Полный текст (413 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أنواع السؤال بين الناس
في المقطع التالي سيتكلم الشيخ في صفحتين أو ثلاث عن أنواع السؤال، وسأنبهكم الآن أو أملي عليكم الفقرات الرئيسية في هذه الأنواع حتى يتضح الكلام القادم بدل أن نقف عند كل مسألة، فالشيخ في المقطع التالي في قوله: (وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية) وما بعد هذا الكلام سيذكر أنواع السؤال الممنوعة والمشروعة والمباحة، فالممنوع هو سؤال الخلق ما ليس في مقدورهم، وسؤال الأموات.
ثم ذكر أن المشروع نوعين، سؤال الله ، وهذا هو الواجب على كل العباد، وهذا هو مقتضى العبادة، ونوع ثان من المشروع هو سؤال الحي القادر فيما يقدر عليه.
وهو يتفاوت، فمنه المكروه، ومنه المحرم لأمر عارض، ومنه الواجب، ومنه الجائز.
ونوع ثالث من السؤال المشروع وهو سؤال من يريد أن يتعلم، هذا أيضاً منه ما هو واجب وهو ما يتوقف عليه الدين، ومنه ما هو جائز وهو سؤال الاستزادة من العلم إذا لم يكن من المستحبات أو الواجبات، وكذلك من هذا النوع من السؤال ما قد يكون حراماً كالسؤال عن أمور القدر المعضلة أمام الملأ، أو السؤال عن أمر يدخل عليهم الشكوك إلى آخره، الشاهد أن هذا سؤال مشروع مباح، وأحياناً يكون واجباً.
النوع الرابع: وهو المطلق، وهو أن الأصل في السؤال الإباحة إذا توافرت فيه الشروط، فسؤال الخلق ما هو بمقدورهم الأصل فيه الإباحة.
هذا أمر، الأمر الآخر: سيبين الشيخ الفروق بين الحد المباح والحد المشروع والحد الممنوع، وسيركز على أن سؤال الخلق في الأمور المباحة من الأمور العادية وليس من أمور العبادات، ليقطع على المبتدعة حجتهم في أن الناس كانوا يسألون النبي ﷺ أسئلة متعددة في أمور دينهم ودنياهم، فيقول: إن هذا من الأمور المباحة وليس من باب العبادات، فالناس لم يتعبدوا بأن يسألوا الرسول ﷺ إلا في أمر الدين، أما في أمور الدنيا فغاية ما يقال: إن السؤال مباح، ومع ذلك قد يحرم أحياناً وقد يستحب أحياناً إلى آخره.
стр. 72
المخلوق مأمور بسؤال الله والرغبة إليه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجباً على السائل ولا مستحباً، بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل عليه.
وسؤال الخلق في الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلاً على الله أفضل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨] أي: ارغب إلى الله تعالى لا إلى غيره.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، فجعل الإيتاء لله والرسول، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، فأمرهم بإرضاء الله ورسوله.
وأما في الحسب فأمرهم أن يقولوا: حسبنا الله، لا يقولوا: حسبنا الله ورسوله].
الحسب هنا المقصود به التوكل والاعتماد، والتوكل لا يكون إلا على الله ، وكذا الاعتماد، وهذا يندرج على سائر الأعمال القلبية، فلا تصرف إلا إلى الله وإن كان بعضها قد يختلط بأعمال الجوارح العادية، وذلك مثل الاستعانة، فهي من الأمور التي لابد فيها من التفصيل لأن لها وجوهاً: فالاستعانة القلبية في أمر يتعلق بمستقبل الإنسان نوع من التوكل لا يجوز إلا على الله؛ لكن الاستعانة في الأمر العادي يجوز أن تكون بالمخلوق فيما يقدر عليه.
وكثير من الناس يخلط في الاستعانة، حتى أن بعض أهل العلم يضرب مثلاً يقول: لا يجوز لمسلم أن يستعين ولا يستغيث بغير الله ، ومن فعل ذلك فقد أشرك، وهو يقصد الاستغاثة القلبية التي هي تمام التوكل والاعتماد والحسب الذي لا يكون إلا على الله ، وصرفه لغير الله شرك، لكن الجانب الآخر وهو الاستعانة بالبشر فيما يقدرون عليه أمر آخر.
فالقلب يجب ألا يتعلق إلا بالله ، وألا يتوجه إلا إلى الله؛ لأن الأعمال القلبية أقرب إلى العبادة البحتة، أما أعمال الجوارح فهي في الغالب لا تدخل فيها العبادة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقولون: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، لم يأمرهم أن يقولوا: إنا لله ورسوله راغبون، فالرغبة إلى الله وحده كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢] فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده.
وقد قال النبي ﷺ لـ ابن عباس ﵄: (يا غلام! إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما أنت لاق، فلو جهدت الخليقة على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً).
وهذا الحديث معروف مشهور، ولكن قد يروى مختصراً].
الحديث صحيح صححه الألباني وغيره من أئمة أهل العلم، ولكن الذي صححوه لا يدخل فيه قوله: (فإن استطعت أن تعمل لله إلى آخره) فهذا لفظ زائد في هذا النص، أما ما قبل ذلك فقد صححوه بألفاظ متعددة ومختلفة، وبعضه مختصر كما قال الشيخ وبعضه مطول.
стр. 73
التعلق بالله وحده وعدم التطلع إلى سؤال غيره من أسباب دخول الجنة بغير حساب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، هو من أصح ما روي عنه، وفي المسند لـ أحمد أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شيئاً.
وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك (أن النبي ﷺ بايع طائفة من أصحابه وأسر إليهم كلمة خفية: ألا تسألوا الناس شيئاً، قال عوف: فقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه).
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب)، وقال: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)، فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون، أي: لا يطلبون من أحد أن يرقيهم، والرقية من جنس الدعاء فلا يطلبون من أحد ذلك].
على أي حال هذا الحديث كثيراً ما يتكلم عنه الناس قديماً وحديثاً ويخوضون في معنى: (لا يسترقون)، وهل من طلب الرقية يخرج من هذه الأوصاف، وكيف يكون عدم طلب الرقية؟ ولأهل العلم كلام غالبه وجيه؛ لكن من أوجه ما قرأت أن هذا الصنف من قوة توكلهم على الله لا تتطلع نفوسهم إلى طلب الرقية، لا أنهم يتصبرون عن طلب الرقية، بل قوة تعلقهم بالله وصلتهم به تجعلهم لا يتطلعون إلى طلب الرقية، فهم كلما أحسوا بالألم تعلقت قلوبهم بالله ورجوا من الله أن يشفيهم ورقوا أنفسهم، ثم إنهم يعلمون أن الرقية حق وشفاء، فلا يحتاجون إلى أن يرقيهم غيرهم وهم يملكون أن يرقوا أنفسهم فيرقوا أنفسهم.
ولذلك ينبغي تنبيه الناس على أن الرقية من الشخص لنفسه أنفع من أن يرقيه غيره، لكن قد يتخلف أثر الرقية لأسباب عارضة، وإلا فالإنسان المسلم مهما كان عنده شيء من التقصير والإعراض فإن رقيته لنفسه أفضل وأرجى من رقية غيره، ومن هذا الجانب كان هذا الصنف من السبعين ألفاً، فقد أدركوا أنهم لا يحتاجون إلى أن يطلبوا السبب من غيرهم والسبب معهم، إضافة إلى ما ذكرته من قوة اعتمادهم على الله ومن قوة تعلقهم به، لا أنهم لا يستبيحون الرقية أو لا يجيزونها؛ لأنها مشروعة، وليس من الفضل للإنسان أن يحرم على نفسه المشروع، لكنهم بقوة توكلهم نسوا أنهم يحتاجون إلى الرقية من الغير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روي فيه (ولا يرقون) وهو غلط، فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة.
وكان النبي ﷺ يرقي نفسه وغيره ولم يكن يسترقي، فإن رقيته نفسه وغيره من جنس الدعاء لنفسه ولغيره، وهذا مأمور به].
