Полный текст (302 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
اختلاف العلماء في رؤية الكافرين لربهم يوم القيامة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن من أشرف مسائل العقيدة على الإطلاق هي مسألة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، كيف لا وهي تتعلق بالنظر إلى وجه الله الكريم، والمتعة والنعيم التامان في الجنة يكونان بالنظر إلى وجه سبحانه.
وقد سبق ذكر الرؤية وأدلتها والمخالفين لأهل السنة والجماعة فيها، وكيفية الرد عليهم، والمسألة الأخرى هي رؤية الكافرين لله جل في علاه يوم القيامة، فهل يحرمون في عرصات يوم القيامة من رؤيته أم يرونه عند الحساب؟
و
الجواب
أن الناس ينقسمون إلى أقسم ثلاثة: القسم الأول: المؤمنون الخلص الذين آمنوا بالله ووحدوه حق التوحيد، وآمنوا به رباً ولم يجحدوا شرعه سبحانه جل في علاه، فأتمروا بأمره وبأمر نبيه ﷺ .
والقسم الثاني: الكافرون الخلص الذين جحدوا ربهم، وجحدوا شرعه، وخالفوا أمره وأمر رسوله ﷺ ، فأظهروا الكفر، وكانوا مرصاداً وحرباً لدين الله جل في علاه، وحرباً لرسول الله ﷺ .
القسم الثالث: مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا هؤلاء، فلا هم مؤمنون خلص ظاهراً وباطناً، ولا كافرون خلص ظاهراً وباطناً، فأبطنوا الكفر والجحود والاستكبار والاستعلاء على دين الله جل وعلا وأظهروا الإسلام، فكان لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين.
فهؤلاء هم المنافقون، فهم وسط بين هؤلاء ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣].
فأما المؤمنون الخلص فهم الذين يرون ربهم يوم القيامة.
والرؤية رؤيتان: رؤية لذة ونعيم وإكرام وسعادة وسرور، وهذه لا تكون إلا في الجنة، ولا يفوز به إلا المؤمنون الخلص بالإجماع، فالمؤمنون الخلص يرون ربهم رؤية لذة ونعيم وإكرام، وهذه الرؤية تكون في الجنة عندما يطلع الله على أهل الجنة ويقول: (تمنوا، فيقولون: يا ربنا! ألم تنجنا من النار؟ ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ فيطلع الله عليهم وينزع رداء الكبرياء، فيرون ربهم فما أوتوا من نعيم مثل هذا النعيم)، رزقنا الله رؤيته ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].
والرؤية الثانية: رؤية فتنة ومحنة واختبار، وفيها توبيخ وزجر، وهذه الرؤية هل هي رؤية عامة أم هي رؤية خاصة بالمؤمنين؟ اختلف العلماء من أهل السنة والجماعة في ذلك على أقوال ثلاثة: القول الأول: أن الكافرين والمؤمنين والمنافقين يرون ربهم على عرصات يوم القيامة قبل أن يضرب الجسر، وقبل أن يذهبوا إلى الجنات أو النيران، فعند الحساب يرى الكافرون والمؤمنون والمنافقون ربهم جل في علاه.
وهذا هو القول الأول من أقوال أهل السنة والجماعة.
واحتجوا بأدلة كثيرة منها: أولاً: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، واللقاء يستلزم الرؤية.
واحتجوا أيضاً بحديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن رسول الله ﷺ الله عليه وسلم قال: (ما من أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان)، وبما جاء في الصحيحين: (أن الله جل وعلا يأتي بالرجل من أهل النار ويقول له: لو كان لك ما في الأرض وما في السماوات من ذهب أو من فضة لافتديت به من عذاب يوم القيامة؟ قال: نعم، فقال الله: قد طلبت منك ما هو أهون من ذلك وأنت في صلب آدم، طلبت منك أن توحدني ولا تشرك بي شيئاً)، أو كما قال النبي ﷺ .
فكل ذلك لقاء بين الرب وبين العبد، واللقاء يستلزم الرؤية والمعاينة.
واستدلوا أيضاً بما استدل به المصنف -وإن كانت أسانيده ضعيفة- أن النبي ﷺ قال: (فينظر الله إليهم -يعني في عرصات يوم القيامة- وينظرون إليه)، وهذا عام في جميع أهل الموقف أنهم ينظرون إلى الله، وينظر الله جل وعلا لهم، وأهل الموقف فيهم المؤمنون الخلص، والكافرون الخلص، والمنافقون الذين هم وسط بين المنافقين وبين المؤمنين، وهذا يدل على أن الكافرين سيرون ربهم، لكن هذه الرؤية ليست رؤية إكرام ولا سعادة ولا سرور، بل هي رؤية امتحان واختبار وحسرة وألم، حتى إذا أدخلهم الله النار حرموا من رؤيته.
القول الثاني من أقوال أهل السنة والجماعة: أنه لا يرى الله جل وعلا أحد لا في عرصات يوم القيامة ولا في الجنات إلا المؤمنون الخلص فقط؛ لأن رؤية الله شرف عظيم لا يرتقي إليه منافق ولا كافر، فالمؤمن فقط هو الذي سيرى ربه جل في علاه.
واحتجوا على ذلك بالنص القاطع من كتاب الله جل وعلا وهو قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، وهذا نص قاطع عام في كل كافر بالاتفاق، وفي كل منافق أبطن الكفر وأظهر الإسلام كـ عبد الله بن أبي بن سلول وطائفته ممن أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام، فهؤلاء من الكافرين، والله جل وعلا يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، يقول ذلك لمن يكذبون بيوم الدين وهم الكافرون، فهذا نص قاطع على أنه لا يرى الله إلا المؤمنون، فكما حجبت رؤية الله عن هؤلاء في الغضب فإن المؤمنين يرونه في الرضى، وفي عرصات يوم القيامة أيضاً.
القول الثالث: القول بالتفصيل، وهذا قول لبعض أهل السنة والجماعة، وعند تدقيق النظر فأن هؤلاء هم أسعد الناس بالدليل.
قالوا: إن المؤمنين والمنافقين سيرون الله في عرصات يوم القيامة، فأما الكافرون فلا يرون ربهم جل في علاه، واستدلوا على ذلك بحديث: أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري ﵄ في الصحيحين، أن النبي ﷺ -بعدما وصف لهم عرصات يوم القيامة وما يرون فيها من أهوال- قال: (فيقول الله جل وعلا لأهل الموقف: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيأتي الذين كانوا يعبدون الشمس فيتبعون الشمس، وتكور حتى تسقط في نار جهنم فيسقطون في نار جهنم، ويأتي الذين كانوا يعبدون القمر فيكور، ثم يلقى في نار جهنم فيسقطون في نار جهنم، ثم قال: فيبقى المؤمنون وفيهم المنافقون وبقايا من أهل الكتاب، فيقول الله جل وعلا: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيقول لأهل الكتاب: من تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عيسى ابن الله، فيقول الله جل وعلا: كذبتم ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، ثم يتمثل لهم شيطان عيسى، ويذهب فيهوي إلى نار جهنم، فيسقطون خلفه في النار).
إذاً: فأهل الكتاب يمحصون ويتساقطون إلى نار جهنم قبل أن يروا ربهم، وأيضاً اليهود يقولون: كنا نعبد عزيراً ابن الله -ينسبونه إلى الله جل في علاه-، فيقول الله جل في علاه: كذبتم ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، فيتمثل لهم شيطان عزير ﵊ فيهوي في النار، ويتساقطون هم معه، ويبقى من يكشف الحجاب لهم، وهم المؤمنون وفيهم المنافقون، فيأتيهم الله جل وعلا على صورة غير الصورة التي يعرفونها -، وهذا فيه دلالة على أن الله له صورة، وكونه يأتى بصورة غير صورته جل في علاه فهو فعال لما يريد سبحانه ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]-فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لست بربنا، ثم يأتيهم في الصورة التي يعرفونها فيقول: أنا ربكم -فبينه وبينهم علامة- فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقه جل في علاه، فيخر ساجداً كل مؤمن ومنافق، فمن كان يسجد لله إخلاصاً وتوحيداً كاملاً يسجد كما كان يسجد في الدنيا، أما الذي كان يسجد نفاقاً فإذا جاء ليسجد تحولت فقرات ظهره طبقاً واحداً، فينقلب على ظهره ولا يسجد لله جل وعلا، وهذا محل الخداع والمكر بأهل النفاق.
ففي هذا الدليل بيان أن بقايا أهل الكتاب يتساقطون خلف شيطان عيسى وشيطان العزير، وأما المؤمنون والمنافقون فيظهر الله لهم، كما جاء في رواية قال: (ثم يتوارى عنهم، ثم يظهر لهم بالصورة التي يعرفونها).
فهذا هو دليل الطائفة الثالثة الذين يقولون: إن أهل الكتاب أو الكفار لن يروا الله جل وعلا حتى في عرصات يوم القيامة.
والصحيح الراجح هو هذا القول، وأصحابه هم أسعد الناس بالدليل وقولهم بأن الكافرين لا يرون ربهم لا في عرصات يوم القيامة ولا في غير عرصات يوم القيامة، يدل على أنهم لا يرونه في الجنة من باب أولى، فهم أهل الخسارة، وأهل الغي والعار الذين حرموا جنة الدنيا، ثم حر
стр. 212
الجواب على القائلين بأن الكافرين يرون ربهم يوم القيامة
ما استدل به القائلون بأن الكافرين يرون الله يوم القيامة يجاب عليه بعدة أجوبة: أولاً: احتجاجهم بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، وقولهم بأن اللقاء يستلزم الرؤية، يجاب عليه: بأن اللقاء لا يستلزم الرؤية، فإن اللقاء لقاءان: لقاء بسلام، ولقاء بغير سلام، فأما اللقاء بسلام فإنه -كما هو معلوم- أن السلام تحية أهل الإسلام، وقد قال الله جل وعلا لآدم: (فهذه تحيتك وتحية أمتك من بعدك)، فكلمة السلام عليكم معناها لك منا الأمان والسلامة من كل شيء، كما تعني الدعاء بالسلامة من كل نقص ومن كل شر يسوءك في الدنيا والآخرة، فاللقاء بسلام فيه الأمان واللذة والسرور والإكرام.
والقاء الثاني: ليس بسلام، وهذا لا يستلزم النظر، وأما اللقاء الأول الذي يكون بسلام فيستلزم المعاينة والإبصار؛ لما فيه من الأمان والإكرام والسلام، ودليل ذلك قول الله تعالى عن المؤمنين عندما يدخلون الجنة: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤].
إذاً: يلقونه فيسلم عليهم، وهذا لقاء بسلام، وهو الذي فيه رؤية وجه الله جل في علاه، وهذا الذي يستلزم المعاينة والإبصار واللذة والسرور ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].
اللقاء الثاني: لقاء بغير سلام، وهذا لقاء توبيخ لا يستلزم المعاينة ولا الإبصار، فهو لقاء المحاسبة، فلا يكون بينهم وبين الله ترجمان، وفيه يوبخهم الله جل وعلا ويقول لأحدهم: ألم أنعم عليك؟ فيقر بكل ذلك ولا يجحد شيئاً حتى إن الله يختم على فيه ويقول: يكفيك شاهد من نفسك، فتنطق اليد، وينطق الفخذ، وينطق كل شيء بجسده، ثم يلقى في نار جهنم مدحوراً موبخاً من قبل الله جل في علاه.
إذاً: فاللقاء الذي يكون بغير سلام لا يستلزم المعاينة والإبصار؛ للحجاب الذي بينهم وبين الله، فلا يرونه.
وأما استدلالهم بأن أهل الموقف ينظرون إليه وينظر إليهم فالحديث فيه ضعف، لكن ابن القيم ﵀ يرجح تصحيحه، ولم يقل المعنى صحيح، لكن قال: ينظر لأهل الموقف، وينظرون إليه.
والرد على استدلالهم بهذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن الذين ينظرون هم المؤمنون، فالنظر خاص بهم؛ لأن الله أخبرنا في كتابه الكريم أن الكافرين يبعثون يوم القيامة على وجوههم عمياً وصماً وبكماً قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦]، فالكافر يحشر يوم القيامة أعمى، ولا نظر للأعمى.
الوجه الثاني: ينظرون ويحجبهم الله عن رؤيته، وهذا ظاهر.
وأوضح الأدلة في الإجابة عليهم هو قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، وقد يقال: إذا لم ير الكافرون ربهم فكيف يراه المنافقون؟
و
الجواب
أن رؤية المنافقين من تمام المكر والمخادعة، ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦] وأجراً طباقاً، بل إن هذا يستلزم حسرة وألماً على المنافقين، فيكون عقابهم أشد من عقاب الكافرين، فعندما يرون الله يقع في قلوبهم أنهم مع المؤمنين، وأنهم من أهل السلامة، ومن أهل الجنة، فيأتي الله جل وعلا فيغلق عنهم باب الرحمة، فينظرون إلى أهل الجنات وهم يسيرون كأجاويد الخيل، وكالريح المرسلة إلى الجنات فيقولون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، يقول الله تعالى عنهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، فهم يمكرون والله يمكر بهم في الآخرة، ويخادعون الله والله يخدعهم بأن يأتيهم ويرونه، ويحسبون أنهم من أهل الجنات، ثم يضرب بينهم وبين أهل الجنات، وبعد أن طمعوا بالجنة قطع طمعهم، وكان لهم الدرك الأسفل من النار، وهذه دلالة أيضاً على أن المنافقين أشد نكالاً وعذاباً من أهل الكفر.
