← Акыда

Акыда · id 37718

التعليق على شرح السنة للبربهاري - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (315 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كل ما ورد في كتاب شرح السنة للبربهاري مأخوذ عن الكتاب والسنة أو عن السلف أو عن أحدهم قال رحمه الله تعالى: [وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب فهو عن الله تعالى وعن رسول الله ﷺ ، وعن أصحابه وعن التابعين، وعن القرن الثالث إلى القرن الرابع؛ فاتق الله يا عبد الله! وعليك بالتصديق والتسليم والتفويض والرضا لما في هذا الكتاب، ولا تكتم هذا الكتاب أحداً من أهل القبلة؛ فعسى يرد الله به حيراناً عن حيرته، أو صاحب بدعة عن بدعته، أو ضالاً عن ضلالته فينجو به، فاتق الله! وعليك بالأمر الأول العتيق، وهو ما وصفت لك في هذا الكتاب، فرحم الله عبداً ورحم والديه قرأ هذا الكتاب وبثه وعمل به، ودعا إليه واحتج به؛ فإنه دين الله ودين رسول الله ﷺ ، فإنه من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين الله بدين وقد رده كله، كما لو أن عبداً آمن بجميع ما قال الله ﵎ إلا أنه شك في حرف؛ فقد رد جميع ما قال الله تعالى، وهو كافر. كما أن شهادة أن لا إله إلا الله لا تقبل من صاحبها إلا بصدق النية وإخلاص اليقين، كذلك لا يقبل الله شيئاً في ترك بعض، ومن ترك من السنة شيئاً فقد ترك السنة كلها؛ فعليك بالقبول، ودع المحك واللجاجة؛ فإنه ليس من دين الله في شيء، وزمانك خاصة زمان سوء فاتق الله!]. هذا الكلام فيه شيء من التزكية والمبالغة لما كتبه الشيخ عن نفسه، لكن يظهر لي أنه يقصد مجمل ما ورد في الكتاب؛ لأنه لا يتصور أن مثل البربهاري يعتبر كل ما قاله من القطعيات، ومن هنا يكون هذا الوعيد على من خالف أو التأكيد على التمسك به، وقوله: (وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب فهو عن الله تعالى وعن رسول الله ﷺ ، أو عن أصحابه أو عن التابعين)، يقصد هنا التنويع، أنه إما أن يكون عن الله تعالى، أو عن رسوله ﷺ أو عن الصحابة أو عن التابعين، أو عن القرن الثالث إلى القرن الرابع، وهو قد عاش في القرنين الثالث والرابع. فيبدو لي أنه إذا عبرنا بـ (أو) فالكلام صحيح، أما أن ينسب جميع ما قاله عن الله وعن رسوله ﷺ ففي هذا نظر؛ لأن هناك أشياء اجتهد فيها ﵀ ليست ثابتة عن الله ولا عن رسوله ﷺ ، وهي محل نظر عند أئمة العلم، لكن السياق يتحمل أن يقصد التنويع، أن كل ما ذكره إما عن الله وعن رسوله ﷺ ، أو عن الصحابة، أو عن التابعين، أو عن القرون الثلاثة المفضلة، وهذا صحيح، فكل ما ذكره مما قاله أئمة السلف أو بعضهم أو أحدهم، أما الباقي فهو أشبه بالموعظة والوصية، وهذا لا حرج عليه فيه حينما أمر بتوزيع هذا الكتاب ونشره والاهتمام به؛ لأنه يمثل خلاصة أصول أهل السنة والجماعة، وأظن -والله أعلم- أنه في وقته يندر أن يوجد مثل هذا الكتاب الجامع الموجز. صحيح أن أئمة السلف في وقته كتبوا مطولات في العقائد، لكنها كانت إما ضمن كتب الحديث، أو كانت مفردة في العقائد لكنها طويلة ومسندة تصل إلى مجلدات، أو أنها في بعض قضايا العقيدة: إما في الإيمان أو في أفعال العباد، أو في قضية بدعة خلق القرآن، أو في مسائل القدر وغيرها. فيندر في وقت المؤلف ﵀ أن يوجد كتاب موجز يذكر أصول السلف على هذا النحو بجميع ما يرى أنه من الأصول، فهو من الكتب المبكرة جداً التي على هذا النحو، فيبدو لي أنه أوصى بالكتاب لأنه على هذا النحو الذي ذكرته لك، وإلا فهو يعلم أن للأئمة كتباً ومؤلفات فيها أصول الدين، وفيها ذكر هذه الأصول أو بعض هذه الأصول. ثم ضمن هذه الوصية بعض الأشياء، مثل: (عليك بالأمر الأول العتيق) هذا سبق الكلام عنه. وكذلك قوله: (فإنه من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين الله بدين)، يقصد قضايا أصول الدين التي ذكرها، ما أظن أنه يقصد جميع ما ورد فيه؛ لأن بعض ما ورد فيه جزئيات وفرعيات، لكن يقصد جملة الأصول، فلا شك أن من استحل شيئاً من هذه الأصول التي اتفق عليها السلف فإنه ليس يدين الله بدين. وقوله: (وقد رده كله) لأن من رد شيئاً من أصول الدين فقد رد الباقي. ثم ذكر ما يؤيد ذلك، وذكر أيضاً مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، (كما أن شهادة أن لا إله إلا الله لا تقبل من صاحبها إلا بصدق النية وإخلاص اليقين، ولا يقبل الله شيئاً في ترك بعض هذه الأصول، ومن ترك من السنة شيئاً فقد ترك السنة كلها)، يعني: من الأصول القطعيات، لا يقصد السنة المفهومة عند الفقهاء التي هي بمعنى المستحبات وما دون الواجب ونحو ذلك، إنما يقصد بالسنة العقيدة، كما هو معروف عند السلف. قوله: (فعليك بالقبول، ودع عنك المحك)، أي: المماحكة، وهي المغالطة والمراء والجدال، وهي أيضاً ترادف اللجاج، (فإنه ليس من دين الله في شيء). (وزمانك): يقصد الزمان الذي كان فيه بداية القرن الرابع الهجري، وفعلاً تميز ذاك القرن برواج البدع وعنفها على السنة، وشدة وطأتها على المسلمين؛ بسبب وجود دويلات الرافضة، ودويلات الفلاسفة، الدويلات التي نشرت البدع، ومع ذلك كان زمانه من أفضل الأزمنة بعد القرون الثلاثة الفاضلة، والله أعلم.

