← Акыда

Акыда · id 37717

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة

ناصر العقل

Полный текст (413 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

سؤال الله بالإيمان بالرسول ومحبته وطاعته سبب يقتضي الإجابة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نعم، لو سأل الله بإيمانه بمحمد ﷺ ، ومحبته له وطاعته له واتباعه؛ لكان قد سأله بسبب عظيم يقتضي إجابة الدعاء، بل هذا أعظم الأسباب والوسائل]. هذا أعظم الأسباب والوسائل لتحقيق الغرض للإنسان الذي يدعو ربه إذا كان له غرض معين، وهذا هو ما سماه أهل العلم السؤال بالأعمال الصالحة، الذي ينطبق عليه ما ورد في قصة أصحاب الغار. أما لو سأل الله بإيمانه بمحمد ﷺ فهذه صورة من صور التوسل مشروع، وهو التوسل بإيمانه ومحبته وطاعته واتباعه؛ فلو سأل به لكان قد سأل بسبب عظيم، فإن من أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه محبة رسوله ﷺ وطاعته. ثم قال: (بل هذا أعظم الأسباب والوسائل)، يقصد أن وسيلة الهداية التي تتحقق بها نجاة المسلم هو النبي ﷺ واتباع النبي ﷺ ، فيسأل الله بها أو بسببها ما يسأل من الأمور. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والنبي ﷺ بين أن شفاعته في الآخرة تنفع أهل التوحيد لا أهل الشرك، وهي مستحقة لمن دعا له بالوسيلة، كما في الصحيح أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة). وفي الصحيح أن أبا هريرة قال له: (أي الناس! أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه). فبين ﷺ أن أحق الناس بشفاعته يوم القيامة من كان أعظم توحيداً وإخلاصاً؛ لأن التوحيد جماع الدين، والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فإذا شفَّع محمداً ﷺ حد له ربه حداً فيدخلهم الجنة، وذلك بحسب ما يقوم بقلوبهم من التوحيد والإيمان. وذكر ﷺ أنه من سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة، فبين أن شفاعته تنال باتباعه بما جاء به من التوحيد والإيمان، وبالدعاء الذي سن لنا أن ندعو له به]. وبذلك تكون الوسيلة الصحيحة -وهي أفضل أنواع الوسيلة- أن يسأل الإنسان بأعماله، وبتوحيده وإخلاصه، وبما وعد الله به من الوسائل المشروعة، وأن النبي ﷺ حينما ذكر أن من سأل له الوسيلة حلت شفاعته؛ فهذه وسيلة مشروعة، والدعاء بها مشروع؛ لأنه وعد من الله، وأن الشفاعة تنال بالتوسل بما يعمله الإنسان من التوحيد والإيمان، وبالدعاء الذي سنه لنا الله ، سواء الدعاء بطلب الشفاعة وأمور الآخرة، أو طلب أمور الهداية، أو طلب أمور الدنيا؛ كل ذلك جائز، وهذا هو حقيقة الشفاعة، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 142

الأسئلة

стр. 143

حكم الدوران على المقابر بقصد الرياضة السؤال هذا تنبيه لأمر مهم غفل عنه الناس، وهو ما يستعمله بعض الناس من المشي والرياضة، وفي بعض الأحياء تكون هناك مقابر مسورة ومرصوفة تناسب أرصفتها للمشي فيأخذ في الرياضة بدورانه على المقبرة. الجواب الأمر بادئ ذي بدء قد لا يلفت النظر، لكن في الحقيقة أنه يشكل عند التأمل إذا نظرنا إلى سد الذرائع، وما يحدث غالباً من حدوث البدع، وأنه لا يستهان بأي ذريعة يمكن أن تكون سبباً لاعتقاد باطل، إذا نظرنا إلى هذه الاعتبارات، فيظهر أن الدوران على المقبرة لا ينبغي؛ لأن الذي يدور لم يكن قصده أي شيء يتعلق بالمقابر ولا بالمقبورين ولا بالموت، ولكن يراه الجاهل العامي، ويراه الطفل الناشئ، ويراه الأعجمي؛ فيظن أن هذا من الأمور المشروعة، وأن هذا له علاقة بالموتى، فالناس مفاهيمهم عجيبة! وأعظم من ذلك أن العجم تعودوا الدوران على القبور، ويظنون أن هذا من ضمن المراسم التي يعملونها هناك؛ فلذلك أرجو تنبيه الإخوة الذين يدورون على المقابر أن يبحثوا عن غيرها، كالحدائق والأماكن الأخرى، فالشبهة قوية، وينبغي التنبه لها. وهل يستوي في ذلك الدوران على اليمين واليسار؟ أقول: كله سواء، فأكثر الناس لا يفقه الفرق بين أن تدور على اليمين أو على اليسار.

стр. 144

سؤال الله بعمل صالح قد يذهب أجره السؤال هل سؤال الله بعمل صالح معين يذهب أجر ذلك العمل؟ الجواب يظهر لي -والله أعلم- أنه إذا كان سؤال الله في أمر اضطراري؛ فإنه مما لا يذهب أجر العمل الأصلي، وإذا كان من فضول الأمور، ومن مصالح الدنيا؛ فربما يكون من استعجال الثواب، والله أعلم.

стр. 145

حكم الإقسام على الله السؤال ماذا عن حديث: (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره)، هل هذا داخل تحت عدم الجواز المذكور؟ يعني: جواز الإقسام. الجواب الكلام في هذا كثير جداً عند أهل العلم، والراجح الذي عليه جمهور السلف والذي يقتضيه عمل الصحابة فيما يظهر: أن الأصل في الإقسام على الله لا ينبغي ولا يجوز ولا يليق، لكن إذا حدث ممن له ولاية ووضع خاص، أو حدث من أناس قد يكون عندهم زيادة جرأة ودلالة على الله ؛ إما لبساطتهم، أو لأمور تتعلق بخصالهم، ولا تتعلق بالأصل الشرعي؛ فهذا من الأمور التي لا تحكم على هذه القاعدة، أو عند الضرورات القصوى كما يحدث في بعض الأزمات التي يقع فيها المسلمون؛ فيطلبون من أحد أن يقسم على الله، أو يطلب هو عند الضرورات التي تتعلق بمصالح الأمة العظمى، لا الحاجات الشخصية؛ فمن هنا يكون الإقسام على الله استثناء لا يكون بفتوى، إنما هي حالات تحصل لأشخاص نلتمس لهم المعاذير، ونقول: إن عملهم بخصوص مشروع؛ لأسباب يعرفها أهل العلم.

стр. 146

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١٧] نعم الله ومننه على العباد كثيرة لا تحصى، ومن اعتقد أنه يجب على الله أن يثيبه ويجزيه بعمله إحساناً وفضلاً مزيداً فهو جاهل لم يتعرف على الفروقات، ولم يدرك أوجه المقارنات بين الخالق والمخلوق، تعالى الله وتقدس.

