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، وقال جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وهذا تأكيد للمفعول المطلق.
وقال جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].
وقال جل وعلا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] يعني: الفاعل هو الله وهو الذي تكلم.
وثبتت هذه الصفة أيضاً في السنة، إذ قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (إذا أحب الله عبداً نادى: يا جبريل! إني أحب فلاناً)، وأيضاً في الصحيح: (كان يتعوذ النبي ﷺ فيقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) ووجه الشاهد: (بكلمات الله).
ووجه الدلالة: إِضافة الكلمات لله جل وعلا، والمضاف إلى الله نوعان: إضافة أعيان، وإضافة معانٍ، والمضاف إلى الله جل وعلا إضافة أعيان، مثل: عيسى روح الله، والكعبة بيت الله، وناقة الله، وإضافة الأعيان هي التي قامت بذاتها لله جل وعلا، وهي إضافة تشريف وتكريم وتعظيم.
وأما إضافة المعاني فإن الله جل وعلا عندما يضيف معنى له هذا من باب إضافة الصفة للموصوف، قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠]، مثل قولك: عزة الله، كرم الله، قدرة الله، رحمة الله، فهذا من باب إضافة صفة إلى موصوف، فإذا قال النبي ﷺ : (أعوذ بكلمات الله) فهو أضاف صفة كلمات، والكلام صفة من صفات رب البرية من باب إضافة الصفة للموصوف.
أيضاً في السنن عن النبي ﷺ قال: (إذا أراد الله جل وعلا أن يوحي بأمره تكلم بالوحي).
وأيضاً في مسألة الاستسقاء بالنجوم قال النبي ﷺ : (هل تدرون ماذا قال ربكم؟) الشاهد: (قال ربكم) والقول أيضاً يدل على كلام رب البرية .
أيضاً أجمع سلف الأمة على أن الله يتكلم، وهي صفة كمال وجلال وعظمة لله جل وعلا.
وأبو بكر ﵁ عندما راهن قريشاً على أن الروم من بعد غلبهم سيغلبون فسألوه: من أين أتى بهذا؟ قال: من كلام ربي، ثم تلا عليهم قول الله جل وعلا ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:١ - ٣] إلى آخر الآيات.
أيضاً كانت عائشة عندما أنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات تقول: (وإن شأني أحقر عند نفسي من أن يتكلم الله في بقرآن يتلى إلى يوم القيامة).
وابن مسعود ﵁ وأرضاه يقول: (من أراد أن يختبر حبه لربه جل وعلا فليعرض نفسه على كلام الله، فإن أحب كلام الله -أضاف الكلام لله- فهو يحب الله جل وعلا).
كما سنبين كيف نتعبد لله بهذه الصفة الجليلة العظيمة.
إذاً: ثبتت هذه الصفة بالكتاب وبالسنة وبإجماع أهل السنة وأيضاً بالعقل، فالعقل يؤيد أن الله يتكلم، وهذا كمال، والذي لا يستطيع أن يتكلم هذا فيه نقص، فأنت لو اتهمت رجلاً أنه لا يستطيع أن يعرب عن نفسه أو اتهمته بأنه لا يستطيع الكلام لنزه نفسه عن ذلك إن كان متكلماً، فهو لا ينزه نفسه إلا عن صفة نقص، فإن كانت عدم استطاعة الكلام من النقص وينزه عنها المخلوق فمن باب أولى أن ينزه الخالق عن هذا.
أيضاً إذا اتصف المخلوق بالكمال وهو تمام الكلام فالله أولى أن يتصف بالكلام، يعني: ثبتت هذه الصفة الجليلة لله جل وعلا أنه يتكلم بما شاء كيف شاء وقتما شاء حيثما شاء سبحانه جل في علاه، فإذا ثبت ذلك فإن الله تكلم مع بعض المخلوقات، وأسمعهم صوته الجليل ، اللهم أسمعنا صوتك صوت الرحمة ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].
стр. 156
تكليم الله للسماوات والأرض والجنة والنار وغيرها من المخلوقات
الله جل وعلا أسمع صوته بعض مخلوقاته، فالله جل وعلا لما خلق السماء وخلق الأرض قال لهما: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] فتكلم مع السماء ومع الأرض، وسمعت السماء وسمعت الأرض صوت الله جل في علاه.
وتكلم الله جل وعلا مع الجنة ومع النار، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾ [ق:٣٠] من الذي يقول؟ الله جل وعلا، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ﴾ [ق:٣٠] فسمعت النار كلام الله جل وعلا وصوت الله.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : (أن الجنة والنار اختصمتا، فقال الله للنار: أنت عذابي -وهي تسمع ذلك- أعذب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء)، فهذه دلالة على أن الجنة والنار سمعتا صوت الرب جل في علاه.
وأيضاً في الحديث عن النبي ﷺ : (إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة؛ خوفاً من الله، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا).
وأيضاً تكلم الله مع الخلق عامة، تكلم الله معنا، لكننا ننسى ولا ندري، كما ورد في مسند أحمد بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله لما خلق آدم مسح على ظهره بنعمان -يعني: بعرفات- فأخرج كل ذرية له فأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟) هم يسمعون صوت الله جل وعلا، وكلنا شاهد هذا المشهد وسمع هذا الصوت لكننا لا نتذكر، ونسأل الله جل وعلا أن يذكرنا عندما نسمعه في الجنة، فقال الله تعالى: (ألست بربكم؟ قالوا: بلى) يعني: شهدوا بأن الله هو الرب الجليل الواحد الأحد المستحق للعبادة سبحانه جل في علاه.
وأيضاً يتكلم مع جميع الخلق، المؤمن البار، والفاسق الفاجر، والكافر الفاجر على عرصات يوم القيامة، كما في الحديث عن النبي ﷺ بسند صحيح قال: (إن الله جل وعلا عندما يحشر الخلائق يوم القيامة يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) من أول خليقة إلى آخر خليقة يناديهم جميعاً بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب.
وأيضاً الله جل وعلا يتكلم مع أهل الجنة خاصة، فيكلمهم كلام الرحمة، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى أنه قال: (يقول تعالى: لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك.
فيقول: هل تريدون شيئاً؟ أو قال: هل أرضيتكم؟) إلى آخر الحديث.
الشاهد: أن الله جل وعلا ينادي أهل الجنة: (يا أهل الجنة) فيسمعون كلام الله جل وعلا.
وأيضاً كل جمعة هناك تزاور ويسمى يوم المزيد، وهو اليوم الذي يزورون فيه الله جل وعلا، فالذي يغتسل يوم الجمعة ويسارع إلى صلاة الجمعة وإلى ذكر الله جل وعلا والطاعات هو الذي سيسارع إلى يوم المزيد، فيتسابق مع الخلق إلى المكان القريب من الله جل وعلا، ويرى من كرامته ويسمع من صوته جل في علاه، فيكلم أهل الجنة خاصة كرامة وتشريفاً وتعظيماً لهم، وهو نعيم ومتاع ليس بعده متاع حين يسمعون صوت الله جل في علاه.
وأيضاً يتكلم الله جل وعلا مع أهل النار خاصة عندما يبكتهم ويقرعهم ويرد عليهم تخاصمهم، قال الله تعالى: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٨] هذا كلام خاص لأهل النار تبكيتاً وتقريعاً، نعوذ بالله أن نكون منهم.
