Полный текст (413 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الأسئلة
стр. 177
المراد بتعلق الرحم بحقوي الرحمن
السؤال
ما المراد بحديث الرحم وأنها تعلقت بحقوي الرحمن؟
الجواب
المقصود بحديث الرحم الاهتمام بالرحم وهي القرابة، فللقرابة حق، وأما قوله: (وأنها تعلقت بحقوي الرحمن) فهذا من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله ، من الأمور التي عبّر السلف عنها بقولهم: (تمر كما جاءت)، لكن لا شك أننا نفهم من هذا التعبير تعلقها بحقوي الرحمن، وهذا يثبت لله كما يليق بجلاله؛ لأن هذا الخبر عن الصادق المصدوق ﷺ أخبر به عن ربه، فلا يجوز لنا أن نتأوّل أو نتردد في إثبات ما ثبت، ومع ذلك لا يكون هذا من الصفات، فهذا كالملل وكالاستهزاء، فلا يقر ولا يُثبت إلا بسياقه أو بما يدل على السياق، بحيث لا يكون صفة مستقلة.
стр. 178
بيتان لابن تيمية في الحق على الله تعالى
السؤال
لشيخ الإسلام ابن تيمية بيتان في قضية الحق على الله : يقول: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عُذّبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع
الجواب
هذا حق.
стр. 179
كيفية التعامل مع زملاء العمل من الرافضة
السؤال
عندنا في العمل رافضة وهم ينشرون عقيدتهم بين الزملاء، فكيف نتعامل معهم، هل نهجرهم أو نقاطعهم؟
الجواب
إذا كانوا ينشرون عقيدتهم فلا بد من اتخاذ إجراءات نحوهم، بإبلاغ الجهات المسئولة والمشايخ بأسمائهم، ولا يجوز السكوت عنهم، أما إذا كانوا كعادتهم يستعملون التقية ويجاملون فيُعاملون معاملة عادية كمعاملة المنافقين.
في الحالة الأولى إذا كانوا يدعون إلى بدعتهم لا بد من هجرهم والحزم معهم ولا أقصد بالدعوة مجرد المحاورة، فبعضهم قد يحاور وإذا حاور فينبغي أن تقام عليه الحجة ويستعد له أمثل من حوله من المعلمين أو الموظفين يستعد للمحاورة ويراجع الكتب، ويراجع طلاب العلم أو يحيله إلى طالب علم، فيجادل بالتي هي أحسن، أما إذا كان يدعو إلى بدعته دعوة طلب الاستجابة لهذه البدعة، بمعنى أنه ينشر عقيدته الفاسدة فينبغي هجره وتعنيفه، وينبغي الوقوف ضد هذه البدعة وهذا العمل بحزم.
стр. 180
حكم التوسل بالعلماء في حياتهم
السؤال
هل يجوز التوسل بالعلماء في حياتهم؟ وذكر السائل بعض المشايخ الأحياء!
الجواب
هذا الأمر لا بد أن يرجع فيه إلى القواعد السابقة التي ذكرها الشيخ أكثر من مرة، وهو إن قصد بالتوسل طلب الدعاء منهم فلا حرج، إذا سلّمت على الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله والشيخ ابن جبرين حفظه الله فلا مانع من أن تقول: ادع الله لي يا شيخ، فليس في هذا حرج وهذا من التوسع الجائز، وأما توسل التبرك أو قصد اتخاذ ذواتهم وسيلة عند الله ، وأن يتخذهم شفعاء بدون أن يطلب الدعاء منهم، فهذا لا يجوز، وهو الصورة الممنوعة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
стр. 181
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١٩]
لقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة في تعظيم النبي ﷺ وإجلالهم وتوقيرهم ومحبتهم له ومتابعتهم وامتثالهم له في كل ما يأمر وينهى، ومع هذا كله لم يكن أحد منهم يتوسل به كما يتوسل المبتدعة، بل سدوا جميع الطرق والأسباب التي توصل إلى ذلك، ولا يزال المبتدعة يتمسكون ببعض الحكايات الموضوعة أو آحاد الفتاوى عن بعض العلماء، ليبرروا بدعتهم، كما استدلوا بأثر مالك وهو لا يصح سنداً ولا متناً، ولكن البدعة تلجئ صاحبها لاقتحام جميع المنافذ.
стр. 182
الكلام على ما نقل عن مالك في التوسل بالنبي ﷺ
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وأما إجابة السائلين فعام، فإن الله يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وإن كان كافراً.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من داع يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: يا رسول الله! إذن نكثر، قال: الله أكثر).
وهذا التوسل بالأنبياء بمعنى السؤال بهم، وهو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم: إنه لا يجوز، ليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك، فضلاً أن يُجعل هذا من مسائل السبب، فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوّز التوسل به بمعنى الإقسام به أو السؤال به، فليس معه في ذلك نقل عن مالك وأصحابه فضلاً عن أن يقول مالك: إن هذا سبب للرسول أو تنقص به.
بل المعروف عن مالك أنه كره للداعي أن يقول: يا سيدي سيدي، وقال: قل كما قالت الأنبياء: يا رب يا رب يا كريم، وكره أيضاً أن يقول: يا حنّان يا منّان، فإنه ليس بمأثور عنه.
فإذا كان مالك يكره مثل هذا الدعاء إذ لم يكن مشروعاً عنده، فكيف يجوز عنده أن يسأل الله بمخلوق نبياً كان أو غيره، وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام الرمادة لم يسألوا الله بمخلوق، لا نبي ولا غيره، بل قال عمر ﵁: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيُسقون.
وكذلك ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر وأنس وغيرهما ﵃ أنهم كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبي ﷺ واستسقائه، لم يُنقل عن أحد منهم أنه كان في حياته ﷺ سأل الله تعالى بمخلوق، لا به ولا بغيره، لا في الاستسقاء ولا غيره، وحديث الأعمى سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
فلو كان السؤال به معروفاً عند الصحابة لقالوا لـ عمر: إن السؤال والتوسل به أولى من السؤال والتوسل بـ العباس، فلِم نعدل عن الأمر المشروع الذي كنا نفعله في حياته -وهو التوسل بأفضل الخلق- إلى أن نتوسل ببعض أقاربه، وفي ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل، وسؤال الله تعالى بأضعف السببين مع القدرة على أعلاهما، ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة الذي يُضرب به المثل في الجدب.
والذي فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين، فتوسلوا بـ يزيد بن الأسود الجرشي كما توسل عمر بـ العباس ﵄.
وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم أنه يتوسل في الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح، قالوا: وإن كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل، اقتداء بـ عمر ﵁، ولم يقل أحد من أهل العلم: إنه يُسأل الله تعالى في ذلك لا بنبي ولا بغير نبي.
وكذلك من نقل عن مالك أنه جوّز سؤال الرسول ﷺ أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك عن إمام من أئمة المسلمين غير مالك كـ الشافعي وأحمد وغيرهما فقد كذب عليهم، ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك ﵀، ولو كانت صحيحة لم يكن التوسل الذي فيها هو هذا، بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، ولكن من الناس من يحرف نقلها، وأصلها ضعيف كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
والقاضي عياض لم يذكرها في كتابه في باب زيارة قبره ﷺ ، بل ذكر هناك ما هو المعروف عن مالك وأصحابه، وإنما ذكرها في سياق أن حرمة النبي ﷺ بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، وكذلك عند ذكره وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه.
وذُكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختياني؟ فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه، قال: وحج حجتين فكنت أرمقه فلا أسمع منه غير أنه كان إذا ذُكر النبي ﷺ بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي ﷺ كتبت عنه].
في هذا الشاهد والشواهد التالية عن السلف ذكر الشيخ نماذج من تعظيم السلف لرسول الله ﷺ ، والذي يصل إلى حد أنهم يتأثرون عند ذكره وعند سماع اسمه، وعند ذكر حديثه أو عند الرواية عنه، فهو يشير بهذا بطريق مباشر إلا أن هؤلاء السلف ﵃ من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى الذين كانوا يعظّمون الرسول ﷺ حق تعظيم، ويجلّونه حق الإجلال، ويحبونه ويتأثرون بذكره أو
стр. 183
تعظيم السلف لرسول الله ﷺ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذُكر النبي ﷺ يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوماً في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون، لقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نرحمه.
ولقد كنت أرى جعفر بن محمد وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذُكر عنده النبي ﷺ اصفرّ لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا على طهارة.
ولقد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصلياً، وإما صامتاً، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعُبّاد الذين يخشون الله.
ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي ﷺ فيُنظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله ﷺ .
ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذُكر عنده النبي ﷺ بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع.
ولقد رأيت الزهري وكان لمن أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذُكر عنده النبي ﷺ فكأنه ما عرفك ولا عرفته.
ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذُكر النبي ﷺ بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه].
стр. 184
تفنيد ما يروى عن مالك في التوسل بالنبي ﷺ
الآن سيورد القصة المكذوبة التي أشار إليها الشيخ قبل قليل عن مالك، ويذكر أنها باطلة ولا أصل لها.
قال رحمه الله تعالى: [فهذا كله نقله القاضي عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة.
ثم ذكر حكاية بإسناد غريب منقطع رواها عن غير واحد إجازة، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهات قال: حدثنا أبو الحسن علي بن فهر قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرح، قال: حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدّب قوماً فقال: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] الآية، ومدح قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٣] الآية، وذم قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات:٤] الآية، وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فاستكان لها أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولِم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤].
قلت: وهذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يُدرك مالكاً لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور، فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة (١٥٨هـ)، وتوفي مالك سنة ١٧٩هـ، وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ٢٤٨هـ ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه، وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذّبه أبو زرعة وابن واره.
وقال صالح بن محمد الأسدي: ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه.
وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير.
وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات.
وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب وتوفي سنة ٢٤٢هـ وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد ابن إسماعيل السهمي توفي سنة ٢٥٩هـ.
وفي الإسناد أيضاً من لا تُعرف حاله.
وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند، فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف إلا من جهته؟ هذا إن ثبتت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون كـ الوليد بن مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث؟ مع أن قوله: (وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة)، إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة، وهذا هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، وهذا حق.
كما جاءت به الأحاديث الصحيحة حين يأتي الناس يوم القيامة آدم ليشفع لهم، فيردهم آدم إلى نوح، ثم يردهم نوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، ويردهم عيسى إلى محمد ﷺ ، فإنه كما قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر)].
стр. 185
الأسئلة
стр. 186
كسب النبي ﷺ
السؤال
ما هو عمل النبي ﷺ الدنيوي الذي كان يكسب منه وينفق منه؟
الجواب
النبي ﷺ لا يملك أموالاً خاصة به، لكن كانت ترد إليه أموال؛ لأن النبي ﷺ عزف عن الدنيا لكنه لم يمنعها، تأتي الدنيا والأرزاق والأموال إلى النبي ﷺ من عدة طرق منها طريق الجهاد، ومنها ما يرد إلى حاكم المسلمين وهو النبي ﷺ من المسلمين مما يتعلق بالفيء وما يتعلق بمصارف الزكاة، وترد حقوق عامة إلى بيت مال المسلمين.
النبي ﷺ لم يطلب لنفسه شيئاً فقد كفاه الله رزق الكفاف، لكنه ما كان يدعو إلى ترك الدنيا، وكان إذا قبض شيئاً يأكل ما يكفيه ويتصدق بما يزيد.
أما ما يتعلق بمصارف الأمة فهو يصرفها على الطرق الشرعية المعروفة، فالنبي ﷺ يملك أموالاً بالهدايا والحقوق التي تخصه مما أباحه الله له من الغنائم والفيء وغيرها، لكنه ما كان يبقى معه في يده إلا ما يكفيه، وأحياناً تمر عليه الأيام وهو طاو ليس في بيته ما يؤكل إلا الأسودان: التمر والماء، بل ورد أن النبي ﷺ يجلس ثلاثة أيام، بل أحياناً أربعة ما أكل شيئاً؛ لأنه كان ينفق، ولا يعني ذلك أنه كان يمنع أن تصله الدنيا بل تصله لكنها تخرج منه إلى مستحقيها من المسلمين الذين يسألونه أو يرى أنهم يحتاجون.
стр. 187
كيفية التوسل بدعاء الرجل الصالح
السؤال
كيف يكون التوسل بدعاء الرجل الصالح، هل يدعو ويؤمَّن على دعائه أم يدعو لوحده في مثل الاستسقاء؟
الجواب
الصورتان وغيرهما جائزة بشرط ألا تكون من باب التوسل بذاته.
إذاً: التوسل بدعاء الرجل الصالح إما أن يدعو وهو غائب، كأن تقول له: إذا وصلت مكة فادع الله لي، أو يدعو وأنت حاضر دعوة خاصة لك فتؤمّن على دعائه، أو يدعو في مناسبة أو زمان أو مكان معيّن، فسواء أمّنت على دعائه وطلبت الله أن يستجيب دعاءه أو لم تطلب، أو يكون في صورة الاستغاثة والاستسقاء أن يدعو ويؤمّن المصلون على دعائه، أو يدعو وحده ولو لم يؤمنوا، بأن يُحضر الرجل الصالح إلى مكان الاستسقاء من أجل أن يدعو سواء أمّن الناس على دعائه أو لم يؤمنوا كل هذه صور صحيحة، بشرط أن يكون حياً قادراً ويدعو هو بنفسه.
وقد كان من الناس من يتقصد الصالحين ويخرجهم إلى الصحراء، ويطلب منهم الدعاء، بل حدثت صور صحيحة من بعض الناس، فكان يذهب ببعض الصبيان والأبرياء من الذنوب إلى مكان في الصحراء فيجمعهم ويطعمهم ويفرحهم ثم يطلب دعاءهم، وأُغيث الناس بهذه الطريقة.
وحدثت صور كثيرة في نجد، وهي معروفة لا يزال أكثر الناس يتحدثون عنها، وأهل العلم يرضونها، حيث يجمع الرجل الصالح أو المرأة الصالحة الصبيان ويهدون لهم هدايا ويعدونهم بوعد طيب من أجل أن تنفتح هممهم وصدورهم للدعاء، فيدعون الله بأن يسقيهم، وليس عليهم ذنوب، ويدعون ببراءة.