стр. 212

الأسئلة

стр. 213

حصر الكفر في الاعتقاد فقط السؤال هل القول بأن الكفر لا يكون إلا باعتقاد من أقوال أهل السنة والجماعة؟ الجواب القول بأن الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد -أي: بالأمور الاعتقادية- قول لبعض أهل السنة، لكنه قول مرجوح، ويخالف قول الجمهور، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكره عن أئمة كبار من أئمة الدين المعدودين من أئمة السنة. لكنه كلام غير مفسر؛ لأنهم قالوا: إن الكفر الاعتقادي لا بد أن ينبثق عنه عمل، فكأنهم جعلوا الكفر العملي من لوازم الكفر الاعتقادي. فعند التفصيل نجد أنهم يتفقون على أن الكفر ليس الكفر الاعتقادي فقط، بل وفيه العملي، لكنهم يقولون بأنه لا يمكن أن يكون هناك إخلال عملي إلا وهو ناتج عن فساد الاعتقاد، وإن اختل شيء من ذلك فهذا من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله ، لكن نحن نحكم بقرائن الأحوال. فالشاهد أن هناك من أئمة السلف من قال بأن الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد، لكنه كما قلت كلام مجمل يفسره قول من فصلوا، ومع ذلك فهذا القول مرجوح، والذي عليه جمهور السلف أن الكفر يكون بالاعتقاد فقط، ويكون بالعمل فقط، ويكون بهما سواء؛ لأن الإعراض عن دين الله بالكلية كفر وإن لم يصحبه اعتقاد والشرك بالله كفر ولو لم يصحبه اعتقاد؛ لأن مسألة الاعتقاد مسألة ليست حدية، أي: ليست ظاهرة، بل مسألة مجملة مبهمة، قد لا يفهمها كثير من الناس، فإن بعض الناس لا يستصحب الاعتقاد في الأعمال الشركية على الوجه الذي نتصوره نحن، قد يعمل الشرك بالتقليد، لكن مع ذلك يعد مشركاً. فأقول: إن هناك من الأعمال ما يقتضي الخروج من الملة ولو لم يصحبه اعتقاد في الظاهر لنا. وكذلك الاعتقاد قد يكون مخرجاً من الملة -وهذا متفق عليه- وإن لم ينبثق عنه عمل، وقد يجتمع العمل الظاهر والعمل القلبي في الكفريات، وهذا هو الغالب.

стр. 214

التكفير بالجهل السؤال ما حكم التكفير بالجهل؟ الجواب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسائله وفي كتبه كفر الجاهلين أحياناً، ونفى عنهم الكفر أحياناً، وهذا صحيح وهذا صحيح. إذا قرأت ما قاله؛ فإنه لا يكفر الجاهل إذا وقع في الكفر عرضاً، هذا ظاهر ما تأملته من كلامه وكلام أئمة الدعوة، يرون أن الجاهل الذي يقع في الكفر عرضاً لا يكفر حتى نتثبت منه، لكن الجاهل الذي يقع في الكفر أصالة بالتبع، بمعنى أنه يمارس الكفر دائماً وهو ديدنه، كمن يطوف بالقبر يومياً أو كل أسبوع أو كل سنة، ويستمر على هذا، أو يسجد للصنم دائماً وإن ادعى الإسلام، لأنه يعمل الكفر بشكل دائم، والأصل فيه الكفر. أما الكفر العارض فهو ينفى عن الجاهل حتى تتبين حاله، فالمسلم الذي الأصل فيه أنه على السنة، فإذا وقع في كفر يحمل على الجهل فنتثبت من حاله. أما من كان الأصل فيه البدعة المغلظة والكفرية وهي ديدنه؛ فهذا الأصل فيه الكفر حتى يتبين لنا ما يعارض ذلك. هذا الظاهر من كلام الشيخ.

стр. 215

الطحاوي ممن يقول: لا كفر إلا باعتقاد السؤال الطحاوي هل هو ممن يقول بالقول الأول: لا كفر إلا باعتقاد؟ الجواب هذا الظاهر، الطحاوي ﵀ مال في هذه المسألة إلى قول المرجئة في قوله: إنه لا كفر إلا باستحلال، أو بالاعتقاد، فقوله أميل إلى قول المرجئة، لكن في عباراته اضطراب، فهو عندما أجمل ذكر قول المرجئة أنه لا يكفر أحد بذنب ما لم يستحله، وهذا غير صحيح، فهذه ليست عبارة السلف، فيبدو لي -والله أعلم- أنه أقرب إلى قول المرجئة، لكن إذا نظرنا إلى عبارته عند التفصيل نجد أنه يحاول أحياناً أن يقول بقول أهل السنة والجماعة، ولا يستبعد أنه في هذه المسألة على مذهب شيوخه من مرجئة الفقهاء، وإن كان ﵀ من أئمة السنة في سائر أصول الدين.

