← Акыда

Акыда · id 37696

شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (302 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - حكم من قال بأن القرآن مخلوق التكفير أمره عظيم، فلا ينبغي أن يتجرأ عليه أحد؛ لأنه حق محض لله تعالى، وهناك فرق بين تكفير النوع والعين لا بد من معرفته والإحاطة به، ولا يجوز لأحد أن يكفر معيناً حتى تتوافر فيه شروط التكفير وتنتفي عنه موانعه، أما من قال بأن القرآن مخلوق فقد كفر، بخلاف من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فإنه لا يكفر إن قصد تلفظه هو وقراءته هو.

стр. 177

صفة الكلام لله

стр. 178

حكم من قال بأن القرآن مخلوق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لازلنا في كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لإمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ووقفنا عند صفة الكلام لله جل وعلا وتكلمنا فيها، وسنتكلم اليوم على مسألة هي من أهم المسائل، وهي مسألة: حكم من قال بأن القرآن مخلوق، وهذه المسألة مهمة جداً؛ لأن فيها من التفصيل ما لا بد لكل إنسان أن يتعلمه ويفقهه بل ويتقنه؛ لأن الضلال فيه كثير جداً، وقد انقسم الناس في هذا الباب إلى ثلاث فرق: فرقة تغالي جداً، وفرقة تفرط جداً، وفرقة وسط وهم أهل العدل والحق. فمن قال بأن القرآن مخلوق مثل الجبال والسماء والأنهار والشواطئ والإنسان، فقد كفر، وهذا هو الحكم إجمالاً.

стр. 179

التكفير حق محض لله تعالى

стр. 180

حكم من قال لأخيه يا كافر لا بد لكل طالب علم أن يعلم أن التكفير لا يتجرأ عليه إلا جاهل جريء؛ لأنه من أصعب ما يكون وأشق ما يكون ولا يتجزأ عليه إلا من لم يجعل الله له حظاً في العلم، ولا بد للمسلم ألا يتجرأ على مسألة التكفير إلا بدليل أوضح من شمس النهار؛ لخطر هذه المسألة ولعظمها، ويوضح خطر هذه المسألة ما قاله النبي ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما). وفي رواية قال: (فإن كان كذلك وإلا حارت عليه) أي: رجعت عليه. كلمة الكفر إن قالها زوراً وبهتاناً وظلماً، فإذا تجاسر شخص وأطلق كلمة الكفر على أخيه ولم يكن كافراً بحق عند الله، فإنه سيكفر بهذه الكلمة؛ لأنه نزع الإيمان من عبد وما كان له ذلك، فكان جزاءً وفاقاً، وأجراً طباقاً أن تحور الكلمة وتتحول عليه ويصبح هو المتهم بالكفر. أقول: إن التكفير حق محض لله جل وعلا لا دخل للإنسان فيه، مثله مثل التحليل والتحريم، قال الله جل وعلا: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩] أي: له أن يبلغ، فمن قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فقد دخل حظيرة الإسلام، فلا يجوز لأحد أن يخرجه منها. وقد جاء في الحديث أن أعرابياً قال: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً فقال ﷺ : لقد حجرت واسعاً) وذلك لأن هذا حق محض لرب البرية جل في علاه، فليس لأحد أن يحجر رحمة الله الواسعة.

стр. 181

حكم التألي على الله ونفي الإسلام عن المسلمين لقد قص علينا النبي ﷺ كما في الصحيحين قصة فيها: (أن رجلاً من بني إسرائيل كان يمر على أخ له وهو يرتكب المعاصي فيقول له: يا فلان، استغفر ربك قال له المرة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وهو مصر على هذا الذنب، فقال له: والله لا يغفر الله لك أبداً، فقال الله: من ذا الذي يتألى علي؟! قد غفرت له وأحبطت عملك). إذاً: ينبغي للمسلم عموماً وطالب العلم خصوصاً أن يعلم أن التكفير حق محض لله، وأنه من لوازم ربوبية الله ومن نازع الله في ربوبيته فهو على خطر عظيم، ومن دخل حظيرة الإيمان فليس لأحد أن يخرجه منها إلا بدليل. وهذا مثال يوضح لنا أن مسألة التكفير حق محض لله وأن من نازع الله فيها فقد نازعه في ربوبيته، جاء في الصحيحين أن المسلمين أغاروا على قومٍ فأعملوا فيهم القتل، ففر رجل منهم، فقام أسامة بن زيد يشتد عليه حتى قتله وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك، فقال النبي ﷺ : (أقتلته بعدما قالها؟ فقال: يا رسول الله، ما قالها إلا متعوذاً)، كأنه اجتهد فيه اجتهاداً ظهر له أن هذا الرجل إنما قالها خوفاً من القتل، فقال النبي ﷺ معاتباً ومنكراً إنكاراً شديداً على أسامة: (أقتلته بعدما قالها؟ ثم قال له في الثالثة: ماذا تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة؟!) فندم أسامة ندماً شديداً على هذا الفعل، فالنبي ﷺ أصل لنا أصلاً، وهو أنَّ من دخل في الإيمان لا يصح لأحد أن يكفره وأن يخرجه من حظيرة الإيمان بحال من الأحوال إلا بدليل أوضح من شمس النهار، له من الله فيه بينة واضحة مثل: تكفير فرعون وأبي جهل وأبي لهب قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣] فالله بين أنه من أهل النار وأنه كافر قطعاً، وكذلك اليهود والنصارى فقد بين الله كفرهم في كتابه. وهذا مثال يبين التأصيل الذي أصله النبي ﷺ لأصحابه جميعاً عندما قال رجل لرسول الله ﷺ : (هذه قسمة ما ابتغي بها وجه الله، فقال خالد: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : لعله يصلي، فقال خالد: كم من مصلٍ يفعل ما لا يعتقد أو يقول ما لا يعتقد، فقال له النبي ﷺ : ما أمرت أن أشق عن القلوب). فمسألة التكفير هي حق محض لله، فمن دخل دائرة الإسلام فلا يجوز لأحد أن يكفره إلا بدليل أوضح من شمس النهار. هذا مثل عظيم ضربه النبي ﷺ لـ خالد ولـ عمر ولـ أسامة وغيرهم حتى يتبين لنا الأمر، فلا نتجاسر على مسألة التكفير.

стр. 182

تكفير النوع وتكفير المعين

стр. 183

الفرق بين تكفير النوع وتكفير المعين هناك فرق بين أن نقول: من فعل كذا أو قال كذا فقد كفر، أو أن نقول: قائل هذه المقولة كافر، فالآيات التي جاءت مطلقة وعامة، وكذلك الأحاديث وأقوال أهل العلم فإنها تبقى على إطلاقها وعمومها، ولا تتنزل على الشخص المعين إلا بدليل أوضح من شمس النهار، والقاعدة عند العلماء: أن المطلق يبقى على إطلاقه، والعموم يبقى على عمومه، حتى يأتي المقيد أو المخصص، كقول الإمام أحمد بن حنبل: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، فهذا مطلق، فهنالك فرق بين تكفير النوع وتكفير المعين، فمن قال: القرآن مخلوق فقد كفر، هذا تكفير النوع، أما الشخص الذي قال هذه المقولة فلا يكفر إلا بدليل واضح بين من كلام الله. ما العلم إلا قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه

стр. 184

أدلة الفرق بين تكفير النوع وتكفير المعين الدليل الأول: حديث الرجل الذي قال لأولاده: (إذا أنا مت فأحرقوني ثم ذروني فلئن قدر الله علي ليعذبنّي) فهذا الرجل قد ملأ الأرض عصياناً، فعندما جاءه الموت شك في قدرة الله جل وعلا، ومع شكه في قدرة الله كان خائفاً من الله، راجياً فيما عنده، لكن اتفق علماء المسلمين على أن من قال: إن الله لا يقدر على شيء فقد كفر، لأنه مكذب للقرآن: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠] فهذا تكفير النوع، لكن ذلك الرجل الذي أمر أولاده بحرقه بعثه الله فقال له كما بين لنا النبي ﷺ : (ما الذي حملك على هذا؟ قال: مخافتك، أو قال: رجاء رحمتك، فغفر الله له وأدخله الجنة). فالرجل أتى بكفر باتفاق علماء المسلمين، لأنه شك في ذات القدرة، لكنه كان جاهلاً فأتى بكفر مطلق، كفر نوعٍ لا كفر عين، فعذره الله بجهله ثم أدخله الجنة. إذاً: من قال كلمة الكفر فليس بكافر، إلا إذا أقيمت عليه الحجة، وأزيلت عنه الشبهة. الدليل الثاني: رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يلقب بـ حمار ﵁ وكان يشرب الخمر فيؤتى به إلى رسول الله ﷺ فيجلد، فقال بعض الصحابة: (لعنة الله عليه ما أكثر ما يؤتى به). شارب الخمر يستحق اللعن؛ لأن النبي ﷺ لعن في الخمر عشرة، ومنهم: شاربها، وهذا لعن نوع عموماً، أما لعن العين وهو: إيقاع الحكم العام على عين الشخص فقد أنكره النبي ﷺ ، فقال لمن لعن شارب الخمر (لا تعن الشيطان عليه؛ فإنه يحب الله ورسوله)، وفي رواية: (ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله)، فيدل هذا الحديث على أنه لا يستحق اللعن مع أن شارب الخمر ملعون. فالمسلم قد يقع في الكفر والضلال المبين فيكفر بالقرآن، أو بالنبي ﷺ ، أو بالله جل وعلا ولا يحكم عليه بالكفر؛ لأن هناك موانع تمنع من تكفيره. التأصيل الثاني: التكفير فارق بين النوع وبين المعين. الدليل الثالث: من أقوال السلف: من قال بأن القرآن مخلوق فهو كافر، وهذا هو قول الإمام أحمد، لقد كان إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل مفخرة المسلمين لما أخذه المأمون في فتنة القول بخلق القرآن واستدلوا عليه بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣] وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] أي: أن الله خلق الظلمات والنور فقالوا: إن قوله: ((وجعلناه قرآناً عربياً)) يعني: خلقه قرآناً عربياً، فرد عليهم الإمام أحمد بقول الله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٥] قال: هل المعنى: أنه خلقهم كعصف مأكول؟ لا، وإنما حولهم بالحجارة إلى عصف مأكول. فكان الإمام أحمد يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومع ذلك لم يخرج على المأمون؟ بل كان يصلي خلفه ويدعو له بالتسديد والتوفيق، ويرى ذلك واجباً عليه. فإمام أئمة أهل السنة والجماعة يؤصل لنا هذا الأصل وهو أن ولي الأمر إذا أتى بمكفر فلا يكفر عيناً، وإنما يدعى له بالتسديد والتوفيق ويغزى معه؛ لأننا أمرنا بالغزو مع كل بر وفاجر.

