← Акыда

Акыда · id 37718

التعليق على شرح السنة للبربهاري - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (315 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فريضة الصلاة لا يزاد فيها ولا ينقص منها ذكر الشيخ هنا شيئاً من فرائض الدين وأحكام الإسلام وأدخلها في العقيدة؛ لأنها من أركان الإسلام، وبعض الناس يحصر العقيدة بأركان الإيمان وهذا خطأ فإن أركان الإسلام داخلة في العقيدة دخولاً أولياً فأركان الدين الاعتقادية العلمية هي أركان الإيمان، وأركان الدين العملية هي أركان الإسلام، وكلها تمثل أصول الدين، فكما نعتقد في أركان الإيمان الستة أنها عقيدة كذلك أركان الإسلام عقيدة ولا يمكن العمل بها إلا باعتقاد. وإشارته إلى أن الصلوات خمس لا تزيد ولا تنقص يقصد بذلك الرد على كثير من الدجالين المتنبئين الكذابين الذين ظهروا على مدار التاريخ، فإن أكثرهم -خاصة من العجم- يميلون إلى التخفيف عن الناس، فيخفف الصلاة فيجعلها ثلاثاً. فأغلب المتنبئين الذين ظهروا من الباطنية والرافضة يميلون إلى تخفيف الصلاة، وبعضهم قد يزيد فيها، ولا يزال كثير ممن يصابون بهذه اللوثة يحدث عندهم شيء من ذلك، كما حدث لـ محمود طه في السودان قبل سنين فإنه ألغى الصلاة وقصرها على أوقات معينة، واعتبر الصلاة لا تليق بهذا العصر إنما تكفي الصلاة القلبية وقال: إن الصلاة وأركان الإسلام بشكلها الظاهر إنما فرضت لأناس بسطاء سذج يحتاجون إلى الترويض في الأمور العملية الظاهرة؛ لكن في عصر المدنية يكفي أن نصفي قلوبهم؛ لأن أعمالهم منسجمة مع المعيشة ومع واقع الحياة، فلا نحتاج إلى أن نروضهم على الأمور العملية فاختصر في الصلاة وألغى الصلوات الخمس وجعلها مقصورة على أوقات محددة. هذا كله مما يحدث على مدار الزمان من المتنبئين الكذابين ومن غيرهم من أصحاب الدعاوى الباطلة، فلا يظن أن الشيخ قال قولاً غريباً؛ لأن مثل هذا -بحمد الله- ليس بمعروف عندنا ولم نسمع به في بيئاتنا القريبة، لكنه يوجد ما بين وقت وآخر على مدار التاريخ، وأظنه في وقت الشيخ البربهاري وجدت بعض ظواهر المتنبئين الكذابين من الباطنية التي تدعو إلى مثل هذه الأشياء.

стр. 142

فريضة الزكاة وطريقة إخراجها وكذلك ما يتعلق بالزكاة فهي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي في الأصناف المذكورة وفيما يقاس عليه عند بعض أهل العلم، وقد ذكر ابن عبد البر الإجماع على أن الزكاة تكون في الشعير والبر والزبيب والإبل والغنم والبقر والذهب والفضة والتمر. لكن قد تظهر أصناف لم تكن تعرف في ذلك الزمان وتلحق بأجناسها مثل الأرز. والزكاة يجوز صرفها من قبل الشخص نفسه، وصرفها من قبل ولي الأمر، ولا ينبغي للمسلم أن يتحرج إذا صرفت الزكاة من قبل أهل الحسبة الذين يعينهم ولي الأمر أو من قبل الجهات المعنية التي تتولى هذا الأمر، فإذا أدى المسلم زكاته من خلال الجهات المعنية فقد برئت ذمته ولا يسأل عما يكون بعد ذلك، ومن أداها بنفسه استقلالاً برئت ذمته، ومن أدى بعضها على هذا الوجه وبعضها على هذا الوجه فكل ذلك جائز، وهو من المناهج التي تميز أهل السنة عن غيرهم. كثير من أهل الأهواء والبدع لا يجيزون صرف الزكاة من خلال ولاة الأمر أو من خلال السلطان، وهذا راجع إلى أنهم لا يعتقدون للسلطان بيعة ولا يعتقدون له ولاية، كالرافضة وكثير من الخوارج وبعض فرق المعتزلة والجهمية وسائر الفرق ما عدا المرجئة فيما يظهر لي، فإن أكثر الفرق لا تعتقد ولاية السلطان ما دام من أهل السنة والجماعة، ولذلك قد لا تؤدي الزكاة إلا من باب المجاملة لا تديناً، وربما يؤدي بعضهم الزكاة للإمام ويصرفها احتياطاً كما تفعل الرافضة من باب التقية، والله أعلم.

стр. 143

الأسئلة

стр. 144

حكم من أنكر الرؤية متأولاً السؤال إن من أنكر الرؤية فهو كافر فهل يدخل في ذلك المؤولة الذين قصدوا من ذلك تنزيه الرب تعالى مثل بعض الأشاعرة؟ الجواب الأشاعرة ما أنكروا الرؤية، لكنهم أثبتوها إثباتاً فيه نوع بدعة، قالوا: يرى إلى غير جهة، فهم يعتقدون الرؤية، ولا أعرف في الرؤية مؤولاً، ليس فيها إلا مثبتة ونافية؛ لكن بعض المثبتة عندهم نوع من الابتداع في إثبات الرؤية وهو إثبات الرؤية إلى غير جهة هروباً من إثبات العلو الذاتي والاستواء والفوقية، وهروباً من إثبات الصفة الفعلية والذاتية فقط، وإلا فالأشاعرة يثبتون الرؤية.

стр. 145

شرح السنة [١١] أول واجب على المكلف هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبذلك يدخل في الإسلام، وهذا هو أول الإسلام خلافاً لمن زعم غير ذلك، كما يجب على المكلف أن يؤمن بجميع الشرائع السماوية، وأن الرسول قد أخبر بأن هذه الأمة ستفترق كما افترقت غيرها من الأمم، فيلزم طريق أهل السنة والجماعة حتى يكون من الفرقة الناجية المنصورة.

стр. 146

أول الإسلام وأول واجب على المكلف قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [واعلم أن أول الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن ما قال الله كما قال ولا خلف لما قال، وهو عند ما قال]. في هذه الفقرة يشير المؤلف إلى الأصل عند السلف وإلى تخطئة المخالفين؛ لأن قوله: (أول الإسلام) فيه إشارة واضحة إلى الرد على الذين قالوا: بأن أول واجب على العبد وأن مفتاح الدخول إلى الإسلام هو النظر أي: في وجود الله ووحدانيته وأسمائه وصفاته كما يقول المتكلمون ومن سلك سبيلهم، فهو يقرر الحق الذي ورد في الكتاب والسنة والذي كان عليه سلف هذه الأمة، وهو أن أول الإسلام هو تسليم القلب واللسان والجوارح لله، ويتمثل ذلك بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهو أول واجب على العبد. أما من زعم غير ذلك فقد أخطأ؛ لأن المتكلمين الذين زعموا أن أول واجب على المكلف هو النظر ألجئوا الناس إلى ما لا يطيقون؛ لأن المقصود بالنظر هو استقلال العقل بمعرفة ما يرضي الله ، وهذا لا يمكن أن يكون؛ لأنه ليس المقصود في قول أهل السنة إن أول الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله النظر في وجود الله ووحدانيته وأسمائه وصفاته على سبيل العموم بما اقتضاه العقل. ليس هذا هو المقصود؛ لأن هذا أمر فطري، إنما المقصود والمطلوب من العباد هو التسليم لله والإذعان له، ثم التسليم للرسول ﷺ وأن يطاع فيما جاء به عن الله ثم ما بعد ذلك يعتبر متضمناً في الشهادة. وما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته فلا شك أنه مطلوب من العباد، وهو أول أركان الإيمان ومقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، لكن ذلك على جهة التفصيل لا يمكن للعبد أن يصل إليه بالنظر الذي هو التفكير أو بالقصد إلى النظر، فإن الله قد كفانا ذلك، فقد ذكر الله وذكر رسوله ﷺ كل ما يتعلق بالله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على جهة التفصيل، مما جعلنا لا نحتاج إلى أن نلجئ عقولنا للخوض فيما لا تدرك ولا تطيق، ولأن هذه الأمور متعلقة بأمور الغيب، والعقل لا يدرك إلا الإجماليات التي لا يتحقق بها رضا الله ولا تتحقق بها عبادته؛ لأن الإدراك الإجمالي موجود عند المسلمين كما هو موجود عند غير المسلمين، أعني الإدراك الإجمالي لوجود الله ووحدانيته وتفرده بالخلق والرزق، فقد ذكر الله لنا أن المشركين ليس عندهم في ذلك مشكلة. إذاً: فلا يصح ما يقوله أهل الأهواء من أن أول واجب على العبد النظر، أو أن أول الإسلام هو التفكير في وجود الله ووحدانيته إلى آخره فإن هذه الأمور قد كفيناها فلم يبق علينا إلا العمل وتحقيق الألوهية لله سبحانه، ولاشك أن ذلك يستلزم الإقرار بالربوبية يتضمنه، ويتضمن الإقرار بأسماء الله وصفاته وأفعاله وبكل ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ جملة وتفصيلاً، والتسليم بذلك بلا نقاش ولا دخول فيما لا تدركه العقول. قوله: (وأن ما قال الله كما قال) قصده أن ما قال الله في أمور الدين وبخاصة ما يتعلق بأمور الاعتقاد في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله هو كما قال الله وما قاله رسوله ﷺ فهو كما قال؛ أي أنه حق على حقيقته وليس مجرد تخييلات أو أمثلة، ولا كما يقول المتكلمون أيضاً أنه أمور عنى الله بها غير ما جاءت ألفاظ الشرع به. قوله: (ولا خلف لما قال) خاصة فيما يتعلق بالخبر والوعد؛ لأن الله لا يقول إلا الحق وقوله الصدق. قوله: (وهو عند ما قال) تفسير لما سبق، يعني: أن كل ما ورد عن الله حق كما قال وعندما قال.