стр. 147

التفصيل في معنى السؤال بحق فلان قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وأما السؤال بحق فلان فهو مبني على أصلين: أحدهما: ما له من الحق عند الله. والثاني: هل نسأل الله بذلك كما نسأل بالجاه والحرمة!].

стр. 148

أقوال العلماء في حق المخلوق على الخالق قال ﵀: [أما الأول: فمن الناس من يقول: للمخلوق على الخالق حق يعلم بالعقل، وقاس المخلوق على الخالق، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة وغيرهم. ومن الناس من يقول: لا حق للمخلوق على الخالق بحال، لكن يعلم ما يفعله بحكم وعده وخبره، كما يقول ذلك من يقوله من أتباع جهم والأشعري وغيرهما ممن ينتسب إلى السنة]. القول الثالث الذي سيذكره الآن هو القول الراجح، وهو قول الجمهور أهل السنة والجماعة، وهو الذي تؤيده النصوص الشرعية. قال رحمه الله تعالى: [ومنهم من يقول: بل كتب الله على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه حقاً لعباده المؤمنين، كما حرم الظلم على نفسه، لم يوجب ذلك مخلوق عليه، ولا يقاس بمخلوقاته، بل هو بحكم رحمته وحكمته وعدله كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم. كما قال في الحديث الصحيح الإلهي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا). وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. وفي الصحيحين عن معاذ عن النبي ﷺ أنه قال: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، يا معاذ! أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم). فعلى هذا القول لأنبيائه وعباده الصالحين عليه سبحانه حق أوجبه على نفسه مع إخباره. وعلى الثاني يستحقون ما أخبر بوقوعه وإن لم يكن ثَّم سبب يقتضيه. فمن قال: ليس للمخلوق على الخالق حق يسأل به، كما روي أن الله تعالى قال لداود: وأي حق لآبائك علي؟ فهو صحيح إذا أريد بذلك أنه ليس للمخلوق عليه حق بالقياس والاعتبار على خلقه، كما يجب للمخلوق على المخلوق، وهذا كما يظنه جهال العباد من أن لهم على الله سبحانه حقاً بعبادتهم]. إذاً: الحق الذي للعباد من الله لا يوجبونه عليه بأي مقياس من المقاييس، بل لا يجوز لأحد أن يفرض على الله حقاً للعباد، لكن الله وعد عباده بحق ألزم نفسه به، فإذاً: الوعد بفضله ومنه ورحمته، فالعباد ليس لهم على الله أي حق، ولا يستحقون على الله بأي عمل من الأعمال حقاً يفرضونه، ولا يمكن أن يكون لهم على الله فيه أي حجة.

стр. 149

ما تتخيل النفوس من الحق على الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه يصير له على الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق، كالذين يخدمون ملوكهم وملاكهم، فيجلبون لهم منفعة ويدفعون عنهم مضرة، ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة على ذلك، ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه: ألم أفعل كذا؟! يمن عليه بما يفعله معه، وإن لم يقله بلسانه كان ذلك في نفسه]. يقصد بذلك أن بعض العباد يتصور أنه إذا عبد الله وأطاعه؛ فإنه بذلك يكون له حق على الله، وهذا جهل من جميع الوجوه؛ فإن العبد مهما بلغ من العبادة والشكر لله والثناء والعرفان فإنه لا يكافئ بذلك نعمة من نعم الله الكثيرة. فإذاً: هذا الفهم خاطئ، وكما ذكر الشيخ أنه فهم جاهلي تفهمه بعض الأمم وبعض الملل وبعض الطوائف وبعض الأفراد، فيمنون على الله بإسلامهم أو بعبادتهم، وهذا من جهلهم.

стр. 150

بيان جهل من تخيل أن له على الله حقاً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتخيل مثل هذا في حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه؛ فلهذا بين سبحانه أن عمل الإنسان يعود نفعه عليه، وأن الله غني عن الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]. وقال تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧ - ٨]. وقال تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٧٦]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧].

стр. 151

امتنان الله تعالى بالعمل على الخلق وقد بين أنه المانُّ بالعمل؛ فقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]. وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٧ - ٨]. وفي الحديث الصحيح الإلهي: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، وإنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً ولا أبالي؛ فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)].

стр. 152

الفروق بين الخالق والمخلوق [وبين الخالق تعالى والمخلوق من الفروق ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة:]

стр. 153

الله تعالى غني عما سواه وهو الذي يخلق العمل [منها: أن الرب تعالى غني بنفسه عما سواه، ويمتنع أن يكون مفتقراً إلى غيره بوجه من الوجوه، والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيرهم حاجة ضرورية. ومنها: أن الرب تعالى وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة التائبين؛ فهو الذي يخلق ذلك وييسره، فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته. وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقرُّون بأن الله هو المنعم على عباده بالإيمان، بخلاف القدرية، والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل غيره].

стр. 154

الله تعالى يأمر العباد بما يصلحهم [ومنها: أن الرب تعالى أمر العباد بما يصلحهم، ونهاهم عما يفسدهم، كما قال قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا ينهاهم عما نهاهم عنه بخلاً عليهم، بل أمرهم بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، بخلاف المخلوق الذي يأمر غيره بما يحتاج إليه، وينهاه عما ينهاه بخلاً عليه. وهذا أيضاً ظاهر على مذهب السلف وأهل السنة الذين يثبتون حكمته ورحمته، ويقولون: إنه لم يأمر العباد إلا بخير ينفعهم، ولم ينههم إلا عن شر يضرهم، بخلاف المجبرة الذين يقولون: إنه قد يأمرهم بما يضرهم، وينهاهم عما ينفعهم].

стр. 155

الله هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب [ومنها: أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وهو المنعم بالقدرة والحواس وغير ذلك مما به يحصل العلم والعمل الصالح، وهو الهادي لعباده، فلا حول ولا قوة إلا به؛ ولهذا قال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٤٣]، وليس يقدر المخلوق على شيء من ذلك].

стр. 156

نعم الله على عباده أعظم من أن تحصى [ومنها: أن نعمه على عباده أعظم من أن تحصى، فلو قدر أن العبادة جزاء النعمة؛ لم تقم العبادة بشكر قليل منها، فكيف والعبادة من نعمه أيضاً].