стр. 213
قياس الغائب على الحاضر المشاهد دليل على إحياء الله الموتى
هذه بعض الفوائد المستنبطة من الأحاديث التي أطال المصنف في ذكرها، منها قال: (قلت يا رسول الله! كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: يا أبا رزين أما مررت بوادي أهلك محلاً ثم مررت به يهتز خضراً، ثم أتيت عليه محلاً ثم مررت به يهتز خضراً؟ قلت: بلى، قال: كذلك يحيي الله الموتى) وهذه آية من آيات الله في خلقه، وفيها دلالة عظيمة على قدرة الله وعظمته، وفيها قياس النبي ﷺ الغائب على الواقع المشاهد، والله جل وعلا ضرب لنا هذه الأمثلة جلية واضحة في كتابه فقال: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت:٣٩] ثم ختم هذه الآية بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩]، وهذا قياس للغائب على الواقع المشاهد، ولذلك فإن النبي ﷺ يبين أن السماء تمطر فتحيا الأرض بعد موتها، وكذلك بالنسبة للميت فإن الله ينزل من السماء مطراً كمني الرجال فيحيي به هذا الإنسان.
فكما أحيا الله الأرض بهذا الماء فكذلك يحيي الإنسان من عجب الذنب بالمطر الذي تمطره السماء يوم القيامة، والذي يكون أشبه ما يكون بالمني.
والقصة العجيبة في الكتاب ما جاء في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة:٢٥٩]، ثم أمره الله أن ينظر إلى حماره وإلى طعامه، وهذا من قياس الغائب على الواقع المشاهد.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 214
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - إثبات صفة الضحك لله
الضحك صفة من صفات الله الدالة على رحمته، وأنه رءوف بعباده، وما دام أنه يضحك سبحانه فعلى الإنسان أن يحسن الظن به، ولا يقنط من رحمته، ولن يعدم المؤمنون خيراً من رب يضحك.
стр. 215
إثبات صفة الضحك لله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف ﵀: [عن الأسود بن عبد الله عن عمه لقيط بن عامر أنه خرج وافداً إلى رسول الله ﷺ ومعه نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق، قال: فقدمنا المدينة لانسلاخ رجب، فصلينا معه صلاة الغداة، فقام رسول الله ﷺ في الناس خطيباً فقال: (ألا أيها الناس! إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لأسمعكم، ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله ﷺ ؟ ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال، ألا إني مسئول هل بلغت، ألا فاسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا ألا اجلسوا، قال: فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: إني سائلك عن حاجتي فلا تعجلن علي، قال: سل عما شئت، قلت: يا رسول الله! هل عندك من علم الغيب؟ فضحك -لعمر الله- وهز رأسه، وعلم أني أبتغي بسقطه، وقال: ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله، وأشار بيده، فقلت: ما هن يا رسول الله؟! قال: علم المنية، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم المني حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه، وعلم ما في غد وما أنت طاعم غداً ولا تعلمه، وعلم اليوم الغيث يشرف عليكم آزلين مشفقين، فيظل يضحك وقد علم أن غوثكم قريب -يقصد بذلك المطر- لا يعلمه إلا الله جل وعلا، فقلت: يا رسول الله! لن نعدم من رب يضحك خيراً).
].
في هذا الحديث فوائد كثيرة منها: أن من السنة أن يعلو صوت الخطيب، فقد كان النبي ﷺ إذا قام خطيباً علا صوته كأنه منذر جيش، وكثير من الناس يتضجر من ارتفاع صوت الخطيب، والسنة التي ضاعت وأميتت أن النبي ﷺ كان إذا قام خطيباً في الناس علا صوته، واحمر وجهه، وظهر ذلك على حالته ﷺ .
ومنها: آداب السائل، وأن الذي يسأل عن أمر مهم لا بد أن يفرغ ذهن المسئول وقلبه، فلذلك كان من العقل الذي عند هؤلاء أنهم جلسوا حتى يفرغ فؤاد النبي ﷺ وبصره، فيسألونه عن المهمات.
وقد ذكرت في هذا الحديث صفة من صفات الله جل في علاه، وهي من صفات الأفعال، وهي صفة الضحك، فيا خسارة الذين لا يؤمنون بهذه الصفات، والذين يجهلون عن الله الكثير، فإن الله يضحك ولن نعدم من رب يضحك خيراً.
فإذا كان مديرك في العمل في كل يوم يسلم عليك ويهش ويبش في وجهك، فسوف تنتظر منه كل خير؛ لأنه كلما رآك ابتسم في وجهك وسألك عن حالك.
فهذا مثال، ولله المثل الأعلى.
وكما يصف الواصفون النبي ﷺ أنه كان يتبسم دائماً في وجه من يسلم عليه، وإذا سلم على إنسان -كما في الأحاديث الصحيحة- لم يكن ينزع يده حتى ينزع الآخر من يده صلى، وإذا تكلم معه لم يكن يبعد أذنه عنه حتى يسكت، فكان النبي ﷺ يتمثل بآثار صفات الله جل وعلا، فإن الله يضحك ضحكاً يليق بجلاله وكماله وعظمته وقدرته .
فهذه صفة من صفات الأفعال التي تتعلق بالمشيئة، فإن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، فإن شاء ضحك وإن شاء لم يضحك، فهي تتعلق بالأسباب.
стр. 216
أسباب ضحك الله
أسباب ضحك الله كثيرة، أولها: أن الله جل وعلا يضحك عندما يرى السخاء والجود من العبد، كما في البخاري أن أضيافاً جاءوا النبي ﷺ ولم يكن عنده ما يضيفهم به، فضيف رجل من أصحابه الأنصار هؤلاء الأضياف، ولم يكن عنده في البيت إلا طعام أهله، فقدم لهم الطعام، فالله جل وعلا عجب من هذا الفعل، وضحك إلى هؤلاء، وأنزل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، فهذا الرجل جعل ضيف رسول الله أكرم عليه من نفسه، فقدم له طعامه وطعام أهله، فضحك الله من هذا الصنيع، فهذا سبب من أسباب ضحك الله جل في علاه، فكل جواد كريم فإن الله يضحك له.
ويضحك الله سبحانه إلى الشهيد، فلنعم المباهاة، ولنعم المثوبة، ولنعم الجزاء الذي يجازى به الشهيد، وقد جاء رجل من صحابة رسول الله ﷺ وهو في الصف، فيقول: يا رسول الله! ما الذي يضحك ربنا؟ -أي: أن الصحابي يعتقد هذه العقيدة الصحيحة وهي أن الله يضحك- قال: (أن تدخل مقبلاً غير مدبر بغير درع -أي: على الصف الكافر، فتبيع نفسك رخيصة لله جل في علاه، زاهداً في نفسك، ورضاً لربك جل في علاه- فتقتل، فقال: هذا يضحك الرب؟ قال: نعم، قال: لم نعدم من رب يضحك خيراً، فدخل فقاتل فقتل).
أيضاً من الأسباب التي يضحك الله منها ما جاء عن النبي صلى أنه قال: (يضحك ربكم من رجلين يقتل أحدهما الآخر، ثم يأخذ القاتل بيد المقتول ويدخلان الجنة)، وتفسير ذلك أن الرجل الأول كان مسلماً، فكان يقاتل في سبيل الله اعلاءً لكلمة الله، وكان الآخر كافراً يقاتل للشيطان، فقتل هذا المسلم، فأصبح من الشهداء عند الله جل وعلا، ودخل الجنة بشهادته، كما نظن ذلك بإذن الله، والكافر أسلم بعدما قتل المسلم، وامتلأ قلبه بالإيمان، فمات قتيلاً شهيداًً، فالله جل وعلا أمر هذا القاتل الأول أن يأخذ بيد القاتل الثاني فيدخلا الجنة، وضحك الله من الرجلين أن القاتل لا يمكن أن يدخل الجنة، وحتى المؤمن إذا قتل المؤمن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء:٩٣]، إلى آخر الآيات، فالله جل وعلا يبين أن المؤمن يخلد في النار إذا قتل المؤمن.
ومما يضحك الله سبحانه شهود الربوبية في القلب، كما جاء في حديث مسلسل عن علي بن أبي طالب في دعاء ركوب الدابة وهو: (بسم الله الحمد لله: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣]، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، رب إني ظلمت نفسي ولا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك علي بن أبي طالب، والراوي عنه حدث بهذا الحديث وضحك، وقال: حدثني علي فضحك، ثم قال علي حدثني رسول الله فضحك، فسألوا رسول الله ﷺ ما الذي أضحكك؟ قال: ضحك الله من عبده يقر بأن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر).
فشهود الربوبية في القلب سبب من أسباب ضحك الرب جل في علاه.
وأيضاً: من الأسباب التي يضحك الرب جل في علاه منها: قنوط العباد مع قرب الفرج، ففي الحديث أنه قال: (ضحك ربنا ﵎ من قنوط عباده وقرب غيره)، فبعد الشدة التي مستهم قنطوا من فرج الله جل وعلا على العباد، فيضحك الله جل وعلا من عباده كيف يقنطون والفرج قريب، وفي هذا دلالة على أنهم لا يعلمون الغيب.
فالله سبحانه يضحك ضحكاً لا يشابه ولا يماثل ضحك المخلوقين.
стр. 217
التعبد لله بصفة الضحك
على المرء أن يتعبد لربه جل وعلا بهذه الصفة الجليلة، وذلك بأن يعتقد اعتقاداً جازماً أن ربنا يضحك، وأن ضحكه من صفات كماله، ونتعبد لله بهذه الصفة بأن نحسن الظن بالله جل وعلا، كما قال ذلك الصحابي الفقيه: لن نعدم من رب يضحك خيراً، فإذا علمت أن ربك يضحك أحسنت الظن به، فتتمثل حديث النبي ﷺ : (قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)، فإذا ظننت أن ربك يضحك في وجهك فإن الله جل وعلا سيدخلك الجنة بذلك، ويثيبك خير المثوبة.
والأشاعرة أولوا الضحك إلى إرادة الثواب، وخالفوا بذلك القرآن والسنة وإجماع أهل السنة.
стр. 218
القسم وأنواعه
قال نهيك بن عاصم عن الرسول ﷺ : (فضحك لعمر الله)، فقوله: (لعمر الله) قسم، فهو يقسم بعمر الله جل وعلا، أو بحياته، وهذا الكلام يستنبط منه آداب القسم، والقسم قسمان: قسم من الخالق، وقسم من المخلوق، فأما قسم الخالق فيقسم بما شاء من خلقه، يقسم بالسماء والطارق، ويقسم بالليل والنهار والشمس، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:٢ - ٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١ - ٢]، وقال جل في علاه: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢]، وقال جل في علاه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق:١٨]، وقال جل في علاه: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢]، فالمخلوق الوحيد الذي أقسم الله بحياته هو رسول الله ﷺ ، فالله يقسم بما شاء من خلقه، وفيه دلالة على ربوبيته وعظمته وقوته وقدرته سبحانه جل في علاه.
أما القسم الثاني فهو قسم المخلوق، فالمخلوق لا يقسم أبداً إلا بالله جل في علاه، ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
وفي رواية أخرى قال: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله)، وبسند صحيح عن ابن مسعود قال: لأن أحلف بالله كاذباً خير لي من أن أحلف بغير الله صادقاً.
ووجه ذلك أن الحلف بغير الله شرك، وأما الحلف بالله كذباً فهو معصية، والشرك وأكبر من المعصية، ففي هذا دلالة على أن المخلوق لا يقسم أبداً إلا بالله جل في علاه.
وكيفية القسم أن يقسم بذات الله، أو بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والحياة صفة من صفات الله جل وعلا، وهذا الصحابي الجليل أقسم بها وأقره النبي ﷺ على ذلك بل وقال: (فلعمر إلهك ما يدع على ظهرها من مصرع) إلى آخر الحديث، فأقسم بعمر الله أو بحياة الله.
وحياة الله صفة من صفاته الثبوتية التي أثبتها له رسول الله ﷺ لله جل في علاه، ولو كانت سلبية لنفاها.
وهي صفة ذاتية أزلية أبدية، فإن حياة الله جل وعلا لا تشابه حياة المخلوقين، فحياة المخلوق يسبقها العدم، ويلحقها الفناء، أما حياة الله جل وعلا فهي حياة أزلية أبدية، والقسم بعمر الله أو بحياة الله قسم بصفة من صفاته.
стр. 219
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة لفوائد أحاديث صفة الرؤية لله جل وعلا
تجد في هذه المادة الكلام عن حوض النبي ﷺ ، وبيان أنه حوض أعطاه إياه ربه ﵎ تكرمة له، وهذا الحوض ثابت بالسنة المتواترة وإجماع السلف، وقد أنكره بعض أهل البدع؛ فكان حرياً بهم ألا يشربوا منه، وأن يذادوا عنه، وتجد أيضاً الكلام على إثبات أن جد النبي وعمه ووالديه في النار، وهذا أمر جاءت به الأحاديث الصحيحة، فلا تترك هذه السنن من أجل العاطفة المزعومة، فالخير كل الخير في التمسك بما ورد في الأدلة.
стр. 220
حوض النبي ثابت بالسنة المتواترة والإجماع
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
يا ناس يا ناس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: إخوتي الكرام! ما زلنا مع مهمات المسائل في حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه في هذا الكتاب الجليل (كتاب إثبات صفات الرب جل في علاه) لإمام الأئمة: ابن خزيمة، وهذا الحديث ضعفه المحدثون كما بينا في السابق، لكن الإمام ابن القيم يرى أنه تلوح من ألفاظه صفات النبوة، وأنه يصح معناه.
وقد تكلمنا عن أشرف المسائل في العقيدة: وهي رؤية الله جل في علاه، ثم بينا القواعد المستنبطة من ضحك الله جل في علاه.
