← Акыда

Акыда · id 37717

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة

ناصر العقل

Полный текст (413 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مسألة الرؤية بين المثبتة والنفاة السؤال إن من أنكر الرؤية فهو كافر، فهل يدخل في ذلك المؤولة الذين قصدوا من ذلك تنزيه الرب تعالى، مثل بعض الأشاعرة؟ الجواب الأشاعرة لم ينكروا الرؤية، ولا أعرف من الأشاعرة من أنكر الرؤية أبداً، لكنهم أثبتوها إثباتاً فيه نوع البدعة، قالوا: يرى إلى غير جهة، فهم يعتقدون الرؤية، ولذا فلا أعرف في الرؤية مؤولة، الرؤية ليس فيها إلا مثبتة ونافية، لكن بعض المثبتة عندهم نوع من الابتداع في إثبات الرؤية، وهو إثبات الرؤية بلا جهة، هروباً من إثبات العلو الذاتي والاستواء والفوقية، وهروباً من إثبات الصفات الفعلية والذاتية.

стр. 107

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١٣] التوسل من الألفاظ المجملة التي تحمل معاني حقة ومعاني باطلة، فالوسيلة الحقة المشروعة التي جاءت النصوص بها هي التقرب إلى الله تعالى بالواجبات والمستحبات، أو التوسل بالنبي في حياته بدعائه وشفاعته، أما التوسل به بعد مماته والإقسام بالله تعالى عليه فهذا ممنوع وباطل.

стр. 108

معاني الوسيلة وأحكامها قبل أن نقرأ هذا الفصل أحب أن أشير إلى بعض القضايا المهمة فيه تسهيلاً لفقراته؛ وذلك أنه يعد خلاصة لما سبق في موضوع التوسل والوسيلة، ومقدمة لما سيأتي، أي أن الشيخ أتى بما سبق كله كتقعيد للتفصيل، هذا التقعيد ملخصه هذه الصفحات التالية، والتي تتعلق بالتمييز بين المشروع والممنوع من التوسل، والفرق بين عبادة الله بما شرع، وعبادة الله بما لم يشرع، أي: التوجه للمخلوقين، وذكر أنواع الوسيلة المشروع منها والممنوع للتفصيل فيها مستقبلاً في بقية الكتاب؛ لأن كل دروسنا هذه في كتاب التوسل والوسيلة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل: إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ الوسيلة]. قوله: (إذا عرف هذا)، الإشارة إلى الفرق بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع، فقد عرف على جهة الإجمال، ثم هذه خلاصة وزبدة لما سبق سيذكرها الشيخ. قال ﵀: [إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه، ويعطى كل ذي حق حقه، فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه، وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك. ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه، فإن كثيراً من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها، حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب].

стр. 109

المعنى الأول للوسيلة بدأ الشيخ يذكر معاني لفظ الوسيلة، وهذا هو المعنى الأول لها، وسيأتي قوله: (الثاني:) إشارة إلى هذا المعنى أن هذا هو الأول. قال رحمه الله تعالى: [فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧]. فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب إليه من الواجبات والمستحبات]. هذا هو المعنى الأول، وهو المعنى الشرعي السليم للوسيلة، وهي ما كان المقصود بها التقرب إلى الله ، بعبادته بما شرع هو وشرع رسوله ﷺ ، وقد عرفها الشيخ بقوله: (هي ما تقرب إليه من الواجبات والمستحبات)، وهذا هو المعنى الأول للوسيلة، وهو المعنى العام الشامل، والمعنى الشرعي الدقيق الصحيح السليم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك، سواء كان محرماً أو مكروهاً أو مباحاً، فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول ﷺ فأمر به أمر إيجاب أو استحباب، وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول ﵊. فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه؛ باتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك]. حينما عرف التوسل بأنه التقرب إلى الله بعبادته بما شرع وشرع رسوله ﷺ ؛ ذكر أن شرط ذلك هو اتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، وإلا فقد يدعي أي إنسان أنه يتقرب إلى الله في عبادته، لكن نقول: لا، التقرب إلى الله والوسيلة المشروعة لا يكونان إلا بالتقرب إلى الله بما شرعه رسوله ﷺ ؛ لأن هذا بأمر الله.

стр. 110

المعنى الثاني للوسيلة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والثاني: لفظ الوسيلة]. هذا هو المعنى الثاني للوسيلة. قال رحمه الله تعالى: [والثاني: لفظ الوسيلة في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ : (سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة). وقوله: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، حلت له الشفاعة). فهذه الوسيلة للنبي ﷺ خاصة، وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله، وهو يرجو أن يكون ذلك العبد، وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول، وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فلما دعوا للنبي ﷺ استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء، كما قال: إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً]. إذاً: هذا هو المعنى الثاني للوسيلة، وهو أن المقصود به المقام المحمود الذي سيكون للنبي ﷺ يوم القيامة، فليس لنا أن نطلب هذه الوسيلة، ولا أن نتطلع إليها؛ لأنها خاصة بالرسول ﷺ فندعو بأن تتحقق له، وقد وعد الله بهذا، فهذا هو النوع الثاني الشرعي للوسيلة، لكن هذه المسألة لا دخل للعباد بها، فليست من أمور العبادة التي يمكن أن نتخذها طريقة لعبادة الله ، فغاية ما يكون منا هو الدعاء للرسول ﷺ بها، كالصلاة عليه.

стр. 111

المعنى الثالث للوسيلة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته]. هذا هو المعنى الثالث، فقد ذكر المعنى الأول: وهو عبادة الله بما شرع وشرعه الرسول ﷺ ، والمعنى الثاني: وهو الوسيلة الخاصة بالنبي ﷺ ، وهذه لا نسعى إليها ولا نبحث عنها، إنما نؤمن بها ونرجو أن يحققها الله لرسوله ﷺ كما وعد. النوع الثالث، استعمال التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة وهو حي، كما قال الأعمى، وكما ورد في أكثر من قصة، فإن الصحابة توسلوا بالنبي ﷺ وهو حي، أي: توسلوا إلى الله أن يقبل دعاءه، أو طلبوا منه أن يدعو لهم، وهذه الصور موجودة قد تجتمع عند الصحابة، فيتوسل أحدهم بالنبي ﷺ ، يعني: يطلب منه أن يدعو الله له، ويتوسل بالنبي ﷺ بمعنى يطلب من الله أن يقبل دعاء النبي ﷺ له. أما لفظ: (إنك لا تخلف الميعاد) بعد دعاء الوسيلة عقب الأذان فالذي أعرف أن العبارة ضعيفة، لكن يبدو لي أن الأمر واسع في مثل هذه العبارات التي ليس فيها زيادة معنى يتعلق بالأحكام، إنما هي تمجيد لله ، فباب التمجيد والتعظيم لله مفتوح، مثل أن نراوح بين أن نقول: الله ، أو نقول: الله سبحانه، أو نقول: الله جل وعز، أو نقول: الله تعالى، فأقول: (إنك لا تخلف الميعاد) كلمة حق، ليس فيها معنى زائد أكثر من أن تكون تمجيداً لله ، وزيادة إيمان ويقين، ولو كانت تحمل معنى آخر جديداً، لقلنا: تترك مادام الحديث فيها ضعيفاً. بقي: ما هو الأولى؟ الأولى تركها؛ لوجود دعاء ثابت في وقت مخصوص على هيئة مخصوصة بمناسبة مخصوصة لكن من قالها لا ننكر عليه، هذا الذي يظهر لي، والله أعلم. وقد سمعت أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ حسن هذه الزيادة.