стр. 157

العباد مقصرون في حق الله [ومنها: أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته، فلن يدخل أحد الجنة بعمله، وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج فيها إلى مغفرة الله لها: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]. وقوله ﷺ : (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله)، لا يناقض قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]؛ فإن المنفي نفي بباء المقابلة والمعاوضة، كما يقال: بعت هذا بهذا، وما أثبت أثبت بباء السبب، فالعمل لا يقابل الجزاء وإن كان سبباً للجزاء؛ ولهذا من ظن أنه قام بما يجب عليه، وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه؛ فهو ضال، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، وروي: (بمغفرته). ومن هذا أيضاً الحديث الذي في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيراً من أعمالهم) الحديث. ومن قال: بل للمخلوق على الله حق؛ فهو صحيح إذا أراد به الحق الذي أخبر الله بوقوعه، فإن الله صادق لا يخلف الميعاد، وهو الذي أوجبه على نفسه بحكمته وفضله ورحمته. وهذا المستحق لهذا الحق إذا سأل الله تعالى به يسأل الله تعالى إنجاز وعده، أو يسأله بالأسباب التي علق الله بها المسببات؛ كالأعمال الصالحة، فهذا مناسب. وأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك الشخص؛ فهو كما لو سأله بجاه ذلك الشخص، وذلك سؤال بأمر أجنبي عن هذا السائل لم يسأله بسبب يناسب إجابة دعائه]. هذه -في الحقيقة- نتيجة لذاك الاستطراد، والله إنما أوجب ما أوجبه على نفسه برحمته وفضله، وليس للعباد في ذلك أي منة على الله ، وليس ما يعطيهم الله من الفضل مجازاة لأعمالهم، إنما الله جعل الأعمال سبباً لرحمته وفضله ومنته. قوله: (وهذا المستحق لهذا الحق)، يعني: العبد المؤمن إذا عمل بمقتضى ما وعد الله به؛ فإنه إذا سأل الله تعالى بطاعته التي أطاعه بها فإنما يسأل الله ما وعده الله به، لا بحق له يوجبه على الله. وأيضاً: فإنما يسأل من فضل الله، لا من حق يمن به على الله، أو يسأله بالأسباب التي علق الله بها المسببات، فقد جعل الله الأعمال الصالحة سبباً لتحصيل المطلوب عند الدعاء بها، كما ورد في قصة أصحاب الغار. فجعل الداعي الأعمال الصالحة سبباً لما وعد الله به بفضله وكرمه، لا سبباً يجب على الله؛ هذا أمر. قوله: (أما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك الشخص؛ فهو كما لو سأله بجاه ذلك الشخص)، أي: فإذا قال: اللهم إني أسألك بحق فلان، فهذا غير مشروع، إلا على وجه بعيد ضعيف سيأتي ذكره، يقول: هذا من العدوان؛ لأنك ما سألت بحقك، وذلك الشخص جاهه له، وحقه الذي وعد الله به له؛ لأنه بعمله، والناس لا ينفع أحد منهم الآخر بعمله يوم القيامة. وقال: وذلك سؤال بأمر أجنبي، أي: ليس من عمل السائل، فلم يسأله بسبب يناسبه إجابة دعائه. مثال ذلك: لو أن إنساناً عنده مؤهل جامعي، وآخر ليس عنده شهادة، فجاء هذا الذي ليس عنده شهادة تؤهله للوظيفة فأخذ شهادة الآخر وذهب بها إلى الجهات المسئولة ليتوظف بها؛ فإنهم إذا طابقوا اسمه قالوا: هذه لغيرك، قال: أنا فقط أتوسل بها؛ فهذا يضحك الناس عليه؛ لأنه سأل بغير سببه الذي تسبب به، فهذا مثال السؤال بجاه فلان. فإنه بذلك -بلا شك- علاوة على أنه معتد ربما يشك في عقله وفي ذمته، فكذلك من يسأل بجاه فلان أو بفلان أو بحقه، فإن هذه الحقوق إنما وعد الله بها أصحابها. لكن ستأتي صورة -وهذا وجه من وجوه التداخل- قد يجوز فيها أن يقال: اللهم إني أسألك بجاه فلان، في حالة ما إذا كان فلان المسئول بجاهه موجوداً وقادراً، وأن المقصود بجاهه دعاؤه للغير، كما حدث في قصة الأعمى الذي دعا له النبي ﷺ ، فإنه سأل بجاه النبي ﷺ ، لكن الصورة التي سأل بها هو أنه دعا الله أن يقبل دعاء النبي ﷺ فيه، فهذا لا حرج فيه؛ لأنه من إنسان قادر ما اعتدينا على أعماله، إنما طلبنا دعاءه، وسبق أن ذكر الشيخ أن من أصول الشرع المتفق عليها: أنه يجوز أن تطلب من الآخرين أن يدعوا لك عند اللزوم، أو في حالة معينة. فإذا قصد بالجاه هذه الصورة فنعم، لكنها بعيدة، وإذا قصد بحق فلان هذا الوجه فهذا صحيح، لكنه غير المتبادر، ولذلك فالأولى اجتناب هذه العبارة؛ لما فيها من اللبس، والصورة الصحيحة تبقى على الوضوح، بمعنى أنه يجوز أن تطلب من الغير أن يدعو لك، وأن تدعو الله أن يستجيب دعاءه فيك، لأنك ما استعملت عمله في صالحك، إنما استعملت المشروع في حقك، وهو أن تطلب منه الدعاء لك.

стр. 158

الأسئلة

стр. 159

الحكم على حديث قصة الأعمى ومفهومه السؤال حال قصة الأعمى مع النبي ﷺ ؟ الجواب حديث قصة الأعمى مع النبي ﷺ صحيح، وهي قصة وردت مجملة ووردت مفسرة، فوردت بأنه توسل به، ووردت مجملة في صورة هذا التوسل، وهو أن الأعمى جاء إلى النبي ﷺ ليدعو له ليرد الله إليه بصره، فالنبي ﷺ طلب منه أن يتوضأ وأن يصلي وأن يدعو الله بأن يستجيب دعاء النبي ﷺ فيه، فكان أن النبي ﷺ دعا له، وهو دعا ربه بأن يقبل الله دعاء نبيه فيه؛ فحصل مقصوده بأن أعاد الله عليه بصره على صورة مشروعة واضحة بينة لا لبس فيها ولا غموض، ومفسرة تفسيراً واضحاً وبيناً. فإذا قيل: هل يجوز أن نعمل على هذه الصورة؟ فالجواب: جمهور السلف على أنه لا يجوز؛ لأن هذا من خصوصيات النبي ﷺ في أن الله يستجيب دعاءه في مثل هذه الأمور التي يندر أن يحدث، وهي تعتبر من خوارق الأمور، فهذا -والله أعلم- من خصوصيات النبي ﷺ على هذا الوجه والصورة. ويبقى جزء من هذا الأمر مشروعاً، وهو ما فعله الصحابة، وكذلك أقره النبي ﷺ فيما يظهر والله أعلم من أن تطلب من غيرك أن يدعو لك؛ لكن أن يزاد على هذا أن تصلي وتتضرع لله ، أن يجيب دعاء الداعي الآخر فيك؛ فهذه الصورة على جهة التعبد لا تجوز، لكن لو دعا إنسان بعد صلاته، أما أن ينشئ صلاة من أجل ذلك فالظاهر أنه لا يجوز، وهذا رأي الجمهور. لكن كونك تطلب من رجل صالح أن يدعو لك، ثم بعد صلاتك أو بعد طاعة من الطاعات التي تعملها لله تدعو ربك بأن يقبل دعاء هذا الرجل الصالح فيك؛ فهذا أمر فيما يبدو ليس فيه حرج، لكن إذا لم ينشئ له صلاة.