وفي هذا الحديث: (قلت يا رسول الله! كيف وهو شخص واحد -أي: الله تعالى- ونحن ملئ الأرض ننظر إليه وينظر إلينا) إلى آخر الرواية.
فقوله: (هو شخص واحد) ليس فيه إثبات صفة الشخص لله جل في علاه، فالمعنى معروف عند العرب، وكما قال ابن القيم: إن النبي ﷺ عربي، ويتكلم بلغة يعلمها القوم، ويعرفون قوله، والمعنى: كيف أن الله جل وعلا يرانا وهو واحد ونحن جميع كما نراه في الإجابة، فإن النبي ﷺ بين أن القمر واحد والجميع يرون القمر ولا يضر أحد من رؤية القمر.
فليس في ذلك إثبات صفة الشخصية لله جل في علاه وليست هذه صفة من الصفات، ثم بين بعدها فعلاً من أفعال الله جل وعلا فقال: (فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما تخطئ وجه واحد منكم منها قطرة)، فنسب لله جل وعلا النضح، وهذه من أفعال الله جل وعلا، فيأخذ بيده وينضح على عباده، وما من واحد من العباد إلا وقطر الماء يأتي عليه وما تخطئ واحداً منهم.
ثم يقول: (فتطلعون على حوض رسول الله ﷺ ، وهذه المسألة أيضاً من أشرف المسائل، قال: (فتطلعون على حوض الرسول أظمأ ناهلة) ثم بعد ذلك أيضاً يسرد فيقول: (ولا يجني على المرء إلا نفسه)، ثم يقول: (وأهلك يا رسول الله! عندما قال: أبوك في النار، قال: وأهلي) يعني: أهلي في النار، وهذه المسألة دحض مزلة كما سنبين الآن.
فأول المسائل التي سنتكلم عنها هي مسألة شريفة جداً، فبعدما يأمر الله جل وعلا السماء فتمطر مطراً كالمني، وأجساد الناس في القبور قد بليت، ولم يبق من أجساد الناس إلا عجب الذنب، فتمطر السماء مطراً كالمني، ثم ينبتون كلهم فيخرجون من القبور عطشى، فكل واحد منهم يتمنى جرعة ماء، فيخرجون جميعاً فيضرب الصراط، وقبل الصراط حوض النبي ﷺ ، ولك أخي الكريم! أن تتخيل أن الشمس على رءوس العباد قدر ميل أو شبر، فيغرقون في عرقهم، فمنهم من يصل العرق به إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل العرق إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، فهذا وكل من كان مثله يحتاج إلى جرعة ماء، وهذه الجرعة لا يمكن أن يأخذها إلا من حوض كريم شريف، وهو حوض النبي ﷺ ، فتلتف الأمم حول رسول الله ﷺ .
وهذه المسألة نبينها الآن فنقول: الحوض ثابت بالسنة المتواترة وبإجماع أهل السنة، فهو راسخ كرسوخ الجبال الرواسي، ولا بد أن نؤمن به، ومن أنكر هذا الحوض فهو مبتدع، فحوض النبي ﷺ ثابت بالسنة، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ فقال: (أنا فرطكم على الحوض)، يعني: أتقدمكم على الحوض، وأيضاً النبي ﷺ قال: (لأذودن الناس عن حوضي)، ثم بين رسول الله ﷺ قال: (ومنبري على حوضي)، وهذا من الغيبيات، فيمكن أن يكون منبر الرسول ﷺ الذي في المدينة الآن على حوضه، ويمكن أن يكون هذا المنبر على الحوض يوم القيامة، فلا يعلم ذلك إلا الله جل في علاه، والمقصود: أنه قد ثبت بالسنة الصحيحة أن النبي ﷺ له حوض يشرب منه المؤمنون، وهذا الحوض كما قلت ثبت بالسنة المتواترة، فقد روي إثباته عن أكثر من ثلاثين نفساً من الصحابة، وقد أجمعت الأمة على أن الناس يردون على حوض رسول الله ﷺ ، ولكل نبي حوض، وكل نبي آمن به قومه في وقته فإنهم يردون على حوضه، وأكثر الأحواض وروداً هو حوض النبي ﷺ ؛ لأنه أكثرهم تبعاً ﷺ .
стр. 221
صفة الحوض
وصفة حوض النبي ﷺ كما ورد في الأدلة الكثيرة في الصحاح: أن طوله مسيرة شهر، وأن عرضه مسيرة شهر، وزواياه متساوية، وأما ماؤه فيأتي في ميزاب من ذهب وميزاب من فضة من نهر في الجنة يسمى الكوثر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، وهو نهر في الجنة أعطاه الله جل وعلا لنبيه تكرمة، نسأل الله جل وعلا أن يسقينا من حوض نبيه الكريم، وهذا الحوض قبل الصراط عند أهل التحقيق.
وآنية هذا الحوض كالنجوم عدداً وهيئة، فهذه الأواني تتلألأ لمعاناً، وهي كالنجوم عدداً فلا تحصى؛ حتى تشرب هذه الأمة، سقانا الله وإياكم من يد النبي ﷺ شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً.
وأما اللمعان فهذه الأواني تبرق وتتلألأ وكأنها تنادي على صاحبها ليشرب من حوض النبي ﷺ .
وأما لون هذا الماء -رزقنا الله وإياكم شربه- فهو أبيض من اللبن كما صح ذلك عن النبي ﷺ ، وأما طعمه فأحلى من العسل، وأيضاً هذا ثابت عن رسول الله ﷺ ، وأما رائحته فأطيب من ريح المسك، فهل رأيت ماءً بهذه الأوصاف؟!! فما بالنا لا نسارع في الخيرات؟! وما بالنا لا نشتاق إلى شربة من حوض رسول الله ﷺ لا نظمأ بعدها أبداً؟! فهذه هي صفة حوض النبي ﷺ طولاً وعرضاً، وآنية، ولوناً، وطعماً، ورائحة، فمن الذين سيتشرفون بالشرب من يد رسول الله ﷺ ومن المبعدون الخاسرون؟ ومن الذين يخزيهم الله يوم القيامة فلا يشربون من حوض رسول الله ﷺ ؟ نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء الخاسرين.
стр. 222
أصناف الواردين على الحوض
وأما الذين يَردون هذا الحوض بعد الظمأ الشديد، وبعد العطش القاتل، فيشربون شربة واحدة كما بين النبي ﷺ ، وهذه الشربة لا يظمأ بعدها العبد أبداً فهم المؤمنون الذين آمنوا بالله جل وعلا واتبعوا سنة نبيه ﷺ ، والذين رضوا بالله رباً وبرسوله نبياً ورسولاً ﷺ ، وبالإسلام ديناً، والذين غلبت حسناتهم على سيئاتهم، والذين قدموا قول رسول الله ﷺ على قول كل أحد، والذين قدموا كتاب الله على كتاب أي أحد.
فإن قيل: وكيف يعرفهم رسول الله ﷺ والأمم متشعبة والناس كثر من لدن آدم ﵇ وإلى آخر الخليقة، خاصة وقد قال رسول الله ﷺ : (وإني لأذود الناس عن حوضي) أي: يدفع الناس عن حوضه ﷺ ؟ فأقول: قد سئل رسول الله ﷺ هذا السؤال من أبي هريرة ﵁ وأرضاه، فأجاب إجابة وافية فقال: (تبعثون يوم القيامة غراً محجلين)، والغرة: هي البياض في الجبهة، والتحجيل يكون في اليد وفي الرجل، وهذا يكون من الوضوء، فيستقبلهم في حوضه ويسقيهم، فكل واحد يشرب منه شربة هنيئة فإنه لا يظمأ بعدها أبداً.
وأما المبعدون والخاسرون والهالكون فيا حسرة عليهم، بل غير مأسوف عليهم، فإنهم سيردون عن حوض النبي ﷺ ، وهؤلاء هم المنافقون والمبتدعون والكافرون ومن ارتد عن دين الله جل وعلا، فقد حرِّم عليهم أن يشربوا من حوض النبي ﷺ ، وهم أحوج ما يكونوا إلى جرعة ماء، فجزاهم الله جزاءً وفاقاً وأجراً طباقاً، فمن ارتد ردة كلية، أو ابتدع في دين الله فهو مبعد عن حوض رسول الله ﷺ .
وقد صور لنا النبي ﷺ هذا المشهد أيما تصوير، فقال ﷺ : (إني لأذود الناس عن حوضي وليختلجن -أي: يخطف- أقوام من أمتي، فأقول يا رب! أصحابي أصحابي، فيقال: يا محمد! إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، فيقول النبي ﷺ جزاءً وفاقاً: (فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي، بُعداً بعداً لمن بدل بعدي).
فالمبتدع لا يشرب من حوض النبي ﷺ ، ولا يتشرف بمس يد النبي ﷺ بأبي هو وأمي، ولا غرو ولا عجب أن يمنع هذا المبتدع من الشرب؛ إذ المبتدع أبى الله عليه أن يتوب، كما في الحديث عن النبي ﷺ : (إن الله حجب التوبة عن كل مبتدع) وجاء بسند صحيح عن الثوري أنه قال: البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية؛ لماذا؟ لأن صاحب البدعة يقاتل عليها وينافح عنها كما سنبين.
وأما العاصي فحتى لو ارتكب الكبائر فإنه يعترف بأنه على خطأ ومعصية، فمثل هذا نرجو أن يقلع عن تلك المعاصي، وقد نقول: إن المبتدع تلحقه وتدركه لعنة رسول الله ﷺ ، وليس بعدها من لعنة! فقد قال النبي ﷺ : (لعن الله من آوى محدثاً)، وآوى محدثاً، أي: أن الذي يئوي المبتدع فقط ملعون، فما بالكم بالذي ابتدع في دين الله جل وعلا، ودافع عن هذه البدعة؟! فالمبتدع أول ما يصاب في عرصات يوم القيامة، فإن احتاج إلى الماء فلا يشرب شربة هنيئة من يد رسول الله ﷺ ، وليختلجن أناس من أمام رسول الله ﷺ فيقول: (يا رب! أصحابي أصحابي، فيقال: يا محمد! إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: سحقاً سحقاً، بعداً بعداً)، نسأل الله جل وعلا أن يسقينا جميعاً من يد النبي ﷺ شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً.
стр. 223
المنكرون لهذا الحوض
وقد أنكرت المعتزلة هذه العقيدة الثابتة ثبوت الجبال الرواسي، فعليهم من الله ما يستحقون، وخليق بهؤلاء ألا يروا الله جل وعلا، وخليق بهؤلاء ألا يشربوا من حوض رسول الله ﷺ عند الظمأ الأعظم، فقد أنكروا الحوض وقالوا: لا حوض، ولا شرب من يد رسول الله ﷺ .
والرد عليهم: بأن هذه الأحاديث ثابتة ثبوت الجبال الرواسي، فإنها سنة متواترة، فقد خالفوا صريح السنة، وخالفوا إجماع أهل السنة والجماعة، فلا يسمع لهم ولا كرامة.
فهذه هي الفائدة الأولى: إثبات حوض رسول الله ﷺ ومن يشرب منه ومن يرد عنه.
стр. 224
كل فضل ونعمة فمن الله، وكل عقوبة وذم فبما كسبته الأيدي
الفائدة الثانية: أن النبي ﷺ يقول: (لا يجني كل امرئ إلا على نفسه) يعني: لا يعاقب إلا بجريرة نفسه، والتأصيل في ذلك بإيجاز: أن كل فضل وكل نعمة وكل إكرام وكل طاعة وكل تسارع في الخيرات لا يكون إلا من الرب الجليل، وليس منك فيه شيء، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وقال جل في علاه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨]، وأيضاً كل ذم وكل عقوبة تأتي عليك فهو بما كسبت يداك، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١] وقال: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وقال جل في علاه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
وفي الصحيح قال رسول الله ﷺ لصحابتة وهم أفضل الخلق بعده: (إنكم لن تدخلوا الجنة بعملكم، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
هذا فيه دلالة واضحة على أن كل خير يصيب الإنسان فإنما هو بمحض فضل الله جل في علاه، وكل مصيبة تصيبه فإنما هي بما كسبت يداه، وقد جمع الله بينهما في كتابه، وفي سنة نبيه ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، فجمع الله بينهما في هذه الآية بإيجاز عظيم.
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ في الحديث العظيم فيما يرويه عن ربه: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).
فكل إنسان بصير بنفسه، فإذا رأى نفسه في زيغ وفي ضلال وفي معصية فلا يلومن إلا نفسه، ومن وجد نفسه في طاعة وقرب من الله جل وعلا فليحمد الله؛ فإن الفضل كله بيد الله سبحانه جل في علاه.
وبقيت هنا مسألة من المهمات وهي: أن النبي ﷺ عندما سئل عن المشركين الذين قتلوا في بدر وفي غيرها قال: (هم في النار)، بل أوصى وقال: (إذا مررت على قبورهم فقل: أرسلني إليكم محمد ﷺ أن أبشركم بما يسوءكم: تجرون على بطونكم ووجوهكم في نار جهنم، فقال رجل من قريش يخشى على آبائه أو قال: وجدت الحر في صدري فقلت: وأهلك يا رسول الله؟! قال: وأهلي) يعني: وأهل النبي ﷺ في النار.
стр. 225
من كان في النار من أهل النبي
وأهل النبي ﷺ الذين هم في النار هم: عبد المطلب جد النبي ﷺ ، وأبو طالب عم النبي ﷺ ، وعبد الله أبو النبي ﷺ ، وآمنة، أم النبي ﷺ ، فسننظر هل أهل النبي ﷺ هؤلاء في النار أم في الجنة؟ وننظر كيف أن أهل البدعة يميلون بقلوبهم ويخالفون الشريعة من أجل رسول الله ﷺ ، وهم بهذه الطريقة يحاربون رسول الله ﷺ .