أيضاً هنا مسألة مهمة سمعت السؤال عنها أكثر من مرة، وهي أن بعض الناس يكون عنده شيء من التورع أو طلب هذه الخصلة، فلا يأذن لأحد بأن يرقيه، ولا أظن هذا وارداً؛ لأن الوارد أن الإنسان لا يطلب، لكن لو يسر الله له من يرقيه دون طلب منه فهذا فضل من الله ينبغي ألا يرده؛ لأن النبي ﷺ رقاه جبريل، وكانت عائشة ﵂ تقرأ وتنفث في يديه كما كان يفعل حال صحته، وتمسح بهما جسمه ووجهه، فكان النبي ﷺ يرقيه غيره لكنه لم يطلب الرقية، وكذلك كثير من الصالحين الذين عرفناهم وسمعنا بهم كانوا لا يطلبون الرقية طلباً لهذه المنزلة، وإذا رقاهم غيرهم لم يمنعوا ذلك، بل بعضهم يفرح؛ لأنها نعمة من الله وهدية أسديت إليه.
стр. 74
دعوات الأنبياء ﵈
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن الأنبياء كلهم سألوا الله ودعوه كما ذكر الله ذلك في قصة آدم وإبراهيم وموسى وغيرهم، وما يروى أن الخليل ﵇ لما ألقي في المنجنيق قال له جبريل: سل، قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.
ليس له إسناد معروف وهو باطل.
بل الذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: حسبي الله ونعم الوكيل، قال ابن عباس: قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣].
وقد روي أن جبريل قال: (هل لك من حاجة؟ قال: أما إليك فلا)، وقد ذكر هذا الإمام أحمد وغيره.
وأما سؤال الخليل لربه فهذا مذكور في القرآن في غير موضع، فكيف يقول: حسبي من سؤالي علمه بحالي! والله بكل شيء عليم، وقد أمر العباد بأن يعبدوه ويتوكلوا عليه ويسألوه؛ لأنه سبحانه جعل هذه الأمور أسباباً لما يرتبه عليها من إثابة العابدين وإجابة السائلين.
وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه، فعلمه بأن هذا محتاج أو هذا مذنب لا ينافي أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار، ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التي تقضى بها حاجته، كما يأمر هذا بالعبادة والطاعة التي بها ينال كرامته.
ولكن العبد قد يكون مأموراً في بعض الأوقات بما هو أفضل من الدعاء، كما روي في الحديث: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين).
وفي الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: (من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)، قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وأفضل العبادات البدنية الصلاة، وفيها القراءة والذكر والدعاء، وكل واحد في موطنه مأمور به، ففي القيام بعد الاستفتاح يقرأ القرآن، وفي الركوع والسجود ينهى عن قراءة القرآن ويؤمر بالتسبيح والذكر، وفي آخرها يؤمر بالدعاء، كما كان النبي ﷺ يدعو في آخر الصلاة ويأمر بذلك، والدعاء في السجود حسن مأمور به، ويجوز الدعاء في القيام أيضاً وفي الركوع وإن كان جنس القراءة والذكر أفضل، فالمقصود أن سؤال العبد لربه السؤال المشروع حسن مأمور به.
وقد سأل الخليل وغيره، قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٣٧ - ٤١].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧ - ١٢٩].
وكذلك دعاء المسلم لأخيه حسن مأمور به، وقد ثبت في الصحيح عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه بدعوة، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثله) أي: بمثل ما دعوت لأخيك به.
وأما سؤال المخلوق المخلوق أن يقضي حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به، بخلاف سؤال العلم فإن الله أمر بسؤال العلم كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥].
وهذا ل
стр. 75
الأسئلة
стр. 76
حكم الدعاء في الركوع
السؤال
هل الدعاء في الركوع يعارض حديث: (أما الركوع فعظموا فيه الرب)؟
الجواب
لا ما يعارض قول النبي ﷺ : (أما الركوع فعظموا فيه الرب)؛ لأن من المشروع في الركوع أن يسبح الله أولاً ثم لا مانع أن يدعو؛ لأنه ورد أيضاً في حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه: (سبحانك اللهم وبحمدك رب اغفر لي)، فقوله: (رب اغفر لي) دعاء.
تقول عائشة: يتأول القرآن، تعني: يتأول قول الله ، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣].
فورد الدعاء في الركوع فإذاً: المقصود التسبيح أولاً، ثم لا مانع من الدعاء في الركوع لكن الأولى في الفرائض الاقتصار على المأثور، أما النوافل فالأمر فيها سهل، فلا مانع أن يدعو الإنسان في القيام أيضاً بعد الفاتحة أو بعد السورة قبل أن يركع، وإذا ركع يدعو وإذا رفع يدعو، وإذا سجد يدعو، لكن بعد أن يقوم بأركان الصلاة وواجباتها.
стр. 77
حكم القول بأن الكون كتاب الله المنظور
السؤال
ما رأيكم في العبارة التالية: القرآن الكريم كتاب الله المتلو والكون كتاب الله المشاهد؟
الجواب
على أي حال هذه من العبارات التي تحتاج إلى تفصيل؛ أما كون القرآن كتاب الله المتلو فكلام صحيح، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، لكن قولهم: الكون كتاب الله المشاهد هو من باب التجوز في التعبير، ولا يظهر لي أن فيه حرجاً، صحيح أن فيه مبالغة وفيه نوع من المقابلة لكتاب الله المقروء بكتاب الله المنظور، والمقابلة غير لائقة في هذا المقام؛ لأن كلام الله صفته، وهذا خلقه، فمقابلة صفة الله بخلقه غير لائقة، لكن لا أرى أنه من بدع الألفاظ، بل هو من الأمور التي تجوز إذا عرف قصد القائل فيها.
стр. 78
العقلانيون التسمية والمدلول
السؤال
هل تسمية العقلانيين تسمية صحيحة؟ أليس هذا تشريفاً لهم، ألا يوجد اسم أوضح من هذا نسميهم وقد قال الله في كتابه: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨]؟
الجواب
نعم، كلمة العقلانيين عند كثير من الناس توهم التزكية؛ لأن العقل من الأمور الممدوحة، ولذلك لو اصطلح طلاب العلم على مسمى لهؤلاء غير (العقلانيين) لكان أولى، لكن مع ذلك أصبح عند المتخصصين يفهم منه الذين يقررون الدين بعقولهم، ويفهم منه الذم.
أما عند عامة الناس فالإشكال وارد، ولذلك لا مانع أن يطرح الموضوع على أهل العلم والمختصين لعلهم يبدلون هذه الكلمة بغيرها، وبعض الناس يسميهم العصرانيين، وهذه أيضاً تشعر بالتزكية عند من لا يفقه الدين، وبعضهم يسميهم بأسماء أخرى قد لا تكون مشتهرة كأهل التجديد، وهذه أيضاً فيها نظر، فالأولى فعلاً تفادي هذه الكلمة إذا أمكن.
стр. 79
حكم الصلاة خلف مبتدع بدعته غير مكفرة
السؤال
نحن أربعة أشخاص في أحد البلدان الإسلامية البعيدة، نعيش في قرية فيها مسجد واحد فقط، والإمام صوفي يأتي ببعض الألفاظ والعبارات بعد الصلاة وهو يعلم المأمومين فيقول: ربي بالمصطفى بلغ قصدنا، وكذلك يقول: يا لطيف -مائة وتسعاً وعشرين مرة- ونحو ذلك من البدع، فما حكم الصلاة خلفه؟ وهل نصلي وحدنا في البيت؟
الجواب
السائل ذكر أنموذجين: ربي بالمصطفى بلغ قصدنا، ولاشك أن هذه كلمة بدعية لكن لا يظهر لي أن فيها ما يقتضي الكفر، وكذلك (يا لطيف) مائة وتسعاً وعشرين مرة، فهو ينادي الله باسمه، وتحديد مائة وتسعاً وعشرين مرة بهذه الصيغة لاشك أنه بدعة، لكن مع ذلك ليست بدعة مكفرة.
وعلى هذا فإنه إذا كان لا يمكن الصلاة خلف غيره إلا بفرقة عن الجماعة ولا يمكن أن يبدل بغيره فالصلاة خلفه جائزة إذا لم يكن عنده أعظم من هذه البدع، حفاظاً على الجماعة وعدم الفرقة، أما إذا أمكن الصلاة خلف غيره ممن هو أفضل منه ولو بشيء من المشقة، أو أمكن تبديله فالأولى ألا يصلى خلفه.
