Полный текст (315 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الجزاء على الأعمال
قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الرجل إذا مرض يأجره الله على مرضه، والشهيد يأجره الله على شهادته.
والإيمان بأن الأطفال إذا أصابهم شيء في دار الدنيا يألمون، وذلك أن بكر ابن أخت عبد الواحد قال: لا يألمون.
وكذب! واعلم أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، ولا يعذّب الله أحداً إلا بقدر ذنوبه، ولو عذّب أهل السماوات وأهل الأرضين برهم وفاجرهم عذّبهم غير ظالم لهم، لا يجوز أن يقال لله إنه ظالم، وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له، والله جل ثناؤه له الخلق والأمر، والخلق خلقه والدار داره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا يقال لم؟ وكيف؟ لا يدخل أحد بين الله وبين خلقه].
стр. 107
دخول الجنة برحمة الله لا بالأعمال
هذه الفقرة (٦٨) ذكر قواعد هامة من قواعد العقيدة عند السلف فيما يتعلق بالجزاء على الأعمال وفيما يتعلق بالقدر.
أما ما يتعلق بالجزاء على الأعمال فإن الله لا يُدخل الجنة أحداً إلا برحمته سبحانه، لأن أعمال العباد مهما بلغت من الكمال والوفاء فإنها لا تكافئ نعم الله على العبد، ولنأخذ هذا بمثال واضح بيّن تقتضيه الفطرة، وهو أن الأعمال الصالحة بحد ذاتها لم تكن إلا بتوفيق الله، فهذا التوفيق نعمة كبرى لا يكافئها العمل، لأن العبد بنفسه ضعيف فقير إلى الله والله هو الغني القوي، والعبد لا يملك لنفسه شيئاً فالله هو الذي خلقه، ثم هداه، وبالهداية وفقه للعمل، ثم جعل الله له على عمله ثواباً، وذلك بفضل الله ورحمته.
فمن هنا فإن أعماله لا تكافئ شيئاً من نعم الله عليه.
стр. 108
لا يوصف الله تعالى بالظلم
ثم بعد ذلك قال: (ولو عذّب أهل السماوات وأهل الأرضين) هذا على سبيل الافتراض؛ لأن (لو) حرف امتناع لامتناع، فإنه يمتنع في وعد الله وعدله أن يعذّب أهل السماوات وأهل الأرضين البر والفاجر، فإن الله وعد الأبرار بالخير والنعمة، وتوعد الفُجّار جزاء أعمالهم، لكن من باب الافتراض بأن الله مالك الملك وكل شيء بيده، وهو الذي خلق الخلق وهم ملكه، فيفعل بملكه ما يشاء، فلو عذّبهم بمشيئته فإن ذلك راجع إليه سبحانه، لكن هذا ممتنع بما ذكره الله وبما وعد الله به عباده، وامتنع أن يعذّبهم كلهم، وأن من يُعذّبون إنما يُعذّبون بذنوبهم.
كما أنه لا يُنسب إلى الله الظلم، وهذا أمر بدهي ولا يحتاج إلى تقرير، ولذلك لا ينبغي لطالب العلم أن يفصّل في هذه الأمور؛ لأن الإجمال فيها هو مقتضى الفطرة، يقال: إن الله لا يظلم أحداً ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، ويقال: إن الله يفعل في خلقه ما يشاء، ويقال: إن الله ينعم على الطائعين برحمته إلى آخر الأمور الإجمالية؛ لأن التفصيل في هذه الأمور يوقع في الشبهات والشكوك، ثم إنه أيضاً خلاف الأدب مع الله ، فلا ينبغي أن نبالغ في نفي الظلم عن الله؛ لأن ذلك أمر تقتضيه العقول السليمة والفطر المستقيمة، ولا نبالغ في القول بأن الله لو عذّب العباد كلهم لكان له ذلك، لكن نذكرها على سبيل الإجمال من باب الرد على الفرق، ولذلك لم يكن السلف يذكرون هذه الأمور حتى تكلم فيها الناس، فلما تكلم فيها الناس بغير حق وقالوا على الله بغير علم، وعمّت به البلوى وسمعها العامة والخاصة تكلم السلف عنها من باب تقرير الحق ونفي الباطل، والرد على الشبهات.
وهذه قاعدة عظيمة في الدين، وهي أن الشبهة إذا لم تشتهر ولم تنتشر فلا يجوز الكلام فيها إلا في حدود ضيقة جداً، وإذا اشتهرت وانتشرت فلا بد من الكلام فيها، ولذلك نجد أن الله في كتابه الكريم ما تكلم في أمر من الأمور التي تتعلق بذاته وأسمائه وصفاته مما يوجب نفي النقص تفصيلاً إلا بما تكلم به أهل الضلال، فالله إنما نفى عنه الصاحبة لأن هناك من قال بذلك القول العظيم الشنيع، ونفى عن نفسه الولد لأن هناك من قال بذلك، ونفى عن نفسه النصب واللغو لأن هناك من قال بذلك، لكن لا نجد أن مذهباً من المذاهب ذُكر تفنيده في القرآن وهو ليس له وجود ولا شهرة، فالمذاهب المغمورة ينبغي ألا نفصّل عنها وألا نتكلم عنها.
المهم أن الشيخ في تقرير نفي الظلم عن الله ونحو ذلك إنما أراد أن ينفي ما قالته بعض الفرق أو تكلموا فيه بغير حق.
стр. 109
ألم الأطفال لما يصيبهم
قوله: (والإيمان بأن الأطفال إذا أصابهم شيء في دار الدنيا يألمون)، يعني أنهم يحسّون بالألم، وذلك أن بكر ابن أخت عبد الواحد، وعبد الواحد هذا ابن زيد من أصحاب عبد الله بن مسعود وابن أخته هذا بكر مشهور بأنه من أصحاب الأهواء قال: (لا يألمون)، وكذب.
وهذا كلام أشار إليه الشيخ لأنه اشتهر في وقته أو بمناسبة معينة، أو لأنه اطّلع عليه، فإن مفردات أقوال أهل الأهواء لا حصر لها، وأغلبها مما لا يُعقل، فأقول: ربما قصد الشيخ أن هناك قولاً في هذا الأمر، وأن هذا الأمر غريب فأراد الرد عليه؛ لأن أهل الأهواء تكلموا في كل شيء يرد على أذهانهم وخيالاتهم، فهناك من زعم أن الأطفال لا يحسّون بالألم، زعماً منه بأن إحساسهم بالألم ينافي رحمة الله ، وأنه لو تألّم الأطفال لكان ظلماً من الله لهم، وهذا ضلال لأن الله له في خلقه شئون وله في فعله حكم، فحينما يتألم الحيوان أو الإنسان غير المتسبب كالطفل أو الشيخ الكبير أو المريض فذلك راجع لحكمة يعلمها الله .
والأطفال أو غيرهم ممن ليسوا مكلفين آلامهم لا بد أن ترجع في المآل إلى مصالح لهم أو لذويهم، ولا تذهب سدى، لأن الله ليس بظلام للعبيد.
لكن كيف تكون هذه المصالح؟ ربما يكون الألم للطفل وهو صغير في مصالح يدّخرها الله له بعد كبره أو يوم القيامة، أو مصالح ترجع إلى منفعة لوالديه أو لذويه، والله أعلم بالحال.
فالقصد أن ابن أخت عبد الواحد أو غيره ممن أنكروا ذلك أنكروه زعماً منهم أن هذا ينافي الرحمة.
وقد يقال إن الألم للطفل يجعل الوالدين يهتمان فيكون لهما الأجر في هذا الهم، وهذا جانب، لكن أيضاً ألم الطفل قد لا يظهر، لكن المهم أن ذلك راجع لحكمة علمها الله نحن لا نعلمها، وأن ذلك من الله ليس بظلم؛ لأنه إذا استشعرنا كمال الله وكمال حكمته وكمال رحمته، نعرف أن ما يوقعه الله على غير المكلّفين من الآلام وغيرها راجع لحكمة ومصلحة غائبة لا ندركها، والله أعلم بها.
قوله: (وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له)، يعني أن الله حينما يفعل في العباد شيئاً بما في ذلك تعذيبهم فإن ذلك له ، لذلك لا يوصف عمله بالظلم لأنه مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء، إنما يوصف بالظلم من يأخذ ما ليس له، أو يفعل ما ليس له حق أن يفعله، والله له أن يفعل في ملكه ما يشاء.
стр. 110
الطعن في الآثار من سيما أهل الأهواء
قال رحمه الله تعالى: [وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها أو ينكر شيئاً من أخبار رسول الله ﷺ ، فاتهمه على الإسلام، فإنه رجل رديء القول والمذهب، وإنما طعن على رسول الله ﷺ وأصحابه؛ لأنه إنما عرفنا الله وعرفنا رسول الله ﷺ ، وعرفنا القرآن، وعرفنا الخير والشر، والدنيا والآخرة بالآثار، وأن القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن].
