Полный текст (315 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الأصل الرابع: مخالفة السلف
رابعاً من أصولهم: (وخالفوا من كان قبلهم)، ما عليه سلف الأمة.
стр. 177
الأصل الخامس: امتحان الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ وأصحابه
وخامساً: (وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه).
أوقعوا الناس في حرج في دينهم، وألزموهم بأن يقولوا الكفر، فكانوا لا يولون قاضياً حتى يقول بكفرهم، ولا يولون محتسباً ولا والياً ولا أميراً ولا خطيباً للجمعة حتى يقول بقولهم، حتى قالت بعض كتب التاريخ: إنهم وضعوا المتاريس على الأسواق فلا يعبرها إلا من يقول بكفرهم وإلا يُحبس في بيته ويموت، ووضعوا السياج والحراس في أبواب المساجد فلا يدخل أحد يصلي ولا يخرج حتى يقول بكفرهم، وهذا لم يفعله أهل الحق الذين هم على السنة، فيكون هذا من باب الإكراه الذي لم يأمر الله به، فامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه الرسول ﷺ ، امتحنوهم بالصفات، وامتحنوهم بالأسماء، وامتحنوهم بالقول بخلق القرآن، وامتحنوهم بأشياء كثيرة.
стр. 178
الأصل السادس: تعطيل المساجد والجوامع
سادساً: (وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع).
ويقصد بذلك أن منهجهم هذا يؤدي إلى تعطيل المساجد والجوامع؛ لأنهم من جانب أعلنوا الجبر والإرجاء الكامل الذي جعل الناس يعرضون عن شرع الله فلا يعتادون المساجد، وجعلوا المعرض عن المسجد والمصلي كليهما كاملي الإيمان، فهذا أدى إلى تساهل الناس في الدين، كما أنهم أرادوا تعطيل المساجد بمنع الناس أن يدخلوها إلا على مذهبهم، وأيضاً لا يرون مشروعية ما عليه السلف من إقامة الجمع والجماعات كما سبق، وهذا راجع إلى ما ذكره في الفقرة الأولى.
стр. 179
الأصل السابع: أوهنوا الإسلام
سابعاً: (وأوهنوا الإسلام) من كل وجه.
أولاً: حطّموا العقيدة في قلوب الناس، وهذا أعظم وهن في الدين، ثم بعد ذلك أشاعوا الزندقة والإلحاد والإعراض عن الدين في السلوك، وأشاعوا الفلسفات والأمراض العقلية والثقافية والعقدية، ثم بعد ذلك أوهنوا المسلمين بما ذكره فيما بعد من تعطيل الجهاد، وشغلوا المسلمين عن مكاسب الحياة وعمارة الأرض بالفلسفة والمناظرات والمجادلات، وهذا من أعظم المشغلات عن الجد في حياتهم.
وأعظم من هذا أشغلوا بعض المسلمين ببعض عن الجهاد جهاد العدو، ولذلك لا أعرف أنه قام جهاد ضد الأمم المشركة والضالة على يد أهل الأهواء والافتراق والبدع، وصلاح الدين الأيوبي ﵀ كان قائداً يحترم السنة والجماعة ويحترم السلف، وإن كان ينتسب للأشاعرة لكن ليس أشعرياً خالصاً فيما أعلم، ولو كان من المتكلمين لما استطاع أن يرفع راية الجهاد ولكان جهاده ضد أهل السنة والجماعة، لكن هو ليس بمتكلم وكذلك من كان مثله من الأتراك الأولين، فهؤلاء يرفعون شعار السنة ويوقرون السنة ويوقرون السلف، لكن لا أعرف أنه قامت معركة حاسمة بين المسلمين والكفار على يد رافضي أو خارجي أو نحوهم.
وينطبق على جميع أهل الأهواء الخارجين عن السنة وصفهم الذي أُثر عن النبي ﷺ ولا أدري عن مدى صحته عن الخوارج بأنهم يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، فهم عطّلوا الجهاد فعلاً وجعلوا الجهاد جهاد المسلمين ولم يجاهدوا الكفار، أو صرفوا الجهاد إلى المراء والجدل الذي حرمه الله .
стр. 180
الأصل الثامن: عملوا في الفرقة
(وعملوا في الفرقة) وهذا هو الأصل الثامن عندهم، ومن السمات والأصول الطبيعية لأهل الأهواء أنهم يعملون الفرقة لأنهم مفارقون، فالمفارق لا بد أن يكون سعى إلى الفرقة بنفسه أو بغيره.
стр. 181
الأصل التاسع: خالفوا الآثار
ثم تاسعاً: (وخالفوا الآثار).
أي خالفوا ما جاء في الكتاب والسنة وآثار السلف بأصولهم الفاسدة.
стр. 182
الأصل العاشر: تكلموا في المنسوخ
وعاشراً: (وتكلموا في المنسوخ).
وهذا دليل على جهلهم وانحراف مناهجهم، ربما استدلوا بالمنسوخ على الناسخ، فوقعوا في الخلط والخبط في الاستدلال.
стр. 183
الأصل الحادي عشر: احتجوا بالمتشابه
الحادي عشر: (واحتجوا بالمتشابه)، وجعلوه هو الأصل، والمفروض أن المتشابه يرد إلى المحكم.
стр. 184
الأصل الثاني عشر: شككوا الناس في آرائهم وأديانهم
والثاني عشر: (فشككوا الناس في آرائهم وأديانهم)؛ لأن الناس كانوا على السلامة الأصلية لا يعرفون هذه الحذلقات والفلسفات والمناظرات والجدال والأمور التي لا تظهر أمام العامة، مثل العرض، والجوهر، والمباينة، والمفاصلة، والكلام في الصفات والأسماء والأفعال، والكلام في التشبيه والتجسيم، والقرآن بأنه محدث أو مخلوق وغير مخلوق كل هذه الأمور ما كان الناس يعرفها، فشككوا الناس في آرائهم وأديانهم.
стр. 185
الأصل الثالث عشر: اختصموا في ربهم
والثالث عشر: (واختصموا في ربهم) .
حقيقة حالهم أنهم اختصموا في الله، والله أعفاهم من ذلك، فالله قرر لنا ما لا حاجة إلى البشر بعده من ذكر عظمته وجلاله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله على جهة التفصيل، وكل ما يحتاجه البشر مما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله جاء في الكتاب والسنة، لكنهم ذهبوا يخاصمون في ربهم، والله يقول: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠].
стр. 186
الأصل الرابع عشر: أنكروا السمعيات
الرابع عشر: أنهم (قالوا: ليس عذاب قبر ولا حوض ولا شفاعة).
وهذا يسمى إنكار السمعيات، وهذا يقع من الجهمية الخالصة وبعض المعتزلة.
стр. 187
الأصل الخامس عشر: زعموا أن الجنة والنار لم تخلقا
الخامس عشر: قال: (والجنة والنار لم تخلقا).
هذه عندهم شبه عقلية يقولون: إذا كانت قد خلقت فأين تكون، وهي لا تستوعبها السماء والأرض؟! يعني فقط مجرد عقول، مع أن أحوال الجنة والنار والغيبيات، وأحوال البرزخية وأحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا أبداً.
стр. 188
الأصل السادس عشر: أنكروا كثيراً مما قال رسول الله ﷺ
السادس عشر: (أنكروا كثيراً مما قال رسول الله ﷺ ، فاستحل من استحل تكفيرهم ودماءهم من هذا الوجه)؛ يعني: حينما ردوا ما جاء به الرسول ﷺ ، وهذا كفر صريح.
стр. 189
الأصل السابع عشر: رد آيات الكتاب
السابع عشر: (لأنه من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد أثراً عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله)، يعني أن ردهم للآثار والنصوص جعلهم يقعون في الكفر بالله العظيم.
стр. 190
خصائص وسمات المبتدعة
(فدامت لهم المدة)، يعني ظهرت رايتهم في القرن الثالث، (ووجدوا من السلطة معونة على ذلك) في عهد المأمون ومن بعده إلى أن جاء المتوكل، (ووضعوا السيف) أي أعملوه في رقاب المسلمين، (والسوط دون ذلك) أي دون كفرهم، فهم يحمون كفرهم بالسوط والسيف.
(فدرس علم السنة) يعني انقرض أو ضعف (والجماعة، وأوهنوهما وصارتا مكتومتين لإظهار البدع والكلام فيها ولكثرتهم، واتخذوا المجالس، وأظهروا رأيهم)، وهذا دليل على أنه في الفتن تكون الغوغاء والكثرة مع الباطل لا مع الحق، وهذا موطن عبرة يجب أن نستفيد منه، أنه في الفتنة لا نقيس بالكثرة؛ لأن هذا الوصف وصف صحيح فإنه في عهد المأمون بالذات جعجعت العامة والغوغاء والرعاع والهمج مع الجهمية إما خوفاً وإما رجاءً أو جهلاً، وظنوا أن السلطان لا يكون إلا مع الحق، ربما يكون أكثر عامة المسلمين على ذلك.
قال: (ووضعوا فيه الكتب)، يعني ألّفوا في الباطل، (وأطمعوا الناس)، وهنا وقفة عظيمة جداً.