فأقول: هذه صور تتعدد، وهي أن يُطلب الدعاء ممن يتوسم فيهم الصلاح أو ممن يتوسم أن الله يجيبهم، فيدعون بصورة جماعية أو فردية، بالاستسقاء أو بغير الاستسقاء كل هذه صور صحيحة، لكن لا تكون مما يُكثر بحيث يعتمد الناس عليه كما تفعل بعض الفرق الآن، بحيث يلقنون أتباعهم طلب الدعاء من الآخرين في كل حال وفي كل مكان وفي كل مناسبة، حتى يكاد أحدهم أن يتّكل على طلب الدعاء من الآخرين، وينسى أن يدعو الله فهذه تزيد عن الحد المشروع، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
стр. 188
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٠]
لقد تنوعت أقوال الأئمة وتعددت في التحذير من الأعمال والأقوال البدعية التي لا أصل لها في الكتاب ولا السنة، ولكن أرباب البدع وأصحاب الأهواء أتوا للآراء الشاذة والأقوال الضعيفة فجعلوها أصولاً وحاكموا الآخرين إليها، ما دام أن فيها مستمسكاً لما يوافق ما هم عليه من البدعة وغيرها، ومن ذلك التوسل البدعي، والأعمال المخالفة للسنة التي يعملها المبتدعة عند القبر النبوي، وكل ذلك قد حذر منه السلف ونهوا عنه إلا ما كان موافقاً للهدي والسنة.
стр. 189
التناقض بين مذهب مالك والرواية المنسوبة له في استقبال القبر
ذكر الشيخ فيما مضى قصة نسبت إلى مالك، وذكر فيها شيئاً من التوسل البدعي الذي لا يمكن أن يكون من مالك ﵁ حينما قال أبو جعفر كما يزعمون: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فزعموا أن مالكاً قال: ولِم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ يوم القيامة! بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله ثم تلا الآية هذه القصة مكذوبة، والشيخ في صدد تفنيدها ونفيها عن مالك وإثبات أنه ورد عن مالك وصح عنه ما يناقضها.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه: أحدها: قوله: (أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله ﷺ وأدعو؟ فقال: ولِم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم)؛ فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين أن الداعي إذا سلّم على النبي ﷺ ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو لنفسه، بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبي ﷺ والدعاء له.
هذا قول أكثر العلماء كـ مالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم.
وعند أصحاب أبي حنيفة، لا يستقبل القبر وقت السلام عليه أيضاً.
ثم منهم من قال: يجعل الحجرة عن يساره، وقد رواه ابن وهب عن مالك ويسلّم عليه].
стр. 190
مبالغة الأئمة في سد ذريعة التوسل البدعي
قال رحمه الله تعالى: [ومنهم من قال: بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه].
وانظر كيف بالغ بعض أئمة المذاهب ﵏، وأظنه يقصد الأحناف الأولين، أما المتأخرون فقد وقعوا في أشد من هذه البدع، مع أن هذا لا يزال يوجد في كتبهم.
قال: منهم من قال: بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه، يعني: يسلم على النبي ﷺ ، بمعنى أنه في هذه الحال يكون مستقبل القبلة، ويكون القبر خلفه، وهذه مبالغة في سد الذريعة، مع أن عموم السلف يرون أن الإنسان يسلم على الحالة التي هو عليها، أي أنه إذا مر بحجرة النبي ﷺ سلّم بدون أن يتعمد أن يكون القبر هنا أو هناك، إلا أن الأولى ألا يكون القبر أمامه والقبلة أمامه حين السلام؛ لأن هذا يشتبه بمن يتوجه للقبر، أما ما عدا ذلك فيسلم على هيئة يكون فيها ماشياً فلا يقف طويلاً أو يستوقف للدعاء، لأن هذا ليس موطناً للدعاء لأن فيه ذريعة لأهل البدع بأن يدعوا غير الله أو يتوسلوا بالنبي ﷺ ، فالإنسان يسلّم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه وهو ماش.
فالذي يهمنا هنا أن بعض هؤلاء الأئمة قال: المشروع أن يستدبر الحجرة ويسلم على النبي ﷺ ويكون مستقبل القبلة، وهذه مبالغة منهم في سد الذريعة، وليتهم اطّلعوا على أحوال أتباعهم في هذه العصور ليروا ماذا حدث؟ قال رحمه الله تعالى: [ومنهم من قال: بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه، وهذا هو المشهور عندهم، ومع هذا فكره مالك أن يطيل القيام عند القبر.
لذلك قال القاضي عياض في المبسوط عن مالك قال: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي].
لأن الدعاء مشروع في كل مكان، وخاصة في وقتنا هذا لا يشرع لمن يسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه أن يقف إلا وقفة بقدر السلام؛ لأنه أحياناً قد لا يتأتى لك السلام مع الزحام، بل تقف بقدر أداء السلام الشرعي ثم تمضي، وإذا سلّمت ولم تقف فهذا هو الأولى سداً للذريعة، لأن أهل البدع الآن صاروا يظنون كل من وقف أنه يدعو بتوسلاتهم البدعية، وأنه لم يقف مسلِّماً مقتصراً على المشروع.
стр. 191
كيفية تسليم السلف على رسول الله ﷺ بعد موته والرد على المبتدعة في ذلك
قال رحمه الله تعالى: [وقال نافع: كان ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول: السلام على النبي ﷺ ، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثم ينصرف.
ورئي واضعاً يده على مقعد النبي ﷺ من المنبر ثم وضعها على وجهه.
قال: وعن ابن أبي قسيط والقعنبي، كان أصحاب النبي ﷺ إذا خلا المسجد جسوا برمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون.
قال: وفي الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثي أنه -يعني ابن عمر - كان يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر.
وعند ابن القاسم والقعنبي: ويدعو لـ أبي بكر وعمر.
قال مالك في رواية ابن وهب: يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
وقال في المبسوط: ويسلم على أبي بكر وعمر.
قال أبو الوليد الباجي: وعندي أن يدعو للنبي ﷺ بلفظ الصلاة، ولـ أبي بكر وعمر بلفظ السلام؛ لما في حديث ابن عمر من الخلاف.
وهذا الدعاء يفسر الدعاء المذكور في رواية ابن وهب، قال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ولا يمس القبر.
فهذا هو السلام عليه والدعاء له بالصلاة عليه كما تقدم تفسيره، وكذلك كل دعاء ذكره أصحابه كما ذكر ابن حبيب في الواضحة وغيره، قال: وقال مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء، وقال فيه أيضاً: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر، أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه، ويدعو له ولـ أبي بكر وعمر.
قيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر، فيسلّمون ويدعون ساعة، فقال مالك: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع، ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويُكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده].
وفي هذا رد على كثير من أهل البدع الذين يزعمون أن السلف تركوا الناس على اجتهاداتهم، وأن في التوسل البدعي سعة، وأن هناك من يفعل هذه الأمور والسلف يسكتون عنه، وإن لم يفعلوا فإنهم لم ينكروا، ففي مثل هذا الكلام رد عليهم، فإن الإمام مالكاً ﵀ نبّه على مثل هذه الظواهر التي فيها مبالغة أو فيها توسلات بدعية أو فيها فعل ما لم يُشرع، فإنه لم يسكت، وبيّن أن هذا لم يكن من عمل فقهاء البلد، ولذلك حذّر وقال: لا يصلح هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
стр. 192
التفريق بين أهل المدينة وغيرهم في إتيان القبر النبوي
قال رحمه الله تعالى: [قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوا أتوا القبر فسلموا، قال: ولذلك رأي.
قال أبو الوليد الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم].