قوله: (وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار)، أقول: هذا يتعلق بمنهج شامل وعام لجميع أهل الأهواء والافتراق، وسمة عامة من سماتهم وأصل من أصولهم وهو الطعن في الآثار، والمقصود بالآثار نصوص القرآن والسنة، وأقوال السلف، فالآثار إذا أُطلقت في مثل هذا المقام فيقصد بها كل ما أُثر من نصوص الوحي، وأحياناً تُطلق ويراد بها السنة وآثار السلف، وأحياناً تُطلق ويُراد بها أقوال السلف فقط حسب السياق، لكن المقصود بالآثار هنا الوحي كله القرآن والسنة وما نُقل عن السلف من أقوال وأفعال ومناهج وتقريرات، فالطعن في الآثار أياً كان يعتبر من أصول أهل الأهواء، والرجل إذا طعن في الآثار فإنه مغموز في دينه، صاحب هوى سواء شعر أو لم يشعر.
стр. 111
أنواع الطعن في الآثار
والطعن في الآثار الذي يتهم صاحبه يُحصر بأنواع على سبيل الإجمال: النوع الأول: كراهة النصوص، يعني كراهة نص من النصوص أو بعض النصوص.
فهذا نوع من الطعن، فكثير من أهل الأهواء يكرهون إيراد النصوص التي تخالف أهواءهم حتى وإن كانت آيات، فالمعطّل للصفات أو المؤول للصفات لا يطيق سرد الآيات التي تثبت الصفات؛ لأنها تخالف مبدأه وما هو عليه، ولا يطيق الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في إثبات صفات الله ، ولذلك نجد أن الجهمية والمعتزلة وكثيراً من متكلمة الأشاعرة والماتريدية في كتبهم، وفي مقالاتهم، وفي مناظراتهم لا يوردون أحاديث الصفات إلا للطعن فيها، هذه قاعدة لا تتخلف، ومن شاء فليرجع إلى كتبهم، فإنهم يوردون أحاديث الصفات لردها أو لتأويلها والتشكيك فيها، وإذا أوردوها يوردونها مفردة ولا يسردون النصوص، أي أنهم يوردون ما يكفي لرد النص عندهم أو تأويله، وهذا نوع من الطعن في الآثار، بل هو من أعظم الطعن التي طُعنت به السنة؛ لأنه طعن ملبس.
وقد يوردونها ويقولون: الحشوية يقولون كذا، فيوردون الحديث الذي يزعمون أن من قال به فهو حشوي أو مشبّه، وهو من أحاديث الصفات.
وأحياناً يكون طعن الآثار بالرد المباشر كما تفعل الجهمية، أعني جهمية القرن الثاني الهجري، فلما جاء القرن الثالث ورأوا أن العامة وعموم أهل العلم تبصروا في هذا الأمر وأنهم لا يطيقون مذهب الجهمية صاروا يؤولون كما فعل بشر المريسي، حتى أن شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره يقول: إنه كان يقول: لا داعي إلى أن نرد النصوص بل نوردها على وجه يتلاءم مع الأصول التي نحن عليها، وأورد النصوص في كتبه وأوّلها، أي أنه أوردها على سبيل الرد، لكنه رد غير مباشر، أما الرد المباشر فهو مذهب الجهمية الأوائل.
ولا يزال الرد المباشر للأحاديث هو منهج أهل الأهواء حتى عصرنا هذا، فهناك من يوردون أحاديث لا توافق أهواءهم على سبيل الرد، فمثلاً كثير من العقلانيين الآن يوردون النصوص الواردة في الدجال وأشراط الساعة وأخبار المهدي على سبيل التهكّم والسخرية.
هناك من يورد أحاديث تتعلق بالقضايا الغيبية مثل حديث لطم موسى لملك الموت، أوردها أحدهم على سبيل السخرية والتهكّم، ولم يكلف نفسه التثبت من السند هل هو صحيح أو غير صحيح، فهذا نوع من الطعن في الآثار يُتهم صاحبه على الدين.
كذلك التشكيك والتأويل ولمز الرواة، أو ذكر بعض ألفاظ الحديث على سبيل السخرية والرد، أو دعوى أن هذه النصوص متشابهة، فهذا أيضاً نوع من الطعن في الآثار؛ لأنه لا يمكن أن يكون ما أخبر الله به وأخبر به رسول الله ﷺ من أمور الغيب متشابهاً على الناس في معانيه، نعم، قد تتشابه كيفياته، أما معانيه فهي حق، فهم يوردون النصوص بدعوى أنها متشابهة.
ومن الطعن في الآثار دعوى عدم حجيتها، مثل قولهم: بأن حديث الآحاد لا يحتج به في العقيدة.
стр. 112
الطعن في رواة الآثار
ومن ذلك الطعن في الرواة، وهذا أيضاً من أعظم أنواع الطعن، وما من فرقة لها رأي يخالف السنة إلا وتطعن في رواة الحديث، فمنهم من يطعن في دون الصحابة، ومنهم من يجرؤ على الصحابة ولا يبالي، فالجهمية طعنوا في الصحابة، والرافضة قبلهم طعنوا في الصحابة، والخوارج طعنوا في الصحابة، والقدرية طعنوا في الصحابة وسبّوهم بأنهم رووا أحاديث القدر، ثم جاءت بعد ذلك المعتزلة ومتأخرة الأشاعرة وطعنوا في الصحابة، فعلى سبيل المثال الرازي حينما أورد نصوص الصفات أورد إشكالاً على الصحابة أنفسهم، فقال ما معناه: كيف نقول بأحاديث الصفات والذين رووها من الصحابة المتأخرين كـ ابن عمر وغيره ما رووها إلا بعد وفاة النبي ﷺ بثلاثين سنة أو أكثر؟ أي: أنه طعن في الصحابة بأنهم رووا بعد النبي ﷺ بثلاثين أو خمسين سنة، وقال: إنهم بشر يعتريهم السهو والخلل والنسيان، وإنه ظهر في عهدهم الأهواء وهذا لمز صريح! فهذا من باب الطعن في الآثار من خلال الرواة، لكن أشده الطعن في الصحابة، بل أحياناً يرتد الطعن إلى النبي ﷺ ؛ لأن من طعن في الآثار طعن فيمن ترجع إليه الآثار، والآثار ترجع إلى المبلّغ عن الله وهو الرسول ﷺ ، والصحابة هم النقلة العدول وهم المؤتمنون على الدين، فالطعن فيهم طعن على الآثار.
стр. 113
معنى أن القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن
أما قوله: (وأن القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن)، فقصده بذلك أن السنة أشمل وأنها مبيّنة للقرآن، فحاجة القرآن إلى السنة ليست حاجت أفضلية، فلا شك أن القرآن كلام الله وصفته ولا يفضله شيء، فهو كمال يرجع إلى كمال، لكن قصده بالحاجة هنا أن القرآن مجمل في كثير من الأمور، والسنة تبيّن.
ولنأخذ على سبيل المثال أركان الإسلام، فأركان الإسلام كلها ذكرت في القرآن مجملة والسنة بينتها، فهذا معنى حاجة القرآن إلى السنة، بمعنى أن المسلم لا يمكن أن يتم إيمانه وإسلامه إلا بأن يعمل بالقرآن على مقتضى السنة، وأن يرجع في فهم القرآن والعمل به إلى السنة المبيّنة له من قول أو تقرير أو فعل عن النبي ﷺ .
هنا كلام في الحاشية قال: عن الدارمي وابن عبد البر في الجامع قال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل وسئل عن الحديث الذي روي أن السنة قاضية على الكتاب؟ فقال: ما أجسر على هذا، أن أقول: إن السنة قاضية على الكتاب! إن السنة تفسر الكتاب وتبينه، إلى آخره.
وهذا من باب الأدب، فمن الصعب أن يقال إن السنة قاضية على القرآن، لكن من قالها نعرف أن قصده أنها شارحة له ومبيّنة لا أنها حاكمة عليه حكم الفضل والتقديم، هذا ظاهر والله أعلم.
стр. 114
شرح السنة [٨]
من منهج أهل السنة ذم الكلام والجدال والمراء والخصومة خاصة في باب القدر؛ لأنه سر الله تعالى، فيجب الإمساك عن الكلام فيه إلا بما ورد به الدليل، ويجب الإيمان بأن النبي ﷺ أسري به إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماوات في ليلة، كما أخبر ربنا سبحانه في كتابه ونبينا ﷺ في سنته.
стр. 115
الخصومة في القدر
قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري: [والكلام والجدال والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق؛ لأن القدر سر الله، ونهى الرب ﵎ الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى رسول الله ﷺ عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر، فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان، واعتقاد ما قال رسول الله ﷺ في جملة الأشياء وتسكت عما سوى ذلك].
стр. 116
ذم الخصومة والمراء في القدر
في هذه الفقرة أشار إلى مسألة مهمة وخطيرة أيضاً وهي مسألة الجدال والمراء، وهي مما ابتلي به الناس قديماً وحديثاً، والجدال والمراء الأصل فيه المنع إلا ما توفرت فيه الشروط، والجدل والمراء من مناهج أهل الأهواء ومن أصولهم وسماتهم، وبالعكس فإن من منهج أهل السنة والجماعة الكف عن الجدال والمراء.
