Полный текст (413 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بطلان ما روي من الأمر باستقبال القبر والاستشفاع به
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ثم قال في الحكاية: (استقبله واستشفع به فيشفعك الله)، والاستشفاع به معناه في اللغة: أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة، وكما كان أصحابه يستشفعون به.
ومنه الحديث الذي في السنن: (أن أعرابياً قال: يا رسول الله! جهدت الأنفس وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله، فسبح رسول الله حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ويحك أتدري ما تقول؟ شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه).
وذكر تمام الحديث فأنكر قوله: (نستشفع بالله عليك)، ومعلوم أنه لا ينكر أن يسأل المخلوق بالله أو يقسم عليه بالله، وإنما أنكر أن يكون الله شافعاً إلى المخلوق، ولهذا لم ينكر قوله: (نستشفع بك على الله) فإنه هو الشافع المشفع.
وهم لو كانت الحكاية صحيحة إنما يجيئون إليه لأجل طلب شفاعته ﷺ ? ولهذا قال في تمام الحكاية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء:٦٤] الآية، وهؤلاء إذا شرع لهم أن يطلبوا منه الشفاعة والاستغفار بعد موته فإذا أجابهم فإنه يستغفر لهم، واستغفاره لهم دعاء منه وشفاعة أن يغفر الله لهم.
وإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته، فإنما يقال في ذلك: استشفع به فيشفعه الله فيك، لا يقال: فيشفعك الله فيه، وهذا معروف الكلام، ولغة النبي ﷺ وأصحابه وسائر العلماء، يقال: شفع فلان في فلان فشفع فيه، فالمشفع الذي يشفعه المشفوع إليه هو الشفيع المستشفع به، لا السائل الطالب من غيره أن يشفع له، فإن هذا ليس هو الذي شفع، فمحمد ﷺ هو الشفيع المشفع ليس المشفع الذي يستشفع به.
ولهذا يقول في دعائه: يا رب! شفعني فيشفعه الله، فيطلب من الله سبحانه أن يشفعه لا أن يشفع طالبي شفاعته، فكيف يقول: واستشفع به فيشفعك الله؟ وأيضاً: فإن طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس مشروعاً عند أحد من أئمة المسلمين، ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة وأصحابهم القدماء، وإنما ذكر هذا بعض المتأخرين، ذكروا حكاية عن العتبي أنه رأى أعرابياً أتى قبره وقرأ هذه الآية، وأنه رأى في المنام أن الله غفر له، وهذا لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل المذاهب المتبوعين الذين يفتي الناس بأقوالهم، ومن ذكرها لم يذكر عليها دليلاً شرعياً].
стр. 212
بيان أنه لا يصح الاعتماد على الرؤى كدليل شرعي
هنا مسألة مهمة جداً وهي من أسباب اللبس في وقوع كثير من البدع في تاريخ الإسلام، وفي التباس هذه البدع على بعض أهل العلم وهي الخلط بين الرؤى وبين الأدلة الشرعية من ناحية، والخلط أيضاً بين نسبة القول إلى إمام متبوع أو إلى رجل مشهور وبين الاستدلال بالكتاب والسنة، فإن مثل هذه الحكاية عن العتبي اشتهرت عند الناس في وقتها وبعد وقتها، والقصة تعلقت بها عواطف بعض الناس حتى بعض الذين ينتسبون للعلم لكنهم انطلت عليهم المسألة أو جهلوا أو تجاهلوا.
حكاية العتبي أنه رأى أعرابياً أتى قبر النبي ﷺ وقرأ هذه الآية، وأنه رأى في المنام أن الله غفر له، هذه حكاية حتى لو ثبتت لم تكن دليلاً على البدعة أو الاستشفاع الممنوع، فأولاً: كون الأعرابي أتى إلى قبر النبي ﷺ ، هذا غلط، والأعرابي ليس قدوة ولو كان إماماً في الدين لما سمي أعرابياً، لأن الإمام في الدين وإن كان أصله من البادية لا يقال: إنه أعرابي، فهذا أعرابي جاهل لم يجد من يعلمه، ثم يزعمون أنه أتى إلى قبر النبي ﷺ ثم إنه رأى في المنام أن الله غفر له.
فمن يصدق أنه رأى، ثم إذا كان رأى فيحتمل أنه لبس عليه الشيطان.
وقال الشيخ: (وهذا لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل المذاهب المتبوعين الذين يفتي الناس بأقوالهم) إلى آخره، المهم أن الحكايات مثلها كثير صلوات ابتدعت، أعمال التمسح بالقبور، تعلق بالأموات والأحياء، كذب على الله وعلى رسوله ﷺ ، ابتداع في أعمال الحج، ابتداع في الصيام، أعمال في الزكاة، وكلها ابتداع من الناس وكثير منها من أمثال هذه الحكاية، حيث يأتي إنسان جاهل فيفعل فيتبعه غيره، ثم يدعي آخر أو يدعي هو أنه رأى رؤيا تصدق فعله، ثم يأتي الشيطان فيرد على كثير من الناس فتتواتر الرؤيا بزعمهم، فتكون الرؤيا سبيل فتنة، أو يتناقلون أشياء ليس لها أصل وتتواتر عندهم كأنها دليل حقيقي، أو يفتنون بقول عالم ما تأمل المسألة وأخطأ فيها، فتتراكم الأمور الملبسة ما بين رؤى، وزلات علماء وشهرة القصة، والثقة بالشخص القائل، وتناقل الشائعات، فتكون البدع من هذا الباب.
أقول هذا لأنه كثر عندنا هذا النوع من البدع، بدع في الرقى، بدع في علاج السحر، في علاج الأمراض، وأكثرها بدع حول الأعياد، وبدع حول بعض الأعمال التي يظن الناس أنها من أعمال البر، فكثر في الناس هذا النوع حتى تعلقوا بأشياء كثيرة ثم تتواتر عندهم الرؤى أو تكثر حتى تتعلق نفوسهم بهذا الأمر وهو في الأصل بدعة.
стр. 213
طلب الدعاء والشفاعة عند القبر مخالف لهدي السلف
قال رحمه الله تعالى: [ومعلوم أنه لو كان طلب دعائه وشفاعته واستغفاره عند قبره مشروعاً، لكان الصحابة والتابعون لهم بإحسان أعلم بذلك وأسبق إليه من غيرهم، ولكان أئمة المسلمين يذكرون ذلك.
وما أحسن ما قال مالك ﵀: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، قال: ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك.
فمثل هذا الإمام كيف يشرع ديناً لم ينقل عن أحد من السلف، ويأمر الأمة أن يطلبوا الدعاء والشفاعة والاستغفار بعد موت الأنبياء والصالحين منهم عند قبورهم، وهو أمر لم يفعله أحد من سلف الأمة].
يقصد بهذا الإمام، الإمام مالك.
قال رحمه الله تعالى: [ولكن هذا اللفظ الذي في الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى التوسل، فيقول أحدهم: اللهم إنا نستشفع إليك بفلان وفلان، أي نتوسل به.
ويقولون لمن توسل في دعائه بنبي أو غيره: قد تشفع به، من غير أن يكون المستشفع به شفع له ولا دعا له، بل وقد يكون غائباً لم يسمع كلامه ولا شفع له.
وهذا ليس هو لغة النبي ﷺ وأصحابه وعلماء الأمة، بل ولا هو لغة العرب، فإن الاستشفاع طلب الشفاعة، والشافع هو الذي يشفع للسائل فيطلب له ما يطلب من المسئول المدعو المشفوع إليه].
هناك صورة لا أدري هل سيوردها الشيخ أو لا يوردها؛ وهي مسألة أنه قد يقصد بالشفاعة أحياناً معنى صحيح لكنه بعيد، وهو أن يقصد بالاستشفاع بالشخص الاستشفاع بدعائه مع دعاء المستشفع، كما إذا طلبت من أحد ممن ترجى إجابة دعوته أن يدعو لك، ادع فكأنك شفعت دعاءه مع دعائك، فهذا المعنى صحيح لكنه بعيد وملبس بحيث إنه لا يحتج به على تسمية التوسل شفاعة من كل وجه.
стр. 214
احتمال التحريف فيما نسب لمالك في الاستشفاع عند القبر
قال رحمه الله تعالى: [وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا يعلم بسؤاله، فليس هذا استشفاعاً لا في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول.
نعم هذا سؤال به، ودعاؤه ليس هو استشفاعاً به، ولكن هؤلاء لما غيروا اللغة كما غيروا الشريعة وسموا هذا استشفاعاً -أي: سؤالاً بالشافع- صاروا يقولون: استشفع به فيشفعك.
أي: يجيب سؤالك به، وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل بالشرع واللغة، وليس لفظها من ألفاظ مالك.
نعم قد يكون أصلها صحيحاً، ويكون مالك].
يعني: قد يكون أصلها صحيحاً لكنها حرفت، بمعنى أنه قد يكون للحكاية أصل دون هذه المعاني والألفاظ البدعية، وهذا كثير مما ينقل عن الأئمة مما قد يكون له أصل لكن يزيد عليه الناس من أهل الأهواء والبدع والجهلة، وأيضاً بسبب النسيان وطول الأمد قد يزيد بعض الناس أشياء لم تحدث في القصة، أو يعبر عنها كما فهمها ويكون فهمه خاطئاً أو نحو ذلك، بمعنى أن الشيخ احتاط فيقول: حتى ولو لم تثبت بسند فقد يكون لهذه الحكاية أصل؛ لكن ليست هذه ألفاظ تليق بـ مالك وأمثاله من أئمة الدين؛ لأنها لا تصح شرعاً ولا تصح لغة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نعم، قد يكون أصلها صحيحاً ويكون مالك قد نهى عن رفع الصوت في مسجد الرسول ﷺ ? اتباعاً للسنة، كما كان عمر ﵁ ينهى عن رفع الصوت في مسجده، ويكون مالك أمر بما أمر الله به من تعزه وتوقيره ونحو ذلك مما يليق بـ مالك أن يأمر به].