وأيضاً الله جل وعلا يقول: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، لكن هذا الصوت لا يتمتعون به، بل يرهبون ويصعقون لعظمة الله وجلال الله وقدرة الله، ويظهر عليهم في عرصات يوم القيامة جبروت الله.
стр. 157
تكليم الله تعالى لآدم وحواء ﵉
لقد اصطفى الله جل وعلا آدم فكلمه خاصة، وكلم حواء معه، ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥] فسمع آدم صوت الله وسمعت حواء صوت الله جل في علاه.
وأيضاً ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥].
وأيضاً قول الله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة:٣٣]، هذا يخص آدم.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : (إن الله يقول لآدم: يا آدم! ابعث بعث النار) فقوله: (يا آدم) هذا هو الشاهد، (فيسمع آدم الصوت فيقول: لبيك وسعديك، والخير كله في يديك.
فيقول: ابعث بعث النار) إلى آخر الحديث، وهذا الكلام أيضاً يخص آدم به فهو يسمع صوت الله جل في علاه.
стр. 158
تكليم الله لموسى ﵇
لقد اصطفى الله من رسله موسى ﵇ بكلامه سبحانه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤].
وقال جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].
وقال جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
هذا اصطفاء واجتباء وتفضيل وتكريم من الله لبعض عباده وبعض رسله وهو موسى ﵇.
стр. 159
تكليم الله لنبيه محمد ﷺ
إن الله جل وعلا ما منع رسوله الكريم خير الخلق أجمعين من الكلام أيضاً، وما من حظ ونصيب من الخير جاء لنبي من الأنبياء إلا وكان لرسول الله ﷺ النصيب والحظ من هذا، فإن النبي ﷺ كلمه ربه دون وسيط بينه وبينه، لما عرج به إلى سدرة المنتهى، فتكلم مع الله يراجعه على الخمسين صلاة، فقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩] أي: هي خمس في العمل وخمسون في الأجر.
إذاً: اصطفى الله آدم فكلمه، واصطفى موسى فكلمه، ومحمد ﷺ كلمه وخصه وشرفه وعظمه وكرمه بهذا الكلام.
стр. 160
تكليم الله لإبليس عليه اللعنة
لقد تكلم الله مع إبليس كما يكلم أهل النار تبكيتاً وتقريعاً، بل وأمهله وأخر عنه العذاب، عندما قال إبليس: ﴿أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف:١٤] قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر:٣٧].
وأيضاً لما تكبر على السجود لآدم: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر:٣٤ - ٣٥]، هذا أيضاً الكلام للشيطان وسمعه، ولما استأذن ربه أن ينظره أنظره الله جل في علاه.
وأيضاً تكلم الله مع بعض عباده وحياً.
يعني: أنزل الوحي عليه.
стр. 161
وصف كلام الله تعالى
إذا علمنا أن الله جل وعلا يتكلم فإن كلام الله جل وعلا له وصف، إن الله يتكلم بصوت مسموع، حتى نرد على الذين يقولون: هو عبارة عن شيء في نفس الله، حاشا لله، كما سنبين من كلام الأشاعرة والكلابية وغيرهم، فنقول: الله جل وعلا يتكلم بصوت مسموع، بل ويتكلم بحرف؛ لأن الكلمات هي حروف يضم بعضها إلى بعض، فيتكلم الله بصوت مسموع، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠]، والنداء لا يكون إلا بصوت مسموع، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم:٥٢]، فالنداء لا يكون إلا بصوت، ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] والقول لا يكون إلا بصوت مسموع، فالله يتكلم بصوت مسموع، صفة هذا الصوت ترتعد منه الخلائق، بل السماوات تصعق من صوت الله جل وعلا، وقد وصفه النبي ﷺ كما في صحيح ابن خزيمة بقوله: (إن صوت الله كصلصلة).
وفي رواية قال: (كسلسلة على صفوان)، وصفوان هو الحجر الأملس، والسلسلة عندما تجر على الحجر الأملس تحدث صوتاً رهيباً شديداً، ولذلك النبي ﷺ قال: (أخذت السماوات منه رجفة أو قال: رعدة شديدة، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا)، وفي الرواية الأخرى قال: (يخرون سجداً) أي: من سماع صوت الله جل وعلا، ويتكلم بحروف: ((الم)) [آل عمران:١]، ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١]، ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢]، ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، كل هذه حروف تكون منها هذا الكلام المعجز الخالد إلى يوم القيامة.
فالله يتكلم بصوت مسموع، وبحروف؛ لأن الكلمات تتكون من حروف، إذا ثبت ذلك واعتقدنا هذا الاعتقاد الصحيح بأن الله يتكلم، وكلام الله جل وعلا يليق بجلاله وكماله وعظمته وبهائه وقدرته ، فهل إذا اعتقدنا هذا الاعتقاد يستلزم الكلام أن يكون من مخرج؟ لا، لا يستلزم الكلام أن يكون من مخرج، إذ الجنة قد تكلمت، والنار قد تكلمت، والسماء تكلمت، والأرض تكلمت، بل الطعام تكلم من غير مخرج، فنقول: لا يستلزم أن يكون الكلام من مخرج، ويتكلم الله جل وعلا بكيفية، لكن الكيفية مجهولة بالنسبة لنا، معلومة عند الله، والكيفية لا يعلمها إلا الله، ونحن نفوض الكيفية.
إذاً: الله يتكلم بصوت وحرف، والكيف يعلمه الله، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذا كله في حصيلة الإمام مالك، وقبل ذلك روي عن أم سلمة مرفوعاً عن النبي ﷺ لكن لم يثبت، والصحيح أنه من كلام أم سلمة وأخذه مالك وتكلم به، وكان ربيعة الرأي يقول بهذا، وأخذه عنه مالك واشترط على مالك أن يقول بذلك، فإذا اعتقدنا هذا فلا بد أن نقول: المقصود من علم صفات الله جل وعلا هو كيف نتعبد لله بهذه الصفة؟ أيضاً من البشر الذين كلمهم الله كفاحاً عبد الله بن أبي حرام، والد جابر بن عبد الله؛ لأن النبي ﷺ كما في الصحيح عندما قتل عبد الله ﵁ وأرضاه قال: (لقد كلمه الله كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، وسأله: ماذا تريد؟ قال: أن تردني إلى الدنيا فأحيا فأقتل في سبيلك) فكتب الله ألا يفعل ذلك، فكلمه الله خصيصاً له.
أيضاً يكلم الله كل واحد منا ليس بينه وبينه ترجمان، وهذا كلام رحمة، جاء في الحديث: (أنه يلقي على العبد ستره فيقول له: عبدي أتذكر ذنب كذا يوم كذا؟ فيقول: نعم أي رب، فيقول: عبدي أتذكر ذنب كذا وذنب كذا؟ قد سترته عليك في الدنيا وأنا أغفره لك اليوم)، اللهم اجعلنا من المغفور لهم يا رب العالمين! واستر علينا في الدنيا وفي الآخرة.