وإذا كان الجدال والمراء في سائر الأمور قبيحاً، فهو في أمور الدين والعقيدة أقبح وأشد، ثم هو في القدر بصفة خاصة من كبائر الذنوب، لأن القدر سر الله في خلقه، بمعنى أن القدر من الأمور التي لا تحيط بها عقول البشر.
والقدر يتعلق بمقادير العباد، وهي الشقاوة والسعادة، والموت والرزق والأعمال المستقبلية للإنسان، وهي أمور مغيّبة، فهي إذاً سر لا يعلمه إلا الله ، فكان تحريم الجدال والمراء فيها أشد من غيره.
وكذلك في الأسماء والصفات يعد من أعظم الذنوب؛ لأنه إساءة أدب مع الله ، وقول على الله بغير علم، ولأنه أيضاً مما نهى الله عنه أشد النهي.
ثم سائر أمور الغيب لا يجوز المراء فيها حتى ما يتعلق بالأمور الاجتهادية، والناس لهم أن يجتهدوا وأن يختلفوا وأن يناقش بعضهم بعضاً؛ لكن إذا وصل النقاش إلى المراء وهو المحاجة لطلب الغلبة، فإنه يكون حراماً، ولذا سأقف عند بعض المسائل حول هذا الموضوع، حيث ذكر الشيخ شيئاً منها وأشار إلى أشياء مجرد إشارة.
стр. 117
شروط جواز الجدال في الدين
الجدل والمراء والخصومة وما يسمى الآن بالحوار، كلها تدور على معان متقاربة؛ لكن أشدها تحريماً وأبعدها عن الحق هو المراء، لأن الجدال إذا توافرت فيه الشروط وكانت الغاية منه غاية شرعية كالدعوة إلى الله أو الانتصار للحق والدفاع عنه، فإنه جائز بالتي هي أحسن كما ذكر الله ، لكن لأن أغلب الجدال الذي يدور بين الناس ليس من هذا النوع فالأصل فيه المنع، أما المراء فهو مذموم كله؛ لأن المراء أمر زائد عن الجدل، فالمماراة والتماري والمراء هي المماحلة والتكلف وطلب الانتصار للنفس، وتكرار الحجج لغير حاجة، أو طلب المغالبة للخصم مع صرف النظر عن الحق.
والمناظرات جدل، فإذا توافرت فيها الشروط فهي جائزة، وقد تجب حيث لا يمكن تقرير الحق ولا الدفاع عنه إلا بها، ولذلك يحسن التنبيه إلى ما يجري في عصرنا الآن من المساجلات والمناظرات عبر وسائل الإعلام، وأن هذا من وسائل تقرير العقيدة والدفاع عنها، وأن طالب العلم له أن يشارك في حوار من هذه الحوارات إذا كان عنده القدرة وقد يلزمه ذلك إذا تعين الأمر عليه، كما إذا دُعي من جهة من يملك هذه الأمور، أو دُعي من جهة المشايخ الذين يأمرون طلاب العلم ولهم عليهم الأمر، أو واجه المشكلة مواجهة لا تبرأ الذمة بتركها، بحيث لو لم يتصد لدخل من هو دونه أو دخل مبطل يتكلم باسم الحق.
فيجب على طالب العلم أن يُسهم إذا توافرت فيه الشروط في الحوارات التي يكون فيها نصر للعقيدة ودفاع عن الحق، ولا يسعه الاعتذار.
أقول هذا لأن كثيراً من طلاب العلم يسألون الآن، وقد يكون عند بعضهم المقدرة لكنه يتورع أو يتهيب، فأقول: لا مجال للتورع في هذه الأمور ولا للتهيب، فإن الباطل ينتفش وأهله صاروا يتكلمون باسم الحق، وتصدى لكثير من أهل الباطل من ينتسبون للسنة وفيهم ضعف وجهل وقلة فقه، فصار دخولهم في هذا المجال خذلاناً واضحاً للحق، وقد سمعنا أن كثيراً من المساجلات والمناظرات التي جرت عبر بعض وسائل الإعلام من جهة أناس ضعاف تسببت في إرباك الناس في فهمهم للعقيدة، وتسببت في إظهار أهل الباطل بمظهر صاحب الحجة الذي يملك زمام المبادرة، وأن الدليل والحجة في وصفه، وسمعت هذا من كثير ممن شاهدوا وسمعوا، حتى أن بعضهم من طلاب علم ومع ذلك يأتون بشيء من الانهزامية والضعف، وبعضهم صار يشكك في مبادئه ومسلّماته العقدية وفي فهمه لمنهج السلف.
فهذه المناظرات إذا توافرت شروطها عند طالب العلم وعرف شروط المجادلة بالتي هي أحسن، فيجب عليه أن يشارك ولا يسعه أن يعتذر.
هناك مجالات يجوز فيها الحوار والجدال إذا توافرت الشروط، من هذه المجالات: إذا كان المقصود تقرير الحق أو تعليم الناس، أي أنه يجوز للمعلم أن يستعمل أسلوب المحاورة مع طلابه، حتى وإن افترض الأسئلة افتراضاً أو أعاد المسألة أكثر من مرة ما دام القصد التعليم، ليفتّح أذهان السامعين ويبيّن لهم وجوه الاستدلال ويدفع عنهم الشبهات المحتملة، فالحوار بين الشيخ وطلابه، وكذلك بين الطالب وزملائه إذا كان المقصود به إحقاق الحق من الطرفين ولم يصل إلى مستوى المراء فهو جائز، بل هو من وسائل التعليم التي تكون مرغوبة شرعاً.
محاورة أهل العلم فيما بينهم ومراجعة بعضهم لبعض لقصد التعلم أو الوصول إلى الحكم الشرعي، أو الوصول إلى الحق، أو المعرفة المفيدة أصل لا غبار عليه، أما إذا قُصد المخاصمة والمغالبة أو الانتصار للرأي أو للحزب أو للجماعة، أو للتشفي بالغير، فإن الأصل فيه المنع حتى وإن كان صاحبه يمثّل الحق فالوسيلة أن يكون التزم شروط الجدال الشرعية لكن غايته ليس نصر الحق إنما كشف الخصم والاستهتار به أو الإحراج أو نحو ذلك، هذا لا يجوز وإن كان صاحب حق، أيضاً من الأمور التي ينبغي أن يتنبه لها أنه من شروط الجائز أن يكون المجادل عالم بما يقول عالم بالدليل كان يجهل الدليل فلا ينبغي له أن يدخل بمجرد أنه مقتنع أو مقلد، فالمقلد لا يجوز له أن يحاور، فلابد أن يكون المحاور ملماً بالمسألة في أصلها ودليلها ووجه الاستدلال؛ لأنه لا يمكن أن يطمئن أن هذا هو الشرع إلا بذلك فلا يحاور، نعم كونه يقتنع برأي شيخ متبع لا حرج فيه، لكن إذا دخل في الحوار والجدال فلا يجوز له أن يجادل إلا إذا فقه المسألة، وعرف الدليل ووجه الاستدلال.
ثم من شروط المجادلة المقدرة العقلية والبيانية: بعض الناس عنده علم ولا يفوته الدليل ولا وجه الاستدلال في مسألة ما، لكنه يعرف من نفسه أنه إذا تصدى في المجادلة للخصم قد يرتبك وتخونه العبارة فإذا لم يجد في نفسه الأهلية من ناحية المقدرة البيانية حتى وإن كان عالماً فلا يجوز له أن يدخل في حوار مع خصم قوي أمام الملأ.
ثم لابد من العدل في القول والإنصاف في الحكم: أي: لابد للمجادل أن يقصد العدل مع الخصم، فإذا كان مع الخصم شيء من الحجة أو شيء من الحق فليعترف به، وليوطن نفسه أنه لو تبين له أن خصمه هو المحق أن يعلن ذلك أمام الملأ ولا يقول: لست مستعداً لأن أنهزم، أو يراوغ أو يحيد، لأن الحيدة تعتبر بعداً عن العدل والإنصاف في الحكم.
стр. 118
الإيمان بالإسراء والمعراج
قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن رسول الله ﷺ أسري به إلى السماء الدنيا، وصار إلى العرش، وكلم الله ﵎، ودخل الجنة واطلع في النار، ورأى الملائكة، وسمع كلام الله ، ونشرت له الأنبياء، ورأى سرادقات العرش والكرسي وجميع ما في السموات وما في الأرض في اليقظة، حمله جبريل ﵇ على البراق حتى أداره في السموات، وفرضت له الصلاة في تلك الليلة، ورجع إلى مكة في تلك الليلة، وذلك قبل الهجرة].
هذه المسألة تتعلق بأصل من أصول الدين، وهو أن النبي ﷺ أسري به إلى بيت المقدس، وفي نفس الليلة عرج به إلى السماء.
والإسراء هو انطلاقه من البيت الحرام إلى بيت المقدس، والمعراج هو عروجه من بيت المقدس إلى السموات السبع وما بعدهما، وهذا أمر حدث فعلاً، وهو من معجزات النبي ﷺ وخصائصه التي خصه الله بها.