طبعاً هو هنا نسيت أن أقول لكم أنه منذ أن انتهى الأصل السابع عشر وهو رد الكتاب والأثر عن رسول الله ﷺ وأن ذلك كفر، بدأ يذكر السمات وانتهى من الأصول، والسمات التي هي الخصائص وإن لم تكن أصولاً.
فمن سماتهم أنهم تمكنوا في عهد الإمام المأمون ومن بعده، وأنهم أيضاً استعدوا السلطة حتى وجدوا منها معونة، وأنهم أيضاً يضعون السيف والسوط على الأمة، وأنهم يحرصون على اندراس علم السنة والجماعة لا كما يدّعون أنهم يرفعون السنة والجماعة.
ومن سماتهم إخفاء السنة ومحاولة إماتتها وإيهانها، وطمس معالم السنة وكبت أهل السنة.
قال: (وصارتا مكتومتين لإظهار البدع ولكثرتهم).
وأيضاً من سماتهم أنهم يستثيرون الغوغاء إذا تمكنوا من ذلك حتى يكثروا من سوادهم، وأنهم يتخذون المجالس، بمعنى أنهم يثرثرون في قضايا الدين الخطيرة في المجالس كما يحصل من بعض المفتونين الآن بين المسلمين، ويتخذون الثرثرة في هذه القضايا الخطيرة في المجالس العامة والخاصة ومجالس الأدباء الكُتّاب والمفكرين، والمعجبين بهم والمبهورين، ويظهرون رأيهم، ويضعون في ذلك كتباً ومؤلفات.
ثم قال: (وأطمعوا الناس)، وهذه إشارة إلى أن من سمات أهل الأهواء استعداء العامة واستثارتها، وأيضاً دغدغة مشاعر الناس بالكلام فيما يحلو لهم.
ومن مسائل الأهواء في كل عصر أنهم يلتمسون حاجات الناس فيرفعون شعارات دفع الظلم عنهم والاهتمام بشئونهم والعطف عليهم إلى آخره.
وأطمعوا الناس في الكلام الدين، وأطمعوا الناس في السلطان، وأطمعوا الناس على العلماء، وأطمعوا الناس بالجرأة على أن يتكلموا بما ليس لهم بعلم، أطمعوهم في الأهواء أطمعوهم في الشبهات والشهوات.
(وطلبوا لهم الرياسة) كما يكون من بعض الدعاة الآن في الحزبيات والشعارات السياسية وغيرها، وهذا يختلط فيه الطمع.
قال: (وطلبوا لهم الرياسة فكانت فتنة عظيمة لم ينج منها إلا من عصم الله، فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم أن يشك في دينه أو يتابعهم)، هذا إشارة إلى أن مجالستهم خطيرة، وهذا ينسحب على الأولين والآخرين، كجهمية اليوم، ومعتزلة اليوم وعقلانية اليوم التي ابتلي بها كثير من شبابنا اليوم بسبب المجالسة في الجلسات العامة وفي الديوانيات والاستراحات وغيرها، وهذا مسلك خطير يجب أن يبتعد منه من يريد أن يحافظ على دينه، ولا يقول: إنه درس العقيدة وعرف وعرف! فهؤلاء شياطين يلبّسون على الناس، ويموّهون على الأئمة فكيف بطلاب العلم أمثالنا وعندنا من التقصير الشيء الكثير، فيجب أن نحمي أنفسنا ونحمي من له علينا حق النصح من مجالسة أهل الأهواء.
فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم أن يشك في دينه أو يتابعهم، أو يرى رأيهم على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، بمعنى أنهم على الأقل يلبّسون عليه.
(فصار شاكاً فهلك الخلق حتى كانت أيام جعفر الذي يقال له: المتوكل)، هذا أشبه بكلام الإمام أحمد والله أعلم، وكنت أود لو أني تمكنت من الرجوع إلى المصادر، لكن لعل أحد الإخوان إن شاء الله يتطوع ويوثق لنا هذا الكلام، فلعله موجود في بعض المصادر عن الإمام أحمد؛ لأن قوله: الذي يقال له المتوكل، كأنه يرى أن وصف الرجل لنفسه بـ المتوكل نوع تزكية.
قال: (فأطفأ الله به البدع، وأظهر به الحق، وأظهر به أهل السنة، وطالت ألسنتهم مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا هذا).
ثم قال، وكأنه يقول: ومع نصر السنة على يد المتوكل وقمع أهل البدع والأهواء إلى أن الرسم وأعلام الضلالة قد بقي منهم قوم، وهذه سنة الله في خلقه، فالابتلاء باق، ولذلك ما من فرقة من الفرق الكبرى انقطعت في التاريخ أبداً كلها بقيت إلى يومنا هذا، لكنها قد تتلون، قد تدخل في فرق أخرى، قد تظهر شعارات جديدة، لكن قال: (ومع أن السنة ظهرت وأبطل الله البدع إلا أنه بقي الرسم)، يعني: ب
стр. 191
الأسئلة
стр. 192
ثناء ابن تيمية على ابن أبي دؤاد من كرم وخير
السؤال
هل هناك مقولة عن شيخ الإسلام ابن تيمية يثني فيها على ابن أبي دؤاد وهو الذي فعل ما فعل يوم المحنة ضد الإمام أحمد في مقولة خلق القرآن مع باقي العلماء من أهل السنة ﵏، نرجو التوضيح؟
الجواب
شيخ الإسلام ابن تيمية إذا تكلم عن خصومه أو عن خصوم السنة فإنه يبين ما يذكر لهم من خصال، فقد ذكر عن ابن أبي دؤاد أنه رجل كريم، وأنه صاحب شفاعات يشفع للناس، وقال: إنه بعد إصابته بالفالج وانقطاع الناس عنه تراجع ورقَّ له الناس.
فشيخ الإسلام ابن تيمية يذكر محاسن الرجل ويذكر علمه وجاهه وكرمه، وأن الرجل وجيه وقوي في الوزارة إلخ.
وهي جوانب إنسانية في البشر، وجوانب محاسن، وما زكاه في عقيدته، وهذه عادة شيخ الإسلام ابن تيمية، فعندما تكلم عن الرازي ذكر الجوانب الجيدة فيه، وعندما ذكر أبا المعالي الجويني أثنى على جوانب جيدة فيه، وعندما تكلم عن خصومه الذين آذوه كان يثني عليهم خيراً، وكان يقول فيهم كلاماً لا يقوله بعضهم في بعض، وهذا في جوانب تتعلق بما عندهم من خصال، فالعالم يعترف له بعلمه، والشجاع يعترف له بشجاعته، والقاضي العادل في قضائه يعترف له بعدله، وإن كان من خصومه.
стр. 193
حكم التدين بالكذب كما يفعل الرافضة
السؤال
هل التدين بالكذب وما يفعله الرافضة كفر في ذاته؛ لأنه من تحليل الحرام واتخاذه ديانة؟
الجواب
ما أدري كيف نحمل تأولهم، هل هم يتأولون أم يستبيحون الكذب؟ إن استباحوا الكذب فلا شك أن هذا كفر، لكن أحياناً يكون من باب التقية ومن باب النفاق، أو تأول أنه من باب دفع الأذى عنهم، لكنهم يكذبون حتى في دينهم، يكذبون على أئمتهم، فيبدو لي أن الكذب ينصرف إلى من تعمد الكذب منهم، ومع ذلك فالمسألة تحتاج إلى شيء من البحث، فما عندي فيها قول.
نعم، فيهم شيعة رافضة وفيهم شيعة، الشيعة الأوائل منذ أن ظهروا وهم منقسمون، كان الناس يسمونهم شيعة كلهم، الغلاة الذين قالوا بإلهية علي، أو قالوا بتقديم علي على جميع الصحابة حتى أبي بكر وعمر، وهم الذين نسميهم المختارية، وضربهم علي بن أبي طالب ﵁، وقتل الأوائل.
وأما الشيعة المفضلة الذين يفضلون علياً على عثمان فقط، أو على بعض الصحابة، أو على كل الصحابة، لكن يقولون بصحة إمامة الشيخين أبي بكر وعمر كالزيدية، هؤلاء كلهم يسمون شيعة، لكن عندما تميزوا في سنة (١٢٠) أو (١٢١) على عهد زيد بن علي شيخ الزيدية المعتزلي المشهور؛ خرجت المعتزلة الشيعة مع زيد بن علي، فظهر عموم الشيعة المعتزلة وغير المعتزلة؛ لأن زيداً معتزلي، وأكثر شيعتها معتزلة، لكن معه عموم الشيعة، فلما نما إلى علم الرافضة الغلاة أن زيداً يقول بإمامة أبي بكر وعمر ويترحم عليهما اغتاظوا وقالوا: هذه تقية، فقالوا: نختبره، فسألوه في مجلس خاص بهم؛ لأنهم يرون أنه إذا لم يكن مجلس خاص بهم فإنه يجب على الإمام أن يكذب ويقول غير الحق من باب التقية.
فلما سألوه في مجلس خاص فيما تذكر بعض الروايات، فسألوه: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال فيهما خيراً وترضى عليهما ولم يسبهما؛ فانفضوا من حوله فقال: رفضتموني؛ فسموا الرافضة.