стр. 147

الإيمان بالشرائع قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بالشرائع كلها]. الشرائع تتضمن عدة معان: المعنى الأول: الشرائع بمعناها العام، وهي شرائع الأنبياء بما فيها شريعة النبي ﷺ فنحن مكلفون بأن نؤمن بأن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب، وأن هذه الكتب تضمنت الشرائع التي جعلها الله هدى للبشر. ويدخل في هذا الإيمان بشريعة النبي ﷺ على وجه الخصوص. فللشرائع معنيان: الأول: الشرائع العامة التي جاء بها الأنبياء لابد أن نؤمن بها لكن لسنا ملزمين بأن نبحث عما قاله الأنبياء قبل النبي ﷺ ؛ لأن ذلك قد نسخ ودخله التحريف، لكننا نجزم بأن الرسل بلغوا شرائع الله وأن الأمم كانت مكلفة بأن تعمل بها قبل أن تنسخ، وهذا داخل في ركن الإيمان بالكتب. والمعنى الثاني للشرائع هو شرائع الإسلام التي فيها أحكام الحلال والحرام والأخلاق والتعامل بين الناس، ومن الشرائع التي يجب الأخذ بما صح منها عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ فكل ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع لابد من الأخذ به، سواء كان قولاً أو فعلاً أو تقريراً.

стр. 148

البيع والشراء في أسواق المسلمين قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن الشراء والبيع في أسواق المسلمين حلال على ما بيع على حكم الكتاب والإسلام والسنة من غير أن يدخله تغرير أو ظلم أو جور أو غدر أو خلاف للقرآن أو خلاف للعلم]. في هذه القاعدة يبدو لي أن الشيخ سار على ما ذكرت لكم في الدرس الماضي من أن السلف أحياناً ينوهون بالأحكام؛ لكن يكون سبب التنويه عنها خللاً وجد في وقتهم من بعض الفرق أو بعض أهل الزيغ أو بعض أهل البدع والأهواء، فيبدو لي أن الشيخ هنا يشير إلى مذاهب بعض العباد والنساك والصوفية الذين تعبدوا بترك البيع والشراء وهجر الصفق في الأسواق الذي هو البيع والشراء على ما أحله الله . هناك طوائف منها فرق ومنها أفراد زعمت أن ترك الدنيا وترك الكسب هو الأصل، وأن الكسب كله مضيعة للوقت وفساد للدين والعقيدة، بعضهم يتعبد بذلك كما فعل العباد الأوائل الذين صاروا بذور الصوفية خاصة في القرن الثاني والثالث قبل أن تظهر الطرق فكثير من العباد نزعوا إلى ما يشبه تحريم البيع والشراء أو التعبد بترك هذه الأمور والنهي عنها، وهذا لا يجوز؛ لأن البيع والشراء مما أباحه الله ولا تستقيم حياة المسلمين عموماً وخصوصاً إلا بذلك. ونجد أفاضل الأمة أئمة الهدى الكبار لم يتورعوا عن البيع والشراء وإن كان بعضهم قد انشغل بالعلم والدعوة عن البيع والشراء؛ وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يبيعون ويشترون ويذهبون إلى الأسواق ويتكسبون بأيديهم، ولم يكن ذلك نقصاً في دينهم ولا في كونهم قدوة بل هم أفضل الأمة بعد النبي ﷺ . قوله: (حلال على ما بيع على حكم الكتاب والإسلام والسنة) لا أدري لماذا هذا التركيب!

стр. 149

الخوف والرجاء قال رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك ألله أنه ينبغي للعبد أن تصحبه الشفقة أبداً ما صحب الدنيا؛ لأنه لا يدري علام يموت وبم يختم له وعلام يلقى الله ؟ وإن عمل كل عمل من الخير، وينبغي للرجل المسرف على نفسه ألا يقطع رجاءه من الله تعالى عند الموت، ويحسن ظنه بالله ﵎ ويخاف ذنوبه، فإن ﵀ فبفضل وإن عذبه فبذنب]. الأصل في الكتاب والسنة والذي عليه سلف الأمة أن المسلم في أحواله القلبية يجب أن تقوم عبادته وتعبده لله على الأركان العبادة الثلاثة وما يتفرع عنها: على الحب: أي حب الله ، حب التعظيم والتقديس الذي لا يليق إلا بالله سبحانه. ثم الرجاء: وهو قبل الخوف بمقتضى عموم النصوص؛ لكن لا يعني أنه يغلب الرجاء لكنه مقدم قبله؛ لأن الرجاء هو الأصل. ثم الخوف؛ هذه الأركان لابد أن تستوي عند المسلم في العبادة وأن تكون كلها موجودة. لكن أحياناً تقتضي الحال أن يغلب شيئاً على شيء، أما الحب فينبغي أن يكون على ميزان واحد، بمعنى أن يحب الله الحب الكامل، لكن الرجاء والخوف قد تقتضي الحال تغليب أحدهما على الآخر، فمثلاً: الإنسان المسرف على نفسه المنهمك في المعاصي، الغافل عن ذكر الله، ينبغي أن نغلب عليه في الوعظ جانب الخوف؛ لأن هذا يردعه ويرده عن غيه. وإذا كان عكس ذلك فينبغي أن يغلب جانب الرجاء، خاصة إذا كان في حال المرض الشديد أو عند الموت، فينبغي أن نستبعد في تذكير المريض المسلم جانب الخوف؛ لأنه قد يؤدي به الأمر إلى اليأس في لحظات النزع، وهذا خطير على المسلم، فهو في هذه اللحظة بحاجة أن يبشر بوعد الله ، وأن يغلب عنده جانب الرجاء؛ لأنه في حال لا يمكن فيها عمل. وما عدا ذلك من الأحوال العادية ينبغي أن نوازن بين الخوف والرجاء بدون أن يكون هناك تمييز. أيضاً المسرف على نفسه قد يجوز أن نغلب عنده جانب الرجاء إذا وجدنا في قلبه رقة، أما إذا كان عنده قسوة فينبغي أن يغلب جانب الوعيد وجانب التخويف بالله والخشية؛ لأن هذا يردعه.

стр. 150

افتراق الأمة وظهور الفرق قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الله ﵎ أطلع نبيه ﷺ على ما يكون في أمته إلى يوم القيامة. واعلم أن رسول الله ﷺ قال: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي). وهكذا كان الدين إلى خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وهكذا كان في زمن عثمان، فلما قتل عثمان ﵁ جاء الاختلاف والبدع وصار الناس أحزاباً وصاروا فرقاً، فمن الناس من ثبت على الحق عند أول تغير وقال به وعمل به ودعا الناس إليه. فكان الأمر مستقيماً حتى كانت الطبقة الرابعة في خلافة بني فلان انقلب الزمان وتغير الناس جداً، وفشت البدع، وكثر الدعاة إلى غير سبيل الحق والجماعة، ووقعت المحنة في كل شيء لم يتكلم به رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ودعوا إلى الفرقة، ونهى رسول الله ﷺ عن الفرقة، وكفّر بعضهم بعضاً، وكل دعا إلى رأيه وإلى تكفير من خالفه، فضّل الجُهّال والرعاع ومن لا علم له، وأطمعوا الناس في شيء من أمر الدنيا، وخوّفوهم عقاب الدنيا، فاتبعهم الخلق على خوف في دنياهم ورغبة في دنياهم، فصارت السنة وأهل السنة مكتومين، وظهرت البدعة وفشت، وكفروا من حيث لا يعلمون من وجوه شتى ووضعوا القياس، وحملوا قدرة الرب وآياته وأحكامه وأمره ونهيه على عقولهم وآرائهم، فما وافق عقولهم قبلوه وما خالف عقولهم ردوه، فصار الإسلام غريباً، والسنة غريبة، وأهل السنة غرباء في جوف ديارهم].