وقد تعلقت بالإسراء كثير من الأحكام في العقيدة والشريعة، فالإسراء كان يقظة، وكان بالروح والجسم على الراجح.
ولذلك لم يقع عند السلف خلاف قوي في أن الإسراء والمعراج كان يقظة، إنما الخلاف في الروح والجسد، وإن كان هناك ثلاثة أقوال: فهناك قول يقول: بأن المعراج كان بالروح فقط، وممن نسب إليه هذا القول: عائشة ومعاوية ﵄، لكن يقولان بأنه يقظة هذا هو الظاهر من قولهم.
وقال جمهور السلف قديماً وحديثاً وعليه أغلب الصحابة والتابعين وتابعيهم: إن الإسراء والمعراج بالروح والجسد، وإن هذا هو معنى كونه معجزاً تحدى الله به المشركين، وصار آية من آيات الله ومن خصائص النبي ﷺ .
وهناك أقوال أرادت أن تجمع بين هذه الأقوال كالقول بأن الإسراء والمعراج حصلا أكثر من مرة، مرة بالروح والجسد ومرة بالروح فقط، ومرة يقظة ومرة مناماً إلى آخره.
ومنهم من قال: إن الإسراء كله منام، وهذا قول ضعيف لا يتماشى مع مقاصد الشرع في ذكر الإسراء والمعراج؛ لأنه لو كان مناماً لكان حلماً، والأحلام لا يتميز بها أحد، فلذلك شنع السلف على هذا القول.
ومما يتعلق بالإسراء أن الإسراء لم يتبين وقته في أي ليلة من الليالي ولا في أي شهر على سبيل التعيين والجزم، وهذا مما يسقط دعوى المبتدعة الذين يحتفلون بمناسبة الإسراء والمعراج ليلة السابع والعشرين من رجب، فهم مخطئون في تقدير الوقت ولو أصابوا ما جاز الاحتفال به؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه.
والنبي ﷺ أولى بأن يحتفل بهذه الليلة التي فيها الإسراء والمعراج لو تحددت، لكن لعل من حكمة الله أنها لم تتبين ولا يصح في تحديدها خبر كما قال كثير من المحققين من أهل العلم.
والنبي ﷺ حينما أسري به رأى الأنبياء في بيت المقدس وصلى بهم إماماً، ثم رآهم في السماء، ولا تنافي بين هذا وذلك؛ لأن ذلك راجع إلى قدرة الله ، وهو من أمر الغيب، والغيب لا تحده حدود الزمان والمكان التي تحد واقع البشر في الحياة الدنيا.
فالأنبياء حياتهم حياة برزخية والحياة البرزخية لا تقاس بمقاييس الحياة الدنيا التي نعيش فيها فعلى ذلك ليس هناك ما يمنع من أن يكون النبي ﷺ صلى بهم في بيت المقدس ورأى طائفة منهم في السماء، حيث رأى في السماء الدنيا آدم، وفي السماء الثانية يحيى وعيسى، وفي السماء الثالثة يوسف، وفي السماء الرابعة إدريس، وفي السماء الخامسة هارون، وفي السماء السادسة موسى، وفي السماء السابعة إبراهيم.
وأنه تجاوز السموات ﷺ ووصل إلى سدرة المنتهى، وفرضت عليه الصلاة ورأى أموراً عجيبة من أحوال الجنة وأهلها وأحوال النار وأهلها، وأحوال الأنبياء والملائكة، وأحوال الدنيا والآخرة، ورأى من آيات ربه الكبرى ما أطلعه الله عليه، وهي من دلائل نبوته ﷺ ومن دلائل فضله وتكريمه، وكان من أعظم ما كرمه الله به أنه رأى ربه بقلبه، وأنه كلمه ربه بواحاً كلاماً يليق بجلال الله .
وهذه أعظم الفضائل التي يمكن أن ينالها بشر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن أرواح الشهداء في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة، وأرواح المؤمنين تحت العرش، وأرواح الفجار والكفار في برهوت وهي في سجين].
هذه كلها من أحوال الحياة البرزخية، فأرواح الشهداء في قناديل في الجنة، وكذلك أرواح المؤمنين، وأنها ترتفع وتتفتح لها أبواب السماء، وأنها تكون تحت العرش، هذا كله قد ورد فيه نصوص.
وكذلك أن أرواح الكفار في سجين وردت فيها النصوص، أما أن أرواح الكفار والفجار في برهوت فهذا لم يرد فيه نص صحيح والله أعلم.
стр. 119
الأسئلة
стр. 120
حكم القراءة في الرقية بمكبر الصوت على مجموعة مرضى
السؤال
ذكرت في الدروس الماضية والدرس الماضي الرقية الشرعية وبعض أحكامها فما هو حكم من يقرأ على مجموعة من الأشخاص بمكبر الصوت بحجة الزحام؟
الجواب
لا أعرف لهذا ما يمنعه شرعاً لكن قد يكون غير لائق؛ لأن الصورة التي تحدث فيها الرقية بهذا الشكل صورة لا تليق بكلام الله ولا تليق بالمسلمين أن يفعلوا ذلك، وتشبه أفعال المبتدعة، وهو لم يكن معهوداً مع أن الناس كانوا يحتاجونه في عهود السلف، فقد كان فيهم مرضى يستشفون بالقرآن ويبحثون عن رقية، فما كان السلف يجمعون الناس ويقرءون عليهم قراءة واحدة، ثم إنه ارتبط بصورة جلب المادة، وهي صورة مستبشعة عند العقلاء.
فلذلك أنا أرى أن هذا تصرف غير لائق، أما أن نقول إنه محرم فلا، لأنه ليس عندنا دليل على تحريمه ولا على عدم مشروعيته، ولكنه غير لائق ولا ينبغي للراقي أصلاً أن يتفرغ للرقية وأن يتجمهر عنده الناس، هذه كلها أمور بعيدة عن السنة فيما أعرف، صحيح أن الناس ينتفعون؛ لكن هذا أمر أصبحت تهيأ له قاعات كبيرة واستراحات وخرج الأمر عن سمت السنة، فالأمر في هذه المسألة وغيرها من الصور التي تحدث عند الرقاة تحتاج إلى تأمل من قبل العلماء وطلاب العلم.
стр. 121
رؤية الله في الدنيا غير ممكنة
السؤال
إن الله يمكن رؤيته في الدنيا عقلاً لا شرعاً؟
الجواب
هذا كلام فلسفي، والعقل ليس عنده دليل على أن الله لا يرى في الدنيا لكن ورد الشرع بأنه لا يمكن رؤية الله ، وبعض أهل العلم يقول: ممنوع عقلاً وشرعاً رؤية الله في الدنيا، لكن العقل لا يملك النفي ولا الإثبات.
стр. 122
إشاعة حدوث فيضانات في المستقبل
السؤال
اشتهرت في هذه الأيام في الحضر وما حولها أنه في آخر شهر رجب ستحدث فيضانات ورياح شديدة وزلزال إلى آخره؟
الجواب
هذا من التكهنات والدجل؛ ولكن دجل مهذب، وهذا كله رجم بالغيب.
стр. 123
شرح السنة [٩]
يجب الإيمان بحياة البرزخ وبنعيم القبر وعذابه كما جاء في الكتاب والسنة، كما يجب الإيمان بالقضاء والقدر، وأن الله تعالى يتكلم متى شاء وكيف شاء كما يليق بجلاله وكماله، وأن الله تعالى فضل العباد بعضهم على بعض في الدين والدنيا، ولا يجوز أن يحكَّم العقل في شيء من ذلك، فإن العقل تابع وليس متبعاً.
стр. 124
الإيمان بحياة البرزخ
قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الميت يقعد في قبره ويرسل الله فيه الروح حتى يسأله منكر ونكير عن الإيمان وشرائعه، ثم تسل روحه بلا ألم، ويعرف الميت الزائر إذا أتاه، ويتنعم في القبر المؤمن، ويعذب الفاجر كيف شاء الله].
في هذه الفقرة يقرر أصلاً من أصول الدين القطعية، وهو ما يتعلق بالحياة البرزخية.
الحياة البرزخية هي حياة ثابتة، وهي جزء من الآخرة وليست من الحياة الدنيا، بل مرحلة بين الدنيا والآخرة؛ وسميت الحياة البرزخية من البرزخ، وهو الطريق الذي يصل بين زمنين أو بين مكانين.
والحياة البرزخية فيها أمور كثيرة ثابتة، منها سؤال الميت، وأنه يأتيه ملكان يسألانه عن ربه وعن دينه وعن نبيه، وورد في بعض النصوص تسمية الملكين وأنهما منكر ونكير، لكن بعض أهل العلم لا يصحح حديث التسمية.
وقد خلط بعض الناس بين عدم ثبوت الحديث في اسم منكر ونكير، وبين مسألة الملكين، فالسؤال للملكين ثابت قطعاً أما التسمية فبعض أهل العلم صحح الحديث الذي فيه اسم منكر ونكير وبعضهم لم يصححه.