стр. 160

اشتراط الاعتقاد في التكفير السؤال هل القول بأن الكفر لا يكون إلا باعتقاد من أقوال أهل السنة والجماعة؟ الجواب نعم، القول بأن الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد -أي: بالأمور الاعتقادية- قول لبعض أهل السنة، لكنه قول مرجوح، ويخالف قول الجمهور، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكره عن أئمة كبار من أئمة الدين المعدودين من أئمة السنة. لكنه كلام غير مفسر؛ لأنهم قالوا: إن الكفر الاعتقادي لا بد أن ينبثق عنه عمل، فكأنهم جعلوا الكفر العملي من لوازم الكفر الاعتقادي، وعند التفصيل نجد أنهم يتفقون على أن الكفر ليس فقط الكفر الاعتقادي، بل وفيه العملي، لكنهم عند التفصيل يقولون: إنه لا يمكن أن يكون هناك إخلال عملي إلا وهو ناتج عن فساد الاعتقاد، وإن اختل شيء من ذلك فهذه من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله ، لكن نحن نحكم بقرائن الأمور وقرائن الأقوال. فالشاهد: أن هناك من أئمة السلف من قال بأن الكفر لا يكون إلا بالكفر الاعتقادي، هذا في الإجمال، لكنه كلام مجمل يفسره قول من فصلوا، ومع ذلك فهذا القول مرجوح، والذي عليه جمهور السلف أن الكفر يكون بالاعتقاد فقط، ويكون بالعمل فقط، ويكون بهما؛ لأن الإعراض عن دين الله بالكلية كفر ولو لم يصحبه اعتقاد الشرك بالله كفر ولو لم يصحبه اعتقاد؛ لأن مسألة الاعتقاد مسألة ليست ظاهرة، مسألة مجملة مبهمة، قد لا يفهمها كثير من الناس، فإن بعض الناس لا يستصحب الاعتقاد في الأعمال الشركية على الوجه الذي نتصوره نحن، قد يعمل الشرك بالتقليد، لكن مع ذلك يعدُّ فاعله مشركاً. فأقول: إن هناك من الأعمال ما يقتضي الخروج من الملة ولو لم يصحبه اعتقاد في الظاهر لنا، وكذلك الاعتقاد قد يكون مخرجاً من الملة، وهذا متفق عليه ولو لم ينبثق عنه عمل، وقد يجتمع العمل الظاهر والعمل القلبي في الكفريات، أي: الاعتقاد مع العمل، وهذا هو الغالب.

стр. 161

التكفير بالجهل عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب السؤال هل صحيح أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كفر الجاهلين؟ الجواب لا، الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسائله وفي كتبه كفر الجاهلين أحياناً ونفى عنهم الكفر أحياناً، وهذا صحيح وهذا صحيح، إذا قرأت ما قاله؛ فإنه لا يكفر الجاهل إذا وقع في الكفر عرضاً، هذا ظاهر ما تأملته من كلامه وكلام أئمة الدعوة، يرون أن الجاهل الذي يقع في الكفر عرضاً لا يكفر حتى نتثبت منه، لكن الجاهل الذي يقع في الكفر أصالة بالتبع، بمعنى أنه يمارس الكفر دائماً وهو ديدنه: يطوف بالقبر يومياًَ أو كل أسبوع أو كل سنة ويستمر على هذا يسجد للصنم دائماً وإن ادعى الإسلام، يعمل كفراً بشكل دائم الأصل فيه أنه يكفر بعمله هذا. أما الكفر العارض فهو ينفى عن الجاهل حتى يتبين حاله، فالمسلم الذي الأصل فيه أنه على السنة إذا وقع في كفر أنه يحمل على الجهل، فنتثبت من حاله، أما من كان الأصل فيه البدعة المغلظة والكفرية، وهي ديدنه؛ فهذا الأصل فيه الكفر حتى يتبين لنا ما يعارض ذلك.

стр. 162

الحكم بالكفر على أصل البدع الكفرية مداخلة: هل يحكم على من هو واقع في بدعة كفرية بالكفر؟ الجواب هذا الظاهر لنا وأمره إلى الله ؛ لأن بعض الناس يخلط بين الجزم وبين حكم الله، نحن نحكم على أولئك الذين يمارسون البدع الشركية دائماً وهي عادتهم ومنهجهم بأنهم كفار، هذا في الجملة، وأن أفرادهم أيضاً واقعون في الكفر، هذا الحكم العام الظاهر؛ لكن هل نجزم به فيما بينه وبين الله ، أو في مصائرهم بأنهم على الحال التي نحكم بها ظاهراً، هذا لا نجزم به، وهذه قاعدة في الكفار وفي عصاة المسلمين وفي الذين يرتكبون الشركيات من المسلمين وغير المسلمين، فنحن نحكم بالظاهر وأمر الباطن وحقائق ما عليه العباد ومصائرهم بعد الموت إلى الله . فإذاً من يمارس الشركيات ممارسة أصلية ليست عارضة الأصل فيه أنه مشرك.

стр. 163

مذهب الإمام الطحاوي في التكفير السؤال هل الطحاوي ممن يقول بهذا القول: لا كفر إلا باعتقاد؟ الجواب هذا الظاهر، الطحاوي ﵀ مال في هذه المسألة إلى قول المرجئة بقوله: إنه لا كفر إلا باستحلال، أو باعتقاد، فقوله أميل إلى قول المرجئة، لكن في عباراته اضطراب، فهو عندما أجمل ذكر قول المرجئة، وأنه لا يكفر أحد بذنب ما لم يستحله. وهذا غير صحيح، فليست هذه هي عبارة السلف، فيبدو لي والله أعلم أنه أقرب إلى قول المرجئة، لكن إذا نظرنا إلى عباراته عند التفصيل نجد أنه يحاول أحياناً أن يقول بقول أهل السنة والجماعة، ولا يستبعد أنه في هذه المسألة على مذهب شيوخه في المذهب الفقهي وهم مرجئة الفقهاء، وإن كان ﵀ من أئمة السنة في سائر أصول الدين.

стр. 164

انتشار فكر المرجئة عن طريق الفضائيات السؤال بدأ ينتشر في الآونة الأخيرة وعلى شاشات الفضائيات الفكر الإرجائي، ونريد مرجعاً شاملاً عن هذا الفكر وهذا الاعتقاد؟ الجواب كُتبت الآن عدة كتب في الإرجاء والمرجئة وهي متوافرة في الأسواق، لكن من أراد التأصيل العلمي لمثل مستوياتكم الذين يحضرون الدروس الشرعية فكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية مؤصّل، وذكر هذه الأمور تفصيلاً. وعلى سبيل الإيجاز من الكتب القديمة، ومن أحسن من ناقش هذه القضية أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان، رسالة موجزة ولكن في الحقيقة تقصّد أقوال المرجئة وأدلتهم بعبارة سهلة موجزة وليس فيها استطراد، وبالدلالات الشرعية الظاهرة القوية. أما انتشار الفكر الإرجائي في الفضائيات فهو راجع إلى أن أغلب الذين يسهمون في البرامج الإسلامية في الفضائيات أشاعرة وماتريدية وعقلانيون وعصرانيون، وهؤلاء مرجئة في الأصل، ولا نتوقع منهم غير ذلك إلا من وفقه الله للقول بقول أهل السنة والجماعة.