стр. 226
عبد المطلب في النار
أولاً: عبد المطلب، فلا خلاف أنه من أهل النار، والنبي ﷺ يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب فـ عبد المطلب في نار جهنم خالداً مخلداً فيها، فلِم ذلك مع أنه لم يأت له رسول والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فهو من أهل الفترة؟ فنقول: ليس من أهل الفترة، بل عنده بقايا من رسالة إبراهيم ﵇، وأيضاً رسالة عيسى ﵇، والدليل على ذلك: أن عبد المطلب عندما جاء أبرهة الملعون -عليه من الله ما يستحق في قبره- حتى يهجم على الكعبة قال: أما الإبل فأنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه، ولذلك قال له أبرهة: لقد كنت عزيزاً في عيني، فلما قلت هذا الكلام نزلت من نظري، قال: لا والله! إن البيت يحميه ربه، وأما الإبل فأنا ربها.
فهو يعلم أن الرب جل وعلا الذي خلق هذا الكون قادر على كل شيء، ومع ذلك أشرك بالله معه غيره.
فلذلك نقول: لا خلاف في أن عبد المطلب خالد مخلد في نار جهنم، وهو من أهل النبي ﷺ ، وهذه حكمة البارئ سبحانه جل في علاه.
стр. 227
أبو طالب في النار
ثانياً: أبو طالب عم النبي ﷺ ، وهذا مختلف فيه، وقد بعث النبي ﷺ في عصره، فكان يحوطه ويدافع عنه وينصره، فـ أبو طالب في النار خالداً مخلداً فيها أيضاً؛ لأن النبي ﷺ بلغه هذه الرسالة فلم يقبلها، وهذا أولاً.
الثاني: أن النبي ﷺ قد أقر بكفره.
الثالث: أن النبي ﷺ بين أنه في النار خالداً مخلداً فيها، وهذه بعض الأدلة على ذلك: الدليل الأول: جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ أتى عمه أبا طالب فقال له: (يا عم! قل كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله)، يعني: كلمة لا إله إلا الله، فإن قلت ذلك كانت حجة لي أن أشفع لك عند ربك فتدخل الجنة، لكن قرناء السوء، والعصبية المنتنة للجاهلية جعلته يموت على ملة عبد المطلب، فكان النبي ﷺ بعدما قال له: (قل: لا إله إلا الله فأبى) يقول: (لأستغفرن لك ما لم أنهَ عنك)، وقد نهي النبي ﷺ عن الاستغفار.
الدليل الثاني: ما ذكره أهل السير أن علياً بن أبي طالب ﵁ وأرضاه بعدما مات أبو طالب قال: (يا رسول الله! قد هلك عمك الكافر، فقال له النبي ﷺ اذهب فواره)، فهذا إقرار من النبي ﷺ عندما قال له: قد هلك عمك الكافر، فقال: اذهب فواره.
الدليل الثالث: وهو فصل النزاع الذي لا يمكن لأحد أن يدخل عليه، فقد جاء في الصحيحين: (أن العباس جاء فقال: يا رسول الله! ماذا فعلت لعمك فقد كان يحوطك، وكان ينصرك، وكان يؤازرك؟ فقال: لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، فهو الآن في ضحضاح، يلبس نعلين من نار يغلي منهما دماغه، يرى أنه أشد أهل النار عذاباً)، فهذا فاصل النزاع.
وقول النبي ﷺ : (لولا أنا) فيه شفاعة هنا خاصة بالنبي ﷺ .
стр. 228
عبد الله أبو النبي في النار
ثالثاً: أبو النبي: عبد الله، وهو كافر خالد مخلد في نار جهنم، وهذا نقوله صراحة، ولا نفعل كحال بعضهم عندما يبكي ويضحك على الناس ببكائه المزيف ويقول: كيف تقرءون هذه الآيات: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، وتتجرءون على ذلك، فهذا فيه تجريح للنبي ﷺ ؟! نسأل الله العفو والعافية.
فنقول لهذا: هل نبتر هذه الآية من أجل عاطفتك المزعومة المزيفة، وبعضهم يقول: كيف تقولون: إن أبا طالب مات كافراً؟! ومن باب أولى أن ينكروا أن عبد الله أبا النبي ﷺ قد مات كافراً، وأنه خالد مخلد في نار جهنم، وسنثبت ذلك بالدليل.
وقد يقول بعضهم: إن أبا النبي ﷺ قد مات قبل أن يولد رسول الله ﷺ فلم تأته الرسل، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فنقول: إن معنى (نبعث رسولاً) إما الرسول بذاته، أو رسالته بالبلاغ، (فبلغوا عني ولو آية)، وقد وصلت لهم رسالات إبراهيم وموسى وعيسى، والدليل على ذلك: أن ورقة بن نوفل قد تنصر، وكان يوحد ربه جل في علاه ويعبد الله بشريعة موسى، وهذه العبادة كانت في وقتها صحيحة؛ فيتعبد بأي شريعة من الشرائع، سواء شريعة موسى أم شريعة عيسى، فالغرض المقصود: أن يوحد ربه جل في علاه.
والنبي ﷺ لما دخل الكعبة وجد تصاوير إبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام -لتعلم أنهم كانوا يأخذون بدين إبراهيم- فقال: (والله لقد كذبوا عليهما، ما استقسما بالأزلام قط).
وقالت عائشة ﵂ وأرضاها: (يا رسول الله! عبد الله بن زيد بن جدعان كان يكرم الضيف ويتصدق ويفعل الخير، فهل له من شيء في الآخرة؟ قال: لا شيء له، قالت: لِمَ يا رسول الله؟! قال: إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، فكيف عرف أن الله يأخذ بالذنب ويغفر إلا من شريعة إبراهيم ﵇ التي بلغتهم.
والنبي ﷺ لما جاءه الرجل يقول: (يا رسول الله! أين أبي؟ قال: أبوك في النار، فتمعر وجه الرجل أمام الصحابة الكرام، فقال ﷺ : إن أبي وأباك في النار) وهذا في الصحيح، فهذا تصريح بنص في محل النزاع.
стр. 229
أم النبي في النار
رابعاً: أم النبي ﷺ آمنة، فأم النبي ﷺ كافرة ومخلدة في نار جهنم، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، فننظر إلى ذلك بعين القدر وعين الشرع، فنبكي بكاءً دماً لا دموعاً على أن أم النبي ﷺ كافرة في نار جهنم، وقد بكاها النبي ﷺ ، وعلى أن أبا النبي ﷺ في نار جهنم، ونحمد الله أيضاً على أن الله جل وعلا خلقنا مسلمين، فاللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، فعلى المرء أن يحمد الله صباحاً ومساءً على هذه النعمة، فأبو النبي مخلد في نار جهنم، وأم النبي مخلدة في نار جهنم، وعم النبي مخلد في نار جهنم، وهذه حكمة البارئ ، فأم النبي ﷺ في نار جهنم والدليل على ذلك قوله ﷺ : (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)، أقول: قال: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي)، والمانع أنها من المشركين، والله قد نهاه أن يستغفر للمشركين.
إذاً: فأهل النبي ﷺ في النار: عبد المطلب في النار، وأبو لهب في النار، وأبو طالب في النار، وعبد الله أبو النبي ﷺ في النار، وأم النبي ﷺ آمنة في النار، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذه هي حكمة البارئ.
стр. 230
شبهات القائلين بأن عم النبي وأبويه ليسوا من أهل النار والرد عليها
وقد أبى المتنطعون الذين يهرفون بما لا يعرفون، والذين يخرفون ويضللون الناس أبوا على هذه الأحاديث الصحيحة أن تسطع كشمس النهار فتعلم الناس، وأبوا علينا ذلك، فقالوا: لا والله لا نرضى بهذا، بل أبو طالب في الجنة، وأبو النبي عبد الله في الجنة، وآمنة في الجنة، فنقول لهم: اتقوا الله في أنفسكم، فالرسول ﷺ يقول: (أبي وأبوك في النار) والرسول ﷺ يقول: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي) فكيف تقولون هذا؟ قالوا: بالأثر والنظر، وهذا الكلام تلبيس، ووالله الذي لا إله إلا هو مع تدقيق النظر في كلامهم تقول: حقاً إن إبليس فقيه في الشر؛ فإنه يلبس على الناس، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١]، وليدحضوا الحق بالباطل، فقالوا: أولاً: قول النبي ﷺ (أبي وأبوك في النار)، هذا حديث صحيح ولا نستطيع أن نضعفه، لكن معناه: جدي وأبوك في النار، يعني: عبد المطلب، ولا يقصد أباه عبد الله، والدليل على ذلك: قول الله تعالى عن يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [يوسف:٣٨] الآية، وإبراهيم هو جد يوسف، إذاً يطلق الأب على الجد.
وقالوا أيضاً: آمنة في الجنة، والدليل على ذلك؟ ما جاء عن رسول الله ﷺ : (أن الله أحيا أباه وأحيا أمه، فدعاهما إلى الإسلام فدخلا الجنة بعدما قبلا الإسلام)، وهذا حديث مهلهل، وبه يحتج السيوطي، وقد ضرب صفحاً عن الأحاديث التي في الصحيحين، والتي أسانيدها كالشمس الساطعة في وضح النهار.
وقالوا أيضاً: أبو طالب في الجنة، وكيف يفعلون بالحديث الذي في الصحيح من أن النبي ﷺ ذهب إليه فقال: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)؟ فقالوا: لا، أبو طالب في الجنة بالأثر والنظر، قلنا: كيف بالأثر والنظر؟ قالوا: أما الأثر فحديث النبي ﷺ (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)، وهذا الحديث صحيح كالشمس، قالوا: وأعظم يتيم على الإطلاق في الدنيا كلها هو رسول الله ﷺ ، إذاً فأعظم كافل هو أبو طالب؛ لأنه هو الذي كفل النبي ﷺ .
وأما النظر: فنصرته لرسول الله ﷺ ومدافعته عنه ﷺ ، فإن الله لا يرد هذا الفعل الخير.
أما الجواب عن شبههم هذه فكالآتي: فأما قولهم في حديث: (إن أبي وأباك في النار) وأن المقصود به عبد المطلب، فالرد على ذلك من وجهين: أولاً: أن الأصل الموضوع له لفظ (الأب) أنه هو الذي أنجب، فالأصل أن الأب هو الذي أنجب، فهذا هو الظاهر، ولا ننتقل إلى غيره إلا بدليل، ولا دليل هنا.
ثانياً: نتنزل معك أيها القائل: أن الأب يطلق على الأب الأصل الذي أنجب وعلى الجد أيضاً، فنقول: إذاً فالأب والجد في النار -تنزلاً- ولا يخرج واحد منهما إلا بدليل، وله أن يعارضني ويقول: أخرجتُ الأب بحديث: (أن الله أحيا أباه عبد الله وأمه آمنة فدعاهما النبي ﷺ إلى الإسلام فأسلما)، فأقول: هذا الدليل لا يسمن ولا يغني من جوع؛ لأن الحديث موضوع هالك الإسناد، فلا يصح أن يحتج به، إذاً: فيبقى الحديث الذي في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أبي وأبوك في النار).
ثالثاً: يلزمك أنك إذا قلت بأن لفظة (الأب) تطلق على الجد وجد الجد أن يتنزل ذلك على إبراهيم وإسماعيل ﵉، فإسماعيل جد النبي ﷺ ينزل منزلة الأب، وأيضاً إبراهيم جد النبي ﷺ ينزل منزلة الأب، فإذا قلت: لا، إنما يتنزل ذلك على الجد الأقرب، فنقول لك: لم لا تقول: والجد الأبعد، فإذا قال: لأن الأدلة كلها متوافرة متظافرة على أن هؤلاء رسلاً وهم في الجنة، فنقول: وكذلك الأدلة متوافرة ومتظافرة على أن عبد الله في النار، فهذا الذي ورد عن رسول الله ﷺ وهو أبوه، ولا يدافع عن أبيه، وهو الذي قال: (أبي وأبوك في النار).
وأما الجواب عن الشبهة الثالثة وهي: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) فنقول: نحن نوافق ونقر أن أعظم من كفل رسول الله ﷺ هو أبو طالب، ونحن أيضاً نقر أن هذا الحديث صحيح كالشمس: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)، والرد على هذه الشبهة من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن الذين يثابون على الأعمال الصالحات هم المؤمنون خاصة لا الكافرون، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل:٩٧]، فقيد ذلك بالإيمان، ولم يقل: من عمل صالحاً من ذكر أو أثنى وهو كافر فإنها تكون له الحياة الطيبة في الدنيا وفي الآخرة، وعمه أبو طالب كان كافراً؛ لأن النبي ﷺ قال له: (قل: لا إله إلا الله) فلم يقل: لا إله إلا الله، ومات على ملة عبد المطلب.
الوجه الثاني: أن أعظم الصالحات التي قدمها من النصرة والكفالة قد عجل ثوابها له في الدنيا وله أيضاً في الآخرة، فإذا عمل صالحاً فإنه لا يضيع هباءً منثوراً، بل إن الله جل وعلا لا يظلم الناس شيئاً، فإنه يعجل للكافرين صالح أعمالهم في الدنيا دون الآخرة، ففي حديث عائشة ﵂ وأرضاها أنها ذكرت للنبي ﷺ أن عبد الله بن زيد بن جدعان كان يفعل الخير، فبين النبي ﷺ أن هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في الدنيا ولا شيء لهم في الآخرة، وكما قال رسول الله ﷺ : (أسلمت على ما أسلفت)، وبين الله أن الكافر إذا عمل خيراً فإنه تعجل له طيباته في الدنيا إذا شاء الله، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨].