ومن الحياة البرزخية كون الإنسان يأتيه عمله، فإن كان صالحاً أتاه على أحسن صورة، وإن كان غير صالح أتاه على أقبح صورة.
وإذا كان الميت من أهل الجنة فتح له باب إلى الجنة ورأى مقعده فيها، وإذا كان من أهل النار فتح له باب من النار فيرى مقعده فيها.
وكذلك عودة الروح للإنسان في قبره على نحو الله أعلم به، فإن الإنسان إذا دفن في قبره تأتيه روحه فيحس ويتنعم ويتألم ويشعر بمن حوله بعد الدفن مباشرة ويسمع وقع نعال الذين يدفنونه.
стр. 125
الإيمان بقضاء الله وقدره
قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن لقضاء الله وقدره].
هنا كلام محذوف، ولكن على أي حال الأمور التي بقضاء الله وقدره كثيرة جداً، فالموت بقضاء الله وقدره، وبعض الأحداث الجسام في أمور البشر تكون بقضاء الله وقدره، وكل شيء بقضاء الله وقدره، لكن الغالب أن التنويه في مثل هذا المقام على الأمور التي تكون بقضاء الله وقدره يكون في الأمور التي هي ذات الشأن، فربما أنه أراد أن يقول: إن كل شيء من أفعال العباد أو كل ما يصيب العباد هو بقضاء الله وقدره، أو الموت ونحو ذلك من الأمور الهامة؛ لأن تنويع الأمور الهامة يندرج تحتها ما دونها من الأمور الجزئية.
المهم أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وكل ما يحدث للعباد ومنهم وعليهم مما هو في مقدورهم أو ليس في مقدورهم كل ذلك بقضاء الله وقدره.
стр. 126
صفة الكلام لله سبحانه
قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الله ﵎ هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور، وموسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع في مسامعه منه لا من غيره، فمن قال غير هذا فقد كفر بالله العظيم].
يرد الشيخ هنا على عدة طوائف منهم الجهمية والمعتزلة الذين زعموا أن الله هو الذي سمع كلام موسى، ولذلك حرفوا الآية فقالوا: وكلم الله موسى تكليماً، فتلوها على غير تلاوتها المتواترة عن النبي ﷺ .
وبعضهم قد لا يحرف الآية لكن يتأولها بأن المقصود بالكلام أن الله علم، ففسر الكلام بالعلم، يعني: أن الله علم موسى كلامه ولم يسمعه سماعاً مباشراً.
وقالت طوائف من المعتزلة والفلاسفة وأهل الكلام إن الكلام الذي سمعه موسى إنما هو كلام خلقه الله بوسيلة أخرى، إما من كلام الشجرة التي كان عندها التكليم، أو بحروف وأصوات خلقها الله في الجو، أو بواسطة مخلوق تكلم كملك أو غيره، فاختلفوا في هذا اختلافات كثيرة، لكن كلهم أولوا الكلام أو أنكروه، وكل هذه التأويلات باطلة، فإن الله كلم موسى تكليماً كما ورد في الآية، والتكليم معناه الإشارة إلى أن الكلام حقيقة من الله لموسى على ما يليق بجلال الله من غير مماثلة.
وجميع هذه التأويلات لا أصل لها، فكون الله يرسل ملكاً فيتكلم لا يعني أن الله هو الذي تكلم، وكونه يخلق حروفاً وأصواتاً في الجو ثم يسمعها الشجرة أو يخلقها في الشجرة أو نحو ذلك كل هذه تأويلات لا دليل عليها، وهذا أمر غيب، والله أكد أنه كلم موسى على ما يليق بجلاله جاء ذلك بتأكيد صيغة الكلام بقوله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، بمعنى: كلاماً حقيقياً يليق بالله سبحانه.
ولذلك قال الشيخ: (وموسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع في مسامعه منه لا من غيره) يقصد بذلك أن الكلام من الله لموسى كلام حقيقي، وأن موسى سمع كلام الله، والعبارات الزائدة الأولى الاستغناء عنها.
أما أن الله يتكلم بالصوت فهذا ثابت في نصوص أخرى، وقوله: (منه لا من غيره) أي: من الله لا من غير الله، يقصد أنه لم يكن الكلام من الشجرة ولا من ملك ولا من مخلوق آخر، ولا من أصوات مخلوقة.
قوله: (وأن من قال غير هذا فقد كفر) يقصد أن من لم يؤمن بأن الكلام من صفات الله، وأنه كلم موسى كما يليق بجلاله فقد أنكر القطعي من الدين، ومن أنكر القطعي من الدين فهو كافر؛ هذا على جهة العموم لكن المعين يحتاج إلى إجراء آخر.
стр. 127
حقيقة العقل
قال رحمه الله تعالى: [والعقل مولود، أعطي كل إنسان من العقل ما أراد الله، يتفاوتون في العقول مثل الذرة في السموات، ويطلب من كل إنسان من العمل على قدر ما أعطاه من العقل، وليس العقل باكتساب إنما هو فضل من الله ﵎].
العبارات فيها شيء من الاضطراب؛ فقوله: (العقل مولود) يعني: أن العقل من خلق الله وأنه فطري وكأنه بذلك يشير إلى مذاهب الفلاسفة وغلاة المتكلمين الذين يرون أن العقل قوة قديمة أزلية، وأنه فيض عن الله، وأنها راجعة إلى صفات الله ، أو أن العقل المطلق كائن مستقل له وجود غير وجود سائر المخلوقات، وغير ذلك من المذاهب.
فكأن الشيخ يريد أن يقول إن العقل موهبة فطرية، وهذا معنى (مولود)، أي: يولد كما تولد وينشأ كما تنشأ المواهب الأخرى في الإنسان، فالعقل كالذكاء والفطنة والحفظ والإدراك والإرادة وغير ذلك في الإنسان، فكل هذه مولودات مع الإنسان، وكل إنسان أعطي من العقل بقدر ما أراد الله له ذلك.
فمن الناس من عقله كامل، ومنهم دون ذلك ومنهم من يكون عقله ضعيفاً، وذلك كسائر القدرات والمواهب عند الإنسان.
أما قوله: (مثل الذرة في السموات) فلم أفهم له وجهاً.
وقوله: (ويطلب من كل إنسان من العمل على قدر ما أعطاه من العقل) يعني: أن الله جعل العقل جزءاً من الاستطاعة التي كلف بها البشر، فالعقل مثل سائر مواهب البشر، فهو مثل الاستطاعة والقدرة العملية والقدرة على الحركة والقدرة على التفهم والذكاء والفطنة والحفظ وغير ذلك، فهذه مواهب تتفاوت عند الإنسان، وكل إنسان يكلف بقدر استطاعته، وبقدر ما أعطاه الله من المواهب، فالإنسان الذي أعطاه الله عقلاً كاملاً عليه من التكاليف بقدر ذلك.
والإنسان الضعيف العقل ربما يعفى من كثير من أمور الشرع التي لا يفهمها أو لا يدركها عقله.
إذاً: على قدر هذه النعمة التي يعطيها الله الإنسان يكون محاسباً على ذلك، ولا يحاسب إلا على ما يستطيعه مما يعقله، ولذلك نجد أن النبي ﷺ يعذر بعض البسطاء إذا لم يدركوا بعض أصول الشرع أو بعض أموره؛ لأنهم لا يستطيعون، وبعضهم قد لا يدرك بعض ما نسميه بدهيات لضعف مداركه، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
إذاً: كل إنسان يطلب منه من العمل من حيث المحاسبة والتكليف الشرعي على قدر ما أعطاه الله من العقل.
قوله: (وليس العقل باكتساب) يقصد بذلك أن التعقل والعقل لا يحصل بالرياضة مثلاً ولا يحصل بالتعلم، نعم مدارك العقل تزداد بالتجارب فينتفع منها؛ لكن العقل على حد واحد، فالإنسان الذي عقله ضعيف مهما تعطيه من المعلومات التي ليست في حدود عقله لا يدركها، والإنسان الذكي العاقل الحصيف يدرك أشياء كثيرة بالعقل، وعلى هذا فلا يستطيع الناس أن ينموا الموهبة الأساسية في العقل لكن الإنسان تزداد مداركه بالتدريب على أمور ممكن تنمى عنده المواهب.
قوله: (إنما هو فضل من الله ﵎، وهنا أحب أن أنبه إلى أن مقاصد الناس تختلف في التعبير عن العقل، فقد يقصد بالعقل الموهبة الذاتية عند الإنسان، وهذا هو الغالب في تعبير النصوص الشرعية وكلام السلف، وهذه لا يمكن أن يزيد الناس فيها أو ينقصوا منها، وقد يقصد بالعقل وظائف العقل من التفكر والتعقل وازدياد المعلومات والثقافة، فهذه وإن سماها الناس عقلاً فإنما هي من وظائف العقل، وهي تزداد وتنقص بقدر ما يكسبه الإنسان.
لكن العقل الذي هو القدرة على التعقل والتفكر يقف إلى الحد الذي وهبه الله الإنسان، ثم تصقل وتهذب.