هذه مسألة الخلاف فيها كبير، وهو أن بعض الناس قد يقصد بالسفر إلى المدينة زيارة القبر، أو السلام على رسول الله ﷺ ، وهذه مسألة خلافية لكن الراجح فيها قول عامة أئمة السلف بأنه لا يجوز شد الرحال إلا من أجل المسجد لا من أجل القبر، هذا شيء.
الشيء الآخر: أن كثيراً من الناس قد يعمل بالسنة، فيشد الرحال للمدينة من أجل المسجد؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فالمسلم إذا شُرع له أن يرحل إلى مسجد المدينة فلا أظنه يستطيع أن يخلي قلبه من أن يكون قصده إذا وصل إلى المسجد أن يذهب ويسلّم، هذه مقاصد يصعب نزعها، لكن يبقى أصل شد الرحل المشروع يكون إلى المسجد، ويكون في نية المسلم أنه إذا وصل المسجد يسلّم على رسول الله ﷺ وعلى صاحبيه، ويسلّم على من يحق السلام لهم، ويذهب أيضاً إلى الزيارات المشروعة مثل زيارة قباء، وزيارة المقابر التي تشرع زيارتها فهذه المقاصد تتداخل، فربما يكون قصد أبي الوليد الباجي هذا، أو يكون قصده فعلاً الرأي المرجوح من أنه يجوز شد الرحال لغرض السلام على رسول الله ﷺ وزيارة قبره، هذه مسألة خلافية في تفسير الحديث، ومعنى قول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) بعض أهل العلم المعتبرين تأولها تأولاً يخالف ما عليه أئمة السلف.
стр. 193
بيان ما يقصد بإتيان القبر النبوي وسد ذرائع البدع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وقال رسول الله ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
قال: وقال النبي ﷺ : (لا تجعلوا قبري عيداً).
قال: ومن كتاب أحمد بن شعبة فيمن وقف بالقبر: لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلاً.
وفي العتبية -يعني: عن مالك - يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي ﷺ ، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي ﷺ حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف، قال: والتنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت.
فهذا قول مالك وأصحابه، وما نقلوه عن الصحابة يبيّن أنهم لم يكونوا يقصدون القبر إلا للسلام على النبي ﷺ والدعاء له، وقد كره مالك إطالة القيام لذلك، وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، وإنما يفعل ذلك الغرباء ومن قدم من سفر أو خرج له، فإنه تحية للنبي ﷺ .
فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي ﷺ ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر، بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبي ﷺ ، فكيف بدعائه لنفسه؟ وأما دعاء الرسول ﷺ وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعاً لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟ فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة من قوله: استقبله واستشفع به، كذب على مالك، مخالف لأقواله وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التي يفعلها مالك وأصحابه ونقلها سائر العلماء، إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه فضلاً عن أن يستقبله ويستشفع به، يقول له: يا رسول الله اشفع لي أو ادع لي، أو يشتكي إليه مصائب الدين والدنيا، أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له، أو يشتكي إليهم المصائب، فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة، ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين، وإن كانوا يسلّمون عليه إذ كان يسمع السلام عليه من القريب ويُبلّغ سلام البعيد].
نقف عند هذا؛ لأنه ورد في هذا حديث صحيح عن النبي ﷺ من أن الله يبلّغه سلام البعيد والقريب، وهذا سيأتي ذكره فيما بعد، والله أعلم.
стр. 194
الأسئلة
стр. 195
الحكمة من تخصيص أهل المدينة بالتنفل في البيوت
السؤال
ما الحكمة من تخصيص أهل المدينة بأن تكون النافلة في البيوت؟
الجواب
لفضل مسجد النبي ﷺ ؛ لأنهم قادمون من بعيد، فهم بحاجة إلى أن يستزيدوا من فضل المسجد لمزيد الحسنات فيه، فالمقيمون في المدينة يصلون الفرائض في المسجد دائماً فيُشرع لهم أن يفعلوا كما يفعل النبي ﷺ بأن تكون النافلة في البيوت أحياناً، أما القادم فهو مقيم لوقت مؤقّت فالمشروع له أن يستزيد من الصلاة في المسجد، والغالب أن القادم ليس عنده بيت يتنفل فيه.
هذا الظاهر والله أعلم.
وأيضاً هذا ينطبق على القادم إلى مكة، فإقامته في مكة محدودة، فيُشرع له أن يستزيد من النوافل ويقضيها في المسجد الحرام.
стр. 196
حكم السلام على النبي ﷺ على كل من يدخل المسجد
السؤال
هل يسلم على الرسول ﷺ كل من دخل المسجد؟
الجواب
الأولى أن الآفاقي أول ما يدخل المسجد يسلّم على الرسول ﷺ ، لكن إذا تكرر دخوله لا يلزم ذلك؛ لأنه لم يرد عن السلف تكرار السلام بشكل غير طبيعي، أو بشكل يتكرر في اليوم، فأما من كان ساكناً في المدينة فأظنه لا يُشرع له الاستمرار أو كثرة التردد إلا إذا شعر أنه قد طال به العهد، كما يذهب يسلّم على المقابر وأهلها، فالأولى أن يسلّم على النبي ﷺ في قبره وعلى صاحبيه إذا طال العهد به، وكما هو معروف أن المشروع إذا دخل المسجد أن يبدأ بتحية المسجد، هذا الذي أتى من خارج المدينة، ثم يذهب ويسلم على النبي ﷺ وصاحبيه.
стр. 197
عقيدة العز بن عبد السلام
السؤال
ذكرت أن العز بن عبد السلام عنده بعض الخلل في العقيدة؟
الجواب
نعم صحيح العز بن عبد السلام ﵀ من أئمة الإسلام وأئمة الهدى وله مواقف محمودة في نشر السنة ورد البدع، لكنه في جانب العقيدة تابع الأشاعرة في بعض الأمور وخالف أهل السنة، وهناك ردود عليه معروفة في وقته وبعد وقته، لكن لعلها تكون من زلّات العلماء، فهو مما يظهر أنه لا يقصد البدعة، لكن مع ذلك عنده أمور واضحة مثل تقسيمه البدعة، التقسيم الذي صار يتكئ عليه الآن أهل البدع؛ أنه يرى أن هناك بدعة حسنة وغير حسنة، وأن البدعة تجري عليها الأحكام الخمسة، فهذا لا شك أنه خلاف منهج أهل السنة والجماعة، بل يعد خللاً في منهج أهل السنة في هذا الجانب، وهو خلل كبير شرعاً، قسّم الأمة بعد ذلك.
كذلك موقفه من الصفات -يغفر الله لنا وله- فهو ممن يتأول وصاحب التأوّل يجب ألا نبدّعه أو نخرجه من السنة في الجملة، لكن فيما خالف فيه أهل السنة نبيّن ذلك.
стр. 198
حكم من استقبل القبر النبوي للسلام ثم تحول إلى القبلة للدعاء
السؤال
ما رأيك فيمن استقبل قبر النبي ﷺ ، وسلم على النبي ﷺ وصاحبيه ودعا للنبي ﷺ ، ثم استقبل القبلة مباشرة ودعا لنفسه وطلب من الله أن يبلّغه شفاعة نبيه ﷺ ؟
الجواب
هذا الأصل فيه أنه مما ليس فيه مانع شرعاً لكنه ذريعة، فمنعه من باب سد الذريعة، كون المسلم يأتي ويستقبل القبر مسلماً على النبي ﷺ وداعياً له بالمشروع، ويسلّم على أبي بكر وعمر ويدعو لهما بالمشروع، فهذا لا حرج فيه.