стр. 185

الإيمان الثابت باليقين لا يزول بالشك التأصيل الثالث: أن من ثبت إيمانه بيقين لا يزول بشك بحال من الأحوال، وتفسير ذلك قوله ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة فقال أبو ذر: يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، ثم قال له في الثالثة: وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر) فمن قال: لا إله إلا الله دخل الإسلام وله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، فمن دخل الإسلام بيقين لا يخرج منه إلا بيقين. فلو ثبت على الرجل كلمة الكفر فيحتمل أنه قالها عامداً أو جاهلاً؟ أو سبق لسان، أولم يطمئن قلبه أو كان مكرهاً فهذه احتمالات تدخل في دائرة الشك، والقاعدة أن من ثبت إيمانه بيقين فلا يزول بالشك. فإن كان جاهلاً فلا بد أن يعلم، فتقام عليه الحجة، ويزال عنه الشبهة. وهذا يبين لنا خطأ من يتجاسر على التكفير كائناً من كان، حتى ولو كان يدافع عن حظيرة الإسلام، أو يرفع راية الإسلام فلا يجوز تكفير أحد إلا بيقين وبعلم؛ لأن تكفير المعين جرأة على الدين، وجرأة على لوازم ربوبية الله جل في علاه.

стр. 186

توافر الشروط وانتفاء الموانع موجب للتكفير التأصيل الرابع: أن حكم الكفر لا يثبت إلا بتوافر شروط وانتفاء موانع، مثال ذلك: لو أنكر رجل فرضاً من فروض الصلاة، فقال: المفروض على الناس أربع صلوات فقط وليس خمس صلوات، فقد أتى بمكفر؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة. فننظر توافر الشروط وانتفاء الموانع، فقد يكون ممن لا يعرف أن الله جل وعلا افترض على عباده صلاة أو صياماً، كأن يكون جاهلاً لا يقرأ ولا يسمع ولا يعرف أي شيء، فهذا مانع من تكفيره، كذلك لو أن رجلاً مجتهداً قال: إن الله لم يستو على عرشه، وينفي صفة الاستواء، فإن كان عالماً مجتهداً اجتهد ونظر في الأدلة، فوصل به اجتهاده إلى هذا الخطأ، فإنه مجتهد مخطئ له أجر، ولا يمكن أن يكفر بذلك، حتى تنتفي الموانع وتتوافر الشروط، فإن توافرت الشروط ولم تنتف الموانع فلا نكفر. مثال يوضح هذا: المسلم الذي يقتل مسلماً متعمداً لقد تسبب في حكم الكفر، فإن الذي يقتل مؤمناً متعمداً حكمه الخلود في النار، والذي لا يكون إلا لكافر، فهنا توافر الشرط، لكن هل انتفى المانع؟ نقول: إن الموانع جاءت بكثرة تبين أن المسلم إذا قتل مسلماً ولو متعمداً لا يخلد في نار جهنم، مع أن الله تعالى قال: ((خالداً فيها)) والمعنى: هذا حكمه وجزاؤه إن جوزي به كما قال أبو هريرة، فهنا توافر فيه السبب المقتضي للحكم، وهو قتل المسلم عمداً، وقتل المسلم متعمداً سبب لخلوده في النار، لكن يأتي المانع فيدفع هذا السبب، والمانع هو لا إله إلا الله؛ لأن من قال: لا إله إلا الله نفعته يوماً من الدهر، ودخل بها الجنة، وبانتفاء المانع انتفى الحكم. إذاً: التكفير حق محض لله لا يجرؤ عليه إلا جريء، ولا بد أن يعلم أولاً أنه من لوازم ربوبية الله ومن نازع الله في ربوبيته فهو على شفير هلكة، فهذا هو التأصيل الأول. التأصيل الثاني: أن هناك فارقاً بين تكفير النوع والمعين. التأصيل الثالث: أن من ثبت إيمانه بيقين لا يزول بالشك بحال من الأحوال. التأصيل الرابع: حتى نكفر أحداً، لا بد من توافر شروط وانتفاء موانع. وبهذه الأمور تضيق دائرة التكفير جداً، حتى على العلماء المجتهدين، فمن ثبت إيمانه بيقين وأتى بمكفر، ثم أقيمت عليه الحجة وأزيلت الشبهة من عالم مجتهد نحرير، فإنه يكفر بذلك، وليس لأحد أن يتجاسر على هذا الأمر، ولو تجرأ عليه فهو على شفير هلكة. فهذا التأصيل لا بد أن يصاحب طالب العلم في حله وترحاله، وقد أكدت عليه وقررته وكررته؛ لأن من وقع في باب التكفير فقد وقع في خطر عظيم. ٦)] الأدلة على التكفير من قال بخلق القرآن:- من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر، وجه تكفير من قال هذا القول المطلق ما يلي أولاً: تكذيبه للقرآن، فإن الله قرر في كتابه أن القرآن هو كلام الله غير مخلوق، فمن قال بأنه مخلوق فقد كذب الله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وإضافة المعنى الذي هو كلام الله من باب إضافة الصفة للموصوف، فهذه الصفة ليست عيناً قائمة بذاتها. الأمر الثاني: أنه شبه الخالق بالمخلوق إذ كلام الإنسان مخلوق، فمن قال: إن كلام الله مخلوق، فقد شبه الله بخلقه، وقد أصل لنا نعيم بن حماد شيخ البخاري تأصيلاً عظيماً فقال: من شبه الله بخلقه فقد كفر. ثالثاً: أن من قال: إن القرآن مخلوق، فقد خالف إجماع سلف الأمة وشموسها فقد قالوا: إن من قال القرآن مخلوق فقد كفر، وإليكم بعض الآثار عنهم، روي بسند صحيح عن الإمام أحمد أنه سئل عمن قال: القرآن مخلوق، فقال: من قال أن القرآن مخلوق فقد كفر، وعلى هذا فتكفير الجهمية تكفير ليس عيناً، فإنه صلى خلف المأمون وأمر باتباعه والسمع والطاعة له. وهذا وكيع الذي كان إذا دخل مكة انفض الناس عن كل المجالس إلى مجلسه، كان جبلاً في الحفظ ﵁ وأرضاه، قال في ذبائح الجهمية بأنها ميتة فهي حرام فهو نزل الجهمية منزلة الكفار في كون رد ذبيحتهم ميتة لا يجوز الأكل منها. وأيضاً قيل لـ ابن المبارك: إن النضر يقول: أن من قال: إن الله لم يكلم موسى فقد كفر، قال: صدق النضر، قال: من قال: إن قول الله تعالى: ((إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)) مخلوق فقد أدى بذلك أن الله أمر موسى أن يعبد مخلوقاً لا خالقاً، وهذا أم الكفر وبابه. وأيضاً الإمام مالك قال: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، يقتل بعدما يستتاب. وقال جعفر جعفر الصادق: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر يقتل ولا يستتاب، والخلاف فقهي بين العلماء، هل يستتاب ثلاثة أيام أم لا؟ الغرض المقصود أنه ما من إمام من الأئمة إلا وقد كفر من قال بأن القرآن مخلوق، وليس صفة من صفات الله جل وعلا. ناظر الشافعي حفصاً الفرد أحد غلمان بشر المريسي فقال في بعض كلامه: القرآن مخلوق. فقال له الشافعي كفرت بالله العظيم. إذاً فمن قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر؛ لأن القرآن تكلم الله به وسمعه منه جبريل بصوت وحرف، ثم نزل به إلى النبي ﷺ .

стр. 187

الأدلة على تكفير من قال بخلق القرآن من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر، ووجه تكفير من قال هذا القول المطلق ما يلي: أولاً: تكذيبه للقرآن، فإن الله قرر في كتابه أن القرآن هو كلام الله غير مخلوق، فمن قال بأنه مخلوق فقد كذب الله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وإضافة المعنى الذي هو كلام الله من باب إضافة الصفة للموصوف، فهذه الصفة ليست عيناً قائمة بذاتها. الأمر الثاني: أنه شبه الخالق بالمخلوق إذ كلام الإنسان مخلوق، فمن قال: إن كلام الله مخلوق، فقد شبه الله بخلقه، وقد أصل لنا نعيم بن حماد شيخ البخاري تأصيلاً عظيماً فقال: من شبه الله بخلقه فقد كفر. ثالثاً: أن من قال: إن القرآن مخلوق، فقد خالف إجماع سلف الأمة وشموسها الذين قالوا: إن من قال القرآن مخلوق فقد كفر، وإليكم بعض الآثار عنهم، روي بسند صحيح عن الإمام أحمد أنه سئل عمن قال: القرآن مخلوق، فقال: من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر، وعلى هذا فتكفير الجهمية ليس تكفير عين، فإنه صلى خلف المأمون وأمر باتباعه والسمع والطاعة له. وهذا وكيع الذي كان إذا دخل مكة انفض الناس عن كل المجالس إلى مجلسه، كان جبلاً في الحفظ ﵁ وأرضاه، قال في ذبائح الجهمية بأنها ميتة فهي حرام فهو نزل الجهمية منزلة الكفار في كون رد ذبيحتهم ميتة لا يجوز الأكل منها. وأيضاً قيل لـ ابن المبارك: إن النضر يقول: إن من قال: إن الله لم يكلم موسى فقد كفر، قال: صدق النضر، قال: من قال: إن قول الله تعالى: ((إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)) مخلوق فقد أدى بذلك أن الله أمر موسى أن يعبد مخلوقاً لا خالقاً، وهذا أم الكفر وبابه. وأيضاً الإمام مالك قال: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، يقتل بعدما يستتاب. وقال جعفر الصادق: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر يقتل ولا يستتاب، والخلاف فقهي بين العلماء، هل يستتاب ثلاثة أيام أم لا؟ والمقصود أنه ما من إمام من الأئمة إلا وقد كفر من قال بأن القرآن مخلوق، وليس صفة من صفات الله جل وعلا. ناظر الشافعي حفصاً الفرد أحد غلمان بشر المريسي فقال في بعض كلامه: القرآن مخلوق. فقال له الشافعي كفرت بالله العظيم. إذاً: فمن قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر؛ لأن القرآن تكلم الله به وسمعه منه جبريل بصوت وحرف، ثم نزل به إلى النبي ﷺ .