стр. 216

أحسن الكتب التي ترد على الفكر الإرجائي السؤال بدأ ينتشر في الآونة الأخيرة وعلى شاشات الفضائيات الفكر الإرجائي، ونريد مرجعاً شاملاً عن هذا الفكر وهذا الاعتقاد الجواب لقد كتبت عدة كتب في الإرجاء والمرجئة، وهي متوفِّرة في الأسواق، لكن من أراد التأصيل العلمي لمثل مستويات الذين يحضرون الدروس الشرعية فكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية مؤصل، وذكر هذه الأمور تفصيلاً. وعلى سبيل الإيجاز، من الكتب القديمة: أحسن من ناقش هذه القضية أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان، رسالة موجزة، لكن في الحقيقة تقصي أقوال المرجئة وأدلتهم بعبارة سهلة موجزة، وليس فيها استطراد، وبالدلالة الشرعية الظاهرة القوية. أما انتشار الفكر الإرجائي في الفضائيات فهو راجع إلى أن أغلب الذين يسهمون في البرامج الإسلامية في الفضائيات أشاعرة ماتريدية، وعقلانيون عصرانيون، وهؤلاء مرجئة في الأصل، لا نتوقع منهم غير ذلك، إلا من وفقه الله للقول بقول أهل السنة والجماعة.

стр. 217

علاقة المسلمين بنهاية الألف عام أو بدايته السؤال هل للمسلمين علاقة بالألفية؟ الجواب مسألة الألفية لا علاقة للمسلمين بها، أعني التعلق بنهاية الألفي عام، بعض الناس يظن أن الألفية هي نهاية عام (١٩٩٩)، وليس كذلك بل بعد (١٩٩٩) تدخل السنة الأخيرة من الألف الثانية من ميلاد المسيح إن صح تاريخ هذا الميلاد، مع أن فيه نظراً كبيراً؛ ولذلك مما يحتج عليهم بتنبؤاتهم الكاذبة أن الميلاد بهذا التاريخ فيه شك كبير. لكن على أي حال أقول: إنه لا علاقة للمسلم بهذه الألفية إطلاقاً، فالمسلم لا يتعلق دينه ولا مصيره ولا مصائر الأمم عنده بشيء من الأرقام أو الحسابات أو السنين أو المئات أو الألوف، وكل من يتعلق بالألف أو المائة أو العشرة هم الأمم الهالكة التي ليست على دين صحيح، فهي تعيش أوهاماً، خاصة اليهود والنصارى والرافضة الآن كلهم متعلقون بالألفية. الرافضة سمعت لهم أشرطة في تعلقهم بهذا الألف الذي نحن فيه لا يقل عن تعلق اليهود والنصارى الذين صنعوا دين الرافضة والمجوس. فالشاهد أن المسلم ليس له علاقة ولا ينبغي أن يتعلق قلبه وتوهماته ولا مصيره ولا اهتماماته بالألف الذي نحن فيه ونهايته، أو بداية الألف القادم. أما اليهود والنصارى والأمم الأخرى فلهم اعتقادات، هذه الاعتقادات كانوا يرحلونها، ففي فترات قديمة من الزمان كانوا يعتقدون أنه بعد مائة سنة من موت المسيح سيحدث شيء، وبعد المائتين، وبعد الثلاث، وبعد الأربع، وبعد الخمس، وبعد الست ما حصل شيء، ثم تعلقوا بالألف الأول، وجاءهم شيء عظيم من الإرجاف والدجل والكذب في الألف الأول من التاريخ الميلادي السابق، وعلقوا به آمالاً أشد من تعليق المعاصرين؛ لأن أولئك كانوا أكثر تديناً، ولكن تبخرت آمالهم. وهؤلاء أيضاً ستتبخر آمالهم بإذن الله جزماً في هذه الألفية، فهم يعتقدون أن في نهاية هذا الألف ستحدث أحداث جسام تغير معالم الدنيا وتغير العالم تكون في صالحهم، واليهود يجزمون بأن الأحداث ستكون في صالحهم، والنصارى يجزمون بأن هناك أحداثاً كونية ستحدث وأنها في صالحهم، يعتقدون أنه سيخرج مهدي أو رسول أو نبي أو مصلح إلى آخره، أو ملك بالنسبة لليهود من نسل داود يتوج ويحكم مملكة إسرائيل العظمى، ويحكم العالم، والنصارى كذلك، ولذلك كل نبوءاتهم متعلقة بأجزاء من فلسطين، وبدءوا يمهدون للاحتفالات بهذا. لكن في الحقيقة هم يذكرون الشيء الذي يعجبهم ولا يذكرون ما لا يعجبهم، فيجاريهم ضعاف المسلمين خاصة بعض المثقفين والمفكرين، وبعض المؤسسات الغوغائية جارتهم في مثل هذه التوقعات والتوهمات. العجيب أن لهم نبوءات من عشر سنين، (٩١) و (٩٢) و (٩٣) و (٩٤) و (٩٥) و (٩٦) و (٩٧) بالذات و (٩٨) و (٩٩) التي نحن فيها، فهذه الثلاث علقوا بها أشياء كثيرة ما حدث منها شيء بحمد الله، بل الذي يحدث عكسها، لكنهم لا يعلنون ما يسوءهم، وأكثركم ربما سمع بنبوءاتهم عن شهر إبريل الماضي، وأنه يحدث فيه حدث عالمي عظيم، حتى إن بعضهم عطل حياته وعطل وظيفته وترك البناء وهجر بيته. فالشاهد أن التعلق بالألفية من خرافات الأمم الوثنية، وما يقولونه من نبوءات تتعلق بأحداث كبرى هم متخرصون كاذبون، وقد يحدث الله شيئاً، لكن لا يحدث ما يوافق نبوءاتهم. فلذلك أقول: لا نبالغ في النفي ولا الإثبات، نحن نجزم بأن ما يقولونه لن يكون، لكن لا نبالغ بأنه لن يحدث من العوارض الكونية شيء؛ لأن الله يتصرف في خلقه كما يشاء، فقد تحدث فيضانات أو زلازل، كما يحدث في سائر السنين، فلذلك لو حدث شيء لا قدر الله؛ فيجب أن لا نربطه بتوهماتهم. مثلاً: هذه السنة كثرت الزلازل، لكن كثرت لأنها سنة من السنين التي قدر الله فيها الزلازل، لا لأنها نهاية الألفين. ويجب أن نعتقد هذا جازمين بأنه لا علاقة لما يمكن أن يحدث بنبوءاتهم إن حدث، وإلا فأنا متفائل أن الله سيخيب آمالهم، ولن يحدث شيء على الأقل من باب ألا تكون نبوءاتهم فتنة للناس، إلا أن يعاقبنا الله بسبب التعلق بأذيالهم. فالشاهد أن التعلق بالألفية من خرافات الأمم ولا علاقة لها بالإسلام، وأن الإسلام لم يعلق مصائر الأمة ولا مصير أحد من الناس ولا شيء من الأحداث بهذه السنين، والسنين كلها واحدة يقدر الله فيها ما يشاء، فيجب على المسلمين أن يتنبهوا ولا يجاروا ما يحدث في الإعلام وما يشيعه ضعفاء النفوس، وما يحدث من الأمم الآن من التهيب والتحفز والاستعدادات الضخمة التي يستعدون بها. وينبغي أيضاً إشاعة هذا الأصل بين الناس اليوم؛ لأن الهواجس والوساوس قد انتشرت بين أبناء المسلمين، وقد قال لي أحد الشباب: إنه ذهب ليشتري جهازاً من الأجهزة فلقيه آخر فقال: لا تشتر حتى ينتهي عام (١٩٩٩م) فقلت: لقد أخطأ في التقدير، وكان المفروض أن يقول لك: حتى ينتهي عام (٢٠٠٠) لأن الألفية الثالثة لا تبدأ إلا في بداية سنة ألفين وواحد. فهذا مسلم دخله الوهن الوسواس، ولو قدر أن قامت الساعة بعد مائة سنة أو ألف سنة فهل يعني هذا أن المسلمين يتواصون بعدم الاستمرار في عمارة الدنيا وعبادة الله ؟ يقول النبي صلى الله عليه و