فالرافضة زائدة على الشيعة، بقيت الشيعة هي الزيدية والمفضلة إلى يومنا هذا، سواء كانوا جماعات أو أفراداً، فمن فضل علياً على عثمان فهو شيعي مفضل، ومن فضل علياً على جميع الصحابة فهو شيعي زيدي، أو شيعي بمعنى شيعي خالص.
ومن سب الصحابة ولم يترض عنهم، أو وقف الموقف المشين الذي تقول به الرافضة؛ فهو رافضي.
إذاً فالرافضة هي فرقة خرجت عن مقتضى التشيع، فهي شيعة وزيادة، فيصح إدخالها ضمن عموم الشيعة وإفرادها بالرفض.
стр. 194
سبب النهي عن قول: لفظي بالقرآن مخلوق
السؤال
هل النهي عن قول: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، من أجل أن اللفظ حادث أو من أجل المعنى الذي يترتب عليه هذا القول؟
الجواب
النهي يترتب على أن الجهمية تتحيل في قولها بخلق القرآن بأن تلفظ بمقولة: لفظي بالقرآن مخلوق؛ حيلة، وإلا فاللفظ إن قصد به حركات الإنسان التي خلقها الله من خلال جوارحه؛ فلا شك أنها مخلوقة، ولذلك قال بهذا الإمام البخاري وحصل له ما حصل، وضيق عليه، واتهم؛ لأنه قصد معنى صحيحاً عنده، لكن الأئمة الآخرين احترزوا؛ لأن الجهمية يقصدون بذلك معنى آخر، وهو الحيلة على القول بخلق القرآن.
стр. 195
المراد بالكلمات التامات التي يستعاذ بها
السؤال
هل المراد في الحديث: (أعوذ بكلمات الله التامات) القرآن؟
الجواب
تشمل كلمات الله في القرآن وغير القرآن، أي: كلماته الشرعية والكونية، فكلها كلمات الله ، كلمات الشرع وكلمات القدر.
стр. 196
الحديث القدسي ليس كالقرآن من كل وجه
السؤال
وهل الحديث القدسي كالقرآن في كونه من كلام الله المنزل غير المخلوق؟
الجواب
ليس من هذا الوجه على إطلاقه، فالحديث القدسي اختلف فيه، هل هو مما تكلم الله به، أو هو مما عبر به جبريل عما فهمه عن الله ؟ هذا محل خلاف ليس فيه قطع، والله أعلم.
стр. 197
شرح السنة [١٤]
لقد تكفل الله تعالى بحفظ الدين وإظهاره إلى أن تقوم الساعة، فلا تزال طائفة متمسكة بالحق، يهديهم الله، ويهدي بهم الناس، ويحيي بهم السنن، ويقمع بهم البدع، وهم الذين تمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله، وجعلوهما مصدرهما الوحيد في الأخذ والتلقي، وتركوا الرأي والقياس المخالف للدليل من الكتاب والسنة.
стр. 198
دور الهمج الرعاع في نشأة البدع وتثبيتها
قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [واعلم أنه لم تجئ بدعة قط إلا من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، فمن كان هكذا فلا دين له، قال الله ﵎: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣] وهم علماء السوء وأصحاب الطمع والبدع].
في هذه الفقرة أشار الشيخ الإمام ﵀ إلى سمة هامة من سمات أهل الأهواء والبدع، وإلى خصلة ينبغي أن يتنبه لها في كل عصر، وهي أن غالب أتباع أصحاب البدع من العوام وأشباه العوام، الرعاع والذين ليس عندهم علم ولا فقه من الغوغاء، وهم الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، وأهل الأهواء أول ما تبدأ الفتنة منهم باستجلاب وخداع هؤلاء.
وإذا تأملنا رءوس البدع الذين بدءوا بالفتن على المسلمين، وخرجت عن فتنهم الفرق، نجدهم يقصدون الرعاع الهمج، الذين لا فقه لهم ولا عقل ولا رأي في الدين، ويستدرون عواطفهم بالشعارات.
ومسألة الشعارات ليست جديدة، إذ يظن بعض الناس أن الشعارات من الأمور المحدثة، وليس كذلك، فكل أهل الأهواء أصحاب شعارات، وكلهم يستهوون الناس بما يستميلون به عواطف العامة، ويثيرون الفتنة من خلال هؤلاء الهمج، فأول من فعل ذلك -كما هو معروف- ابن سبأ اليهودي ابن السوداء، فإنه عجز عن أن يدخل على الأمة من خلال علمائها ولا من خلال عقلائها ولا من خلال أمرائها، فدخل عليها من خلال السفهاء من حدثاء الأسنان ومن العوام والعجم الذين لم يكتمل فقههم في الدين، ومن الرعاع والهمج، فصار يستثير عواطفهم، ويتكلم بما يهمهم، ويدعي أنه يتكلم عن مظالمهم، وأنه مشفق على أحوالهم، وأنه ناصح لهم.
وهذا الصنف من الناس كل من رفع لهم هذه الشعارات تبعوه في كل زمان.
ثم لما ظهرت الخوارج والشيعة رفعت هذه الرايات؛ لتستميل وتستدر عواطف الرعاع والهمج بهذه الأساليب؛ بإثارة العواطف باسم الغيرة على الدين باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم جاءت بعدهم القدرية وفعلت ذلك، ثم جاءت بعدهم المعتزلة وفعلت ذلك، ولذلك نجد أن من أسباب وقوع الهمج والرعاع أن أهل الأهواء يتظاهرون أو يظهرون بالزهد والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحرص على مصالح الأمة، ولا بد أن يكون ذلك من أسباب استجلاب العوام والرعاع.
وأصدق مثال لذلك: رءوس المعتزلة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، فقد اشتهرا بالزهد والورع والحرص على مصالح الناس ودفع المظالم.
فمن هنا يرفع كل صاحب بدعة شعار بدعته على هذه الأسس، ثم من خلالها يدخل على هؤلاء الهمج الرعاع بتثبيت بدعته، سواء كانت اعتقادية أو قولية أو عملية، والغالب أنها تجتمع.
إذاً: فقول الشيخ صحيح، والواقع يشهد له أنه لم تجئ بدعة قط إلا من الهمج والرعاع، يعني: هم الذين يتبعونها، وإلا فقد يكون مخترع البدعة من الأذكياء العباقرة؛ لكن قصده أن البدعة لا تنتشر ولا تستفحل إلا من خلال انتشارها بين هذا الصنف الذين يميلون مع كل ريح، أتباع كل ناعق.
قوله: (فمن كان هكذا فلا دين له)، بمعنى أنه لا يصمد على دين، بل يتلون بحسب الأحوال، وفعلاً فإن الرعاع ليس لهم دين، قد يكون عندهم شيء من الصلاح والتقوى لكن ليس لهم قرار، ليس لهم اتباع؛ لأنهم مقلدة، فمن هنا تتقلب بهم الأهواء من حيث يشعرون ولا يشعرون، فيتلونون من لون إلى لون ومن فئة إلى فئة ومن فرقة إلى فرقة.
ولذلك إذا حدثت الفتن الكبار يكون للرعاع بسبب اتباعهم للناعقين قوة ضاغطة حتى على الراسخين في العلم والعقلاء والكبار وأهل الأمر والنهي، حيث يعجزون عن مقاومة اتجاه الرعاع؛ لأن أهل الأهواء يستغلون الرعاع، فمن هنا إذا حدثت الفتن قد تكون السنة في غربة بسبب أن الرعاع مع الناعقين، لا يتثبتون ولا يرجعون إلى أهل العلم، ولا إلى أهل المشورة والرأي، خاصة إذا وجدوا رايات وشعارات تحجبهم عن العلماء.
ثم قال بعد ذكر الآية: (وهم علماء السوء)، أي: الذين اختلفوا هم علماء السوء وأصحاب الطمع والبدع.
стр. 199
بقاء الحق والسنة مهما انتشرت البدع وعمت الضلالة
قال رحمه الله تعالى: [واعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من أهل الحق والسنة يهديهم الله ويهدي بهم غيرهم، ويحيي بهم السنن، فهم الذين وصفهم الله تعالى مع قلتهم عند الاختلاف فقال: ((وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ))، فاستثناهم فقال: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]، فقال رسول الله ﷺ : (لا تزال عصبة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون)].
هذا استدراك في مكانه، فإن على طالب العلم والعالم إذا ذكر أمر الفتن والأهواء والبدع أن يستدرك ما ذكره الرسول ﷺ وتواتر عنه؛ أنه لا تزال طائفة على الحق ظاهرين؛ لئلا يصاب الناس باليأس، ولذلك لا ينبغي للواعظ وطالب العلم والمتكلم في هذه الأمور أن يشعر الناس باليأس، ويبالغ في وصف الباطل وأهل الباطل وما هم عليه، بل لا بد أن يفتح للناس باب الأمل الذي وعد به الله .