стр. 151

معنى حديث الافتراق ودرجته من الصحة والضعف في هذه الفقرة الشيخ أشار إلى شيء من الأمور المتعلقة بالافتراق والابتداع، وأحوال السنة وأهل البدعة، وفي هذا عدة وقفات ينبغي أن نتأملها قليلاً: الوقفة الأولى: عند قوله: (واعلم أن رسول الله ﷺ قال: (ستفترق أمتي)) هذا الحديث معلوم ومستفيض، والحديث صحيح بمجموع طرقه وشهدت له أحاديث صحيحة أيضاً بألفاظ أخرى، ومن هنا ينبغي أن ننبه إلى خطأ بعض الذين يتناولون هذه القضية وهم يجهلون أحاديث الرسول ﷺ مثل كثير من العصرانيين والعقلانيين، وبعض الدعاة الذين يقل فقههم في الدين، فيزعمون أن حديث الافتراق لا يثبت، هؤلاء خلطوا بين أمرين: خلطوا بين حديث الافتراق الذي فيه ذكر الثلاث والسبعين، وبين حديث الإخبار عن الافتراق، فجعلوهما سواء فزعموا أن الإخبار عن الافتراق لا يصح، مع أن هذه مكابرة للواقع فضلاً عن أنها أيضاً مخالفة صريحة للشرع، فإن النبي ﷺ ذكر الافتراق في أحاديث كثيرة، مثل قوله ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع) وليس المقصود سننهم على الهدى، المقصود سننهم على الضلال. وكذلك قول النبي ﷺ : (لتأخذن أمتي مأخذ القرون)، أي الأمم السالفة التي مضت، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة المتواترة التي تثبت أن الافتراق واقع وأن النبي ﷺ أخبر به، وخبره الصدق والحق. أما حديث الافتراق الذي فيه ذكر الثلاث والسبعين فرقة فهو أيضاً مستفيض ومشهور، والواقع يشهد له؛ فإن الأمة افترقت إلى هذا العدد، وربما تفرّع عن هذا العدد أعداد أخرى، ولذلك فإن أهل العلم حين ذكروا حديث الافتراق وقالوا إن الافتراق يزيد على ثلاثة وسبعين، قالوا: إن المقصود به الافتراق الذي يكون في أصول، ويكون له رءوس، وتكون له جماعات ذات شعارات وذات مناهج فإنه هذا الوصف هو الذي به توصف الجماعة بأنها مفارقة، أما الحالات الفردية، والنزعات التي تزول فهذه لم يبق لها أثر. وعندما نتأمل تاريخ الأمة نجد أنها افترقت إلى مثل هذا العدد أو إلى قريب منه، ثم إن النبي ﷺ في هذا أشار إلى أمرين لا بد أن نعيهما جيداً لئلا نقع فيما وقع فيه بعض الناس من الإفراط والتفريط، فبعض الناس أخذ بمبدأ الإفراط فصار عنده شيء من اليأس، أو صار عنده شيء من عدم الوضوح وظن أن الحق ضاع، وأن الحق لا يتميز، كما قال عبد الرحمن بدوي وأمثاله يقول: كل يدّعي الحق حتى المعتزلة يقولون: نحن الجماعة التي ذكرها النبي ﷺ في الحديث! فالشاهد أن هناك أناساً ما استطاعوا أن يجمعوا بين هذا الحديث وأحاديث أخرى تُثبت أنه مع وجود هذا الافتراق لا بد أن توجد فرقة ناجية، وأن هذه الفرقة هي الجماعة، وأن هذه الجماعة موصوفة بأنها على ما كان عليه النبي ﷺ وصحابته، وأنها أيضاً ضُمن لها البقاء والظهور: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم إلى أن تقوم الساعة). فهذا وعد يبعث الأمل عند المسلم ويجعله يجزم بأن الحق محفوظ والدين ظاهر كما وعد الله، ولا بد أن يكون له من يمثله وهم القدوات من أهل العلم وأتباعهم. ثم أشار الشيخ إلى الخلاف بعد خلافة عمر، وهو من الابتلاء الذي كتبه الله على الأمة، وأمر مضى وانقضى، لا بد أن يكون مما قدره الله وما قدّره الله ليس لنا فيه يد إلا أن نعرف أن ذلك كله ابتلاء للأمة واختبار لمن يسلم ومن يهلك، وأن الابتداع ازداد ما بين وقت وآخر لا شك، وأن التغيير بدأ في الفتنة على عثمان ﵁، وهذه المسألة فيها دروس عظيمة لا يتسع لها الوقت وربما تأتي في مناسبات قادمة.

стр. 152

استقامة الناس على السنة في صدر الإسلام حتى جاءت الطبقة الرابعة ثم ذكر أن الأمر لا يزال مستقيماً، أي في الجملة، صحيح أن الخوارج ظهرت في الثلث الأول من القرن الأول، وظهرت الشيعة ثم الرافضة والقدرية والمرجئة في القرن الأول أيضاً، فهذه أربع فرق كبرى ظهرت في القرن الأول، لكنها مع ذلك كانت مغمورة محاربة، وكان عوارها واضحاً يحذر منها العلماء، وليس عند الناس فيها غبش أو إشكال، وكانت تعامل بشيء من الهجر والتضييق؛ لأن الأمة كلها كانت على مذهب السلف. قوله: (إلى أن جاءت الطبقة الرابعة)، وأنا لا أدري ماذا يقصد بالطبقة الرابعة، هل هو على اصطلاح المحدثين أو على اصطلاح المؤرخين، أو على اصطلاح عامة العلماء، لكن يظهر لي أنه يقصد خلافة بني العباس، بقوله: (خلافة بني فلان)، وربما يقصد خلافة بني مروان في منتصف القرن الأول الهجري، وكل هذا وارد، لكن الوصف الذي قاله ينطبق على خلافة بني العباس -خاصة بعد هارون الرشيد في القرن الثالث الهجري- أكثر مما ينطبق على غيره، ويتوافق مع مفهوم الطبقة الرابعة عند كثير من أهل العلم.

стр. 153

فشو البدع في عهد المأمون وكتمان السنن قوله: (تغيّر الناس جداً وفشت البدع)، والبدع مع وجودها لم تفش فشواً ظاهراً ويُبتلى بها الناس إلا في القرن الثالث الهجري، يعني في عهد المأمون وما بعده، لأن المأمون فتح المجال للبدع ونصرها، فنصر مذهب الجهمية والشيعة، حتى أن بعض البدع العملية التي لم تكن تعرف عند الخوارج والشيعة، ولا عند المرجئة ولا القدرية، ما أظهرها إلا المأمون، بمعنى أنه تنفست الفرق التي كانت تعمل ببدعها سراً فأظهرتها، بل صدرت بعض التعليمات من الخلافة في تأييد بعض البدع مثل الذكر الجماعي بعد الصلاة، وإعلانها على الملأ، وجعلها من الرسميات في بعض الجوامع، فهذا ما قصده المؤلف هنا بفشو البدع، أي بدع الأذكار والأعمال والعقائد وكثرة الدعاة إلى غير سبيل الحق؛ لأن الجهمية والمعتزلة وسائر الفرق بدأت تظهر أعناقها وترفع راياتها وتستجلب الناس أو تتنافس عليهم، ووقعت المحن وعلى رأسها محنة القول بخلق القرآن، محنة الجهمية والمعتزلة، ومحنة الرافضة، وفي هذا الوقت كفّر الناس بعضهم بعضاً، واستهووا الجهّال والرعاع أكثر من ذي قبل، وأطمعوا الناس في أمور الدنيا بالترغيب والترهيب، حصل هذا بشكل واضح أيام المأمون حينما كانت وزارة الدولة بأيدي الجهمية والمعتزلة كـ ابن أبي دؤاد وأمثاله. ثم قال بعد ذلك: (فصارت السنة وأهلها مكتومين)، يقصد بهذا أيضاً وقت المحنة. (وظهرت البدعة وفشت، وكفروا من حيث لا يعلمون من وجوه شتى، ووضعوا القياس)، هنا أشار إلى مناهج أهل الأهواء واختلال مصادر التلقي عندهم، ومن مناهجهم تكفير المخالفين لهم والتكفير بغير علم، ومن مناهجهم وضع القياس في العقيدة، أي: قياس الشاهد على الغائب، وقياس عقائد المسلمين على عقائد الفلاسفة واليونان والمجوس والصابئة واليهود والنصارى. ثم قال: (وحملوا قدرة الرب)، ويقصد بها عموم الصفات (وآياته وأحكامه وأمره ونهيه على عقولهم وآرائهم)، يعني: أخذوا يقررون الدين بعقولهم، فيقررون العقيدة بما فيها ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بمجرد العقول والآراء، فما وافق عقولهم قبلوه، وما خالف عقولهم ردوه، (فصار الإسلام غريباً، والسنة غريبة، وأهل السنة غرباء في جوف ديارهم). والغربة نسبية، فهي غربة عن موقع الصدارة ليست غربة عن الوجود، فقد كان السلف رغم وجود الأهواء إلى بداية القرن الثالث هم أهل الصدارة وهم أهل الحل والعقد، وكان كل شيء بأيديهم حتى السلطان، فكانوا أعزّة، وكانوا أقوياء، وكانت الجماعة محفوظة والسنة ظاهرة مشهورة، وعامة المسلمين على السنة لا يخرجون عن أهل العلم قيد شعرة، حتى جاءت هذه الفتنة ففتنت الناس حتى العامة، صار عندهم اختلاط في العقائد، وفُتن الرعاع الجهّال كما قال الشيخ، ومن هنا ظهرت الغربة في جوف ديار الإسلام -غربة الصدارة- وصارت الصدارة لأهل الأهواء حتى انجلت الفتنة على يد إمام السنة الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وقيّض الله المتوكل وبعض الخلفاء الذين جاءوا بعده، فأعادوا للسنة هيبتها وقوتها من جديد، لكن بعدما وجد الجرح المنكي في الأمة وإلى اليوم، وحسبنا الله ونعم الوكيل!

стр. 154

شرح السنة [١٢] أهل السنة والجماعة يحرمون المتعة كما حرمها الله ورسوله إلى يوم القيامة، ويعرفون لكل ذي فضل فضله، فيعرفون لبني هاشم فضلهم وقرابتهم من الرسول، وكذلك غيرهم من المهاجرين والأنصار وقريش وأهل المدينة وسائر من له فضل وقدم في الدين، ولم يزالوا يردون على المخالف من أهل البدع كالجهمية وسائر الفرق الضالة، حتى لا تنفق عقائدهم وتروج بين المسلمين.