الثالث: أن النبي ﷺ قد أقر بأنه كان ينصره ويؤازره، ومع ذلك بيّن رسول الله ﷺ مع هذه المؤازرة أنه في ضحضاح من النار خالداً مخلداً فيها، أو هو يلبس نعلين من نار تغلي منهما دماغه.
أيضاً: قد نفعته شفاعة النبي ﷺ في الآخرة بسبب الصالحات التي قدمها برسول الله ﷺ في الدنيا، وكانت هذه الشفاعة خاصة لرسول الله ﷺ ؛ إذ أن الكافرين لا شفاعة لهم، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقال تعال: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١].
فهذا تصريح بأنهم وهم في النار يصرحون أنه لا شفيع يناصرهم أو يشفع لهم، وكانت هذه خاصة لـ أبي طالب، فالنبي ﷺ شفع له في الآخرة حتى يخرج من الدرك الأسفل من النار ويكون في ضحضاح من النار.
فهذه الشبهة الثالثة وقد أميتت بفضل الله ، وهذه النار قد أخمدت، وأهل البدع هم الذين ينفخون في هذه النار ويقولون: تتجرءون على رسول الله، وأنتم لا تحبون رسول الله، ويبكون ويتباكون زيفاً وزوراً وبهتاناً، ويصادمون كتاب الله، ويصادمون سنة النبي ﷺ ، فنحن نقر هنا أن عبد المطلب في النار، وأبا طالب في النار، وعبد الله في النار، وآمنة في النار، هذا بتصريح رسول الله ﷺ ، وما لنا لا نؤمن بذلك وهي شريعة غراء، وما لنا لا نؤمن بذلك والله جل وعلا أرحم بالعباد من أمهاتهم وأنفسهم، وقد قضى كوناً أن هؤلاء من أهل النار.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 231
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - ذكر أبواب شفاعة النبي ﷺ
لقد خص الله تعالى نبيه محمداً ﷺ بشفاعات دون غيره، ومنها: الشفاعة العظمى لفصل القضاء بين الخلائق، ومنها شفاعته ﷺ لأهل الجنة؛ لأن الجنة لا تفتح إلا له ﷺ ، ومنها شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب بأن يخفف عنه العذاب، وقد خصه سبحانه بهذه الشفاعات إظهاراً لرفعته ومكانته عنده سبحانه، وهو كذلك يشترك مع بقية الرسل والأنبياء والملائكة والمؤمنين في بقية الشفاعات.
стр. 232
تعريف الشفاعة لغة واصطلاحاً
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر أبواب شفاعة النبي ﷺ ، التي قد خص بها دون الأنبياء سواه، صلوات الله عليهم لأمته، وشفاعة النبي ﷺ دون غيره من الأنبياء، صلوات الله عليهم، وشفاعة بعض أمته لبعض أمته، ممن قد أوبقتهم خطاياهم وذنوبهم، فأدخلوا النار ليخرجوا منها، بعدما قد عذبوا فيها بقدر ذنوبهم وخطاياهم التي لا يغفرها لهم، ولم يتجاوز لهم عنها بفضله وجوده، بالله نتعوذ من الله].
الشفاعة: اسم مشتق من شفع يشفع، وهو ضد الوتر، والشفع: أن تجعل الشيء اثنين، وكأنه مشتق من أن الشافع يضم شفاعته مع سؤال المشفوع له؛ حتى تقبل هذه الشفاعة.
واصطلاحاً هي: التوسط من وجيه أو من له وجاهه للغير؛ لجلب منفعة أو دفع مضرة، والمصنف هنا يشير إلى الشفاعة الأخروية.
стр. 233
حقيقة الشفاعة الدنيوية وحكمها
الشفاعة شفاعتان: شفاعة دنيوية، وشفاعة أخروية: أما الشفاعة الدنيوية: فهي التوسط من الصالح أو من الوجيه لبعض إخوانه لجلب منفعة أو دفع مضرة.
كأن يتوسط رجل وجيه عند ولي الأمر لشخص ما لدفع مضرة أو عقوبة أو لجلب منفعة لهذا الشخص.
هذه الشفاعة الدنيوية جائزة، بل ويؤجر عليه المرء، ودليلها من الكتاب: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ﴾ [النساء:٨٥]، ومن السنة قول النبي ﷺ : (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء)، فمن شفع لأخيه في تفريج كربة فرج الله كربته يوم القيامة، ومن شفع لأخيه في حاجة آتاه الله أفضل مما شفع فيه.
لكن لنا ملحظ مهم جداً، وهو أن بعض الذين يشفعون لتيسير أمور معينة يأخذون على هذه الشفاعة أجرة، وهذا لا يجوز؛ لأن الشفاعة عبادة، وكل عبادة أجرها على الله جل في علاه، ولذلك قال النبي ﷺ : (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء).
والأصل في العبادات ألا يؤخذ عليها أجرة أبداً، كما قلنا في الإمامة والأذان وتعليم القرآن، كل ذلك لا يجوز أخذ الأجرة عليها، إلا المستثنى منه بالأدلة الشرعية التي ليس هذا بابها.
الغرض المقصود أن الأصل في الشفاعة والتوسط للغير أنه لا يجوز للمرء أن يأخذ عليه أجراً.
ولا تجوز الشفاعة في حد من حدود الله جل في علاه؛ لأن النبي ﷺ ما كان ينتصر لنفسه قط، وما كان يغضب لنفسه قط، إلا أن تنتهك محارم الله، ففي الحديث: (كانت امرأة من بني مخزوم تجحد العارية، فأخذها رسول الله ﷺ ليقيم عليها حد السرقة، وهو: قطع اليد، فقالوا: من يشفع عند رسول الله؟ فقالوا: حب رسول الله أسامة بن زيد فقام أسامة -وهو لا يعلم أن هذا لا يجوز- فكلم رسول الله في شأن المرأة المخزومية، فغضب رسول الله ﷺ غضباً شديداً وقال: أتشفع في حد من حدود الله، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
إذاً: الشفاعة لا تجوز في حد من حدود الله جل في علاه إذا وصلت وبلغت إلى ولي الأمر.
وهذه في الشفاعة الدنيوية.
стр. 234
أنواع الشفاعة الأخروية
أما الشفاعة الأخروية فهي: شفاعة، مثبتة، وشفاعة منفية.
стр. 235
الشفاعة المنفية
الأولى: الشفاعة المنفية: هي الشفاعة للمشركين، وهذه لا تقبل بحال من الأحوال؛ لأن المشركين لا شفاعة لهم، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٨].
وقال الله تعالى حاكياً عن المشركين أنهم قالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١].
وقال جل وعلا: ﴿أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] إذاً: الشفاعة للمشركين منفية نفياً باتاً.
أيضاً من الشفاعة المنفية شفاعة الأصنام عند الله جل في علاه، فالمشركون عبدوا الأصنام -لتشفع لهم، وهي شفاعة متوهمة باطلة- فلما سئلوا عن ذلك قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر:٣]، فقال الله تعالى لهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣].
فالله جل وعلا نسبهم إلى الكفر والكذب، إذ إن الأصنام ليس لها مكانة عنده جل في علاه.
ومن أنواع الشفاعة المنفية: الشفاعة بغير إذن الله، ولو كانت من أولياء الله جل في علاه، ولو كانت من رسول الله ﷺ .
стр. 236
الشفاعة المثبتة وشروط صحتها
الشفاعة الثانية: الشفاعة المثبتة: وهي التي أثبتها الله جل في علاه، وهي الشفاعة للمؤمنين الموحدين فقط.
وحتى تقبل هذه الشفاعة لا بد لها من شرطين اثنين: الشرط الأول: إذن الله جل في علاه لهذا الشافع، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [البقرة:٢٥٥].
وقال جل في علاه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ [النجم:٢٦]، هذا الشرط الأول.
الشرط الثاني: أن يرضى الله عن الشافع، وعن المشفوع، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦].
فلا بد من الرضا عن الشافع والمشفوع.
الحكمة من الشفاعة: أولاً: إكرام الشافع وإظهار فضله ومكانته وكرامته على الله جل في علاه.
ثانياً: جلب النفع للمشفوع له، أو دفع الضر عنه.
стр. 237
أقسام الشفاعة المثبتة
لقد قسم العلماء الشفاعة المثبتة إلى قسمين: شفاعة خاصة، وشفاعة عامة.
стр. 238
الشفاعة الخاصة
الشفاعة الخاصة: هي التي تختص برسول الله ﷺ ، وهذه لا يشارك رسول الله ﷺ فيها أحد أبداً، وإنما خصها الله برسوله ﷺ كرامة له، وإظهاراً لحبه، ورفعة له يوم القيامة، وهذا هو المقام المحمود الذي وعد الله له رسوله ﷺ .
وهي أنواع ثلاثة: أعظمها: شفاعة الموقف، عندما يشتد الكرب ويزلزل الناس زلزالاً شديداً، في يوم: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] حينها يقول الناس كما أخبر النبي ﷺ : (نذهب إلى آدم، فآدم أبو البشر خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، فله الكرامة عند الله حتى يفصل بيننا، فيذهبون إلى آدم فيقول: لست لها، قد أكلت من الشجرة ونهاني ربي عنها، لكن اذهبوا إلى نوح فهو أول رسول إلى البشرية، فيذهبون إلى نوح فيقول: لست لها، قد سألت الله ما ليس لي به علم، لكن اذهبوا إلى إبراهيم أبي الأنبياء، فيذهبون إلى إبراهيم فيقول إبراهيم ﵇: لست لها، قد كذبت ثلاث كذبات، لكن اذهبوا إلى موسى كليم الله، اصطفاه الله جل وعلا برسالاته وبكلامه، فيذهبون إلى موسى فيقول موسى ﵇: لست لها، وفي كل مرة يقولون: ألا ترى ما ألم بنا؟! ألا ترى ما نحن فيه من كرب؟! ألا ترى ما نحن فيه من الشدة؟ وكل رسول يقول: لست لها، فموسى يقول: اذهبوا إلى عيسى روح الله، فيذهبون إلى عيسى فيقول: لست لها، اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم وما تأخر، فيذهبون إلى رسول الله فيقول: أنا لها، أنا لها، يقول النبي ﷺ : فأستأذن على ربي فأذهب إلى تحت العرش فأخر ساجداً).
وهذه كرامة وشرف له ﷺ ، فقد أذن الله له فقام أمام الخلق أجمعين؛ ليظهر الله جل وعلا كرامته بأن قبله شفيعاً، فيذهب فيخر تحت العرش ساجداً لله.
ثم يقول ﷺ : (فأحمد الله جل في علاه بمحامد لم أكن أعلمها أعلمنيها ربي، وأثني عليه، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع، فيشفع محمد ﷺ في الفصل بين العباد، فيأتي الله جل وعلا ويفصل بين العباد).
وهذه الشفاعة العظمى خاصة برسول الله ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩].
فهذا هو المقام المحمود، وكما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه حضنا أن نقول بعد انتهاء الأذان: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه اللهم المقام المحمود، الذي وعدته) فالمقام الذي وعد الله جل في علاه نبيه ﷺ هو أن يقوم يوم القيامة -بعدما تنحى كل رسول وقال: نفسي نفسي- فيقول: أنا لها، أنا لها، فيشفع لفصل القضاء بين عباد الله يوم القيامة.
النوع الثاني من الشفاعة الخاصة بنبينا ﷺ : هي شفاعة رسول الله ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة؛ لأنه لا يدخل الجنة قبله أحد، قال رسول الله ﷺ : (أنا أول من يشفع في الجنة) بعدما يفصل الله بين العباد ويأمر بأهل النار فيقذفون فيها، يبقى أهل الجنة ينتظرون الإذن بدخول الجنة، يريدون الدخول فلا يستطيعون؛ لأن الملك الذي وقف على باب الجنة لا يفتح إلا لشخص واحد وهو رسول الله ﷺ ، ولذلك قال النبي ﷺ : (أنا أول شافع) وقد أشار الله في كتابه إلى ذلك حيث قال عن الجنة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ [الزمر:٧٣]، لكن عندما تكلم عن النار قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ﴾ [الزمر:٧١] أي أن النار، لم تنتظر أحداً، فهي مشتاقة للكفار، أما الجنة فقال الله عنها: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ [الزمر:٧٣] هذه إشارة أنهم ينتظرون حتى يشفع لهم الرسول ﷺ ، (فيدق رسول الله ﷺ باب الجنة، فيقال: من؟ فيقول: محمد فيقول: بك أمرت، ألا أفتح لأحد قبلك، فيفتح لأهل الجنة فيدخلون الجنة)، وهذه شفاعة خاصة برسول الله ﷺ ؛ إظهاراً لفضله وكرامته.
وشفاعة أخرى خاصة برسول الله لا يشترك معه فيها أحد ألا وهي: شفاعته لـ أبي طالب، وأبو طالب مستحق الخلود في النار، والشفاعة لأهل النار منفية، كما قال الله تعالى حاكياً عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١].
فيأتي النبي ﷺ يشفع لـ أبي طالب؛ لأن أبا طالب كان يحوطه ويناصره ويدافع عنه حتى مات، فكرامة لهذه المدافعة وهذه الإحاطة لأكرم خلق الله على الله، فإن الله شفع رسوله خاصة في أبي طالب، حتى أبا الأنبياء إبراهيم ﵇ لم يشفعه الله في أبيه.