стр. 112

المعنى الرابع للوسيلة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح]. هذا المعنى الرابع للتوسل، وهو المعنى الباطل الذي لا يصح، وهو التوسل بالنبي ﷺ في عرف كثير من المتأخرين، ويراد به الإقسام على الله به، أو السؤال به، فيقول: اللهم إني أسألك بحق نبيك أو أسألك بنبيك، كما يفعل أهل البدع، فبعضهم يقول: (بنبيك) يعني: أقسم، وإذا قال: إني أسألك بنبيك فهو يقصد السؤال به، لكن أحياناً يقسم، فيقول: بنبيك يا ربي أن تفعل لي كذا، بحق نبيك أن تنصرني، بحق نبيك أن تحقق لي كذا، فهذا إقسام وذاك سؤال، فالمعنيان من التوسل الممنوع وهو النوع الرابع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين، ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة]. هنا أخرج الوسيلة التي هي المقام المحمود، ومما يجب أن نفرق بين لفظ التوسل والوسيلة، فالوسيلة خمسة أنواع، أما التوسل فهو هذه الأنواع الثلاثة.

стр. 113

حكم التوسل إلى الله تعالى قال رحمه الله تعالى: [فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء، فأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته، والثاني: دعاؤه وشفاعته كما تقدم، فهذان جائزان بإجماع المسلمين. ومن هذا قول عمر بن الخطاب ﵁: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، أي: بدعائه وشفاعته. وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] أي: القربة إليه بطاعته، وطاعة رسوله طاعته، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين. وأما التوسل بدعائه وشفاعته كما قال عمر، فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس]. يعني: بعد وفاته ﷺ ، أما في حياة النبي ﷺ فقد كانوا يتوسلون به، لكن على المعنى الصحيح المفسر الذي فسرته أفعالهم وأقوالهم، لئلا يأتي مبطل ويقول: مادمتم أقررتم بأنهم يتوسلون بالنبي ﷺ فهذا يعني أنهم قصدوا التوسل به، بمعنى دعائه من دون الله، أو الإقسام به على الله، أو السؤال به! وهذا لم يحدث من الصحابة، إنما حدث منهم أنهم طلبوا منه أن يدعو لهم، وطلبوا من الله أن يستجيب دعاءه لهم، وبعد مماته عدلوا عن ذلك، مع أن الرسول ﷺ قريب في قبره، فلو كان دعاؤه بعد مماته مشروعاً لكان أسهل لهم من أن يبحثوا عن العباس وغير العباس وأقرب، فقد كان النبي ﷺ مدفوناً بجوار المسجد في حجرة عائشة، فما كانوا بحاجة إلى أن يبحثوا عن غيره لو كان عندهم هذا مشروعاً. والصورة الصحيحة للتوسل لا تتحقق بعد ممات النبي ﷺ أصلاً؛ لأنه إذا كان المقصود الشرعي بالتوسل به ﷺ طلب دعائه، فلا يمكن أن يطلب دعاؤه بعد مماته! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بـ العباس، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بـ العباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائماً. فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان:]. لاحظوا أنه الآن جاء بخلاصة الكلام، فأخرج الوسيلة التي هي المقام المحمود؛ لأنها لا تدخل في معاني التوسل؛ لأن الوسيلة ليست طلب من النبي ﷺ ولا من غير النبي ﷺ ، إنما هي منزلة للنبي ﷺ أكرمه الله بها يوم القيامة، فليست من نوع الطلب للعبادة، فهنا الشيخ ركز على التوسل الذي هو فعل العباد. وسيذكر ثلاثة معان للتوسل.

стр. 114

حكم الإقسام على الله بخلقه قال رحمه الله تعالى: [أحدها: التوسل بطاعته فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به. والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته، ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته. والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عمن ليس قوله حجة، كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. وهذا هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز، ونهوا عنه حيث قالوا: لا يسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك. قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة. قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك، وهو قول أبي يوسف، قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشك، هو الله فلا أكره هذا، وأكره أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام]. يكثر السؤال عن معقد العز، فيظهر لي أنه ليس هناك تفسير يتفق عليه في معقد العز، لكن يظهر من خلال تفسير أبي يوسف هنا، أنه فسر معقد العز من العرش الله الذي هو مقام الله الذي لا يعلم له كفيفة، ولا نعرف منه إلا أنه على العرش استوى. فربما سمي مقام الله وجلاله معقد العز؛ لأن العرش عرش الله، ومع ذلك فهذه العبارة تبقى غامضة مجملة ليس لها مفهوم، ولا أظنها صدرت عن أهل علم وفقه، إنما صارت أسلوباً لدعاء بعض العباد أو بعض الصالحين الذين قصدوا بها معنى لا يزال غامضاً، إلا إذا وجد لها تفسير، أما أنا فما وجدت لها تفسيراً، فإذا وجد لها تفسير عن أئمة الدين أوضح من هذا فلا بأس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز وفاقاً. وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا يسأل بمخلوق له معنيان: أحدهما: هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق، فلأن يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأحرى. وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته: كالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والشمس وضحاها، والنازعات غرقاً والصافات صفاً. فإن إقسامه بمخلوقاته يتضمن من ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته ما يحسن معه إقسامه، بخلاف المخلوق، فإن إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها كما في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك) وقد صححه الترمذي وغيره، وفي لفظ: (فقد كفر) وقد صححه الحاكم. وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) وقال: (لا تحلفوا بآبائكم فإن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، وفي الصحيحين عنه أنه قال: (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله). وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة أو بما يعتقد هو حرمته كالعرش والكرسي والكعبة والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي ﷺ والملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين وترب الأنبياء والصالحين وأيمان البندق وسراويل الفتوة وغير ذلك لا ينعقد يمينه، ولا كفارة في الحلف بذلك. والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد حكي إجماع الصحابة على ذلك، وقيل: هي مكروهة كراهة تنزيه. والأول أصح، حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ﵃: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقاً؛ وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب، وإنما يعرف النزاع في الحلف بالأنبياء، فعن أحمد في الحلف بالنبي ﷺ روايتان: إحداهما: لا ينعقد اليمين به كقول الجمهور؛ مالك وأبي حنيفة والشافعي. والثانية: ينعقد اليمين به، واختار ذلك طائفة من أصحابه كـ القاضي وأتباعه، وابن المنذر وافق هؤلاء، وقصر أكثر هؤلاء النزاع في ذلك على النبي ﷺ خاصة، وعدى ابن عقيل هذا الحكم إلى سائر الأنبياء، وإيجا

стр. 115

الأسئلة

стр. 116

معنى أيمان البندق السؤال ما معنى أيمان البندق في كلام شيخ الإسلام؟ الجواب أيمان البندق يظهر لي والله أعلم، أنا راجعت حقيقة كتب اللغة ووجدت أنها أحياناً تطلق، طبعاً البندق يطلق على أمرين: الأول البندق الذي هو الشجر ذا الثمرة الطيبة التي تؤكل ضمن المكسرات والبقول، والثاني: كل ما يرمى به، فيبدو لي أنه يقصد ما يرمى به في أمور الحرب والسلاح؛ لأنه ذكر بعدها ما يناسب هذا وهو الفتوة، فكأنه يقصد اصطلاحاً في وقته يتعلق بنوع من أنواع القوة والرماية. والله أعلم.