وحينما نذكر البدع والأهواء والمفاسد وكثرتها وانتشارها، فلا بد أن نبين للناس أن الحق لا يضيع، وأن الله تكفل بحفظ الدين، ووعد بظهور طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، وأن هذه الطائفة تتمثل بالعلماء الراسخين الذين هم على السنة بأتباعهم، وأنهم بهم القدوة والحجة، ولابد أن يكونوا أعلاماً يشار إليهم بالأصابع والبنان في كل مكان وزمان، وإن كثر الخبث.
فمن هنا ندرك فداحة خطأ الذين يشحنون قلوب الناس باليأس.
نعم، ذكر المفاسد وغيرها يستثير غيرة الناس، ويجعلهم يأتمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، ويحذرهم من غوائل الفساد والجريمة والانحراف، لكن لا يكفي ذلك عن الاستدراك وفتح باب الأمل، وأن الله وعد، وأن الوعد مشروط باتباع السنة والاعتصام بها، والاجتماع على الحق وعلى أهل الحق.
فالمؤلف ذكر هذا الأمر بعد أن ذكر كثرة الهالكين وكثرة أصحاب الطمع والرعاع الذين يميلون مع كل ناعق، ولكن مع ذلك لا تزال في الناس طائفة من أهل الحق والسنة يكون بهم الحق ظاهراً وتقوم بهم الحجة، ويكونون دعاة بقدوتهم وبأعمالهم وبسلوكهم.
стр. 200
العالم من اتبع السنن وإن كان قليل العلم والكتب
قال رحمه الله تعالى: [واعلم -رحمك الله- أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، إنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم والكتب، ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير العلم والكتب].
يقصد بهذا أنه لا يشترط فيمن يكون على السنة أن يكون عالماً، لكن السنة لا تتبع إلا بعلم، وعلماء الأمة هم العلماء الراسخون، لكنه يقول: ليس هذا شرطاً في وصف الشخص بأنه على السنة، فالعامي المستمسك بالحق الذي يتبع الهدى هو من أهل السنة، ولو لم يكن صاحب رواية ولا صاحب كتب.
وكذلك العالم الراسخ في العلم الذي ينفع الله به ليس من شرط علمه أن يؤلف ويكتب، ولا من شرط علمه أن يكثر من الرواية، فإذاً السنة تحصل على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: هم العلماء الراسخون، أئمة الهدى، هؤلاء تقوم بهم الحجة، وهم الأعلام الذي ترجع إليهم الأمة، وهم أهل الحل والعقد، وهم الذين يرسمون المنهج في كل زمان للأمة في علمها وعقيدتها ومناهجها ومصالحها العامة.
ثم الدرجة الثانية: من دونهم من طلاب العلم والدعاة والصالحين، ولا يلزم أن يكونوا من العلماء المتبحرين، فإنهم على السنة ما داموا على نهج أئمة الهدى قديماً وحديثاً.
فسائر طلاب العلم الذين يطلبون العلم هم أهل السنة ولو لم يكثروا الرواية ولو لم يؤلفوا.
ثم الدرجة الثالثة: العامة الذين يستقيمون على دين الله فيقيمون الفرائض ويشهدون الجماعات، ويدينون للعلماء بالفضل والقدر والمرجعية، هؤلاء وإن كانوا عوام فهم من أهل السنة قطعاً.
وعامة أهل السنة -أي أكثرهم- من هذا الصنف، فلا يشترط في المستمسك بالسنة أن يكون عالماً، لكن يتبع مناهج العلماء ويرجع إليهم، ويجتمع معهم فيما اجتمعوا عليه.
стр. 201
ذم القياس في أمور العقائد
قال رحمه الله تعالى: [واعلم -رحمك الله- أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأوله من غير حجة من السنة والجماعة؛ فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين].
يشير بهذا إلى منهج أهل الأهواء، ومخالفة هذا المنهج للسنة مخالفة تضاد وتباين، وهو أن أهل الأهواء يقولون في دين الله برأيهم وقياسهم، ويقصد هنا القياس في أصول الدين لا القياس في الأحكام؛ لأن القياس في الأحكام مبني على الاجتهاد في أمر معلوم؛ إما باستنباط حكم من دليل، أو بقياس مسألة على أخرى لها دليل، أو ترجع إلى قاعدة شرعية تقوم عليها الأدلة، فهذا قياس عمل عليه المجتهدون من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الفقه.
فكان يلزم في كثير من المستجدات أن يقيسوا ما يستجد على ما له حكم سابق في دليل أو مستنبط من قاعدة، والممنوع الذي يذمه السلف -وذكره الشيخ هنا- هو القياس في أمر العقيدة، قياس صفات الله وأسمائه وأفعاله وذاته على المخلوقين، وكذلك قياس أمور الغيب على عالم الشهادة.
قياس قضايا القطعيات على الأمور غير القطعية، كل ذلك من القياس الفاسد، وهو منهج أهل الأهواء، ولذلك نجد أن أغلب أهل الأهواء ما أتوا في فساد عقائدهم إلا من باب القياس، حيث استعملوا القواعد الفلسفية والعقلانية فجعلوها وسيلة لقياس قضايا العقيدة على أوهام الناس وأفكارهم، فضلوا وأضلوا.
إذاً: من قال في دين الله برأيه وقياسه فقد ضل.
وكذلك التأويل من غير حجة من السنة والجماعة، فمن تأول، أي: عمل واجتهد، على غير حجة من قواعد أهل السنة؛ فقد أخطأ وقال على الله ما لم يعلم.
وهذا يشمل أمور الاجتهاد، فمن اجتهد من غير حجة بينة، أو دليل واضح، أو رجوع إلى قاعدة، أو تبع فتاوى العلماء المعتبرين؛ فإن كلامه في الدين من القول على الله بغير علم.
ومن سمات أهل الأهواء أنهم يتجرءون على القول على الله بغير علم، سواء في العقائد والأحكام، ومع ذلك فقد كثر ذلك في هذا العصر حتى عند من ينتسبون للسنة، وهذه ظاهرة يجب على طلاب العلم أن يعنوا بعلاجها بشكل واضح، وأن ينبهوا الناس لها.
أقول: إنه في عصرنا الآن كثرت جرأة الناس -حتى أهل السنة من طلاب العلم ومن العوام وغيرهم- على القول على الله بغير علم، وصاروا يتناولون قضايا العقيدة والأحكام كما يتناولون سائر أمور الحياة، بل ربما يتردد أو يتورع أحدهم من أن يتكلم في قضايا العلوم المادية خوفاً من أن ينتقد، ولا يتورع عن الكلام في الدين والقول على الله بغير علم، والقول في الدين برأيه.
وصار الكلام في الدين والقول على الله بغير علم فاكهة المجالس، حتى عند بعض الصالحين والمتدينين، وهذا مسلك خطير وظاهرة لم تكن معروفة، وهي توقع في الأهواء إن عاجلاً أو آجلاً.
فينبغي التحذير منها والتنبيه لها، لأن من قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين؛ لأنه تكلف ما لا علم له به.
стр. 202
مصدر التلقي عند أهل السنة
قال رحمه الله تعالى: [والحق ما جاء من عند الله ، والسنة سنة رسول الله ﷺ ، والجماعة ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان].
هذه قواعد معروفة، فالحق ما جاء من عند الله ، يعني: الوحي الذي جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ، فإن هذا هو الحق، وهو الميزان وهو المرجع، فلا يجوز لمسلم أن يبحث عن الحق من غير الوحي.
فهو بهذا يشير إلى مصدر التلقي، والمسلم يجب أن يتلقى دينه مما جاء عن الله .
ثم عرف السنة، وهذا من أجود التعاريف وأخصرها وأبينها أيضاً، أعني قوله: (والسنة سنة رسول الله ﷺ .
فالسنة ما جاء عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو بيان أو نحو ذلك من السيرة وغيرها.
ثم ذكر الجماعة أيضاً بأخصر معانيها، وهي ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وكذلك علي، لكنه قصد بذلك أن علياً ﵁ ما جاء بجديد؛ لأن الخلافة ما استقرت في عهده بسبب القلاقل والأحداث، فأكثر ما أشار به علي ﵁ لا يخرج عن سنة الثلاثة.
وعلى هذا فإن هذا من تعاريف الجماعة، فالجماعة هم صحابة رسول الله ﷺ في وقتهم، ثم من تبعهم على نهجهم فهو من الجماعة.
إذاً فللجماعة مفهومان معروفان: الجماعة بمعنى الجماعة الأولى، وهم الصحابة ﵃، ومن جاء بعدهم فهو منهم بالتبع.
والمفهوم الآخر: أن الجماعة هم من اجتمعوا على الحق في كل زمان ومكان، وأولى من اجتمع على الحق الصحابة، فيعرف بهم غيرهم، ولذلك حينما يقتصر بعض السلف في تعريف الجماعة على الصحابة لا يقصد بذلك حصر الجماعة، لكن يقصد بذلك أنهم هم الأنموذج، ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة تبع لهم، وإلا فما حصر أحد من السلف الجماعة بالصحابة إلا المعاصرين لهم، فلما جاءت الأجيال التالية لهم ممن كان من الجماعة دخلت في هذا التعريف بالتبع، وهذا تعريف أو اصطلاح ساد عند السلف الأوائل أن يعرفوا الشيء بأوضح معانيه، أو بأبين أمثلته، أو بأفضل درجاته.