إذاً: إذا اعتقدنا أن الله يتكلم، وهذا من كماله وعظمته وقدرته، وأننا سنتمتع متعة ليس بعدها متعة بعدما نسمع صوت الله جل في علاه، فيجب علينا أن نتعبد لله بهذه الصفة التي اعتقدناها اعتقاداً جازماً صحيحاً، وذلك بأنك إذا سمعت الله لم تسمعه إلا بأذنك، فوجب عليك أن تهيئ هذه الأذن لسماع صوت ربك جل وعلا، الذي صغت له السماوات والأرض، وخضعت له السماوات والأرض، فإن صوت الله جل وعلا يتمتع به أهل الجنة، وأيضاً يرتعد منه أهل النار، فإذا أردت أن تتمتع بصوت الله فهيئ أذنك لسماع صوت الله جل وعلا، فتهيئة الأذن ألا تسمع إلا ذكر الله جل وعلا وما يرضيه، لا تسمع الفاحش والبذيء من الخلق، لا تسمع المجون والغناء وآلات اللهو والمعازف، لا تسمع السب، لا تسمع الشرك، لا تسمع أهل البدع والضلالة، لا تسمع كل ما يغضب الله جل وعلا، وكن ممن يسمع ما يرضي الله ، وممن يسمع أحاديث النبي ﷺ ، أي: يجلس في مجالس العلم فيسمع ما يرضي الله ويرضي رسوله ﷺ ، فكل منا يتعهد أذنه ألا يسمع بها إلا ما يرضي الله جل في علاه، لكن من منا لا يسيء؟ ومن منا لا يتعدى ويتجرأ على حدود الله؟ ومن منا لا يخطئ؟ ومن منا لا تغلبه شهوته؟ كل منا يقع في هذا، لكن بفضل من ربنا أن رحمة الله تسبق غضبه، وأن الله جل وعلا ستره مرخي على عباده، وباب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة، فكل من تجرأ منا على حدود الله وسمع ما لا يرضي الله جل وعلا فباب التوبة مفتوح، فلا بد أن يستدرك، ولا بد أن يستغفر، ولا بد أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً، ولا يسمع أذنه إلا ذكر الله أو كلام الله أو حديث النبي ﷺ .
стр. 162
واجبنا نحو القرآن
إذا علمت أن الله جل وعلا يتكلم فانظر إلى كلام الله واقترب منه ولا تتركه أبداً، فمن أراد جليساً وأنيساً فكلام الله خير جليس وخير أنيس، فإن الله جل وعلا تكلم بالوحي، تكلم بالكتاب، تكلم بالقرآن، ولذلك كما في الشُعَب بسند صحيح أن ابن مسعود قال: (من أراد أن يختبر حبه لله فليعرض نفسه على كتاب الله، فإن أحب كلام الله -يعني: القرآن- فهو ممن يحبه الله).
وكان عثمان بن عفان يقول: لا أهنأ أبداً في ليلة لم أطلع فيها على كلام الله.
فأنت أخي الكريم! اسمع هذا الكلام واجعل لنفسك حفظ ثلاث آيات أو آية واحدة، واقرأ ربع جزء أو نصف جزء، اقرأ ما تستطيع، الغرض المقصود ألا يمر عليك يوم وأنت لا تقرأ فيه كتاب الله، لا تترك القرآن أبداً، فإن النبي ﷺ يقول: (اقرءوا القرآن فإن لكم بكل حرف حسنة، الحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن أقول: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، فهذا خير عظيم، وكلام الله جل وعلا إذا طهرت القلوب لم تشبع منه، فقد ورد عن عثمان بن عفان كما في شعب الإيمان بسند صحيح أنه يقول: (لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام الله).
فأنت أخي الكريم! هيئ نفسك وانظر عند سماعك لكلام الله جل وعلا هل ترى قلبك يرق أم هو قاس كالحجارة؟ وانظر هل ترى نفسك تميل إلى السماع والزيادة من السماع أم لا؟ إن كان الأولى فهذا هو الخير العظيم، وهذا فضل الله عليك، فعض عليه بالنواجد، واحمد ربك، وطوق هذه النعم بالشكر، فإن مع الشكر الزيادة.
أما إذا كانت الثانية فاستغفر ربك، وارجع إليه، وتب وسارع في مرضات الله جل وعلا، فإن الله سيقبل التوبة، وعليكم بذكر الله جل وعلا، وبالقرآن فهو خير الذكر، كما قال النبي ﷺ : (إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه، يعني القرآن) أي: ما خرج من الله جل وعلا القرآن هو كلامه، ولن ترجع إلى الله بخير مما خرج منه .
أيضاً لا بد أخي الكريم أن تقرأ القرآن وتتدبر القرآن، قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وابن عباس ﵁ وأرضاه يفسر هذه الآية العظيمة: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١] قال: يحفظون حروفه، ويطبقون حدوده، تراهم في الليل رهباناً، يقيمون الليل بما حفظوا من كتاب الله جل في علاه، وتراهم في النهار يطبقون القرآن عليهم.
نسأل الله أن نكون منهم.
الغرض المقصود أن تتعبد لله بتلاوة كتابه، ولا تهجر القرآن حتى لا تقع تحت قول النبي ﷺ عندما اشتكى لربه كما نقل الله عنه ذلك لنا في كتابه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، العلماء قالوا: وهجر القرآن على أقسام ثلاثة: هجر تلاوته، وهجر سماعه، وهجر تطبيقه والعمل به، فمنا من يتلو ولا يعمل بالقرآن، ومنا من يسمع ولا يعمل به، ومنا من يعمل فلا يتلو ولا يقرأ، وهذا أيضاً من الهجران للقرآن، فنحن نعتبر بهذا الكلام، فنقرأ القرآن، فلا نهجر قراءته، ونسمعه فلا نهجر سماعه، وأيضاً نطبقه على أنفسنا وعلى أهلينا، وعلى مجتمعاتنا، حتى يرضى الله عنا فلا نهجره تطبيقاً وعملاً.
стр. 163
كيفية التعبد لله بكلامه
كيف نتعبد لله بكلام الله؟ بتعظيم كلام الله جل وعلا، بالخوف منه، إذا علمت أن الملائكة الأطهار الكرام البررة الذين لا يعصون الله ما أمرهم، وما فعلوا سيئة قط، بل يلهمون التسبيح كما يلهم أحدنا النفس، أما الطاعات فمنهم الساجد ومنهم الراكع، ومنهم الذي يسبح، ومنهم الذي يذكر، ومنهم الذي يأتمر بأمر الله جل وعلا، ومنهم الذين يحفون مجالس العلم، فهؤلاء الكرام البررة إذا سمعوا صوت الله جل وعلا صعقوا وخروا سجداً خضعاناً لقول الله ﵎، فهذا يزيدنا لله وقاراً وتعظيماً وتسليماً، والخوف من الله، والوجل من الله عند من يعتقد بأن صوت الله سينقذه يوم القيامة على عرصات يوم القيامة، ويخشى من صوت الله صوت التعذيب، وصوت التقريع والتبكيت لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٨].
نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يتعلم صفاته ويعلمها، ثم يعتقد بها لله ويطبقها واقعاً يعيشه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.
стр. 164
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب ذكر البيان من كتاب ربنا المنزل على نبيه المصطفى على الفرق بين كلام الله الذي يكون به الخلق وبين خلق الله
ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل نزولاً يليق بجلاله وعظمته، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، فعلى من يعتقد بهذا الاعتقاد الصحيح أن ينتهز مثل هذه الفرص بأن يدعو الله بخيري الدنيا والآخرة، فهو قريب مجيب.