стр. 215
تحريف المبتدعة لمعاني الألفاظ والمصطلحات الشرعية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي ﷺ ? وعادتهم في الكلام وإلا حرف الكلم عن مواضعه، فإن كثيراً من الناس ينشأ على اصطلاح قومه وعادتهم في الألفاظ، ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك.
وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم.
وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معان أخر مخالفة لمعانيهم، ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم، ويقولون: إنا موافقون للأنبياء.
وهذا موجود في كلام كثير من الملاحدة المتفلسفة والإسماعيلية ومن ضاهاهم من ملاحدة المتكلمة والمتصوفة، مثل من وضع المحدث والمخلوق والمصنوع على ما هو معلول وإن كان عنده قديماً أزلياً، ويسمي ذلك الحدوث الذاتي.
ثم يقول: نحن نقول: إن العالم محدث وهو مراده.
ومعلوم أن لفظ المحدث بهذا الاعتبار ليس لغة أحد من الأمم، وإنما المحدث عندهم ما كان بعد أن لم يكن].
أقرب مثال لما ذكر عن ملاحدة المتكلمة والمتصوفة في وضعهم بعض الألفاظ على غير وضعها الشرعي الصحيح تسميتهم لبعض صفات الله بأنه محدث كصفة الكلام، فيقولون: بأن كلام الله حادث، ومع ذلك يدعون بأن أصل كلام الله أزلي، بمعنى أنه قد تشتبه ألفاظهم ببعض ما عند أهل السنة، لكن عند التفصيل نجد أنهم يقصدون بالحادث المعنى الأزلي، وهذا من باب العبث في استعمال الألفاظ لاسيما متكلمة ومتصوفة الجهمية.
стр. 216
مغالطة الفلاسفة والمتكلمين فيما يثبتونه من الإيمان
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك يضعون لفظ الملائكة على ما يثبتونه من العقول والنفوس وقوى النفس، ولفظ الجن والشياطين على بعض قوى النفس.
ثم يقولون: نحن نثبت ما أخبرت به الأنبياء، وأقر به جمهور الناس من الملائكة والجن والشياطين].
طبعاً أهل الفلسفة وكثير من المتكلمين والعقلانيين ورثة أهل الكلام من المعاصرين ينزعون هذه النزعة، فعلى سبيل المثال كثير منهم الآن يطلقون على الملائكة نوازع الخير، يقولون: الملائكة ليست خلقاً مستقلاً بالخلقة وبالأخلاق وبالأعمال، إنما هي نوازع الخير الموجودة في البشر، والجن والشياطين نوازع الشر، وهذا قول فلسفي استمدوه من الفلاسفة والمتكلمين ومن سلك سبيلهم.
تنبيه: بعض الناس قد يعترض على كلمة (عقلانيين)؛ لأن العقل ليس بمذموم، أقول: بلى، العقل إذا تجاوز حده فإن صاحبه مذموم، فالذين استعملوا العقل على غير وجهه الصحيح هم عقلانيون بهذا الاعتبار، أي: بسبب الشهرة في الكلمة، فالعقلانية ليست مدحاً، إنما هي مدح على الوجه السليم الصحيح.
стр. 217
العقل عند الفلاسفة واعتقاداتهم الرديئة فيه
قال رحمه الله تعالى: [ومن عرف مراد الأنبياء ومرادهم علم بالاضطرار أن هذا ليس هو ذاك، مثل أن يعلم مرادهم بالعقل الأول وأنه مقارن عندهم لرب العالمين أزلاً وأبداً، وأنه مبدع لكل ما سواه، أو بتوسطه حصل كلما سواه.
والعقل الفعال عندهم عنه يصدر كلما تحت فلك القمر، ويعلم بالاضطرار من دين الأنبياء أنه ليس من الملائكة عندهم من هو رب كل ما سوى الله، ولا رب كل ما تحت فلك القمر، ولا من هو قديم أزلي أبدي لم يزل ولا يزال.
ويعلم أن الحديث الذي يروى: (أول ما خلق الله العقل) حديث باطل عن النبي ﷺ ، مع أنه لو كان حقاً لكان حجة عليهم، فإن لفظه (أول ما خلق الله العقل) بنصب الأول على الظرفية، (فقال له: أقبل، فأقبل.
ثم قال: أدبر، فأدبر.
فقال: وعزتي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك، فبك آخذ، وبك أعطي، وبك الثواب، وبك العقاب)، وروي: (لما خلق الله العقل).
فالحديث لو كان ثابتاً كان معناه أنه خاطب العقل في أول أوقات خلقه، وأنه خلق قبله غيره، وأنه تحصل به هذه الأمور الأربعة لا كل المصنوعات].
قال رحمه الله تعالى: [والعقل في لغة المسلمين: مصدر عقل يعقل عقلاً، يراد به القوة التي بها يعقل، وعلوم وأعمال تحصل بذلك، لا يراد بها قط في لغةٍ جوهٌر قائم بنفسه، فلا يمكن أن يراد هذا المعنى بلفظ العقل.
مع أنا قد بينا في مواضع أخر فساد ما ذكروه من جهة العقل الصريح، وأن ما ذكروه من المجردات والمفارقات ينتهي أمرهم فيه إلى إثبات النفس التي تفارق البدن بالموت، وإلى إثبات ما تجرده النفس من المعقولات القائمة بها، فهذا منتهى ما يثبتونه من الحق في هذا الباب].
لكنهم يقصرون ويقصرون عن إثبات كثير من الحق، ولذلك يلتبس أمر الفلاسفة على كثير من القراء والمثقفين حيث يعترف الفلاسفة بمبادئ الأصول، يقولون مثلاً: نؤمن بالله ونؤمن بالملائكة، هكذا يقول كثير من الفلاسفة الإسلاميين إن صح التعبير، فيظن الناس أنهم يؤمنون به على الوجه الحق، وهم يؤمنون بهذه الأمور على الوجه الباطل، وقد يصلون إلى إثبات شيء من الأمور التي توافق الشرع؛ لكن عند التفصيل يخالفون مخالفة صريحة، بل كل الفلاسفة وقعوا في شركيات ووقعوا في إلحاد عندما أرادوا أن يفصلوا في معنى إيمانهم، ومن الأشياء التي خلفوا فيها العقل والشرع زعمهم أن العقل جوهر، أي: جسم له ذات، فمعنى هذا أنهم يرون أن العقل له كيان مستقل عن المخلوقات الأخرى يدبر بها، وهذا هو الذي جعلهم يعتقدون أن العقل مدبر مع الله .
ولذلك قال بعضهم: إن العقل جوهر، يوجد ضمن الملائكة وضمن الكواكب وضمن الأجرام والمخلوقات الأخرى.
ومنهم من قال: العقل كيان مستقل.
ولهذا فليس عندهم إلا التخرص والخيال والأوهام، وهذا الكلام ينبذه العقل أو التفكير، إذ كيف نقول: إن العقل له كيان ونحن نعرف أن العقل ليس إلا موهبة أعطاها الله الإنسان يفكر بها.
وهم لا يقصدون آلة العقل من المخ والقلب إلى آخره، ولو قصدوه لكان الأمر سهلاً، ولقلنا: هذا من باب التوسع في الاصطلاح أو التوسع في المفهوم لكنهم قصدوا أن العقل وثن يعبد من دون الله ؛ لكنه وثن غير منظور، وجعلوه رباً يدبر الكون مع الله هذه خلاصة قولهم.
ويزعمون أنهم يؤمنون بالملائكة، وإذا فسروا الملائكة فسروهم بما ذكر الشيخ، وإنما يظهرون الإيمان بهم خشية من العوام، فيقول أحدهم: أنا أومن بوجود الجن والشياطين، لكن يفسرها بتفسير إلحادي فيقول: الجن هم نوازع الشر في الإنسان، ولذلك ذهب بعض المتأخرين من تلامذة مدرسة محمد عبده إلى مذهب شيخه وقرر هذا في تفسير سورة الجن، فزعم أن الجن ما هم إلا طائفة من البشر ينقسمون إلى نوعين: النوع الأول: مستضعفو البشر يقول: أغلب الجن من مستضعفي البشر، فعلى هذا أكثر البشرية جن عنده، وجبابرة البشر شياطين، وهذا امتداد للمدرسة الفلسفية ومدرسة محمد عبده العقلانية ثم أصبح هذا الآن من مقررات كثير من العقلانيين؛ لكن أكثرهم لا يجرؤ على إظهاره.
ومن جرأ وأعلن هذا ولم يكن عنده في ذلك تحفظ مثل: الدكتور البهي.
لاشك أن إنكار الجن أصلاً بدون ما يؤولهم أسهل ممن يؤول، لكن مع ذلك مآل التأويل الإنكار؛ لأنه سيضطر إلى إنكار نصوص صريحة في وصف الملائكة والجن؛ فإن الله وصفهم بأنهم أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فكيف تكون نوازع الخير لها أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ولذلك فإن من يعتقد ذلك ناقض العقل منكر نص القرآن المتواتر، نقول لو ناقشناه: كيف تكون الملائكة نوازع الخير والله وصفهم بأن لهم أجنحة ووصفهم بأنهم يعرجون وينزلون، ووصفهم بأعمال ظاهرة حسية؟ فيصعب عليه أن يؤول جميع النصوص، وإذا أولها تأويلاً لا يقتضيه المقام فهو مثل الإنكار؛ لكنه إنكار الجبناء، والله أعلم!
стр. 218
الأسئلة
стр. 219
طلب الدعاء من الغير يضعف التوكل
السؤال
هل طلب الدعاء من أهل الصلاح ينافي التوكل؟
الجواب
لا ينافيه إذا كان قليلاً، وأما الإكثار منه فهو يضعف التوكل.