стр. 188

حكم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق أما قول الإنسان: لفظي بالقرآن مخلوق، فهذه الكلمة مستحدثة ليست معروفة في عصر أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا التابعين، بل استحدثت هذه الكلمة في عصر تابعي التابعين، فهي من الكلمات المبهمة التي تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً، فإن قصد بها الحق قبلناه، وإن قصد بها الباطل رددناه. مثال ذلك: أن ابن عباس صلى خلف رجل فسمعه يقول: اللهم رب القرآن اغفر لفلان، فقال له: ماذا تقصد بالقرآن؟ لأن هذه المقولة تحتمل حقاً وهو إضافة الموصوف إلى صفته، أو باطلاً وهو إضافة الخالق للمخلوق، فقال: القرآن كلام الله، قال: نعم ما قلت. إذاً القاعدة: أن الكلام المبهم الذي يحتمل حقاً ويحتمل باطلاً لا نرده ولا نقبله، فإن قصد أن لفظه هو مخلوق فهذا حق، وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول جلة من أهل السنة والجماعة من الأكارم والأماجد، كـ أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم وغير هؤلاء الذين يقولون: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فقد كفر. وتوجيه هذا القول: إذا كان يقصد به القرآن. القول الثاني: التوقف في تكفيره وعدم تكفيره، وهو قول الجهمية، وقال أحمد: إن جهل الجهمية الواقفة جهل بسيط وليس جهلاً مركباً، فالجهل البسيط أن يعلم الإنسان أنه جاهل أما الجهل المركب فهو أن يعلم أنه جاهل ولا يعترف للناس أنه جاهل، فالإمام أحمد بن حنبل كان يقول على فرق الجهمية: جهلهم جهل بسيط؛ لأنهم توقفوا في هذه المسألة. القول الثالث: التفصيل وهذا هو الحق وهو ما قاله البخاري وإمام الأئمة ابن خزيمة، فقد قالا: لا شيء في قول الشخص: لفظي بالقرآن مخلوق، وهذا القول هو الحق، لكن نزيده تفصيلاً ونقول: إن قصد بلفظي في القرآن، أي: فعلي وكسبي وقراءتي التي أقرؤها مخلوقة فهذا حق، وإن قصد كلام الله الذي هو القرآن كقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور:٣١] فهذا كفر، وهذا يعضده الأثر والنظر.

стр. 189

حكم سب الدين وسب الله ورسوله والفرق بينهما سب الدين معلوم بالدين بالضرورة، وبعض المتأخرين يقول: إن سب الدين ليس بكفر، وإنما هو من سوء الأدب، وهذا كلام باطل وضعيف جداً، فمن سب الدين فقد كفر؛ لأن الذي يسب الدين أصالة يسب الذي أنزل هذا الدين ولذلك قال النبي ﷺ : (لا تسبوا الريح) لأن من سب الريح فقد سب من أرسل هذه الريح، فسب الدين كفر نوع وليس كفر عين، حتى تقام الحجة وتزال الشبهة، فإن أقيمت عليه الحجة، وزالت عنه الشبهة فإنه يستتاب وإلا فيقتل بأمر من ولي الأمر. هنا فرق بين سب الله وسب رسوله وبين سب الدين، فسب الله ورسوله لا يحتاج إلى إقامة حجة ولا إزالة شبهة أن يسب من أنزل هذا الدين، والقاعدة عند العلماء: أن لازم القول ليس بلازم حتى يقر صاحب القول بذلك، ولذلك فالنبي ﷺ لم يكفر من سب الريح، لكنه نهى عن سبها وقال: (لا تسبوا الريح)؛ لأن الذي يسب الريح قد سب من أرسل هذه الريح، فلازم القول ليس بلازم، بل لا بد من إقامة الحجة وإزالة الشبهة، أما من سب الله بواحاً أو سب الرسول في عرضه كأن قال: عائشة زانية، قطع الله لسان من يقول ذلك ومن يؤيده ونعوذ بالله من ذلك، فهي المبرأة الصديقة زوج النبي ﷺ في الدنيا وفي الآخرة، فمن رماها بالزنا فقد كفر، ولا تقام عليه الحجة ولا تزال عنه الشبهة؛ لأنه مكذب للقرآن صراحة، ومتهم للنبي ﷺ في عرضه. كذلك من خالف حكم الله في مسألة معينة، مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، فإنه لا يكفر كفر عين؛ لأنه مقر بحكم الله تعالى، وإنما حكم بغيره في قضية معينة من أجل مصلحة دنيوية كرشوة أو غيرها.

стр. 190

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - إثبات صفة الرؤية لله جل وعلا من الصفات الثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة صفة الرؤية في الآخرة، فيراه المؤمنون في عرصات القيامة وفي الجنة، ويحرم من رؤيته الكفار؛ وذلك جزاء وفاقاً، فقد تركوا شرع الله في الدنيا فعاقبهم الله بتركهم وإهمالهم في الآخرة، وهذه الصفة أثبتها أهل السنة وأنكرها أهل البدعة والضلالة.

стр. 191

الأدلة القرآنية التي فيها إثبات صفة الرؤية لله تعالى

стр. 192

إثبات رؤية الله تعالى شرعاً وعقلاً إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: إخوتي الكرام! نحن بفضل من الله ونعمة وقوة وكرم وجود منه قد انتهينا من الجزء الأول من كتاب التوحيد لـ ابن خزيمة، وسنسرد الأحاديث التي فيه وهي كما يلي: روى ابن خزيمة في هذه الكتاب العظيم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده! ما تضارون إلا كما تضارون في رؤيتهما، يلقى العبد فيقول: أي عبدي! ألم أكرمك، ألم أزوجك؟) إلى آخر هذه الروايات. فنستنبط من هذا الحديث صفة، وهذه الصفة شمر لها المجتهدون، وسعد بها السابقون، واشتاقت لها قلوب الموحدين المؤمنين بكرة وعشياً، هذه الصفة هي رؤية الله جل في علاه. ورؤية الله جل في علاه، ثبتت بالكتاب، وبالسنة، وإجماع أهل السنة، وأيضاً بالنظر والأثر. فأما الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]. فقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) هذه النضارة ما كانت إلا النظر إلى وجه الله الكريم.

стр. 193

معاني فعل الرؤية إذا تعدى بنفسه أو بإلى أو بفي قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فعل هذا النظر يتعدى بنفسه، ويتعدى بإلى ويتعدى بفي، وأنا أسرد ذلك للرد على أهل البدع والضلالة، الذين ينكرون رؤية الله جل في علاه يوم القيامة. فيتعدى بنفسه فيكون معناه: الانتظار، أي: الانتظار لثواب الله أو لعقابه أو لحسابه. قال الله تعالى حاكياً لنا عن حال المنافقين على الصراط مع المؤمنين عندما يضاء للمؤمنين وهم يستضيئون بنور المؤمنين، ثم بعد ذلك يضرب بينهم بسور، قال الله تعالى حاكياً عن قولهم: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣]. فقوله تعالى: ((انْظُرُونَا)) يعني: انتظرونا، حتى نستفيد من هذا النور فنمر على الصراط المظلم الشائك كما تمرون أنتم. وأيضاً تتعدى بـ (في) قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، فهذه الرؤية لازمها التدبر، فهي رؤية تدبر عقلي وقلبي لآيات الله الكونية، حتى تتدبر في لوازم ربوبية الله سبحانه جل في علاه. إذاً: لو تعدت بـ (في) فهي رؤية بصرية، لكن لازمها الرؤية القلبية بالتدبر. وأما إذا تعدت بـ (إلى) فالمقصود بها الرؤية البصرية، كما قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، أي: يرون الله بأم أعينهم، فالرؤية بصرية، ولذلك قال الله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام:٩٩]، فهنا رؤية بالبصر، فإذا تعدت الرؤية بـ (إلى) فمعناها الرؤية البصرية. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] فهنا رؤية بصرية لكن لازمها التدبر لقول الله تعالى: ((كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا)). وفي قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، هذه الآية تثبت رؤية المؤمنين لربهم، رزقنا الله وإياكم ذلك في الجنة.

стр. 194

معنى الزيادة في قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، والنبي صلى الله عليه سلم فسر لنا معنى الزيادة في هذه الآية، فقال: (الزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم)، رزقنا الله وإياكم ذلك، وهذا تصريح وتنصيص من النبي ﷺ أن المؤمنين سينظرون إلى وجه الله الكريم يوم القيامة.

стр. 195

معنى قوله تعالى: (على الأرائك ينظرون) الدليل الثالث أيضاً: قال الله تعالى عن المؤمنين واصفاً لهم نعيم الجنة: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين:٢٣ - ٢٦]، النظرة هذه تدل على العموم، فقد تكون إلى الحور العين، أو النظارة التي جاءت من شرب الخمر واللبن والعسل. والقاعدة: أن حذف المعمول يؤذن بالعموم، فالمعمول هو: المفعول به، والمفعول في قوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ مبهم، فلا ندري هل ينظرون إلى الحور العين أم ينظرون إلى الجنات أم ينظرون إلى الأنهار التي فيها الخمر واللبن والعسل، والقاعدة عند العلماء: أن حذف المعمول يؤذن بالعموم، فالمفعول هنا: ينظرون إلى وجه الله الكريم وينظرون إلى الجنات، وينظرون إلى الحور العين، وينظرون إلى الفاكهة، وينظرون إلى الثمار، فقول الله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ عمم النظر، فيدخل من هذا العموم النظر إلى وجه الله الكريم .

стр. 196

استنباط الإمام الشافعي من قوله تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) رؤية الله في الآخرة الدليل الرابع: قال الله تعالى عن الكفار الفجار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، استدل بها الشافعي -وكان دقيق النظر- على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فقال: إن حجبوا عنه في الغضب فالمؤمنون أولى أن يروه في الرضا. إذاً: حكم الرضا يخالف حكم الغضب، فحكم الغضب أنهم حجبوا عنه وياللخسارة، وأما حكم الرضا فالمؤمنون ينظرون إلى وجه الله الكريم.

стр. 197

معنى المزيد في قوله تعالى: (ولدينا مزيد) الدليل الخامس: يستدل بعضهم بقول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، فأكثر المفسرين قالوا: المزيد هنا هو رؤية الله جل في علاه.

стр. 198

تفاوت المؤمنين في رؤية الله تعالى في الجنة والرؤية تختلف بالدرجة فمنهم من يرى الله جل وعلا بكرة وعشيا، ومنهم من يراه جل وعلا كل أسبوع، ومنهم من يراه في الأعياد فقط، أو في الجمعة فقط، ويراه النساء في الأعياد فقط كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية على التفصيل الذي قلناه.