ثم لا حرج بعد ذلك أن يتحول إلى القبلة فيدعو ربه، والأصل في هذا العمل أنه مشروع، لكن تبقى الشبهة في أنه يشتبه بعمل أهل البدع وذريعة لهم؛ لأنهم لا يدرون ماذا تقول، فالصورة تشبه فعل أهل البدع، فالأولى لمن يفعل ذلك أن يبتعد قليلاً عن القبر وليكن في الروضة مثلاً في موقع مسجد النبي ﷺ ويتجه إلى القبلة فيدعو ربه، أما أن يكون السلام ثم الدعاء في مقام واحد ففيه اشتباه، وفيه ذريعة، فالأولى اجتنابه، لكن من فعله لا نستطيع أن نقول: إنه ابتدع، فأصل العمل مشروع، وقد لا يتنبه أكثر الناس لما يترتب عليه من مفاسد، فالناس إن شاء الله بمقاصدهم ونياتهم، والله أعلم.
стр. 199
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢١]
يشرع شد الرحال والسفر إلى مسجد النبي ﷺ للصلاة فيه، ولا يمنع هذا من أن يكون في نية المسلم أنه إذا وصل إلى المسجد أن يزور قبر النبي ويسلم عليه، كما تزار سائر المقابر، وإنما الممنوع أن ينشئ المسلم سفراً مخصوصاً لزيارة القبر، أما أن تكون زيارة القبر مصاحبة لزيارة المسجد فلا بأس، بل قد تكون عدم زيارته في هذه الحال من الجفاء المذموم.
стр. 200
أحكام زيارة القبر النبوي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد احتج أحمد وغيره بالحديث الذي رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد من حديث حيوة بن شريح المصري حدثنا أبو صخر عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇.
وعلى هذا الحديث اعتمد الأئمة في السلام عليه عند قبره صلوات الله وسلامه عليه، فإن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها في الدين، ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئاً منها، وإنما يرويها من يروي الضعاف كـ الدارقطني والبزار وغيرهما].
إذاً: العمدة في زيارة قبر النبي ﷺ مبنية على أصلين: الأصل الأول: كون قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه كسائر القبور في مشروعية الزيارة للرجال لهما بالطريقة المشروعة وعلى السنة، وإن كان النبي ﷺ له مزيد حق ولاشك، وصاحباه كذلك؛ لكن أصل مشروعية الزيارة شرعاً مبنية على أنها كسائر القبور في مشروعية الزيارة.
والأمر الثاني: هذا الحديث اعتمد عليه كثير من الأئمة وإن كان فيه ضعف، أو هذه الأحاديث التي تتشابه صياغاتها فهي وإن كان فيها ضعف لكن عمل بها الأئمة على مقتضى الأصل الأول، وهو جواز ومشروعية زيارة القبور.
стр. 201
الكلام على الأحاديث الواردة في زيارة القبر النبوي
قال رحمه الله تعالى: [وأجود حديث فيها ما رواه عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، والكذب ظاهر عليه.
مثل قوله: (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي)، فإن هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين، فإن من زاره في حياته، وكان مؤمناً به كان من أصحابه، لاسيما إن كان من المهاجرين إليه، المجاهدين معه.
وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) أخرجاه في الصحيحين.
والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة؛ كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه، فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين، بل ولا شرع السفر إليه بل هو منهي عنه].
стр. 202
استحباب السفر إلى المسجد النبوي
[وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه، والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه فهو مستحب].
السفر إلى مسجد النبي ﷺ مستحب من عدة وجوه: أولاً: لقول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، هذا فيه إشارة إلى أن المسجد استحق أن تشد إليه الرحل وهذا يفهم الندب والاستحباب.
ثانياً: أن الصلاة في مسجد النبي ﷺ تعدل ألف صلاة فيما سواه، فهذا فضل يشرع القصد إليه إذا جمعناه مع حديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، فإذا أخذنا بهذا النص وأخذنا بالأصل بأن المسلم بإرشاده إلى الخيرات يسابق العمل الصالحات وإلى مضاعفة الأجر والحسنات وهذا الفضل مذكور ثابت عن النبي ﷺ .
فإذاً: يشرع شد الرحال والسفر إلى مسجد النبي ﷺ للصلاة فيه، ولا يمنع هذا من أن يكون في نية المسلم أنه إذا وصل إلى المسجد سيزور قبر النبي ﷺ للسلام عليه كما تزار المقابر ويسلم عليه سلام الشرع، وإنما الممنوع أن يكون إنشاء السفر أصلاً من أجل زيارة القبر، فالظاهر أنه من البدع، أما أن ينشئ السفر من أجل الصلاة في المسجد، ثم يكون في نيته ويحتسب ذلك عند الله أن يسلم على النبي ﷺ وصاحبيه، فهذا أمر فضل من الله .
ولذلك كثير من الناس يقع في حرج؛ لأنه يعجز عن فك الهدفين في قلبه يقول: إني أعجز عن أن أدفع حب النبي ﷺ بأن إذا وصلت إلى المسجد أذهب إلى قبره وأزوره، نقول: نعم لا حرج في أن يكون من مقاصدك بعدما تصل أن تسلم، وهذا أمر مشروع، بل من الجفاء أن يأتي المدينة وهو من غير أهلها فلا يسلم ولا يزور قبور الصحابة، فإن هناك -فيما يبدو لي- بعض الناس الذين كثر عندهم طرق موضوع ما يفعله أهل البدع حول البقيع وحول قبور الشهداء وحول قبر النبي ﷺ قبل ذلك، يستشعر أن زيارة قبر النبي ﷺ لمن يأتي من خارج المدينة وزيارة المقابر غير مشروعة، فأقول: بالعكس فهذا مشروع، والذي لا يشرع هو أن يكون قصد السفر زيارة القبور.
стр. 203
حكم من نذر السفر إلى المسجد النبوي ومن نذر زيارة القبر
قال رحمه الله تعالى: [وأما السفر للحج فواجب، وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه، والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه فهو مستحب، والسفر إلى الكعبة للحج فواجب، فلو سافر أحد السفر الواجب والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه في حياته، فكيف بالسفر المنهي عنه؟ وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره، بل ينهى عن ذلك، ولو نذر السفر إلى مسجده والمسجد الأقصى للصلاة ففيه قولان للشافعي أظهرهما عنه: يجب ذلك، وهو مذهب مالك وأحمد.
والثاني: لا يجب، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن من أصله أنه لا يجب من النذر إلا ما كان واجباً بالشرع، وإتيان هذين المسجدين ليس واجباً بالشرع فلا يجب بالنذر عنده.
وأما الأكثرون فيقولون: هو طاعة لله، وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وأما السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين فلا يجب بالنذر عند أحد منهم لأنه ليس بطاعة، فكيف يكون من فعل هذا كواحد من أصحابه؟ وهذا مالك كره أن يقول الرجل: زرت قبر رسول الله ﷺ واستعظمه، وقد قيل: إن ذلك لكراهية زيارة القبور.
وقيل: لأن الزائر أفضل من المزور، وكلاهما ضعيف عند أصحاب مالك].