لما قال العباس للنبي ﷺ : (ماذا فعلت لعمك، فقد كان يناصرك ويحوطك وكان وكان؟ فقال: لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، هو الآن في ضحضاح من نار، له نعلان يغلي بهما دماغه) يعني خفف الله عنه العذاب بشفاعة رسول الله ﷺ ، وهو يرى أنه أشد أهل النار عذاباً، نعوذ بالله من النار، ونعوذ بالله أن ندخلها لحظة واحدة.
فهذه الأنواع الثلاثة من الشفاعة خاصة برسول الله ﷺ .
стр. 239
الشفاعة العامة
الشفاعة العامة هي التي يشترك فيها رسول الله، والأنبياء والمؤمنون والملائكة، وهي أنواع: أولها: الشفاعة لأهل الجنة أن يرفع الله لهم درجاتهم، فلو كان أحدهم في درجة أقل شفع له النبي ﷺ حتى يكون في الفردوس الأعلى مثلاً، اللهم اجعلنا جميعاً مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى.
ودليل ذلك إشارة من الكتاب وتصريح من السنة، أما الإشارة من الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] أي: إذا كان الأب في درجة عليا والابن في درجة دنيا، فإن الأب يشفع لابنه، فالله جل وعلا يقبل الشفاعة من الأب للابن، فيرفعه إلى منزلة الأب، والعكس صحيح، إذا كان الابن في درجة عالية والأب في درجة أقل، فيشفع الابن للأب، فالله جل وعلا يرفعه إلى درجة ابنه، وفي هذا إشارة إلى أنه إذا كانت هذه الشفاعة للمؤمنين فللأنبياء أولى وأحرى.
أما التصريح من السنة، فقد قال النبي ﷺ عندما مات أبو سلمة: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة وارفع درجته في المهديين).
إذاً: النبي ﷺ يشفع في رفعة الدرجات، وهذا فيه دلالة على أن الأنبياء والمرسلين يشفعون لرفع الدرجات.
الثانية: الشفاعة في دخول من استحق النار الجنةَ حتى لا يعذب، وهؤلاء هم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، لكن السيئات غلبت على الحسنات فاستحقوا النار، فيأتي النبي ﷺ ويأتي المؤمنون فيشفعون فيهم، فيشفعهم الله في هؤلاء فيدخلهم الجنة ولا يدخلون النار، والدليل على ذلك: أهل الأعراف، فهم لا يدخلون النار، وقد وصفهم الله جل وعلا وصفاً بديعاً فقال: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٦ - ٤٧].
وهذا حديث ظاهر عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل يموت فيصلي عليه أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه).
يعني: هذا الذي مات هو ممن يستحق النار، فيأتي أربعون رجلاً من أهل التوحيد الخلص فيصلون عليه فيشفعون فيه فيشفعهم الله فيه، ووجه الدلالة: العموم الذي في قوله: ما من رجل، فمن كان ولياً لميت فليتحر أهل السنة وأهل التوحيد للصلاة عليه، حتى لو تأخر دفنه؛ صحيح أن من السنة إكرام الميت والمسارعة في دفنه، لكن لولي الميت أن يؤخر ذلك للمصلحة، والمصلحة الأكبر أن يبحث عن أهل الدين والتقوى وأهل السنة والتوحيد الخالص حتى يصلوا عليه؛ لأن النبي ﷺ ذكر أنه إذا صلى عليه أربعون رجلاً فالله جل وعلا يشفعهم فيه ويقبل دعاءهم، فيدخله الله الجنة ولو كان مستحقاً للنار.
إذاً: هذه الشفاعة الثانية التي يشترك فيها والملائكة والأنبياء والمؤمنون.
الثالثة: الشفاعة لأهل الأعراف بدخول الجنة: فالله جل وعلا يشفع الأنبياء والمرسلين والمؤمنين فيهم، وذلك عندما يقول المؤمنون: (ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويحجون معنا ويزكون معنا، وهم في النار فيتفضل الله بفضله ومحض نعمته سبحانه جل في علاه فيأمرهم أن يذهبوا ويخرجوا من يعرفون من إخوانهم من النار ممن كان في قلبه مثقال شعيرة، أو ذرة من خير إلى أن يتناقص حتى يصلوا إلى من لم يعمل خيراً قط) فهذه لا تكون إلا لله جل في علاه.
فالمؤمنون يخرجون إخوانهم، والملائكة يخرجون من يعرفون بأثر السجود.
стр. 240
الرد على منكري الشفاعة لأهل الكبائر
الخوارج والمعتزلة ينكرون شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر، وأفراخ المعتزلة اليوم ينكرون هذه الشفاعة، ومنهم مصطفى محمود، فهو ينكر شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر، وقيل إنه رجع عن هذا القول، وهذا كلام المعتزلة وكلام الخوارج؛ لأن الخوارج أصل اعتقادهم أن فاعل الكبيرة كافر، وهو خالد مخلد في النار، فإذا كان النبي ﷺ يشفع لفاعل الكبيرة فهذا يهدم أصلهم الذي اعتقدوه، ولذلك ذهبوا إلى هذه الأدلة فهدموهما وردوها، واستدلوا على قولهم بقول الله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١].
والرد عليهم أن هذه الآية خاصة بالكافرين، وأهل الكبائر ليسوا بكافرين -لكن فاعل الكبيرة على خطر عظيم- إذا إن الله جل وعلا أرحم ما يكون بعباده، فقد قال النبي ﷺ بعدما كبر: (جاءني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتي وهو يقول: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقام أبو ذر وقال: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، ثم قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قال: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق وعلى رغم أنف أبي ذر).
إذاً: هذه الآية خاصة بالكافرين، وأما الذين آمنوا ووحدوا الله جل في علاه فهم أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ ، كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه).
فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل التوحيد الذين أخلصوا دينهم لربهم جل في علاه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 241
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - مقامات الشفاعة
مقام الشفاعة يوم القيامة مقام عظيم اختص الله به أنبياءه صلوات الله وسلامه عليهم، ومنهم وفي مقدمتهم نبينا محمد ﷺ الذي اختصه بشفاعات خاصة دونهم، ثم بعد الأنبياء يأتي أصناف من الناس جعل الله لهم شرف الشفاعة بين يديه، وهم الصديقون والشهداء والصالحون، وهذا من تكريم الله لهم، وإحسانه إليهم جزاء ما قدموا في الدنيا من تضحية بملاذ الدنيا وزخارفها في سبيل مرضاة الله ورفعة دينه.
стр. 242
مجمل القول في الشفاعة الخاصة برسول الله والشفاعة العامة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإننا على مشارف الانتهاء من هذا الكتاب الجليل: كتاب التوحيد لـ ابن خزيمة , وما زلنا مع مقامات الشفاعة والكلام على شفاعة رسول الله ﷺ .
وقد بينا سابقاً أن الناس يخرجون من قبورهم عطشى يهرعون، فتنشق عنهم الأرض سراعاً إلى ربهم جل في علاه, فيخرجون ويشتد عليهم الكرب، ويعظم عليهم الخطب، فيستشفعون بأنبياء الله جل في علاه, فيذهبون إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم، وما من نبي إلا ويقول: نفسي نفسي ويحيلهم على نبي آخر، إلى أن يصلوا إلى رسول ﷺ فيقول: أنا لها أنا لها، فيذهب تحت العرش فيسجد فيحمد الله جل في علاه بمحامد يعلمه الله إياها آنذاك، فيحمد الله ويثني على الله بما هو أهل له, ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع, ثم يشفع النبي ﷺ في أن يقضى بين العباد، وهذا هو المقام المحمود الذي شرف الله به نبيه محمداً ﷺ وكرمه على الخلق أجمعين، وأظهر كرامته ومكانته أمام الخلق أجمعين.
وذكرنا أن هذه الشفاعة الخاصة برسول الله تلتها شفاعة أخرى خاصة برسول الله ﷺ أيضاً لا يشترك معه فيها أحد، وهي: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، كما يقول الملك: بك أمرت، يعني: لا يمكن أن يفتح قبل محمد ﷺ , بأبي هو وأمي.
وأيضاً هناك شفاعة خاصة برسول الله ﷺ وهي: شفاعته لعمه أبي طالب من الكافرين، فلولا أن رسول الله ﷺ شفع في عمه أبي طالب لكان في الدرك الأسفل من النار، وهو في ضحضاح من النار، وهذه أيضاً شفاعة لا يشترك مع رسول ﷺ فيها أحد.
وبعد ذلك شفاعات ثلاث بيناها، وبينا أن هذه الشفاعات يشترك فيها الأنبياء والمرسلون مع رسول الله ﷺ ، بل وفوق ذلك فإن الله يظهر كرمه على عباده، فهو لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فإن الله يحسن إلى من أحسن من عباده وتذلل وتقرب وترك الدنيا من أجله، فيكرمه ويظهر كرامته في الآخرة بالشفاعة.
стр. 243
شفاعة الصديقين والشهداء يوم القيامة
ومن أصحاب هذه المنزلة: الصديقون، فهذه المرتبة تلي مراتب الأنبياء, وأيضاً الشهداء, وأيضاً الأولياء, فمراتب الناس بعد الأنبياء والمرسلين: الصديقون، ثم بعد ذلك الشهداء، ثم بعد ذلك أولياء الله الصالحون.
والصديقية تجيء عن محض التصديق، أي: أن يصدق ما أخبر به من قبل الله جل وعلا ورسوله ﷺ , فلا يسمى صديقاً ولا يرتقي منبر الصديقية إلا إذا صدق تصديقاً محضاً بكل ما أتاه من الله جل وعلا ومن رسول الله ﷺ ، ولسان حاله يقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول على مراد رسول الله ﷺ , وأروع الأمثلة على تجسيد الصديقية أبو بكر ﵁ وأرضاه, فقد جسد لنا معنى الصديقية ظاهراً وباطناً.
فأول هذه المراتب: أن يصدق بكل ما أُخبر به من قبل الله وقبل رسوله ﷺ .
والمرتبة الثانية: أن يصدق قوله فعله, والمرتبة الثالثة: أن يصدق ظاهره باطنه, والرابعة والخامسة: التصديق بموعود الله جل في علاه سواءً في الدنيا أو في الآخرة.
أولاً: التصديق بما أخبر الله به وبما أخبر به رسوله، وهذه -كما قلت- ضرب فيها أبو بكر أروع الأمثلة مبيناً لنا مكانة الصديقية, فلما كانت ليلة الإسراء ظن كفار قريش أنهم قد ظفروا بما يكذبونه به، فظنوا أنهم قد ظفروا بما يريدون حتى يجعلوا أبا بكر ﵁ وأرضاه يرتد عما هو فيه.
فذهبوا إلى أبي بكر وقالوا: يا أبا بكر! أما رأيت ما زعم صاحبك أو ما يقول صاحبك؟! قال: وما يقول؟ قالوا: يقول: إنه كان البارحة في بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة! فقال أبو بكر -يبين لنا معنى الصديقية- أقال ذلك؟ قالوا: نعم قال ذلك, وهم يظنون أن أبا بكر سيقول: إذاً لا أتبعه، فلا يعقل أن يذهب رجل إلى بيت المقدس -وهو تضرب إليه أكباد الإبل في شهور- ويرجع في ليلة واحدة، فقال أبو بكر ﵁ وأرضاه: إن كان قال ذلك فقد صدق، فلما قال ذلك دهشوا، فبين لهم الدليل القاطع فيما هو أجلى من ذلك, فقال: والله! إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك, أصدقه في خبر السماء.
أي: فهذا أعظم من أن أصدقه في ذهابه إلى بيت المقدس ورجوعه في ليلة.
وضرب لنا أيضاً أروع الأمثلة في الصديقية ﵁ وأرضاه في الحديبية، وهذه تبين لك مرتبة الصديقية من مرتبة الإلهام, فالفارق بينهما مفاوز، فمرتبة الصديقية أرقى من مرتبة الإلهام, والنبي ﷺ يقول في عمر: (لو كان في الأمة محدَّث أو مُلهَم لكان عمر) , وهذا الملهَم والمحدَّث الذي تتحدث الملائكة على لسانه بالحق ينزل مرتبة عن مرتبة الصديقية الذي صاحبها يجري الحق على لسانه وقلبه، ولا يحتاج إلى ملك يتكلم على لسانه, فانظروا كيف يبين لنا أبو بكر معنى الصديقية ومرتبتها العليا في صلح الحديبية، فلم يستطع عمر بن الخطاب ﵁ وكذلك كثير من المسلمين تقبل شروط الصلح، وقالوا: نحن في قوة ومنعة فكيف نعطي الدانية في ديننا؟! فقال عمر: يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: بلى, قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى, قال: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟! فقال له رسول الله ﷺ (إني رسول الله ولن يضيعني الله)، وهنا يأتيك شاهد الصديقية، فيذهب عمر إلى أبي بكر -لأن أبا بكر أقرب الناس إلى رسول ويمكن أن يؤثر على رسول الله- فقال: يا أبا بكر! ألسنا على الحق؟ قال: بلى, قال أليسوا على الباطل؟ قال بلى, قال: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟! فانظروا إلى الصديقية فلا يفرق بين رسول الله ﷺ وبين أبي بكر إلا مرتبة النبوة , ولذلك ورد في بعض الآثار أن النبي ﷺ قال: (لو لم تنزل الرسالة عليّ لنزلت على أبي بكر) وينظر في أسانيدها، بل صح عن النبي ﷺ أنه قال: (لو كان هناك نبي بعدي لكان عمر)، لكن المرتبة الأولى هي مرتبة أبي بكر، وأبو بكر كان يوازي النبي ﷺ في الخلق، فقال له أبو بكر إلزم غرزه؛ فإنه رسول الله ولن يضيعه الله، كما قال النبي ﷺ .