стр. 155

تحريم نكاح المتعة قال البربهاري رحمه الله تعالى: [واعلم أن المتعة متعة النساء والاستحلال حرام إلى يوم القيامة]. يشير الشيخ إلى مذهب الرافضة الذين يجيزون المتعة وهو الزواج المؤقت المشروط، وهي أن يكون الزواج بين الطرفين مقصوداً به المتعة المؤقتة بوقت، وهذا تحايل على الزنا نسأل الله العافية. ولا يدخل فيه الزواج بنية الطلاق، وإن كان قد يشبهه من بعض الوجوه، لكن الزواج بنية الطلاق ليس فيه شرط بين الطرفين ولا من أحد الطرفين، وإذا وجد شرط الطلاق فإنه يلحق بالمتعة، فعلى هذا فإن زواج المتعة هو الزواج الذي يكون فيه توقيت بين الطرفين على أن ينتهي بساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين أو شهر، فهذا حيلة على الزنا، أما الزواج بنية الطلاق فهذا أمر راجع إلى نية الزوج، وليس فيه شرط ظاهر، ولذا فإنه من المعلوم أن من يتزوج بنية الطلاق قد يرغب ولا يطلق وليس ملزماً بالطلاق أيضاً، وإن كان في الأمر شيء من حيث كونه قد يضر بالطرف الآخر وهو المرأة، فهذا الإضرار إذا كان متعمداً من الزوج فهو إثم بحد ذاته، لكن لا دخل له بأصل العقد.

стр. 156

حقوق بني هاشم وقريش والأنصار والعرب قال رحمه الله تعالى: [واعرف لبني هاشم فضلهم لقرابتهم من رسول الله ﷺ ، وتعرف فضل قريش والعرب وجميع الأفخاذ، فاعرف قدرهم وحقوقهم في الإسلام، ومولى القوم منهم، وتعرف لسائر الناس حقهم في الإسلام، واعرف فضل الأنصار ووصية رسول الله ﷺ فيهم، وآل الرسول فلا تنساهم، واعرف فضلهم وكراماتهم، وجيرانهم من أهل المدينة فاعرف فضلهم]. هذا أيضا ما يتعلق بحقوق العباد فيما بينهم، وهي تتدرج، فمنها ما هو عام ومنها ما هو خاص ومنها ما هو أخص، فكما نعرف أن لكل مسلم على أخيه المسلم حقاً، وأن للعلماء حقاً وللولاة حقاً على عموم المسلمين، فكذلك هناك حقوق أخص لفئات من المسلمين نوه الله بحقوقهم وأوصى بذلك رسول الله ﷺ . وأول حق للعباد يجب على الجميع هو حق رسول الله ﷺ ، ولذلك ورد في الحديث الصحيح أنه لا يصح إيمان المسلم حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه ومن ولده والناس أجمعين. ثم قرابة رسول الله ﷺ أيضاً لهم حق خاص، وهم بنو هاشم. ثم أيضاً قريش كلها، فقد ورد في أحاديث صحيحة أن قريشاً أفضل العرب، وأفضل قريش بني هاشم، وأفضل بني هاشم محمد ﷺ ، وهذه الحقوق لا بد أن يكون لها اعتبارها. وقال: (وجميع الأفخاذ)، يعني أفخاذ قريش، والعرب أيضاً وأفخاذ العرب؛ لأن العرب لهم مزيد فضل عن بقية الأمم، وهذا الفضل يؤخذ من عموم النصوص، لكن ذلك لا يعني العصبية، إنما يعني فضل الاصطفاء الذي ذكر فيه النبي ﷺ أن الله اصطفى من الأمم خيرها وهم العرب، ومن العرب خيرها وهم قريش، ومن قريش خيرها وهم بنو هاشم، ومن بني هاشم خيرها وهو النبي ﷺ ، فالعرب هم أفضل الأمم من مقتضى عموم كثير من النصوص، فلا بد أن يُعرف لهم قدرهم لكن ذلك كما قلت مشروط بتمسكهم بدين الله . قوله: (فاعرف قدرهم وحقوقهم في الإسلام)، أي: أما إذا خرجوا من الإسلام فلا حق لهم. قوله: (ومولى القوم منهم). المولى يُطلق على صنفين: الصنف الأول هم الرقيق، سواء كانوا في الرق أو تحرروا من الرق فإنهم يعتبرون موالي، ولولايتهم لسادتهم تبعات وعلى سادتهم تبعات، فالمولى يلحق سادته في جملة الحقوق وليس في جميعها فإنه لا يلحق بهم بالنسب مثلاً. الصنف الثاني من الموالي الأحلاف بين قبائل العرب، وهذا يحدث كثيراً حيث تحالف قبيلة القبيلة الأخرى فتصيران تحت اسم واحد أحياناً، ولذلك نجد كثيراً من قبائل العرب تتشكل من مجموعات من العرب فتتسمى باسم جديد أو تحت شعار جديد، وهذا لا حرج فيه. قال: (وتعرف لسائر الناس حقهم في الإسلام)، هذا الحق العام كما ذكرت. ثم قال: (واعرف فضل الأنصار)، وهذا على سبيل التمثيل وإلا فالمهاجرون أفضل من غيرهم في الجملة، لكن الأنصار هم الذين آووا الرسول ﷺ وآووا المهاجرين. (واعرف فضل الأنصار ووصية رسول الله ﷺ فيهم، وآل الرسول ﷺ فلا تنساهم، واعرف فضلهم وكراماتهم)، المقصود هنا بالكرامات معنيان: المعنى الأول ما أكرمهم الله به من الفضل، وهذا هو الظاهر، وقد يعني بذلك النوع الثاني وهو الكرامات التي يكرم الله بها بعض عباده، قد تكون في آل البيت عند بعض الناس أكثر أو أظهر، والله أعلم. ثم ذكر: (وجيرانهم من أهل المدينة فاعرف فضلهم)؛ لأنهم يشملهم فضل أهل المدينة، والنبي ﷺ نوه بفضلهم ودعا لهم في أكثر من مرة، وقربهم من الرسول ﷺ وصحبتهم له جعلتهم أقرب من غيرهم.

стр. 157

الرد على المخالف لمنهج أهل السنة قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية حتى كان في خلافة بني فلان، تكلم الرويبضة في أمر العامة، وطعنوا على آثار رسول الله ﷺ ، وأخذوا بالقياس والرأي، وكفّروا من خالفهم، فدخل في قولهم الجاهل والمغفل والذي لا علم له حتى كفروا من حيث لا يعلمون، فهلكت الأمة من وجوه، وكفرت من وجوه، وتزندقت من وجوه، وضلت من وجوه، وتفرقت وابتدعت من وجوه إلا من ثبت على قول رسول الله ﷺ وأمره وأمر أصحابه، ولم يخطئ أحداً منهم ولم يجاوز أمرهم ووسعه ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم، وعلم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح فقلدهم دينه واستراح، وعلم أن الدين إنما هو بالتقليد، والتقليد لأصحاب محمد ﷺ ]. قوله: (واعلم أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية)، يشير بذلك إلى منهج وأصل وغاية من غايات الدين، عمل به السلف حتى صار من سماتهم ومن أصولهم ومناهجهم الكبرى، وهو الرد على المخالف، ونظراً لأن أشد المخالفين وأكثرهم فتنة وأعمهم بلوى هم الجهمية فذكرهم هنا بالاسم، ولأن السلف اجتمعت قواهم واحتشدت على الجهمية. كثير من السلف قد لا يكون له كثير كلام في الأهواء والبدع والفرق، وكثير من السلف لم يتعرض للرد لكنهم فيما يتعلق بالجهمية أسهموا بذلك، حتى من لم يعرف عنه الاهتمام بهذه المواقف، لأن أصول الجهمية أصول لعامة أهل الأهواء الذين جاءوا بعدهم، والعجيب أن جميع الفرق التي فارقت أهل السنة والجماعة أخذت بأصل أو أكثر من أصول الجهمية، مما يدل على عموم البلوى بالجهمية، وأن السلف حينما احتشدت جهودهم ضد هذه الفرقة فذلك لأنهم عرفوا أصولها الفاسدة وتمويهاتها على الأمة، وعرفوا أيضاً مخاطر أصول الجهمية على الأمة، فالجهمية هم أشد الفرق على الأمة وأكثرها تمويهاً وتلبيساً على الناس. ثم قال: (حتى كان في خلافة بني فلان تكلم الرويبضة في أمر العامة)، يظهر لي أن هذا لم يحدث إلا في عهد بني العباس وليس في أوله، إنما في القرن الثالث في عهد المأمون وما بعده، أما قبل ذلك فرغم ما حصل من ظهور أوائل الفرق الكلامية إلا أنه لم يحدث أن تكلم الرويبضة -وهو الإنسان التافه الحقير- باسم الدين وباسم الأمة، أي: رغم وجود الفرق في عهد بني أمية وأول دولة بني العباس إلا أن السلطة كانت قوية حازمة ضد الأهواء، وكانت أيدي السلاطين بأيدي العلماء ضد جميع الفرق، فلما كان في عهد المأمون توجه المأمون لتأثره بالجهمية والمعتزلة إلى التنفيس للفرق، وإتاحة الفرصة لها لتخرج أعناقها وترفع رايتها، بل إنه أيدها وعمل أعمالاً هي في سبيل الافتراق، فأذن بسب بعض الصحابة كـ معاوية ﵁ علناً، بل أمر به، وأمر بإحداث بعض البدع في المساجد كبدعة الذكر الجماعي، ونصر الجهمية في القول بخلق القرآن، وأرغم الأمة عليها، ومن هنا تكلمت الرويبضة، وهو الرجل التافه الحقير، والذي يتمثل بكثير ممن انطووا تحت لواء الجهمية والمعتزلة من عشاق الشهرة وأهل الأهواء. ثم قال: (وطعنوا على آثار رسول الله ﷺ وهذا مما يدل على أنه قصد الجهمية والمعتزلة، فإن الفرق التي سبقت كان لها منهج منحرف وضال في نظرتها لآثار رسول الله ﷺ ، لكنها لم تجرؤ على الطعن في النصوص، ولم يجرؤ على رد الأحاديث إلا المعتزلة والجهمية. (وأخذوا بالقياس والرأي) يعني في أمور العقيدة وأصول الدين، لأنا نعرف أن القياس والرأي إذا كان في الاجتهاديات فهو جائز بالضوابط الشرعية، بل الأصل في العالم والمجتهد أنه يقيس مسألة على مسألة ترجع إلى دليل، وكذلك يبدي رأيه في الاستدلال والترجيح، فهذا ليس هو المقصود هنا، إنما المقصود بالقياس والرأي المذموم ما كان في أصول الدين والعقيدة، لأنها توقيفية غيبية لا يعلمها إلا الله .