стр. 165
بيان الفرق بين كلام الله الذي يكون به الخلق وبين خلق الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: باب ذكر البيان من كتاب ربنا المنزل على نبيه المصطفى ﷺ على الفرق بين كلام الله الذي به يكون الخلق وبين خلق الله جل وعلا.
أقول: الفارق بعيد بين فعل الله وبين مفعولاته، بين صفة الكلام لله وبين المخلوقات، فإن الله جل وعلا يخلق الخلق بكلامه وبأمره فإذا أراد شيئاً يقول له: كن فيكون، فالفارق بعيد بين المفعول وبين الفعل، فالكلام فعل من أفعال الله جل وعلا، وأما السماء والأرض والأنهار والجبال هذه من مفعولات الله جلا وعلا، فإن هذه المفعولات آثار من فعل الله جل وعلا، فكلام الله من صفاته، وفعل من أفعاله، وأما الأشجار والسماء والأرض والمخلوقات فهي من مفعولات الله جل في علاه، والله جل وعلا فرق لنا بين فعله وبين مفعولاته، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
وعطف على الخلق الأمر، والأصل في العطف المغايرة، فالخلق غير الأمر، فالخلق من مفعولات الله جل في علاه، والأمر من أفعال الله، يعني من كلام الله جلا في علاه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
فإن الخلق بكلام الله وبأمر الله وبفعل الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠].
إذاً: الأمر بكن فيكون الخلق، فالخلق من مفعولات الله، والأمر من فعل الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، وأيضاً يقول الله في عيسى ﵇: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩].
وهذا يرد على الذين قالوا بأن القرآن مخلوق وهم المعتزلة والجهمية، وفي السنة أيضاً قال النبي ﷺ -كما صح عنه-: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فلا يقول عاقل بأن رسول الله ﷺ يستعيذ بالمخلوق من المخلوق، حاشا لله وحاشا لرسوله ﷺ فهو الذي علمنا التوحيد، وبين أن الاستعاذة بغير الله شرك، وهذا فيه دلالة واضحة جداً على أن الكلمات غير الخلق.
وكان النبي ﷺ -كما صح عنه في الصحيحين- يقول: (سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته) وهذا فيه تفريق بين فعل الله وبين مفعولاته فلما جاء للكلمات قال: ومداد كلماته، دل ذلك على التفريق بين الخلق وبين الكلمات، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩].
فهذا أيضاً تفريق بين صفة من صفات الله وبين مفعولات الله، فإن فعل الله أمر (كن)، ومفعولات الله (فيكون).
стр. 166
إثبات صفة النزول لله
النزول صفة من صفات الأفعال، وهي صفة ثبوتية تليق بجلال الله وعظمة الله وكمال الله، ثبتت لله جل وعلا بالسنة، وأجمع عليها أهل السنة، أما بالسنة فقد ورد عن النبي ﷺ -كما في الصحيحين- قال: (ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من تائب فأعطيه؟) وهناك رواية في الطبراني أو في المسند قال: (هل من مستشفٍ فأشفيه).
ونزول الله يليق بجلال الله جل في علاه.
стр. 167
أقسام النزول
ثبت بإجماع أهل السنة والجماعة أن نزول الله جل وعلا ينقسم إلى قسمين: نزول عام في الوقت وفي الأشخاص، هذا النزول الذي يعم الوقت والأشخاص هو نزوله كل ليلة، كما قال النبي ﷺ : (ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر).
فكل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر ينزل ربنا إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وكماله سبحانه جل في علاه، عام في الوقت وعام في الأشخاص، وهذا النزول يعم المؤمن والكافر، والبر الفاجر، فالله ينزل إلى السماء الدنيا ينادي كل عباده بلا استثناء يقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ فلو أن الكافر تاب إلى ربه تاب الله عليه (فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له)، والإسلام يجب ما قبله، فهذا عام للمؤمن والكافر، والبر والفاجر.
القسم الثاني: نزول خاص تشريفاً وإكراماً وهذا النزول الخاص يكون أولاً: للحجيج الذين مكنهم الله من الوقوف بعرفة، فيدنو الله جل وعلا من عباده الذين يقفون بعرفة شعثاً غبراً، فيباهي الله الملائكة بهؤلاء، وهذا خاص بأهل الحج، فيقول: (انظروا إلى عبادي جاءوني شعثاً غبراً اشهدوا أني قد غفرت لهم).
ونزول يخص العباد المؤمنين دون الكافرين، وهذا النزول يختلف عن النزول الأول، فهذا يخص كل المؤمنين بخلاف الكافرين، ويخص من المؤمنين أصحاب القلوب النقية، الذين ليس في قلوبهم الغل والحقد والحسد والمشاحنة، وهذا النزول يكون ليله النصف من شعبان قال ﷺ : (ينزل ربنا ليلة النصف من شعبان فيغفر لكل مؤمن)، فيغفر لكل أحد إلا المشاحن أو الكافر، فليلة النصف من شعبان، ثبت فيها هذا الفضل أن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيغفر لكل مؤمن إلا المشاحن.
ووردت أدلة على نزول خاص ولكن في أسانيدها كلام، فقد ورد عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه قال: قال رسول الله ﵊: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا في شهر رمضان، يمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء، يرفع ما يشاء ويخفض ما يشاء، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء)، تصريف أمر العام كله، ولكن في سنده كلام لكن نستأنس به على أن هذا نزول يخص الزمان وهو شهر رمضان.
الأخير: نزول يوم القيامة، فقد ورد عن ابن مسعود ﵁، رواه ابن منده عن النبي ﷺ : (إن الله يحشر الأولين والآخرين أربعين سنة أبصارهم شاخصة حتى ينزل الله جل وعلا، ينزل من على عرشه إلى الكرسي في ظلل من الغمام، ليفصل بين العباد) وهذا نزول خاص بيوم القيامة، فينزل من على عرشه سبحانه تعالى ولا نقول: إن العرش يخلو أو لا يخلو، بل ينزل من على عرشه وهو عليٌ جل في علاه، فينزل إلى كرسيه ليفصل بين العباد.
وإذا اعتقد المرء اعتقاداً ثابتاً راسخاً بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل والناس نيام في سبات عميق والناس في غفلة فعندما يقوم حين يبقى ثلث الليل الآخر، وهو يعلم أن ربه الآن أقرب ما يكون منه نزل من عرشه وهو علي نزولاً يليق بجلاله إلى السماء الدنيا، والسماء الدنيا لا تظله ولا تقله، ولا شيء يحيط بالله جل وعلا، والله يحيط بكل شيء، حتى لا نكيف النزول؛ وهو قائم إما أن يكون مستغفراً أو تائباً أو مصلياً متهجداً، فيذكر ذنوبه ويذكر خطاياه، ويذكر اجتراءه على حدود الله جل وعلا فيؤلمه ذنبه فيستغفر ربه وهو يعلم أنه إذا ناجى ربه في هذا الوقت فهو قريب سيغفر له؛ لأنه لا أصدق من الله قيلاً؛ فيئوب إليه، ويرجع إليه ويتذكر العبد الذي قام لربه، يقول: رب! أذنبت ذنباً فاغفر لي فيقول الله جل وعلا: (علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر، اشهدوا أني قد غفرت له)، ويأتي فيفعل نفس الذنب مرة ثانية ثم يستغفر فالله جل وعلا يقول: (عبدي علم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر قد غفرت له، وفي الثالثة يقول: عبدي افعل ما شئت ثم ائتني فاستغفرني فسأغفر لك) فباب الاستغفار مفتوح في كل ليلة، كما قال أبو بكر لـ عمر بعدما ولاه وهو على سرير الموت: يا عمر! اتق الله في الرعية، فإن لربك عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وإن له عملاً بالليل لا يقبله بالنهار.