стр. 199

الأدلة النبوية التي تثبت صفة رؤية الله تعالى أما الأدلة من السنة النبوية فقد بلغت حد التواتر في رؤية الله جل وعلا، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ : (أنه جلس مع أصحابه فسأله سائل: هل نرى ربنا؟! فقال النبي ﷺ : هل تضارون في القمر ليلة البدر -يعني: في رؤيته-؟! قالوا: لا، قال: هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟! قالوا: لا، قال: إنكم سترون ربكم كذلك) فهنا تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي. وأيضاً في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (إنكم ترون ربكم لا تضامون في رؤيته) فـ (تضامون) روي بالتشديد والتخفيف، فرواية التخفيف (لا تضامُون) يعني: لا يصيبكم الضيم، أي: كلٌ سيرى الله جل وعلا. و (لا تضامُّون) بالتشديد يعني: لا ينضم بعضكم إلى بعض فيحدث المزاحمة برؤية الله جل وعلا، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا جميعاً ممن ينظر إلى ربه جل وعلا، وهو راض عنا بذلك. وأيضاً قال النبي ﷺ كما في الصحيحين عن صهيب: (عندما يدخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك، فيقول: يا أهل الجنة! هل تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟ ألم تبيض وجوهنا؟ فيكشف الله جل وعلا الحجاب فينظرون إلى وجه الله الكريم)، فأنعم ما ينعمون به هو رؤية الله جل وعلا فينسون كل نعيم، فكل ما في الجنة من نعيم ولذة هو في طي النسيان في مقابل رؤية وجه الله الكريم، اللهم ارزقنا ذلك يا رب العالمين. فلا بد للإنسان أن يوطن نفسه حتى يرتقي بقلبه شوقاً للذي فوق العرش ؛ لأنه سينظر إلى وجه الله الكريم، والنظر إلى وجه الله الكريم لا يصل إليه أي أحد؛ فإن الله يغار ومن غيرة الله أنه لا يجعل الإنسان يرتقي إلى هذه المنزلة إلا من استحقها، فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة، فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن ينظر إلى وجهه الكريم. وأيضاً في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين العباد وبين رؤية ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه جل في علاه) فرداء الكبرياء إذا كشفه الله جل وعلا نظر المؤمنون إلى وجه الله، وبالنظر إلى وجه الله يزول كل نعيم مقابل هذا النعيم، رزقنا الله وإياكم النظر إلى وجهه الكريم.

стр. 200

إجماع أهل السنة والجماعة على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة أجمع أهل السنة والجماعة على أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات يوم القيامة، وعند دخول الجنة.

стр. 201

الأدلة النظرية العقلية لإثبات صفة رؤية الله في الآخرة أما من ناحية النظر فمن قصة موسى ﵇، فعندما سمع موسى صوت الله جل وعلا، ارتقى واشرأبت عنقه إلى رؤية صاحب الصوت، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فلما قال الله له ذلك استنبطنا من هذه الآية على أنه يجوز للمرء أن يرى ربه جل وعلا، بل وتأكدنا أن رؤية الله في الآخرة على اليقين، فقوله تعالى: (قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) وأهل البدعة والضلالة يقولون: لن تروا ربكم؛ لأن الله قال: ((لَنْ تَرَانِي))، فالاستنباط من هذه الآية كما يلي: أولاً: أن موسى ﵇ سأل ربه فقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ)، فسؤال موسى لربه جل في علاه إما أن يكون أن هذا السؤال في محله أو يكون في غير محله، وحاشا لموسى وهو أعلم أهل الأرض في زمانه بالله جل وعلا، فكيف يسأل سؤالاً لا يجوز له أن يسأله، فإذا سأل موسى -وهو أعلم أهل الأرض بالله- علمنا أن موسى يعلم أن رؤية الله ممكنة. ثانياً: لو كان هذا السؤال تنزلاً من باب التعدي فهل يقر الله جل وعلا على باطل؟! كلا، فنوح ﵇ لما قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود:٤٥ - ٤٦]، ثم قال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦]، فلم يقر نوحاً ﵇ عندما سأله إنقاذ ابنه، فبين الله له جل وعلا أن هذا السؤال من باب التعدي، فلا تسأل هذا السؤال. فلو كان سؤال موسى ﵇ من باب سؤال نوح لابنه لرد الله عليه ولما أقره، فلما أقره الله على سؤاله دل ذلك على أن رؤية الله ممكنة، ثم إن الله جل وعلا ما أنكر عليه بل قال له: ﴿انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فعلق الرؤية على ممكن؛ لأن الجبل ممكن أن يستقر، وأنت الآن لا تستطيع أن ترى ربك في الدنيا، لكن في الآخرة ستراه؛ لأن الله سيبدل القوة البصرية بقوة بصرية أخرى ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، فالعين المجردة لا تستطيع رؤية الله جل وعلا في الدنيا، قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فما يستطيع أحد رؤية الله جل وعلا، فلذلك قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فعلق الرؤية على ممكن، أي: لو استقر الجبل ستراني، فتعليق الرؤية على ممكن يدل على أن الرؤية أيضاً ممكنة، فهذا من باب النظر من أن المؤمن سيرى ربه جل في علاه في الآخرة، وأما في الدنيا فلا يمكن لمؤمن أن يرى ربه إلا في حالة واحدة وهي: في المنام أو الرؤية القلبية.

стр. 202

هل رأى محمدٌ ربه في الدنيا أم لا ؟

стр. 203

اختلاف العلماء في رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا وهنا مسألة عن الرؤية وهي: هل رأى محمد ﷺ ربه في الدنيا أم لا؟! اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن محمداً ﷺ رأى ربه في الدنيا عندما عرج به، واستدل القائلون بذلك بقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٣ - ١٥]. واستدلوا أيضاً بقول ابن عباس لما سئل: هل رأى محمد ربه؟! قال: رأى ربه مرتين. وبقول النبي ﷺ لما سئل: (هل رأيت ربك؟ قال: نور إني أراه) فأثبت رؤية الله جل وعلا، كأنه يقول: الله نور ووجه الله نور فإني أراه. والقول الثاني -وهو قول الجمهور من أهل العلم-: أن محمداً ﷺ لم ير ربه، ولذلك ورد عن عائشة بسند صحيح عندما قيل لها: (إن أقواماً يقولون: إن محمداً رأى ربه؟ فقالت: من قال إن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية) يعني: أعظم على الله الكذب، والكذب هنا بمعنى الخطأ. وأيضاً ردت على من قال بأن الله يُرى في الدنيا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤]، فأولت ذلك وقالت: المراد بذلك جبريل، فقد رآه رسول الله ﷺ مرتين على صورته، فأما المرة الأولى فعندما نزل من الغار، فوجد جبريل يجلس على كرسيه في السماء ورجله في الأرض، ولما رآه رعب النبي ﷺ فقال: (زملوني، زملوني، دثروني دثروني). والمرة الثانية: عندما عرج به إلى السماء السابعة، فرأى جبريل ﵇ على صورته، فهذا تأويل الآية ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤]. وأما الرؤية القلبية فتقر بها عائشة ويقر بها ابن عباس ﵁ وأرضاه. والحديث الذي احتج به الجمهور حديث في الصحيحين وهو لما سألوا رسول الله ﷺ : (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه) فـ (أنى أراه) بمعنى: كيف أراه وحجابه النور؟ وهذا أيضاً مصداق لهذا الحديث العظيم.

стр. 204

القول الراجح في رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا وفصل الخطاب في القولين أن النبي ﷺ لم ير ربه في الدنيا، ولن يراه أحد في الدنيا بحال من الأحوال، فلا يرى الله إلا في الآخرة، وقد ورد عن النبي ﷺ بسند صحيح أنه قال: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)، وهذا صريح، وهو خطاب من الرسول للأمة، فمن باب أولى أن يدخل النبي ﷺ في هذا الخطاب، كقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، فأيُّ خطاب للأمة فهو خطاب لرسول الله ﷺ من باب أولى؛ لأنه سيد هذه الأمة ولأنه رسولها، فعندما قال: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) فإذاً: النبي ﷺ لن يرى ربه حتى يموت، والرؤية لا تكون إلا في الآخرة، وهذا هو الراجح الصحيح. وأما ابن عباس فقد تضاربت الأقوال عنه، فقد سئل ابن عباس مرة أخرى: (هل رأى محمد ربه؟ قال: بلى -أو قال نعم- رآه بقلبه مرتين) ونحن نقول بهذا. إذاً: هي ليست رؤية عينية ولكنها رؤية قلبية، وهي في المنام. هذا آخر الفوائد المستنبطة من هذه الأحاديث التي هي من هذا الجزء الأول.

стр. 205

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة لفوائد أحاديث الرؤية لقد أكرم الله تعالى محمداً ﷺ وفضله على سائر خلقه، وحادثة الإسراء والمعراج أقوى شاهد على ذلك، فقد عُرج به إلى سدرة المنتهى، وكلمه ربه وفرض عليه خمس صلوات في اليوم والليلة، وحصل له من المعجزات ما يدل على صدق نبوته، فقد رأى الجنة ونعيمها، ورأى النار وجحيمها، وأيده الله بمعجزات عند عودته حين كذبه قومه، وهذا مبسوط في كتب السير، وقد اختلف العلماء في رؤيته لربه على ثلاثة أقول، والصحيح الراجح: أنه لم يره، ولن يرى أحد ربه في الدنيا.