стр. 80
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١٠]
سؤال المخلوق فيما يقدر عليه قد يكون محرماً وقد يكون مكروهاً وقد يكون مباحاً، ومنه ما لا يكون مأموراً به، ولكن المسئول مأمور بإجابة السائل، وقد ضرب الصحابة الكرام ﵃ أروع الأمثلة في أبواب السؤال ما لم يحصل لأحدهم قط، من عدم سؤال بعضهم بعضاً إلا في النفع العام والمصلحة الكبرى، ومن سئل شيئاً لبى وأجاب.
стр. 81
من أنواع السؤال ما ليس مأموراً به والمسئول مأمور بالإجابة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [ومن السؤال ما لا يكون مأموراً به، والمسئول مأمور بإجابة السائل].
هذا النوع من السؤال ليس هو السؤال البدعي، إنما هو سؤال ممنوع شرعاً، قد يكون مكروهاً وقد يكون محرماً، وهو أن يسأل الإنسان غيره في أمر يقدر عليه هذا الغير، لكنه يكون محرماً بالنسبة للسائل ولا يحرم على المسئول الإجابة، وسيذكر الشيخ صور ذلك.
مثل أن يسأل الغني الناس أن يعطوه ويمد يده إليهم وهو غني فهذا حرام عليه لكن ليس على الناس ألا يعطوه، والنبي ﷺ كان يسأله الغني ويسأله الفقير فيعطي الجميع، بل كثير من المؤلفة قلوبهم كانوا يسألون النبي ﷺ وهم أغنياء أثرياء، وكان يعطيهم أجزل مما يعطي غيرهم، وهم قد يكون عليهم السؤال محرماً أو مكروهاً غير لائق شرعاً.
إذاً: فهذه الصورة ليست من البدع لكنها من السؤال غير المشروع؛ لأنها سؤال المخلوق فيما يقدر عليه، لكن هذا السؤال بالنسبة للسائل ما كان ينبغي له إما لأنه غني وغير محتاج، أو لأنه سأل ما لا يعينه على الطاعة، أو سأل ما يعينه على المعصية أو غير ذلك من العوارض التي تجعل السؤال غير مشروع في أصله لكنه ليس ببدعة؛ لأنه سؤال يقدر عليه المسئول.
стр. 82
صور من السؤال عند الصحابة الكبار
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦].
ومنه الحديث: (إن أحدكم ليسألني المسألة فيخرج بها يتأبطها ناراً) وقوله: (اقطعوا عني لسان هذا).
وقد يكون السؤال منهياً عنه نهي تحريم أو تنزيه، وإن كان المسئول مأموراً بإجابة سؤاله، فالنبي ﷺ كان من كماله أن يعطي السائل، وهذا في حقه من فضائله ومناقبه وهو واجب أو مستحب، وإن كان نفس سؤال السائل منهياً عنه.
ولهذا لم يعرف قط أن الصديق ونحوه من أكابر الصحابة سألوه شيئاً من ذلك، ولا سألوه أن يدعو لهم وإن كانوا قد يطلبون منه أن يدعو للمسلمين، كما أشار عليه عمر في بعض مغازيه لما استأذنوه في نحر بعض ظهرهم فقال عمر: (يا رسول الله! كيف بنا إذا لقينا العدو غداً رجالاً جياعاً! ولكن إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها ثم تدعو الله بالبركة فإن الله يبارك لنا في دعوتك).
وفي رواية: (فإن الله سيغيثنا بدعائك).
وإنما كان سأله ذلك بعض المسلمين كما سأله الأعمى أن يدعو الله له ليرد عليه بصره، وكما سألته أم سليم أن يدعو الله لخادمه أنس، وكما سأله أبو هريرة أن يحببه وأمه إلى عباده المؤمنين ونحو ذلك].
هذه الصور تختلف عن الصور البدعية، حتى المحرم منها والمكروه، وهي أن يسأل المخلوق فيما يقدر عليه، فإنها في حد ذاتها ليست ببدعة، سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة؛ لأنها من باب سؤال الناس ما يقدرون عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الصديق فقد قال الله فيه وفي مثله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١].
وقد ثبت في الصحاح عنه أنه قال ﷺ : (إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، فلم يكن في الصحابة أعظم منه من الصديق في نفسه وماله.
وكان أبو بكر يعمل هذا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاء من مخلوق، فقال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١].
فلم يكن لأحد عند الصديق نعمة تجزى، فإنه كان مستغنياً بكسبه وماله عن كل أحد، والنبي ﷺ كان له على الصديق وغيره نعمة الإيمان والعلم، وتلك النعمة لا تجزى، فإن أجر الرسول فيها على الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف:١٠٤].
وأما علي وزيد وغيرهما فإن النبي ﷺ كان له عندهم نعمة تجزى، فإن زيداً كان مولاه فأعتقه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب:٣٧]، وعلي كان في عيال النبي ﷺ لجدب أصاب أهل مكة، فأراد النبي ﷺ والعباس التخفيف عن أبي طالب من عياله، فأخذ النبي ﷺ علياً إلى عياله وأخذ العباس جعفراً إلى عياله، وهذا مبسوط في موضع آخر].
стр. 83
طلب الدعاء على الإحسان معدود من الجزاء
قال رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا أن الصديق كان أمن الناس في صحبته وذات يده لأفضل الخلق رسول الله ﷺ ؛ لكونه كان ينفق ماله في سبيل الله كاشترائه المعذبين، ولم يكن النبي ﷺ محتاجاً في خاصة نفسه لا إلى أبي بكر ولا غيره، بل لما قال له في سفر الهجرة: (إن عندي راحلتين فخذ إحداهما، قال النبي ﷺ : بالثمن)، فهو أفضل صديق لأفضل نبي، وكان من كماله أنه لا يعمل ما يعمله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، لا يطلب جزاء من أحد من الخلق، لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم.
ومن الجزاء أن يطلب الدعاء، قال تعالى عمن أثنى عليهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩]، والدعاء جزاء كما في الحديث: (من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه).
(وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول: اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا ويبقى أجرنا على الله)].
هذه مسألة مهمة وخفية على كثير من الناس، وهي أيضاً خلافية كما ذكر الشيخ في موضع آخر، وهي أن الإنسان إذا عمل معروفاً وأحسن إلى آخرين فهل يشرع له أن يطلب منهم الدعاء أو لا؟ قال بعض أهل العلم: لا حرج عليه، ويشرع له أن يطلب الدعاء ممن يحسن إليه، فإذا عمل خيراً مع أحد أو نفعه بشيء من أمور دينه أو دنياه فيقول: ادع الله لي، هذا قول.
والقول الآخر وهو الأرجح وعليه غالب أئمة السلف الكبار فيما أعلم: أنهم يرون هذا جائزاً لكن ليس هو الأولى، أي أنك تفرح وتتمنى أن يدعو لك الآخرون لكن لا ينبغي أن تطلب منهم؛ لأن جزاءك ثابت عند الله سواء أدعوا لك أم لم يدعوا، ولأن في طلب الدعاء إضعافاً للاحتساب وطلب الأجر من الله، ونوعاً من القدح في الإخلاص.
فلذلك كان الأولى لمن بذل معروفاً لأحد أن يحتسب أجره عند الله ولا يطلب الدعاء له جزاء إحسانه، ولذلك فقهت عائشة ﵂ هذا الأمر، فكانت إذا أرسلت بالصدقة تقول لمن ترسله: اسمع ما يدعون لنا، تريد أن تدعو له بمثل ذلك، ويتمخض الأجر خالصاً من الله .
قد يقول قائل: أليس في طلب الدعاء ممن تحسن إليه إذا دعا لك زيادة أجر من الله ؟ نقول: هذا قد يكون؛ لكن قد يكون العكس أيضاً، حيث يدخل في النفس شيء من العجب والرياء، ثم إنه من جانب آخر قد يضعف إيمان الإنسان في اتكاله على دعاء الآخرين فإن نفع طلب الدعاء من الغير عند الإحسان إليهم من وجه قد يضر من وجوه أخرى ترجع إلى أصل اليقين وإلى أصل التوكل في النفس، وهذا أثره يبقى على النفس أكثر من أثر العارض.