стр. 158

التكفير من سمات أهل الأهواء (وكفّروا من خالفهم)، أكثر من كفّر من خالفهم أهل الأهواء قديماً وحديثاً، أولهم الخوارج والسبئية والمرجئة والقدرية والمعتزلة والجهمية وسواهم كل هؤلاء تكفيرهم لمن خالفهم أكثر مما يظن كثير من الناس من أنهم أهل تسامح في الرأي، والعجيب أن الجهمية والمعتزلة تدّعي أنها هي العقلانية وأنها تنصر حرية الرأي، وحينما نجد منهجها وتعاملها مع الآخرين نجدها أشد الفرق حجراً على رأي الآخرين، ولذلك كفّروا من خالفهم في وجهة النظر حتى كفّر بعضهم بعضاً كما هو معروف. إذاً: فالتكفير من سماة أهل الأهواء، حتى المرجئة الذين يظن بعض الناس أن أصل شبهتهم التساهل في الأحكام، وأنهم لا يكفّرون غيرهم إلا أن المتأخرين منهم أكثر وقوعاً في التكفير من غيرهم. قوله: (فدخل في قولهم الجاهل والمغفل)؛ لأنهم يلبّسون على الناس، (والذي لا علم له)، يعني لأنهم جرئوا الجهال على القول في الدين، وهذا منهج لأهل الأهواء في كل زمان، ومع الأسف أن هذا المنهج ظهر في زماننا بشكل سافر وخطير ومزعج، فإن كثيراً من أصحاب الاتجاهات وأصحاب الأهواء الشخصية والجماعية، يطرحون قضايا الدين وقضايا الشرع ومصالح الأمة العظمى في المجالس العامة، ويثرثرون بها كما يتناولون قضايا الحياة العامة، ويجعل الدين كسائر التخصصات وكسائر الأمور، بل ربما يحترمون التخصصات العلمية الأخرى ولا يحترمون قضايا الشرع والدين، فيقولون على الله بغير علم، ويجرئون الناس على ذلك، فصار الناس بالتبع لهذه الفئة الذين يدّعون التحرر والثقافة والفكر يتناولون الدين بغي علم، ويتكلمون بما لا علم لهم به، وهذا منهج خطير ينبغي التنبه له. قال: (حتى كفروا من حيث لا يعلمون)، طبعاً كثير من الناس يقع في الكفر وهو لا يعلم لجهله (فهلكت الأمة من وجوه)، الهلكة هنا هي الوقوع في الفتنة؛ لأن أعظم ما يوقع الناس في الهلكة في دينهم ودنياهم الفتن، وأول الفتن الفتن في الدين، فإنها هي التي ينبثق عنها الفتن في الدنيا فالفتن في الدين والأخلاق هي الهادمة التي تهدم كيان الناس وأمنهم وتهدم مصالحهم من وجوه، ذكر هذه الوجوه. وقوله: (وكفرت من وجوه)؛ يقصد بذلك لما كثرت البدع والأهواء وقع الناس في الكفر من حيث أرادوا الإسلام، ووقعوا في البدعة من حيث يزعمون أنهم يريدون السنة، فكفرت كثير من الفرق وكفّروا كثيراً من الناس، لوقوعهم في أقوالهم الكفرية. (وتزندقت من وجوه)، يقصد بهذا الإشارة إلى وجود غلاة المرجئة والجهمية وغيرهم الذين أعرضوا عن الدين وتساهلوا فيه، حتى كان الدين عندهم مجرد معرفة القلب، فلما وجدت هذه النزعة بسبب الجهمية وجدت الزندقة وكثرت في الأمة؛ لأنهم أشاعوا في الناس أنه يكفي للمسلم أن يعرف ربه، وأنه إذا عرف ربه لم تنفعه طاعة بعد ذلك ولا تضره معصية، فمن هنا انفتح باب الزندقة، ولذلك نجد كثيراً من رءوس الجهمية زنادقة، فهم أهل تحلل في الدين وإعراض عن شرع الله ، وأهل تفسّخ ووقوع في شنائع الذنوب وكبائرها؛ لأنهم اعتقدوا أن الدين هو المعرفة فقط، ولذلك دخلت هذه العقيدة الخبيثة في كثير من الفرق التي تقمصت أصول الجهمية فيما بعد مثل طرق الصوفية التي تكثر فيها الزندقة باسم الدين، ويحصل فيها الفجور باسم الدين، والتفسّخ والتحلل من الأخلاق والأديان والعقائد باسم الدين. ثم قال: (وضلت من وجوه)، يعني ضلال الأهواء كما هو معروف. (وابتدعت من وجوه)، لعله يقصد بهذا البدع الظاهرة؛ لأنه ذكر البدع قبل ذلك، لكن ربما يقصد البدع الظاهرة التي بدأت تنتشر في وقته بشكل ذريع أكثر من ذي قبل، حيث انتشرت بدع الأقوال وبدع الأعمال وبدع العبادات القبورية، والمشاهد والآثار، والتوسل البدعي وهذا في جميع الفرق لا تتميز به فرقة عن أخرى، وإن كانت الطرق أكثر من غيرها في تسويق البدع الظاهرة. قال: (إلا من ثبت على قول رسول الله ﷺ وأمره وأمر أصحابه، ولم يخطئ أحداً منهم) وهم أهل السنة والجماعة، فإن أهل السنة والجماعة ثبتوا على سنة رسول الله ﷺ وعلى منهج الصحابة، ولم يخطئوا أحداً من الصحابة، والمقصود هنا بالتخطئة تخطئة التبديع، هذا معلوم، وإلا فكون الصحابة يخطئون في الاجتهاد أمر عادي، لكن الخطأ في الاجتهاد لا يُعد ذنباً ولا عيباً، ولا بدعة، بل هو سنة الله في خلقه، وهو من سمات هذا الدين الذي وسّع للناس في أمر الاجتهاد. فلا يقصد هنا التخطئة في الاجتهاديات، لكن تخطئة التبديع أو تحميلهم المسئولية أو اتهام النيات والقلوب، وهذا كله وقع فيه أهل الأهواء كلهم، ومن لم يقدح بأعيان الصحابة قدح في منهجهم في رواية الحديث، أو منهجهم في تطبيق قواعد الإسلام، أو منهجهم في تعامل بعضهم مع البعض. أقول وأنا موقن: إنه لا يوجد فرقة من الفرق إلا وقعت في أعراض الصحابة واتهمتهم بأي نوع من أنواع الاتهام، هذا لا أجد فيه استثناء. قال: (ولم يجاوز أمرهم) أي: أمر الصحابة، (ووسعه ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم، وعلم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح، والإيمان الصحيح، فقلدهم دي

стр. 159

الأسئلة

стр. 160

معنى قول المؤلف: (والاستحلال) السؤال ماذا يقصد بقوله في متعة النساء: والاستحلال؟ الجواب كأنه يشير أن ذلك استحلال للفروج، أي أنه كما قلت: تحايل على الزنا.

стр. 161

الفرقة الناجية هي الطائفة المنصورة السؤال هل هناك فرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة؟ الجواب الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هي وصف لأهل السنة والجماعة، وهم الطائفة الظاهرة المذكورة في حديث: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين). فالظهور معناه ظهور بالحق من خلال قدوات هذا معنى، وكونها منصورة لأن الله وعدهم بالنصر متى قاتلوا أو جاهدوا أو جادلوا بالحق. وكذلك هم الفرقة الناجية لأن الله جعل طريقهم هو سبيل النجاة، فهذه الأوصاف كل وصف له معنى، لكن كلها تنطبق على موصوف واحد، فلا مشاحة في ما يدور من خلاف في هذه الاصطلاحات؛ لأن كل ممن قال بهذه المعاني قصد معنى صحيحاً، فالذي فرّق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية لا يقصد أنهما فرقتان، لكن يقصد أن النصر له معنى، والنجاة لها معنى، وهذا صحيح، فهذه المسألة سهلة.

стр. 162

الداعية بين الاهتمام بمشكلات الواقع وأمور العقيدة السؤال كيف نتعامل مع المبتدعة؟ وما الرد على الاهتمام بالمشكلات الواقعة وترك الأهم وهي العقيدة؟ الجواب الداعي إلى الله ينبغي أن يدعو بما يستطيع وبحسب علمه، وكل له من القدرة والاستعداد ما ليس عند الآخر، لكن الدعوة كمنهج والداعية العالم الذي أعطاه الله كفاءة في العلم والقدرات لا ينبغي له أن يقدم على العقيدة شيئاً؛ لأن هذا هو منهج النبيين، لا بد في كل دعوة أن تبدأ بتصحيح العقيدة ونفي ما يضادها، ولا تغفل عن الجوانب الأخرى، فإنا نجد الأنبياء كلهم دعوا إلى توحيد الله واجتناب الطاغوت ونفي الشرك، وأكثرهم ممن ورد قصصهم في القرآن والسنة اهتموا بجوانب أخرى، فأحدهم مثلاً نهى عن بعض الجرائم الخلقية الموجودة في وقته مثل لوط، وبعضهم نهى عن التطفيف في الميزان، وبعضهم نهى عن البطر في العيش وكفر نعمة الله ؛ لأنها ظواهر في المجتمعات، لكن بدءوا بالتوحيد وما أغفلوا الجوانب الأخرى. فلذلك لا ينبغي لطلاب العلم أن يخلوا بهذا المنهج، فيقصروا الناس على شيء دون النظرة الشمولية أقول: إن الدعوات الكبار والدعاة الذين أعطاهم الله شمولية في التصور والمنهج يجب عليهم ألا يُغفلوا جانب التوحيد، وإذا أغفلوا جانب التوحيد والنهي عن الشرك والبدع اختلت دعوتهم، أما أفراد الناس فبعض الناس لا يستطيع أن يدعو إلى التوحيد، لكن يستطيع أن يعمل بعض أعمال البر، فهذا نعتبره داعياً إلى الله ولو لم يدع إلى التوحيد.