فإن فرط العبد في النهار فعنده ثلث الليل الآخر يستغفر ربه على ما فرط، وإن عصى وأذنب يستغفر ربه على ذلك فسيغفر له، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
وإن الله كريم لا يمكن أن يردك خائباً، فقد جاء في الترمذي بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله حيي كريم) انظروا إلى كرم الله وجود الله وعطاء الله، لقد أعطى منذ خلق السموات والأرض، ومنذ آدم ﵇ إلى آخر الخليقة، ولم ينفد مما عنده شيء ، ولا ينقصه شيء، فالله جلا وعلا خزائنه ملأى لا تنفد أبداً، قال النبي ﷺ : (إن الله حيي كريم يستحيي أن يرفع العبد يديه إليه فيردهما خائبتين) وقال الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئاً) فينتهز العبد الذي اعتقد أن الله في السماء قد نزل نزولاً يليق بجلاله وكماله، فيتعبد ويقول: ربي أعتقد اعتقاداً جازماً أنك الآن في السماء الدنيا تعطي من سألك، وإني أسألك، وأعلم أنك لن تردني، فيعمل بذلك الاعتقاد الصحيح ويدعو ربه، ويقسم بالله مهما دعا من دعا فإن الله سيستجيب له.
ثم يذكر أن الله جل وعلا عندما يقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من مستشف فأشفيه؟ فما من مرض وما من داء إلا وله دواء، كما قال النبي ﷺ : (إن لكل داء دواء، فإذا أصاب دواء هذا الداء برئ بإذن الله).
والدواء دواءان: دواء شرعي ودواء مادي، أما الدواء الشرعي فهو بالقرآن وبالسنة وبالرقى الشرعية، ويالخسارة المعتزلة والجهمية، ويا لخسارة أهل البدع الذين لا يعتقدون في الله الاعتقاد الصحيح! ويا لخسارة الذين لم يتعلموا أسماء الله الحسنى! فيتعبدوا لله بها، فمن اعتقد في الله الاعتقاد الجازم الصحيح فهو يعلم أن الدواء الشرعي هو أنفع دواء له، ويعلم أن الله جل وعلا سيشفيه، وأن الشفاء بيد الله لا بيد الطبيب ولا ببد أحد، وقد قال النبي ﷺ عندما كان يرقي المريض: (اللهم! اشفِ فأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقماً) فالشفاء بيد الله، وكل الناس أسباب.
ومن أسباب الشفاء كذلك: الحبة السوداء أو حبة البركة كما قال النبي ﷺ : (حبة البركة دواء من كل داء إلا السام) فمن باب أولى أن تكون الفاتحة والمعوذات والنفخ فيهما، ثم الرقية الشرعية التي كان يرقي النبي ﷺ بها نفسه ويرقي بها غيره، وإذا رأى مريضاً قال: (أرقوها) فهذه إذا اعتقدها المرء اعتقاداً جازماً فعمل بها، فوالله! سيفوز فوزاً عظيماً، وهذا هو أثر الاعتقادات الصحيحة، فإنك إذا اعتقدت في ربك أنه ينزل إلى السماء الدنيا فإنك تنتهز هذه الفرص، فتتعبد لله بهذا الاعتقاد الصحيح الجازم.
أما أهل البدعة والضلالة أيضاً ما تركونا نتعبد لله بهذه الصفات، فقد نفوا نزول الله، وقالوا: لو نزل لشبهتم الخالق بالمخلوق، بل إنها تنزل رحماته وتنزل ملائكته، والرد عليهم بأن نقول لهم: حجرتم واسعاً أيها الأغبياء! ألا ينزل أمر الله جل وعلا في ثلث الليل الآخر فقط والله جل وعلا يقول: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]؟ وكما قال ابن مسعود: يرفع أقواماً ويخفض آخرين ينزع من هذا سلطانه ويعطي هذا سلطانه، ويميت هذا ويحيى هذا، ويتخذ هؤلاء شهداء، ويجعل هؤلاء في النار، ويجعل هؤلاء في الجنة، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩].
فإذاً حجرتم واسعاً وقلتم: إن أمر الله جل وعلا لا ينزل إلا في ثلث الليل الآخر، خالفتم ظاهر القرآن، وظاهر السنة، وإجماع أهل السنة.
وإذا قالوا: تنزل رحمته، فقد حجرتم واسعاً، أرحمة الله لا تنزل إلا في الثلث الليل الآخر؟ النبي ﷺ يقول: (إن الله خلق مائة رحمة أنزل في الدنيا منها واحدة، يتراحم بها الجن والإنس والبهائم) واحدة من مائة رحمة والباقي عند الله جل وعلا في عرصات يوم القيامة، فكيف يقال: إن رحمة الله لا تنزل إلا في الثلث الأخير، فهذا كلام أبعد ما يكون، والرد عليهم تفصيلاً لن يكون في هذا الباب إلا إذا دخلنا في صفة النزول؛ لأننا نذكر الفوائد المستنبطة.
стр. 168
صفة نزول الوحي على الرسول الكريم
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٥].
وفي الآية الأخرى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:١ - ٥].
قالت عائشة ﵂ وأرضاها: (كان النبي ﷺ في الليلة شديدة البرودة يتصبب عرقاً إذا نزل عليه الوحي) ﷺ .
حتى إن زيد بن ثابت ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ فسأله سائل فسكت النبي ﷺ فنزل عليه الوحي، وكان فخذه على رجلي فكادت تُكسر حتى أسري عن النبي ﷺ فقال: من السائل؟ قال: أنا فأجابه) فالوحي كان ينزل على النبي ﷺ نزولاً شديداً.
стр. 169
أنواع الوحي
الوحي على أنواع ثلاثة: أولاً: كصلصلة الجرس، قال النبي ﷺ (كان الوحي يأتيني كصلصلة الجرس) وهي أشد ما تكون عليه.
الثاني: أن يأتي على هيئة رجل وكان يأتيه دائماً على صور دحية الكلبي وكان من أجمل الصحابة رضوان الله عليهم، وفي حديث عمر الطويل تمثل جبريل بهيئة رجل.
الثالث: أن يكون الوحي على هيئة رؤيا.
نسأل الله جل وعلا أن يجمعنا جميعاً ويحشرنا جميعاً في زمرته، ويجعلنا معه في الفردوس الأعلى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 170
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - القرآن هو كلام الله
صفة الكلام صفة ذاتية لله ، والقرآن كلام الله، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ولمن يعتقد أن القرآن كلام الله آدابٌ لا بد أن يلتزم بها عند التعبد بكتاب الله ، فلا يمس كتاب الله إلا طاهر على القول الراجح، وأما قراءة القرآن من غير وضوء فهو جائز، ومن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر كفر نوع حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة؛ لأنه تكذيب للقرآن.