стр. 84
الكف عن طلب الدعاء على الإحسان أحرى بالإخلاص
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال بعض السلف: إذا قال لك السائل بارك الله فيك، فقل: وفيك بارك الله، فمن عمل خيراً مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبياً أو رجلاً صالحاً أو ملكاً من الملوك أو غنياً من الأغنياء، فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصاً لله يبتغي به وجه الله، لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره، لا من نبي ولا رجل صالح ولا من الملائكة، فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه مخلصين له الدين.
وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، فلا يقبل من أحد ديناً غيره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
وكان نوح وإبراهيم وموسى والمسيح وسائر أتباع الأنبياء ﵈ على الإسلام، قال نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣٢].
﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤].
وقالت السحرة: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦].
وقال يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة:٤٤].
وقال عن الحواريين: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١].
ودين الإسلام مبني على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين، وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب، فيعبد في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان.
فلما كانت شريعة التوراة محكمة كان العاملون بها مسلمين وكذلك شريعة الإنجيل.
وكذلك في أول الإسلام لما كان النبي ﷺ يصلي إلى بيت المقدس كانت صلاته إليه من الإسلام، ولما أمر بالتوجه إلى الكعبة كانت الصلاة إليها من الإسلام، والعدول عنها إلى الصخرة خروجًا عن دين الإسلام.
فكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد ﷺ بما شرعه الله من واجب ومستحب فليس بمسلم].
وهذا تتبين به مسألة وقع فيها الإشكال عند كثير من الذين يجهلون العقيدة، وشاع هذا الإشكال عند كثير من العصرانيين والعقلانيين وبعض المثقفين، وهو أنهم يفترضون أن طوائف من أهل الكتاب على الحق في هذا العصر ومنذ مبعث النبي ﷺ ، يقولون: ما الذي يمنع أن يكون هناك طوائف من أهل الكتاب وهم الذين سلموا من العقائد الكفرية -بزعمهم- أو سلموا مما يوقعهم في الخروج من الملة، يبقون على مسمى الإسلام، وأنهم من الناجين كنجاة المسلمين المسلِّمين للرسول ﷺ ! وهذا جهل؛ لأن من مقتضيات دينهم الذي كانوا عليه أن يؤمنوا بالنبي ﷺ إذا بعث، وهذا من الأركان الأساسية التي لا يصح دينهم إلا بها ولذلك كان يوجد بقايا من أهل الكتاب وفقهم الله فآمنوا بالنبي ﷺ ؛ لأنهم كانوا على الحق، ومن لم يسلم منهم وخذله الله لم يعد مسلماً كإسلامه قبل مبعث النبي ﷺ .
ومثال ذلك في المسلمين الآن: المسلمون باقون على مسمى الإسلام حتى يخلوا بشيء من نواقض الدين، ومن نواقض الدين أنه إذا جاء عيسى ﵇ في آخر الزمان فمن آمن به وكان موفياً بشروط الإسلام فهو مسلم؛ لكن من كذب به بعد نزوله أو حتى قبل نزوله مع العلم بتواتر النصوص خرج من مقتضى الدين وهكذا.
فإذاً: دعوى أنه قد يوجد من بعض الديانات من يكون على الحق دعوى باطلة من أصلها؛ لأنها تنسف بوجوب إيمانهم بالنبي ﷺ بعد مبعثه، والله أعلم.
стр. 85
الأسئلة
стр. 86
الاستدلال بالأمر بالدعاء بعد الأذان على جواز طلب الدعاء
السؤال
ألا يستدل على جواز طلب الدعاء بقول الرسول ﷺ : (إذا سمعتم الأذان فقولوا مثلما يقول، ثم سلوا الله لي الوسيلة)؟
الجواب
لا أدري ما هو وجه المقارنة بين الأمرين؛ النبي ﷺ يقول: (سلوا الله لي الوسيلة) من باب أنه مشرع لا من باب أنه يطلب لنفسه شيئاً يكون أجره به من الناس لكن الله شرع له ذلك فلا يقاس عليه غيره، والنبي ﷺ عندما قال: (سلوا الله لي الوسيلة)، فهذا يرجع إلى ما أمره الله به، ثم إن هذه الفضيلة متعلقة بأمر عظيم لا يدركه غير النبي ﷺ ، فلا يقاس هذا على طلب الناس من الناس.
стр. 87
حكم طلب الدعاء من الرجل الصالح
السؤال
هل طلب الدعاء من الرجل الصالح الذي لم تحسن إليه فيه شيء؟
الجواب
هذا من الأمور الجائزة، لكن الأصل أنه لا يشرع دائماً؛ لأن الإكثار منه يضعف التوكل ويضعف اليقين، ويجعل القلب يتعلق بغير الله، فلذلك لا ينبغي الإكثار منه، لكن إذا حدث في ظرف يقتضيه، مثل إنسان أصابته ضرورة ووافق رجلاً صالحاً في زمان فاضل أو في مكان فاضل أو في عمل فاضل، فكأنه بذلك طلب من الغير أن يدعو له من باب التماس الأجر أو الفرج من الله على لسان الغير.
أما الطلب دائماً فليس بمشروع؛ لأنه يؤدي إلى ضعف اليقين، بل إنه بدعة إذا كثر؛ لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، وإنما فعلوه في مناسبات محدودة وفي ظروف محدودة جداً.
стр. 88
حكم القراءة على المرضى بمكبر الصوت
السؤال
ما حكم من يقرأ على مجموعة من الأشخاص بمكبر الصوت بحجة الزحام؟
الجواب
لا أعرف ما يمنع من ذلك شرعاً، لكنه غير لائق، فقد كان هناك مرضى يبحثون عن رقية، فما كان السلف يجمعون الناس ويقرءون عليهم قراءة واحدة.
ثم إنه ارتبط بصورة جلب المادة، وارتبط بصور مستبشعة عند العقلاء، فلذلك أرى أنه تصرف غير لائق.
أما أن نقول: إنه محرم فليس عندنا دليل على التحريم ولا على عدم مشروعيته، لكنه غير لائق، ولا ينبغي للراقي أصلاً أن يتفرغ للرقية وأن يتجمهر عنده الناس، هذه كلها أمور بعيدة عن السنة فيما أعرف.
وصحيح أن الناس ينتفعون، لكن هذا أمر إلى أي حد يكون؟ الآن أصبحت تهيأ لهذا قاعات كبيرة واستراحات وأحواش، خرج الأمر عن سمت السنة، خرج الأمر عن السمت الشرعي.
стр. 89
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١١]
مفاسد سؤال المخلوقين كثيرة، منها الذلة التي تلحق السائل، والافتقار إلى غير الله تعالى، وإيذاء المسئول، وكل هذه المفاسد وغيرها فيها ظلم واعتداء، وقد أمر الله العباد وحثهم على سؤاله وحده والتوجه إليه والرغبة فيما عنده، فإنه وحده تعالى الذي ينفع عباده ويثيبهم ويعطيهم أعظم وأجزل وأكثر مما لو طلب العبد غيره.
стр. 90
مفاسد سؤال المخلوق
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ولابد في جميع الواجبات والمستحبات أن تكون خالصة لله رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٤ - ٥].
وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:١ - ٣].
فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة؛ كالإيمان بالله ورسوله والعبادات البدنية والمالية ومحبة الله ورسوله، والإحسان إلى عباد الله بالنفع والمال، هو مأمور بأن يفعله خالصاً لله رب العالمين، لا يطلب من مخلوق عليه جزاء، لا دعاء ولا غير دعاء، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء، لا دعاء ولا غيره.
وأما سؤال المخلوق غير هذا فلا يجب، بل ولا يستحب إلا في بعض المواضع، ويكون المسئول مأموراً بالإعطاء قبل السؤال، وإذا كان المؤمنون ليسوا مأمورين بسؤال المخلوقين، فالرسول أولى بذلك ﷺ ، فإنه أجل قدراً وأغنى بالله عن غيره.