стр. 206

وقفات مع أحاديث إثبات الرؤية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إخوتي الكرام! ما زلنا مع هذا الكتاب الكريم كتاب (التوحيد وإثبات صفات الرب لإمام الأئمة ابن خزيمة , فقد اشتد الكرب على رسول الله ﷺ وتكالبت عليه قريش ومن معها ومن يناصرها، واشتد تألم رسول الله ﷺ وتوجعه بعد ما مات عمه أبو طالب، وبعد ما ماتت خديجة، واشتدت عصا قريش على رسول الله ﷺ ، وسمى العلماء هذا العام عام الحزن، فذهب الرسول الله ﷺ يستنصر لنفسه ويستنصر لدينه ويستنصر لدعوته، فذهب إلى الطائف يطلب النصرة من ابن عبد يا ليل، وذهب إليه ليعرض عليه دعوته، فكان الرد قاسياً على رسول الله ﷺ ، وكما قالت عائشة في الصحيح: إنها سألت رسول الله ﷺ ما هو أشد الأيام التي مرت عليك، فقال رسول الله ﷺ : (يوم أن عرضت نفسي على الطائف) , فلما ذهب وعرض نفسه عليهم ﷺ بأبي هو وأمي رفضوه واحتقروه، بل وأذلوه ﷺ بأبي هو وأمي، وبعثوا الأطفال خلفه بالحجارة، ولم يكتفوا بهذا بل بعثوا الرسل إلى قريش يخبرونهم بما فعل محمد ﷺ ، وأنه كان يستنصر أهل الطائف عليهم حتى ينصروا دعوته، فازدادوا حقداً وحسداً وبغضاً لرسول الله ﷺ وبغضاً لدعوته، حتى إنه ما استطاع أن يدخل مكة إلا في جوار المطعم بن عدي، فرجع النبي ﷺ مهموماً مغموماً، وجاءه ملك الجبال كما وردت الآثار في ذلك يستأذنه أن يطبق عليهم الجبلين أو الأخشبين، فقال النبي ﷺ : (لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) فأبى على الملك ذلك, حتى ذهب رسول الله ﷺ ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي، ومن شهامة أهل الكفر ومروءتهم وهو ما نفتقده حتى في أهل الإسلام الآن, وذلك حين جاء إلى - المطعم - بعدما استجار به رسول الله ﷺ ، ودخل مكة فأشهر المطعم سيفه وأخذ أولاده كل منهم يستل سيفه ويقول: إن محمداً في جواري، وحذر قريشاً من الاقتراب منه؛ ولذلك حملها رسول الله ﷺ ، فلما فتح الله عليه مكة وأسر من أسر منهم قال: (لوا كان المطعم حياً فكلمني في هؤلاء النتنة لتركتهم من أجل). وهذا شاهد آخر يبين لك شهامة ومروءة ورجولة أهل الكفر مع أنهم أهل كفر، ولكن علوا بهذه السمات وهذه الصفات, ولما تآمر أبو جهل -عليه من الله ما يستحق في قبره مع الفتية- على قتل محمد ﷺ طال عليهم الزمن وما خرج رسول الله قال الفتية: نرتقي البيت ثم ندخل على محمد فنقتله، فقال فرعون هذه الأمة: جئنا لنقتل محمداً وما جئنا لنروع بنات محمد! فهذه من الشهامة والمروءة، والمقصود: وإن كانت هذه الشهامة والمروءة لم تنفعهم، لكن كانت عندهم صفات وسمات يتمناها أهل الإسلام الآن. فلما رجع رسول الله ﷺ اشتد الكرب به واشتد عليه الحزن والهم، فأراد الله جل في علاه أن يروح عن نبيه ﷺ ، فكانت الرحلة المباركة الميمونة رحلة الإسراء والمعراج.

стр. 207

وقفات مع حديث الإسراء والمعراج الذي يرويه أنس وحديث الإسراء والمعراج يرويه أنس بالمباشرة أو بالواسطة، فقد روى عن مالك بن صعصعة وغيره، وروى بنفسه لسماعه من رسول الله ﷺ ، فمدار كل حديث الإسراء على أنس، فلندع أنس ﵁ وأرضاه يحدثنا عن هذه الرحلة المباركة الميمونة. يقول: كان رسول الله ﷺ يحدثنا فقال: (كنت نائماً في الحصير فأتاني آت -هو جبريل ﵇ فشق صدري) , أي: شق صدر الرسول ﷺ من تحت النحر إلى السرة, وهذه معجزة من المعجزات الخاصة بالنبي ﷺ ، وقد رفضها أهل العقول الخربة من المعتزلة وأفراخها الذين يهرفون بما لا يعرفون، ويردون أحاديث النبي ﷺ بعقولهم الخربة، مع أنهم في هذه العصور التي نراها أسوأ ما تكون على أهل الإسلام عندما يرون الأطباء يفتحون القلوب والصدور والعمليات الجراحية المختلفة يصدقونها ويبهرون بحسن صناعة هذا الطبيب، فما بالكم بالله جل وعلا الذي إذا قال للشيء كن فيكون! والله الذي لا إله إلا هو من رد هذا الحديث فهو لم يعتقد في الله حق اعتقاده، ولم يعتقد في رسول الله ﷺ حق الاعتقاد، ولم يتبع رسول الله ﷺ حق اتباعه، فإنه لو اعتقد في الله حق الاعتقاد، وعلم أن الله على كل شيء قدير، وعلم أن الله خلق ملكاً له ستمائة جناح من قدرته وقوته، وأن الله جل وعلا أعطاه قوة حمل قرية بأسرها، وأن يجعل عاليها سافلها، لما رد هذا الحديث. إن جبريل ﵇ هو الذي أجرى العملية الجراحية لرسول الله ﷺ ، ذلك الملك الذي ضرب بجناحه فقط قرية لوط فجعلها كثيباً مهيلاً، جبريل ﵇ الذي عندما رآه رسول الله ﷺ رعب منه وقال: زملوني زملوني, جبريل الذي قال في وصفه رسول الله ﷺ : (رأيت جبريل يجلس على كرسيه في السماء ورجلاه في الأرض)، جبريل ﵇ الذي له ستمائة جناح؛ ولذلك قيل لبعضهم الذين يؤولون صفات الله: صف لي ثلاثة أجنحة فقط وأنا أكفيك الباقي ما استطعت. فجبريل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام هو الذي أجرى العملية لرسول الله ﷺ ، فشق صدره، ثم أخرج قلبه وغسله بماء زمزم، ثم بعد ذلك غسل صدره وحشاهُ حكمة وإيماناً وعلماً. فمن قال: إن الحكمة والإيمان والعلم معنويات، فنقول: كيف يحشى الصدر بهذه المعنويات؟ فالله على كل شيء قدير، أما سمعتم وعلمتم بأن الموت سيقوم متمثلاً أمام الناس، وينادى: يا أهل الجنة! خلود بلا موت، ويا أهل النار! خلود بلا موت، أو ما علمتم أن الله جل وعلا يجعل الأعمال هذه تتكلم، وهذا الفخذ يتكلم، واليد تتكلم وتشهد على العبد؟ فإن الله على كل شيء قدير, فقد ملأ صدر رسول الله ﷺ حكمة وإيماناً. ثم بعد ذلك أغلق جبريل صدره وأرجع ورد كل شيء إلى مكانه ثم أتي الرسول ﷺ بالبراق، وهي دابة لونها أبيض فوق الحمار ودون البغلة، قال أنس في وصفها: (يضع حافره في نهاية مد البصر، فركبه رسول الله ﷺ ، وفي بعض الأحاديث الضعيفة: أنه لما جاء الرسول ﷺ يركب البغلة أو البراق استصعب عليه، فقال له جبريل: والله ما ركب عليك أكرم على الله من رسول الله ﷺ ، وصدق وحق له أن يقول ذلك، بل إن نبينا ﷺ أفضل من جبريل كما سنبين من هذه القصة، فركبه ثم بعد ذلك ذهب به إلى بيت المقدس بأبي هو وأمي، فعلق الخطام على باب المسجد، ثم دخل وصلى ركعتين, وفي بعض الروايات: أن الله جمع له الأنبياء أجمعين، فأمهم رسول الله ﷺ فانقادوا له وسلموا له الريادة والسيادة والقيادة، وما كان لهم إلا أن ينقادوا لرسول الله ﷺ ، ويعلموا أن هذا إيذان وإشارة من الله أنه إذا أم الرسل والأنبياء فإن دينه ناسخ لكل الأديان التي قبله، ولذلك قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار) فرسول الله ﷺ سيدهم وإمامهم وقدوتهم، فصلى بهم جميعاً، ثم بعد ذلك كانت الرحلة الميمونة المباركة , فركب البراق، فصعد إلى السماء حتى بلغ السماء الدنيا، فقرع جبريل الباب ﵊، فقيل: من؟ قال: جبريل، فقالوا: من معك؟ قال: محمد، قالوا: أو أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: مرحباً بالنبي الصالح، ففتح له فدخل جبريل ودخل معه محمد ﷺ ، فرأى آدم ﵇ ورآه آدم، فقال آدم: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد به إلى السماء الثانية، فوجد فيها عيسى ويحيى ﵉، فرحبا به وقالا: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم صعد به إلى السماء الثالثة، فوجد فيها يوسف ﵊ وقد أوتي الشطر الثاني من الجمال، فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد إلى السماء الرابعة فوجد إدريس، فتلا قول الله ﵎ ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧]، ثم بعد ذلك صعد إلى السماء الخامسة فوجد فيها هارون، فرحب به وقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم ارتقى إلى السماء السادسة فوجد فيها موسى ﵊، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، فلما صعد محمد ﷺ بكى موسى؛ لأن غلاماً سيدخل من أمته أكثر مما يدخل من أمتي الجنة -فنسأل الله ﵎ أن يجعلنا جميعا من أهل الجنة -ثم صعد إلى السابعة فوجد إبراهيم ﵊ وحوله أطفال المشركين وأطفال المسلمين، قال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، ثم بعد ذلك صعد محمد ﷺ ، إلى سدرة المنتهى لكن جبريل لم يصعد مع رسول الله، وهذا دليل على أن النبي ﷺ أرقى منزلة عند الله من جبريل، وأكرم على الله من جبريل، وحق لنا أن نقول ذلك، فإن سيد الخلق أجمعين هو رسول الله ﷺ ، وهو أكرم من جبريل عليه الصلاة وأزكى السلام، فصعد رسول الله ﷺ فكلمه الله من وراء حجاب؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، فكلمه من وراء حجاب وفرض عليه خمسين صلاة، فنزل يتردد بين الله جل وعلا وبين موسى، فقد كان موسى يقول: أمتك لا تستطيع ذلك، وهو يراجع ربه حتى جعلها الله خمس صلوات في اليوم والليلة، وهي بأجر خمسين صلاة بفضله ومنه وكرمه ورحمته على عباده.