стр. 220
التعلق بالرؤى المنامية وضعف التوكل
السؤال
كثير من الناس بين إفراط وتفريط في الرؤى، فمنهم من يعظمها وتقض مضجعه، وتسبب خللاً في توكله، ومنهم من لا يلقي للرؤى بالاً فيعتقد أنها أضغاث أحلام، فما رأيكم؟
الجواب
أما من لا يلقي للرؤيا بالاً فليس عليه حرج، أما من يتعلق بها فلاشك أن هذا يضعف توكله ويقع في إشكالات، والأمر وسط، فإن النبي ﷺ وضع لنا قاعدة الرؤى وقال: (الحلم من الشيطان والرؤى من الله، فمن رأى منكم رؤيا يكرهها فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم وينفث على يساره ثلاثاً، فإنها لا تضره)، ومع ذلك إذا غلب على ظنه أنها ليست أضغاث أحلام، فإن كانت مما يسوءه من أمر يزعجه فالأولى ألا يلتفت إليها، فذلك خير له؛ لأنه ورد في حديث آخر (أن الرؤيا على جناح طائر) فإن أولتها وقعت، فإن تأويل الرؤيا غالباً يكون فتنة وابتلاء، بينما الإعراض عنها والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم والاستعاذة منها ومن شرها يجعلها لا تضره كما قال النبي ﷺ ، وهذا وعد حق والحديث صحيح.
فإذا كانت الرؤيا مزعجة له فلا يتعلق بها، أما إن كانت خيراً فليستبشر بها ولا يخبر بها إلا صديقاً كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح، هذه قاعدة في الرؤى، لكن أغلب الرؤى من المزعجات وأغلب الأحلام من المزعجات فالأولى ألا يلتفت إليها الإنسان، وإن خاف أن يتعلق بها قلبه فليعمل بالسنة فيستعيذ ثلاثاً وينفث على يساره، وليتوكل على الله صحيح أن النبي ﷺ كان يقول لأصحابه: (من رأى منكم رؤيا)، لكن هل منا من يكون كالنبي ﷺ في تفسير الرؤيا.
ثم إن هذه ليست قاعدة مطردة من سنن النبي ﷺ اليومية، وإنما حدثت مرات؛ لأن النبي ﷺ ربما كان يبحث عن مبشرات في أمور تتعلق بالجهاد أو غيره، أو مبشرات تتعلق بأفراد المسلمين.
إذاً: مبدأ السؤال عن الرؤيا لا بأس به لكن ينبغي للمسلم أن يعمل بالضابط الذي ذكره النبي ﷺ .
стр. 221
التعلق ببدعة عيد الحب
السؤال
هذا السؤال يتعلق بأمر من الأمور التي تعلق بها بعض جهلة الناس وأهل البدع والنساء خاصة، وهي مناسبة ما يسمى بعيد الحب، فقد تعلقت بها كثير من الفتيات والنساء، وهذا أمر خطير جداً، والدين النصيحة فأدركوا الأمة قبل أن تقع في مثل هذه الكوارث في دينها.
فمن المعلوم أنه لا يجوز للمسلم أن يحتفل بعيد غير عيدي الفطر والأضحى، هذه قاعدة متفق عليها عند جمهور الأمة، بل مجمع عليها عند سلف الأمة قديماً وحديثاً فكيف إذا كان بعيد للكفار وكيف إذا تعلق به الناس على هذا النحو من تقليد ما يحدث عند الكفار في عيد الحب من ألبسة وتهانٍ ووسائل وأساليب يتعامل بها طوائف من نسائنا، هذا أمر خطير ولم نعرفه إلا في السنين الأخيرة.
ولذلك ينبغي أن تبذلوا جهودكم في النصح كل بقدر ما يستطيع في بيته وذويه وجيرانه وحيه، وفي عمله ومع أصدقائه ومع الناس في المساجد، فنبهوا أئمة المساجد على مثل هذه الأمور الخطيرة، فإنه ينبغي أن نبذل الجهد في المناصحة، وإن شاء الله نجد لذلك ثمرة أو على الأقل نعذر فالإعذار أمام الله مطلوب لئلا تشملنا عقوبة الله، نسأل الله السلامة، ونسأل الله أن يحمينا جميعاً من البدع والأهواء ومضلات الفتن.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 222
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٣]
من أعظم الانحرافات في أبواب الدين استعمال مصطلحات دخيلة وغريبة تحمل معاني وتفسيرات متباينة، ثم يأتون للنصوص الشرعية فيفسرونها بتلك المصطلحات وبما يوافق عقائدهم ومذاهبهم، ومن هنا حصل لبس عند طوائف أهل البدع في مصطلح التوسل والشفاعة وغيرها، ولم يدركوا مفاهيمها الشرعية كما فهمها السلف الصالح على ضوء النصوص الشرعية المبينة لها.
стр. 223
منهج أهل البدع في استعمال المصطلحات الشرعية
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا أن كثيراً من كلام الله ورسوله ﷺ يتكلم به من يسلك مسلكهم ويريد مرادهم لا مراد الله ورسوله].
هذا أيضاً يعتبر من مناهج المبتدعة عموماً، وهو أنهم يضعون لأنفسهم مصطلحات ويفسرون نصوص الشرع على هذه المصطلحات، أو يأخذون المصطلحات الشرعية ويفسرونها على ضوء أصولهم لا على ضوء دلالاتها الشرعية ولا اللغوية.
وذلك أنه ما من فرقة من الفرق إلا وتسلك هذا المسلك، وهم بين مقل ومكثر، فالباطنية يفسرون غالب نصوص الشرع بتفسيرات لا تقتضيها الأصول الشرعية ولا اللغة، ولا العرف والعادة، ولا العقول السليمة، يفسرون بالتفسير الرمزي الباطني والإشاري وقلب المفاهيم قلباً كاملاً لا يقتضيه أي مفهوم لغوي ولا شرعي.
وما من فرقة إلا وتستعمل بعض المصطلحات استعمالاً خاطئاً فتأخذ الألفاظ الشرعية وتفسرها على مصطلحاتها الخاصة، وقد أراد الشيخ بهذا أن يثبت أنهم استعملوا الشفاعة والاستشفاع والتوسل على غير معناه اللغوي الصحيح السليم، وعلى غير معناه الشرعي المعروف والمعهود عند الصحابة وأئمة السلف.
فقصد الشيخ هنا، أنهم تلاعبوا بالألفاظ ووضعوا لهم فيها مصطلحات خاصة فحكموا على النصوص من خلال هذه المصطلحات.
قال رحمه الله تعالى: [كما يوجد في كلام صاحب الكتب المضنون بها وغيره].
المقصود بالكتب المضنون بها كتب علم الكلام وكتب المتصوفة وكتب الفلاسفة، وسماها المضنون بها أخذاً من عنوان كتاب للغزالي سماه: المضنون به على غير أهله، ادعى الغزالي أن علم الكلام وعلم التصوف علم الحقيقة والشريعة وما يتفرع عنه ومصطلحات الفلاسفة؛ أنها علوم راقية على مستويات عالية لا يدركها العوام، والعوام هم الأنبياء وأتباع الأنبياء ولذلك يقول: ينبغي لكتب الكلام ألا تبتذل فيقرؤها العوام من غير أهل الكلام، ولا تدرس عند الحشوية فإنهم لا يدركونها.
وكذلك بقية علوم أهل البدع أغلبها من الكتب المضنون بها على غير أهلها.
стр. 224
نماذج من التلاعب بالألفاظ عند أهل البدع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [مثل ما ذكره في اللوح المحفوظ حيث جعله النفس الفلكية، ولفظ القلم حيث جعله العقل الأول، ولفظ الملكوت والجبروت والملك حيث جعل ذلك عبارة عن النفس والعقل، ولفظ الشفاعة حيث جعل ذلك فيضاً يفيض من الشفيع على المستشفع وإن كان الشفيع قد لا يدري، وسلك في هذه الأمور ونحوها مسالك ابن سيناء كما قد بسط في موضع آخر].
وهذا القدر مشترك عند جميع الفرق، أعني إعطاء المصطلحات الشرعية معاني بدعية، فالباطنية عندهم ظاهر وباطن، فهم يرون أن الباطن هو الحق المقصود، وأن الظاهر شكليات تصلح لعوام الناس الذين هم أهل ضلال عندهم، وأهل التصوف يقسمون المعاني الشرعية إلى حقيقة وشريعة، فالشريعة هي الأحكام الظاهرة، وتفسير النصوص بمقتضى اللغة ومقتضى التفسير المعلوم عند بقية العقلاء، والحقيقة هي تفسير النصوص بمعاني لا يدركها إلا أهل الاختصاص -ضلال الصوفية-! وكذلك الفلاسفة وغيرهم كل منهم عنده قدر، نأتي إلى أهل البدع العملية في العبادات كبدع الموالد وغيرها، فهؤلاء عندهم قدر من هذه المعاني، فهم عندما يعبدون المخلوقات من دون الله سواء كانت بشراً أو غير بشر، أو عندما يتوسلون ويتبركون بالأشياء؛ فعندهم شعور أن لها أرواحاً ونفوساً، وأن هذه الأرواح والنفوس تمدهم بالبركة، ولذلك تجد الواحد منهم إذا كان عند قبر صالح يقول: المدد يا فلان، اعتقاداً منه أن للأرواح فيضاً يسعفه.
ونحن نقول: الأرواح لها معان لكنها معان غيبية ليس لها علاقة بتصريف الكون أو التأثير في مصالح العباد أو مقاديرهم، وإلا فلاشك أن الأرواح عالم آخر، فالأحلام والرؤى، وما ورد في الشرع مما يقع للأموات في قبورهم، وما يقع بين الأموات والأحياء من أمور روحية في الأحلام وغيره كل هذا معلوم، لكن ينبغي ألا يتعدى ما ثبت في الشرع، هذا من ناحية.
والناحية الأخرى: ينبغي ألا يصل وجود شهادة الأرواح وتنقلها إلى حد أن يعتقد الإنسان أن لهذه الأرواح تأثيراً في مقاليد وشئون الأحياء من دون الله .