стр. 165

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١٨] التوسل إلى الله تعالى بعمل قلبي مشروع أو بعمل من أعمال الجوارح؛ كأن يتوسل بحبه للرسول أو اتباعه له أو نحو ذلك جائز ولا محذور فيه، وإن كانت طوائف من أهل البدع وقعوا في لبس واضطراب في هذه المسألة، وهكذا التوسل بالحقوق المشروعة كحق الرحم وحق القرابة وحق الصلة فهي جائزة، وليست من التوسلات البدعية ولا من الإقسام على الله تعالى.

стр. 166

حكم السؤال بحق الأنبياء قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وأما سؤال الله بأسمائه وصفاته التي تقتضي ما يفعله بالعباد من الهدى والرزق والنصر، فهذا أعظم ما يسأل الله تعالى به. فقول المنازع: لا يُسأل بحق الأنبياء، فإنه لا حق للمخلوق على الخالق ممنوع. فإنه قد ثبت في الصحيحين حديث معاذ الذي تقدم إيراده، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. فيقال للمنازع: الكلام في هذا في مقامين: أحدهما: في حق العباد على الله. والثاني: في سؤاله بذلك الحق. أما الأول: فلا ريب أن الله تعالى وعد المطيعين بأن يثيبهم، ووعد السائلين بأن يجيبهم، وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد، قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦]، ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم:٤٧]. فهذا مما يجب وقوعه بحكم الوعد باتفاق المسلمين. وتنازعوا: هل عليه واجب بدون ذلك؟ على ثلاثة أقوال كما تقدم. قيل: لا يجب لأحد عليه حق بدون ذلك. وقيل: بل يجب عليه واجبات ويحرم عليه محرمات بالقياس على عباده. وقيل: هو أوجب على نفسه وحرّم على نفسه، فيجب عليه ما أوجبه على نفسه، ويحرم عليه ما حرمه على نفسه كما ثبت في الصحيح من حديث أبي ذر ﵁ كما تقدم]. فيما يتعلق بالأقوال الثلاثة فإن من القول الأول فرع عن القول الثالث، فالقول الأول مجمل والثالث مفصّل، فالقول الأول فيه نقص، وهو قوله: قيل: لا يجب لأحد عليه -أي: على الله حق بدون ذلك، أي بدون ما أوجبه الله على نفسه، وهذا هو الصحيح، لكن التفصيل الذي جاء في القول الثالث أبين وأوضح، وهو قول جمهور السلف. أما القول الثاني وهو قول المعتزلة، وقد أنكر عليهم السلف القول بإيجاب شيء على الله هذا أمر. الأمر الآخر: أن كلمة الوجوب هنا لا تعني وجوب التكليف؛ لأن الله لا مكره له، وهو سبحانه الحي القيوم القائم على شئون عباده، بيده مقاليد السماوات والأرض ليس لأحد عليه أمر، فهو الآمر الناهي، وهو المشرّع، وهو سبحانه المكلّف لعباده، لكن تساهل بعض الناس فأطلقوا على ما يلزم في حق الله عبارة الوجوب، بمعنى أن ما ألزم الله به نفسه أو ما كان من سنن الله التي لا تتبدل، أو ما قرر الله أنه كائن أو يكون، سواء في ذلك الأمور الكونية والأمور الشرعية، فإن هذا قد يعبر عنه بأنه لازم، يعني بمعنى أنه من سنن الله الكونية والشرعية، وهذا اللزوم أطلق عليه البعض الوجوب، لا وجوب التكليف وإنما هو وجوب اللزوم أو الالتزام، ومع ذلك فإن العبارة لا تليق، لكن قد يلجأ إليها بعض العلماء عند البيان أو عند الرد، أو في مثل هذا التفصيل الذي ذكره الشيخ. إذاً: فيما يتعلق بالقول الأول والثالث يقصد بالوجوب اللزوم.

стр. 167

امتناع الظلم في حق الله ومعنى ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والظلم ممتنع منه باتفاق المسلمين، لكن تنازعوا في الظلم الذي لا يقع، فقيل: هو الممتنع، وكل ممكن يمكن أن يفعله لا يكون ظلماً؛ لأن الظلم إما التصرف في ملك الغير، وإما مخالفة الأمر الذي يجب عليه طاعته، وكلاهما ممتنع منه]. هذا الأمر فصّل فيه الأشعري في مقالات الإسلاميين، وذكر أقوال الناس في ذلك، لكن مما ينبغي فهمه وهو ما أشار إليه الشيخ هنا، وهو أنه لا ينبغي أن يقال في حق الله ذلك، فإنا نعلم جزماً بأن الله ليس بظلّام للعبيد، وليس في أفعاله ظلم، وأن الله فعّال لما يريد، وأن ما يفعله الله كله حق وعدل؛ ونظراً لأن الله يفعل في ملكه ما يشاء فإن كل ما يفعله في عباده فهو عدل وليس بظلم. وهذا مؤدى كلام الشيخ في قوله: فقيل: هو الممتنع، وكل ممكن يمكن أن يفعله لا يكون ظلماً إذاً: أفعال الله كلها ليست ظلماً، هذا أمر بدهي، فينتج عن ذلك أن كل ما يفعله الله لا يمكن أن يكون ظلماً؛ لأن الله يفعل في ملكه ما يشاء، وأفعاله كلها على مقتضى الحكمة والعدل. فإذاً: الظلم منفي في حق الله ، ولا ينبغي للمسلم أن يخوض في هذا الأمر، لكن أهل الأهواء خاضوا في ذلك، فالسلف يضطرون إلى الكلام عن ذلك من باب بيان الأقوال وبيان الأخطاء في ذلك، لا من باب التقرير. قال المؤلف ﵀: [وقيل: بل ما كان ظلماً من العباد فهو ظلم منه. وقيل: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فهو سبحانه لا يظلم الناس شيئاً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]. قال المفسّرون: هو أن يُحمل عليه سيئات غيره ويُعاقب بغير ذنبه، والهضم أن يهضم من حسناته]. يعني يُنقص منها. قال ﵀: [وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠]، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [هود:١٠١]].

стр. 168

سؤال الله بحق العباد عليه ذكر الشيخ قبل قليل قال: (فيقال للمنازع: الكلام في هذا في مقامين)، يعني الكلام فيما يتعلق بما سبق ذكره من سؤال الله بأسمائه وصفاته، وهو يذكر ما يتعلق بقول المنازع: لا يسأل بحق الأنبياء فإنه لا حق للمخلوق على الخالق، الشيخ يقول: إن هذا فيه تفصيل، وأن في هذه القاعدة تفصيل ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما يتعلق بحق العباد على الله. وذكر أنه لا يجب على الله إلا ما أوجبه على نفسه، والوجوب هنا بمعنى الالتزام، لا بمعنى تكليف، هذا المقام الأول فهذا حق يمكن أن يُعبّر عنه بأنه حق للأنبياء أو حق للخلق، وهو مما أوجبه الله على نفسه، أو وعد به عباده أو بعض عباده. والمقام الثاني في هذه القاعدة، وهو ما سيذكره الشيخ الآن.