стр. 128
التفضيل بين العباد
قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن الله فضل العباد بعضهم على بعض في الدين والدنيا عدلاً منه، لا يقال جار ولا حابى، فمن قال إن فضل الله على المؤمن والكافر سواء فهو صاحب بدعة، بل فضل الله المؤمنين على الكافرين، والطائع على العاصي، والمعصوم على المخذول عدل منه، هو فضله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء].
هذه قاعدة متعلقة بالقدر، وهو أن الله فضل بين العباد فيما يتعلق بالهداية والضلال، أو السعادة والشقاوة، فالله يهدي من يشاء فضلاً منه، وأيضاً جعل الهداية متفاوتة بين عباده الصالحين.
وكذلك الله قدر على من يشاء الضلال، والضلال أيضاً متفاوت، وكما فاوت بين العباد في مسألة الهداية والإضلال ومسألة السعادة والشقاوة فاوت بينهم في الرزق في الدنيا وفي حظوظ الدنيا من الأعمار والصحة والمال والجاه وغير ذلك من مكاسب الدنيا، فإن الله فاوت بين العباد لحكمة يعلمها سبحانه، ولا يسأل الله عن ذلك، والعباد عباده يفعل فيهم ما يشاء؛ لكن ينبغي أن نعود في مسألة الإضلال والهداية والشقاء والسعادة إلى القاعدة الأخرى ونربطها بهذه القاعدة ليصفو التصور، وهو أن الله حينما قدر على بعض العباد الهداية فذلك لسابق علمه أنهم سيعملون بعمل أهل الهداية، وحينما قدر على الآخرين الضلال والشقاوة فذلك لسابق علمه سبحانه بأنهم سيختارون طريق الضلال والشقاوة.
стр. 129
فضل الله تعالى المشترك بين العباد
وقوله: (فمن قال إن فضل الله على المؤمن والكافر سواء فهو صاحب بدعة) بمعنى أن الله حينما تفضل على المؤمنين فلا يعني ذلك أن فضله ونعمته على الكفار غير موجودة، فإن لله نعماً على جميع العباد، فقد أنعم على الكفار بالخلق كما أنعم على المؤمنين، وأنعم على الكفار بأن مكنهم في هذه الدنيا وأعطاهم عقولاً وأرسل إليهم رسلاً لكنهم تنكبوا طريق الرسل، وأنعم الله عليهم بأن زين لهم طريق الخير وأرشدهم إليه وأمرهم به ووعدهم عليه، وبين لهم طريق الشر وحذرهم منه وتوعدهم عليه، ففضل الله على العباد جميعاً، لكن هناك من الفضل ما يخص الله به بعض العباد لعلمه سبحانه أنهم يستحقون هذا الفضل، وحجب هذا الفضل -فضل الهداية- عن آخرين لعلمه سبحانه أنهم لا يستحقون الهداية.
فلذلك قال: (من قال إن فضل الله على المؤمن والكافر سواء) يعني في مسألة الهداية ومسألة التوفيق، فلا شك أن ليس فضل الله على هؤلاء سواء، لكن من قال إن فضل الله على المؤمن والكافر في الرعاية والحفظ وإقامة الحجة فلا شك أن فضل الله على العباد من هذا الوجه سواء؛ لكن من حيث الهداية والتوفيق فليس الفضل سواء، فإن الله خص برحمته من قدر لهم ذلك من عباده.
стр. 130
تفضيل الله للمؤمنين على الكافرين والطائعين على العاصين
ويقصد بقوله: (فمن قال إن فضل الله على المؤمن والكافر سواء) الذين لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا بين المسلم والكافر، ولا بين الهدى والضلال، وهم الفلاسفة وغلاة الجهمية والباطنية وكثير من غلاة المتصوفة وأغلب الزنادقة في جميع الأمم وكذلك الأمم الدهرية والمشركة، فكثير منهم يعتقدون أن فضل الله على هؤلاء سواء، ولذلك لا يفرقون بين المؤمن والكافر، بل يعتقد كثير منهم أن مصير هؤلاء في الآخرة سواء، ويمثل هذا الاتجاه بشكل واضح ابن عربي، فإنه لا يرى لمؤمن على كافر فضلاً، ولا يرى أن هناك تمييزاً بين المسلم والمجرم.
والله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، لكنه يرى أنه لا فرق وأن الفرق شكلي: بمعنى كأنه يرى أن هذا الفرق في الدنيا والآخرة تمثيل.
ولذلك لما حكى قصص الأنبياء مع خصومهم صور الأنبياء على أنهم أناس عندهم شيء من السذاجة والسطحية، وأن خصوم الأنبياء من المشركين هم أهل الحق والحقيقة، وأنهم هم الأذكياء الذين عرفوا حقيقة التوحيد! ولذلك كتب كتابه (إيمان فرعون) وصور موسى وهارون على أنهما ليسا صاحبي حق، وأن الذين كذبوا موسى هم أصحاب الحقيقة إلى آخره.
يزعم أصحاب هذا الاتجاه أن مصير البشر في الآخرة سواء، وأن فضل الله على الجميع سواء، ولذلك فسر ابن عربي عذاب النار بأنه عذاب شكلي وأن الكافرين يتلذذون بالعذاب كما يتلذذ أهل الجنة بالجنة، فالشيخ كأنه يريد الرد على أصحاب هذه المقولة.
قوله: (بل فضل الله المؤمنين على الكافرين) يعني: بأن جعلهم خياراً وجعلهم هداة مهتدين صالحين، المخالفون لهم على عكس ذلك.
قوله: (والطائع على العاصي، والمعصوم على المخذول، كل ذلك عدل منه، هو فضله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء) وهذا أيضاً يرجع إلى قول الله : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، فإن الله فرق بين المسلمين والمجرمين، وهذا يؤكد ضرورة تنبيه المسلمين في هذا العصر على أهمية التميز للمسلم عن الكافر، وأن يتميز الصالح عن الفاجر، وهذا مما يؤكد ضرورة إعلان الولاء والبراء وتطبيق ذلك في سلوك الناس ومعاملاتهم؛ لأن هذا هو مقتضى تفضيل الله المؤمنين على الكافرين والطائعين على العاصين والمعصومين على المخذولين، فلابد من إظهار هذا التفضيل في الأحوال القلبية وأحوال التعامل، ولابد من إظهاره في حياة الناس جملة وتفصيلاً على نحو معتدل يستقيم مع قواعد الشرع وأصوله بلا غلو ولا تفريط.
стр. 131
النصيحة للمسلمين
قال رحمه الله تعالى: [ولا يحل أن تكتم النصيحة للمسلمين برهم وفاجرهم في أمر الدين، فمن كتم فقد غش المسلمين، ومن غش المسلمين فقد غش الدين، ومن غش الدين فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، والله ﵎ سميع بصير].
стр. 132
شرح السنة [١٠]
يجب الإيمان بكل ما ثبت لله تعالى من أسماء وصفات على ما دلت عليه النصوص، ومن ذلك السمع والبصر والعلم، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة في الجنة بأعين رءوسهم، ويجب الإيمان بأن الله تعالى يعذب الكفرة والمجرمين في النار، وأن الصلاة والزكاة مفروضتان كما فرضهما الله في كتابه وبينهما رسوله في سنته، ولا يجوز رد شيء من ذلك أو التشكيك فيه بجدال أو مراء أو خصومة؛ فإنه ما نشأت بدعة ولا ضلالة ولا كفر إلا بسبب الكلام والجدال والمراء والخصومة في الدين.
стр. 133
إثبات صفات الله وسبق علمه بخلقه وما سيعملون
قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [والله ﵎ سميع بصير عليم يداه مبسوطتان، قد علم الله أن الخلق يعصونه قبل أن يخلقهم، علمه نافذ فيهم، فلم يمنعه علمه فيهم أن هداهم للإسلام ومن به عليهم كرماً وجوداً وتفضلاً فله الحمد].
стр. 134
مدارك العقول في صفات الله تعالى
في هذه الفقرة أشار الشيخ إلى شيء من قواعد إثبات الصفات لله ، وذكر أنموذجاً من صفاته، وهو السمع والبصر والعلم واليدين، وهذه الصفات منها ما هو خبري ومنها ما هو معلوم بالعقل والخبر، فالعلم معلوم بالعقل بالضرورة لله ، وكذلك جاء به الخبر.
والسمع والبصر كذلك مما تقر به العقول، وقد جاء به السمع، وإن كان بعض أهل العلم يرى أن السمع والبصر موقوفان على الوحي لأنهما سمعيان فقط؛ لكن الصحيح أن العقول السليمة تقتضي إثبات السمع والبصر لله كإثبات العلم.
أما اليد واليدان فإنما تثبت بالخبر فقط فهي سمعية؛ لأنها لا تدخل في مدارك العقل ولا يد للعقل في إثباتها قبل أن تثبت في السمع وترد في الخبر الصحيح، فلما وردت بالخبر الصحيح فلابد أن يقر بها العقل؛ لأن إدراك العقل على نوعين: النوع الأول: ما يدركه العقل ابتداء، وهذا يشمل جميع صفات الكمال لله على جهة الإجمال، وكثير من صفات الكمال على جهة الإفراد.