стр. 117

سؤال عن أحد المشهورين السؤال هذا سؤال عن أحد المشهورين بالفتوى وله منهج في الدعوة، ربما يكون أيضاً له أثر بالغ الآن عبر الفضائيات وغيرها، وأظنه من رءوس الإخوان المسلمين أيضاً، فالسؤال من حيث التفافهم حوله وتنويه عن فتاواه وغير ذلك؟ الجواب هذا الرجل كغيره تقاس أعماله بالكتاب والسنة، وقد يكون له اجتهاد صائب في بعض الأمور، لكن من الناحية المنهجية أرى أن منهجه ليس على منهج السلف، فهو في الاعتقاد على منهج المتكلمين، وفي النظر لقضايا الدعوة وقضايا الأمة أرى أنه ينحى منحى يختلف عن منحى المشايخ الراسخين في العلم المقتدين بمنهج السلف.

стр. 118

سبب اختيار عمر للعباس في التوسل السؤال ما الحكمة من اختيار عمر ﵁ للعباس؟ الجواب يظهر لي والله أعلم أن ذلك لقرابته من رسول الله ﷺ ، فهو عم رسول الله، ولكبر سنه، ولما له من الفضل والقدر، ولا يمنع أن يكون لصلاحه ولقرابته، كل هذا وارد.

стр. 119

من التوسل برسول الله في حياته طلب الدعاء منه السؤال المعنى الثالث من معاني الوسيلة، وهو التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة، هل ينطبق على هذا كلام الصحابي أو ما فعله الصحابي الجليل عكاشة عند طلبه من النبي ﷺ أن يدعو له؟ الجواب نعم، هذا من أوضح الأمثلة على التوسل بالنبي ﷺ في حياته.

стр. 120

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١٤] الأصل في الإقسام على الله تعالى أنه لا يجوز؛ لما فيه من الجرأة وسوء الأدب مع الله تعالى، ولكنه يكون في حالات معينة وأوقات محدودة، ومن أشخاص معينين تتوفر فيهم خصال العبادة والولاية لله تعالى، والدعاء، أما الدعاء العام فلا يشترط لصيغه أن تكون توقيفية، بل ما وافقت ألفاظه الشريعة ويتضمن مدلولات صحيحة فهو جائز ولا حرج فيه.

стр. 121

متى يكون السؤال بالمخلوق قسماً ومتى يكون غير قسم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وأما السؤال بالمخلوق إذا كانت فيه باء السبب ليست باء القسم -وبينهما فرق- فإن النبي ﷺ أمر بإبرار القسم. وثبت عنه في الصحيحين أنه قال: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)، قال ذلك لما قال أنس بن النضر: (تكسر ثنية الربيع؟ قال: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر سنها، فقال: يا أنس! كتاب الله القصاص، فرضي القوم وعفوا، فقال ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره). وقال: (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره)، رواه مسلم وغيره. وقال: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعِّف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر)، وهذا في الصحيحين، وكذلك حديث أنس بن النضر، والآخر من أفراد مسلم]. سيأتي أمثلة على ما قال الشيخ فيما بعد، لكن ربما يطول الفاصل؛ فنوضح بعض كلام الشيخ. قوله: (وأما السؤال بالمخلوق إذا كانت فيه باء السبب ليست باء القسم -وبينهما فرق- فإن النبي ﷺ أمر بإبرار القسم. وثبت عنه ﷺ أنه قال) يقصد به أن بعض العبارات التي فيها تأكيد لا تعتبر قسماً، مثل أن تقول: أسألك بحق فلان، لكنها نوع من أنواع التأكيد. فعلى هذا فإن بعض أهل العلم يرى -وهذا هو الراجح وهو رأي الجمهور- أن السؤال بحق كذا أو بكذا لا يعد قسماً، لكنه مع ذلك تحكمه القاعدة في أن منه ما هو ممنوع ومنه ما هو مشروع، فإذا كان السؤال بالشيء مما هو حق، كأن تقول وأنت تدعو الله: اللهم إني أسألك بحق صلاتي، أو بحق المصلين، أو بحق ممشاي هذا؛ فهذا ليس قسماً على الله، فهذا جائز؛ لأنك سألت بحق مشروع شرعه الله ، وهو التوسل بالأعمال الصالحة، وقولك: اللهم إني أسألك بحق السائلين: حق السائلين حق كتبه الله على نفسه، فالباء هنا في الراجح ليست باء قسم، إنما هي باب السبب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روي في قوله: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) أنه قال: (منهم البراء بن مالك). وكان البراء إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار يقولون: يا براء أقسم على ربك! فيقسم على الله؛ فينهزم الكفار، فلما كانوا على قنطرة بالسوس قالوا: يا براء أقسم على ربك! فقال: يا رب! أقسمت عليك لما منحتنا أكتفاهم وجعلتني أول شهيد؛ فأبر الله قسمه، فانهزم العدو واستشهد البراء بن مالك يومئذ. وهذا هو أخو أنس بن مالك قتل مائة رجل مبارزة غير من شرك في دمه، وحُمِل يوم مسيلمة على ترس ورُمي به إلى الحديقة حتى فتح الباب. والإقسام به على الغير أن يحلف المقسم على غيره ليفعلن كذا، فإن حنثه ولم يبر قسمه؛ فالكفارة على الحالف لا على المحلوف عليه عند عامة الفقهاء، كما لو حلف على عبده أو ولده أو صديقه ليفعلن شيئاً ولم يفعله؛ فالكفارة على الحالف الحانث]. الأصل أن الكفارة على الحالف إذا حنث؛ لأنه هو الذي عقد اليمين وانعقدت الكفارة في ذمته، حتى لو أن المحلوف عليه هو الذي تسبب، والغالب أنه إذا كان هناك حالف ومحلوف عليه أن وجود الحنث في اليمين يكون بسبب المحلوف عليه، لكن لا تلزمه الكفارة، إلا أن يتطوع أحد بالكفارة عمن حلف، فهذا لا حرج فيه. إذا وجدت أحداً عليه يمين ووجدته معسراً؛ فلا حرج أن تتصدق له بصدقة يكفر بها عن يمينه، لكنها في ذمته لا ينوب عنه أحد أصلاً، ولا تكون على غيره من حيث الذمة، فكفارة اليمين لاصقة بذمة الحالف.

стр. 122

حكم قول: (سألتك بالله أن تفعل) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما قوله: (سألتك بالله أن تفعل كذا) فهذا سؤال وليس بقسم، وفي الحديث: (من سألكم بالله فأعطوه)، ولا كفارة على هذا إذا لم يجب سؤاله. والخلق كلهم يسألون الله مؤمنهم وكافرهم، وقد يجيب الله دعاء الكفار؛ فإن الكفار يسألون الله الرزق فيرزقهم ويسقيهم، وإذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه، فلما نجاهم إلى البر أعرضوا وكان الإنسان كفوراً. وأما الذين يقسمون على الله فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون].

стр. 123

من هم الذين يقسمون على الله الأصل أن الإقسام على الله سوء أدب معه ؛ لأنه جرأة من العبد على ربه لا تليق في كل مقام، لكنها قد تحدث في مواقف مخصوصة أو لأناس مخصوصين، من هم هؤلاء المخصوصون؟ هم ناس من عباد الله آتاهم الله خصالاً وخصائص في العبادة والورع وسلامة القلب، ترتقي ثقتهم بالله إلى درجة أنهم يقسمون على الله، وهذه غالباً تكون من أناس فيهم طيبة قلب مع الاستقامة والعبادة، فقد لا يستشعرون معنى كون الإقسام على الله لا يليق، فقوة ثقتهم بالله واستقامتهم على دينه، وقوة وتوكلهم عليه سبحانه ويقينهم به وإحسانهم في العبادة، تجعلهم يقسمون على الله من باب الثقة المطلقة بالله ، والذهول عن أن الإقسام على الله فيه جرأة لا تليق بالمسلم. ولذلك أكثر ما يكون الإقسام من بعض العوام أو بعض البسطاء الذين فيهم عبادة وصلاح واستقامة، وتتوفر فيهم خصال العبادة والولاية لله . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الذين يقسمون على الله فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون، فالسؤال كقول السائل لله: أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام].