стр. 163

الفرق بين الشرعة والمنهاج السؤال قوله : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] ما الفرق بين الشرعة والمنهاج؟ الجواب الشرعة والمنهاج من الكلمات المترادفة التي لكل لفظة منها خصوصية، فالشرعة هي الشريعة وأحكام الحلال والحرام، والمنهاج قواعد الدين التي تحكم الاجتهاديات، فنحن نعرف أن الشريعة منها مفردات ومنها قواعد، فمن قواعد الدين مثلاً (إنما الأعمال بالنيات) هذه داخلة في المنهاج، (الدين النصيحة) داخلة في المنهاج، (لا ضرر ولا ضرار) داخلة في المنهاج، (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) فهذا من المنهاج، (كل محدثة بدعة) هذا من المنهاج، لكن تحريم النبي ﷺ لأشياء بعينها مثل تحريم الربا في نص هذا يعتبر داخلاً في الشرائع. فالتحريم والتحليل المباشر لأفعال معينة وأقوال معينة يعتبر شرعة، والقواعد التي تحكم الجزئيات تعتبر مناهج.

стр. 164

إجراء حقوق بني هاشم للأشراف السؤال هل الحقوق الواجبة لبني هاشم تجري على ما يسمونه في وقتنا الأشراف؟ الجواب الأشراف إذا ثبتت نسبهم إلى النبي ﷺ فالصالحون منهم لهم حق خاص، فينبغي أن يكون لهم اعتبار تطبّق فيه الأحكام في حقهم.

стр. 165

حكم الدعاء بـ (يا هاد يا دليل) السؤال هناك دعاء عند العوام: يا هاد يا دليل، فهل ورد وصف الله بالدليل؟ الجواب هذا الأمر في نظري مما يتسامح فيه؛ لأنه لا يقصد بالدليل الاسم أو الصفة، إنما يقصد الخبر عن الله ، فالدعاء بهذه الصورة لا أظن فيه حرجاً ما دام يقصد معنى الهادي، مثلما يقال: يا دليل الحائرين، يعني الذي يدل الحائرين، ولو لم يكن الدليل من أسماء الله أو من صفاته، فهذا مما يسع فيه الأمر؛ لأنه من باب الأخبار عن الله .

стр. 166

حكم الترحم على المبتدعة السؤال هل يترحم على من زلّت به قدمه بمثل هذه العقائد؟ الجواب وكأنه يقصد ما مر في الكتاب كالجهمية والمعتزلة، فالمسلم الذي يقع في بدعة غير مغلظة يترحم عليه، والمسلم الذي يقع في بدعة كفرية مغلظة أو من كبائر البدع التي قد تؤدي إلى الكفر، أو كان من ضمن الفرق التي اتفق السلف على أنها خارجة عن السنة في أصول كفرية، وإن لم يكفّروها كالمعتزلة فهؤلاء الأولى ألا يترحم عليهم ولا يدعى عليهم، فتبقى المسألة تحت مشيئة الله ، لأن الترحم عليهم وهم أهل بدع ظاهرين نوع من تأييد البدعة والترويج لها، فيكون ترك الترحم نوع من أنواع الهجر للبدعة وأهلها وإن كانوا أمواتاً، وإلا فهم باقون على أصل حقوقهم في الإسلام؛ لأن الفرق التي لم تخرج عن الملة وهي من الثنتين والسبعين كالمعتزلة والمرجئة والقدرية لهم حقوقهم في الإسلام، مثل أن يدفنوا في مقابر المسلمين ويصلى عليهم كحقوق سائر المسلمين، لكن الداعية منهم، أو المبتدع الذي يمارس بدعة ظاهرة فالأولى عدم الترحم عليه لئلا يكون ذلك وسيلة إلى ترويج بدعته للناس، فهو من باب الهجر، والله أعلم.

стр. 167

شرح السنة [١٣] الجهمية فرقة ضالة منحرفة، أرادوا هدم الدين وإفساد عقائد المسلمين بما ابتدعوه من عقائد ضالة كفرية، كقولهم بخلق القرآن، والتعطيل المطلق، وتكفير المسلمين، وإنكار ورد آيات الكتاب وأحاديث الرسول، وغير ذلك من أصولهم التي خرجوا بها عن الدين فضلوا وأضلوا.

стр. 168

حكم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق قال الإمام أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [واعلم أن من قال لفظه بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن سكت فلم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو جهمي، هكذا قال أحمد بن حنبل. وقال رسول الله ﷺ : (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعضوا عليها بالنواجذ)]. بدأ في أول هذه الفقرة عن مسألة متفرعة عن أصل من أصول العقيدة عند السلف، وهي ما يتعلق بالقرآن، فأولاً نحن نعرف أن الله موصوف بأنه متكلم، وكلامه على ما يليق بجلاله ، وأن القرآن الكريم كلام الله منزّل غير مخلوق، وأن هذا مما أجمع عليه سلف الأمة؛ لأنه اقتضته النصوص وقواعد العقيدة ولم يخالف في ذلك إلا الجهمية ومن سلك سبيلهم، من المعتزلة وبعض أهل الكلام والفلاسفة والباطنية وبعض المتصوفة وغيرهم، فإنهم زعموا أن القرآن مخلوق، وبذلك كفّرهم السلف لأنهم أقاموا عليهم الحجة، وبيّنوا لهم الآيات البينات من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله ﷺ وإجماع السلف. فالقرآن كلام الله منزّل غير مخلوق، فلما قالت الجهمية بأنه مخلوق وحاورها السلف وأقاموا عليها الحجّة، تبيّن عنادها، وأنها حكّمت العقل فيما لا طاقة له به، وحكّمت أصول الفلاسفة وقواعد المتكلمين فزعمت أن القرآن مخلوق، فمن هنا حكم السلف بكفرية هذا القول، فتفرع عن هذا مسائل أخرى منها: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق. والأصل أن الناس في عافية من هذا الأمر، وكذلك يجب أن يكونوا، ومن هنا فهذه المسألة ينبغي ألا تثار عند الناس إذا لم يكن الكلام فيها مشتهراً. فمنذ عهد الإمام أحمد وقبله من منتصف القرن الثاني الهجري إلى نهاية القرن الثالث تقريباً أو قبل نهايته بقليل والجهمية يرفعون شعارهم بذلك، خاصة في عهد المأمون في بداية القرن الثالث الهجري إلى منتصفه فإنهم زعموا أن القرآن مخلوق، ورفعوا ذلك على المنابر وأشهروه في المناظرات والكتب، وفتنوا الناس به، فاضطر السلف إلى أن يتكلموا في هذه المسائل، ثم حينما انهزمت الجهمية والمعتزلة على يد الإمام أحمد وتبين الحق وانجلت الفتنة ولم يبق إلا المعاند ظهر بعض ضعاف الجهمية بقول يظنون أنهم يرضون به السلف، وقالوا: نحن لا نقول: القرآن مخلوق، لكن نقول: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة! ويقصدون بذلك القرآن، فهي حيلة على البدعة. فلما تفطن السلف لهذه الحيلة بدّعوا من قال بهذا القول سواء بنفي أو إثبات؛ لأنه أولاً: ذريعة إلى الخوض في هذه المسألة الخطيرة، وثانياً: مدخل للجهمية بأن يتأولوا من خلاله لقولهم المبتدع الكفري، وثالثاً: لأن الناس قد تتفاوت مفاهيمهم ومداركهم لهذه الكلمة. فالقول بأن اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق فيه شبهة، فبدّع السلف من قال به، ولذلك وجد من السلف من قال بهذا القول على مقصد صحيح، وهو قوله بأن ألفاظنا وأصواتنا بالقرآن التي خرجت عن ألسنتنا وحلوقنا وشفاهنا مخلوقة، وهذا صحيح، لكن المبتدع لا يقف عند هذا الحد فيقصد اللفظ والمعنى، وإن قال لفظي بالقرآن مخلوق فإنه ربما يقصد القرآن أيضاً ويتأوّل. فمن هنا أقول: إن هذه المسألة محل نزاع بين السلف، لكن أئمة السلف كرهوها وبدّعوا من قال بها لأنها ذريعة إلى القول بالبدعة، سواء بالنفي أو الإثبات.

стр. 169

أصول الجهمية وكيف وضعت قال رحمه الله تعالى: [واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية أنهم فكروا في الرب ، فأدخلوا لم وكيف، وتركوا الأثر ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم، فجاءوا بالكفر عياناً لا يخفى أنه كفر، وكفّروا الخلق، واضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل].