فإن سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله، وهي من نوع الشرك.
ومفسدة إيذاء المسئول، وهي من نوع ظلم الخلق.
وفيه ذل لغير الله وهو ظلم النفس.
فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة، وقد نزه الله رسوله عن ذلك كله].
قوله: (مفسدة الافتقار إلى غير الله، وهي نوع من الشرك)، لا يقصد بذلك أنها كلها من الشرك الأكبر، فالافتقار إلى غير الله إذا كان من باب العبادة كدعاء غير الله أو الاستعانة والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو شرك أكبر، وإذا كان ما دون ذلك، فهو نوع من الشرك الأصغر جزماً، فيسمى شركاً تجوزاً، ولأن كثيراً من طلب العباد للعباد فيه نوع افتقار إلى غير الله، حتى وإن كان من باب المباح، فكون الإنسان يحتاج إلى أخيه بأن يقترض منه مالاً، ومقتضى العزم والحزم أن يدعو الله أن يجعل له من أمره يسراً، ويعزم المسألة في دعاء الله من دون اقتراض مثلاً، لكن لو اقترض فهذا مباح له وليس فيه عليه حرج، وربما يكون عند الإنسان أحياناً نوع من الاعتماد على المخلوق حتى في المباح، حتى يذهل عن الاعتماد على الله ، فهذا لا شك أنه يقع في الإثم، مما قد يجعل صورة العمل عنده قريباً من الشرك الأكبر ولو لم تكن شركاً أكبر.
وأقول: إن مثل هذا الأمر يتفاوت، فمنه ما هو شرك أكبر، ومنه ما هو دون ذلك، وكله يسمى افتقاراً إلى غير الله، وكل ذلك فيه مفسدة.
стр. 91
الحث على سؤال الله والتوجه إليه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحيث أمر الأمة بالدعاء له فذاك من باب أمرهم بما ينتفعون به، كما يأمرهم بسائر الواجبات والمستحبات، وإن كان هو ينتفع بدعائهم له، فهو أيضاً ينتفع بما يأمرهم به من العبادات والأعمال الصالحة.
فإنه ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء)، ومحمد ﷺ هو الداعي إلى ما تفعله أمته من الخيرات، فما يفعلونه له فيه من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لم تجر عادة السلف بأن يهدوا إليه ثواب الأعمال؛ لأن له مثل ثواب أعمالهم بدون الإهداء من غير أن ينقص من ثوابهم شيء، وليس كذلك الأبوان؛ فإنه ليس كل ما يفعله الولد يكون للوالد مثل أجره، وإنما ينتفع الوالد بدعاء الولد ونحوه مما يعود نفعه إلى الأب، كما قال في الحديث الصحيح: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له).
فالنبي ﷺ فيما يطلبه من أمته من الدعاء؛ طلبه طلب أمر وترغيب ليس بطلب سؤال، فمن ذلك أمره لنا بالصلاة والسلام عليه، فهذا أمر الله به في القرآن بقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، والأحاديث عنه في الصلاة والسلام معروفة].
هذا ينبغي أن يكون هو الأول، وهو أن النبي ﷺ حينما أمر الأمة بالدعاء له، فهو امتثال لأمر الله ، هذا الأمر الأول.
ثانياً: لأن الناس ينتفعون بدعائهم للنبي ﷺ بالصلاة عليه وبالدعاء له بكل وجه من وجوه الدعاء المشروعة؛ لأن الله وعدهم بالثواب على ذلك، فوعد من صلى على النبي ﷺ صلاة أن يصلي عليه عشراً، فهذا من الأمور التي رغب الله فيها وأمر بها.
ثم إن النبي ﷺ أصل كل خير، قد جعله الله سبباً لكل خير للأمة إلى قيام الساعة، فالدعاء له من هذا الوجه يكون مشروعاً أكثر من الدعاء لغيره، وإن كان الدعاء مشروعاً لجميع العباد، لكن الدعاء له لا يدخل في صورته الكاملة في مثل الدعاء للآخرين، الدعاء للآخرين قد يكون فيه بعض المحاذير إذا لم يضبط بضوابط الشرع، أما الدعاء للنبي ﷺ فهو مطلوب مطلقاً، ولذلك سيأتي أيضاً في حديث قادم، أن أحد الصحابة قال: (إني أصلي، كم أترك لك من صلاتي) حتى قال: (لو جعلت لك صلاتي كلها؟) يعني: دعائي كله، فبشر النبي ﷺ ذلك الداعي بأنه ينتفع بصرف وقته للصلاة على النبي ﷺ والدعاء له، وأن ذلك من أعظم القربات ومن أسباب انتفاع هذا الداعي في دينه ودنياه، هذا أمر.
стр. 92
إهداء الثواب للرسول ﷺ
الأمر الآخر: أن مسألة إهداء الثواب للنبي ﷺ لا ترد، لأن كل ما يفعله المسلم من القربات، فإن للنبي ﷺ مثل أجره؛ لأن الله جعله هو السبب في كل خير لهذه الأمة، فكل من فعل خيراً فإن للنبي ﷺ مثل ثوابه وأكثر، فهو ليس بحاجة إلى إهداء الثواب له، أو كما يفعل بعض الناس من إهداء الحج له أو القربات أو الأضحية إلى آخر؛ لأن كل ما يعمله المسلمون باتباعه ﷺ وبسنته، وله مثل أجرهم وأكثر، أما مسألة إهداء الثواب للآخرين فهي مسألة أخرى.
إهداء الثواب من قبل الحي للميت على صورتين: الصورة الأولى: بمعنى الصدقة عنه، فهذا مشروع، كأن تتصدق عن الغير من الأموات، بمعنى أنك تريد أن تبذل له خيراً بعد مماته فتتصدق عنه، لكن هذه عند كثير من أهل العلم ليست من باب إهداء الثواب، بل هي صدقة جارية قد يكون تسبب فيها الميت أو وهبها له الحي، ولذلك بعض أهل العلم قال: إنه يدخل من باب الصدقة الجارية التي ينتفع بها الميت، لكن هل تعتبر من باب إهداء الثواب أو لا تعتبر هذه محل خلاف.
والنوع الثاني: بمعنى إهداء ثواب الطاعة والعبادة، فهذا غير مشروع، اللهم إلا ما ورد استثناؤه في الشرع.
ومثال ذلك أن تصلي ثم تقول: أهدي هذه الصلاة لفلان الميت، فهذا غير مشروع، أو تصوم أو تعمل أي عمل من أعمال البر، ثم تقول: أهدي ثواب هذا العمل للميت، أو كما يفعل بعض المبتدعة؛ حيث يقرأ الفاتحة ويقول: أهديها لفلان هذا كله ليس بمشروع، لكن بعض الأشياء استثنيت شرعاً من أعمال الطاعات تهدى للأموات مثل الحج عن الميت وإن كان سبق أن حج، فهذا مما يشرع، أما الطواف فلا يزال فيه خلاف بين أهل العلم إلى اليوم، وبعض مشايخنا لا يزالون يفتون بجواز هذا؛ لأنه ورد عن السلف، وكأنهم رأوا أن ذلك أصل، على أي حال سيأتي تفصيل هذه المسألة لأنها مهمة جداً، وبدأ الناس يقعون في مخالفات في هذه القضية، وبعضهم أيضاً ينكر المشروع منها.
стр. 93
الأمر بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود للرسول ﷺ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك أمره بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة).
وفي صحيح البخاري عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، حلت له شفاعتي يوم القيامة).
فقد رغب المسلمين في أن يسألوا الله له الوسيلة، وبين أن من سألها له حلت له شفاعته يوم القيامة، كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشراً، فإن الجزاء من جنس العمل].
هذا كله من باب الدعاء للنبي ﷺ ، سواء الصلاة عليه ﷺ ، أو طلب الوسيلة له، وأن يبعث في المقام المحمود.
وقد فسر النبي ﷺ الوسيلة بأنها درجة في الجنة، وبعضهم قال: يدخل فيها ما دون ذلك من الأمور التي ميزه الله بها.