стр. 124

حكم سؤال الله بأسمائه وصفاته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك. فهذا سؤال الله تعالى بأسمائه وصفاته، وليس ذلك إقساماً عليه، فإن أفعاله هي مقتضى أسمائه وصفاته، فمغفرته ورحمته من مقتضى اسمه الغفور الرحيم، وعفوه من مقتضى اسمه العفو؛ ولهذا لما قالت عائشة للنبي ﷺ : (إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني). وهدايته ودلالته من مقتضى اسمه الهادي، وفي الأثر المنقول عن أحمد بن حنبل أنه أمر رجلاً أن يقول: يا دليل الحيارى! دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين].

стр. 125

صيغ الدعاء ليست توقيفية في هذا دلالة على أن صيغ الأدعية ليست توقيفية، لكن أفضل الأدعية ما ورد في كتاب الله ، ثم ما ورد عن رسول الله ﷺ ، وما يرد على ألسنة أصحاب الحاجات والمضطرين المكروبين من أدعية تناسب أحوالهم جائزة، بل أحياناً تكون أقرب لبعض الناس من الأدعية المأثورة؛ لأن بعض الأدعية المأثورة لا يفهمها كل الناس، فمثل العامي لا نحجر عليه بأن يدعو بالدعاء الذي يتيسر على لسانه، والذي هو أقرب لمواطأة القلب، وأقرب لاستشعار الداعي بقرب الفرج من الله ، واستشعاره لربه، وإحسانه على مبدأ أصل الإحسان الذي وصفه النبي ﷺ : (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فالإنسان الذي يجد في نفسه ميلاً إلى أن يدعو الله في بعض المواقع وفي بعض المواطن عند بعض الضرورات بما يتيسر على لسانه من ألفاظ تناسب حاله فلا حرج عليه. ولذا أثر عن بعض السلف أدعية تناسب أحوالهم كانت سبب الفرج، فهذا قد يكون نسي الدعاء المأثور، وإلا فلا شك أن الدعاء المأثور أجمع وأعظم وأقرب إلى أحوال العباد، لكن مع ذلك لا يستشعرها كل الناس، إما أن يكون ما استشعر الدعاء المأثور، أو أن الدعاء المأثور غير مفهوم له. الأمر الآخر: أن الأدعية الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على نوعين: منها مطلق، ومنها مقيد. فالأدعية المطلقة الأمر فيها يسير. والأدعية المقيدة -يعني: المفروضة والمسنونة- لا محيد عن أن يعمل بها الإنسان، فالأدعية التي هي من واجبات الصلاة، أو الأدعية التي هي من مفاتيح العبادات مثل التلبية بالحج، لا شك أنها توقيفية في أصلها، بمعنى أنه ينبغي أن نتعبد الله بها في مواضعها. فالأدعية المخصوصة في العبادة نلتزم فيها ما ورد فيها في الشرع إذا كانت واجبة أو مفروضة، أو كانت مستحبة أو مسنونة؛ فالواجب يجب استعماله، والمسنون أولى من غيره، لكن هناك أنواع أخرى من الأدعية مطلقة، ليست مقيدة، بأحوال ولا بأوقات، فهذه الأمر فيها أسهل، ومع ذلك يبقى الأصل أن الأدعية المأثورة أفضل، وأقرب لإجابة الدعاء؛ لأنها صادرة عن الرسول ﷺ الذي هو أعلم بما يناسب أحوال العباد مما علمه الله، ولأنه أوتي جوامع الكلم ﷺ ، لكن لا يلزم التزامها في كل حال، إلا ما لزم منها شرعاً. إذاً فباب الدعاء مطلق، أقول هذا لأنه تكثر الأسئلة في هذا الباب، حتى أن بعض الناس يستوحش وينكر بعض الأدعية التي لم يسمع بها، أو لم ترد في كتب السنة، فأقول: لا حرج في ذلك ما دامت بألفاظ صحيحة صريحة بينة، أما إذا كانت بألفاظ بدعية فلا شك أنها بدع، أو إذا كانت بألفاظ مجملة، فالألفاظ المجملة تحتمل حقاً وباطلاً؛ فالأولى أن تجتنب، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 126

الأسئلة

стр. 127

قياس العمليات الاستشهادية في فلسطين على ما قام به المسلمون في اليمامة من رمي البراء نفسه السؤال هل يستدل بقصة البراء بن مالك حينما حمل يوم مسيلمة على ترس ورمي به إلى الحديقة حتى فتح الباب على ما يحدث في فلسطين وغيرها من تفجير السيارة التي هو فيها على العدو؟ الجواب سبحان الله! فرق بين الصورتين، قصة البراء ﵁ تحفها أصول شرعية: أولاً: في معركة قائمة لها قائد تحت ولاية تحت خليفة من الخلفاء الراشدين، وقائد من قواد المسلمين، معركة معلنة بين قوة وقوة، بين المسلمين والكفار، تحت راية جهاد حقيقية ليست عمية، يعرف وجهها ويعرف هدفها وغايتها. أما ما يحدث في فلسطين وغيرها فإن الإنسان ينتحر ويفجر نفسه دون قيادة، ودون أن يكون الجهاد معلناً؛ فهذا نوع من التهور مهما كان مبرره، فهو تهور على أي حال، وهو إلقاء بالنفس إلى التهلكة. وهذه الصورة غير جائزة أن الإنسان يقوم بمثل هذا العمل الانتحاري بلا راية معلنة وبلا جهاد معلن، فهذا انتحار وقتل للنفس، وقتل للأبرياء لا يجوز، حتى لو كانوا بغير حرب معلنة، وإذا لم يكن تحت راية شرعية ظاهرة؛ فإنه لا يجوز، ولو كان قتل كافراً، الكافر إذا كان يعيش في سلم، ولو في بلاد المسلمين، فلا يجوز إتلاف حياته بهذه الصورة، وإلا لو قلنا هذا لوقعت فتن لا يعلمها إلا الله ، ولو فتح هذا الباب وقع الهرج والمرج الذي ينتهي إلى ما يعنت المسلمين ويوقعهم في أشد الفتن والحرج. فأقول: فرق بين الصورتين ولا قياس، ولا أعرف في عهود السلف أنه في مثل الظروف التي وقع فيها الفلسطينيون يستعمل المسلم مثل هذه الأساليب. فقد وقع المسلمون تحت حكم الصليبيين قريباً من مائة سنة في فلسطين نفسها، وما عملوا هذه الأعمال الانتحارية، حتى قامت راية جهاد تحت ولاية صلاح الدين الأيوبي فقاموا معه. وكانوا قبل ذلك أقدر منا على العمليات الانتحارية وما عملوها. والباطنية حكمت جزيرة العرب ومصر وبلاد المغرب عشرات السنين، ومع ذلك ما لجأ أحد إلى هذه العمليات مع هؤلاء الباطنية الكفار الذين عبثوا بدين المسلمين وأعراضهم، ولا أعرف أن عالماً من العلماء أجاز للمسلمين أن يفعلوا مثل هذا الفعل. فهؤلاء يشتغلون بغير فقه، ومفتوهم ليسوا فقهاء ولا من الراسخين في العلم، وإن وجدت بعض الفتاوى في هذا فهي خاطئة، وما هي إلا لإيقاع الفتنة ووقوع هؤلاء المساكين في مثل هذه التصرفات العاطفية التي لا أصل لها، بل هي داخلة في الراية العمية التي صاحبها مقتول في سبيل الجاهلية. هذا ما يظهر لي، والله أعلم.