стр. 218

السرية في الدعوة إلى الله بدعة السؤال لقد ذكرت في إحدى المنابر الإعلامية أن السرية في أعمال الدعوة من سمات أهل الأهواء؟ الجواب السرية في الدين والنجوى في الدين من سمات أهل الأهواء؛ لأن الدين ليس فيه نجوى، والدعوة إلى الله ليس فيها نجوى لكن أن يكون للناس أحوال في ترتيبهم لأمورهم وفي تقديرهم لمعاشهم في بعض أمور الدعوة إلى الله بما تقتضيه المصلحة، ككتمان شيء من الأشياء التي في إشاعتها مضرة، هذا أمر راجع إلى القواعد الشرعية؛ لكن السرية في أمر الدعوة بمعنى أن يتفق أناس على تأسيس أمور دون جماعة المسلمين يسمونها مناهج في الدعوة أو نحوها، هذا هو المحذور. ولذلك قال كثير من السلف: إذا رأيت أناساً يتناجون من دون العامة فاعلموا أنهم على تأسيس ضلالة، أي: فلماذا يتهامسون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله في مناهجها وأصولها. أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد يحتاج إلى شيء من الكتمان، كما إذا أراد محتسب أن يقضي على منكر ويخشى في إشاعة عمله لإزالة هذا المنكر ما يسيء إلى سمعة الآخرين، أو يضر بأعراض الناس، أو يؤدي إلى قطع السبب؛ فهذا أمر آخر لا علاقة له بما أذكر، فأنا أقصد بالسرية في الدين والدعوة أن يكون هناك مناهج وأساليب يختص بها أناس عليها يوالون وعليها يعادون، ويكون لهم خصوصيات يعتزلون فيها عن جماعة المسلمين، وعن العلماء وطلاب العلم الآخرين، يكونون أصحاب شعار وتوجه خاص بهم؛ هذا هو الممنوع، وهو السرية التي هي بدعة وتؤدي إلى البدعة وإن صدق أصحابها في نياتهم فمآلها إذا لم يتركوها إلى البدعة، هذا ما أقصده، وفعلاً أنا كررت هذا في برنامج البدعة والسنة في إذاعة القرآن ولعل السائل يقصد ذلك بالمنابر الإعلامية، والله أعلم.