فأقول: إن اعتقاد أن الألفاظ الشرعية لها معان غامضة، وأن هذه المعاني تتعلق بها القلوب أو الأحوال أو مقاليد البشر؛ هذا قدر مشترك تجده عند المبتدع الساذج الذي يتبرك ويتوسل، وعند المبتدع المركب الذي يشرك بالله مثل الفلاسفة وغلاة الصوفية وغيرهم كلهم عندهم قدر مشترك في اعتقاد أن هناك تأثيراً للمخلوقات من دون الله بعضها في بعض، وهذا التأثير هو سبب نزعة التعلق بالقبور والمشاهد والآثار، فمن مقل ومكثر، وهذه النزعة أول ما جاءتنا من العجم؛ لأنها موجودة في الديانات السابقة التي يعيشها العجم وهي جزء من كيانهم، إلا من طهر الله قلبه ونفسه بالدين الحق.
ولو تأملتم لوجدتم أن من أساسيات أهل البدع وتصوراتهم الضرورية اعتقاد أن ما يتمسحون به ويتوسلون ويتبركون له تأثير يفيض عليهم، ويعبرون عن هذا بتعبيرات كثيرة تختلف بحسب مشاربهم ومداركهم ومستوياتهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا ذكر من يقع ذلك منه من غير تدبر منه للغة الرسول ﷺ كلفظ القديم، فإنه في لغة الرسول ﷺ التي جاء بها القرآن خلاف الحديث، وإن كان مسبوقاً بغيره، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]، وقال تعالى عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف:٩٥].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٦].
وهو عند أهل الكلام عبارة عما لم يزل أو عما لم يسبقه وجود غيره إن لم يكن مسبوقاً بعدم نفسه، ويجعلونه -إذا أريد به هذا- من باب المجاز، ولفظ المحدث في لغة القرآن مقابل للفظ القديم في القرآن].
هذا في الحقيقة من المناهج الباطلة عند أهل الكلام، أنهم يسلكون في تبيين الحقائق أوعر المسالك، والشيخ نقل أن القديم عند أهل الكلام عبارة عما لم يزل أو عما لم يسبقه ذو جود غيره، ويقصدون الذي ليس قبله شيء، ولو قالوها لأراحونا وأراحوا أنفسهم، كما وصف النبي ﷺ اسم الله الأول الذي ليس قبله شيء؛ لكنهم يبحثون عن أعسر معنى وأبعد أسلوب يوصلك إلى ما يريدون؛ لأنك تستبعد أن يكون قصدهم هو هذا المعنى البسيط، وهذا في عموم عبارات المتكلمين، وقد قرأت كتاباً يعتبر على درجة المتكلمين دون الفلاسفة، وهو كتاب التوحيد لـ أبي منصور الماتريدي، فإذا هو عسر جداً جداً، فقد كتبه بأسلوب ملتو بحيث تقرأ صفحة أو صفحات وتفاجأ بأنه يريد حقيقة بسيطة جداً، مثل قوله : ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]، فتجد أنه قد بحث عن أوحش العبارات وأبعدها وأصعب الأساليب حتى يصل إلى هذه النتيجة.
стр. 225
بيان ما يقع من الغلط من قبيل الاصطلاح
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك لفظ (الكلمة) في القرآن والحديث وسائر لغات العرب إنما يراد به الجملة التامة، كقوله ﷺ : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم).
وقوله: (إن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل).
ومنه قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠]، وأمثال ذلك.
ولا يوجد لفظ الكلام في لغة العرب إلا بهذا المعنى].
يقصد الشيخ أن الكلمة في أصل إطلاقها عند العرب وعند السلف الأوائل وكما أطلقها النبي ﷺ ، أنها ما نسميه نحن الجملة المفيدة لمعنى تام، أما الكلمة المجردة مثل الاسم المجرد أو الفعل المجرد والحرف فلا يسمى كلمة إلا في اصطلاح النحاة، ولذلك ينبغي أن نفرق بين اصطلاح الشرع الأصلي وبين الاصطلاح الذي يتعارف عليه أهل العلوم، وكذلك ينبغي أن يتفطن طلاب العلم للتفريق بين عبارتين: بين عبارة (في الاصطلاح) إذا قصد بها اصطلاح أهل الاختصاص وبين عبارة (في الاصطلاح) إذا قصد بها الاصطلاح الشرعي، ولذلك الأولى أن تقيد المعاني الشرعية بكلمة (الاصطلاح الشرعي)؛ لأن هناك مصطلحات اصطلح عليها بعض أهل العلوم الجزئية لا تتوافق مع المصطلحات الشرعية وبناء على ذلك فهم الناس خطاب الشرع على غير وجهه بسبب استعمالهم للمصطلح الخاص لعلم من العلوم، وهذا مما ينبغي أن يعنى به طلاب العلم من الباحثين في هذا العصر الآن؛ لأن وسائل البحث قد توفرت، فينبغي أن تحرر مثل هذه الأمور وتنقح المصطلحات الشرعية وتعزل عنها المصطلحات الخاصة وتبين الفروق؛ لأنه إن بنى على استعمال هذه المصطلحات في فهم نصوص الكتاب والسنة انبنى عليها مفاهيم خطيرة خاصة عند البعيدين عن التخصص الشرعي، مثل بعض اللغويين والأدباء والأصوليين ونحوهم الذين يتعمقون في جانب معين ويبعدون عن المعاني الشرعية، فيستعملون مصطلحاتهم يطبقونها على المعاني الشرعية فيقع منهم خلط وخبط.
ونجد مثل ذلك في تعبيرات كثير من المحدثين الذين تطفلوا على العلوم الشرعية وهم غير مؤهلين، قد يكون بعضهم طبيباً أو مهندساً فتجده يستعمل مصطلحات فنه في التعبير عن الأمور الشرعية، فوقع الناس في حرج وإشكالات؛ لأنه جرهم إلى مفاهيم ومصطلحات معينة لا تنطبق على المفاهيم الشرعية ولا على المصطلحات الشرعية، وربما يكون الأدب هو أخطر ما حدث في ذلك كما حدث من سيد قطب ﵀ في استعماله كثيراً من المصطلحات الشرعية بتعبير أدبي ميع المعاني الشرعية تمييعاً شديداً خطيراً، أوقع الناس في خلط واختلاف في معاني كلماته هو، واتهمه بعض الناس بالزندقة والإلحاد.
فيجب أن نتنبه ونأخذ درساً مما حدث ويحدث، وننقح هذه الأمور ونبينها، ونضع للناس مناهج بينة واضحة ونضرب الأمثلة لذلك.
فالشاهد كما سيذكر الشيخ أن استعمال المصطلحات على غير وجهها الشرعي من أسباب وقوع الناس في التوسل البدعي، وهذا ما أراده الشيخ، لكنه يستطرد أحياناً حتى يبعد ذهن القارئ عن الأصل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والنحاة اصطلحوا على أن يسموا الاسم وحده والفعل والحرف كلمة، ثم يقول بعضهم: وقد يراد بالكلمة الكلام، فيظن من اعتاد هذا أن هذا هو لغة العرب.
وكذلك لفظ (ذوي الأرحام) في الكتاب والسنة يراد به الأقارب من جهة الأبوين، فيدخل فيهم العصبة وذوو الفروض، وإن شمل ذلك من لا يرث بفرض ولا تعصيب، ثم صار ذلك في اصطلاح الفقهاء اسماً لهؤلاء دون غيرهم، فيظن من لا يعرف إلا ذلك أن هذا هو المراد بهذا اللفظ في كلام الله ورسوله ﷺ وكلام الصحابة، ونظائر هذا كثيرة.
ولفظ التوسل والاستشفاع ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول ﷺ وأصحابه ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم.
والعلم يحتاج إلى نقل مصدق ونظر محقوق].
لعل الأقرب: (ونظر محقق) ومع ذلك فـ (محقوق) تؤدي المعنى ولو من بعيد.
стр. 226
دخول الخطأ في فهم معنى التوسل
قال رحمه الله تعالى: [والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله ﷺ ، فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية، ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة بأن الله أمرنا أن نصلي على النبي ﷺ ونسلم عليه في كل مكان، فهذا مما اتفق عليه المسلمون، وكذلك رغبنا وحضنا في الحديث الصحيح على أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة، وأن يبعثه مقاماً محموداً الذي وعده.
فهذه الوسيلة التي شرع لنا أن نسألها الله تعالى كما شرع لنا أن نصلي عليه ونسلم عليه هي حق له، كما أن الصلاة عليه والسلام حق له ﷺ ، والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها إليه هي التقرب إليه بطاعته، وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله ﷺ ، وهذه الوسيلة لا طريق لنا إليها إلا باتباع النبي ﷺ بالإيمان به وطاعته، وهذا التوسل به فرض على كل أحد.
وأما التوسل بدعائه وشفاعته كما يسأله الناس يوم القيامة أن يشفع لهم، وكما كان الصحابة يتوسلون بشفاعته في الاستسقاء وغيره، مثل توسل الأعمى بدعائه حتى رد الله عليه بصره بدعائه وشفاعته، فهذا نوع ثالث من باب قبول الله دعاءه وشفاعته لكرامته عليه، فمن شفع له الرسول ﷺ ودعا له فهو بخلاف من لم يدع له ولم يشفع له.
ولكن بعض الناس ظن أن توسل الصحابة به كان بمعنى أنهم يقسمون به ويسألون به، فظن هذا مشروعاً مطلقاً لكل أحد في حياته ومماته، وظنوا أن هذا مشروع في حق الأنبياء والملائكة، بل وفي الصالحين وفيمن يظن فيهم الصلاح، وإن لم يكن صالحاً في نفس الأمر].
هذه فائدة مهمة جداً، وهي زبدة لكل ما مر وما يلحق، وهي أنه ليس هناك دليل على ما يفعلون من التوسل البدعي، والعبادات توقيفية وهذه أمور عبادة يتوجه بها الإنسان إلى الله ويدين بها.
فأعظم دليل وأقوى حجة في منع التوسل البدعي والاستشفاع البدعي هو أنه ليس على ما يفعلون ويقولون أي دليل، والشيخ تحدى الناس في وقته أن يأتوا بشيء من ذلك ولم يأتوا ولا يزال التحدي قائماً.