والدليل على هذا أنهم عرفوا علم العقيدة بالتوحيد، يقصدون بالتوحيد العقيدة كلها، بينما التوحيد هو توحيد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيده بالربوبية والإلهية والعبادة، وبقية الأمور سميت توحيد تبعاً؛ لأن توحيد الله هو أشرف علوم التوحيد وأعلاها وأجلها، فسمي العلم بأشرف أجزائه، فكذلك الجماعة أحياناً تحصر بالصحابة لا على سبيل الحصر الأنموذجي وأن من جاء بعدهم تبع لهم.
стр. 203
الاقتصار في محاجة البدع على السنة
قال رحمه الله تعالى: [ومن اقتصر على سنة رسول الله ﷺ ، وما كان عليه أصحابه والجماعة؛ فلج على أهل البدعة كلهم، واستراح بدنه، وسلم له دينه إن شاء الله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (ستفترق أمتي)، وبين لنا رسول الله ﷺ الناجي منها فقال: (ما أنا عليه وأصحابي)، فهذا هو الشفاء والبيان، والأمر الواضح والمنار المستنير، وقال رسول الله ﷺ : (إياكم والتعمق، وإياكم والتنطع، وعليكم بدينكم العتيق)].
هذا الحديث أثر عن ابن مسعود، لكن معانيه ثبتت عن النبي ﷺ ، أما النهي عن التعمق والتنطع فقد ورد في نصوص كثيرة صحيحة عن النبي ﷺ ، أما قوله: (وعليكم بدينكم العتيق) فهذا من كلام ابن مسعود.
وابن مسعود وغيره من الصحابة كثيراً مما يروون عن رسول الله ﷺ ، إما بالنص، أو يفهمون معاني كلام النبي ﷺ فينطقون به حكمة أو قواعد.
وفي هذه الفقرة أشار الشيخ إلى أن من وقف على سنة رسول الله ﷺ فمعه الحجة، وفعلاً! فإن من وقف على سنة النبي ﷺ في محاجة أهل البدع، فهذا هو المحق.
وقوله: (فلج) بمعنى خصم وقويت حجته في الخصومة، وانتصر.
ولذلك نجد السلف في محاوراتهم ومناظراتهم يقفون على هذا الأصل، كما فعل الإمام أحمد في مناظرته للجهمية أمام الخلفاء، فإنه ناظرهم بالكتاب والسنة، حتى كان يجيب بالآية ويجيب بالحديث، مما استثار حفيظة خصومه، وجعلهم يغضبون، وهو لا يقصد استفزازهم، لكن قصدي أنه أوقفهم على النص، وهذا هو المنهج السليم، فإن الآيات اشتملت على الدلالة الشرعية والدلالة العقلية ضد البدع والأهواء والشرك.
فمن هنا ينبغي لطالب العلم أن يتحرى دلالات القرآن وحجج القرآن وحججه وبراهينه في الرد على المخالفين، فإنها قواعد، فمن اقتصر على السنة في استدلاله وفي عمله وفي قدوته وفي انتسابه إلى الحق، وفي محاجته وجداله، وفي علمه وتعليمه، خصم أهل الأهواء والبدع؛ لأنه جاء بالحق الخالص.
قوله: (فلج على أهل البدع كلهم واستراح بدنه وسلم له دينه إن شاء الله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (ستفترق)) بمعنى أنه بين أن الافتراق سيكون، وأن الذين هم على الحق سيفلجون ويغلبون وينتصرون، وهم الجماعة، وهم من كان على ما عليه النبي ﷺ وصحابته.
إذاً فالسنة هي الشفاء وهي البيان وهي الأمر الواضح وهي المنار المستنير؛ لأن النبي ﷺ سماها: الواضحة، وقال ابن مسعود في الأثر: (إياكم والتعمق)، والنبي ﷺ نهى عن التنطع في الدين والتعمق فيه؛ لأن من التنطع الخروج عن مقتضى السنة، سواء في الاستدلال أو في منهج التلقي أو في المحاجة والجدال، أو في العمل والتطبيق، فكل من خرج عن السنة فهو متعمق خارج عن مقتضى الحق، والله أعلم.
стр. 204
شرح السنة [١٥]
لقد مات عثمان ﵁ والدين واحد والأمة مجتمعة، ثم حدثت الفرقة والاختلاف بعد موته، فظهرت الفتن، وتقاتلت الأمة، وتجارت بها الأهواء، وظهرت البدع والمحدثات، والنجاة من هذا كله هو باتباع الكتاب والسنة على ما كان عليه الصدر الأول من صحابة الرسول ﷺ .
стр. 205
الدين العتيق ما كان قبل الفرقة والاختلاف
قال أبو محمد بن الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [واعلم أن الدين العتيق ما كان من وفاة رسول الله ﷺ إلى قتل عثمان بن عفان ﵁، وكان قتله أول الفرقة وأول الاختلاف، فتحاربت الأمة وتفرقت، واتبعت الطمع والأهواء والميل إلى الدنيا، فليس لأحد رخصة في شيء أحدثه مما لم يكن عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، أو يكون رجل يدعو إلى شيء أحدثه من قبله من أهل البدع فهو كمن أحدثه، فمن زعم ذلك أو قال به فقد رد السنة وخالف الحق والجماعة، وأباح البدع، وهو أضر على هذه الأمة من إبليس].
стр. 206
اتفاق الأمة إلى مقتل عثمان
في هذا المقطع ذكر بعض الأصول: أولها: تقرير أن الدين ما كان عليه النبي ﷺ ، وسماه العتيق بمعنى الأصل الأول الذي تركنا عليه النبي ﷺ وقد كمل الدين، فالعتيق هنا تعني المنسوب إلى الزمن الأول أي: إلى زمن النبي ﷺ ، وهو زمان قديم بالنسبة إلى عصر المؤلف وما بعده.
ثم ذكر أصلاً آخر، وهو أن الأمة كانت متفقة، وإجماعها معتبر، وأصولها واحدة، وجماعتها واحدة إلى مقتل عثمان ﵁، فبعد مقتل عثمان لم يستتب الأمر لـ علي ﵁، ولم تتم الجماعة على الوجه الكامل، خاصة فيما يتعلق بالشغب الذي حدث من السبئية الخارجين على عثمان، والذي انبثق عن الافتراق الحقيقي افتراق الخوارج وافتراق الشيعة، فعلى هذا لا اعتبار للخلاف بعد هذه الفتنة، أي لخلاف السنة، فقد انتقضت قاعدة أن المسلمين كانوا كلهم على سمت واحد وهدي واحد في الدين، وفي الإمامة، والخلافة، وفي سائر الأمور، والجماعة كانت جماعة واحدة إلى أن حدث هذا الحدث العظيم، وانبثق عنه خروج الفرق الأولى التي خرجت عن المسلمين.
إذاً: كان قتل عثمان ﵁ بداية شرارة الفرقة، وإن كانت لم تحدث إلا بعد قتله بثلاث أو أربع سنوات.
وأول افتراق ظاهر أعلن سنة (٣٧هـ)، لكن هذا من حيث الإعلان، أما من حيث الوقوع فإن مجرد وجود الاحتشاد من قبل أهل الفتنة كان بداية ظهور الافتراق، أو بداية تقرير الافتراق وإن لم يظهر.
стр. 207
أهل الأهواء يستميلون الغوغاء بالدنيا
وقوله: (فتحاربت الأمة)، يقصد: طوائف من الأمة، وذلك أن الذين خرجوا على الأمة أوقعوا الأمة في الحرج، فحدثت الحرب بين الفرقاء المختلفين.
(وتفرقت) بمعنى أنها ظهرت الفرق التي فارقت الجماعة وإن كانت قليلة ومغمورة إلا أنها حدثت بها الفرقة، (واتبعت الطمع والأهواء)، أي طوائف من المنتسبين لهذه الأمة استهوتهم الأطماع والأهواء فكانوا ضمن من خرجوا على الجماعة فيما بعد، (والميل إلى الدنيا)؛ لأن البواعث على الفتنة التي أثارها ابن سبأ والزنادقة، واستمالوا فيها الغوغاء والرعاع أغلبها بواعث مادية، كانوا يقولون -زعماً- بأن عثمان ﵁ لما فتحت الدنيا عليه أغدق على الصحابة حتى قعدوا عن الجهاد، وجلسوا في الضيع والبساتين، وتركوا الأمة، وهذه شبهات انطلت على ضعاف العقول وضعاف العلم، وعلى حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام.
وقالوا أيضاً بأن عثمان ﵁ ولى أقاربه، وأنه لم يعدل في القسم، وأنه حابى أناساً وترك أناساً إلخ.