стр. 219

شرح السنة [١٦] الفتنة شر وبلاء، تحدث بين المسلمين فتقع الفرقة والاختلاف في الدين أو في الدنيا، وقد يحدث بسببها قتال وتنازع، فإذا وقع ذلك فيجب على المسلم أن يلزم بيته، ويعتزل الفتنة ومن دعا إليها، وإن كان من أهل العلم والمكانة وسعى في الإصلاح والخير حتى تزول الفتنة؛ فذلك خير عظيم وواجب كبير.

стр. 220

الموقف من الفتن قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [وإذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك، وفر من جوار الفتنة، وإياك والعصبية، وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا فهو فتنة، فاتق الله وحده لا شريك له ولا تخرج فيها، ولا تقاتل فيها ولا تهوى ولا تشايع ولا تمايل ولا تحب شيئاً من أمورهم، فإنه يقال: من أحب فعل قوم خيراً كان أو شراً كان كمن عمله، وفقنا الله وإياكم لمرضاته، وجنبنا وإياكم معصيته].

стр. 221

معنى الفتنة ومتى تكون هذا أيضاً من الأصول المهمة التي وردت الإشارة إليها في كثير من النصوص الشرعية وأكد عليها السلف، وما يتعلق بموقف المسلم من الفتن، وقد ذكر الشيخ هنا بعض هذه الأصول في موقف المسلم من الفتن، وقبل أن أذكر ذلك أحب أن أشير إلى معنى الفتنة ومتى تكون فتنة؛ لأن أكثر الناس قد يستعجل بعض الأمور فيسميها فتنة أو يطلق عليها فتنة وليس الأمر كذلك، وأيضاً بعض الفتن قد تعصف بالأمة ومع ذلك يتساهل فيها بعض الناس أو يرى أنها ليست من الفتنة. فالفتنة: هي كل ما أدى إلى الفرقة بين المسلمين في دينهم أو في دنياهم، وليس من شروط الفتنة أن يصل الأمر فيها إلى القتال. فما أدى إلى الفرقة في الدين فهو فتنة، وما أدى إلى مفارقة جماعة المسلمين فهو فتنة، وما أدى إلى الخروج على ولاة المسلمين وطاعتهم وترك البيعة والسمع والطاعة فهو فتنة، وما أدى إلى الإخلال بمصالح الأمة العظمى كالإخلال بالأمن أو تضييق المعايش على الناس أو الوقوع في الظلم الظاهر بين العباد؛ فإن ذلك كله فتنة. إذاً: فالضابط في الفتنة هو الإضرار بالدين أو الدنيا. يقول: (فإذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك) هذا هو الأصل في كل مسلم إذا رأى الفتنة أن يلزم جوف بيته؛ لأن كثيراً من الذين يقعون في الفتن يقعون فيها بسبب ولوجهم أو تساهلهم في المشاركة فيها، وأعني بذلك أن كثيراً ممن يقعون في الفتنة قد لا يقصدون الباطل أو لا يريدونه؛ فمجرد المشاركة تتعقد عليهم الأمور، وتصرفهم الخطوب، وأيضاً قد تعمى بصائرهم عن الحق حتى يقعوا في الباطل من حيث لا يشعرون والفتنة تدع الحليم حيراناً، والمتأمل لحال الفتن في تاريخ الإسلام يجد كثيراً ممن وقعوا فيها لم يكونوا يقصدون الفتنة وليسوا أهل فتنة؛ لكنهم تساهلوا بأن شاركوا مع أحد أطراف الفتنة وبقصد الإصلاح أحياناً، لكن الأمر يفوت على الشخص؛ لأن الفتنة لا تكون فيها القيادة والريادة لأهل العلم، ولا لأهل الحلم، ولا لأهل الحكم، ولا لأهل الحل والعقد، بل تكون القيادة والريادة في الغالب لأهل الفساد في الأرض، أو الدهماء والرعاع الذين لا عقول لهم ولا دين. وينقاد العالم الحليم الحكيم إلى الفتنة مع الرويبضة، ومع الرعاع والدهماء رغم أنفه، إلا إذا لزم بيته، هذا على العموم لكن قد يتعين على بعض الناس مثل ولاة الأمر والعلماء أهل الحل والعقد المطاعين في عشائرهم أن يسعوا إلى الإصلاح لكن لا يكون لهم انحياز مع أحد أطراف الفتنة؛ لأن الانحياز يؤدي إلى إيقاد الفتنة.

стр. 222

اعتزال الفتنة والدعوة إلى الإصلاح إذاً: الأصل في المسلم عند الفتنة أن يلزم بيته وأن يصمت ويسكت حتى وإن رأى الحق مع أحد الأطراف، أما العلماء المطاعون والولاة الذين بأيديهم الحل والعقد والذين يطاعون في عشائرهم وفي أقوامهم فهؤلاء ينبغي أن يسعوا للإصلاح حتى تزول الفتنة. قال: (وفر من جوار الفتنة وإياك والعصبية) هذا أيضاً دليل فقه الشيخ ﵀، فإن الفتنة غالباً تثير العصبية، وما من فتنة إلا وتثور مع العصبية؛ لأن الفتنة تقرب ضعاف الإيمان والعقول الذين تجرهم العصبيات، وتبعد أولي الفقه والحلم، ومن هنا تدخل العصبية للبلاد، العصبية للشعار، العصبية للحزب، العصبية للجماعة، العصبية للقبيلة، لأن الذي يقود الناس في الفتن هو من لا يخاف الله ، أو يقودهم الرعاع أو أصحاب الظلم والجور أو طلاب الدنيا وطلاب السلطان وهؤلاء هم أصحاب العصبية. قال: (وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا فهو فتنة). هذه قاعدة عظيمة أيضاً، إذا كان النزاع على دنيا فهو فتنة في العموم. (فاتق الله وحده إلى آخره) يكفي ما ذكره الشيخ؛ لأن ما ذكره هو أعظم الأصول التي تتعلق بالفتن، وإلا فالكلام في الفتن مهم لاسيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الرايات وكثرت فيه الشعارات والانتماءات، ووصلت إلى حد الظلم والتجاوز بين فئات المسلمين، لكن لا يتسع المقام الآن.