بعض أهل العلم يرى أنه لا تجوز أو لا تشرع زيارة القبور إلا إذا جاءت من غير قصد، كما إذا ذهب الإنسان لدفن ميت مثلاً أو مر عابراً فإنه يسلم على أهل المقابر، والمسألة فيها نزاع بين أهل العلم وإن كان الصحيح أنه يشرع زيارة القبور؛ لأن النبي ﷺ يقول: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة)، فهنا قول مالك يتوافق مع قول طائفة من أهل العلم الذين يرون كراهة القصد لزيارة القبور، أي أن هذا الرأي وإن كان مرجوحاً إلا أنه يحمل عليه قول مالك، وسيأتي عن الشيخ ما هو الصحيح عن مالك.
قال رحمه الله تعالى: [والصحيح أن ذلك؛ لأن لفظ زيارة القبر مجمل يدخل فيها الزيارة البدعية التي هي من جنس الشرك، فإن زيارة قبور الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين كما تقدم ذكره].
إذاً: الإمام مالك كره أن يقول: زرت قبر النبي ﷺ ؛ لأن الزيارة تشتبه بالزيارة البدعية؛ لأن الزيارات البدعية يبدو أنها ظهرت في عهد مالك، ولذلك كثر إنكاره على هذه الأمور.
стр. 204
أنواع زيارة قبور الأنبياء والصالحين
قال رحمه الله تعالى: [فإن زيارة قبور الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين كما تقدم ذكره: زيارة شرعية، وزيارة بدعية.
فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم، والدعاء لهم، كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات فيصلى عليه صلاة الجنازة، فهذه الزيارة الشرعية.
والثاني: أن يزورها كزيارة المشركين وأهل البدع لدعاء الموتى وطلب الحاجات منهم، أو لاعتقاده أن الدعاء عند قبر أحدهم أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت، أو أن الإقسام بهم على الله وسؤاله سبحانه بهم أمر مشروع يقتضي إجابة الدعاء، فمثل هذه الزيارة بدعة منهي عنها.
فإذا كان لفظ الزيارة مجملاً يحتمل حقاً وباطلاً عدل عنه إلى لفظ لا لبس فيه، كلفظ السلام عليه، ولم يكن لأحد أن يحتج على مالك بما روي في زيارة قبره أو زيارته بعد موته، فإن هذه كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة، لا يحتج بشيء منها في أحكام الشريعة.
والثابت عنه ﷺ أنه قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، هذا هو الثابت في الصحيح.
ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال: (قبري).
وهو ﷺ حين قال هذا القول لم يكن قد قبر بعد صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة لما تنازعوا في موضع دفنه، ولو كان هذا عندهم لكان نصاً في محل النزاع، ولكن دفن في حجرة عائشة ﵂ في الموضع الذي مات فيه بأبي هو وأمي صلوات الله عليه وسلامه].
стр. 205
توسيع المسجد النبوي وهيئة القبر فيه قديماً
قال رحمه الله تعالى: [ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك وكان نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز أمره أن يشتري الحجر ويزيدها في المسجد، وكانت الحجر من جهة المشرق والقبلة فزيدت في المسجد ودخلت حجرة عائشة ﵂ في المسجد من حينئذ، وبنوا الحائط البراني مسنماً محرفاً].
(مسنماً محرفاً)، يعني: كما وصف شيخ الإسلام هذا في كتبه الأخرى ووصفه كثير من المؤرخين أنه حينما بنى الجدار على المسجد بناه على شكل مثلث رءوسه ليست إلى الاتجاهات التي يمكن أن تشتبه بالقبلة، وهذا احتياط من عمر بن عبد العزيز لئلا يتوجه الناس إلى القبر، ولئلا يتعلقوا به أو يعرفوا موضعه، لاسيما أن سبب هذه الإجراءات كما تعلمون أن بعض الرافضة حاولوا أن ينتهكوا ذات النبي ﷺ بقبره وينتهكوا قبور صاحبيه، فحفر سراديب تحت الأرض ليصلوا إلى القبر فحصن القبر بهذه الطريقة، ووضعت الجدران عليه بطريقة لا تجعل من يرد إلى الحجرة المبنية يعرف أين موقع القبر بالتمام، وهذا في السابق.
أما الآن فإن الأتراك بنوا اللبنات الأخيرة فجعلوه مربعاً، وإلا فبناية عمر بن عبد العزيز كانت مسنمة مثلثة عبارة عن رءوس مختلفة بحيث لا يتحقق القادم من الخارج عن موقع القبر لئلا يصله أذى أو يعمل معه أعمالاً غير مشروعة؛ لأن البدع كثرت في ذلك الوقت.
стр. 206
المشروع عند زيارة القبر هو السلام لا الصلاة والدعاء عنده
قال رحمه الله تعالى: [فإنه ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي أنه قال ﷺ : (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)؛ لأن ذلك يشبه السجود لها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله تعالى، وكما نهى عن اتخاذها مساجد ونهى عن قصد الصلاة عندها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله سبحانه والدعاء له، فمن قصد قبور الأنبياء والصالحين لأجل الصلاة والدعاء عندها فقد قصد نفس المحرم الذي سد الله ورسوله ذريعته، وهذا بخلاف السلام المشروع حسبما تقدم.
وقد روى سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام)، رواه النسائي وأبو حاتم في صحيحه.
وروى نحوه عن أبي هريرة، فهذا فيه أن سلام البعيد تبلغه الملائكة.
وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : (أكثروا علي من الصلاة في كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتي تعرض علي يومئذ، فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة).
وفي مسند الإمام أحمد حدثنا شريح حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)، ورواه أبو داود.
قال القاضي عياض: وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى نائياً أبلغته).
وهذا قد رواه محمد بن مروان السدي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وهذا هو السدي الصغير وليس بثقة، وليس هذا من حديث الأعمش.
وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن موسى بن محمد بن حيان عن أبي بكر الحنفي حدثنا عبد الله بن نافع حدثنا العلاء بن عبد الرحمن سمعت الحسن بن علي قال: قال رسول الله ﷺ : (صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً، ولا تتخذوا بيتي عيداً، صلوا علي وسلموا فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني).
وروى سعيد بن منصور في سننه أن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلاً يكثر الاختلاف إلى قبر النبي ﷺ قال له: يا هذا! إن رسول الله قال: (لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)، فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء.
وروي هذا المعنى عن علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه عن علي بن أبي طالب ذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ في مختاره الذي هو أصح من صحيح الحاكم.
وذكر القاضي عياض عن الحسن بن علي قال: إذا دخلت فسلم على النبي ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا بيتي عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي حيث كنتم، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)].
стр. 207
الأسئلة
стр. 208
حكم زيارة قبور شهداء أحد
السؤال
هل زيارة قبور شهداء أحد مشروعة؟
الجواب
نعم، مشروعة، والنبي ﷺ أرخص في زيارة القبور، أما الزهور التي تلقى في المقبرة فلا تجوز، وهي من البدع.