قال رحمه الله تعالى: [وليس في الأحاديث المرفوعة في ذلك حديث في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها في الأحاديث، لا في الصحيحين ولا كتب السنن ولا المسانيد المعتمدة كمسند الإمام أحمد وغيره، وإنما يوجد في الكتب التي عرف أن فيها كثيراً من الأحاديث الموضوعة المكذوبة التي يختلقها الكذابون بخلاف من قد يغلط في الحديث ولا يتعمد الكذب، فإن هؤلاء توجد الرواية عنهم في السنن ومسند الإمام أحمد ونحوه، بخلاف من يتعمد الكذب فإن أحمد لم يرو في مسنده عن أحد من هؤلاء].
стр. 227
الأسئلة
стр. 228
حكم زيارة النساء للقبور
السؤال
يوجد نص حديث يحدد تحريم زيارة النساء للقبور؟
الجواب
قال النبي ﷺ : (لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج).
وأما قوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) فهذا يتعلق بالرجال.
وما دام وجد النص الذي يفسر النص الآخر فلابد من الوقوف عنده، والحديث صحيح، بل النصوص في تحريم زيارة النساء للقبور ليست نصاً واحداً، وعليها عمل جمهور السلف.
стр. 229
حكم زيارة قبور شهداء أحد
السؤال
هل زيارة قبور الشهداء أو شهداء أحد مشروعة؟
الجواب
زيارة المقابر عموماً مشروعة إنما الممنوع هو السفر من أجل زيارة قبور الشهداء أو البقيع أو غيرها، أما إذا وصل الإنسان إلى المدينة فالأولى والأجدر به أن يزور مقابر البقيع والشهداء وغيرها، وما أشار إليه السائل من إلقاء الزهور أو غيرها من المثمنات أو غير المثمنات فهذا من البدع.
стр. 230
الفرق بين المتفلسفة والمتصوفة
السؤال
كثيراً ما يذكر شيخ الإسلام المتفلسفة والمتصوفة، فما الفرق بين المتفلسفة والمتصوفة؟
الجواب
المتفلسفة والمتصوفة بينهم وجوه اتفاق ووجوه اختلاف، فأهم وجوه الاختلاف أن المتصوفة أصحاب النزعة التعبدية وتكثر عندهم بدع العبادات، وأكثر مسالكهم تتعلق بالأوراد وبالأحوال القلبية التي يبالغون بها، وتتعلق بالطرق والشيوخ والمريدين وبعض العقائد الباطنية الوهمية.
أما المتفلسفة فأغلبهم من الذين ليس عندهم تدين إنما عندهم أفكار، حيث تسرح خيالاتهم في قضايا الاعتقادات والغيبيات فيحكمون العقل والآراء في قضايا الغيب، وأغلب الفلاسفة القدامى على هذا المنهج.
وهناك طائفة تجمع بين الأمرين، وهم الصوفية الفلاسفة، والفلاسفة الصوفية يعني: الفلاسفة الذين سلكوا مسلك التصوف عندهم النزعتان: نزعة الإغراق في الخيالات الفكرية والأوهام، ونزعة الإغراق في البدع والأحوال القلبية والبدع العملية، وكذلك بعض المتصوفة عندهم نفس بدع الصوفية وعندهم نزعة فلسفية، فمثلاً ابن عربي وابن الفارض والسهروردي المقتول وابن سيناء عندهم نزعة التفلسف والتصوف، وهناك فلاسفة خلص مثل الفارابي وابن رشد، وهؤلاء الفلاسفة الخلص ما عندهم نزعة تصوف إلا قليل جداً.
стр. 231
أفضلية النبي ﷺ على الملائكة
السؤال
هل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦]، دليل على أن النبي ﷺ أفضل من الملائكة، أم أن الملائكة أفضل من النبي؟
الجواب
الراجح أن النبي ﷺ بشخصه أفضل من الملائكة، وهذا الراجح هو الذي يدل عليه عموم النصوص، وهو أن النبي ﷺ هو أفضل الخلق من الإنس والجن والملائكة، والله أعلم.
стр. 232
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٤]
يتمسك أصحاب التوسلات البدعية بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وكذا ما يوردونه من السؤال بنفس المخلوقين أحاديثه واهية وموضوعة، وهذا يوردونه في أبواب العقائد والأصول، ويبنون بها قواعدهم ويحاكمون الآخرين إليها، وقد كان السلف رضوان الله عليهم لا يستدلون بمثل درجة أحاديث التوسلات البدعية في فضائل الأعمال ونحوها، فكيف بمن يبني بها ويشيد أصولاً وقواعد.
стр. 233
تنازع الهمذاني وابن الجوزي في وجود الموضوع في مسند أحمد
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ولهذا تنازع الحافظ أبو العلاء الهمذاني والشيخ أبو الفرج بن الجوزي: هل في المسند حديث موضوع؟ فأنكر الحافظ أبو العلاء أن يكون في المسند حديث موضوع، وأثبت ذلك أبو الفرج، وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها باطلة.
ولا منافاة بين القولين، فإن الموضوع في اصطلاح أبي الفرج هو الذي قام دليل على أنه باطل وإن كان المحدث به لم يتعمد الكذب بل غلط فيه؛ ولهذا روى في كتابه في الموضوعات أحاديث كثيرة من هذا النوع.
وقد نازعه طائفة من العلماء في كثير مما ذكره وقالوا: إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل، بل بينوا ثبوت بعض ذلك، لكن الغالب على ما ذكره في الموضوعات أنه باطل باتفاق العلماء.
وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله فإنما يريدون بالموضوع المختلق المصنوع الذي تعمّد صاحبه الكذب، والكذب كان قليلاً في السلف.
أما الصحابة فلم يعرف فيهم -ولله الحمد- من تعمد الكذب على النبي ﷺ ، كما لم يعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبدع الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة، فلم يعرف فيهم أحد من هؤلاء الفرق].
стр. 234
براءة الصحابة من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ
هاتان فائدتان عظيمتان، وهما من جملة اعتقاد السلف في الصحابة ﵃، ومن الأمور المتفق عليها مما تبطل به دعاوى أهل الأهواء قديماً وحديثاً، وهو ما بدأت به بعض الاتجاهات وبعض المفتونين -شنشنة لا نزال نسمعها من بعضهم- ودعاوى أن الصحابة منهم من قد يحدث عن الرسول ﷺ ما لم يثبت، وهذا لا يمكن؛ لأنه يتنافى مع عصمة الدين وحفظه، ويتنافى مع تزكية الصحابة ﵃ وعدالتهم، فإن عدالتهم معلومة من الدين بالضرورة، لأنه لا يمكن أن يتأتى ما تكفل الله به من حفظ الدين إلا بعدالة الصحابة.
نعم جاءت الأهواء من بعدهم وانتشرت فحدث الكذب، لكن الذين كذبوا كانوا من دون الصحابة أو كذبوا على الصحابة، أما الصحابة ﵃ فلم يعرف فيهم من تعمد الكذب على النبي ﷺ ، وهذا معروف بالاستقراء فضلاً عن أنه من لوازم عصمة هذا الدين وثبات الوحي وحفظه.
الفائدة الثانية: قال: (كما لم يُعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة)، أي أن الصحابة لم يكن منهم أحد من أهل الأهواء والفرق، نعم الصحابة ﵃ كسائر البشر قد يقع منهم أخطاء عن اجتهاد لكن لا يتعلق ذلك بالدين، ولم يُعرف أبداً من خلال استقراء حياة الصحابة أن أحداً من الصحابة ابتدع في الدين أو تابع الفرق.
الفرق التي ظهرت في عهد الصحابة من الفرق المشهورة ثلاث فرق فقط: الرافضة بفرقها الأولى، والخوارج، والقدرية هذه الفرق خرجت في عهد الصحابة ولم يكن أحد من الصحابة قال ببدعة من بدع هؤلاء ولا بغيرها من البدع، هذه أيضاً فائدة عظيمة يجب أن نفهمها جيداً، وهذا معلوم بالاستقراء فضلاً عن أنه من الأصول التي هي من حق الصحابة ﵃.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا كان فيهم من قال: إنه أتاه الخضر، فإن خضر موسى مات كما بُيّن هذا في غير هذا الموضع].
حتى لو قيل أن الخضر لم يمت وهو خلاف ضعيف، فإنه لم يحدث من أحد من الصحابة أن ادّعى أنه يأتيه الخضر، وهذا رد على أهل البدع من الصوفية ومن سلك سبيلهم، فإنهم لا يزالون يدّعون أن الخضر يأتيهم، وأنهم يستمدون منه أشياء من الدين، ويعتمدون عليه وعلى الرواية عنه وعلى فعله في كذبهم وفي بدعهم العلمية والعملية والاعتقادية.
стр. 235
تصور الجن للعباد والجهلة بأنهم الخضر
قال رحمه الله تعالى: [والخضر الذي يأتي كثيراً من الناس إنما هو جني تصور بصورة إنسي أو إنسي كذاب، ولا يجوز أن يكون ملكاً مع قوله أنا الخضر، فإن الملك لا يكذب، وإنما يكذب الجني والإنسي.
وأنا أعرف ممن أتاه الخضر وكان جنياً مما يطول ذكره في هذا الموضع.
وكان الصحابة أعلم من أن يروج عليهم هذا التلبيس، وكذلك لم يكن فيهم من حملته الجن إلى مكة وذهبت به إلى عرفات ليقف بها كما فعلت ذلك بكثير من الجهال والعباد وغيرهم، ولا كان فيهم من تسرق الجن أموال الناس وطعامهم وتأتيه به، فيظن أن هذا من باب الكرامات كما قد بُسط الكلام على ذلك في مواضع.
وأما التابعون فلم يعرف تعمد الكذب في التابعين من أهل مكة والمدينة والشام والبصرة، بخلاف الشيعة فإن الكذب معروف فيهم، وقد عرف الكذب بعد هؤلاء في طوائف].