стр. 171
القرآن كلام الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن صفات الله الذاتية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هي قديمة النوع حادثة الآحاد أو حادثة الأفراد، يعني: هي ذاتية في الأصل؛ لأنك إذا مررت على رجل لا يتكلم لا تتهمه بالخرس، ولا تتهمه أنه لا يتكلم، فإذا مررت عليه بعد ذلك فتكلم، تقول: كان غير متكلم بمشيئته ثم تكلم بمشيئته، وكل عاقل يعلم أن الله قال: ﴿يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١١ - ١٢] لكنه ما قال يا موسى إني أنا ربك إلا بعد أن أتى موسى إلى الشجرة.
إذاً: صفة الكلام صفة ذاتية، وهي قديمة النوع حادثة الأفراد، وهي صفة كمال وجلال وبهاء وعظمة لله جل في علاه، ثبتت هذه الصفة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والعقل.
فالقرآن هو كلام الله، قد تكلم الله به، وسمعه جبريل ونزل به إلى محمد ﷺ ، وهو صفة من صفات الله جل وعلا.
стр. 172
ثبوت أن القرآن صفة من صفات الله بالكتاب والسنة والإجماع
وأيضاً ذلك ثابتٌ بالكتاب وبالسنة وبإجماع أهل السنة، أما بالكتاب فقد قال الله تعالى آمراً نبيه ﷺ : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، والكلام الذي أوحي إلى النبي ﷺ هو كلام الله وهو القرآن، فهذا الكلام ليس بعام ولكن يقصد به القرآن.
والإضافة نوعان: إضافة أعيان قائمة بذاتها مثل: الكعبة، الناقة، عيسى، كأن يقال: عيسى روح الله الكعبة بيت الله، وقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣]، وهذه الإضافة تسمى إضافة تشريف وتعظيم، فالكلام صفة ليست قائمة بذاتها، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥]، وأيضاً قال تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة:٧٥]، فهذه أدلة الكتاب على أن القرآن هو كلام الله جل وعلا.
ومن الاستنباط قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٣] وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، كل ذلك على القرآن الذي هو كلام الله جل في علاه.
أما من السنة: فعن ابن مسعود في السنن بسند صحيح: (كان النبي ﷺ إذا ابتدأ كلامه يقول: إن أحسن الكلام كلام الله)، يعني: بعد أن يقول: إن الحمد لله نحمده ونستعينه إلى آخره، يقول: (إن أحسن الكلام كلام الله) فأضافة الكلام إلى الله هنا دلالة على أن القرآن هو كلام الله جل في علاه.
وقد ورد حديث صححه كثير من العلماء من المحدثين وهو أن النبي ﷺ قال: (ما عبد الله بخير مما خرج منه) ويقصد به القرآن الكريم.
وأما إجماع الصحابة على أن القرآن كلام الله، فقد ثبت ذلك عن أبي بكر وعن عمر وعن عائشة عندما قالت: إن الله برأني من فوق سبع سماوات بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، وابن عباس كان يصلي في جنازة فصلى رجل أمامه فقال: اللهم رب القرآن اغفر لفلان وفلان وافعل في فلان فجذبه ابن عباس بعدما انتهى من صلاته جذبة شديدة فقال: ماذا تقصد بقولك: رب القرآن؟ أتعلم القرآن؟ أتعلم عظمة الله؟ فإن القرآن كلام الله، فبين أن القرآن هو كلام الله، وورد مثل هذا عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 173
إضافة الكلام إلى الله إضافة صفة إلى الموصوف، وإضافة الكلام إلى جبريل أو محمد إضافة بلاغ
إذا قلنا بأن القرآن هو كلام الله أضيف إليه فعندها يرد إشكال وهو: أن المضاف إلى الله أعيان ومعاني، وأيضاً المضاف للإنسان يكون أعياناً ومعاني، فإن كان معاني فهي صفة للموصوف، فأضاف الله القرآن إلى نفسه وإلى ذاته المقدسة سبحانه جل في علاه، وأضاف القرآن إلى جبريل وأضاف القرآن إلى محمد ﷺ ، أما إضافته إلى نفسه كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وإضافته إلى جبريل في قوله جل في علاه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١].
فقوله: ((إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ)) أضاف القول للرسول، ويقصد به الرسول الملكي.
قال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢٠ - ٢١]، المقصود: جبريل ﵇.
إذاً: أضاف القول لجبريل، فهذه إضافة صفة للموصوف.
وأيضاً قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة:٤٠ - ٤١]، وقال: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ [الحاقة:٤٢]، فهذا إضافة إلى الرسول البشري.
إذاً: أضاف القرآن للرسول الملكي، وأضاف القرآن إلى الرسول البشري، وهذه إضافة صفة للموصوف، فكيف نجيب على ذلك؟ فقد قال طه حسين: هذا الكلام هو كلام محمد واستدل من الكتاب بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة:٤٠ - ٤١]، إذاً: أضاف القول للرسول، ونحن نفرق بين الثلاثة، فالإضافة الأولى إضافة صفة للموصوف، هو كلام الله تكلم الله به فهو صفة من صفاته، والإضافة الثانية إضافة لجبريل على أنه مبلغ، إذ المبتدئ بالكلام هو الذي يتصف بالكلام، أما الذي يبلغ فلا يتصف بأنه بدأ الكلام، فجبريل ﵇ أضيف إليه كلام الله، وأضيف إليه القرآن على أنه مبلغ، والدليل على ذلك عموم قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ﴾ [التغابن:١٢]، فما عليه إلا أن يبلغ، فهو يسمع من الله فيبلغ، ولذلك قال: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٩]، فالرسول سواء الرسول الملكي أو الرسول البشري ينزل تحت هذه الآية: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩]، فإذاً: الإضافة هنا لجبريل إضافة بلاغ، والإضافة إلى رسول الله ﷺ من باب أولى تكون إضافة بلاغ، قال تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، وهذا تصريح؛ لأن الإضافة هنا إضافة تبليغ وقول الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء:١٠٦]، فهذه الآية فيها دلالة على أنه يُقرِئُ الناس ما أنزله الله عليه، فالإضافة إلى الرسول إضافة تبليغ لا إضافة ابتداء كلام.
إذاً: ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة على أن القرآن هو كلام الله، فإذا أضيف إلى الله فهو إضافة صفة إلى الموصوف، وإذا أضيف إلى جبريل فهي إضافة تبليغ، وإذا أضيف إلى محمد ﷺ فهي أيضاً إضافة تبليغ.
стр. 174
ما ينبغي أن يتأدب به المخلوق مع كلام الخالق
إذا قلنا: إن القرآن هو كلام الله جل وعلا، فيجب علينا أن نتحلى بآداب أمام كلام الله جل وعلا الذي هو صفة عظيمة من صفات الله جل في علاه وهي: أولاً: تعظيم القرآن وتوقيره، وهذا ينزل تحت التهديد الأكيد في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، وقول الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، فتعظيم الله بتعظيم صفاته جل في علاه، وتعظيم القرآن وتوقيره داخل تحت هذا.