النوع الثاني: ما لا يستطيع العقل أن ينفيه، وإذا ثبت فإنه يؤيده، وهي الصفات الخبرية مثل الاستواء والنزول والمجيء والرضا والغضب واليد، فهذه الصفات خبرية لا ينفيها العقل، ولا يستطيع أن يثبتها استقلالاً لو لم ترد بالكتاب والسنة؛ لأنها خبرية بحتة تتعلق بالأفعال التي لا يمكن استنباطها بالعقول ابتداء، أو تتعلق بالصفات الذاتية التي لا يمكن استنباطها بالعقول ابتداء، لكن إذا ثبتت فإن العقل يؤيدها ولا ينفيها.
ولذلك لما لم يوفق أهل الأهواء من المعتزلة والجهمية ومتكلمة الأشاعرة إلى هذا التصور وقعوا في الخلط، فإنهم ظنوا ألا يثبت لله إلا ما أثبته العقل استقلالاً، وأن ما لم يثبته العقل استقلالاً فإنه لابد له من تأويل.
وهذا غلط! فإننا نقول: ما يدخل في مدارك العقل على نوعين: نوع يثبت ابتداء كالعلم والحكمة والإرادة لله ، ونوع لا يثبت ابتداء لكنه إذا ورد لا يملك العقل أن ينفيه، أي أنه ليس في إثباته ما يناقض العقل، وهذا كالصفات الخبرية.
стр. 135
سبق العلم لله
ثم ذكر مسألة سبق العلم لله ، وأن الله علم أن أهل المعاصي يعصونه قبل أن يخلقهم، وهذا فيه رد على القدرية الذين يقولون: لا قدر والأمر أنف، فإن القدرية الأولى تنفي العلم السابق لله فيما يتعلق بأفعال الشر التي يفعلها العباد، ويزعمون أنهم عملوها دون أن يقدرها الله ودون أن يعلمها، ثم بعد ذلك أثبتوا العلم ونفوا التقدير في مراحل تالية من مراحل تطور القدرية، فهو بهذا يرد على القدرية الأولى.
ثم قال: (علمه نافذ فيهم، فلم يمنعه علمه فيهم أن هداهم للإسلام ومن به عليهم كرماً وجوداً وتفضلاً).
يشير بهذا إلى أن الله حينما قدر الهداية للمهتدين فذلك لسابق علمه بأنهم سيسلكون طريق المهتدين، وكذلك العكس؛ فإن الله حينما قدر الشقاوة على أهل الشقاوة فإن ذلك راجع إلى علمه السابق بما هم فاعلون، فقدر مصائرهم بنتائج أعمالهم التي يعلم أنهم سيعملونها.
стр. 136
أقسام البشارات عند الموت
قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن البشارة عند الموت ثلاث بشارات: يقال: أبشر يا حبيب الله برضا الله والجنة.
ويقال: أبشر يا عدو الله بغضب الله والنار.
ويقال: أبشر يا عبد الله بالجنة بعد الإسلام.
هذا قول ابن عباس].
يظهر لي والله أعلم أنه يقصد انقسام الناس في مصائرهم يوم القيامة وأنها على ثلاثة أقسام: الأول أهل الجنة الذين يدخلون الجنة ابتداء برحمة الله وفضله، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم.
والقسم الثاني: الذين يهلكون فيدخلون النار نسأل الله أن يعيذنا من النار.
والقسم الثالث هم أهل الكبائر الذين يستحقون العذاب بأعمالهم ثم يطهرهم الله في النار ويخرجون بشفاعات الشافعين التي يأذن الله بها وبرحمته .
فالعبارة فيها نوع من اللبس في الصنف الثالث أو البشارة الثالثة، قال: (ويقال: أبشر يا عبد الله بالجنة بعد الإسلام) فالعبارة فيها اضطراب وركاكة.
ولذلك لا يستبعد ما ذكره المحقق في كلمة الإسلام قال: وبدل كلمة الإسلام كلمة (الانتقام) وإن كانت (الانتقام) غير لائقة لكنها واردة في الشرع، أي: فيقال: أبشر يا عبد الله بالجنة بعد التطهير في النار، فهي تناسب الانتقام، فإذا كانت كلمة الانتقام لها أصل في المخطوطات فربما تكون هي الأصح، والله أعلم.
стр. 137
أول من ينظر إلى الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن أول من ينظر إلى الله تعالى في الجنة الأضراء ثم الرجال ثم النساء، بأعين رءوسهم، كما قال رسول الله ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته)، والإيمان بهذا واجب وإنكاره كفر].
مسألة الرؤية من أصول الدين الكبرى؛ لكن هذا التفصيل لم ترد به نصوص صحيحة، أعني قوله إن أول من ينظر إلى الله هم الأضراء -أي: المؤمنون الذين كانوا مكفوفين في الدنيا- ثم الرجال ثم النساء، فهذا ليس عليه دليل صحيح، وما ورد فيه من آثار فهي ضعيفة أو موضوعة.
أما أصل الرؤية فلا شك أنه من قواطع الدين ومما تواترت به النصوص، وصار من الأصول الكبرى الفوارق بين أهل السنة وأهل الأهواء والبدع؛ ولا شك أن الإيمان بها واجب وإنكارها كفر، لا إنكار ما ذكره المؤلف من الترتيب.
стр. 138
نشأة البدع والزندقات بسبب المراء والخصومات
قال رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أنه ما كانت زندقة قط، ولا كفر ولا شك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأهل الكلام والجدال والمراء والخصومة، والعجب كيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال، والله تعالى يقول: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤]، فعليك بالتسليم والرضا بالآثار وأهل الآثار والكف والسكوت].
التسليم والكف والسكوت هو الأصل والمراء محرم، لكن بين الأمرين ما يباح عند الحاجة وما يلزم عند الضرورة، وهو الجدال بالتي أحسن، وبشروط الجدال التي سبق الإشارة إليها في درس ماض، فإن هذا يجب عندما يحتاج الدين إلى دفاع، ويحتاج الحق إلى نصر والباطل إلى رد، فإذا ظهرت البدعة واستشرى أمرها واستفحلت شعارات أهل الأهواء والبدع، فلابد من المجادلة بإقامة الحجة عليهم.
وكذلك الجدال في الاجتهاديات يجوز ما لم يصل إلى المراء وذلك للوصول إلى الحق الذي يقتضيه الدليل والشيخ في إشارته القوية إلى تحريم المراء والخصومة والجدل يقصد الخصومة التي تصل إلى المراء.
وقوله: (واعلم رحمك الله أنها ما كانت زندقة قط ولا كفر إلا بالكلام والجدال والمراء والخصومة)، فهذا في الجملة صحيح لكن لا يدل على حصر وجود هذه الضلالات على هذا السبب، فإن أسباب وجود الزندقة والكفر والشك والبدعة والضلالة والحيرة في الدين كثيرة، لكن أعظمها وأشدها وأنكاها وأبغضها إلى يومنا هذا هو الجدل والمراء والخصومات في الدين، وقد يكون بعضها أقرب إلى الجدل من بعض، فالزندقة لاشك أنها ما دخلت على المسلمين إلا بعد انتشار الجدل وكذلك الكفر، أما البدعة فقد بدأت قبل وجود الجدال وقد اندست بين المسلمين بسبب الجهل وتقليد الأمم الأخرى وبسبب الأهواء، فبدع الخوارج الأولى بدأت شرارتها صامته همساً لم يكن فيها جدال ظاهر، ثم توسعت بالجدال وتعمقت وتجارت بأهلها كما يتجارى الكلب بصاحبه، وشرارتها الأولى كانت شبهات يقذفها شياطين الإنس والجن في آذان ضعاف الدين وضعاف العقول.
وكذلك بدع الشيعة الأولى ظهرت بالجدال، وكانت قد بدأت بهمسات من شياطين الجن والإنس في قلوب العجم، وبعد أن ظهرت استفحلت وانتشرت وعمت بها البلوى بالجدال، فالجدال مرحلة تالية من بداية الأهواء، وبعض الأهواء نشأت بسبب الجدال استقلالاً، مثل مذهب القدرية.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية سبباً ظريفاً يؤيد القول بأن الجدل سبب لظهور بعض البدع والفرق، فذكر أن أكبر سبب لظهور القدرية هو جدال الناس في احتراق الكعبة ما بين سنة ستين إلى أربعة وستين تقريباً، فلما احترقت بدأ الناس يتكلمون بعلم وبغير علم: هل احترقت بتقدير من الله أو بغير تقدير من الله؟ فخاض العوام في هذه الأمور، فأدخلت النصارى واليهود شبهاتهم من خلال هذه القصة على الناس! فهذا يدل على أن من الفرق ما كان سبب ظهوره الجدال والخصومات والمراء في الدين.
ومن ذلك أيضاً المشبهة، لا شك أنه ما ظهرت المشبهة والمجسمة إلا من المراء والجدال الذي حصل مع الجهمية.