إذاً: المنشأ والمطمع والباعث لتحريك العواطف هو أمور الدنيا، والكلام في الأثرة، وهذه السمة هي سمة أهل الأهواء في كل زمان، أول ما يبدءون في دغدغة عواطف العوام وأشباه العوام من الرعاع والدهماء والنساء والأحداث بهذه الأمور، ويبطنونها بدعاوى الدين، لابد أن يظهروا أن ما حدث من مظالم ضد العدل وضد ما أمر الله به، ومجاوزة لدين الله، ومجاوزة للشرع، في حين أنهم يسيلون لعاب هؤلاء بالدنيا؛ ولذلك أكد النبي ﷺ على الصبر على الظلم والصبر على الأثرة في أحاديث كثيرة، ولا شك أن هذا من تشريع الله للأمة؛ فإن ذلك لعلم الله بأن هذه الأمور من بواعث الفتن عند الناس، وأنه أكثر ما يفرق بين المسلمين ويفتت جماعتهم، وهذا ما حدث في عهد عثمان كما تعلمون، وكما قلت هذه سمة غالبة في سائر أهل الأهواء في كل زمان ومكان.
قال: (فليس لأحد رخصة في شيء أحدثه ما لم يكن عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، هذه أيضاً قاعدة ترجع إلى قول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
(أو يكون رجل يدعو إلى شيء أحدثه من قبله من أهل البدع فهو كمن أحدثه)، بمعنى أن داعية البدعة كمؤسسها وقائلها الأول؛ لأنها في سبل الغواية وسبل الشيطان.
(فمن زعم ذلك أو قال به فقد رد السنة وخالف الحق والجماعة، وأباح البدع، وهو أضر على هذه الأمة من إبليس)، من وجه وليس من كل الوجوه؛ لأن غالب أهل الأهواء تلبيسهم على الناس بحكم أنهم يظهرون بمظاهر التقوى والصلاح.
أما إبليس فمعلوم شره، ومعلوم أنه شر من كل وجه.
стр. 208
ما لم يكن عليه عمل الصحابة فلا خير فيه
قال رحمه الله تعالى: [ومن عرف ما ترك أصحاب البدع من السنة وما فارقوا فيه فتمسك به؛ فهو صاحب سنة وصاحب جماعة، وحقيق أن يتبع، وأن يعان وأن يحفظ، وهو ممن أوصى به رسول الله ﷺ ].
أيضاً هذا أصل من الأصول، وهو أنه لا خير فيما لم يكن عمل به أصحاب رسول الله ﷺ ، وأن ما تركوه من المحدثات والبدع فالأولى والأجدى بغيرهم أن يتركه.
ولأن أصول البدع ظهرت لها مظاهر في عهد الصحابة ﵃ فنفوها وأبوها، وردوا على أصحابها ونكَّلوا بهم.
وجميع البدع التي حدثت فيما بعد حدث في عهد الصحابة نماذج منها، وإن كانت نماذج صغيرة، لكنها تمثل هذه القاعدة، وهو أن الصحابة نفوا البدع، وميزوها بسرعة وبحذر شديد، فلذلك حدث في عهد الصحابة القول بالقدر، لكنهم نفوه وردوه وعنفوا أصحابه، وحدث في عهد الصحابة نزعة التنطع والتشدد في الدين والغلو كما حدث من الخوارج، وحدث في عهد الصحابة الغلو في الأشخاص، وهو باب واسع من أبواب الفتنة، حدث من السبئية الرافضة في عهد الصحابة، فأبوا ذلك ونفوه، ووقفوا منه الموقف المعلوم.
ثم حدث أيضاً في عهد الصحابة الكلام في الدين والمراء والجدل الذي هو أصل الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم، فنفاه الصحابة وردوه.
حدث في عهد الصحابة بذور التصوف والبدع الظاهرة بذور البدع المقابرية والبدع العملية كما يسميها الناس، فقد حدثت في عهد الصحابة كما حصل في عهد ابن مسعود وأبي موسى الأشعري في العراق التسبيح بالحصى، وحدث الذكر الجماعي، والعزلة عن جماعة المسلمين، واتخاذ مساجد خاصة دون بقية المسلمين، والظهور بمظهر في العبادة فيه تنطع مثل الغشي والصعق والصياح والصراخ عند سماع القرآن، وعند سماع القصائد الزهدية، كل هذا حدث في عهد الصحابة فنفوه بشدة.
فإذاً قد يقول قائل: إن أصول ما وجدت في عهد الصحابة، ولم يكن لهم فيها موقف، وهذا خطأ.
أما الأصول فأظن أن أصول البدع الأولى أو أصول الفرق الكبرى كلها حدث لها نماذج في عهد الصحابة؛ لأنهم عايشوا أمماً مختلفة في ديانتها ومللها ونحلها، وكل أمة حاولت عن جهل أو عن تجاهل أو عن خبث من بعض الأشخاص أن تظهر ديانتها بين المسلمين، فصارت هذه المظاهر في عهد الصحابة فنفوها.
стр. 209
أصول البدع أربعة أبواب
قال رحمه الله تعالى: [واعلموا -رحمكم الله- أن أصول البدع أربعة أبواب انشعب من هذه الأربعة اثنان وسبعون هوى، ثم يصير كل واحد من البدعة يتشعب، حتى تصير كلها إلى ألفين وثمانمائة وكلها ضلالة، وكلها في النار إلا واحدة، وهو من آمن بما في هذا الكتاب، واعتقده من غير ريبة في قلبه ولا شكوك، فهو صاحب سنة، وهو الناجي إن شاء الله].
هذا الكلام امتداد للفترة السابقة؛ لأنه عندما ذكر أن مما يميز صاحب السنة: تركه لما عليه أصحاب البدع، فذكر بعد ذلك أن أصول البدع أربعة، يعني: أن الأصول الكبرى التي انبثقت عنها البدع الأولى أربعة أبواب، ولم يذكرها على التفصيل لكنه أشار إليها إشارة، ويبدو لي أنه يقصد بذلك: أولاً: الغلو في الأشخاص الذي هو التشيع.
ثانياً: الغلو في الدين والعبادة الذي هو مذهب الخوارج.
ثالثاً: القدر الذي هو مذهب القدرية.
رابعاً: الخلل في مسألة الإيمان الذي هو مذهب المرجئة.
هذه الأصول الأربعة هي أصول البدع الأولى.
الشيعة انبثقت عنها فرق كبيرة وأصول كبيرة جداًَ إلى يومنا هذا: الرافضة الزيدية الشيعة المفضلة الشيعة المفترية الإسماعيلية وفرق الباطنية ومن سلك سبيلها، كل هذه انبثقت عن التشيع من الباب الأول وهو باب الغلو في الأشخاص وباب الشيعة.
ثم بعد ذلك التنطع في الدين والتشدد، وعبادة الله على جهل، هذا من أصول الخوارج وعليه كثير من الفرق أيضاً؛ لأن هذه الأصول ليست خاصة بالخوارج، فنزعة الخوارج موجودة في غالب الفرق، لكنها تختلف في التعبير عنها وربما يأخذون أصلاً ويتركون أصولاً.
وكذلك أصول القدرية تعتبر من أعظم أبواب الابتداع؛ لأن الكلام في القدر فتق الكلام في جميع قضايا الاعتقاد، فأصول الجهمية والمعتزلة أول ما بدأت في الحديث عن القدر، فالقدرية تجرءوا على الكلام في أقدار الله وفي تقديره للعباد.
وتجرءوا على الكلام في علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه، وتجرءوا بأن يعارضوا النصوص الشرعية بعقولهم وأهوائهم؛ فجرهم ذلك إلى الكلام في أسماء الله وصفاته وأفعاله.
فأصول القدرية تعتبر هي المرتكزات الأولى لظهور المعتزلة والجهمية والفرق الكلامية التي تلت، فيعتبر هذا الباب الثالث.
والباب الرابع: الإرجاء، وهو ما يتعلق بالحديث عن الإيمان، سواء ما يتعلق بتعريف الإيمان حقيقة الإيمان دخول الأعمال في مسمى الإيمان زيادة الإيمان ونقصانه الاستثناء في الإيمان.
أيضاً لوازم ذلك مما يسمى بالأسماء والأحكام، والحكم بالكفر والإسلام والإيمان والفسق والظلم والشرك، كل ذلك انبثق عن قضايا الإيمان والتي أخلت بها المرجئة، فظهرت لها وتشعبت لها مقالات، وظهرت لها ردود فعل من المذهب المقابل وهو مذهب القدرية.
أما ما ذكره الشيخ من أن هذه الثنتان وسبعون فهو من باب الظن، وليس من باب اليقين، وهو يشير بذلك إلى الفرق الثنتين والسبعين التي فارقت الجماعة، فهو يقول: إن هذه الفرق الثنتين والسبعين انشعبت من الأربع.
قال: (ثم يصير كل واحد من البدعة ينشعب حتى تصير إلى ألفين وثمانمائة قالة)، كأنه وزع المقالات على هذه، وهذا أيضاً من باب التقريب والظن، لا من باب الجزم، فإنا لا نستطيع أن نجزم أن هذا العدد منضبط، قد يكون الأمر أكثر أو أقل، لكن كما قال: (كلها ضلالة، وكلها في النار إلا واحدة)، أي: الفرق التي خرجت عن الجماعة كلها متوعدة بالنار، فهم من أهل الوعيد إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة.
أنا ذكرت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة؛ بناء على تقسيم الشيخ، وذكرت أن القدرية هي أصل ظهور علم الكلام.