стр. 169

السؤال بحق هو سبب لإجابة السؤال قال رحمه الله تعالى: [وأما المقام الثاني فإنه يقال: ما بيّن الله ورسوله أنه حق للعباد على الله فهو حق، لكن الكلام في السؤال بذلك، فيقال: إن كان الحق الذي سأل به سبباً لإجابة السؤال حسُن السؤال به، كالحق الذي يجب لعابديه وسائليه]. لأن الله وعد أن يستجيب دعاء العابدين والسائلين، فكونه يجب لعابدي الله وسائليه بمعنى أن الله وعد به، فهذا بمعنى اللزوم، وأن الله وعدهم، فهذا الوعد يتحقق بإذن الله وبوعده.

стр. 170

السؤال بحق لا علاقة له بإجابة السؤال قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما إذا قال السائل: بحق فلان وفلان، فأولئك إذا كان لهم عند الله حق أن لا يعذبهم وأن يكرمهم بثوابه ويرفع درجاتهم، كما وعدهم بذلك وأوجبه على نفسه، فليس في استحقاق أولئك ما استحقوه من كرامة الله ما يكون سبباً لمطلوب هذا السائل، فإن ذلك استحق ما استحقه بما يسّره الله له من الإيمان والطاعة، وهذا لا يستحق ما استحقه ذلك، فليس في إكرام الله لذلك سبب يقتضي إجابة هذا]. هذا صحيح، فالحق للشخص متعلق به هو لا بغيره، فإذا كان هناك رجل صالح عمل من الصالحات فإن ذلك ينفعه، وقد يتعدى نفعه هو بدعائه لغيره، أو بالأسباب التي يعملها تنفع غيره كأن يتسبب لوالديه ببرهما أحياء وأمواتاً، فهذا الأمر -أي: الفعل- متعلق بالشخص نفسه سواء كان مما يرجع ثوابه عليه أو يتعدى نفعه إلى غيره، فإن هذا راجع إلى عمله هو، لكن لا يجوز لغيره أن يستعمل حقه أو يأخذ من حقه فيطلبه من الله ؛ لأن حق هذا الإنسان متعلق به لا بغيره، فالعبد الصالح أو الرجل الصالح لا يمكن للغير الانتفاع بعمله، أي أن يرجع ثواب عمله أو أن يستشفع أحد بعمله إلا في صورة واحدة، وهي أن يطلب منه الدعاء، أما ما عدا ذلك فإن عمله له ولا يتعدى لغيره، فهذه الصورة إذاً ممنوعة، فقوله: (وأما إذا قال السائل بحق فلان)، فحق فلان له وليس لغيره؛ لأن الله جعل لكل إنسان جزاء ما عمل، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

стр. 171

السؤال بدعاء المخلوق وشفاعته وهو قادر على ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن قال: السبب هو شفاعته ودعاؤه، فهذا حق إذا كان قد شفع له ودعا له، وإن لم يشفع له ولم يدع له لم يكن هناك سبب]. هذا فيما يتعلق بصورة واحدة؛ لأن الشيخ في المقطع السابق أجمل في قوله: (وفي حق فلان)! نقول: فلان هل هو حي أو ميت؟ إن كان فلان حياً فإنه لا يجوز ولا يمكن أن تسأله إلا ما يستطيعه، إذا جعلته سبباً وجعلت أعماله سبباً فإن كان السبب الذي تتوسل به هو شفاعته ودعاؤه وهو حي قادر فهذا جائز، تقول: يا فلان اشفع لي، أو أتوسل بك إلى فلان، أو أتوسل بك إلى الله فهذه صورة صحيحة، أما أن يكون معنى أتوسل بك: أجعلك وسيلة بذاتك وبعملك دون أن تتسبب بالدعاء، فهذه صورة ممنوعة كما هو معلوم. إذاً قال: (وإن قال السبب هو شفاعته)، أي التوسل بشفاعته وبدعائه فإن هذا جائز؛ لأنه حي قادر يستطيع أن يدعو، وهذه الصورة لا تكون في حق الأموات، لأنه لا يمكن لميت أن يدعو لحي، فإذاً هذه الصورة محصورة في حق الحي القادر كما هو معروف في الصور التي ذكرها الشيخ وفصّل فيها من قبل.

стр. 172

السؤال بالمحبة الإيمانية للمخلوق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن قال: السبب هو محبتي له وإيماني به وموالاتي له، فهذا سبب شرعي وهو سؤال الله وتوسل إليه بإيمان هذا السائل ومحبته لله ورسوله وطاعته لله ورسوله. لكن يجب الفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله، فمن أحب مخلوقاً كما يحب الخالق فقد جعله نداً لله، وهذه المحبة تضره ولا تنفعه. وأما من كان الله تعالى أحب إليه مما سواه، وأحب أنبياءه وعباده الصالحين له فحبه لله تعالى هو أنفع الأشياء، والفرق بين هذين من أعظم الأمور]. هذه المسألة تضمنت صورة جائزة، وهي ما إذا كان سأل المستشفع أو المتوسل بعمل قلبي مشروع أو عمل من أعمال الجوارح. فإذا توسل المسلم بحبه للرسول ﷺ ، فهذا توسل بعمله هو لا بالرسول ﷺ ، فلو قال إنسان: اللهم إني أسألك بحبي لرسولك ﷺ كذا وكذا، أو اللهم إني أسألك باتباعي لنبيك ﷺ فإنه بهذا توسل بعمله هو المتعلق بحق الرسول ﷺ ، ولم يتوسل بذات الرسول ﷺ ، ولا بعمل غيره. إذاً هذه الصورة قد تشتبه على كثير من أهل البدع الذين استدلوا على من أجازها بجواز غيرها، وهي من الصور التي قد تخفى على كثير من الناس، ومن هنا فإن أكثر الذين ردوا على أهل السنة والجماعة، وعلى شيخ الإسلام بالذات في هذا المقام جهلوا هذه القضية، وظنوا أن شيخ الإسلام لا يجيز التوسل بالإيمان أو بمحبة رسول الله ﷺ ، أو باتباع الرسول ﷺ ، ظناً منهم أنه ينفي كل ما يتعلق بالرسول ﷺ من التوسلات، في حين أن الصحيح الذي عليه جمهور السلف أن هناك من صور التوسل بالرسول ﷺ ما هو جائز كالتوسل بدعائه وهو حي، التبرك بآثاره وهو حي، وكالتوسل بحبه وبالإيمان به وباتباعه بعد وفاته ﷺ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: إذا كان التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته على وجهين]. يعني بالرسول ﷺ أو بالعمل الصالح. قال رحمه الله تعالى: [تارة يتوسل بذلك إلى ثوابه وجنته، وهذا أعظم الوسائل، وتارة يتوسل بذلك في الدعاء كما ذكرتم نظائره]. يقصد بهذا أن التوسل الجائز له صورتان: الصورة الأولى: كون المتوسل يريد بذلك الثواب والجنة، حيث يتوسل الإنسان بأعماله الصالحة ويدعو الله ويعبده طلباً لثوابه وجنته، فهذا هو الأصل وهو المطلوب من جميع العباد، وهو أصل العبادة وأساسها. والصورة الثانية: أن يتوسل بالعمل الصالح للوصول إلى غرض آخر، فهذا أيضاً جائز كما في قصة أصحاب الغار الذين توسل كل منهم بعمل صالح لتحقيق غرض وإن كان دنيوياً من جلب نفع أو دفع ضر، فهذا أيضاً جائز بل من الصور المشروعة التي ليس عليها خلاف.