стр. 170

كيفية نشأة أصول الجهمية الكلام هنا في أصول الجهمية، وأصول الجهمية كثيرة وسيوردها الشيخ بعد قليل فيما أورده الإمام أحمد وغيره من الأئمة، لكنه هنا ذكر مجمل أصول الجهمية التي خالفوا فيها السنة والتي تفردوا بها وعارضوا بها الحق، وأول ذلك أنهم فكّروا في الرب ، أي: أخضعوا ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لأفكارهم، وجعلوا للعقول سلطاناً على الخوض في الجوانب الغيبية من ذلك. والتفكير في الرب لا طاقة للبشر فيه ولا للمخلوقات، والتفكر إنما هو في مخلوقات الله وفي آلائه ونعمه، وفي حكمه وخلقه، لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته وأفعاله. ويجب على المسلم أن يقف عند ألفاظ الشرع ومعانيها ولا يتجاوز ذلك إلى الكيفيات، أو إلى الحقائق الغيبية، فإن الحقائق الغيبية غير معلومة، هذا هو الأصل، والجهمية تجاوزت هذا الأصل وفكّرت في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله على الحقيقة الغيبية، أو فكّرت في الحقيقة الغيبية بالكيفيات، فمن هنا وقعت فيما وقعت فيه بعد ذلك، حيث أعملوا عقولهم فيما لا طاقة لها به من أمور الغيب، وبخاصة ما يتعلق بالله ، فنشأ عن ذلك الأصل الباطل الثاني عند الجهمية، وهو أنهم لما أعملوا عقولهم وردت عليهم أسئلة وشبهات لِم وكيف؟ يعني: لِم فعل الله كذا؟ لِم وصف الله نفسه بكذا؟ لِم لم يصف الله نفسه كذا؟ وكيف كان كذا؟ وكيف تكون صفته؟ وكيف يكون اسمه؟ إلى آخره ثم نشأ عن ذلك أصل ثالث، وهو أنهم حينما وجدت عندهم هذه الشبهات لم يعالجوها بالأثر، والأثر هو الكتاب والسنة وما ورد عن الصحابة والتابعين وأئمة السلف. وكأن الشيخ يقول: لما فكّروا في الرب وأخطئوا في ذلك ثم دخلوا في الشبهات بكيف ولِم، كان المفروض أن يزيلوا هذه الشبهات والشكوك بالرجوع إلى الكتاب والسنة الذي هو الأثر، والرجوع إلى آثار السلف الصالح، لكنهم لم يفعلوا فتركوا الأثر، فنتج عن ذلك أصل رابع، وهو أنهم حينما خاضوا وفكّروا في الرب وأدخلوا لِم وكيف، ولم يحكّموا الكتاب والسنة اضطروا لوضع أصول من عندهم على القياس أي: قياس الغائب على الشاهد، وأعظم الغيب وأوله وأعلاه وأجله ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته، فقاسوا الغيب على عالم الشهادة فقالوا: لا يكون موجود إلا جسماً، ولا يكون جسم إلا مركّباً من أجزاء، ولا يكون مركّب من أجزاء إلا مفتقراً إلى أجزائه، ثم قالوا: هذه الأمور لا تليق بالله ، فنفوا عن الله الأسماء والصفات والأفعال ولما وضعوا القياس وقاسوا الدين على رأيهم، نتج عن هذا نتيجة وهي الأصل الخامس، وهو أن جاءوا بالكفر عياناً، فأنكروا ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله إنكاراً صريحاً، حتى أنهم لم يثبتوا لله إلا الوجود المطلق أو مطلق الوجود، أو الوجود المجرد، أو الوجود الذهني، أو الوجود العقلي على اختلاف بينهم. فنتج عن ذلك أن خالفوا الأمة، فلما خالفوها وقالوا بالكفر اضطروا لنتيجة وهي الأصل السادس، وهي تكفير من خالفهم. فالجهمية تكفّر من خالفها من المعتزلة ومتكلمة الأشاعرة. وكما قلت: إنه في مثل هذا المقام إذا تكلمنا عن الجهمية نقصد بهم العموم إلا إذا دلّت القرينة على أن المقصود طائفة منهم، فالجهمية هم كل من أنكر الصفات أو أوّلها، فعلى هذا فالجهمية الخالصة جهمية، والمعتزلة جهمية، ومتكلمة الأشاعرة والماتريدية جهمية، ومتكلمة الكلابية جهمية وهكذا، لكن الذين وقعوا في الكفر هم الجهمية الأصلية، وطوائف من المعتزلة. ثم وقعوا في الأصل السابع عندهم وهو القول بالتعطيل

стр. 171

خلاصة أصول الجهمية هذه خلاصة أصول الجهمية: أولاً: أنهم أعملوا العقول في الغيب في الله وفكّروا في الله ولم يفكّروا في خلقه وآلائه. ثانياً: أدخلوا الشبهات لِم وكيف. ثالثاً: أعرضوا عن الأثر ليحلوا مشكلاتهم بقولهم ولم يوفقوا لتحكيم الكتاب والسنة فنتجت النتيجة الرابعة. رابعاً: وضعوا القياس وقاسوا الغائب بالشاهد، فترتب على هذا النتيجة الخامسة. خامساً: جاءوا بالكفر عياناً، ثم بعد ذلك ترتب عليها القاعدة السادسة أو الأصل السادس وهو سادساً: أنهم كفّروا المخالفين، ثم انتهى بهم الأمر إلى سابعاً: التعطيل المطلق.

стр. 172

أصول الجهمية التي كفروا بها قال رحمه الله تعالى: [وقال بعض العلماء منهم أحمد بن حنبل ﵁: الجهمي كافر، ليس من أهل القبلة، حلال الدم لا يرث ولا يورث؛ لأنه قال: لا جمعة ولا جماعة، ولا عيدين، ولا صدقة، وقالوا: من لم يقل القرآن مخلوق فهو كافر، واستحلوا السيف على أمة محمد ﷺ ، وخالفوا من كان قبلهم، وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع، وأوهنوا الإسلام، وعطّلوا الجهاد، وعملوا في الفرقة، وخالفوا الآثار، وتكلموا بالمنسوخ، واحتجوا بالمتشابه، فشككوا الناس في آرائهم وأديانهم، واختصموا في ربهم، وقالوا: ليس عذاب قبر ولا حوض ولا شفاعة، والجنة والنار لم تخلقا، وأنكروا كثيراً مما قال رسول الله ﷺ ، فاستحل من استحل تكفيرهم ودماءهم من هذا الوجه؛ لأنه من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد أثراً عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم، فدامت لهم المدة، ووجدوا من السلطان معونة على ذلك، ووضعوا السيف والسوط دون ذلك، فدرس علم السنة والجماعة، وأوهنوهما وصارتا مكتومتين لإظهار البدع والكلام فيها ولكثرتهم، واتخذوا المجالس، وأظهروا رأيهم، ووضعوا فيه الكتب، وأطمعوا الناس، وطلبوا لهم الرياسة، فكانت فتنة عظيمة لم ينج منها إلا من عصم الله، فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم أن يشك في دينه أو يتابعهم، أو يرى رأيهم على الحق، ولا يدري أنه على حق أو على الباطل، فصار شاكاً، فهلك الخلق، حتى كانت أيام جعفر الذي يقال له: المتوكل، فأطفأ الله به البدع، وأظهر به الحق، وأظهر به أهل السنة، وطالت ألسنتهم مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا هذا. والرسم وأعلام الضلالة قد بقي منهم قوم يعملون بها ويدعون إليها، لا مانع يمنعهم، ولا حاجز يحجزهم عما يقولون ويعملون]. هذا كلام عظيم، ويمثل خلاصة وصف الجهمية المعتزلة على وجه الخصوص، ووصف أهل الأهواء على وجه العموم وسماتهم في كل زمان، وهذا أشبه بكلمات الإمام أحمد وإن لم يجزم أنه من كلامه، لكنه فيه عبارات هي من كلام الإمام أحمد؛ لأن الإمام أحمد يتميّز منهجه بالتأصيل وانتخاب العبارات الجامعة المانعة في التعبير عن أصول الاعتقاد وأصول المخالفين، ولا يحب الحشو من الكلام ولا الاستطراد. وهنا أشار الشيخ إلى سبعة عشر أصلاً من أصول الجهمية ثم عرّج على سمات الجهمية التي كانت تتميز بها في ذلك العصر، بل وفي كل عصر، وهذا الكلام الذي سأذكره وهو قواعد الجهمية يشمل الجهمية والمعتزلة في ذلك الوقت؛ لأن الجهمية في ذلك الوقت تتمثّل بالمعتزلة، وانطوت تحت لوائها، وصارت المعتزلة هي التي رفعت لواء التجهّم في القرن الثالث، فلا فرق بينهما في هذه الفترة التي عبّر عنها الإمام أحمد والأئمة من بعدهم، والتمييز الفني أو التمييز التخصصي بين الجهمية والمعتزلة إنما يأتي عند الكلام المفصّل عنهما، أما عند الكلام عن مفردات مقولاتهما فإنه لا فرق بينهما إلا في أمور قليلة، لا سيما في الأصول، فإن أصول الجهمية والمعتزلة واحدة، إنما الاختلاف في بعض التفريعات والتفصيلات، فمن هنا الكلام عن الجهمية يشمل المعتزلة ويشمل الفرق التي أخذت بأصول التجهم والاعتزال في ذلك الوقت، وهي الرافضة والخوارج. فإن الرافضة والخوارج في ذلك الوقت أخذوا بأصول التجهّم والاعتزال، حتى أنه من المشهور الذي ينبغي أن يعلمه أيضاً كل طالب علم، أن الذين رفعوا لواء الفتنة من المعتزلة الجهمية في القرن الثالث كان أغلبهم رافضة لكن شعار التجهّم غلب عليهم، ومنهم شيعة غير رافضة. فعلى هذا نقول: إن الكلام هنا يشمل جميع أهل الأهواء في ذلك الوقت، وإن كان موجهاً إلى الجهمية والمعتزلة. قال الشيخ: (وقال بعض العلماء منهم أحمد بن حنبل ﵁: الجهمي كافر)، يقصد بذلك الجهمي الخالص، أو الجهمي الذي أصر في ذلك الوقت على القول بخلق القرآن؛ لأنها قضية الساعة في ذلك الوقت. ومن هنا نستفيد فائدة في منهج تقرير الدين والدفاع عنه، وهو أنه كلما اشتهرت مسألة من المسائل التي تخالف الحق سواء كانت من بدع العقائد أو بدع العادات أو بدع العبادات أو بدع الأعياد أو بدع الأحوال أو غيرها، فإنه يسع طلاب العلم أن يكثروا من الكلام عنها، ولا يكون ذلك مخالفاً للمنهج؛ لأن كل شيء له مناسبته، فإذا بُلي الناس ببلية من البلايا فلا بد من كثرة الكلام عنها، فإذا ابتلي الناس مثلاً بالطعن في العلماء فلا بد من التركيز على هذه القضية، ولا يعتبر ذلك خروجاً أو مبالغة وإذا ابتلي الناس بعدم النصح للولاة، فلا بد من التركيز على هذه القضية؛ لأنها قضية خطيرة إذا تُركت فتكت بالأمة، وإذا ابتلي الناس بالكلام عن إنكار الشفاعة مثل ما ظهر في الآونة الأخيرة عن بعض المفتونين، فيسع طلاب العلم أن يشهروا القضية ويتك