وظهور علم الكلام نتجت عنه المعتزلة والجهمية، ثم الفرق الكلامية التي تلت.
حتى المشبهة في الحقيقة هي فرق كلامية، وليست فرقاً مستقلة، بل فرق كلامية عندها ردود فعل ضد الجهمية والمعتزلة، وكذلك الكرامية، وكذلك الأشاعرة والماتريدية والكلابية، كل هذه امتداد للنزعة الكلامية التي بدأت شرارتها في القدر؛ ولذلك كل فرق أهل الكلام عندها خلل في عقيدة القدر، فتشترك في هذا القاسم المشترك، يقل أو يكثر.
стр. 210
الوقوف عند السنن وعدم التجاوز منجاة من البدع
قال رحمه الله تعالى: [واعلم -رحمك الله- لو أن الناس وقفوا عند محدثات الأمور ولم يتجاوزوها بشيء، ولم يولدوا كلاماً مما لم يجئ فيه أثر عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه؛ لم تكن بدعة].
أي: لو أن الناس وقفوا على التزام شرع الله ، وحذروا المحدثات، بحيث لم يفعلوها ولم يصدقوها ولم يتبعوا أهلها، ولم يتجاوزوها بشيء، ولم يولدوا كلاماً مما لم يجئ فيه أثر عن رسول الله ﷺ أو عن أصحابه لم تكن بدعة، بمعنى أن الناس لو تعلموا الدين وأخذوا به لم تكن بدعة؛ لأن هذا الكلام الذي قاله الشيخ لا يمكن أن يتأتى بمجرد الدعوى، أو بمجرد دعوى العلم اللدني، أو دعوى الحصانة كما يقول بعض الجهلة الآن، يقول: أجيالنا محصنة، نحن بيئة صالحة وأجيالنا نشأت على الفطرة؛ فنحن في مأمن من الأهواء والبدع لأن أجيالنا محصنة من العقائد الفاسدة.
أقول: هذا تهور وتفريط وجهل مطبق! فإنه ليس هناك من المسلمين من يعتبر محصناً إلا إذا بذل الأسباب، ونحن إذا لم نستمر على النهج الذي كنا عليه، وورثناه عن السلف الصالح، فأجيالنا معرضة للأهواء، وقد بدأت قرون الأهواء تظهر بين أجيالنا بعنف، فلا ينبغي أن نتساهل في الأمر، بل لا بد أن نقف عند الحد الذي أوقفنا عليه رسول الله ﷺ في الدين ونحذر المحدثات، وذلك لا يتم إلا بتربية أجيال المسلمين على النهج السليم من حيث تلقين العقيدة تلقيناً جيداً وحازماً، ومن حيث تلقين أصول الإسلام وآدابه ومنهج السلف في العلم والعمل والتعاون، ومن حيث الأخذ بأصول التلقي على نهج سليم، ومن الأخذ بأصول العلم الشرعي على نهج سليم.
ما لم نلقن أجيالنا بهذا الأسلوب السليم، ونربيهم على العقيدة الصحيحة، ونحذرهم مما ينافيها على جهة الإجمال؛ فإنا معرضون للفتن قطعاً، لأنه ليس بيننا وبين الله إلا أن نتمسك بدينه، وما لم نتمسك فالعصمة منتفية.
قال رحمه الله تعالى: [واعلم -رحمك الله! - أنه ليس بين العبد وبين أن يكون مؤمناً حتى يصير كافراً إلا أن يجحد شيئاً مما أنزله الله تعالى، أو يزيد في كلام الله أو ينقص، أو ينكر شيئاً مما قال الله ، أو شيئاً مما تكلم به رسول الله ﷺ ، فاتق الله رحمك الله! وانظر لنفسك، وإياك والغلو في الدين؛ فإنه ليس من طريق الحق في شيء].
هنا أشار الشيخ أيضاً إلى نواقض الإسلام، وأشار أيضاً إلى أمر مهم، وهو أنه ليس بين العبد وبين الكفر إلا أمور قد يستصغرها أغلب الناس، وهي أحياناً أمور قلبية أو لسانية أو عملية غير ظاهرة، وأن الكفر لا يعني أن الإنسان يمر بمراحل وأحوال وتقلبات ظاهرة، أو يمر بأشياء لا بد أن تترتب بعضها على بعض! لا، فأحياناً يحدث الكفر في لحظة، بحالة القلب، أو بكلمة من اللسان، أو بعمل مكفر، وهذا أمر خطير ينبغي أن نتنبه له، بعض الناس يظن أن الكفر أمر صعب، وأنه بعيد عن المسلم إلا بأحوال وإجراءات قد لا يقع فيها المسلم إلا عمداً، بينما الصحيح أنه قد يقع في قلبه أشياء توقعه في الكفر، لكن الحكم بكفره هو الذي يحتاج إلى شيء من التأني، أما الوقوع في الكفر فإن المسلم يخشى عليه ما لم يتعاهد نفسه بفهم العقيدة الصحيحة، وبالاستعانة بالله والتوكل عليه والخضوع له، وبالحذر من فلتات اللسان وخطرات القلب التي ربما تخرجه من الدين، فليكن المسلم حذراً من أن يحدث له ما يخرجه من الدين، ولذلك كان النبي ﷺ يدعو بقوله: (يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك)، وأشار إلى أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
فالمسألة خطيرة جداً، فما بين الكفر والإيمان إلا شعرة، ذكر الشيخ نماذج منها قال: (ما بين العبد وما بين أن يصير كافراً إلا أن يجحد شيئاً مما أنزله الله تعالى).
الجحد أيضاً أحياناً يحدث من الإنسان وهو غافل، لكن لا يحكم بكفره، كمن يسمع نصاً من النصوص الشرعية يظن أنه ليس بصحيح فيجحده، فهذا قال الكفر لكن قد لا يكفر لأنه جاهل، وأعظم من هذا من يسمع بأمر من أمور الدين فينكره؛ ظناً منه أنه ليس من أمور الدين، وهو من أصول الدين ومن قطعيات الدين، فقد يجحده ظناً منه أنه ليس من الدين.
أما إذا جحد لهواه أو استناداً على مقاييس ومصادر تلق من غير الدين؛ فإنه يكفر كفراً صريحاً.
وكذلك قال: (أو يزيد في كلام الله ، هذا أيضاً من بواعث الكفر، وهو أن يدخل في الدين ما ليس منه، سواء زاد آية أو زاد حديثاً، أو لم يزد آية ولا حديثاً لكنه جعل شيئاً من البدع من الدين وليس من الدين.
(أو ينقص) أي: ادعاء أن هناك أموراً من أمور الدين الأصلية يمكن أن يستغنى عنها، أو لا نحتاجها، أو ليست من الدين؛ فهذا أيضاً من النقص، وربما يقع به الإنسان في الكفر، أما الإنكار فهو يرجع إلى الجحود، لكن الجحود أشد من الإنكار؛ لأن الإنكار يدخل فيه الإنكار باللسان، بينما الجحود جحود اللسان والقلب، أو جحود القلب، فهو أشد من الإنكار.
стр. 211
كل ما ورد في كتاب شرح السنة للبربهاري مأخوذ عن الكتاب والسنة أو عن السلف أو عن أحدهم
قال رحمه الله تعالى: [وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب فهو عن الله تعالى وعن رسول الله ﷺ ، وعن أصحابه وعن التابعين، وعن القرن الثالث إلى القرن الرابع؛ فاتق الله يا عبد الله! وعليك بالتصديق والتسليم والتفويض والرضا لما في هذا الكتاب، ولا تكتم هذا الكتاب أحداً من أهل القبلة؛ فعسى يرد الله به حيراناً عن حيرته، أو صاحب بدعة عن بدعته، أو ضالاً عن ضلالته فينجو به، فاتق الله! وعليك بالأمر الأول العتيق، وهو ما وصفت لك في هذا الكتاب، فرحم الله عبداً ورحم والديه قرأ هذا الكتاب وبثه وعمل به، ودعا إليه واحتج به؛ فإنه دين الله ودين رسول الله ﷺ ، فإنه من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين الله بدين وقد رده كله، كما لو أن عبداً آمن بجميع ما قال الله ﵎ إلا أنه شك في حرف؛ فقد رد جميع ما قال الله تعالى، وهو كافر.
كما أن شهادة أن لا إله إلا الله لا تقبل من صاحبها إلا بصدق النية وإخلاص اليقين، كذلك لا يقبل الله شيئاً في ترك بعض، ومن ترك من السنة شيئاً فقد ترك السنة كلها؛ فعليك بالقبول، ودع المحك واللجاجة؛ فإنه ليس من دين الله في شيء، وزمانك خاصة زمان سوء فاتق الله!].
هذا الكلام فيه شيء من التزكية والمبالغة لما كتبه الشيخ عن نفسه، لكن يظهر لي أنه يقصد مجمل ما ورد في الكتاب؛ لأنه لا يتصور أن مثل البربهاري يعتبر كل ما قاله من القطعيات، ومن هنا يكون هذا الوعيد على من خالف أو التأكيد على التمسك به، وقوله: (وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب فهو عن الله تعالى وعن رسول الله ﷺ ، أو عن أصحابه أو عن التابعين)، يقصد هنا التنويع، أنه إما أن يكون عن الله تعالى، أو عن رسوله ﷺ أو عن الصحابة أو عن التابعين، أو عن القرن الثالث إلى القرن الرابع، وهو قد عاش في القرنين الثالث والرابع.