فقالوا: إن بين عمر وبين أبي بكر مفاوز فالصديقية أرقى ما تكون.
وقد ضرب لنا أبو بكر لنا أروع أمثلتها عند موت النبي ﷺ , فـ عمر ﵁ وأرضاه أيضاً لم يستطع أن يصبر على ذلك، فقال: من قال: إن محمداً قد مات لأعلونّه بالسيف, فقام أبو بكر وقال: أسكت، فلم يسكت عمر وقال: إن النبي ﷺ ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى إلى ربه وسيرجع ليقطع أيدي المنافقين وأرجلهم, ثم قال أبو بكر: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
فالصديقية مرتبة أرقى ما تكون وهي تصديق بموعود الله جل في علاه، وتصديق بنصر الله، والقول فيها يصدق الفعل، والظاهر يصدق الباطن, وكان أبو بكر يعلم أن الله جل وعلا جنّد جنوداً من الملائكة كل صباح ومساء يقولون: اللهم! أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً, فكان يصدق بها أبو بكر ﵁ وأرضاه، وكانت تجري منه مجرى الدم ﵁ وأرضاه, فلما استنفرهم رسول ﷺ للنفقة قال عمر: اليوم أسبق أبا بكر ﵁ وأرضاه, فأنفق نصف ماله، أو شطر ماله فسأله النبي ﷺ : ما تركت لأهلك؟ قال تركت لهم مثله، فمدحه وأثنى عليه رسول الله ﷺ , ثم جاء الصديق -الذي يصدق ويستيقن بالله جل في علاه- بماله كله وما أضرب هذا المثال الرائع لنتسلى، فالضياع في دنيانا اليوم والله الذي لا إله إلا هو! هو نفس الضياع الذي حصل لليهود, فقد ضاع اليهود لعدم يقينهم بالله تعالى، ونتيجة لضعف إيمانهم لم يثقوا بربهم جل في علاه، فلما أنزل الله عليهم المن والسلوى وهو طعام شهي لا يمكن أن يستعيضوا عنه بشيء قالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٦١] فهم لا يثقون بربهم جل في علاه, وهذا الضياع الذي نحن فيه سببه أننا لا نثق بربنا جل في علاه بحال من الأحوال, فأنت تخشى من الغرب والشرق، وتخشى من اليمين واليسار، وتخشى من فوق ومن تحت؛ لأنك لا تثق في ربك جل في علاه, فهذا أبو بكر ﵁ وأرضاه, يقول: والله! لو جرت الكلاب أمهات المؤمنين لأنفذن جيش أسامة وما ذاك إلا لأنه يثق في الله، وأن رسول الله ﷺ إذا جند أحداً فالنصر معه, وسترى ذلك من أبي بكر ويقينه في الله، اللهم ارزقنا ذلك يا رب العالمين! وأمتْنا عليه, فحلاوة الإيمان هذه لم يصل إليها المرء إلا بذلك, فـ أبو بكر ﵁ وأرضاه صدق بما أنزل الله فجاء للنبي ﷺ بكل ماله، فقال له: (يا أبا بكر ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله) فسطر لنا سطراً علمه من كتاب الله لنعمل به, قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، فمن خشي على أولاده فعليه بالصلاح والتقى واليقين بالله جل في علاه، ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩]، فإذا قالوا ذلك واتقوا الله فإن الله كفيل بأولادهم, وكما تقول في السفر: وأنت الخليفة في الأهل.
فكان أبو بكر يستيقن في موعود الله جل في علاه.
وفي غزوة بدر كان النبي ﷺ يتضرع ويتذلل ويخضع ويبكي لله جل في علاه, ويقول: اللهم! إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعد اليوم، ومع ذلك فالنبي ﷺ يبكي ويتضرع مرة ثانية: اللهم! أنجز لي وعدك الذي وعدت، وهذه سنة نعمل بها، ولنعلم أننا لا يمكن أن نخرج من الضوائق إلا أن نتذلل لله جل في علاه, فتغلق كل الأبواب إلا ويبقى باب واحد مفتوح فيه والنصر والرفعة والنجاة, وهو باب الذل لله جل في علاه, فتذلل رسول الله ﷺ ، والقاعدة عند العلماء: أن أعز أهل الأرض هو أذل أهل الأرض لله جل في علاه, فكان النبي ﷺ يضرب لنا أروع الأمثلة في الذل والخضوع والمسكنة لله جل في علاه: (اللهم! أنجز لي وعدك الذي وعدت, اللهم! إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعد اليوم) , فيقول أبو بكر المطمئن القلب بما طمأنه به رسول الله ﷺ : (والله يا رسول الله! إن الله سينجز لك ما وعدك, فما لبث إلا أن قال له رسول الله ﷺ : أبشر يا أبا بكر! هذا جبريل على فرسه) , فأنزل الله الملائكة نصراً لهؤلاء المؤمنين.
إنها الصديقية! اللهم ارزقنا ذلك يا ربنا! ولذلك كان عمر الفاروق فارس الميدان الذي قال فيه النبي ﷺ : (إن الحق لمع عمر)، وقال: (لو سلكت فجاً لسلك الشيطان فجاً غير فجك يا عمر)، وعمر نفسه قال: النبوة ليست لنا، والصديقية من يرتقي إليها, فكان يقول
стр. 244
شفاعة عباد الله الصالحين يوم القيامة
ثم بعد ذلك تأتي شفاعة أولياء الله الصالحين، كما جاء ذلك في حديث القبضة، وفيه أن النبي ﷺ بين أن عباد الله الصالحين المؤمنين يقولون: (ربنا إن إخواننا كانوا يصلون معنا، ويزكون معنا، ويحجون معنا)، أي: وهم في النار، فكانوا يصلون ويزكون ويحجون ثم هم في النار، نعوذ بالله من الظلم ونعوذ بالله من الخذلان يوم القيامة, (قالوا: ربنا إن إخواننا كانوا يصلون معنا، ويحجون معنا، ويزكون معنا)، فالله جل في علاه يظهر كرامتهم فيقول: (اذهبوا فأخرجوا من تعرفون من النار, فيخرجون من قال: لا إله إلا الله)، والنار لا تأكل مواضع السجود فمن هم في النار؛ لأن الله جل وعلا حرم على النار أن تأكل مواضع السجود, وكلٌ يعذب في النار على قدر ذنوبه، كما بين رسول الله ﷺ ، وأتى المصنف بأكثر من حديث تدل على أن النار تأكل الناس على حسب سيئاتهم, فمنهم من تأكله إلى ساقه, ومنهم من تأكله إلى ركبته, ومنهم من تأكله إلى حقوه, ومنهم من تأكله إلى صدره , لكن النار حرم عليها أن تأكل مواضع السجود، فيعرفونهم بذلك فيخرجونهم بعدما ماتوا وصاروا حمماً، فيلقون في نهر الحياة، ثم ينبتون وبعد ذلك يدخلون الجنة).
стр. 245
الرد على من استدل بحديث القبضة على عدم كفر تارك الصلاة
واستدل المصنف بحديث آخر وهو أرجا حديث عند أهل السنة والجماعة، وهو حديث القبضة: (أن الله يقبض قبضة فيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ولم يعمل خيراً قط)، ولنا وقفة مع هذه اللفظة؛ إذ إن من العلماء من يقول بعدم كفر تارك الصلاة ويتمسكون بهذا الحديث، فيقولون: قال رسول الله ﷺ : (يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط)، ونحن لا نوافق على هذا, وهذا أضعف ما يكون, والرد عليه من وجهين: الوجه الأول: أنهم يوافقوننا أن قول النبي ﷺ : (لم يعمل خيراً قط) مخصوص بأعمال القلوب؛ إذ لا يمكن أن نقول: إن هذا الذي يخرجه الله جل وعلا ليس عنده أصل التوكل أو الخوف أو الرجاء أو المحبة, فأفعال القلوب ركن ركين من أركان الإيمان, فمن فقد أصل التوكل فقد الإيمان, ومن فقد أصل الخوف من الله فقد الإيمان, ومن فقد أصل الرجاء فقد الإيمان, فأعمال القلوب نحن وهم متفقون على أنها ركن ركين من الإيمان, فلو خلا القلب من أعمال القلوب فإن صاحبه يكون كافراً، كما سنبين عند الحديث الآخر الذي استدل به المصنف، وهو حديث الرجل الذي قال: (فذروني وألقوني في البحر، فلما سأله الله عن سبب فعله قال: مخافتك)، والمخافة عمل قلبي، فهذه دلالة على تخصيص معنى: (من لم يعمل خيراً قط) بأعمال القلوب.
فكما أبحتم لأنفسكم أن تخصصوا العموم في قوله (من لم يعمل خيراً قط) بأعمال القلوب، فنحن أيضاً عندنا نصوص قواطع تجعلنا نخصص هذا النص، كقول النبي ﷺ : (بين المرء وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة)، والشرك والكفر هنا معرف بالألف واللام العهدية، يعني: الكفر الذي تعهدونه وتعلمونه، وهو الذي يخرج من الملة, وهذا يخصص قول الله تعالى: (من لم يعمل خيراً قط) فكما خصصناه بالخوف والرجاء والتوكل فكذلك نخصصه بالصلاة, فيكون معنى الكلام: لم يعمل خيراً قط سوى الصلاة.
فمثلاً رجل اسمه محمد وهو من يوم أن خلقه الله جل وعلا وإلى أن مات لم يسجد لله سجدة، ولم يركع لله ركعة، فهل نقول: إنه مؤمن؟! والله هذا ليس بمؤمن بحال من الأحوال، ولا يؤمن باليوم الآخر، ولا أنه سيقف أمام ربه جل في علاه.
والرد الثاني على هذا الاستدلال: نقول: إن معنى: (لم يعمل خيراً قط) كما قال المصنف ابن خزيمة ﵀ هنا: العرب يقولون: لم يعمل خيراً قط في الذي لم يتم الكمال، يعني: في الأمر الناقص غير التام.
واستدل على ذلك برواية في مسند أحمد بسند صحيح على ما فيها من الضعف أن النبي ﷺ قال: (فيخرجون رجلاً من النار فيقولون له: عملت خيراً قط؟ فيقول: لا)، فهو هنا نفى أن يكون عمل خيراً قط, (فيقولون: عملت خيراً قط؟ فيقول: لا، غير أني كنت أتسامح مع الناس في البيع والشراء)، فهنا لم يعمل خيراً قط إلا أنه كان يتسامح في البيع والشراء، وهذا فيه تخصيص لدلالة أنه لم يعمل خيراً قط، وهذا جزاء وفاق وأجر طباق، ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] , فيقول الله تعالى: (تسامحوا عن عبدي كما كان يتسامح مع عبادي) , فهنيئاً للتجار الذين يعملون بقول النبي ﷺ : (سمحاً إذا اقتضى، سمحاً إذا باع، سمحاً إذا أشترى)، والويل ثم الويل للتجار الذين قال فيهم النبي ﷺ : (يا معشر التجار! تبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من صدق وبر)، فانظروا إلى فضل الله جل وعلا حيث يقول: (تسامحوا عن عبدي كما كان يتسامح عن عبادي) , وفي رواية أخرى: (يخرجون رجلاً من النار يقولون: عملت خيراً قط؟ فيقول: لا، غير أني قلت لأولادي: إذا أنا مت فاسحقوني وذروني وألقوني في الريح وفي الماء؛ إن الله لن يقدر عليّ أبداً، فيجمعه الله جل في علاه)، وفي هذه الرواية التي أتى بها المصنف قال: (إن الله لن يقدر عليّ أبداً، فلما جمعه الله قال: ما الذي حملك على ذلك؟ قال: مخافتك, فلما علم الله من صدق قلبه أنه يخشى منه, قال: ادخل الجنة برحمتي).
بين لنا المصنف صفات أهل الجنة، وآخر أهل الجنة دخولاً كما يصف ذلك النبي ﷺ : وهو يتبسم (إن آخر أهل الجنة دخولاً رجل يحبو على يديه ورجليه حتى يصل إلى ظل شجرة، ثم يصل إلى الجنة، فينظر فلا يستطيع أن يصبر)، وفي روايات أخرى يسأل ويقول: (لا أسأل مرة ثانية, فيقول الله: يا ابن آدم ما أغدرك! فيسأل مرة ثانية, حتى يصل إلى الجنة فينظر إليها فلا يستطيع أن يصبر، والله يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر عنه, فيقول: ربي أدخلني الجنة, فيقول: اذهب فادخل الجنة, فيذهب ليدخل الجنة وهو يصدق بموعود الله, فيعود ويقول: ربي وجدتها قد ملئت! أتسخر مني؟ أو قال: أتضحك مني وأنت رب العالمين؟ فيضحك الله جل وعلا ويقول: اذهب ولك مثل الدنيا وعشرة أمثالها).
стр. 246
الكبر سبب لدخول النار
ثم بعد ذلك أتى المصنف بصفات أهل النار, وهي صفات كثيرة جداً لكن استجمعت منها صفة هي أسوء الصفات, وهي أجمع الزلات، وهي مذكورة في حديث النبي ﷺ في الصحيحين كما أورد ذلك المصنف، فعن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، نعوذ بالله من الكبر, فالكبر خلق ذميم مهلكة على صاحبه, وهو أم الكبائر, ومنبع الرذائل، وهو القائد إلى الهلاك, وهو أول ما عصي الله تعالى به، فعندما أمر الله جل في علاه الملائكة أن يسجدوا لآدم تكبر إبليس فلم يسجد لآدم وعصى الله جل في علاه ورد عليه الأمر، كما قال الله تعالى وصور لنا ذلك: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، فالكبر -والعياذ بالله- أقبح الذنوب وأكبرها هلكة على ابن آدم.