стр. 128

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١٥] ألفاظ الدعاء الواردة في الكتاب والسنة جامعة لمعاني الكمال، فإذا دعا العبد ربه بأسمائه وصفاته أو أفعاله أو بالإيمان بالله ، فإن ذلك كله سبب لإجابة وإعطاء من سأله به جل وعلا؛ لأن الله يحب الإحسان إلى الخلق سيما إذا كان الدعاء لكف ظلم أو قضاء حاجة، فإن هذا من حقه على السائلين أن يجيبهم وعلى العابدين أن يثيبهم.

стр. 129

علاقة السبب بإجابة السؤال

стр. 130

أفعال الله من مقتضى الربوبية قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وجميع ما يفعل الله بعبده من الخير من مقتضى اسمه الرب، ولهذا يقال في الدعاء: يا رب! يا رب! كما قال آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. وقال نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧]. وقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]. وكذلك سائر الأنبياء. وقد كره مالك وابن أبي عمران من أصحاب أبي حنيفة وغيرهما أن يقول الداعي: يا سيدي يا سيدي، وقالوا: قل كما قالت الأنبياء: رب رب! واسمه الحي القيوم يجمع أصل معاني الأسماء والصفات، كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع؛ ولهذا كان النبي ﷺ يقوله إذا اجتهد في الدعاء]. الرب من الألفاظ الجامعة في أسماء الله وصفاته، ولذلك يكثر الدعاء بها، وسبق أن ذكرت أن هذا فيه رد على الذين يزعمون أنه يمكن استخراج أسماء لله وصفات لم ترد في الكتاب والسنة؛ لأن ما ورد في الكتاب والسنة ألفاظ جامعة لمعاني الكمال الذي يمكن أن يتخيله بشر، أو يرد على ذهن بشر، أو على لسانه بأي لغة؛ فإن أسماء الله الواردة في الكتاب والسنة قد تضمنته وزيادة، من ذلك لفظ الجلالة: الله، ومن ذلك الرب، ومن ذلك الحي القيوم، ومن ذلك العلي العظيم، ومن ذلك العزيز الحكيم. فهذا فيه دلالة على أنه لا يجوز استحداث أسماء الله من خارج الكتاب والسنة، ولا الصفات، أما الأفعال فبابها واسع؛ لأن الأفعال وصف لآثار الله في خلقه، وهذا مما لا يتناهى.

стр. 131

السؤال بالسبب يكون بما يقتضي وجود المسئول قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا سئل المسئول بشيء -والباء للسبب- سئل بسبب يقتضي وجود المسئول، فإذا قال: أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض، كان كونه محموداً مناناً بديع السموات والأرض يقتضي أن يمن على عبده السائل، وكونه محموداً هو يوجب أن يفعل ما يُحمد عليه، وحمد العبد له سبب إجابة دعائه؛ ولهذا أمر المصلي أن يقول: (سمع الله لمن حمده)، أي: استجاب الله دعاء من حمده، فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول، كقوله ﷺ : (أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع)، أي: لا يستجاب. ومنه قول الخليل ﵇ في آخر دعائه: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧]، وقوله: ﴿وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة:٤١]، أي: يقبلون الكذب، ويقبلون من قوم آخرين لم يأتوك؛ ولهذا أمر المصلي أن يدعو بعد حمد الله بعد التشهد المتضمن الثناء على الله سبحانه. وقال النبي ﷺ لمن رآه يصلي ويدعو ولم يحمد ربه ولم يصل على نبيه فقال: (عجل هذا، ثم دعاه فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبي ﷺ ، وليدع بعد بما شاء)، أخرجه أبو داود والترمذي وصححه. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (كنت أصلي والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله، ثم بالصلاة على نبيه، ثم دعوت لنفسي؛ فقال النبي ﷺ : سل تعطه)، رواه الترمذي وحسنه. فلفظ السمع يراد به إدراك الصوت، ويراد به معرفة المعنى مع ذلك، ويراد به القبول والاستجابة مع الفهم، قال تعالى: ((وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ))، ثم قال: ((وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ)) على هذه الحال التي هم عليها لم يقبلوا الحق، ثم ﴿لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣]. فذمهم بأنهم لا يفهمون القرآن، ولو فهموه لم يعملوا به. وإذا قال السائل لغيره: أسألك بالله؛ فإنما سأله بإيمانه بالله]. المقصود بالباء هنا باء السببية، يعني: أسأل بالإيمان بالله؛ لأنه لا يتوجه إلا هذا، فلا يقاس عليه غيره أيضاً، ولأن الله يسأل به، أي: بالإيمان به، أو بأسمائه وصفاته، كل هذا وارد وجائز، فالباء هنا لا تقاس على الباء في إضافتها للمخلوق، فلا يقال: اللهم إني أسألك برسولك، أو بنبيك، أو بالكعبة، أو بكذا؛ لأن إضافة الباء إلى المخلوق جعلت المخلوق وسيلة غير مشروعة. لكن السؤال بالله يقصد به معاني كلها عظيمة وصحيحة؛ إما السؤال بأسمائه وصفاته، أو باسمه هذا الذي هو: لفظ الجلالة، أو بالإيمان بالله ، فإن الإيمان بالله من العبادة والعمل الصالح الذي يتوسل به إلى الله كما سيأتي في حقيقة التوسل بالأعمال الصالحة، وأول الأعمال الصالحة وأعظمها الإيمان بالله . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا قال السائل لغيره: أسألك بالله؛ فإنما سأله بإيمانه بالله، وذلك سبب لإعطاء من سأله به، فإنه سبحانه يحب الإحسان إلى الخلق، لا سيما إن كان المطلوب كفَّ الظلم؛ فإنه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم، وأمره أعظم الأسباب في حض الفاعل، فلا سبب أولى من أن يكون مقتضياً لمسببه من أمر الله تعالى].

стр. 132

الكلام على حديث (أسألك بحق السائلين) قال ﵀: [وقد جاء فيه حديث رواه أحمد في مسنده وابن ماجه عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : (أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه: وأسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا؛ فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة، ولكن خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك)، فإن كان هذا صحيحاً فحق السائلين عليه أن يجيبهم]. الحديث فيه كلام كثير عند أهل العلم، وقليل من أهل العلم صححه، وبعضهم حسنه، ويترجح عند كثير من المحققين أنه ضعيف، لكن الحديث الضعيف إذا لم يتعارض مع أصل شرعي؛ فإنه يستأنس به ولا يستدل به، واللفظ الذي ورد: (اللهم إني أسألك بحق السائلين)، محتمل لمعنى صحيح، ومحتمل لمعنى فاسد، وعلى هذا فإنه من الألفاظ المجملة التي تحتمل الحق وتحتمل الباطل، فهي تحتمل الوسيلة الصحيحة المشروعة، وتحتمل الوسيلة البدعية الممنوعة، فإذا قال الإنسان: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، ويقصد بذلك ما وعد الله من إجابة السائلين الذي أوجبه الله على نفسه؛ فهذا صحيح لكن فيه سوء أدب، بمعنى أنه أوجب على الله حقاً، وهذا لا يليق. وعلى هذا فإنا لا نجزم بمشروعية ذلك ما دام الحديث ضعيفاً، لكن يبقى أن الاحتمال وارد، والخلاف سائغ بين من أجاز مثل هذه اللفظة وبين من منعها، فمن أجازها -كما قلت- قصد ما كتب الله على نفسه من أن يجيب السائلين، والمعنى الباطل: كوننا نوجب على الله شيئاً لا يجب عليه، أو أن يكون حق السائلين بطريقة غير مشروعة عند أهل البدع، بعض أهل البدع يقول: (اللهم إني أسألك بحق السائلين) ويقصد السائلين للأموات والمخلوقين الذين لا يقدرون، فالمعنى محتمل.