стр. 208

ذكر ما جاء في رؤية النبي ﷺ في الإسراء والمعراج، وتكذيب قومه له، وموقف أبي بكر لقد رأى رسول الله ﷺ في هذه الرحلة الميمونة المباركة عجباً وأمراً مذهلاً تشيب له الرءوس والولدان، فقد رأى رسول الله ﷺ أقواماً في جهنم أفواههم كأفواه البعير يلتقطون جمراً من النار فيأخذونها في أفواههم فتنزل من أسفلهم فتخرج، ورأى أقواماً أيضاً يسبحون في نهر من الدماء، ويقف رجل على شط النهر ومعه حجر، فكلما اقترب هذا السابح في نهر الدماء من الخروج فغر فاه فألقمه الحجر فرجع كما كان، ورأى أقواماً بطونهم عظيمة فيها الحيات، وكلما أرادوا أن يقوموا انقلبوا على ظهورهم، ثم رأى أقواماً يلتفون حول الجيف يأكلون من هذه الجيف، وأقواماً لهم شرائح من اللحوم، وهذه اللحوم طيبة، فينظرون إليها فيتركونها، وينظرون إلى لحوم منتنة فيذهبون فيأكلونها، وآخرين لهم أظافر من حديد يخمشون به لحومهم وظهورهم، ورأى النساء تعلق كل امرأة من ثديها، فتعجب واندهش, ثم سأل رسول الله ﷺ عن هؤلاء الأقوام فقيل له: أما المرأة التي تعلق من ثديها فهن الزانيات، وتحتهن نار كلما اشتعلت عليهم ارتفعوا وضوضوا، أي حدثت ضوضاء وحدثت أصوات كثيرة وشديدة من عذابهم. وأما الأقوام الذين يلتقطون الجمر ويأخذونها بأفواههم وتخرج من أسفلهم، فهؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. وأما الذي فغر فاه وألقمه الحجر وهو يسبح في نهر من الدم، هؤلاء آكلوا الربا والعياذ بالله، وأمثالهم الذين يتجرءون على حرمات الله ويأكلون الربا بالحيل، كما ورد في بعض الأحاديث الضعيفة وإن كان معناها صحيح: (يأتي زمان على أمتي يأكلون الربا بالبيع، يسمونه بيعاً وهو ليس بالبيع) بل هو حيلة على رب البرية جل في علاه. قال: وأما الذين بطونهم عظيمة فيها الحيات، كلما قام منهم القائم ينقلب على ظهره مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]، وأما الآخرون الذين يخمشون وجوههم فهؤلاء هم الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم. والغرض المقصود أن النبي ﷺ رأى عجباً، وكل ذلك يشير لنا إلى أحقية أن نؤمن ونعتقد بعذاب القبر وإن كان الميت في بطون السباع، فإن الله سيعذبهم بهذا العذاب حتى تقوم الساعة. وبعد ما انتهى نبي الله ﷺ من هذه الرحلة الميمونة المباركة وامتلأ صدره إيمانا وحكمة وعلماً، نزل إلى مكة يؤسس الدولة الإسلامية، ينشر هذه الدعوة لكنه لاقى ما لاقى من أهل مكة لما جلس يذكر ما رآه من بيت المقدس، فقام أبو جهل والوليد بن المغيرة ومن معهم من صناديد قريش فقالوا له: أين كنت أمس؟ قال: كنت في بيت المقدس، فأخذوا يسخرون منه ويستهزئون، ويضحك أبو جهل ويقول: رأيت إبراهيم، رأيت موسى، رأيت عيسى، صف لنا موسى، فأخذ رسول الله ﷺ يقول: أما موسى فكان رجلاً أسمر صخماً، وأما عيسى فكان أحمر ربعة، وأما إبراهيم فأنا أشبه الخلق به، وهو يتكلم بقوة؛ لأنه يعلم أن هذا هو الحق الذي أراه الله جل في علاه. فأخذوا يستهزئون، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، وقد أصاب النبي ﷺ الهم لما سألوه ذلك؛ لأنه دخل بيت المقدس ليلاً، وخرج منه ليلاً وهم يسألونه عن دقائق الأمور في بيت المقدس، فوقف وجلس لحظة مغموماً، وانظروا إلى قدرة الله جل وعلا، والله الذي لا إله إلا هو من لم يعتقد في الله حق اعتقاده فقد خاب وخسر وتخبطه الشيطان في كل وادٍ، ولن يبالي الله جل وعلا إذا أهلكه في أي وادٍ من هذه الوديان, فالذي يعتقد في الله حق اعتقاده يعلم أن الله لن يضيع رسوله أبداً، وسينصره عليهم، فاغتم رسول الله ﷺ لذلك عندما سألوه في دقائق الأمور، فجاءه جبريل وعلى جناحه بيت المقدس, وفيه كل ما فيه, فقد قال النبي ﷺ : (فجاءني جبريل وعلى جناحه بيت المقدس أنظر إليه وأقص عليهم) وكان منهم من سافر إلى الشام ورأى بيت المقدس، فكان يعلم أن رسول الله ﷺ يخبر بدقائق الأمور الهندسية في هذا البيت، وهم يعلمون أن هذا هو الحق، وأعلى من ذلك وأرقى أنه قال: إن بعير فلان بن فلان في المكان الفلاني، وأما بعير فلان فتطلع عليكم الصبح، ثم ذهبوا فوجدوا ما قاله النبي ﷺ حقاً، فوقفوا أمام هذا الحق وهذا الصدق وهذه المعجزة، وأقروا بهذه الآية, فما كان ينتظر منهم إلا أن يؤمنوا؛ حيث إنهم أقروا إقراراً تاماً مطابقاً لما قال النبي ﷺ ، وأقروا بأن هذه آية، ولكن قام المغيرة فقال: إن هذا لسحر، فأخذوا يقولون هذه الكلمة، وقالوا: ساحر مبين حقدا وجحودا بمعجزات النبي ﷺ وبدلائل النبوة. فالمقصود أن الله جل وعلا ثبت رسول الله ﷺ حتى أخبرهم بذلك، فقاموا وقالوا: نؤلب عليه قريشاً فذهبوا إلى أبي بكر فوبخوا أبا بكر ﵁، وقالوا: يا أبا بكر أرأيت ماذا قال صاحبك؟ قال: ماذا يقول؟ قالوا: قال إنه قد أسري به إلى بيت المقدس ورأى بيت المقدس، فقال أبو بكر: إن كان قال هذا فقد صدق، ثم أتى بدليل ساطع على تصديقه لرسول الله ﷺ فقال: إني أصدقه في ما هو أبعد من ذلك، إني أصدقه في الخبر يأتيه من السماء، فقياس الأولى والقياس الجلي إن أصدقه فيما حدث له في الإسراء والمعراج، ولقب من يومها ﵁ وأرضاه بالصديق.

стр. 209

اختلاف العلماء في رؤية النبي ﷺ لربه في حادثة الإسراء والمعراج لقد استنبط منها العلماء استنباطا اختلفوا فيه وهو عندما تردد النبي ﷺ بين موسى وبين الله وهو يكلمه من وراء حجاب, هل رأى محمد ربه بعينه أم لا؟ فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: النفي مطلقاً، فلم يره لا بقلبه ولا ببصره، وهذا قول عائشة ﵂ وأرضاها. واستدلت على قولها بقول الله ﵎ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقالت: قال الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]. القول الثاني قول ابن عباس ﵁ وأرضاه وهو: أنه رأى ربه بعينه , وهذه رؤية بصرية، فقد قال ابن عباس: والذي نفسي بيده قد رأى محمد ربه، وذلك عندما سئل أرأيت ربك؟ قال: (نور إني أراه) فقد أثبت هنا الرؤية البصرية. القول الثالث: وهو قول منسوب لـ عائشة وسنده ضعيف ومنسوب لـ ابن عباس أيضا، وهو أنه رأى ربه بقلبه لا بعينه، والفرق بين هذا وذاك أنه رأى ربه بقلبه أي رؤية منامية، ولم يره بعينه. وأدلتهم على ذلك حديث أتى به المصنف وهو أن النبي ﷺ قال: (أتاني ربي في المنام في أحسن صورة، ثم سألني: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فما عرفت، فوضع يده على صدري فوجدت برد أنامله على صدري، فعلمت كل شيء، فقلت: يختصم الملأ الأعلى في الدرجات والكفارات). إذاً: النفي مطلقاً, والإثبات مطلقاً, والتفصيل وهو: أنه رآه بقلبه ولم يره بعينه, ونترك مسألة الرؤية القلبية، وننظر إلى القول بالرؤية البصرية وقول عائشة , فإن عائشة اشتد نكيرها على من يقول: إن الله رئي بالعين البصرية، وذلك لما قال لها مسروق: إن بعض الناس يقولون: إن محمداً رأى ربه، قالت: قد قف شعري لما تقولون، من أخبركم أن رسول الله قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية, تعني: الكذبة وهي تقصد الخطأ ولا تقصد الكذب الصريح, واستدلت بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وهذا دليل في غير محله؛ لأن المعارض والمخالف له أن يقول: نحن نوافق أن الله لا يُدَرك، وأن الله قد أحاط بكل شيء ولا يحيط به شيء سبحانه جل في علاه، لأن معنى الإدراك: الإحاطة , ونحن لا نحيط بالله أبداً لا علماً ولا سمعاً ولا بصراً, والرؤية غير الإدراك, فهذا الدليل ليس في محله. واستدلت بآية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١] فقالت: إن محمداً لم يرَ ربه؛ لأن لا الله لا يكلم نبيناً إلا عن طري الوحي أو من وراء حجاب. لكي نقول: إن الله حقاً كلمه وكلمه من وراء حجاب، والكلام غير الرؤية، فلعله رأى ربه دون أن يكلمه، لكن لما كلمه كلمه من وراء حجاب , فتصبح الأدلة التي استدلت بها عائشة ﵂ وأرضاها أدلة ليست من القوة بمكان في محلها. وأما ابن عباس فأدلته قوية فـ عائشة تنفي وابن عباس، يثبت، والقاعدة عند علمائنا: أن المثبت مقدم على المنفي؛ لأن الذي ينفي ليس معه علم، والذي يثبت معه زيادة علم، وزيادة العلم تتقدم على غيره، وهناك حديث آخر يصرح بأن الرسول ﷺ رأى ربه في مسند أحمد , فقد روى أحمد في مسنده من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن الرسول ﷺ قال: (رأيت ربي) وهذا فصل للنزاع؛ لأن هذا تصريح، لكننا لا نخوض في هذا أيضاً، وأقول: إن محمدا ﵌ على الراجح من أقوال أهل العلم: أنه لم يرَ ربه, والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : (إنكم لن ترو ربكم حتى تموتوا). وأصوليا كما قررنا في الأصول: أن الخطاب للأمة خطاب لسيد الأمة وهو رسول الله ﷺ ، فإذا قال رسول الله ﷺ لا تفعلوا كذا فهو ﷺ لا يفعل، إلا أن يدل الدليل بالتصريح أن هذه خصوصية لرسول الله ﷺ ، فإذا قال النبي ﷺ : (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) فيدخل النبي ﷺ في هذا الخطاب، فلن يرى ربه ربه حتى يموت بأبي هو وأمي. وقد قال الله تعالى لموسى ﵇: (لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] وحتى لو كانت الآية على بابها في التأبيد فهي في التأبيد الدنيوي لا الأخروي، فالصحيح الراجح في ذلك: أن النبي ﷺ لم يرَ ربه في هذه الدنيا. والرد على أدلة من قال: إن النبي محمداً رأى ربه: هو أن ابن عباس لم يصرح بأنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ ، فأصبح الدليل في الرفع محتملاً، والمقطوع به يقدم على المظنون؛ لأن الاحتمال ظن، والمقطوع به: أنه قال لن تروا ربكم، وقد قال ابن عباس: أتعجبون أن يجعل الله جل وعلا لإبراهيم الخلة، ولموسى الكلام، ولمحمد الرؤية. ونحن لا نوافقه على ذلك، إذ جعل لمحمد الكلام وجعل لمحمد أيضا الخلة فقد اتخذ الله محمد خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، وقد كلم الله جل وعلا الرسول ﷺ كما كلم موسى ﵇، وهذا دليل على فضل رسول الله ﷺ وسيادته على الخلق أجمعين, فهذا بالنسبة لكلام ابن عباس فالرد على هذا: أن نقول: له الخلة وله الكلام، وأما الرؤية فلا يختص بها أحد، ولا يرى أحد ربه في الدنيا. ثانياً: حديث النبي ﷺ أنه قال: (رأيت ربي) وهو حديث ضعيف؛ لأن قتادة مدلس، والذي يكفينا تدليس قتادة هو شعبة، والحديث من طريق حماد بن سلمة وهو ثقة ثبت لكنه ليس كـ شعبة فلا نأمن من تدليس قتادة وإن كان السند مسلسلاً بالثقات، فالسند فيه: حماد بن سلمة ثقة ثبت قتادة ثقة ثبت، وعكرمة الكلام فيه غير معتبر، وهو ثقة ثبت، وابن عباس ﵁ وأرضاه، فهو حديث مسلسل بالثقات، لكن التدليس يجعلنا نتوقف فيه، ويكون المقطوع به هو حديث: (لن تروا ربكم حتى تموتوا) , والذي يقول: بل رأى محمد ربه، بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] نقول: هذه الآية يقصد الله بها جبريل ﵊، كما قالت عائشة: إن النبي ﷺ رأى جبريل في صورته وهيئته مرتين بستمائة جناح، المرة الأولى: عندما قال: زملوني زملوني، والمرة الثانية: عندما عرج به ﷺ بأبي هو وأمي. ومن الأدلة على أنه لم ير ربه ببصره: ما جاء في حديث الترمذي: (أتاني ربي في أحسن صورة)، فالراجح والصحيح: أنه لم ير ربه في الدنيا، ولن يرى أحد ربه في الدنيا. وأما في الآخرة فقد بينا أن الوجوه تصبح ناضرة؛ لأنها إلى ربها ناظرة, نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن ينظر إلى وجهه الكريم، ويتمتع بذلك وينعم به. وصل اللهم وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 210