والكبر معناه: التعاظم والتجبر, وهو ازدراء الناس وبطر الحق ودفعه وإنكاره, قال النبي ﷺ : (الكبر غمط الناس وبطر الحق)، وبطر الحق هو: رد الحق كبراً وازدراءً والعياذ بالله، وغمط الناس هو: ازدراء الناس واحتقارهم، فهذا معناه لغة واصطلاحاً.
стр. 247
الأسباب المؤدية إلى نمو الكبر في قلب المرء
والكبر -كما ذكرت- أول ذنب عصي به الله جل في علاه، وله أسباب يجب عليك أن تتعرف عليها؛ حتى تنقي قلبك منها؛ فهو أعظم أدواء القلوب، وأسبابه أربعة أدواء، وهي: العجب والرياء والحقد والحسد.
فالعجب: هو الذي يؤدي بصاحبه إلى الكبر والعياذ بالله، فينظر إلى نفسه فيقول: أنا أنا ولا أحد مثلي والعياذ بالله, ويتعاظم في نفسه كما يتعاظم الشيطان في نفسه, فأول درجات الكبر العجب, والعجب مرض قلبي، وهو كبر باطني يظهر بعد ذلك على الجوارح والعياذ بالله، فينظر المعجب بنفسه في الدنيا فلا يرى أحداً مثل نفسه، وهذا يحمله على التكبر على الناس.
والحقد يورث البغضاء والكبر، فالحاقد على غيره لا يمكن أن يقبل منه شيئاً، بل يدفعه ويدفع كل ما جاء به, فالحاقد كالحاسد، والحاسد محترق، فالحقد والحسد يورثان البغض ودفع الحقائق وازدراء الناس, مع أنه في قرارة نفسه يعلم أن هذا المرء يستحق التواضع له، ويستحق الانصياع له ومع ذلك لا يقبل منه لأنه حاسد حاقد.
وآخر هذه الصفات الرياء، فبعضهم يريد أن يري نفسه ومكانه أمام الناس، وأن يسمع الناس بحاله ويرون مكانته، فالمرائي عندما يشار إليه بالبنان ويأتيه الصغير فيعلمه مسألة يجهلها فلا يمكن أن يقبلها منه؛ لأنه يرائي، ولو قبل منه هذا الكلام أمام الناس فإن الناس سيفضلون هذا الرجل عليه, فيخشى أن تنزل مكانته فلا يرضى بالحق ويدفعه, وعلاج هذه الخصلة يسير، فيمكن علاجها بالإخلاص وبمتابعة مراقبة الله جل في علاه, لكن علاج الحقد والعجب والحسد من أصعب ما يكون، ولن يعافى منه إلا من عافاه الله جل في علاه, نسأل الله جل وعلا أن يعافينا من هذا، والذي ينجي الناس من هذه الأدواء هو الدعاء والتذلل في السحر لله جل في علاه أن ينقي قلبك من هذه الأدواء.
стр. 248
أنواع الكبر
إن الكبر أنواع، فمنه الكبر على الله نعوذ بالله من غضبه، وهذا كفر بالله، والكبر على رسول الله والعياذ بالله، والكبر على عباد الله.
فالكبر على الله كفر, والكبر على رسول الله كفر, فالكبر على الله قد يكون كبراً على ربوبية الله جل في علاه، وذلك بعدم الانصياع لله جل وعلا, وعدم الإيمان بربوبية الله جل في علاه, وهذا ما فعله الخبيث فرعون فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ولم يرتضِ بربوبية الله جل في علاه, والأخبث منه النمرود الذي قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، فهذا ينازع الله في ربوبيته والعياذ بالله, فهذا كبر على الله في ربوبيته والعياذ بالله.
والكبر الثاني: الكبر على إلهية الله جل في علاه، وهذا حصل من أهل مكة، فقد تكبروا على إلهية الله جل في علاه, وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، وكان أحدهم يأخذ حفنة من التراب ويضعها على رأسه، ويقول: يكفيني هذا، ولا يسجد لله تذللاً ولا خضوعاً، وهذا كبر على إلهية الله جل في علاه وعلى التعبد والتذلل والخضوع والمسكنة لربهم جل في علاه, وهم مقرون بالربوبية، فالكبر هنا: كبر في الإلهية وكبر على شرع الله، مع أن توحيد الإلهية من لوازم توحيد الربوبية, وإمام هذه الطائفة هو إبليس عندما رد الأمر على ربه جل في علاه حين أمره أن يسجد ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فقال الله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١٣]، ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢].
فهو -والعياذ بالله- يقدح في أمر الله وحكمة الله، ويقول: ليس من الحكمة أن تفضل هذا الذي خلق من طين عليّ، فهذا كبر على أوامر الله وشرعه.
ومن ذلك ما قاله ذاك الخليع الخبيث المفتون المأفون الذي قال: هذه الآية لا بد أن تشطب، يعني قول الله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فأراد أن يشطبها من كتاب الله جل في علاه، ثم تأتي امرأة هذا الرجل وتقول: إنه يقوم الليل ويصوم النهار، فهذا الرجل كافر مرتد عن دين الله جل في علاه؛ لأنه رد الأمر على الله، وقال: لا يصح أن نفضل الرجل على المرأة , فالرجل والمرأة سواء، والله جل وعلا يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] بل إن العقل الرجيح يقبل ذلك, والقاعدة عند العلماء: الغنم بالغرم والخراج بالضمان, فهذا عدل السماء ولكن هؤلاء الأغبياء السفهاء بله لا يفقهون شيئاً، وهم يعاندون دين الله جل وعلا للمعاندة وللشهرة فقط, فيركبون موجة محاربة الإسلام, فهذا أيضاً كفر وكبر على أوامر وشرع الله جل وعلا، وهي من لوازم ربوبية الله.
والكبر على رسول الله يكون برد أوامر رسول الله، وعدم الانصياع لسنة النبي ﷺ ، وضرب سنة النبي ﷺ عرض الحائط والأخذ بقول فقيه, ولله در من قال: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه.
وبعضهم يقول: إن عقله يقدم على النص, فنعرض الأحاديث على عقولنا فإن قبلتها العقول أخذنا بها، وإلا رددناها، ووالله إن الذين يقولون: نعرضها على كتاب الله فما وافق كتاب الله أخذنا به، لهم خير من هؤلاء لأن هؤلاء يعرضون الأحاديث على عقولهم الخربة، وطبعاً الأمثلة في ذلك كثيرة، فقد ردوا حديث الذباب وهو حديث رواه أبو داود بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الجناح الثاني الدواء)، وقال في رواية أخرى أوضح من ذلك: (ويتقي بالذي فيه الداء) يعني: أنه أول ما ينزل فإنه يتقي بالجناح الذي فيه الداء، فأنت لو لم تغمسه فسيقع عليك الضر؛ وبعضهم يقول: كيف نعرف ذلك فلعله نزل بالجناح الذي فيه الدواء؟ فنقول: إن السنة قد جاءت مفسرة لكل شيء, قال النبي ﷺ (وإنه ليتقي بالجناح الذي فيه الداء)، فلا بد أن تغمسه حتى يأخذ الجناح الذي فيه الدواء الداء.
ومع ذلك جاء عالم ألماني كافر وبين لهؤلاء المسلمين الذين يردون دين الله ويردون سنة النبي ﷺ بعد أبحاث كثيرة أن الذباب في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء كما في حديث النبي ﷺ .
ومنهم من رد حديث النبي ﷺ في أنه تزوج عائشة وهي بنت ست سنين ودخل بها وهي بنت تسع، فيقول أحدهم: أنا عندي عقل أفكر به، فلا يمكن أن النبي ﷺ يكون قد تزوجها حتى إن روى ذلك البخاري، وهذا الحديث في البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وهذه الأسانيد كالشمس وهو يردها؛ لأن عقله لم يقبل هذه الأحاديث.
وهناك رجل آخر -وقد مات رحمة الله عليه وغفر زلاته وما من أحد إلا وقد زل والله غفور رحيم, لكن نحن نبين أخطاءه- رد حديث النبي ﷺ : (إن جبريل شق صدر النبي ﷺ وأخرج من قلبه حض الشيطان، وملأه علماً وحكمة)، فيقول: لا لم يشق صدره ولو شقه فإنه سيموت، مع أنه لو قيل له: إن الطبيب الفلاني الماهر أجرى ستين عملية قلب، وسبعين عملية كلى وثلاثين عملية شرايين ونجح فيها، فإنه يصدق بهذا، فهذا الطبيب عنده مهارة وجبريل ﵇ ليس عنده مهارة، أي فقه هذا لهؤلاء القوم؟!! إن جبريل ﵇ مأمور من الله جل في علاه، والله جل في علاه إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون.
فيرد حديث الشق لأن عقله لا يقبله.
وأيضاً رد قول النبي ﷺ : (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، قال: إن البخاري لو رأى تاتشر ما روى هذا الكلام!! فنقول لهذا وأمثاله: سمعنا وأطعنا، ووالله ما علت امرأة عرشاً أبداً إلا وأتت به على دابره، وأتى الله بقومها على دابرهم, فالمرأة ضعيفة ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، فمن الأبله السفيه الذي يجعل زمام أمره في يد امرأة؟ فالمرأة إذا جاعت فإنها تبكي كالأطفال، وإذا رأت قتالاً ذهب الوعي عنها، فهي لا تستطيع شيئاً، وما عندها إلا المكياج وحلاوة نفسها وجمال زينتها، وإن كنا لا نقدح في عقلها ولا في أمومتها ولا في مكانتها، لكن لا يمكن أن تصدر امرأة عليك أبداً، ووالله ليس من الرجولة ولا من الشهامة ولا من المروءة ولا من الشرع أولاً أن تقدم المرأة عليك.
وبعض أصحاب الفضائيات يقول: إن المرأة كانت محدثة، فمن أين أخذتم العلم أليس من عائشة ﵂ وأرضاها؟ قلنا: نعم، قد تكون المرأة محدثة وقد تكون حافظة وصاحبة أسانيد، بل كان ابن حجر رحمة الله عليه يجلس في مجلس الإملاء ثم بعد ذلك يأتي بامرأته من خلف الستار تملي على طلبة العلم, وهناك نساء كثيرات كن يحفظن علم رسول ﷺ , لكن أن تقول: إن المرأة تتولى أمر الرجال، وتتولى القضاء فهذا غير صحيح، وجمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم يقولون: إنه لا يجوز بحال من الأحوال أن تتقلد المرأة القضاء, وذهب الطبري أو ابن حزم إلى أنه يجوز للمرأة أن تتولى القضاء، واستدل بتحديث عائشة وغيرها.
ونحن نقول: إن الأدلة قاطعة باهرة للعقول في عدم جواز ذلك لقول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، وقول النبي ﷺ : (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وأتوني بقاضية على مر العصور وكر الدهور في الخلافة الإسلامية، أو حتى في أيام الخلافة عندما وهنت وضعفت، فلابد للإنسان أن يقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول على مراد رسول الله.
الكبر الثالث: الكبر على عباد الله، وهذا أخس لأنه ليس بكفر لكنه نذير شؤم وهو يؤذن بهلكة المتكبر؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، وقال رسول الله ﷺ : (تخاصمت الجنة والنار، فقالت النار: ما لي يدخلني المتجبرون والمتكبرون)، فأصحاب النار هم المتكبرون.
وكتب الله الذل في الدنيا والآخرة على كل متكبر، فأما في الدنيا: فإن الله لا يمكن أن يرفع رجلاً تكبر ونازعه في ربوبيته، فالله يضرب عليه الذل والصغار في الدنيا قبل الآخرة, وفي الآخرة يفضحه على رءوس الخلائق كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (يحشر المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذر على صورة رجال يغشاهم الذل من كل مكان) نعوذ بالله من التكبر.
وقد رأى ابن عمر ﵁ وأرضاه رجلاً يمشي متبختراً فقال: إن هذا من إخوان الشياطين؛ لأن الشيطان هو الذي يمشي في الأرض مرحاً.
وعقاب المتكبر العذاب الأليم، والله جل وعلا لا يحب المتكبرين فكفى بهذه مذمة، وكفى بها عقوبة.
والمتكبر ينازع الله في ربوبيته, فكيف يفعل الله جل وعلا فيمن ينازعه في ربوبيته؟ جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله تعالى: (الكبر ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في النار) , وأيضاً في المسند عن النبي ﷺ أنه
стр. 249
شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - فوائد أحاديث الشفاعة [١]
استنبط أهل العلم من حديث الشفاعة فوائد عظيمة، وما ذلك إلا لأن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم، فقد ثبت في هذا الحديث صفة الغضب لله ، كما ظهرت فيه مكانة النبي ﷺ بين الرسل، وأن هؤلاء الرسل بشر قد يقعون في بعض الصغائر ويستغفرون الله منها، إلى غير ذلك من الفوائد المذكورة في كتب أهل العلم.
стр. 250
من فوائد أحاديث الشفاعة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما زلنا مع هذا الكتاب الجليل العظيم كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لإمام الأئمة ابن خزيمة وما زال الحديث عن مسألة الشفاعة.
فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (أتي النبي ﷺ بلحم، فدفع إليه الذراع -وكان يعجبه- فنهش منه نهشة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم ﵊، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كلماته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى ﵊ فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك برسالاته وبتكليمه على الناس، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟، فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى بن مريم، فيأتون عيسى بن مريم فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟).
следующие страницы →