أما المقام المحمود فقد فسر بتفسيرين: أولهما: أن المقصود بالمقام المحمود شفاعته ﷺ للخلائق أن يفصل الله بينهم يوم القيامة، ومنها شفاعته ﷺ لأهل الجنة بأن يدخلوها، وقد جاء تفسيره في النص الصريح بأنه هو المقام المحمود.
وفسر بعض السلف المقام المحمود بصورة أخرى، وهو ما ورد في بعض الآثار من أن الله يجلس نبيه على العرش، وهذه مسألة قال بها بعض السلف وأنكرها آخرون، فبعضهم جعلها مسألة من مسائل العقيدة والأصول، وبعضهم جعلها من الأمور التي تحتاج إلى تحقيق ونظر، وبعضهم أنكرها، وعلى هذا فإن تفسير المقام المحمود بالشفاعة العظمى هو التفسير القاطع الذي لا شك فيه، لكن هل من المقام المحمود أن الله يجلس نبيه على العرش؟ هذه المسألة لا يمنع منها العقل، بعض الناس يستهولها عقلاً، ويقول: كيف يكون على العرش؟ فنقول: العرش مخلوق والرسول ﷺ مخلوق، والله يقدر ما يشاء ويفعل ما يشاء، لكن لا يلزم من هذا أن يقف الإنسان عند ما يتخيله خياله من لوازم تتعلق باستواء الله على عرشه، فالله ليس كمثله شيء، والله قادر على أن يفعل ذلك، كما أن الله رفع مقام النبي ﷺ في المعراج إلى أن وصل سدرة المنتهى، ووصل إلى مقام لم يصله أحد قبله من الخلق، ولن يصله أحد بعده، قادر على أن يجلسه على العرش كما يليق بفعل الله ، وليس ذلك بممتنع، لكن أقول: إن هذه المسألة ليست متفقاً عليها عند السلف، بل بعضهم عدها من غرائب الأقوال.
والله أعلم.
стр. 94
سؤال رسول الله الدعاء من عمر وحديث: (أجعل لك صلاتي كلها)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هذا الباب الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، وابن ماجه: (أن عمر بن الخطاب استأذن النبي ﷺ في العمرة فأذن له، ثم قال: ولا تنسنا يا أخي من دعائك)، فطلب النبي ﷺ من عمر أن يدعو له كطلبه أن يصلي عليه ويسلم عليه، وأن يسأل الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة، وهو كطلبه أن يعمل سائر الصالحات، فمقصوده نفع المطلوب منه والإحسان إليه، وهو ﷺ أيضاً ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم به، وينتفع أيضاً بالخير الذي يفعلونه من الأعمال الصالحة ومن دعائهم له.
ومن هذا الباب قول القائل: (إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت.
قال: الربع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك.
قال: النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: الثلثين؟ قال: ما شئت، وإذا زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً تكفى همك ويغفر لك ذنبك) رواه أحمد في مسنده والترمذي وغيرهما].
يقصد بهذا الدعاء للنبي ﷺ والصلاة عليه، ولا يقصد بالصلاة هنا الصلاة المعهودة، فالصلاة يدخل فيها الدعاء أو الصلاة والسلام عليه ﷺ ، فالسائل هنا يقول: لو أني جعلت كل وقت من الأوقات أحدده للعبادة أو للذكر في الصلاة عليك والدعاء لك؟ فالنبي ﷺ قال: (وإن زدت فهو خير لك)، ثم لما قال: أجعل لك صلاتي كلها، قال: (إذاً تكفى همك ويغفر لك ذنبك)، بمعنى أن يخصص كل وقت الذكر للدعاء للنبي ﷺ والصلاة عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد بسط الكلام عليه في جواب المسائل البغدادية، فإن هذا كان له دعاء يدعو به، فإذا جعل مكان دعائه الصلاة على النبي ﷺ كفاه الله ما أهمه من أمر دنياه وآخرته، فإنه كما صلى عليه مرة صلى الله عليه عشراً، وهو لو دعا لآحاد المؤمنين لقالت الملائكة: (آمين، ولك بمثل) فدعاؤه للنبي ﷺ أولى بذلك.
ومن قال لغيره من الناس: ادع لي أو لنا، وقصده أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أيضاً بأمره وبفعل ذلك المأمور به، كما يأمره بسائر فعل الخير، فهو مقتد بالنبي ﷺ مؤتم به، ليس هذا من السؤال المرجوح].
هذه مسألة فيها غموض ويغفل عنها كثير من الناس؛ وهو أن الشيخ فرق بين صورتين في طلب الدعاء من الغير: صورة أن يطلب الدعاء من الغير من أجل أن يؤجر الغير، ثم هو ينتفع، فيقول: إن هذا مشروع.
والصورة الأخرى وهي أقل مشروعية وربما تكون غير مرغوب فيها، وهو أن يكثر من طلب الدعاء من الغير لينتفع هو، وليس على باله أن ينتفع الداعي بالأجر.
وقد فرق الشيخ بين الصورتين أكثر من مرة فيما مضى وفي هذا المقام وفي مقامات لاحقة، وهذا فقه دقيق لا يدركه أكثر الناس، فالشيخ تجده مرة يقول: طلب الدعاء من الغير ليس مرغوباً فيه، وهنا يقول: طلب الدعاء من الغير في هذه الصورة مرغوب فيه وراجح، وليس من السؤال المرجوح.
إذاً: الصورة التي رأى أنها مرغوبة وراجحة وليست من السؤال المرجوح هي: أن تطلب من الغير الدعاء لك ويكون في نيتك الإحسان إلى هذا الغير من أجل أن ينتفع بالدعاء فيؤجر؛ لأن الدعاء للمسلمين من أعظم القربات، والدعاء للمؤمنين بخاصة من أعظم القربات، والدعاء للصالحين كذلك من أعظم القربات، فمن هنا تفطن الشيخ لهذا الفقه ففرق بين الصورتين.
стр. 95
السؤال المذموم في سؤال المخلوق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه، فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك، بل هذا هو من السؤال المرجوح الذي تركه إلى الرغبة إلى الله وسؤاله أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله، وهذا كله من سؤال الأحياء السؤال الجائز المشروع].
ختم الشيخ هذا المقطع ببيان أن الصورتين مشروعتان، لكن الصورة الأولى فاضلة والصورة الثانية مفضولة؛ والصورة الأولى أن يقصد فيها طالب الدعاء الإحسان للداعي والنفع له ولغيره، والصورة الأخرى هي أن يطلب الإنسان من آخر أن يدعو له، لكن لانتفاع يخص السائل، وليس على باله نفع الآخرين، فهذه صورة مرجوحة.
قال أهل العلم: لا ينبغي للمسلم أن يكثر من طلب الدعاء من الآخرين؛ لأنه يقلل من اعتماده على الله ، ويضعف يقينه ويضعف قلبه، لكن مجال طلب الدعاء من الآخرين هو في ظروف معينة، كأن يكون في مكان فاضل أو في زمان فاضل أو في عمل جليل، أو من إنسان صالح يتوسم فيه الصلاح ويكون الدعاء في هذا الظرف له مناسبة، كأن يكون مضطراً له حاجة ملحة، فمن هنا يكون طلب الدعاء من الغير في مناسبات محدودة وفي ظروف محدودة، أما أن يكون سمة للشخص، فهذا في الغالب إما أن يكون عن ضعف إيمان، أو على الأقل يدخل فيما لا يشرع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما سؤال الميت فليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب، بل ولا مباح، ولم يفعل هذا قط أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من سلف الأمة؛ لأن ذلك فيه مفسدة راجحة وليس فيه مصلحة راجحة، والشريعة إنما تأمر بالمصالح الخالصة أو الراجحة، وهذا ليس فيه مصلحة راجحة، بل إما أن يكون مفسدة محضة أو مفسدة راجحة، وكلاهما غير مشروع.
فقد تبين أن ما فعله النبي ﷺ من طلب الدعاء من غيره هو من باب الإحسان إلى الناس الذي هو واجب أو مستحب].