стр. 139
الإيمان بأن الله يعذب الخلق في النار
قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الله ﵎ يعذب الخلق في النار في الأغلال والأنكال والسلاسل والنار في أجوافهم وفوقهم وتحتهم، وذلك أن الجهمية منهم هشام الفوطي قال: إنما يعذب الله عند النار رد على الله وعلى رسوله].
هذه من جرأة أهل الأهواء على الكلام في الأمور الغيبية بغير علم وبغير برهان والجرأة في القول على الله بغير علم، فالأصل في الأمور الغيبية أن نقف على ما ورد به النص ولا نزيد ولا ننقص، فكون الله يعذب من شاء في النار، وأن النار فيها أغلال وأنكال وسلاسل وأنها أيضاً تمس أجوافهم وأنها من فوقهم ومن تحتهم؛ هذا كله ثبتت به النصوص في القرآن والسنة، أما فلسفة الجهمية أو بعض الجهمية من قولهم: إن الله يعذب عند النار لا منها فهذه فلسفة جر إليها التلقي عن غير الكتاب والسنة والإمعان في تحكيم العقول فيما لا تدرك، والتمادي مع الأوهام والخيالات والوساوس، ثم إن هذا راجع إلى أصول فلسفية موجودة عند الفلاسفة القدامى الذين هم خصوم الأنبياء، وكل الفلاسفة الإلهيين خصوم للأنبياء، فعندهم مواقف غريبة تجاه الأمور الغيبية بما في ذلك اعتقاداتهم عن النار وعن الجنة أنها مجرد أمور تمس الأرواح وليس الأجسام وأن ما لا يقر به العقل في الدنيا فلا يجوز إقراره ولو عن الآخرة فهم يقولون: النار التي وصفت لا يمكن أن يتحملها جسم الإنسان قياساً على الدنيا، فإذاً: يكون العذاب عند النار لا فيها، وغير ذلك من الشبهات.
فلا شك أن هذا رد للحق ورد -كما قال الشيخ- على الله وعلى رسوله ﷺ ؛ لأنه قول على الله بغير علم، ولأنه حيدة عن الحق البين في أن الله يعذب أهل النار في النار فهم أهلها خلقت من أجلهم وتمتلئ بهم، نسأل الله العافية.
فالقول بأن الله يعذب أهل النار عند النار فيه عدول واضح عن الحق، وفيه تحكيم لأوهام العقول.
стр. 140
الصلاة والزكاة من فرائض الإسلام
قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن صلاة الفريضة خمس صلوات لا يزاد فيهن ولا ينقص في مواقيتها، وفي السفر ركعتان إلا المغرب، فمن قال أكثر من خمس فقد ابتدع، ومن قال أقل من خمس فقد ابتدع، لا يقبل الله شيئاً منها إلا لوقتها، إلا أن يكون نسياناً فإنه معذور يأتي بها إذا ذكرها، أو يكون مسافراً فيجمع بين الصلاتين إن شاء.
والزكاة من الذهب والفضة والتمر والحبوب والدواب على ما قال رسول الله ﷺ ، فإن قسمها فجائز وإن أعطاها الإمام فجائز].
стр. 141
فريضة الصلاة لا يزاد فيها ولا ينقص منها
ذكر الشيخ هنا شيئاً من فرائض الدين وأحكام الإسلام وأدخلها في العقيدة؛ لأنها من أركان الإسلام، وبعض الناس يحصر العقيدة بأركان الإيمان وهذا خطأ فإن أركان الإسلام داخلة في العقيدة دخولاً أولياً فأركان الدين الاعتقادية العلمية هي أركان الإيمان، وأركان الدين العملية هي أركان الإسلام، وكلها تمثل أصول الدين، فكما نعتقد في أركان الإيمان الستة أنها عقيدة كذلك أركان الإسلام عقيدة ولا يمكن العمل بها إلا باعتقاد.
وإشارته إلى أن الصلوات خمس لا تزيد ولا تنقص يقصد بذلك الرد على كثير من الدجالين المتنبئين الكذابين الذين ظهروا على مدار التاريخ، فإن أكثرهم -خاصة من العجم- يميلون إلى التخفيف عن الناس، فيخفف الصلاة فيجعلها ثلاثاً.
فأغلب المتنبئين الذين ظهروا من الباطنية والرافضة يميلون إلى تخفيف الصلاة، وبعضهم قد يزيد فيها، ولا يزال كثير ممن يصابون بهذه اللوثة يحدث عندهم شيء من ذلك، كما حدث لـ محمود طه في السودان قبل سنين فإنه ألغى الصلاة وقصرها على أوقات معينة، واعتبر الصلاة لا تليق بهذا العصر إنما تكفي الصلاة القلبية وقال: إن الصلاة وأركان الإسلام بشكلها الظاهر إنما فرضت لأناس بسطاء سذج يحتاجون إلى الترويض في الأمور العملية الظاهرة؛ لكن في عصر المدنية يكفي أن نصفي قلوبهم؛ لأن أعمالهم منسجمة مع المعيشة ومع واقع الحياة، فلا نحتاج إلى أن نروضهم على الأمور العملية فاختصر في الصلاة وألغى الصلوات الخمس وجعلها مقصورة على أوقات محددة.
هذا كله مما يحدث على مدار الزمان من المتنبئين الكذابين ومن غيرهم من أصحاب الدعاوى الباطلة، فلا يظن أن الشيخ قال قولاً غريباً؛ لأن مثل هذا -بحمد الله- ليس بمعروف عندنا ولم نسمع به في بيئاتنا القريبة، لكنه يوجد ما بين وقت وآخر على مدار التاريخ، وأظنه في وقت الشيخ البربهاري وجدت بعض ظواهر المتنبئين الكذابين من الباطنية التي تدعو إلى مثل هذه الأشياء.
стр. 142
فريضة الزكاة وطريقة إخراجها
وكذلك ما يتعلق بالزكاة فهي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي في الأصناف المذكورة وفيما يقاس عليه عند بعض أهل العلم، وقد ذكر ابن عبد البر الإجماع على أن الزكاة تكون في الشعير والبر والزبيب والإبل والغنم والبقر والذهب والفضة والتمر.
لكن قد تظهر أصناف لم تكن تعرف في ذلك الزمان وتلحق بأجناسها مثل الأرز.
والزكاة يجوز صرفها من قبل الشخص نفسه، وصرفها من قبل ولي الأمر، ولا ينبغي للمسلم أن يتحرج إذا صرفت الزكاة من قبل أهل الحسبة الذين يعينهم ولي الأمر أو من قبل الجهات المعنية التي تتولى هذا الأمر، فإذا أدى المسلم زكاته من خلال الجهات المعنية فقد برئت ذمته ولا يسأل عما يكون بعد ذلك، ومن أداها بنفسه استقلالاً برئت ذمته، ومن أدى بعضها على هذا الوجه وبعضها على هذا الوجه فكل ذلك جائز، وهو من المناهج التي تميز أهل السنة عن غيرهم.
كثير من أهل الأهواء والبدع لا يجيزون صرف الزكاة من خلال ولاة الأمر أو من خلال السلطان، وهذا راجع إلى أنهم لا يعتقدون للسلطان بيعة ولا يعتقدون له ولاية، كالرافضة وكثير من الخوارج وبعض فرق المعتزلة والجهمية وسائر الفرق ما عدا المرجئة فيما يظهر لي، فإن أكثر الفرق لا تعتقد ولاية السلطان ما دام من أهل السنة والجماعة، ولذلك قد لا تؤدي الزكاة إلا من باب المجاملة لا تديناً، وربما يؤدي بعضهم الزكاة للإمام ويصرفها احتياطاً كما تفعل الرافضة من باب التقية، والله أعلم.
стр. 143
الأسئلة
стр. 144
حكم من أنكر الرؤية متأولاً
السؤال
إن من أنكر الرؤية فهو كافر فهل يدخل في ذلك المؤولة الذين قصدوا من ذلك تنزيه الرب تعالى مثل بعض الأشاعرة؟
الجواب
الأشاعرة ما أنكروا الرؤية، لكنهم أثبتوها إثباتاً فيه نوع بدعة، قالوا: يرى إلى غير جهة، فهم يعتقدون الرؤية، ولا أعرف في الرؤية مؤولاً، ليس فيها إلا مثبتة ونافية؛ لكن بعض المثبتة عندهم نوع من الابتداع في إثبات الرؤية وهو إثبات الرؤية إلى غير جهة هروباً من إثبات العلو الذاتي والاستواء والفوقية، وهروباً من إثبات الصفة الفعلية والذاتية فقط، وإلا فالأشاعرة يثبتون الرؤية.
стр. 145
شرح السنة [١١]
أول واجب على المكلف هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبذلك يدخل في الإسلام، وهذا هو أول الإسلام خلافاً لمن زعم غير ذلك، كما يجب على المكلف أن يؤمن بجميع الشرائع السماوية، وأن الرسول قد أخبر بأن هذه الأمة ستفترق كما افترقت غيرها من الأمم، فيلزم طريق أهل السنة والجماعة حتى يكون من الفرقة الناجية المنصورة.
следующие страницы →