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - رؤية الكافرين لله جل في علاه يوم القيامة من تمام النعمة وعظيم فضل الله على المؤمنين أن يريهم وجهه الكريم يوم القيامة، وهذه النعمة لا يحصل عليها الكافرون، فهم محرومون من النظر إلى وجهه سبحانه.

стр. 211

اختلاف العلماء في رؤية الكافرين لربهم يوم القيامة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن من أشرف مسائل العقيدة على الإطلاق هي مسألة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، كيف لا وهي تتعلق بالنظر إلى وجه الله الكريم، والمتعة والنعيم التامان في الجنة يكونان بالنظر إلى وجه سبحانه. وقد سبق ذكر الرؤية وأدلتها والمخالفين لأهل السنة والجماعة فيها، وكيفية الرد عليهم، والمسألة الأخرى هي رؤية الكافرين لله جل في علاه يوم القيامة، فهل يحرمون في عرصات يوم القيامة من رؤيته أم يرونه عند الحساب؟ و الجواب أن الناس ينقسمون إلى أقسم ثلاثة: القسم الأول: المؤمنون الخلص الذين آمنوا بالله ووحدوه حق التوحيد، وآمنوا به رباً ولم يجحدوا شرعه سبحانه جل في علاه، فأتمروا بأمره وبأمر نبيه ﷺ . والقسم الثاني: الكافرون الخلص الذين جحدوا ربهم، وجحدوا شرعه، وخالفوا أمره وأمر رسوله ﷺ ، فأظهروا الكفر، وكانوا مرصاداً وحرباً لدين الله جل في علاه، وحرباً لرسول الله ﷺ . القسم الثالث: مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا هؤلاء، فلا هم مؤمنون خلص ظاهراً وباطناً، ولا كافرون خلص ظاهراً وباطناً، فأبطنوا الكفر والجحود والاستكبار والاستعلاء على دين الله جل وعلا وأظهروا الإسلام، فكان لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين. فهؤلاء هم المنافقون، فهم وسط بين هؤلاء ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣]. فأما المؤمنون الخلص فهم الذين يرون ربهم يوم القيامة. والرؤية رؤيتان: رؤية لذة ونعيم وإكرام وسعادة وسرور، وهذه لا تكون إلا في الجنة، ولا يفوز به إلا المؤمنون الخلص بالإجماع، فالمؤمنون الخلص يرون ربهم رؤية لذة ونعيم وإكرام، وهذه الرؤية تكون في الجنة عندما يطلع الله على أهل الجنة ويقول: (تمنوا، فيقولون: يا ربنا! ألم تنجنا من النار؟ ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ فيطلع الله عليهم وينزع رداء الكبرياء، فيرون ربهم فما أوتوا من نعيم مثل هذا النعيم)، رزقنا الله رؤيته ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥]. والرؤية الثانية: رؤية فتنة ومحنة واختبار، وفيها توبيخ وزجر، وهذه الرؤية هل هي رؤية عامة أم هي رؤية خاصة بالمؤمنين؟ اختلف العلماء من أهل السنة والجماعة في ذلك على أقوال ثلاثة: القول الأول: أن الكافرين والمؤمنين والمنافقين يرون ربهم على عرصات يوم القيامة قبل أن يضرب الجسر، وقبل أن يذهبوا إلى الجنات أو النيران، فعند الحساب يرى الكافرون والمؤمنون والمنافقون ربهم جل في علاه. وهذا هو القول الأول من أقوال أهل السنة والجماعة. واحتجوا بأدلة كثيرة منها: أولاً: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، واللقاء يستلزم الرؤية. واحتجوا أيضاً بحديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن رسول الله ﷺ الله عليه وسلم قال: (ما من أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان)، وبما جاء في الصحيحين: (أن الله جل وعلا يأتي بالرجل من أهل النار ويقول له: لو كان لك ما في الأرض وما في السماوات من ذهب أو من فضة لافتديت به من عذاب يوم القيامة؟ قال: نعم، فقال الله: قد طلبت منك ما هو أهون من ذلك وأنت في صلب آدم، طلبت منك أن توحدني ولا تشرك بي شيئاً)، أو كما قال النبي ﷺ . فكل ذلك لقاء بين الرب وبين العبد، واللقاء يستلزم الرؤية والمعاينة. واستدلوا أيضاً بما استدل به المصنف -وإن كانت أسانيده ضعيفة- أن النبي ﷺ قال: (فينظر الله إليهم -يعني في عرصات يوم القيامة- وينظرون إليه)، وهذا عام في جميع أهل الموقف أنهم ينظرون إلى الله، وينظر الله جل وعلا لهم، وأهل الموقف فيهم المؤمنون الخلص، والكافرون الخلص، والمنافقون الذين هم وسط بين المنافقين وبين المؤمنين، وهذا يدل على أن الكافرين سيرون ربهم، لكن هذه الرؤية ليست رؤية إكرام ولا سعادة ولا سرور، بل هي رؤية امتحان واختبار وحسرة وألم، حتى إذا أدخلهم الله النار حرموا من رؤيته. القول الثاني من أقوال أهل السنة والجماعة: أنه لا يرى الله جل وعلا أحد لا في عرصات يوم القيامة ولا في الجنات إلا المؤمنون الخلص فقط؛ لأن رؤية الله شرف عظيم لا يرتقي إليه منافق ولا كافر، فالمؤمن فقط هو الذي سيرى ربه جل في علاه. واحتجوا على ذلك بالنص القاطع من كتاب الله جل وعلا وهو قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، وهذا نص قاطع عام في كل كافر بالاتفاق، وفي كل منافق أبطن الكفر وأظهر الإسلام كـ عبد الله بن أبي بن سلول وطائفته ممن أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام، فهؤلاء من الكافرين، والله جل وعلا يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، يقول ذلك لمن يكذبون بيوم الدين وهم الكافرون، فهذا نص قاطع على أنه لا يرى الله إلا المؤمنون، فكما حجبت رؤية الله عن هؤلاء في الغضب فإن المؤمنين يرونه في الرضى، وفي عرصات يوم القيامة أيضاً. القول الثالث: القول بالتفصيل، وهذا قول لبعض أهل السنة والجماعة، وعند تدقيق النظر فأن هؤلاء هم أسعد الناس بالدليل. قالوا: إن المؤمنين والمنافقين سيرون الله في عرصات يوم القيامة، فأما الكافرون فلا يرون ربهم جل في علاه، واستدلوا على ذلك بحديث: أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري ﵄ في الصحيحين، أن النبي ﷺ -بعدما وصف لهم عرصات يوم القيامة وما يرون فيها من أهوال- قال: (فيقول الله جل وعلا لأهل الموقف: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيأتي الذين كانوا يعبدون الشمس فيتبعون الشمس، وتكور حتى تسقط في نار جهنم فيسقطون في نار جهنم، ويأتي الذين كانوا يعبدون القمر فيكور، ثم يلقى في نار جهنم فيسقطون في نار جهنم، ثم قال: فيبقى المؤمنون وفيهم المنافقون وبقايا من أهل الكتاب، فيقول الله جل وعلا: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيقول لأهل الكتاب: من تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عيسى ابن الله، فيقول الله جل وعلا: كذبتم ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، ثم يتمثل لهم شيطان عيسى، ويذهب فيهوي إلى نار جهنم، فيسقطون خلفه في النار). إذاً: فأهل الكتاب يمحصون ويتساقطون إلى نار جهنم قبل أن يروا ربهم، وأيضاً اليهود يقولون: كنا نعبد عزيراً ابن الله -ينسبونه إلى الله جل في علاه-، فيقول الله جل في علاه: كذبتم ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، فيتمثل لهم شيطان عزير ﵊ فيهوي في النار، ويتساقطون هم معه، ويبقى من يكشف الحجاب لهم، وهم المؤمنون وفيهم المنافقون، فيأتيهم الله جل وعلا على صورة غير الصورة التي يعرفونها -، وهذا فيه دلالة على أن الله له صورة، وكونه يأتى بصورة غير صورته جل في علاه فهو فعال لما يريد سبحانه ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]-فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لست بربنا، ثم يأتيهم في الصورة التي يعرفونها فيقول: أنا ربكم -فبينه وبينهم علامة- فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقه جل في علاه، فيخر ساجداً كل مؤمن ومنافق، فمن كان يسجد لله إخلاصاً وتوحيداً كاملاً يسجد كما كان يسجد في الدنيا، أما الذي كان يسجد نفاقاً فإذا جاء ليسجد تحولت فقرات ظهره طبقاً واحداً، فينقلب على ظهره ولا يسجد لله جل وعلا، وهذا محل الخداع والمكر بأهل النفاق. ففي هذا الدليل بيان أن بقايا أهل الكتاب يتساقطون خلف شيطان عيسى وشيطان العزير، وأما المؤمنون والمنافقون فيظهر الله لهم، كما جاء في رواية قال: (ثم يتوارى عنهم، ثم يظهر لهم بالصورة التي يعرفونها). فهذا هو دليل الطائفة الثالثة الذين يقولون: إن أهل الكتاب أو الكفار لن يروا الله جل وعلا حتى في عرصات يوم القيامة. والصحيح الراجح هو هذا القول، وأصحابه هم أسعد الناس بالدليل وقولهم بأن الكافرين لا يرون ربهم لا في عرصات يوم القيامة ولا في غير عرصات يوم القيامة، يدل على أنهم لا يرونه في الجنة من باب أولى، فهم أهل الخسارة، وأهل الغي والعار الذين حرموا جنة الدنيا، ثم حر