يشير بهذا إلى أن التشيع في ذلك الوقت في الكوفة، ولذلك استثنى مكة والمدينة والشام والبصرة ولم يستثن الكوفة.
قال رحمه الله تعالى: [وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس، بل في الصحابة من قد يغلط أحياناً وفيمن بعدهم؛ ولهذا كان فيما صنف في الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط وإن كان جمهور متون الصحيحين مما يُعلم أنه حق.
فالحافظ أبو العلاء يعلم أنها غلط، والإمام أحمد نفسه قد بيّن ذلك وبيّن أنه رواها لتعرف، بخلاف ما تعمد صاحبه الكذب.
ولهذا نزه أحمد مسنده عن أحاديث جماعة يروي عنهم أهل السنن كـ أبي داود والترمذي مثل نسخة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، وإن كان أبو داود يروي في سننه منها، فشرط أحمد في مسنده أجود من شرط أبي داود في سننه.
والمقصود أن هذه الأحاديث التي تروى في ذلك من جنس أمثالها من الأحاديث الغريبة المنكرة، بل الموضوعة، التي يرويها من يجمع في الفضائل والمناقب الغث والسمين، كما يوجد مثل ذلك فيما يصنف في فضائل الأوقات، وفضائل العبادات، وفضائل الأنبياء والصحابة، وفضائل البقاع ونحو ذلك، فإن هذه الأبواب فيها أحاديث صحيحة، وأحاديث حسنة، وأحاديث ضعيفة، وأحاديث كذب موضوعة، ولا يجوز أن يُعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة.
لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يُعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب].
стр. 236
استدلال السلف بالآثار الضعيفة على الأصول إنما هو من باب الاعتضاد
هذه تذكرنا بأصل عند السلف، وهذا الأصل يجهله كثير من أهل الأهواء، وقد أثاره بعض المفتونين في أيامنا هذه، حيث ادّعى أن السلف أهل السنة والجماعة في كتبهم وفي مصنفاتهم المعتمدة في العقيدة خاصة كتب الآثار والسنن المطولة أنهم يحشون كتبهم بالأحاديث الضعيفة والروايات التي لا أصل لها، فهذا المفتون ومن تأثر بمقولته ربما يعلمون أنها في الصحيح، لكن أرادوا إثارة الفتنة ظنوا أن السلف يتساهلون في أخذ الدين عن غير المصادر النقية، وأنهم يجوزون الاستدلال بما لا يصح من الموضوع والضعيف، وهذا جهل من بعض الذين تابعوا هذه المقولة، وتجاهل من الذي أثارها؛ لأني أظنه يعرف ذلك.
أما السلف ﵃ فلا يعتمدون في أصل من أصول الدين، ولا في قضية قطعية، ولا في حكم قطعي، ولا في مسألة من المسائل التي عليها جمهورهم على دليل ضعيف أبداً، وكل ما عُد من أصول الدين ومن المسائل القطعية يستند على دليل صحيح، إما آية وإما حديث عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وإما من قاعدة شرعية تعتمد على عدة نصوص أو إجماع كل ما كتبه السلف في أصول الدين يعتمد على هذا النهج في الاستدلال، ليس عند السلف من مناهجهم شيء يعتمد على دليل ضعيف أو لم يثبت، لكن بعد استدلالهم على كل مسألة بالدليل الثابت من القرآن والسنة قد يحشدون الآثار الضعيفة، من باب الاعتضاد لا من باب الاعتماد.
ومعروف أن الآثار الضعيفة قد تكون أكثر من الصحيحة، كما فعل الآجري وكما فعل عبد الله بن الإمام أحمد، وكما فعل اللالكائي وابن خزيمة وغيرهم من الأئمة قديماً وحديثاً حيث يستدلون على المسألة بدليل صحيح أو دليلين أو ثلاثة أو أربعة، ثم يحشدون عشرات الأدلة الضعيفة، فيظن هذا الجاهل أن هذا الحشد هو الدليل، وليس الأمر كذلك، فهم من عادتهم إذا توثقوا من المسألة الشرعية بدليلها أن يحشدوا الآثار عن النبي ﷺ وإن كانت ضعيفة ما دام الأصل صحيحاً، ثم الآثار عن الصحابة وعن التابعين، بل وحتى الأشعار والمنامات، فهذا من باب الاعتضاد لا من باب الاعتماد.
ومع ذلك كما قال الشيخ لا يستدل أحد من الأئمة بدليل يرى أنه موضوع، لكن كثيراً من الحديث الضعيف هو بمنزلة الحسن فيستدلون به للاعتضاد لا للاعتماد، وإنما كررت هذه المسألة لأنها ظهرت الآن بمذكرات وبمقالات نشرت وشاعت بين طلاب العلم من قِبل أحد المفتونين الذي بدأ ينهش لحوم السلف كما نهج أسلافه، وحسبنا الله ونعم الوكيل!
стр. 237
جواز الاعتضاد بالضعيف من الأدلة على أصل علم ثبوته
قال رحمه الله تعالى: [وذلك أن العمل إذا عُلم أنه مشروع بدليل شرعي وروي في فضله حديث لا يُعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقاً، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يُجعل الشيء واجباً أو مستحباً بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع].
هذه فائدة كما قلت، بل قد تضمن هذا المقطع فائدتين: الفائدة الأولى: أن العمل إذا عُلم أنه مشروع بدليل شرعي وروي في فضله حديث لا يُعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقاً؛ لأن الأصل موجود.
الفائدة الثانية: لم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يُجعل الشيء واجباً أو مستحباً بحديث ضعيف، هذه أيضاً قاعدة ذهبية يجب أن نفهمها جيداً، وإذا استدل بعض الأئمة في حديث نرى أنه ليس له أصل أو غير صحيح أو ضعيف، فإن المستدل به يرى له وجهاً من القوة، كأن يكون عنده بمثابة الحسن، كما قيل عن الإمام أحمد إنه أحياناً يستدل بالضعيف، والضعيف عنده مثل الحسن عند كثير من أئمة الحديث.
стр. 238
جواز إيراد الآثار الضعيفة والإسرائيليات في الترغيب والترهيب
قال رحمه الله تعالى: [وهذا كما أنه لا يجوز أن يُحرِّم شيء إلا بدليل شرعي، لكن إذا علم تحريمه وروي حديث في وعيد الفاعل له، ولم يعلم أنه كذب جاز أن يرويه، فيجوز أن يروي في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب، لكن فيما علم أن الله رغّب فيه أو رهّب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله.
وهذا كالإسرائيليات يجوز أن يروى منها ما لم يُعلم أنه كذب للترغيب والترهيب فيما علم أن الله تعالى أمر به في شرعنا ونهى عنه في شرعنا.
فأما أن يثبت شرعاً لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم، ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة.
ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه.
ولكن كان في عُرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح، وضعيف.
والضعيف عندهم ينقسم إلى: ضعيف متروك لا يحتج به، وإلى ضعيف حسن، كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى: مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال، وإلى ضعف خفيف لا يمنع من ذلك].
ويقصد بذلك أن المريض إذا كان مرضه مميتاً فقد لا تُقبل بعض تصرفاته فيما يتعلق بماله، كالتبرع من رأس المال، أما إذا كان المرض خفيفاً فلا يمنع من ذلك فيبقى له حق التصرف.
стр. 239
معنى الحديث الضعيف عند الإمام أحمد
قال رحمه الله تعالى: [وأول من عُرف أنه قسّم الحديث ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف هو أبو عيسى الترمذي في جامعه.
والحسن عنده ما تعددت طرقه ولم يكن في رواته متهم وليس بشاذ.
فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفاً ويحتج به، ولهذا مثّل أحمد الحديث الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجري ونحوهما، وهذا مبسوط في موضعه].
ولذلك مما ينبغي أيضاً أن يفهمه طالب العلم جيداً أنه ليس في أصول الدين وفي أمور العقيدة المتفق عليها أو التي عليها جمهور السلف ما يكون دليله ضعيفاً ولا حسناً ولا حتى حديث آحاد، أقصد حديث آحاد لم تحف به قرائن، فالآحاد نوعان: آحاد تحف به قرائن تدل على صحته، وهذا هو الذي استدل به السلف على كثير من قضايا العقيدة، بمعنى أنه آحاد لكنه صحيح حتى عند الذين يطعنون في دلالة الآحاد؛ لأنهم أخذوا مسألة دلالة حديث الآحاد مجردة عن القرائن التي تحف بالحديث وتقويه، لكنهم يتفقون مع جمهور السلف على أن الآحاد إذا كانت معه قرائن تحف به وتدل على صحته أو الجزم بأنه يقيني فإنه يستدل به، ومع ذلك فإنه لم يحدث أن أصلاً من أصول الدين القطعية الكبرى كان دليله دليل آحاد لا تدعمه أدلة أخرى، أو شواهد، أو قواعد، أو إجماع، أو قرائن تحف به، وتجعله بمنزلة الحديث الصحيح القطعي.
ومثل ذلك أيضاً فيما يتعلق بالحديث الضعيف، ليس هناك قضية تعبدية شرعية كبرى استدل لها السلف بحديث ضعيف، إلا كما قالوا في باب الفضائل، والفضائل لها قواعدها ولها دلالات ترجع إلى نصوص كثيرة تدخل في قواعد الشرع، فمن هنا قد يستدل بعض السلف على بعض الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف، لكن فيما يرجع إلى قواعد الشرع ولا ينافي قواعد الشرع.
стр. 240
حكم الأحاديث التي تروى في باب السؤال بالمخلوقين
قال رحمه الله تعالى: [والأحاديث التي تروى في هذا الباب وهو السؤال بنفس المخلوقين، هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة].
هذا الاستطراد كله لتثبيت الدلالة عند السلف، وليقول إنه لم يحدث أن وجد دليل صحيح يدل على ما ذهب إليه أصحاب التوسلات البدعية، ولا حتى دليل على أدنى درجة من الدرجات التي يستدل بها السلف على الفضائل، أي: إذا كان السلف يستدلون بالحديث الحسن ويستأنسون بالضعيف الذي ليس بموضوع في تأييد بعض الفضائل التي لها أصل في الشرع، فإن هذا لم يوجد في مسألة التوسل البدعي، فليس هناك ما يصح ولا يقوى دليل على ما يقول به هؤلاء المبتدعة.