стр. 133

حق السائلين على الله الإجابة قال رحمه الله تعالى: [فإن كان هذا صحيحاً فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو حق أوجبه على نفسه لهم. كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذي جعله سبباً لإجابة الدعاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى:٢٦]. وكما يسأل بوعده؛ لأن وعده يقتضي إنجاز ما وعده، ومنه قول المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣]، وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠]. ويشبه هذا مناشدة النبي ﷺ يوم بدر حيث يقول: (اللهم أنجز لي ما وعدتني)، وكذلك ما في التوراة أن الله تعالى غضب على بني إسرائيل فجعل موسى يسأل ربه ويذكر ما وعد به إبراهيم، فإنه سأله بسابق وعده لإبراهيم]. الحديث الذي ذكره عن النبي ﷺ أنه قال يوم بدر: (اللهم أنجز لي ما وعدتني)، حديث صحيح رواه مسلم كما هو معلوم، ويقصد بهذا كله أن سؤال العبد لله بما وعد الله جائز ومشروع، فعلى هذا أجاز كثير من أهل العلم قولك: اللهم إني أسألك بحق إيماني بك اللهم إني أسألك بحق تصديقي لرسولك ﷺ اللهم إني أسألك بحبي لرسولك، فهذه الأمور الجائزة وإن كان فيها نوع من الجفاء في حق الله ؛ لأن الإنسان ينبغي أن يسأل الله مباشرة، ولا يضيع عمله بجزاء عاجل، بل يدخره لليوم الآخر أن يطلب جزاءه عاجلاً، لكن مع ذلك يبقى مشروعاً، فهو أشبه بطلب الدعاء من الآخرين من المسلمين. ويستشهد له بمثل ما ذكر المؤلف، كقول النبي ﷺ : (اللهم أنجز لي ما وعدتني)، وعلى هذا يكون الأصل في ذلك الإباحة، وإن وجد شيء من التحرز فإنما هو في صرف الدعاء أو طلب الانتفاع بعمل صالح ينبغي أن يدخره المسلم لما هو أعظم من حاجته في الدنيا، وهذا لا يلغي المشروعية، إنما تبقى المفاضلة فقط، والله أعلم.

стр. 134

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١٦] السؤال والتوسل بالمعظم كالأنبياء أو الملائكة أو الصالحين أو بجاههم ومنزلتهم لا يجوز شرعاً، ولو أن العبد سأل الله تعالى بإيمانه بمحمد ﷺ ومحبته له واتباعه، لكان هذا من أعظم وأرجى الوسائل والأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء.

стр. 135

أنواع التوسل المشروع قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ومن السؤال بالأعمال الصالحة: سؤال الثلاثة الذين أووا إلى غار، فسأل كل واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه لله؛ لأن ذلك العمل مما يحبه الله ويرضاه، محبة تقتضي إجابة صاحبه: هذا سأل ببره لوالديه، وهذا سأل بعفته التامة، وهذا سأل بأمانته وإحسانه]. في هذا المقطع بدأ الشيخ يفصل ما ذكره في أول كتاب التوسل والوسيلة، وهو أن التوسل المشروع ينحصر في ثلاثة أمور، ذكر منها أشياء، وفصل في أشياء، وسوف يفصل في أشياء أخرى، فكرر الموضوع أكثر من مرة، لكن نذكركم الآن بهذه الأمور الثلاثة: أولاً: أعظم التوسل وأفضله وأبينه وأشمله: عبادة الله ، والتي منها دعاء الله . فالاعتقاد السليم والإيمان وإقامة الفرائض والعمل بالسنن، وكل ما يطلبه المسلم في عبادة ربه فهذا هو التوسل الحقيقي، ومنه الدعاء وهو أعظم وأفضل وأعلى درجات التوسل، فهذا النوع الأول وهو يشمل جميع العبادات، وجميع توجهات المسلمين إلى ربهم بالدعاء. الثاني: السؤال بالأعمال، وهو الذي ذكره الشيخ هنا، ومعناه: سؤال المسلم ربه بأعماله هو، لا بأعمال غيره، كما توسل أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة بأعمالهم إلى الله أن يفرج عنهم ما وقع عليهم، فتوسلوا بأعمال عملوها، ليست من عمل الغير، ولا بأمور فيها شبهة أو فيها التواء، ولا بوضع واسطة بينهم وبين ربهم، فلم يجعلوا أعمالهم واسطة، إنما جعلوا ثواب أعمالهم الذي وعد الله به هو الوسيلة إلى هذا التفريج الذي وعد الله به، فاستعملوا أمراً مشروعاً. النوع الثالث -ذكره الشيخ قبل-: وهو طلب الدعاء من الغير على وجه مشروع أيضاً، تقول لأخيك المسلم: ادع الله لي! فهذا وإن كان مفضولاً، لكنه من المشروع.

стр. 136

مشروعية السؤال بالأعمال الصالحة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك كان ابن مسعود ﵁ يقول وقت السحر: اللهم أمرتني فأطعتك، ودعوتني فأجبتك، وهذا سحر فاغفر لي. ومنه حديث ابن عمر ﵄ أنه كان يقول على الصفا: اللهم إنك قلت وقولك الحق: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وإنك لا تخلف الميعاد، ثم ذكر الدعاء المعروف عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول على الصفا. فقد تبين أن قول القائل: أسألك بكذا نوعان: فإن الباء قد تكون للقسم، وقد تكون للسبب، فقد تكون قسما به على الله، وقد تكون سؤالاً بسببه]. يقصد بهذا أن قول القائل: أسألك بكذا بعضه يدخل في المشروع، والذي يدخل منه في المشروع هو السؤال بالأعمال الصالحة، وأن تكون الباء سببية، وهذا مشروع إذا كان من عمل الإنسان نفسه، أما إذا كانت الباء باء القسم ففيها نظر؛ لأن الإنسان لا يقسم على ربه، هذه ناحية. الناحية الأخرى: لا ينبغي أن يعتقد أنه يجب له على ربه حق؛ لأن القسم إيجاب، والعباد لا يوجبون على الله شيئاً. فعبارة: أسألك بكذا، إذا كان المقصود بها التسبب بعمل صحيح للإنسان كقوله: اللهم إني أسألك بإيماني بنبيك ﷺ ، اللهم إني أسألك بحبي لرسولك ﷺ ، اللهم إني أسألك بهذه الصدقة التي تصدقتها إن كنت قبلتها ونحو ذلك؛ فهذا استعمل العمل الصالح وسيلة إلى المطلوب الذي وعد الله به، فمن هنا تكون الباء سببية. أما إذا كانت الباء للقسم؛ فهذا لا يجوز وفيه عدة محذورات سيذكرها الشيخ.