стр. 212

الجواب على القائلين بأن الكافرين يرون ربهم يوم القيامة ما استدل به القائلون بأن الكافرين يرون الله يوم القيامة يجاب عليه بعدة أجوبة: أولاً: احتجاجهم بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، وقولهم بأن اللقاء يستلزم الرؤية، يجاب عليه: بأن اللقاء لا يستلزم الرؤية، فإن اللقاء لقاءان: لقاء بسلام، ولقاء بغير سلام، فأما اللقاء بسلام فإنه -كما هو معلوم- أن السلام تحية أهل الإسلام، وقد قال الله جل وعلا لآدم: (فهذه تحيتك وتحية أمتك من بعدك)، فكلمة السلام عليكم معناها لك منا الأمان والسلامة من كل شيء، كما تعني الدعاء بالسلامة من كل نقص ومن كل شر يسوءك في الدنيا والآخرة، فاللقاء بسلام فيه الأمان واللذة والسرور والإكرام. والقاء الثاني: ليس بسلام، وهذا لا يستلزم النظر، وأما اللقاء الأول الذي يكون بسلام فيستلزم المعاينة والإبصار؛ لما فيه من الأمان والإكرام والسلام، ودليل ذلك قول الله تعالى عن المؤمنين عندما يدخلون الجنة: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤]. إذاً: يلقونه فيسلم عليهم، وهذا لقاء بسلام، وهو الذي فيه رؤية وجه الله جل في علاه، وهذا الذي يستلزم المعاينة والإبصار واللذة والسرور ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥]. اللقاء الثاني: لقاء بغير سلام، وهذا لقاء توبيخ لا يستلزم المعاينة ولا الإبصار، فهو لقاء المحاسبة، فلا يكون بينهم وبين الله ترجمان، وفيه يوبخهم الله جل وعلا ويقول لأحدهم: ألم أنعم عليك؟ فيقر بكل ذلك ولا يجحد شيئاً حتى إن الله يختم على فيه ويقول: يكفيك شاهد من نفسك، فتنطق اليد، وينطق الفخذ، وينطق كل شيء بجسده، ثم يلقى في نار جهنم مدحوراً موبخاً من قبل الله جل في علاه. إذاً: فاللقاء الذي يكون بغير سلام لا يستلزم المعاينة والإبصار؛ للحجاب الذي بينهم وبين الله، فلا يرونه. وأما استدلالهم بأن أهل الموقف ينظرون إليه وينظر إليهم فالحديث فيه ضعف، لكن ابن القيم ﵀ يرجح تصحيحه، ولم يقل المعنى صحيح، لكن قال: ينظر لأهل الموقف، وينظرون إليه. والرد على استدلالهم بهذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن الذين ينظرون هم المؤمنون، فالنظر خاص بهم؛ لأن الله أخبرنا في كتابه الكريم أن الكافرين يبعثون يوم القيامة على وجوههم عمياً وصماً وبكماً قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦]، فالكافر يحشر يوم القيامة أعمى، ولا نظر للأعمى. الوجه الثاني: ينظرون ويحجبهم الله عن رؤيته، وهذا ظاهر. وأوضح الأدلة في الإجابة عليهم هو قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، وقد يقال: إذا لم ير الكافرون ربهم فكيف يراه المنافقون؟ و الجواب أن رؤية المنافقين من تمام المكر والمخادعة، ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦] وأجراً طباقاً، بل إن هذا يستلزم حسرة وألماً على المنافقين، فيكون عقابهم أشد من عقاب الكافرين، فعندما يرون الله يقع في قلوبهم أنهم مع المؤمنين، وأنهم من أهل السلامة، ومن أهل الجنة، فيأتي الله جل وعلا فيغلق عنهم باب الرحمة، فينظرون إلى أهل الجنات وهم يسيرون كأجاويد الخيل، وكالريح المرسلة إلى الجنات فيقولون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، يقول الله تعالى عنهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، فهم يمكرون والله يمكر بهم في الآخرة، ويخادعون الله والله يخدعهم بأن يأتيهم ويرونه، ويحسبون أنهم من أهل الجنات، ثم يضرب بينهم وبين أهل الجنات، وبعد أن طمعوا بالجنة قطع طمعهم، وكان لهم الدرك الأسفل من النار، وهذه دلالة أيضاً على أن المنافقين أشد نكالاً وعذاباً من أهل الكفر.

стр. 213

قياس الغائب على الحاضر المشاهد دليل على إحياء الله الموتى هذه بعض الفوائد المستنبطة من الأحاديث التي أطال المصنف في ذكرها، منها قال: (قلت يا رسول الله! كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: يا أبا رزين أما مررت بوادي أهلك محلاً ثم مررت به يهتز خضراً، ثم أتيت عليه محلاً ثم مررت به يهتز خضراً؟ قلت: بلى، قال: كذلك يحيي الله الموتى) وهذه آية من آيات الله في خلقه، وفيها دلالة عظيمة على قدرة الله وعظمته، وفيها قياس النبي ﷺ الغائب على الواقع المشاهد، والله جل وعلا ضرب لنا هذه الأمثلة جلية واضحة في كتابه فقال: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت:٣٩] ثم ختم هذه الآية بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩]، وهذا قياس للغائب على الواقع المشاهد، ولذلك فإن النبي ﷺ يبين أن السماء تمطر فتحيا الأرض بعد موتها، وكذلك بالنسبة للميت فإن الله ينزل من السماء مطراً كمني الرجال فيحيي به هذا الإنسان. فكما أحيا الله الأرض بهذا الماء فكذلك يحيي الإنسان من عجب الذنب بالمطر الذي تمطره السماء يوم القيامة، والذي يكون أشبه ما يكون بالمني. والقصة العجيبة في الكتاب ما جاء في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة:٢٥٩]، ثم أمره الله أن ينظر إلى حماره وإلى طعامه، وهذا من قياس الغائب على الواقع المشاهد. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 214

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - إثبات صفة الضحك لله الضحك صفة من صفات الله الدالة على رحمته، وأنه رءوف بعباده، وما دام أنه يضحك سبحانه فعلى الإنسان أن يحسن الظن به، ولا يقنط من رحمته، ولن يعدم المؤمنون خيراً من رب يضحك.

стр. 215

إثبات صفة الضحك لله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: قال المصنف ﵀: [عن الأسود بن عبد الله عن عمه لقيط بن عامر أنه خرج وافداً إلى رسول الله ﷺ ومعه نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق، قال: فقدمنا المدينة لانسلاخ رجب، فصلينا معه صلاة الغداة، فقام رسول الله ﷺ في الناس خطيباً فقال: (ألا أيها الناس! إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لأسمعكم، ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله ﷺ ؟ ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال، ألا إني مسئول هل بلغت، ألا فاسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا ألا اجلسوا، قال: فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: إني سائلك عن حاجتي فلا تعجلن علي، قال: سل عما شئت، قلت: يا رسول الله! هل عندك من علم الغيب؟ فضحك -لعمر الله- وهز رأسه، وعلم أني أبتغي بسقطه، وقال: ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله، وأشار بيده، فقلت: ما هن يا رسول الله؟! قال: علم المنية، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم المني حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه، وعلم ما في غد وما أنت طاعم غداً ولا تعلمه، وعلم اليوم الغيث يشرف عليكم آزلين مشفقين، فيظل يضحك وقد علم أن غوثكم قريب -يقصد بذلك المطر- لا يعلمه إلا الله جل وعلا، فقلت: يا رسول الله! لن نعدم من رب يضحك خيراً). ]. في هذا الحديث فوائد كثيرة منها: أن من السنة أن يعلو صوت الخطيب، فقد كان النبي ﷺ إذا قام خطيباً علا صوته كأنه منذر جيش، وكثير من الناس يتضجر من ارتفاع صوت الخطيب، والسنة التي ضاعت وأميتت أن النبي ﷺ كان إذا قام خطيباً في الناس علا صوته، واحمر وجهه، وظهر ذلك على حالته ﷺ . ومنها: آداب السائل، وأن الذي يسأل عن أمر مهم لا بد أن يفرغ ذهن المسئول وقلبه، فلذلك كان من العقل الذي عند هؤلاء أنهم جلسوا حتى يفرغ فؤاد النبي ﷺ وبصره، فيسألونه عن المهمات. وقد ذكرت في هذا الحديث صفة من صفات الله جل في علاه، وهي من صفات الأفعال، وهي صفة الضحك، فيا خسارة الذين لا يؤمنون بهذه الصفات، والذين يجهلون عن الله الكثير، فإن الله يضحك ولن نعدم من رب يضحك خيراً. فإذا كان مديرك في العمل في كل يوم يسلم عليك ويهش ويبش في وجهك، فسوف تنتظر منه كل خير؛ لأنه كلما رآك ابتسم في وجهك وسألك عن حالك. فهذا مثال، ولله المثل الأعلى. وكما يصف الواصفون النبي ﷺ أنه كان يتبسم دائماً في وجه من يسلم عليه، وإذا سلم على إنسان -كما في الأحاديث الصحيحة- لم يكن ينزع يده حتى ينزع الآخر من يده صلى، وإذا تكلم معه لم يكن يبعد أذنه عنه حتى يسكت، فكان النبي ﷺ يتمثل بآثار صفات الله جل وعلا، فإن الله يضحك ضحكاً يليق بجلاله وكماله وعظمته وقدرته . فهذه صفة من صفات الأفعال التي تتعلق بالمشيئة، فإن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، فإن شاء ضحك وإن شاء لم يضحك، فهي تتعلق بالأسباب.
следующие страницы →