стр. 96
الأسئلة
стр. 97
العرش الذي يسجد موسى عند ساقه بعد الصعقة
السؤال
قال الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر:٢٢]، وجاء في الحديث أن الخلق يصعقون حينذاك وإذا بموسى ﵇ ساجد عند ساق العرش، السؤال: هل هذا العرش هو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟
الجواب
هذا هو الظاهر والله أعلم.
стр. 98
معنى قول ابن تيمية: (ليس كل ما يفعله الولد يكون للوالد مثل أجره)
السؤال
ما معنى قول شيخ الإسلام: (وليس كذلك الأبوان، فإنه ليس كل ما يفعله الولد يكون للوالد مثل أجره، إنما ينتفع بدعاء الولد ونحوه)، وهل يعارض هذا ما ورد أن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها؟
الجواب
هذه العبارة نحتاج أن نرجع لها في الكتاب؛ قال: (لم تجر عادة السلف أن يهدوا إليه -يعني: إلى النبي ﷺ ثواب الأعمال؛ لأن له ﷺ مثل ثواب أعمالهم بدون الإهداء من غير أن ينقص من ثوابهم شيء، وليس كذلك الأبوان، فإنه ليس كل ما يفعله الولد يكون للوالد مثل أجره)، قصده: ما أشار إليه النبي ﷺ من أنه: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له)، يعني: دعاء الولد الصالح لأبويه من الأجور الباقية التي يصل ثوابها إلى الميت، وهي مستثناة من عموم إهداء الثواب.
стр. 99
رهن النبي ﷺ درعه ليس من باب السؤال
السؤال
ذكر الشيخ ما في سؤال الخلق من المفاسد، والنبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند اليهودي، فهل على هذا سأل الخلق؟
الجواب
هذا ليس من باب سؤال الخلق؛ لأن هذا ليس سؤال استجداء، هذا من باب المعاملة مثل البيع والشراء، والأصل فيه الإباحة؛ لأن النبي ﷺ ما طلب لنفسه صدقة أو هدية أو هبة من اليهودي، ولكنه استدان ووضع مقابل الدين عيناً مرهونة، فليس لليهودي فضل على النبي ﷺ .
فإذاً: الشيء إذا كان فيه تبادل، كبيع شيء بشيء، ودين برهن، هذا كله ليس فيه فضل من طرف على الطرف الآخر.
стр. 100
تفضل الله على المؤمن والكافر بنعمة الإيجاد والخلق
السؤال
ألا يقال: إن الله تفضل في البداية على المؤمن والكافر سواء بسواء عند إيجاد؟
الجواب
أنا ذكرت هذا، لكن يبدو أني ما أوضحت المسألة، وذلك أن التفضل على العباد على نوعين: تفضل الربوبية والخلق والرزق والنعم العامة في الدنيا، فالعباد فيها سواء.
والنوع الآخر: هو تفضل الله على بعض عباده بالهداية، فلا شك أن الله يهدي من يشاء ويتفضل على عباده المؤمنين.
والشيخ كأنه أراد أن ينكر على الذين قالوا: إنه ليس هناك فرق بين الهداة والضالين، بين المؤمنين والكافرين، وأن فضل الله عليهم سواء في الدنيا والآخرة، وذكرت لهذا مثالاً واضحاً عند غلاة الفلاسفة والجهمية وغيرهم وهي يمثلهم ابن عربي وغلاة الصوفية.
стр. 101
بيان مفاسد سؤال المخلوق
السؤال
هذا يسأل عن قول الشيخ في المفاسد الثلاث: مفسدة الافتقار ومفسدة إلى آخره نرجو شرح هذه الثلاث باختصار مع الأمثلة؟
الجواب
كنت أظنها واضحة جداً، فالأولى وقفت عندها؛ لأن فيها بعض الغموض ففسرت شيئاً منها، أما الثانية: مفسدة إيذاء المسئول فواضحة؛ لأن المقصود بها أن السائل قد يقع في شيء من الإحراج، وأحياناً يكون الأمر أكثر من ذلك، أحياناً يكون في السؤال إتعاباً للمسئول أو خسارة عليه في دنياه، أو خسارة عليه في ماله أو نحو ذلك.
وكذلك قوله في الذل لغير الله؛ لأن السائل لا يسأل حتى يشعر بشيء من الافتقار إلى المسئول ويشعر بشيء من الذلة، ثم المسئول لابد إذا سئل وطلب منه العون، لابد أن يشعر بشيء من العزة على من يخدمه.
فهذه مسألة فطرية نجدها عند جميع الناس.
стр. 102
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١٢]
لم يشرع الله لعباده إلا ما فيه صلاحهم ومعاشهم ومنفعتهم في العاجل والآجل، والشرك والبدع فيها فساد العباد في المعاش والمعاد، ومن هنا فإن صرف أي نوع من العبادات لغير الله تعالى فيه إساءة لله تعالى، وسؤال بغير حق، واستجداء من مخلوق ناقص لا يقدر على شيء، وإعراض عن الخالق الذي يملك كل شيء ، وكل ذلك يحصل نتيجة إيحاءات الشيطان الذي يصرف الإنسان عن أوامر الرحمن واتباع غير سبيل الله وصراطه القويم.
стр. 103
أنواع الظلم في الزيارة الشركية للقبور
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وكذلك ما أمر به من الصلاة على الجنائز ومن زيارة قبور المؤمنين والسلام عليهم والدعاء لهم، هو من باب الإحسان إلى الموتى الذي هو واجب أو مستحب، فإن الله تعالى أمر المسلمين بالصلاة والزكاة، فالصلاة حق الحق في الدنيا والآخرة، والزكاة حق الخلق.
فالرسول ﷺ أمر الناس بالقيام بحقوق الله وحقوق عباده، بأن يعبدوا الله لا يشركوا به شيئاً، ومن عبادته الإحسان إلى الناس حيث أمرهم الله سبحانه به، كالصلاة على الجنائز، وكزيارة قبور المؤمنين، فاستحوذ الشيطان على أتباعه فجعل قصدهم بذلك الشرك بالخالق وإيذاء المخلوق، فإنهم إذا كانوا إنما يقصدون بزيارة قبور الأنبياء والصالحين سؤالهم أو السؤال عندهم، أو أنهم لا يقصدون السلام عليهم ولا الدعاء لهم كما يقصد بالصلاة على الجنائز كانوا بذلك مشركين مؤذين ظالمين لمن يسألونه، وكانوا ظالمين لأنفسهم، فجمعوا بين أنواع الظلم الثلاثة.
فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد، وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد، فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦] وهذا أمر بمعالي الأخلاق، وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها.
وقد روي عنه ﷺ أنه قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) رواه الحاكم في صحيحه، وقد ثبت عنه في الصحيح ﷺ أنه قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى)، وقال: (اليد العليا هي المعطية واليد السفلى السائلة)، وهذا ثابت عنه في الصحيح.
فأين الإحسان إلى عباد الله من إيذائهم بالسؤال والشحاذة لهم، وأين التوحيد للخالق بالرغبة إليه والرجاء له والتوكل عليه والحب له، من الإشراك به بالرغبة إلى المخلوق والرجاء له والتوكل عليه، وأن يحب كما يحب الله؟ وأين صلاح العبد في عبودية الله والذل له والافتقار إليه من فساده في عبودية المخلوق والذل له والافتقار إليه؟ فالرسول ﷺ أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة، ونهى عن الأنواع الثلاثة التي تفسد أمور أصحابها].
في هذا المقطع أشار الشيخ إلى معنى جيد ومهم جداً أيضاً في مناقشة أهل البدع والأهواء، خاصة أولئك الذين يصرفون العبادة إلى الأشخاص، أو الذين يتبركون بالأشياء والأشخاص بأكثر مما ورد به الشرع، فمن وجوه الرد عليهم أن يقال: إن عملكم هذا فيه أذى لأولئك المدعوين من دون الله؛ لأن هؤلاء المدعوين إما من الناس الصالحين، أو من الجمادات والمخلوقات التي لا تعقل، أو من غير الصالحين، فإن كانوا من الصالحين فهم لا شك يعظمون الله ويعبدونه حق عبادته، ويعلمون أن دعاءهم من دون الله أو التبرك بهم أو عمل شيء من البدع باسمهم وبأشخاصهم غير لائق إلا بالله ، فيتأذون بذلك أشد الأذى؛ لأنهم يعرفون أن هذا باطل، والباطل تضيق به نفس المؤمن حياً وميتاً، ولا شك أنه من الأمور التي تعد من أعظم أبواب الإساءة إلى الخلق، فضلاً عن أنها إساءة إلى الخالق .