وأقول: الشيخ أراد أن يصل إلى هذه النتيجة، ليبّن أنهم ليس لهم فيما يذهبون أي دليل ولا شبهة دليل.
стр. 241
ذكر طرق حديث عبد الملك بن هارون في التوسل والحكم عليه
قال رحمه الله تعالى: [ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها.
مثل الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده: (أن أبا بكر الصديق أتى النبي ﷺ فقال: إنني أتعلم القرآن ويتفلت مني، فقال له رسول الله ﷺ : قل اللهم إني أسألك بمحمد نبيك، وبإبراهيم خليلك، وبموسى نجيك، وعيسى روحك وكلمتك، وبتوارة موسى، وإنجيل عيسى، وزبور داود، وفرقان محمد، وبكل وحي أوحيته وقضاء قضيته) وذكر تمام الحديث.
وهذا الحديث ذكره رزين بن معاوية العبدري في جامعه، ونقله ابن الأثير في جامع الأصول ولم يعزه لا هذا ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين، لكنه قد رواه من صنف في عمل يوم وليلة كـ ابن السني وأبي نعيم.
وفي مثل هذه الكتب أحاديث كثيرة موضوعة لا يجوز الاعتماد عليها في الشريعة باتفاق العلماء.
وقد رواه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب فضائل الأعمال، وفي هذا الكتاب أحاديث كثيرة كذب موضوعة.
ورواه أبو موسى المديني من حديث زيد بن الحباب عن عبد الملك بن هارون بن عنترة، وقال: هذا حديث حسن مع أنه ليس بالمتصل.
قال أبو موسى: ورواه محرز بن هشام عن عبد الملك عن أبيه عن جده، عن الصدّيق ﵁، وعبد الملك ليس بذاك القوي، وكان بالري، وأبوه وجده ثقتان.
قلت: عبد الملك بن هارون بن عنترة من المعروفين بالكذب.
قال يحيى بن معين: هو كذاب.
وقال السعدي: دجال كذاب.
وقال أبو حاتم بن حبان: يضع الحديث.
وقال النسائي: متروك.
وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال أحمد بن حنبل: ضعيف.
وقال ابن عدي: له أحاديث لا يتابعه عليها أحد.
وقال الدارقطني: هو وأبوه ضعيفان.
وقال الحاكم في كتاب المدخل: عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني روى عن أبيه أحاديث موضوعة.
وأخرجه أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات.
وقول الحافظ أبي موسى: هو منقطع يريد أنه لو كان رجاله ثقات فإن إسناده منقطع.
وقد روى عبد الملك هذا الحديث الآخر المناسب لهذا في استفتاح أهل الكتاب به كما سيأتي ذكره، وخالف فيه عامة ما نقله المفسرون وأهل السير، وما دل عليه القرآن، وهذا يدل على ما قاله العلماء فيه من أنه متروك؛ إما لتعمده الكذب، وإما لسوء حفظه، وتبين أنه لا حجة لا في هذا ولا في ذاك].
стр. 242
ذكر حديث عبد الرحمن بن زيد في التوسل والحكم عليه
قال رحمه الله تعالى: [ومثل ذلك الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعاً وموقوفاً عليه أنه لما اقترف آدم الخطيئة قال: (يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، قال: وكيف عرفت محمداً؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، قال: صدقت يا آدم، ولولا محمد ما خلقتك).
وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن مسلم الفهري عن إسماعيل بن مسلمة عنه.
وقال الحاكم: وهو أول حديث ذكرته لـ عبد الرحمن في هذا الكتاب، وقال الحاكم: هو صحيح.
ورواه الشيخ أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة موقوفاً على عمر من حديث عبد الله بن إسماعيل بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم موقوفاً.
ورواه الآجري أيضاً من طريق آخر، من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه موقوفاً عليه، وقال: حدثنا هارون بن يوسف التاجر، حدثنا أبو مروان العثماني، حدثني أبو عثمان بن خالد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال: من الكلمات التي تاب الله بها على آدم: قال: اللهم إني أسألك بحق محمد عليك، قال الله تعالى: وما يدريك ما محمد؟ قال: يا رب رفعت رأسي فرأيت مكتوباً على عرشك: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك].
стр. 243
تصحيح الحاكم لحديث عبد الرحمن بن زيد وبيان غلطه فيه وموقعه بين أئمة الحديث
قلت: ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أُنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه.
قلت: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيراً، ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي، والدارقطني وغيرهم.
وقال أبو حاتم بن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثُر ذلك من روايته، من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك.
وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله، فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث.
كما صحح حديث زريب بن بثرملي الذي فيه ذكر وصي المسيح، وهو كذب باتفاق أهل المعرفة كما بين ذلك البيهقي وابن الجوزي، وغيرهما.
وكذلك أحاديث كثيرة في مستدركه يصححها، وهي عند أئمة أهل العلم بالحديث موضوعة.
ومنها ما يكون موقوفاً يرفعه.
ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه، وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه، بخلاف أبي حاتم بن حبان البستي، فإن تصحيحه فوق تصحيح الحاكم وأجل قدراً.
وكذلك تصحيح الترمذي والدارقطني وابن خزيمة وابن منده وأمثالهم فيمن يصحح الحديث، فإن هؤلاء وإن كان في بعض ما ينقلونه نزاع، فهم أتقن في هذا الباب من الحاكم.
ولا يبلغ تصحيح الواحد من هؤلاء مبلغ تصحيح مسلم، ولا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري، بل كتاب البخاري أجل ما صُنف في هذا الباب، والبخاري من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه، وقد ذكر الترمذي أنه لم ير أحداً أعلم بالعلل منه.
ولهذا كان من عادة البخاري إذا روى حديثاً اختُلف في إسناده أو بعض ألفاظه أن يذكر الاختلاف في ذلك لئلا يُغتر بذكره له بأنه إنما ذكره مقروناً بالاختلاف فيه.
ولهذا كان جمهور ما أُنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحاً على قول من نازعه، بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها وكان الصواب فيها مع من نازعه.
كما روى في حديث الكسوف أن النبي ﷺ صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات كما روي أنه صلى بركوعين.
والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين، وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم، وقد بين ذلك الشافعي، وهو قول البخاري وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.
والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف ولا كان له إبراهيمان، ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب.
وكذلك روى مسلم: (خلق الله التربة يوم السبت).
ونازعه فيه من هو أعلم منه كـ يحيى بن معين والبخاري وغيرهما، فبينوا أن هذا غلط ليس من كلام النبي ﷺ .
والحجة مع هؤلاء، فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن آخر ما خلقه هو آدم وكان خلقه يوم الجمعة، وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أنه خلق ذلك في الأيام السبعة.
وقد روي إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد.
وكذلك روى أن أبا سفيان لما أسلم طلب من النبي ﷺ أن يتزوج بـ أم حبيبة، وأن يتخذ معاوية كاتباً، وغلطه في ذلك طائفة من الحفاظ.
ولكن جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث، تلقوها بالقبول وأجمعوا عليها وهم يعلمون علماً قطعياً أن النبي ﷺ قالها، وبسط الكلام في هذا له موضع آخر].
стр. 244
تضعيف حديث توسل آدم بمحمد ﷺ وما يشبهه من الحكايات
قال رحمه الله تعالى: [وهذا الحديث المذكور في آدم يذكره طائفة من المصنفين بغير إسناد وما هو من جنسه مع زيادات أخر، كما ذكر القاضي عياض قال: وحكى أبو محمد المكي وأبو الليث السمرقندي وغيرهما: أن آدم عند معصيته قال: اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي، قال: ويروى: تقبل توبتي، فقال الله له: من أين عرفت محمداً؟ قال: رأيت في كل موضع من الجنة مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قال: ويروى: محمد عبدي ورسولي، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك، فتاب عليه وغفر له.
ومثل هذا لا يجوز أن تُبنى عليه الشريعة ولا يحتج به في الدين باتفاق المسلمين، فإن هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها التي لا يعلم صحتها إلا بنقل ثابت عن النبي ﷺ ، وهذه لو نقلها مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما ممن ينقل أخبار المبتدأ].
يعني مبتدأ الخلق.
[وقصص المتقدمين عن أهل الكتاب لم يجز أن يُحتج بها في دين المسلمين باتفاق المسلمين، فكيف إذا نقلها من لا ينقلها لا عن أهل الكتاب ولا عن ثقات علماء المسلمين، بل إنما ينقلها عمن هو عند المسلمين مجروح ضعيف لا يُحتج بحديثه، واضطرب عليه فيها اضطراباً يُعرف به أنه لم يحفظ ذلك، ولا ينقل ذلك ولا ما يشبهه أحد من ثقات علماء المسلمين الذين يُعتمد على نقلهم، وإنما هي من جنس ما ينقله إسحاق بن بشر وأمثاله في كتب المبتدأ، وهذه لو كانت ثابتة عن الأنبياء لكانت شرعاً لهم، وحينئذ فكان الاحتجاج بها مبنياً على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا؟ والنزاع في ذلك مشهور.
لكن الذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهذا إنما هو فيما يثبت أنه شرع لمن قبلنا من نقل ثابت عن نبينا ﷺ أو بما تواتر عنهم، لا بما يروى على هذا الوجه، فإن هذا لا يجوز أن يحتج به في شرع المسلمين أحد من المسلمين].