стр. 209
حكم وضع علامات قريبة من القبور المراد زيارتها
السؤال
بعض الناس يعقد عقداً على حديدة في سور المقبرة أو يضع علامة على جدارها حتى يعرف القبر، فما حكم ذلك؟
الجواب
لا ما ينبغي ما ينبغي هذه الحقيقة بدايات البدع؛ لأنه الناس قد يتوهمون أن هذا شيء له أثر على الميت فما ينبغي حقيقة لكنه أحياناً توضع هذه كعلامات؛ لأنه الآن في المقابر الحديثة توجد القبور على شكل صفوف، أشوف بعض الناس يضع في نهاية الجدار أو في الشبك خيط أو شيء أو علامة أو خدش في الجدار يدل على الصف الذي فيه الميت الذي يريد أن يزوره، أقول: هذه الأمور إن كثرت ينبغي أن تزال وبإمكان الإنسان أن يضع علامة عادية لا تلفت النظر تدل على قبر قريبه أو والده أو والدته أو نحو ذلك بدون أن يلجأ إلى الأساليب الملفتة كالألوان والأواني أو الأدوات الظاهرة التي فيها شهرة يعني: الأصل أن توضع أحجار أو لبن بإمكان أي واحد أن يختار حجر على مواصفات معينة يعرفه ويعرفه غيره أو يمكن وصفه للآخرين ولا يلفت نظر من لم يعرف هذا الوصف، أما اللجوء إلى هذه الأساليب فأنا أرى أنها قد كثرت وأخذت أشكالاً متعددة، حتى صار بعضهم يتفنن في اتخاذ الوسائل للدلالات على القبور، فأخشى أن تزداد إلى أن تصل إلى التجصيص أو ما يشبه التجصيص من الوسائل الأخرى، فمثلاً: القطع الرخامية بدءوا يستخدمونها، وبعض الناس قد لا يفهم أن المقصود بالرخام علامة على القبر، فيظنون أن الرخام من الأمور التي تتعلق فيها النفوس، أو أنها إكرام للميت، فيصل الأمر إلى وضع الجدار ثم بناية إلى آخره.
والشيطان حريص على الإغواء، مع أننا قد نستغرب أن تكون هذه الأمور ذريعة إلى ما بعد ذلك؛ لكن الناس يستغلهم الشيطان ويستدرجهم إلى أن توصلهم هذه الوسائل إلى ما هو أكبر منها، فيقعون فيما نهى عنه النبي ﷺ من البناء على القبور والتجصيص، ونحو ذلك من الوسائل البدعية التي يقع فيها كثير من أهل البدع، نسأل الله السلامة.
فينبغي أن نتنبه لهذه الأمور ونرشد الناس إلى الوسائل التي تحقق أغراضهم المشروعة بدون اللجوء إلى هذه الوسائل، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 210
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٢]
يتعلق أهل البدع ببعض الآثار الضعيفة والأقوال الشاذة عن بعض الأئمة في التوسل والاستشفاع عند القبور، وكل ما يعتقدونه مخالف لجمهور الصحابة والتابعين وغيرهم من العلماء الراسخين، فإنه من المعلوم أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه كان يأتي إلى قبر النبي ﷺ ويدعوه أو يستشفع به أو يتوسل به، ولو كان أمراً مشروعاً لكانوا هم أسبق الناس قبل غيرهم إلى فعله، ولذكره أئمة المسلمين عنهم؛ لأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
стр. 211
بطلان ما روي من الأمر باستقبال القبر والاستشفاع به
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ثم قال في الحكاية: (استقبله واستشفع به فيشفعك الله)، والاستشفاع به معناه في اللغة: أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة، وكما كان أصحابه يستشفعون به.
ومنه الحديث الذي في السنن: (أن أعرابياً قال: يا رسول الله! جهدت الأنفس وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله، فسبح رسول الله حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ويحك أتدري ما تقول؟ شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه).
وذكر تمام الحديث فأنكر قوله: (نستشفع بالله عليك)، ومعلوم أنه لا ينكر أن يسأل المخلوق بالله أو يقسم عليه بالله، وإنما أنكر أن يكون الله شافعاً إلى المخلوق، ولهذا لم ينكر قوله: (نستشفع بك على الله) فإنه هو الشافع المشفع.
وهم لو كانت الحكاية صحيحة إنما يجيئون إليه لأجل طلب شفاعته ﷺ ? ولهذا قال في تمام الحكاية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء:٦٤] الآية، وهؤلاء إذا شرع لهم أن يطلبوا منه الشفاعة والاستغفار بعد موته فإذا أجابهم فإنه يستغفر لهم، واستغفاره لهم دعاء منه وشفاعة أن يغفر الله لهم.
وإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته، فإنما يقال في ذلك: استشفع به فيشفعه الله فيك، لا يقال: فيشفعك الله فيه، وهذا معروف الكلام، ولغة النبي ﷺ وأصحابه وسائر العلماء، يقال: شفع فلان في فلان فشفع فيه، فالمشفع الذي يشفعه المشفوع إليه هو الشفيع المستشفع به، لا السائل الطالب من غيره أن يشفع له، فإن هذا ليس هو الذي شفع، فمحمد ﷺ هو الشفيع المشفع ليس المشفع الذي يستشفع به.
ولهذا يقول في دعائه: يا رب! شفعني فيشفعه الله، فيطلب من الله سبحانه أن يشفعه لا أن يشفع طالبي شفاعته، فكيف يقول: واستشفع به فيشفعك الله؟ وأيضاً: فإن طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس مشروعاً عند أحد من أئمة المسلمين، ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة وأصحابهم القدماء، وإنما ذكر هذا بعض المتأخرين، ذكروا حكاية عن العتبي أنه رأى أعرابياً أتى قبره وقرأ هذه الآية، وأنه رأى في المنام أن الله غفر له، وهذا لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل المذاهب المتبوعين الذين يفتي الناس بأقوالهم، ومن ذكرها لم يذكر عليها دليلاً شرعياً].
стр. 212
بيان أنه لا يصح الاعتماد على الرؤى كدليل شرعي
هنا مسألة مهمة جداً وهي من أسباب اللبس في وقوع كثير من البدع في تاريخ الإسلام، وفي التباس هذه البدع على بعض أهل العلم وهي الخلط بين الرؤى وبين الأدلة الشرعية من ناحية، والخلط أيضاً بين نسبة القول إلى إمام متبوع أو إلى رجل مشهور وبين الاستدلال بالكتاب والسنة، فإن مثل هذه الحكاية عن العتبي اشتهرت عند الناس في وقتها وبعد وقتها، والقصة تعلقت بها عواطف بعض الناس حتى بعض الذين ينتسبون للعلم لكنهم انطلت عليهم المسألة أو جهلوا أو تجاهلوا.
حكاية العتبي أنه رأى أعرابياً أتى قبر النبي ﷺ وقرأ هذه الآية، وأنه رأى في المنام أن الله غفر له، هذه حكاية حتى لو ثبتت لم تكن دليلاً على البدعة أو الاستشفاع الممنوع، فأولاً: كون الأعرابي أتى إلى قبر النبي ﷺ ، هذا غلط، والأعرابي ليس قدوة ولو كان إماماً في الدين لما سمي أعرابياً، لأن الإمام في الدين وإن كان أصله من البادية لا يقال: إنه أعرابي، فهذا أعرابي جاهل لم يجد من يعلمه، ثم يزعمون أنه أتى إلى قبر النبي ﷺ ثم إنه رأى في المنام أن الله غفر له.
فمن يصدق أنه رأى، ثم إذا كان رأى فيحتمل أنه لبس عليه الشيطان.