стр. 173

معنى ما جاء عن السلف من التوسل قال رحمه الله تعالى: [فيُحمل قول القائل: أسألك بنبيك محمد ﷺ على أنه أراد: إني أسألك بإيماني به وبمحبته، وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته، ونحو ذلك. وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع. قيل: من أراد هذا المعنى فهو مصيب في ذلك بلا نزاع]. ولذلك نجد أن أكثر أهل البدع لا يريدون هذا المعنى، فسائرهم لا يقصدون التوسل بالإيمان به ومحبته إلى الله، إنما يقصدون التوسل بذاته، ولذلك ينادونه ويدعونه من دون الله، فهم فسّروا توسلهم بفعلهم وقولهم، فمن هنا لا يحتاج أن نتكلف أن أغلب أهل البدع لم يريدوا هذا الوجه الصحيح وهو التوسل إلى الله بمحبة النبي ﷺ وباتباعه وطاعته فإن هذا أمر مشروع، لكنهم لا يقصدونه؛ لأن فعلهم لا يدل على ذلك، ولو قصدوه لجاز هذا كما ذكر الشيخ. قال رحمه الله تعالى: [قيل: من أراد هذا المعنى فهو مصيب في ذلك بلا نزاع، وإذا حمل على هذا المعنى كلام من توسل بالنبي ﷺ بعد مماته من السلف كما نُقل عن بعض الصحابة والتابعين وعن الإمام أحمد وغيره، كان هذا حسناً، وحينئذ فلا يكون في المسألة نزاع، ولكن كثير من العوام يُطلقون هذا اللفظ ولا يُريدون هذا المعنى، فهؤلاء الذين أنكر عليهم من أنكر، وهذا كما أن الصحابة كانوا يريدون بالتوسل به التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا جائز بلا نزاع، ثم إن أكثر الناس في زماننا لا يريدون هذا المعنى بهذا اللفظ]. إذاً: تحصّل عندنا أن للتوسل بالنبي ﷺ صورتين جائزتين تتفرع عنهما ألفاظ وطرق: الصورة الأولى: التوسل بدعائه ﷺ وهو حي، وهذه انتهت بوفاته. الصورة الثانية: التوسل إلى الله بالإيمان به ﷺ ، وبحبه، واتباعه، والجهاد في سبيل دينه، واقتفاء أثره، وطاعته كل هذه الأعمال الإيمانية التي تتعلق بحق الرسول ﷺ الديني الشرعي يتوسل بها المسلم بقدر ما يعملها. إذاً تنحصر التوسلات بالنبي ﷺ بهاتين الصورتين وتتفرع عنهما ألفاظ وصور عدة، لكن هذا من الأصول التي تجمع التوسل الجائز بالنبي ﷺ توسل بدعائه وقد انتهى، والتوسل بما يتعلق بحقوقه واتباعه ﷺ وهذا جائز، والمسلم يتوسل بقدر ما يعمل.

стр. 174

حكم السؤال بحق الرحم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: فقد يقول الرجل لغيره: بحق الرحم، قيل: الرحم توجب على صاحبها حقاً لذي الرحم كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١]. وقال النبي ﷺ : (الرحم شجنة من الرحمن، من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله). وقال: (لما خلق الله الرحم تعلقت بحقوي الرحمن وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى قد رضيت). وقال ﷺ : (يقول الله تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته). وقد روي عن علي أنه كان إذا سأله ابن أخيه بحق جعفر أبيه أعطاه لحق جعفر على علي. وحق ذي الرحم باق بعد موته كما في الحديث أن رجلاً قال: (يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم! الدعاء لهما والاستغفار لهما، وإنفاذ وعدهما من بعدهما، وصلة رحمك التي لا رحم لك إلا من قبلهما). وفي الحديث الآخر حديث ابن عمر ﵄: من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي. فصلة أقارب الميت وأصدقائه بعد موته هو من تمام بره]. يقصد الشيخ بهذا أن هناك عبارة يستعملها كثير من الناس قديماً وحديثاً، وتشتبه بالتوسل البدعي في ظاهر لفظها، وهي كأن يقول إنسان لأحد أقاربه: أسألك بحق الرحم أن تعطيني، أو أن تزورني، أو بحق الرحم أن تفعل كذا وكذا فهذا أولاً ليس بقسم ولا استشفاع إنما هو سؤال بحق مشروع، وهو حق القرابة التي فرضها الله بين ذوي الرحم من وجوب الصلة والعناية فيما بينهم، فإن الله شرع للأقارب حقوقاً، والأقربون أولى بالمعروف، فمن هنا يسأل بهذا الحق ما كان من مصالح العباد فيما بينهم، ولا يسأل به شيء من أمور الآخرة ولا من الثواب وغيره، وليس هو من باب القسم، بل هو حق شرعه الله، فلذلك أجازه كثير من أهل العلم؛ لأن المقصود به العمل بما شرعه الله من الحقوق بين ذوي الأرحام، فمن هنا هذه العبارة في الغالب أنها جائزة وليست من باب التوسل البدعي ولا من باب القسم بغير الله.