الخلاصة أن هذه الأدلة لا تثبت، وهي من عُمد أهل البدع الذين يتوسلون التوسلات البدعية، والذين ينسجون أيضاً عليها عقائد باطلة فيما يتعلق بقصة آدم، وفيما يتعلق بما رآه وما شاهده من حول النبي ﷺ ، وهذا لا يعني عدم القول بأن النبي ﷺ هو أفضل الخلق، ولا يعني أن الأنبياء عرفوا النبي ﷺ وأن الإيمان به من أصول دينهم، هذا أمر آخر له أدلته، لكن الذي يُنكره الشيخ هنا الجانب الذي يتعلق بالتوسل البدعي.
أما الجوانب الأخرى فلها أحاديث أخرى تدل عليها، أي ما يتعلق بفضل النبي ﷺ وأن آدم عرفه وآمن به، وأن الأنبياء كلهم أوصاهم الله وأوصى أممهم بأن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، فهذا له أدلة أخرى، مع أن في بعض جزئياته نزاعاً، لكن ما يتعلق بهذه الحكايات التي يتذرّع بها أهل البدع في الاستدلال على التوسل البدعي لا تثبت على نحو ما ذكر الشيخ، وما سيذكره إن شاء الله.
стр. 245
الأسئلة
стр. 246
شذوذ حديث: (خلق الله التربة يوم السبت)
السؤال
هل يقال: إنه شاذ؟
الجواب
نعم، لأن النصوص متواترة على أن خلق السماوات في ستة أيام تبدأ بالأحد كما ورد في نصوص أخرى، فالأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والتي هي آخر الخلق خلق الله بها آدم، يبقى السبت لم يدخل في أيام الخلق، فيكون في الحديث شذوذ من عدة اعتبارات، وإن كان بعض أهل العلم وجهه بتوجيه متكلّف؛ لكن الشذوذ في متن الحديث ظاهر.
стр. 247
الإجماع مصدر من مصادر العقيدة
السؤال
ذكرت أن مصادر العقيدة هي الكتاب والسنة والإجماع، فكيف يكون الإجماع مصدراً للعقيدة؟
الجواب
سبق الكلام عن هذا، وهو أن الإجماع المقصود به الإجماع المعتبر، وهو إجماع الصحابة في وقتهم قبل الافتراق، ثم اجتماع أهل الحق بعد الافتراق، والإجماع مبناه الكتاب والسنة، بمعنى أنه ليس هناك إجماع إلا مبني على نص أو عدة نصوص.
стр. 248
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢٥]
طالما يستدل أهل الأهواء والبدع بحديث الأعمى على جواز التوسل البدعي، وليس لهم فيه مستمسك، فإنه طلب أمراً مشروعاً من شخص حي حاضر، والنبي ﷺ أمره بأمور شرعية ليس فيها ألغاز ولا غموض كما هي طريقة أهل البدع في التوسلات وغيرها، والسلف في القرون الثلاثة كانوا على منهج واحد لم يختلفوا في التوسل، ولكن في العصور المتأخرة كثرت الروايات الضعيفة، وأدخل في الدين ما ليس منه، وكثر المتطفلون وذوو المآرب من أهل الأهواء وغيرهم، حتى أحدثوا في العقائد ما ليس منها.
стр. 249
الكلام على حديث موسى بن عبد الرحمن في التوسل
لا يزال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يتكلم عن مسألة استدلال السلف بالضعيف، وقد ذكر أن السلف ﵏ لم يستدلوا في تقرير الدين بالأحاديث الضعيفة، وأنهم إنما يأتون بالأحاديث الضعيفة للاعتضاد لا الاعتماد وذلك بشرط ألا تصل إلى حد الوضع والكذب.
وذكر أن عندهم في حشد النصوص والآثار مناهج: منهج يعتمدون فيه جمع النصوص بصرف النظر عن تمحيص الصحيح من غير الصحيح، ويتركون العهدة على الرواة، ويتركون الأسانيد لطلاب العلم ليمحّصوا الصحيح من غير الصحيح، وهذا كثير في كتب السنن والمصنفات.
وهناك كتب جاءت لتقديم الأحاديث الصحيحة واعتمدت ذلك مثل الكتب الصحيحة، هناك كتب اعتمدت على ما يرى أصحابها أنه يصح عن الرسول ﷺ ولو بطرق حسنة أو ضعيفة، لكنهم لا يدرجون في كتبهم ما يسمى بالموضوع أو المكذوب، وقد يكون بعض الأحاديث موضوعاً عند شخص وليس بموضوع عند آخر، ويفرّقون بين الجمع والاستدلال، فإنهم إذا استدلوا لا يستدلون إلا بالصحيح، أما إذا جمعوا فإنهم يجمعون ما يرد لهم من الأسانيد، وقد لا يستبعد الواحد منهم إلا ما ثبت عنده أنه موضوع وكذب على النبي ﷺ ، أما ما عدا هذا -فكما ذكرت- أن هناك طوائف من السلف يجمعون الآثار ويتركون تمحيص الصحيح من غير الصحيح لمن يأتي بعدهم، أو لمن يشتغل بهذا الأمر.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ومن هذا الباب حديث ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب التفسير بإسناده عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً أنه قال: (من سره أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم، فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف، أو في صحف قوارير بعسل وزعفران وماء مطر، وليشربه على الريق، وليصم ثلاثة أيام، وليكن إفطاره عليه، ويدعو به في أدبار صلواته: اللهم إني أسألك بأنك مسئول لم يسأل مثلك ولا يسأل، وأسألك بحق محمد نبيك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيك، وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك) وذكر تمام الدعاء.
وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين.
قال أبو أحمد بن عدي فيه: منكر الحديث.
وقال أبو حاتم بن حبان: دجال يضع الحديث، وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتاباً في التفسير جمعه من كلام الكلبي ومقاتل.
ويروى نحو هذا دون الصوم عن ابن مسعود من طريق موسى بن إبراهيم المروزي حدثنا وكيع عن عبيدة عن شقيق عن ابن مسعود.
وموسى بن إبراهيم هذا قال فيه يحيى بن معين: كذاب.
وقال الدارقطني: متروك.
وقال ابن حبان: كان مغفلاً يلقن فيتلقن فاستحق الترك.
ويروى هذا عن عمر بن عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن ابن مسعود بطريق أضعف من الأول.
ورواه أبو الشيخ الأصبهاني من حديث أحمد بن إسحاق الجوهري: حدثنا أبو الأشعث، حدثنا زهير بن العلاء العتبي حدثنا يوسف بن يزيد عن الزهري، ورفع الحديث قال: (من سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام، وليكن إفطاره في آخر هذه الأيام السبعة على هؤلاء الكلمات).
قلت: وهذه أسانيد مظلمة لا يثبت بها شيء].
مع ضعف الأسانيد يلاحظ أيضاً نكارة المتون، ففي المتون معان ومطالبات ومتطلبات لا تستاغ، وليس عليها نور النبوة ولا الحكمة أيضاً، فليست من جنس كلام النبي ﷺ ، بل ولا من جنس كلام الصحابة؛ لأن فيها خلطاً بين التكهنات والتخرصات، وبين تعليق الأمور على ما لا تعلق به الأمور مثل الاتكال على غير الله فهذه المعاني يدرك بعدها ونشازها بمجرد النظر العقلي، فضلاً عن أن تكون من الحكم أو من المعاني التي يؤبه بها.
стр. 250
بيان أن رواية بعض المصنفين للحديث الضعيف لا يعني الاحتجاج به
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رواه أبو موسى المديني في أماليه، وأبو عبد الله المقدسي، على عادة أمثالهم في رواية ما يروى في الباب، سواء كان صحيحاً أو ضعيفاً، كما اعتاده أكثر المتأخرين من المحدثين، أنهم يروون ما روي به الفضائل، ويجعلون العهدة في ذلك على الناقل، كما هي عادة المصنفين في فضائل الأوقات والأمكنة والأشخاص والعبادات.
كما يرويه أبو الشيخ الأصبهاني في فضائل الأعمال وغيره، حيث يجمع أحاديث كثيرة لكثرة روايته، وفيها أحاديث كثيرة قوية صحيحة وحسنة، وأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة وواهية.
وكذلك ما يرويه خيثمة بن سليمان في فضائل الصحابة، وما يرويه أبو نعيم الأصبهاني في فضائل الخلفاء في كتاب مفرد، وفي أول حلية الأولياء.
وما يرويه أبو الليث السمرقندي وعبد العزيز الكناني وأبو علي بن البناء وأمثالهم من الشيوخ، وما يرويه أبو بكر الخطيب وأبو الفضل بن ناصر وأبو موسى المديني وأبو القاسم بن عساكر والحافظ عبد الغني وأمثالهم ممن له معرفة بالحديث، فإنهم كثيراً ما يروون في تصانيفهم ما روي مطلقاً على عادتهم الجارية؛ ليعرف ما روي في ذلك الباب لا ليحتج بكل ما روي، وقد يتكلم أحدهم على الحديث ويقول: غريب، ومنكر، وضعيف.
وقد لا يتكلم].
وهؤلاء الذين كتبوا على المنهج الأول الذي ذكرته -أعني مجرد الجمع- ليس عندهم اهتمام بتمحيص الروايات ودراسة أسانيدها وتبيين الصحيح من الضعيف، وإن بيّنوا فليس ذلك هو الغالب، نعم قد يقول أحدهم عند حديث من الأحاديث: هذا صحيح أو هذا ضعيف أو شاذ أو منكر لكن لا يلتزم هذه القاعدة، فهم إذاً ليس عندهم إلا مجرد الجمع، وليس كل ما جمعوه يعتبر عندهم صحيحاً ولا حجة، ولا يلزم أن يكونوا أقروه، بمعنى أنهم يروون ويتركون العهدة على الرواة، بل إن عمل كثير من هؤلاء الأئمة والمحدثين على غير مقتضى ما رووه في كثير من الأمور التي فيها شيء من البدع أو فيها شيء من المخالفات للسنة، فإنهم يلتزمون السنة، هذا بالنسبة لأعمالهم وعباداتهم، لكن فيما يروونه لا يقصدون به إلا الحشد والجمع، بخلاف الصنف الثاني الذين سيذكرهم الشيخ، وهم الذين يروون من الحديث ما يرون الاحتجاج به.
следующие страницы →