стр. 137

حكم القسم بالمخلوق والسؤال بمعظم قال رحمه الله تعالى: [فأما الأول فالقسم بالمخلوقات لا يجوز على المخلوق فكيف على الخالق؟ وأما الثاني وهو السؤال بالمعظم كالسؤال بحق الأنبياء فهذا فيه نزاع]. بدأ الشيخ يفرع لكي نعرف أن هذه المسألة تحتها السؤال بالسبب، فإن كان السبب من عمل الإنسان نفسه، كالسؤال بالأعمال الصالحة فهو مشروع، وإن كان من عمل الغير، أو من خصائص الغير، كأن تقول: اللهم إني أسألك بجاه فلان؛ اللهم إني أسألك بصلاح فلان؛ بصلاة فلان، بالأنبياء؛ فهذا لا يجوز؛ لأنك سألت بعمل غيرك وعمل غيرك لا ينفعك، أو سألت بوسيلة دون الله ليست من الوسائل المشروعة. أي أنك اتخذت الوسائط التي نهى الله عنها، سواء كانت هذه الوسائط أشخاصاً أو أموراً معنوية أو حسية، فلا تجوز ما لم تكن عمل الشخص، أو مما شرع الله مثل طلب الدعاء من الآخرين. والشيخ هنا حينما قال: (وأما الثاني وهو السؤال بالمعظم) انصرف إلى صورة من صور استعمال باء السببية، فباء السببية إن كانت من باب جعل الإنسان عمله سبباً فهي مشروعة، وإذا جعل السبب غير عمله كعمل الآخرين أو جاه الآخرين أو ذوات الآخرين أو مخلوقات أخرى؛ فهذا غير مشروع وسيذكر الشيخ الاختلاف في صورة من صوره. قال رحمه الله تعالى: [وأما الثاني وهو السؤال بالمعظم كالسؤال بحق الأنبياء فهذا فيه نزاع، وقد تقدم عن أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز، ومن الناس من يجوز ذلك. فنقول: قول السائل لله تعالى: أسألك بحق فلان وفلان من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم، أو بجاه فلان أو بحرمة فلان يقتضي أن هؤلاء لهم عند الله جاه، وهذا صحيح]. نعم، هذا صحيح، وسيستدرك الشيخ استدراكاً مقطوعاً، وهذا ربما يوجد اللبس عند كثير من القراء، بعض الناس قد يستشعر من هذه العبارات أن هناك صورة جائزة من هذا النوع والشيخ لا يقصد هذا، حتى قوله بأن الأمر فيه نزاع لا يقصد أن فيه نزاعاً بين أهل السنة إلا من شذ رأيه ممن ينتسب للسنة. فالسؤال بالمعظم لا يجوز إطلاقاً، لكن هناك صورة قد ترد على وجه بعيد، وهو سؤال الإنسان بحق غيره ممن له جاه بأن يدعو له صاحب هذا الجاه في حياته وقدرته، فبعض الناس قد يقصد هذا المعنى، فيكون معنى بعيداً صحيحاً، فكون الصحابة ﵃ يطلب أفرادهم ومجموعهم من النبي ﷺ أن يدعو لهم ويعتبرونه مقبول الدعاء بجاهه، فهم ما استعانوا بالجاه، لكنهم طلبوا من صاحب الجاه أن يدعو لهم، فإذا كانت هذه الصورة تطلب من الحي القادر فلا حرج. وهذا يدخل فيه طلب السؤال من الصالحين؛ لأنا نعتقد أن للصالحين جاهاً عند الله بما ذكر الله من قدرهم، فهذا جاه صحيح، ولذلك قال الشيخ: (يقتضي أن هؤلاء لهم عند الله جاه فهذا صحيح)، فإن طلبت هذا الجاه بدعائهم لك وهم أحياء قادرون؛ فهذا لا حرج فيه، لكن إن قصدت بالتوسل بجاههم أن تجعل جاههم واسطة لك فيما هو من خصائصهم دون أن يدعوا لك؛ فهذا لا يجوز، ولذلك ينبغي أن يقال هنا: [لكن جاههم لا ينفع غيرهم في هذا المقام، بل السؤال به عدوان، إلا إذا كان القصد التوسل بدعائهم وهم أحياء]. إذا كمَّلنا العبارة بهذه الجملة التي سيأتي الكلام عنها؛ تصبح العبارة واضحة، ويكون ختام هذا المقطع قوله: [هذا صحيح، لكن جاههم لا ينفع غيرهم في هذا المقام، بل السؤال به عدوان، إلا إذا كان القصد التوسل بدعائهم وهم أحياء، وهذه الصورة بعيدة في مثل هذا المقام].

стр. 138

النزاع الذي أشار إليه ابن تيمية في التوسل بمعظم مداخلة: ما هو النزاع الذي ذكره الشيخ ابن تيمية في التوسل بمعظم؟ الجواب أما أهل السنة فالنزاع بينهم في طلب الدعاء من الصالحين، ونحو ذلك. أما غيرهم فقد ادعوا أن للأنبياء والصالحين جاهاً ينفع غيرهم دون طلب الدعاء منهم وهم أموات، فالنزاع فيه صورة من الوجه الصحيح لأهل العلم المعتبرين، وصور أخرى إنما هي نزاع بين أهل البدع، وهو أغلب الصور.

стр. 139

مقتضى الجاه عند الله رفع الدرجات وقبول الشفاعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه وحرمة يقتضي أن يرفع الله درجاتهم، ويعظم أقدارهم، ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا، مع أنه سبحانه قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]]. الأنبياء والصالحون والملائكة لهم جاه في الدنيا والآخرة، جاههم في الدنيا ما داموا أحياء: بأن يطلب منهم الدعاء، وجاههم بعد الوفاة بالشفاعة التي يأذن الله بها، لكن بشروطها، فلا شك أنهم أعظم الناس جاهاً، وأولهم نبينا محمد ﷺ ، ثم المرسلون والنبيون والملائكة والصالحون من عباد الله، لكن جاههم مضبوط بالضوابط الشرعية، فلا نطلب منهم جاههم وهم أموات، لأن الجاه الذي لهم إما أن يكون شفاعة يوم القيامة، أو طلب دعائهم وهم أحياء، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة، أما أن يطلب منهم جاههم في الدنيا فيما يتعلق بمصالح الدنيا أو غيرها وهم أموات فهذا لا يجوز. فما لهم من جاه في الدنيا ينتهي بموتهم، وما لهم من جاه في الآخرة لا يكون إلا في الآخرة، إلا أن يطلب الإنسان طلباً ليس لهم، يطلب الله أن يقبل شفاعتهم فيه، فهذا أمر آخر، لأنه يدعو الله.

стр. 140

علاقة الجاه بإجابة الدعاء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقتضي أيضاً أن من اتبعهم واقتدى بهم فيما سن له الاقتداء بهم فيه كان سعيداً، ومن أطاع أمرهم الذي بلغوه عن الله كان سعيداً، ولكن ليس نفس مجرد قدرهم وجاههم مما يقتضي إجابة دعائه إذا سأل الله بهم حتى يسأل الله بذلك، بل جاههم ينفعه أيضاً إذا اتبعهم وأطاعهم فيما أمروا به عن الله، أو تأسى بهم فيما سنوه للمؤمنين، وينفعه أيضاً إذا دعوا له وشفعوا فيه. فأما إذا لم يكن منهم دعاء ولا شفاعة، ولا منه سبب يقتضي الإجابة؛ لم يكن مستشفعاً بجاههم ولم يكن سؤاله بجاههم نافعاً له عند الله، بل يكون قد سأل بأمر أجنبي عنه ليس سبباً لنفعه. ولو قال الرجل لمطاع كبير: أسألك بطاعة فلان لك، وبحبك له على طاعتك، وبجاهه عندك الذي أوجبته طاعته لك؛ لكان قد سأله بأمر أجنبي لا تعلق له به. فكذلك إحسان الله إلى هؤلاء المقربين، ومحبته لهم، وتعظيمه لأقدارهم مع عبادتهم له وطاعتهم إياه، ليس في ذلك ما يوجب إجابة دعاء من يسأل بهم، وإنما يوجب إجابة دعائه بسبب منه لطاعته لهم، أو سبب منهم لشفاعتهم له، فإذا انتفى هذا وهذا فلا سبب]. لأن هذا فيه عدوان، فكونهم لهم جاه ولهم قدر، والله يستجيب دعاءهم، وأنهم أطاعوا الله وعبدوه، فهذا لا يعني إجابة دعاء غيرهم، لأن المسألة منفكة عن الأخرى، كإنسان مثلاً راح يستشفع عند الآخرين بعمل غيره في أمور الدنيا، فإنه يعتبر ممن يتهم في عقله وإدراكه. فلو أن إنساناً ذهب يستجدي الناس ويطلب منهم العون، ويجعل عمل غيره وسيلة إلى أن ينفعوه؛ لضحك عليه الناس بسبب ذلك؛ لكن لو جاء بصاحب العمل الذي له قدر عند الناس ليشفع له؛ فهذا جائز. فإذاً: استعمال جاه الآخرين وجعله وسيلة لاستجلاب قبول الدعاء من الله عدوان؛ لأن عمل الآخرين وجاههم لا ينفعك إلا إن كانوا أحياء فأنت تستشفع بهم بما يجوز في الشرع، وكذلك يوم القيامة، لهم شفاعة، وجاههم ينفع من يستشفع بهم إذا توافرت الشروط المذكورة. إذاً: فهذا كله تقرير لما سبق من أن استعمال جاه الآخرين لإجابة الدعاء من عند الله فيه نوع عدوان، وفيه تجاوز للحد الشرعي.