стр. 175

الفرق بين السؤال بالمخلوق والإقسام على الله به قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذي قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء من أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى بمخلوق، لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك يتضمن شيئين كما تقدم]. استطرد الشيخ في هذه المسألة، قوله: أن أبا حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء قالوا: من أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى بمخلوق، تكلم عنه الشيخ قبل قليل من وجه، وهو ما قصده في بداية الدرس في قوله: فيقال للمنازع وقصده أن هؤلاء العلماء منعوا هذه العبارة بإطلاق، مع أنها تحتمل معنى صحيحاً، هذا وجه من التفصيل في هذه العبارة، والوجه الثاني أيضاً ما سيذكره الآن من أن هذه الكلمة تتضمن شيئين: قال رحمه الله تعالى: [أحدهما: الإقسام على الله به، وهذا منهي عنه عند جماهير العلماء كما تقدم]. لأنه حلف بغير الله على القول بأنه يمين، ومن ناحية أخرى أنه من باب التألي على الله ، وهذا لا يجوز. قال رحمه الله تعالى: [كما يُنهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء. والثاني: السؤال به، فهذا يجوّزه طائفة من الناس]. أي: السؤال به على التفصيل السابق، فإن كان المقصود به بعمله أو بذاته فإن هذا لا يجوز، وإن كان السؤال بحبه له وهو ممن يُحب في الله بأمر مشروع، كالسؤال بحب النبي ﷺ والسؤال بطاعته ونحو ذلك، فهذا جائز، ولذلك سيذكر الشيخ هذه الصورة استطراداً في تفصيل المسألة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذا يجوزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس، لكن ما روي عن النبي ﷺ في ذلك كله ضعيف بل موضوع، وليس عنه حديث ثابت قد يُظن أن لهم فيه حجة، إلا حديث الأعمى الذي علمه أن يقول: أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. وحديث الأعمى لا حُجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، وهو طلب من النبي ﷺ الدعاء، وقد أمره النبي ﷺ أن يقول: (اللهم شفعه في)، ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي ﷺ ، وكان ذلك مما يُعد من آيات النبي ﷺ ، ولو توسل غيره من العُميان الذين لم يدع لهم النبي ﷺ بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله. ودعا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار وقوله: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته، إذ لو كان هذا مشروعاً لم يعدل عمر ﵁ والمهاجرون والأنصار ﵃ عن السؤال بالرسول ﷺ إلى السؤال بـ العباس ﵁]. هذه الحجة ظاهرة، وهي من أقوى الحجج على أهل البدع، فإن القصة قصة استشفاع الصحابة وتوسلهم بـ العباس دليل ظاهر في منطوقه ومفهومه وفي فحواه على أنه لا يجوز التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته، أي التوسل بذاته أو دعائه؛ لأنه لو كان التوسل بذات النبي ﷺ والاستشفاع به بعد وفاته جائزاً فلا يمكن للصحابة ﵃ أن يعدلوا عن الاستشفاع بالرسول ﷺ إلى الاستشفاع بغيره كائناً من كان وهو بين ظهرانيهم، ما كان هذا الاستشفاع في مكة حتى نقول إن النبي ﷺ بعيد عنهم في المدينة، هذه القصة حصلت في المدينة والرسول ﷺ بين ظهراني الصحابة أي في قبره، ومع ذلك نظراً لأنه لا يجوز التوسل به بعد وفاته؛ لأنه لا يمكن أن يتمكن من الدعاء فإن الصحابة ﵃ استشفعوا بـ العباس. ثم ألفاظ عمر أيضاً: اللهم إنا كنا نستشفع بنبيك، ثم عدل بعد ذلك إلى الاستشفاع بعم نبيه ﷺ ، هذا دليل قاطع على أنه لا تجوز الصورة الأولى التي كانت في عهد النبي ﷺ بعد وفاته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وشاع النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم؛ لأن بين السؤال والإقسام فرقاً، فإن السائل متضرع ذليل يسأل بسبب يناسب الإجابة، والمقسم أعلى من هذا، فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم، والمقسم لا يقسم إلا على من يرى أنه يبر قسمه، فإبرار القسم خاص ببعض العباد]. قوله: (خاص ببعض العباد) أي: الذين ذكرهم النبي ﷺ : (إن من العباد من لو أقسم على الله لأبره) وهذا قليل، فالقسم على الله الأصل فيه عدم الجواز، لكنه قد يحدث من بعض الناس إما لجهلهم بالحكم أو عند ضرورة يتجاوزون بها هذا الحد من باب التأوّل أو الترخّص، أو نحو ذلك مما حدث من بعض الصحابة وغيرهم.

стр. 176

الأسئلة

стр. 177

المراد بتعلق الرحم بحقوي الرحمن السؤال ما المراد بحديث الرحم وأنها تعلقت بحقوي الرحمن؟ الجواب المقصود بحديث الرحم الاهتمام بالرحم وهي القرابة، فللقرابة حق، وأما قوله: (وأنها تعلقت بحقوي الرحمن) فهذا من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله ، من الأمور التي عبّر السلف عنها بقولهم: (تمر كما جاءت)، لكن لا شك أننا نفهم من هذا التعبير تعلقها بحقوي الرحمن، وهذا يثبت لله كما يليق بجلاله؛ لأن هذا الخبر عن الصادق المصدوق ﷺ أخبر به عن ربه، فلا يجوز لنا أن نتأوّل أو نتردد في إثبات ما ثبت، ومع ذلك لا يكون هذا من الصفات، فهذا كالملل وكالاستهزاء، فلا يقر ولا يُثبت إلا بسياقه أو بما يدل على السياق، بحيث لا يكون صفة مستقلة.

стр. 178

بيتان لابن تيمية في الحق على الله تعالى السؤال لشيخ الإسلام ابن تيمية بيتان في قضية الحق على الله : يقول: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عُذّبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع الجواب هذا حق.

стр. 179

كيفية التعامل مع زملاء العمل من الرافضة السؤال عندنا في العمل رافضة وهم ينشرون عقيدتهم بين الزملاء، فكيف نتعامل معهم، هل نهجرهم أو نقاطعهم؟ الجواب إذا كانوا ينشرون عقيدتهم فلا بد من اتخاذ إجراءات نحوهم، بإبلاغ الجهات المسئولة والمشايخ بأسمائهم، ولا يجوز السكوت عنهم، أما إذا كانوا كعادتهم يستعملون التقية ويجاملون فيُعاملون معاملة عادية كمعاملة المنافقين. في الحالة الأولى إذا كانوا يدعون إلى بدعتهم لا بد من هجرهم والحزم معهم ولا أقصد بالدعوة مجرد المحاورة، فبعضهم قد يحاور وإذا حاور فينبغي أن تقام عليه الحجة ويستعد له أمثل من حوله من المعلمين أو الموظفين يستعد للمحاورة ويراجع الكتب، ويراجع طلاب العلم أو يحيله إلى طالب علم، فيجادل بالتي هي أحسن، أما إذا كان يدعو إلى بدعته دعوة طلب الاستجابة لهذه البدعة، بمعنى أنه ينشر عقيدته الفاسدة فينبغي هجره وتعنيفه، وينبغي الوقوف ضد هذه البدعة وهذا العمل بحزم.

стр. 180

حكم التوسل بالعلماء في حياتهم السؤال هل يجوز التوسل بالعلماء في حياتهم؟ وذكر السائل بعض المشايخ الأحياء! الجواب هذا الأمر لا بد أن يرجع فيه إلى القواعد السابقة التي ذكرها الشيخ أكثر من مرة، وهو إن قصد بالتوسل طلب الدعاء منهم فلا حرج، إذا سلّمت على الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله والشيخ ابن جبرين حفظه الله فلا مانع من أن تقول: ادع الله لي يا شيخ، فليس في هذا حرج وهذا من التوسع الجائز، وأما توسل التبرك أو قصد اتخاذ ذواتهم وسيلة عند الله ، وأن يتخذهم شفعاء بدون أن يطلب الدعاء منهم، فهذا لا يجوز، وهو الصورة الممنوعة، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
следующие страницы →