стр. 223

النظر المذموم في النجوم قال رحمه الله تعالى: [وأقل من النظر في النجوم إلا بما تستعين به على مواقيت الصلاة، واله عما سوى ذلك فإنه يدعو إلى الزندقة]. يقصد بالنظر إلى النجوم ما هو مشهور عند الفلاسفة وعند بعض الفلكيين وعند كثير من الأمم والطوائف والديانات الذين يتعلقون بالنجوم تعلقاً بدعياً أو شركياً، ولا يقصد مجرد النظر بالعين الباصرة فإن النظر في النجوم وهي تتلألأ والتفكر فيها على أنها من آيات الله وخلقه من المطلوب. ولذلك ينبغي لأي واحد منا إذا خرج إلى البرية وابتعد عن أضواء الكهرباء أن يعطي نفسه فرصة للنظر والاعتبار في هذه النجوم، فإن فيها عبرة؛ لكن الشيخ قصد النظر المحرم الذي اعتادته كثير من الأمم والملل والديانات والطوائف مثلما يفعل الصابئة وفلاسفة اليونان القدامى الذين يزعمون أن النجوم فيها أرواح الملائكة، أو أنها آلهة، أو أنها مدبرة للكون أو غير ذلك، ومن هنا يتعلقون بها تعلق عبادة وتقديس وتعظيم، أو الذين ينسبون بعض الأحداث الكونية العالمية أو المحلية أو غيرها إلى النجوم، أو الذين يربطون مصائر الأفراد بالنجوم مثل أصحاب الطوالع، يقول طالع فلان سعيد وطالع فلان شقي، فلان ولد في البرج الفلاني فهو إذاً سعيد، وفلان ولد في البرج الفلاني فهو إذاً شقي إلى آخره. فهذا كله من باب التعلق البدعي والتعلق المحرم بالنجوم. إذاً: فكل نظر في النجوم يؤدي إلى الاعتبار في خلق الله ، أو يؤدي إلى الفائدة الدنيوية كمعرفة الصيف والشتاء وتقلبات الجو التي عرفت بمسارات النجوم ونحو ذلك جائز؛ لأنه تتعلق به مصالح العباد في معاشهم خاصة في الزراعة والبذور والأحوال الجوية.

стр. 224

ذم النظر في علم الكلام قال رحمه الله تعالى: [وإياك والنظر في الكلام، والجلوس إلى أصحاب الكلام]. أيضاً هذه قاعدة معروفة ومن أعظم القواعد عند السلف تجاه الأهواء وأهلها فإن من أعظم أسباب الأهواء هو الكلام، والمقصود بالكلام هو التحدث في أسماء الله وصفاته وأفعاله والغيبيات الأخرى والأخبار وما لا طاقة للبشر به بغير علم، حتى أمور الدنيا؛ لكن الغالب أن علم الكلام يتعلق بأمور الدين, وبخاصة في أسماء الله وصفاته وأفعاله والسمعيات الأخرى التي ورد بها الشرع، فإن تلاميذ الفلاسفة من الجهمية والمعتزلة ومتكلمة الأشاعرة والماتريدية خاضوا في الأمور الغيبية وأمور العقيدة بأسس عقلانية أو مقاييس مادية، وحكموا عقولهم ومقاييسهم في أمور الدين أو في أمور العقيدة، فقالوا على الله بغير علم، وتأولوا ما ثبت عن الله وعن رسوله ﷺ تأولاً لا يصح، وأنكروا ما وردت به النصوص أو حرفوه وأدخلوا على الدين ما ليس منه، ونفوا ما هو من الدين أو حرفوه، وكل ذلك ناتج عن علم الكلام. إذاً: فعلم الكلام من العلوم المذمومة باتفاق السلف، ولا يمكن لسلفي خالص أن يمدح علم الكلام أو يثني عليه أو يستسيغ تعلمه ودراسته والنظر فيه والله أعلم.

стр. 225

شرح السنة [١٧] على المسلم أن يكون سلفياً على الجادة، متبعاً لا مبتدعاً في جميع مسائل الدين، مقتفياً لآثار الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأن يعبد الله بما شرع لا باتباع أهل الأهواء والبدع، فعليه أن يحذر منهم ومن طرقهم ومناهجهم، وخاصة منهم الصوفية والجهمية، فإنهم من شر أهل الأهواء والضلال؛ حتى يصلح له أمر دينه ودنياه.