стр. 173

الأصل الأول: قولهم: لا جمعة ولا جماعة ولا عيدين ولا صدقة قال: (الجهمي كافر ليس من أهل القبلة، حلال الدم ولا يرث ولا يورث)، ثم علل لذلك، وهذا التعليل هو شرح لأصول الجهمية التي أولها قولهم لا جمعة ولا جماعة، ولا عيدين، ولا صدقة هذا مما لا يعرفه أكثر الناس عن الجهمية والمعتزلة والرافضة والخوارج في ذلك الوقت، بل في كل وقت، وهو أن من أصولهم أنهم لا يعتقدون لولاة المسلمين ولاية، ولولا أن المأمون سايرهم ما اعتقدوا له بيعة، فمن هنا كان لا يعتقدون صحة الجمعة ولا الجماعة، ولا العيدين، ولا الصدقة التي هي الزكاة التي تجبيها الدولة، وهذه سمة عامة لجميع أهل الأهواء في كل زمان. ثم إن أغلب رافع رايات الجهمية في ذلك الوقت إما خوارج وإما رافضة أو شيعة، وهؤلاء كلهم معروف رأيهم في الجمعة والجماعة والعيدين والصدقة، هذا من جانب. من جانب آخر يشير والله أعلم إلى أن الجهمية مرجئة خالصة لا ترى للأعمال وزناً، فتستهين بالجمعة والجماعة والعيدين والصدقة، وكلا الاحتمالين وارد، بل أظن الاحتمالين مجتمعين في أهل الأهواء الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم.

стр. 174

الأصل الثاني: تكفير من لم يقل بخلق القرآن ثم ذكر الأصل الثاني: (وقالوا: من لم يقل القرآن مخلوق فهو كافر). ومعنى هذا أنهم كفّروا المسلم، وهذا يقتضي كفرهم هم بناء على الحديث: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما). هذا كله تبرير لقوله بأنهم كفار ليسوا من أهل القبلة، حلال الدم ولا يرثون ولا يورثون.

стр. 175

الأصل الثالث: استحلال السيف على أمة محمد ثم ذكر الأصل الثالث قال: (واستحلوا السيف على أمة محمد ﷺ . واستحلال السيف على الأمة سمة عامة للمبتدعة، وهو الخروج على الولاة، والخروج عن جماعة المسلمين، واستحلال دماء المخالفين، لكن هذه السمة تتفاوت بينهم من مقل أو مكثر، فمنهم من هو صريح يُعلن ذلك ويرفعه كالخوارج، ومنهم من هو جبان منافق كالرافضة، فيرون أن ذلك لا يُعلن إلا إذا ظهر إمامهم الموهوم الخرافة. ولعل من حظ المسلمين أن الرافضة يعلقون خروجهم على المسلمين بظهور هذه الخرافة التي ينتظرونها، ونعلم أنه لن يظهر إلا إن كان على صورة الدجال، ولا أستبعد أنهم إذا ظهر الدجال يعتقدون أنه مهديهم؛ لأنا نعرف أن عامة أهل البدع والأهواء يفتنون بـ الدجال وأولهم الرافضة، ويخرج من بلادهم أيضاً. فعلى هذا يظهر أن السلف أجمعوا واتفقوا على أن من سمات أهل الأهواء والجهمية استحلال السيف، ومن استحل السيف على الأمة سواء فعل أو لم يفعل فهو كافر؛ لأن بعض الناس يظن أن استحلال السيف هو رفعه! وليس كذلك، بل المعنى أنهم يستبيحون قتل المسلمين لو تمكنوا، لكن ليس منهم من فعل ذلك إلا الخوارج، وكذلك المعتزلة حينما تمكنت في عهد المأمون. والدليل على استحلالهم السيف أنهم استحلوا دماء الناس حتى الأئمة، كان ابن أبي دؤاد رأس الجهمية في ذلك الوقت يحرّض أحد الولاة ولا أدري هل هو المأمون أو الواثق أو المعتصم على الإمام أحمد في أثناء المناظرة ويقول: اقتله ودمه في ذمتي، فهذا من استحلال السيف، أما الإمام أحمد فما قال هذه الكلمة، ولا حرّض على الجهمية وقد عايش غلاتهم الذين أعلنوا الزندقة.

стр. 176

الأصل الرابع: مخالفة السلف رابعاً من أصولهم: (وخالفوا من كان قبلهم)، ما عليه سلف الأمة.

стр. 177

الأصل الخامس: امتحان الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ وأصحابه وخامساً: (وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه). أوقعوا الناس في حرج في دينهم، وألزموهم بأن يقولوا الكفر، فكانوا لا يولون قاضياً حتى يقول بكفرهم، ولا يولون محتسباً ولا والياً ولا أميراً ولا خطيباً للجمعة حتى يقول بقولهم، حتى قالت بعض كتب التاريخ: إنهم وضعوا المتاريس على الأسواق فلا يعبرها إلا من يقول بكفرهم وإلا يُحبس في بيته ويموت، ووضعوا السياج والحراس في أبواب المساجد فلا يدخل أحد يصلي ولا يخرج حتى يقول بكفرهم، وهذا لم يفعله أهل الحق الذين هم على السنة، فيكون هذا من باب الإكراه الذي لم يأمر الله به، فامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه الرسول ﷺ ، امتحنوهم بالصفات، وامتحنوهم بالأسماء، وامتحنوهم بالقول بخلق القرآن، وامتحنوهم بأشياء كثيرة.

стр. 178

الأصل السادس: تعطيل المساجد والجوامع سادساً: (وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع). ويقصد بذلك أن منهجهم هذا يؤدي إلى تعطيل المساجد والجوامع؛ لأنهم من جانب أعلنوا الجبر والإرجاء الكامل الذي جعل الناس يعرضون عن شرع الله فلا يعتادون المساجد، وجعلوا المعرض عن المسجد والمصلي كليهما كاملي الإيمان، فهذا أدى إلى تساهل الناس في الدين، كما أنهم أرادوا تعطيل المساجد بمنع الناس أن يدخلوها إلا على مذهبهم، وأيضاً لا يرون مشروعية ما عليه السلف من إقامة الجمع والجماعات كما سبق، وهذا راجع إلى ما ذكره في الفقرة الأولى.

стр. 179

الأصل السابع: أوهنوا الإسلام سابعاً: (وأوهنوا الإسلام) من كل وجه. أولاً: حطّموا العقيدة في قلوب الناس، وهذا أعظم وهن في الدين، ثم بعد ذلك أشاعوا الزندقة والإلحاد والإعراض عن الدين في السلوك، وأشاعوا الفلسفات والأمراض العقلية والثقافية والعقدية، ثم بعد ذلك أوهنوا المسلمين بما ذكره فيما بعد من تعطيل الجهاد، وشغلوا المسلمين عن مكاسب الحياة وعمارة الأرض بالفلسفة والمناظرات والمجادلات، وهذا من أعظم المشغلات عن الجد في حياتهم. وأعظم من هذا أشغلوا بعض المسلمين ببعض عن الجهاد جهاد العدو، ولذلك لا أعرف أنه قام جهاد ضد الأمم المشركة والضالة على يد أهل الأهواء والافتراق والبدع، وصلاح الدين الأيوبي ﵀ كان قائداً يحترم السنة والجماعة ويحترم السلف، وإن كان ينتسب للأشاعرة لكن ليس أشعرياً خالصاً فيما أعلم، ولو كان من المتكلمين لما استطاع أن يرفع راية الجهاد ولكان جهاده ضد أهل السنة والجماعة، لكن هو ليس بمتكلم وكذلك من كان مثله من الأتراك الأولين، فهؤلاء يرفعون شعار السنة ويوقرون السنة ويوقرون السلف، لكن لا أعرف أنه قامت معركة حاسمة بين المسلمين والكفار على يد رافضي أو خارجي أو نحوهم. وينطبق على جميع أهل الأهواء الخارجين عن السنة وصفهم الذي أُثر عن النبي ﷺ ولا أدري عن مدى صحته عن الخوارج بأنهم يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، فهم عطّلوا الجهاد فعلاً وجعلوا الجهاد جهاد المسلمين ولم يجاهدوا الكفار، أو صرفوا الجهاد إلى المراء والجدل الذي حرمه الله .

стр. 180

الأصل الثامن: عملوا في الفرقة (وعملوا في الفرقة) وهذا هو الأصل الثامن عندهم، ومن السمات والأصول الطبيعية لأهل الأهواء أنهم يعملون الفرقة لأنهم مفارقون، فالمفارق لا بد أن يكون سعى إلى الفرقة بنفسه أو بغيره.
следующие страницы →