стр. 141

سؤال الله بالإيمان بالرسول ومحبته وطاعته سبب يقتضي الإجابة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نعم، لو سأل الله بإيمانه بمحمد ﷺ ، ومحبته له وطاعته له واتباعه؛ لكان قد سأله بسبب عظيم يقتضي إجابة الدعاء، بل هذا أعظم الأسباب والوسائل]. هذا أعظم الأسباب والوسائل لتحقيق الغرض للإنسان الذي يدعو ربه إذا كان له غرض معين، وهذا هو ما سماه أهل العلم السؤال بالأعمال الصالحة، الذي ينطبق عليه ما ورد في قصة أصحاب الغار. أما لو سأل الله بإيمانه بمحمد ﷺ فهذه صورة من صور التوسل مشروع، وهو التوسل بإيمانه ومحبته وطاعته واتباعه؛ فلو سأل به لكان قد سأل بسبب عظيم، فإن من أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه محبة رسوله ﷺ وطاعته. ثم قال: (بل هذا أعظم الأسباب والوسائل)، يقصد أن وسيلة الهداية التي تتحقق بها نجاة المسلم هو النبي ﷺ واتباع النبي ﷺ ، فيسأل الله بها أو بسببها ما يسأل من الأمور. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والنبي ﷺ بين أن شفاعته في الآخرة تنفع أهل التوحيد لا أهل الشرك، وهي مستحقة لمن دعا له بالوسيلة، كما في الصحيح أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة). وفي الصحيح أن أبا هريرة قال له: (أي الناس! أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه). فبين ﷺ أن أحق الناس بشفاعته يوم القيامة من كان أعظم توحيداً وإخلاصاً؛ لأن التوحيد جماع الدين، والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فإذا شفَّع محمداً ﷺ حد له ربه حداً فيدخلهم الجنة، وذلك بحسب ما يقوم بقلوبهم من التوحيد والإيمان. وذكر ﷺ أنه من سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة، فبين أن شفاعته تنال باتباعه بما جاء به من التوحيد والإيمان، وبالدعاء الذي سن لنا أن ندعو له به]. وبذلك تكون الوسيلة الصحيحة -وهي أفضل أنواع الوسيلة- أن يسأل الإنسان بأعماله، وبتوحيده وإخلاصه، وبما وعد الله به من الوسائل المشروعة، وأن النبي ﷺ حينما ذكر أن من سأل له الوسيلة حلت شفاعته؛ فهذه وسيلة مشروعة، والدعاء بها مشروع؛ لأنه وعد من الله، وأن الشفاعة تنال بالتوسل بما يعمله الإنسان من التوحيد والإيمان، وبالدعاء الذي سنه لنا الله ، سواء الدعاء بطلب الشفاعة وأمور الآخرة، أو طلب أمور الهداية، أو طلب أمور الدنيا؛ كل ذلك جائز، وهذا هو حقيقة الشفاعة، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 142

الأسئلة

стр. 143

حكم الدوران على المقابر بقصد الرياضة السؤال هذا تنبيه لأمر مهم غفل عنه الناس، وهو ما يستعمله بعض الناس من المشي والرياضة، وفي بعض الأحياء تكون هناك مقابر مسورة ومرصوفة تناسب أرصفتها للمشي فيأخذ في الرياضة بدورانه على المقبرة. الجواب الأمر بادئ ذي بدء قد لا يلفت النظر، لكن في الحقيقة أنه يشكل عند التأمل إذا نظرنا إلى سد الذرائع، وما يحدث غالباً من حدوث البدع، وأنه لا يستهان بأي ذريعة يمكن أن تكون سبباً لاعتقاد باطل، إذا نظرنا إلى هذه الاعتبارات، فيظهر أن الدوران على المقبرة لا ينبغي؛ لأن الذي يدور لم يكن قصده أي شيء يتعلق بالمقابر ولا بالمقبورين ولا بالموت، ولكن يراه الجاهل العامي، ويراه الطفل الناشئ، ويراه الأعجمي؛ فيظن أن هذا من الأمور المشروعة، وأن هذا له علاقة بالموتى، فالناس مفاهيمهم عجيبة! وأعظم من ذلك أن العجم تعودوا الدوران على القبور، ويظنون أن هذا من ضمن المراسم التي يعملونها هناك؛ فلذلك أرجو تنبيه الإخوة الذين يدورون على المقابر أن يبحثوا عن غيرها، كالحدائق والأماكن الأخرى، فالشبهة قوية، وينبغي التنبه لها. وهل يستوي في ذلك الدوران على اليمين واليسار؟ أقول: كله سواء، فأكثر الناس لا يفقه الفرق بين أن تدور على اليمين أو على اليسار.

стр. 144

سؤال الله بعمل صالح قد يذهب أجره السؤال هل سؤال الله بعمل صالح معين يذهب أجر ذلك العمل؟ الجواب يظهر لي -والله أعلم- أنه إذا كان سؤال الله في أمر اضطراري؛ فإنه مما لا يذهب أجر العمل الأصلي، وإذا كان من فضول الأمور، ومن مصالح الدنيا؛ فربما يكون من استعجال الثواب، والله أعلم.

стр. 145

حكم الإقسام على الله السؤال ماذا عن حديث: (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره)، هل هذا داخل تحت عدم الجواز المذكور؟ يعني: جواز الإقسام. الجواب الكلام في هذا كثير جداً عند أهل العلم، والراجح الذي عليه جمهور السلف والذي يقتضيه عمل الصحابة فيما يظهر: أن الأصل في الإقسام على الله لا ينبغي ولا يجوز ولا يليق، لكن إذا حدث ممن له ولاية ووضع خاص، أو حدث من أناس قد يكون عندهم زيادة جرأة ودلالة على الله ؛ إما لبساطتهم، أو لأمور تتعلق بخصالهم، ولا تتعلق بالأصل الشرعي؛ فهذا من الأمور التي لا تحكم على هذه القاعدة، أو عند الضرورات القصوى كما يحدث في بعض الأزمات التي يقع فيها المسلمون؛ فيطلبون من أحد أن يقسم على الله، أو يطلب هو عند الضرورات التي تتعلق بمصالح الأمة العظمى، لا الحاجات الشخصية؛ فمن هنا يكون الإقسام على الله استثناء لا يكون بفتوى، إنما هي حالات تحصل لأشخاص نلتمس لهم المعاذير، ونقول: إن عملهم بخصوص مشروع؛ لأسباب يعرفها أهل العلم.
следующие страницы →