стр. 226

لزوم الآثار وأهل الآثار قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [وعليك بالآثار وأهل الآثار، وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس ومنهم فاقتبس]. بعدما حذر في الفقرة السابقة من الالتفات إلى علم الكلام والنظر فيه والجلوس إلى أهله جلوس المنادمة والمصادقة والتلقي، رجع إلى الأصل الذي عليه السلف، وهو أن المسلم وطالب العلم بخاصة يجب أن يعنى بالآثار التي هي مصادر التلقي، وهي الكتاب والسنة ثم ما تفرع عنها من آثار السلف التي هي سبيل المؤمنين، فمناهج السلف وتفسيراتهم وطرائقهم في العلم والعمل تدخل في الآثار دخولاً أولياً؛ لأنها هي سبيل المؤمنين المستمد من الكتاب والسنة. قال: (وأهل الآثار) يعني: أهل السنة والجماعة؛ لأنهم هم أهل هذا الوصف، وغيرهم لا يتوفر فيه هذا الوصف؛ لأنهم بدلوا وغيروا في مصادر التلقي وفي تقرير الدين ومناهجه وفي طرائق العلم. وأيضاً المسلم إذا سأل عن دينه ينبغي أن يسأل أهل الذكر، وأهل الذكر هم أهل السنة والجماعة أهل الآثار، وأيضاً إن جالس فليجالس هؤلاء؛ لأنهم هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، ويسعد بهم أنيسهم، ومن تلقى عنهم ثبت على المحجة البيضاء بإذن الله.

стр. 227

عبادة الله بالخوف والرجاء لا بالمحبة وحدها قال رحمه الله تعالى: [واعلم أنه ما عبد الله بمثل الخوف من الله وطريق الخوف والحذر، والشفقات والحياء من الله ﵎]. هذا جزء من الأحوال القلبية التي تتم بها العبادة وهي كما تعلمون تبدأ بمحبة الله والرجاء والخوف، وهنا الشيخ أشار إلى الخوف ثم الرجاء والذي عبر عنه بالشفقات والحياء من الله ؛ لأن ذلك يؤدي إلى الخوف والرجاء. قال رحمه الله تعالى: [واحذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة، ومن يخلو مع النساء وطريق المذهب؛ فإن هؤلاء كلهم في الضلالة]. يشير هنا إلى طوائف من المتصوفة أو إلى مناهج المتصوفة وبعض مصطلحاتهم التي ضلوا بها بعدما ذكر أن من أصول العبادة الخوف والرجاء، فأشار إلى الأصول التي انحرف بها الصوفية في جانب العبادة، حيث وقفت الصوفية عند مصطلح الشوق والمحبة، ولا يقصد بذلك الرجاء والمحبة المعروفة عند أهل السنة والجماعة في الكتاب والسنة، إنما يعني أكثر الصوفية بالشوق عبادة الله بالمحبة دون الرجاء والخوف، ويبالغون في الشوق إلى حد يخرجهم عن سمت العبادة الصحيحة والمستقيمة، بحيث إن المتصوف إذا تعبد بالشوق يتهور ويقيس محبة الله بمحبة العباد، فيتشوق للخالق كما يتشوق المخلوق للمخلوق، فيقع في عبادته شيء من الانحراف والعدول عن منهج الكتاب والسنة والمبالغة في ذلك، وعدم المبالاة بما شرعه الله من ضرورة الخوف والرجاء. فالمؤلف بهذا يشير إلى منهج الصوفية البدعية الطرقية الذين يقولون: لا نعبد الله رجاء جنته ولا خوف ناره إنما نعبده محبة له. فهم إذاً يعولون على المحبة والشوق ويبالغون، فيها ويعرضون عن جوانب العبادة الأخرى التي لا تتكامل العبادة إلا بها خاصة الخوف والرجاء. وأشار أيضاً إلى جانب آخر من انحرافاتهم، وهم أولئك الذين يتعبدون بالخلوة أو يستجيزون الخلوة مع النساء، وهذه الخصلة موجودة عند بعض النساك والعباد الجهلة أو الذين داخلهم الزنادقة، فيتساهلون في هذا الأمر فيسلكون مسلك الرهبان الذين يتساهلون في هذا الأمر فيختلطون في دور العبادة وفي أماكن التعبد التي يتخذونها ويظنون أنهم على الطريق الأسلم وأنهم حينما يفعلون ذلك برآء مما يحدث عند الناس من غوائل الاختلاط. وطريق المذهب يبدو لي أن المقصود به الطرق الصوفية التي بدأت أصولها في عهد البربهاري لكنها ليست على نحو ما حدث في القرن الثالث وما بعده، إنما بدأ العباد يسلكون مسالك الاتجاهات في بذر الطرق، فلعله يشير إلى هذا في قوله: (وطريق المذهب)، أي: مناهج العباد التي يتخذونها مدارس ويكون لهم في ذلك أتباع يخرجون بها عن سمت أهل السنة والجماعة. قال: (فإن هؤلاء) أي: أصناف هؤلاء الصوفية (كلهم على الضلالة). وممكن أن ينتحل صاحب المذهب الباطل المحبة، بمعنى أن يتكلف فيدعي أنه لا يعبد إلا بالمحبة ويلغي الشرائع، ويلغي الخوف والرجاء، فهذا يرد عند مذاهب الضلال، أما في ميزان الحق فلا يمكن أن تكون المحبة الخالصة لله تعالى إلا بالعبادة، والعبادة لا تكون إلا مع الخوف والرجاء، وهذا بدهي! لكنهم لا يعبدون الله حق عبادته، بل يعبدونه بطرائق الوثنيين والفلاسفة التي تنزع إلى الجانب العاطفي دون تصور كمال الله ، ولذلك لا يتصورون لله كمالاً على حقيقته، فيعبدونه عبادة عاطفية يقتصرون فيها على المحبة تبعاً للفلاسفة كما هو معروف.