فيبدو لي أنه إذا عبرنا بـ (أو) فالكلام صحيح، أما أن ينسب جميع ما قاله عن الله وعن رسوله ﷺ ففي هذا نظر؛ لأن هناك أشياء اجتهد فيها ﵀ ليست ثابتة عن الله ولا عن رسوله ﷺ ، وهي محل نظر عند أئمة العلم، لكن السياق يتحمل أن يقصد التنويع، أن كل ما ذكره إما عن الله وعن رسوله ﷺ ، أو عن الصحابة، أو عن التابعين، أو عن القرون الثلاثة المفضلة، وهذا صحيح، فكل ما ذكره مما قاله أئمة السلف أو بعضهم أو أحدهم، أما الباقي فهو أشبه بالموعظة والوصية، وهذا لا حرج عليه فيه حينما أمر بتوزيع هذا الكتاب ونشره والاهتمام به؛ لأنه يمثل خلاصة أصول أهل السنة والجماعة، وأظن -والله أعلم- أنه في وقته يندر أن يوجد مثل هذا الكتاب الجامع الموجز.
صحيح أن أئمة السلف في وقته كتبوا مطولات في العقائد، لكنها كانت إما ضمن كتب الحديث، أو كانت مفردة في العقائد لكنها طويلة ومسندة تصل إلى مجلدات، أو أنها في بعض قضايا العقيدة: إما في الإيمان أو في أفعال العباد، أو في قضية بدعة خلق القرآن، أو في مسائل القدر وغيرها.
فيندر في وقت المؤلف ﵀ أن يوجد كتاب موجز يذكر أصول السلف على هذا النحو بجميع ما يرى أنه من الأصول، فهو من الكتب المبكرة جداً التي على هذا النحو، فيبدو لي أنه أوصى بالكتاب لأنه على هذا النحو الذي ذكرته لك، وإلا فهو يعلم أن للأئمة كتباً ومؤلفات فيها أصول الدين، وفيها ذكر هذه الأصول أو بعض هذه الأصول.
ثم ضمن هذه الوصية بعض الأشياء، مثل: (عليك بالأمر الأول العتيق) هذا سبق الكلام عنه.
وكذلك قوله: (فإنه من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين الله بدين)، يقصد قضايا أصول الدين التي ذكرها، ما أظن أنه يقصد جميع ما ورد فيه؛ لأن بعض ما ورد فيه جزئيات وفرعيات، لكن يقصد جملة الأصول، فلا شك أن من استحل شيئاً من هذه الأصول التي اتفق عليها السلف فإنه ليس يدين الله بدين.
وقوله: (وقد رده كله) لأن من رد شيئاً من أصول الدين فقد رد الباقي.
ثم ذكر ما يؤيد ذلك، وذكر أيضاً مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، (كما أن شهادة أن لا إله إلا الله لا تقبل من صاحبها إلا بصدق النية وإخلاص اليقين، ولا يقبل الله شيئاً في ترك بعض هذه الأصول، ومن ترك من السنة شيئاً فقد ترك السنة كلها)، يعني: من الأصول القطعيات، لا يقصد السنة المفهومة عند الفقهاء التي هي بمعنى المستحبات وما دون الواجب ونحو ذلك، إنما يقصد بالسنة العقيدة، كما هو معروف عند السلف.
قوله: (فعليك بالقبول، ودع عنك المحك)، أي: المماحكة، وهي المغالطة والمراء والجدال، وهي أيضاً ترادف اللجاج، (فإنه ليس من دين الله في شيء).
(وزمانك): يقصد الزمان الذي كان فيه بداية القرن الرابع الهجري، وفعلاً تميز ذاك القرن برواج البدع وعنفها على السنة، وشدة وطأتها على المسلمين؛ بسبب وجود دويلات الرافضة، ودويلات الفلاسفة، الدويلات التي نشرت البدع، ومع ذلك كان زمانه من أفضل الأزمنة بعد القرون الثلاثة الفاضلة، والله أعلم.
стр. 212
الأسئلة
стр. 213
حصر الكفر في الاعتقاد فقط
السؤال
هل القول بأن الكفر لا يكون إلا باعتقاد من أقوال أهل السنة والجماعة؟
الجواب
القول بأن الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد -أي: بالأمور الاعتقادية- قول لبعض أهل السنة، لكنه قول مرجوح، ويخالف قول الجمهور، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكره عن أئمة كبار من أئمة الدين المعدودين من أئمة السنة.
لكنه كلام غير مفسر؛ لأنهم قالوا: إن الكفر الاعتقادي لا بد أن ينبثق عنه عمل، فكأنهم جعلوا الكفر العملي من لوازم الكفر الاعتقادي.
فعند التفصيل نجد أنهم يتفقون على أن الكفر ليس الكفر الاعتقادي فقط، بل وفيه العملي، لكنهم يقولون بأنه لا يمكن أن يكون هناك إخلال عملي إلا وهو ناتج عن فساد الاعتقاد، وإن اختل شيء من ذلك فهذا من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله ، لكن نحن نحكم بقرائن الأحوال.
فالشاهد أن هناك من أئمة السلف من قال بأن الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد، لكنه كما قلت كلام مجمل يفسره قول من فصلوا، ومع ذلك فهذا القول مرجوح، والذي عليه جمهور السلف أن الكفر يكون بالاعتقاد فقط، ويكون بالعمل فقط، ويكون بهما سواء؛ لأن الإعراض عن دين الله بالكلية كفر وإن لم يصحبه اعتقاد والشرك بالله كفر ولو لم يصحبه اعتقاد؛ لأن مسألة الاعتقاد مسألة ليست حدية، أي: ليست ظاهرة، بل مسألة مجملة مبهمة، قد لا يفهمها كثير من الناس، فإن بعض الناس لا يستصحب الاعتقاد في الأعمال الشركية على الوجه الذي نتصوره نحن، قد يعمل الشرك بالتقليد، لكن مع ذلك يعد مشركاً.
فأقول: إن هناك من الأعمال ما يقتضي الخروج من الملة ولو لم يصحبه اعتقاد في الظاهر لنا.
وكذلك الاعتقاد قد يكون مخرجاً من الملة -وهذا متفق عليه- وإن لم ينبثق عنه عمل، وقد يجتمع العمل الظاهر والعمل القلبي في الكفريات، وهذا هو الغالب.
стр. 214
التكفير بالجهل
السؤال
ما حكم التكفير بالجهل؟
الجواب
الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسائله وفي كتبه كفر الجاهلين أحياناً، ونفى عنهم الكفر أحياناً، وهذا صحيح وهذا صحيح.
إذا قرأت ما قاله؛ فإنه لا يكفر الجاهل إذا وقع في الكفر عرضاً، هذا ظاهر ما تأملته من كلامه وكلام أئمة الدعوة، يرون أن الجاهل الذي يقع في الكفر عرضاً لا يكفر حتى نتثبت منه، لكن الجاهل الذي يقع في الكفر أصالة بالتبع، بمعنى أنه يمارس الكفر دائماً وهو ديدنه، كمن يطوف بالقبر يومياً أو كل أسبوع أو كل سنة، ويستمر على هذا، أو يسجد للصنم دائماً وإن ادعى الإسلام، لأنه يعمل الكفر بشكل دائم، والأصل فيه الكفر.
أما الكفر العارض فهو ينفى عن الجاهل حتى تتبين حاله، فالمسلم الذي الأصل فيه أنه على السنة، فإذا وقع في كفر يحمل على الجهل فنتثبت من حاله.
أما من كان الأصل فيه البدعة المغلظة والكفرية وهي ديدنه؛ فهذا الأصل فيه الكفر حتى يتبين لنا ما يعارض ذلك.
هذا الظاهر من كلام الشيخ.
стр. 215
الطحاوي ممن يقول: لا كفر إلا باعتقاد
السؤال
الطحاوي هل هو ممن يقول بالقول الأول: لا كفر إلا باعتقاد؟
الجواب
هذا الظاهر، الطحاوي ﵀ مال في هذه المسألة إلى قول المرجئة في قوله: إنه لا كفر إلا باستحلال، أو بالاعتقاد، فقوله أميل إلى قول المرجئة، لكن في عباراته اضطراب، فهو عندما أجمل ذكر قول المرجئة أنه لا يكفر أحد بذنب ما لم يستحله، وهذا غير صحيح، فهذه ليست عبارة السلف، فيبدو لي -والله أعلم- أنه أقرب إلى قول المرجئة، لكن إذا نظرنا إلى عبارته عند التفصيل نجد أنه يحاول أحياناً أن يقول بقول أهل السنة والجماعة، ولا يستبعد أنه في هذه المسألة على مذهب شيوخه من مرجئة الفقهاء، وإن كان ﵀ من أئمة السنة في سائر أصول الدين.
следующие страницы →