ومن تعظيم القرآن أنك تنتبه إذا تليت عليك آياته، ويكون قلبك وجلاً إذا سمعت آيات الله جل وعلا، وانتباهك هذا إما لأمر تأتمر به، وإما لنهي تزدجر عنه، كما قال ابن مسعود: إذا سمعتم الله جل وعلا يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) لا بد أن تنصتوا؛ لأنه إما أن يكون لأمر لا بد أن تأتمر به، أو لنهي لا بد أن تنتهي عنه، وهذا من تعظيم كلام الله جل وعلا، أما أن تسمع كلام الله لاهياً، وتمر على آيات الله جل وعلا وقلبك غافل فأنت متلاعب وعقابك عند الله شديد، وتقع تحت هذه الآية: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾.
فلا بد من تعظيم القرآن وتوقيره.
ثانياً: لا بد من الإكثار من تلاوة كلام الله؛ لأن في ذلك علامة على محبة الله جل وعلا؛ ولأن من أحب الله أحب صفاته، وهذا الذي أضهره وأعلنه ابن مسعود ﵁ وأرضاه كما في البيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح قال: قال ابن مسعود ﵁ وأرضاه: من أراد أن يختبر حبه لله فعليه أن يعرض نفسه على كلامه، فإذا أحب كلام الله فقد أحب الله؛ لأنه من أحب صفة من صفات الله فقد أحب الذات المقدسة، ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (اقرءوا القرآن ولكم بكل حرف حسنة وكل حسنة بعشر أمثالها ولا أقول: (ألم) حرف، ولكن أقول: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) فلا بد من الإكثار من قراءة القرآن.
وأيضاً قال النبي ﷺ كما صح عنه: (ما عبد الله بخير مما خرج منه) وكان عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه كما في الشعب بسند صحيح يقول: لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام الله جل في علاه.
وأيضاً في نفس المصدر بسند صحيح عن ابن عمر أنه قال: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، فنزل نور القرآن على نور الإيمان فكان نوراً على نور، فأصبحت الهداية تامة مكملة بهذا الكتاب، فمن الآداب التي يتحلى بها العبد الذي اعتقد أن ربه يتكلم وأن القرآن كلام الله أن يكثر من قراءة القرآن وله بكل حرف حسنة.
ثالثاً: إذا قرأ القرآن لا بد له من التدبر بعد التلاوة، فإن الإنسان لا يقرأ قراءة كقراءة الشعراء ولا يقرأ للتسلية، بل لا يقرأ القرآن إلا ليتدبر؛ لأن ما في القرآن إما أن يكون توحيداً وذكراً لصفات الله جل وعلا الثبوتية أو السلبية أو غيرها أو أمراً أو نهياً، أو كلاماً عن الثواب أو العقاب، فلا بد أن يمحص النظر ويتدبر في كتاب الله وقد حثه الله على ذلك بعد إنكار شديد على من لا يتدبر آيات الله، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال له: ختمت كذا وكذا في ليلة واحدة، قال: أهذاً كهذ الشعر؟ ينكر عليه، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتدبرون الآية تلو الآية، ويمعنون النظر فيها فيتعلمون أحكامها، ثم يتعبدون لله بالتطبيق الحتمي في وقته؛ ولذلك ورد أن عمر بن الخطاب ختم البقرة في ست سنوات أو عشر، وعلل ذلك أنه ما حفظ آية إلا وتعلم معناها وحكمها، ثم طبق ذلك واقعاً أمام الناس، فلا بد من التدبر والتطبيق، ولذلك ورد بسند صحيح عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١]، فقال: ((يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ)) أي: يقرءون حروفه ويطبقون حدوده.
فليس القرآن رسماً ولا زينة يوضع في السيارات ولا زينة في البيوت، بل إن القرآن يتلى ليطهر القلوب ولتطبق أحكامه بين الناس، فإن الخير كل الخير في أحكام الله جل وعلا.
وقد قال الشافعي في قول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، قال: ما من نازلة إلا وفي كتاب الله حلها، علمها من علمها، وجهلها من جهلها.
رابعاً: ألا يهجر هذا القرآن، وهجران القرآن هجرانٌ لصفة من صفات الله جل وعلا، وزهدٌ في صفة من صفات الله جل في علاه، نعوذ بالله من الخذلان، وقد اشتكى رسول الله ﷺ من أقوام تركوا القرآن خلفهم ظهرياً، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، والعياذ بالله، وهجران القرآن كما قسمه العلماء ثلاثة أقسام: هجران تلاوته، وهجران التدبر مع السماع، وهجران العمل به.
أما هجران تلاوته فمعلوم أنه يكون بأن لا يقرأ الإنسان القرآن، بلْ لا يجعل له ثلاث آيات يختم بها ليلته ويقرأ القرآن.
وهجران تدبره أو سماعه، أو هجران العمل به، فكل منا يختبر نفسه، فإن كان يتلو ويتدبر ثم يعلم بعد ذلك ويطبق فلن يكون ممن اشتكى النبي ﷺ منهم فليحمد الله، وإن كان منهم فليراجع نفسه وليستغفر الله جل وعلا، وعليه ألا يهجر هذا الكلام العظيم وهو كلام الله فإن خيري الدنيا والآخرة في كلام الله جل في علاه.
خامساً: ألا يمسه إلا وهو طاهر، وإن اختلف كثير من العلماء والمحدثين والفقهاء في مسألة مسِّ القرآن لغير طاهر، والصحيح الراجح: أنه لا يمسه إلا طاهر؛ لقول النبي ﷺ تصريحاً، وهذا وإن ورد بأسانيد مختلف فيها، إلا أن بعضها يعضد بعضاً فيرتقي إلى الحسن، وتتلقاه الأمة بالقبول، فهذا الحديث حديث عظيم قال فيه النبي ﷺ : (لا يمس القرآن إلا طاهر) وهذا عام في كل شيء، فيكون طاهراً معنوياً ويكون طاهراً حسياً، فلا يعارض بقول النبي ﷺ : (إن المؤمن لا ينجس) أي: أن المؤمن لا ينجس عقيدة؛ لأن عقيدته هي عقيدة التوحيد، ونقول: إن الرجل لا يأتي المرأة وهي حائض، ونقول: المحيض هو أذى، ومكان الحيض هو أذى لهذه النجاسة، فنحن نقول: لا يمس القرآن إلا طاهر، وهذا عام، ووجه عمومه النكرة في سياق النهي، فهي تفيد العموم، فالطهارة هنا طهارة عمومية، وطهارة بدنية وطهارة معنوية، وأقصد بالطهارة المعنوية أنه لا يمس القرآن كافر حتى ولو اغتسل؛ لأنه نجس نجاسة معنوية لا حسية، فأقول الطهارة هنا على العموم، ومن أراد أن يخصص تخصيصاً للكافر فقط فليأتنا بالدليل، ومن قال: إن هذا الحديث: (لا يمس القرآن إلا طاهر) له تأويلات، الوجه الأول: أنها الطهارة المعنوية لا الحسية، والوجه الثاني: أين يقصد بها الملائكة، فإننا نقول: أين الأدلة على ما تقولونه؟ فإنكم لو أردتم أن تؤصلوا تأصيلاً علمياً الأصل عدم المنع، إلا أن يأتي دليل ينقلنا عن الأصل، وقد جاءنا الدليل، قال: (لا يمس القرآن إلا طاهر) على العموم، فإن أردت أن تخصص فائتنا بالدليل، وهي قاعدة عند العلماء، فالعموم يبقى على عمومه إلا أن يأتي مخصص يخصصه، فلا يجوز لرجل غير متوضئ أن يمس القرآن حتى يتوضأ، وليس معنى ذلك أن نمنعه من قراءة القرآن وهو غير متوضئ، بل له ذلك، فهناك فرق بين المس والقراءة، فله أن يقرأ وهو غير متوضئ، وهذا خلاف الأول، وقد صح عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن على كل أحواله)، الظاهر جداً بأنه يكون متوضئاً وغير متوضئ، أما مس القرآن فقد جاء النص الصريح بالمنع لغير الطاهر، وهو قوله ﷺ : (لا يمس القرآن إلا طاهر)، فله أن يقرأ من حفظه دون أن يمس القرآن، إلا في الحالات التي يخشى على نفسه أن يضيع منه القرآن، وهي حالات مستثناة، والأمور المستثناة لا يقاس عليها غيرها.