وقال الشيخ: (وهذا لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل المذاهب المتبوعين الذين يفتي الناس بأقوالهم) إلى آخره، المهم أن الحكايات مثلها كثير صلوات ابتدعت، أعمال التمسح بالقبور، تعلق بالأموات والأحياء، كذب على الله وعلى رسوله ﷺ ، ابتداع في أعمال الحج، ابتداع في الصيام، أعمال في الزكاة، وكلها ابتداع من الناس وكثير منها من أمثال هذه الحكاية، حيث يأتي إنسان جاهل فيفعل فيتبعه غيره، ثم يدعي آخر أو يدعي هو أنه رأى رؤيا تصدق فعله، ثم يأتي الشيطان فيرد على كثير من الناس فتتواتر الرؤيا بزعمهم، فتكون الرؤيا سبيل فتنة، أو يتناقلون أشياء ليس لها أصل وتتواتر عندهم كأنها دليل حقيقي، أو يفتنون بقول عالم ما تأمل المسألة وأخطأ فيها، فتتراكم الأمور الملبسة ما بين رؤى، وزلات علماء وشهرة القصة، والثقة بالشخص القائل، وتناقل الشائعات، فتكون البدع من هذا الباب.
أقول هذا لأنه كثر عندنا هذا النوع من البدع، بدع في الرقى، بدع في علاج السحر، في علاج الأمراض، وأكثرها بدع حول الأعياد، وبدع حول بعض الأعمال التي يظن الناس أنها من أعمال البر، فكثر في الناس هذا النوع حتى تعلقوا بأشياء كثيرة ثم تتواتر عندهم الرؤى أو تكثر حتى تتعلق نفوسهم بهذا الأمر وهو في الأصل بدعة.
стр. 213
طلب الدعاء والشفاعة عند القبر مخالف لهدي السلف
قال رحمه الله تعالى: [ومعلوم أنه لو كان طلب دعائه وشفاعته واستغفاره عند قبره مشروعاً، لكان الصحابة والتابعون لهم بإحسان أعلم بذلك وأسبق إليه من غيرهم، ولكان أئمة المسلمين يذكرون ذلك.
وما أحسن ما قال مالك ﵀: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، قال: ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك.
فمثل هذا الإمام كيف يشرع ديناً لم ينقل عن أحد من السلف، ويأمر الأمة أن يطلبوا الدعاء والشفاعة والاستغفار بعد موت الأنبياء والصالحين منهم عند قبورهم، وهو أمر لم يفعله أحد من سلف الأمة].
يقصد بهذا الإمام، الإمام مالك.
قال رحمه الله تعالى: [ولكن هذا اللفظ الذي في الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى التوسل، فيقول أحدهم: اللهم إنا نستشفع إليك بفلان وفلان، أي نتوسل به.
ويقولون لمن توسل في دعائه بنبي أو غيره: قد تشفع به، من غير أن يكون المستشفع به شفع له ولا دعا له، بل وقد يكون غائباً لم يسمع كلامه ولا شفع له.
وهذا ليس هو لغة النبي ﷺ وأصحابه وعلماء الأمة، بل ولا هو لغة العرب، فإن الاستشفاع طلب الشفاعة، والشافع هو الذي يشفع للسائل فيطلب له ما يطلب من المسئول المدعو المشفوع إليه].
هناك صورة لا أدري هل سيوردها الشيخ أو لا يوردها؛ وهي مسألة أنه قد يقصد بالشفاعة أحياناً معنى صحيح لكنه بعيد، وهو أن يقصد بالاستشفاع بالشخص الاستشفاع بدعائه مع دعاء المستشفع، كما إذا طلبت من أحد ممن ترجى إجابة دعوته أن يدعو لك، ادع فكأنك شفعت دعاءه مع دعائك، فهذا المعنى صحيح لكنه بعيد وملبس بحيث إنه لا يحتج به على تسمية التوسل شفاعة من كل وجه.
стр. 214
احتمال التحريف فيما نسب لمالك في الاستشفاع عند القبر
قال رحمه الله تعالى: [وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا يعلم بسؤاله، فليس هذا استشفاعاً لا في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول.
نعم هذا سؤال به، ودعاؤه ليس هو استشفاعاً به، ولكن هؤلاء لما غيروا اللغة كما غيروا الشريعة وسموا هذا استشفاعاً -أي: سؤالاً بالشافع- صاروا يقولون: استشفع به فيشفعك.
أي: يجيب سؤالك به، وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل بالشرع واللغة، وليس لفظها من ألفاظ مالك.
نعم قد يكون أصلها صحيحاً، ويكون مالك].
يعني: قد يكون أصلها صحيحاً لكنها حرفت، بمعنى أنه قد يكون للحكاية أصل دون هذه المعاني والألفاظ البدعية، وهذا كثير مما ينقل عن الأئمة مما قد يكون له أصل لكن يزيد عليه الناس من أهل الأهواء والبدع والجهلة، وأيضاً بسبب النسيان وطول الأمد قد يزيد بعض الناس أشياء لم تحدث في القصة، أو يعبر عنها كما فهمها ويكون فهمه خاطئاً أو نحو ذلك، بمعنى أن الشيخ احتاط فيقول: حتى ولو لم تثبت بسند فقد يكون لهذه الحكاية أصل؛ لكن ليست هذه ألفاظ تليق بـ مالك وأمثاله من أئمة الدين؛ لأنها لا تصح شرعاً ولا تصح لغة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نعم، قد يكون أصلها صحيحاً ويكون مالك قد نهى عن رفع الصوت في مسجد الرسول ﷺ ? اتباعاً للسنة، كما كان عمر ﵁ ينهى عن رفع الصوت في مسجده، ويكون مالك أمر بما أمر الله به من تعزه وتوقيره ونحو ذلك مما يليق بـ مالك أن يأمر به].
стр. 215
تحريف المبتدعة لمعاني الألفاظ والمصطلحات الشرعية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي ﷺ ? وعادتهم في الكلام وإلا حرف الكلم عن مواضعه، فإن كثيراً من الناس ينشأ على اصطلاح قومه وعادتهم في الألفاظ، ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك.
وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم.
وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معان أخر مخالفة لمعانيهم، ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم، ويقولون: إنا موافقون للأنبياء.
وهذا موجود في كلام كثير من الملاحدة المتفلسفة والإسماعيلية ومن ضاهاهم من ملاحدة المتكلمة والمتصوفة، مثل من وضع المحدث والمخلوق والمصنوع على ما هو معلول وإن كان عنده قديماً أزلياً، ويسمي ذلك الحدوث الذاتي.
ثم يقول: نحن نقول: إن العالم محدث وهو مراده.
ومعلوم أن لفظ المحدث بهذا الاعتبار ليس لغة أحد من الأمم، وإنما المحدث عندهم ما كان بعد أن لم يكن].
أقرب مثال لما ذكر عن ملاحدة المتكلمة والمتصوفة في وضعهم بعض الألفاظ على غير وضعها الشرعي الصحيح تسميتهم لبعض صفات الله بأنه محدث كصفة الكلام، فيقولون: بأن كلام الله حادث، ومع ذلك يدعون بأن أصل كلام الله أزلي، بمعنى أنه قد تشتبه ألفاظهم ببعض ما عند أهل السنة، لكن عند التفصيل نجد أنهم يقصدون بالحادث المعنى الأزلي، وهذا من باب العبث في استعمال الألفاظ لاسيما متكلمة ومتصوفة الجهمية.
следующие страницы →