وإن كانوا من غير الصالحين، فإنهم يوماً من الأيام سيدركون أن هذا العمل خطأ ويتمنون أن لو لم يكن، لأنهم إن كانوا أصحاب أوزار زاد ذلك من أوزارهم، وسيعلمون الحقيقة عندما ينتقلون من هذه الحياة إذا لم يعلموها في حياتهم، فيكون ذلك من أشد الإساءة إليهم.
وإن كانت المعبودات من الجمادات، فلا شك أن الجمادات خاضعة لله خضوعاً كاملاً، تسبح الله وتستغفره وتعبده كما هيأ الله لها ذلك، فعبادتها من دون الله يتنافى مع هذا ويتضاد، فلو كانت لها ألسنة لأعلنت أن ذلك أعظم الإساءة إليها.
ثم إنه أشار إلى معنى آخر، وهو أن طلب الأشياء من دون الله إضافة إلى أنها إساءة فكذلك هي من الشحاذة لهم، والشحاذة هي السؤال بغير حق، وهي استجداء من المخلوق الناقص الذي لا يقدر على كل شيء، والإعراض عن استجداء الخالق وعبادة الخالق الذي يملك كل شيء، فهذا أيضاً يعتبر من الأعمال الدنيئة الرديئة، حيث قد تكفل الله برزقه وهو يستجدي الآخرين.
كما أن طلب اللقمة من الناس من المتسول الذي جعل التوسل مهنته هي شحاذة، فكذلك العبادة لغير الله من باب أولى، فهي نوع من استجداء المخلوقين فيما لا يقدرون عليه، أو فيما يجب أن يتوجه العبد إلى الله به، ولا يطلب من المخلوقين إلا ما أذن الله فيه.
قال رحمه الله تعالى: [ولكن الشيطان يأمر بخلاف ما يأمر به الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِي
стр. 104
الأسئلة
стр. 105
صرف المتكبرين عن آيات الله الكونية والشرعية
السؤال
الآيات المذكورة في قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٤٦] هل تشمل الآيات الكونية والشرعية؟
الجواب
نعم، هذه تشمل جميع الآيات الكونية والآيات الشرعية، آيات الوحي، وآيات الكون، لكن في بداية الآية يشير إلى الآيات الكونية، التي هي المعجزات التي أظهرها الله على أيدي رسله المعجزات، والآيات الكونية الأخرى أيضاً، كذلك من المعجزات الشرائع والوحي الذي أنزله الله على رسله.
стр. 106
مسألة الرؤية بين المثبتة والنفاة
السؤال
إن من أنكر الرؤية فهو كافر، فهل يدخل في ذلك المؤولة الذين قصدوا من ذلك تنزيه الرب تعالى، مثل بعض الأشاعرة؟
الجواب
الأشاعرة لم ينكروا الرؤية، ولا أعرف من الأشاعرة من أنكر الرؤية أبداً، لكنهم أثبتوها إثباتاً فيه نوع البدعة، قالوا: يرى إلى غير جهة، فهم يعتقدون الرؤية، ولذا فلا أعرف في الرؤية مؤولة، الرؤية ليس فيها إلا مثبتة ونافية، لكن بعض المثبتة عندهم نوع من الابتداع في إثبات الرؤية، وهو إثبات الرؤية بلا جهة، هروباً من إثبات العلو الذاتي والاستواء والفوقية، وهروباً من إثبات الصفات الفعلية والذاتية.
стр. 107
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١٣]
التوسل من الألفاظ المجملة التي تحمل معاني حقة ومعاني باطلة، فالوسيلة الحقة المشروعة التي جاءت النصوص بها هي التقرب إلى الله تعالى بالواجبات والمستحبات، أو التوسل بالنبي في حياته بدعائه وشفاعته، أما التوسل به بعد مماته والإقسام بالله تعالى عليه فهذا ممنوع وباطل.
стр. 108
معاني الوسيلة وأحكامها
قبل أن نقرأ هذا الفصل أحب أن أشير إلى بعض القضايا المهمة فيه تسهيلاً لفقراته؛ وذلك أنه يعد خلاصة لما سبق في موضوع التوسل والوسيلة، ومقدمة لما سيأتي، أي أن الشيخ أتى بما سبق كله كتقعيد للتفصيل، هذا التقعيد ملخصه هذه الصفحات التالية، والتي تتعلق بالتمييز بين المشروع والممنوع من التوسل، والفرق بين عبادة الله بما شرع، وعبادة الله بما لم يشرع، أي: التوجه للمخلوقين، وذكر أنواع الوسيلة المشروع منها والممنوع للتفصيل فيها مستقبلاً في بقية الكتاب؛ لأن كل دروسنا هذه في كتاب التوسل والوسيلة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل: إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ الوسيلة].
قوله: (إذا عرف هذا)، الإشارة إلى الفرق بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع، فقد عرف على جهة الإجمال، ثم هذه خلاصة وزبدة لما سبق سيذكرها الشيخ.
قال ﵀: [إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه، ويعطى كل ذي حق حقه، فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه، وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك.
ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه، فإن كثيراً من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها، حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب].
стр. 109
المعنى الأول للوسيلة
بدأ الشيخ يذكر معاني لفظ الوسيلة، وهذا هو المعنى الأول لها، وسيأتي قوله: (الثاني:) إشارة إلى هذا المعنى أن هذا هو الأول.
قال رحمه الله تعالى: [فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].
فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب إليه من الواجبات والمستحبات].
هذا هو المعنى الأول، وهو المعنى الشرعي السليم للوسيلة، وهي ما كان المقصود بها التقرب إلى الله ، بعبادته بما شرع هو وشرع رسوله ﷺ ، وقد عرفها الشيخ بقوله: (هي ما تقرب إليه من الواجبات والمستحبات)، وهذا هو المعنى الأول للوسيلة، وهو المعنى العام الشامل، والمعنى الشرعي الدقيق الصحيح السليم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك، سواء كان محرماً أو مكروهاً أو مباحاً، فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول ﷺ فأمر به أمر إيجاب أو استحباب، وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول ﵊.
فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه؛ باتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك].
حينما عرف التوسل بأنه التقرب إلى الله بعبادته بما شرع وشرع رسوله ﷺ ؛ ذكر أن شرط ذلك هو اتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، وإلا فقد يدعي أي إنسان أنه يتقرب إلى الله في عبادته، لكن نقول: لا، التقرب إلى الله والوسيلة المشروعة لا يكونان إلا بالتقرب إلى الله بما شرعه رسوله ﷺ ؛ لأن هذا بأمر الله.
стр. 110
المعنى الثاني للوسيلة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والثاني: لفظ الوسيلة].
هذا هو المعنى الثاني للوسيلة.
قال رحمه الله تعالى: [والثاني: لفظ الوسيلة في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ : (سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة).
وقوله: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، حلت له الشفاعة).
فهذه الوسيلة للنبي ﷺ خاصة، وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله، وهو يرجو أن يكون ذلك العبد، وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول، وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فلما دعوا للنبي ﷺ استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء، كما قال: إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً].
إذاً: هذا هو المعنى الثاني للوسيلة، وهو أن المقصود به المقام المحمود الذي سيكون للنبي ﷺ يوم القيامة، فليس لنا أن نطلب هذه الوسيلة، ولا أن نتطلع إليها؛ لأنها خاصة بالرسول ﷺ فندعو بأن تتحقق له، وقد وعد الله بهذا، فهذا هو النوع الثاني الشرعي للوسيلة، لكن هذه المسألة لا دخل للعباد بها، فليست من أمور العبادة التي يمكن أن نتخذها طريقة لعبادة الله ، فغاية ما يكون منا هو الدعاء للرسول ﷺ بها، كالصلاة عليه.
следующие страницы →