سادساً: من الآداب التي لا بد أن يتأدب بها هذا العبد الذي علم أن القرآن هو كلام الله ألا يأكل به، أيأكل بصفة من صفات الله جل وعلا؟! أيفعل ذلك تجارة في الدنيا حتى يأتي الآخرة خاسئاً ليس له في الآخرة خلاق؟! فإن القرآن كلام الله لا يجوز بيعه، ولا يجوز التجارة به، ولا أقول: لا يجوز بيع المصحف على الخلاف الفقهي المشهور، بل يجوز بيع القرآن بسعر التكلفة، وأشرطة القرآن الأصح فيها أنها لا تباع إلا بسعر التكلفة، هذا هو الصحيح الراجح؛ لأن النبي ﷺ قال: (اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفو عنه) أي: لا غلو ولا جفو، (ولا تأكلوا به)، وقال النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن فإنه سيأتي أقوام يقرءون القرآن يتعجلونه ولا يتأجلونه) يعني: يتعجلون أجرته، ولا يتأجلون الأجر من الله جل في علاه.
وفي رواية أخرى قال: (يسألون الناس به) يذهبون إلى المساجد والمجتمعات ويقرءون القرآن بثمن معين، فهذا بيع والعياذ بالله وتجارة تبور؛ لأنه بيع وأكل بالقرآن، وقد بين النبي ﷺ أنه لا يجوز الأكل بالقرآن، فمن تأدب مع الله واعتقد أن القرآن هو كلام الله وأن الله تكلم به، فإنه سيتأدب أدباً جماً عظيماً مع كلام الله وكتاب الله جل في علاه.
стр. 175
حكم من قال إن القرآن مخلوق
من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر، والقاعدة التي قعدناها أن الذي يتجرأ على التكفير فهو جاهل؛ لأن الكفر هذا إلى الله جل وعلا، ولا يستطيع أحد أن يتجاسر عليه، لكن القول قول كفر والفعل فعل كفر، والقائل ليس بكافر إلا أن تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، فمن قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر، يعني: قوله قول كفر؛ لأنه كذب القرآن ومن كذب القرآن فقد كفر؛ لأن القرآن كلام الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فأضاف الكلام لله جل وعلا، فهذا تكذيب بالقرآن والتكذيب بالقرآن كفر؛ لأنه تكذيب لله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢].
الأمر الثاني: أنه أنزل الخالق منزلة المخلوق، وقد قال نعيم بن حماد شيخ البخاري: من شبه الخالق بالمخلوق فقد كفر، فإذا كان يقول: القرآن مخلوق.
فقد شبه الخالق بالمخلوق.
والثالثة: إجماع الأمة على أن القرآن هو كلام الله وهذا ثبت ثبوتاً قطعياً، والإجماع إذا كان مستنده الثبوت القطعي أو الدليل الذي ثبت قطعياً فإن مخالفه يكفر، وهذا هو الراجح.
وبعض العلماء يقولون: حتى ولو ثبت بآحاد الأدلة، أي: لو كان الإجماع مستنده لحديث آحاد، يكفر من خالفه، والصحيح الراجح: أنه لا يكفر.
وهذا التفصيل البديع فصله الجويني وهو الراجح عند المحققين من أهل الأصول، أن مخالف الإجماع لا يكفر إلا إذا كان الإجماع مستنده الدليل القطعي، وهذا دليل قطعي فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن القرآن كلام الله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 176
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - حكم من قال بأن القرآن مخلوق
التكفير أمره عظيم، فلا ينبغي أن يتجرأ عليه أحد؛ لأنه حق محض لله تعالى، وهناك فرق بين تكفير النوع والعين لا بد من معرفته والإحاطة به، ولا يجوز لأحد أن يكفر معيناً حتى تتوافر فيه شروط التكفير وتنتفي عنه موانعه، أما من قال بأن القرآن مخلوق فقد كفر، بخلاف من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فإنه لا يكفر إن قصد تلفظه هو وقراءته هو.
стр. 177
صفة الكلام لله
стр. 178
حكم من قال بأن القرآن مخلوق
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لازلنا في كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لإمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ووقفنا عند صفة الكلام لله جل وعلا وتكلمنا فيها، وسنتكلم اليوم على مسألة هي من أهم المسائل، وهي مسألة: حكم من قال بأن القرآن مخلوق، وهذه المسألة مهمة جداً؛ لأن فيها من التفصيل ما لا بد لكل إنسان أن يتعلمه ويفقهه بل ويتقنه؛ لأن الضلال فيه كثير جداً، وقد انقسم الناس في هذا الباب إلى ثلاث فرق: فرقة تغالي جداً، وفرقة تفرط جداً، وفرقة وسط وهم أهل العدل والحق.
فمن قال بأن القرآن مخلوق مثل الجبال والسماء والأنهار والشواطئ والإنسان، فقد كفر، وهذا هو الحكم إجمالاً.
стр. 179
التكفير حق محض لله تعالى
стр. 180
حكم من قال لأخيه يا كافر
لا بد لكل طالب علم أن يعلم أن التكفير لا يتجرأ عليه إلا جاهل جريء؛ لأنه من أصعب ما يكون وأشق ما يكون ولا يتجزأ عليه إلا من لم يجعل الله له حظاً في العلم، ولا بد للمسلم ألا يتجرأ على مسألة التكفير إلا بدليل أوضح من شمس النهار؛ لخطر هذه المسألة ولعظمها، ويوضح خطر هذه المسألة ما قاله النبي ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما).
وفي رواية قال: (فإن كان كذلك وإلا حارت عليه) أي: رجعت عليه.
كلمة الكفر إن قالها زوراً وبهتاناً وظلماً، فإذا تجاسر شخص وأطلق كلمة الكفر على أخيه ولم يكن كافراً بحق عند الله، فإنه سيكفر بهذه الكلمة؛ لأنه نزع الإيمان من عبد وما كان له ذلك، فكان جزاءً وفاقاً، وأجراً طباقاً أن تحور الكلمة وتتحول عليه ويصبح هو المتهم بالكفر.
أقول: إن التكفير حق محض لله جل وعلا لا دخل للإنسان فيه، مثله مثل التحليل والتحريم، قال الله جل وعلا: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩] أي: له أن يبلغ، فمن قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فقد دخل حظيرة الإسلام، فلا يجوز لأحد أن يخرجه منها.
وقد جاء في الحديث أن أعرابياً قال: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً فقال ﷺ : لقد حجرت واسعاً) وذلك لأن هذا حق محض لرب البرية جل في علاه، فليس لأحد أن يحجر رحمة الله الواسعة.
следующие страницы →