стр. 228

التوفيق للإسلام وحسن الخاتمة فضل من الله قال رحمه الله تعالى: [واعلم -رحمك الله- أن الله ﵎ دعا الخلق كلهم إلى عبادته، ومنَّ من بعد ذلك على من يشاء بالإسلام تفضلاً]. هذه القاعدة واضحة؛ فإن الله حينما تفضل على بعض الخلق بأن وفقهم للهدى والإسلام فلا يعني ذلك أن البقية غير مدعوين إلى عبادة الله؛ لأن التوفيق -خاصة في الخاتمة- أمر محجوب عن العباد فيجب أن يعمل جميع العباد بما يرضي الله ، وكل موفق وميسر لما خلق له، لكن الله دعا الخلق كلهم لعبادته، وضمن لمن اتبع الحق ألا يضل ولا يشقى، وضمن بأن ينصفه الله وأن يجزيه الجزاء الحسن، فبقي ما قدره الله من هداية بعض العباد دون بعض أمر غيبي محجوب، وإنما على العباد أن يعبدوا الله كما أمر؛ لأنه دعاهم كلهم إلى ذلك، وليعلم جميع العباد أن طريق السعادة في اتباع أمر الله ، وأن من اتبع أمر الله فلن يظلم، وأن من حاد الله فهو الذي كتب الله عليه الشقاوة. ولذلك لما ذكر النبي ﷺ أن كتابة السعادة والشقاوة في صحيفة كل إنسان قد وقعت أثناء نفخ روحه بعد مائة وعشرين يوماً وأن هذا أمر مقرر سلفاً، قال الصحابة: ففيم العمل يا رسول الله إذا كان الأمر قد قدره الله؟ فقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، وهذا يعني: أن أمر الخاتمة لكل إنسان غيب لا يعلمه إلا الله ، وما دام غيباً فعلى الإنسان أن يحرص على أن تكون خاتمته سعيدة بسلوك طريق النجاة، والله قد بين طريق النجاة وسهله وأمر به وأرشد إليه ويسر أمره، ثم وعد من سلكه. فليس لأحد عذر!

стр. 229

الكف عما شجر بين الصحابة قال رحمه الله تعالى: [والكف عن حرب علي ومعاوية وعائشة وطلحة والزبير ﵏ أجمعين ومن كان معهم، لا تخاصم فيهم وكل أمرهم إلى الله ﵎، فإن رسول الله ﷺ قال: (إياكم وذكر أصحابي وأصهاري وأختاني)، وقوله ﷺ : (إن الله ﵎ نظر إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)]. الأصل الكف عما شجر بين الصحابة من أمور الحرب أو ما دون الحرب؛ لأن الذي حدث بين الصحابة ﵃ اجتهاد تأولوه، وكل منهم كان له منزعه في الاجتهاد، ولم يحدث بينهم حرب أرادوها، إنما أوقع الحرب بينهم بعض مشعلي الفتنة. فالصحابة لم يكن منهم إرادة حرب ولم يعزموا عليها، بل سعوا بكل ما يستطيعون إلى إطفاء نار الحرب، وهذا ثابت عنهم، لكن قصد الشيخ هنا الكف عما شجر بينهم من أمور اختلفوا عليها وطواها التاريخ، فينبغي لنا أن نحسن الظن فيهم، وأن نعرف أنهم إنما فعلوا ذلك عن اجتهاد، فمنهم من أخطأ ومنهم من أصاب، وكلهم على أجر؛ فمن أخطأ فله أجر ومن أصاب فله أجران، وعلى هذا فإن الخوض في حقهم أو تجريم أحد منهم على سبيل الانتصار والعصبية يعد من الباطل ومن أكبر المعاصي؛ لأن الله تعالى زكاهم؛ ولأن أغلب الذين حصل بينهم ذلك ممن زكاهم الرسول ﷺ بأعيانهم، وكثير منهم من أهل بدر الذين غفر الله لهم ذنوبهم وضمن لهم الجنة في الجملة فهؤلاء يجب ألا نخوض فيهم أبداً، وكذلك بقية الصحابة. والحديث الذي ساقه المؤلف ضعيف بل لا أصل له، إنما الوارد -وهو بطريق حسن- قول النبي ﷺ : (وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، وكذلك أحاديث أخرى مثل: (لا تسبوا أصحابي)، وغيرها أحاديث كثيرة تنهى عن أن نقع في أشخاص أصحاب رسول الله ﷺ أو في جماعاتهم أشد النهي.

стр. 230

التورع عن أموال الناس قال رحمه الله تعالى: [واعلم أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه، وإن كان مع رجل مال حرام فقد ضمنه، لا يحل لأحد أن يأخذ منه شيئاً إلا بإذنه، فإنه عسى أن يتوب هذا فيريد أن يرده على أربابه، فأخذت حراماً]. هذه أيضاً مسألة فقهية واضحة في أن الأصل فيمن غصب مالاً أو سرقه ألا يستجاز منه هذا المال ولا يسوغ ما بيد المنتهب والغاصب وما يجري على ألسنة العوام من أن سرقة من السارق حلال لا أصل له، فلا يحل لأحد أن يأخذ شيئاً بغير طريقه ولو كان المال الذي بيد الآخر من كسب حرام أو مغصوب، فإنه لعله يتوب يوماً فيرجع هذا المال إلى أهله، أو لعل أهله يجدونه فيأخذونه منه.

стр. 231

طلب المكاسب والاستغناء عما في أيدي الناس قال رحمه الله تعالى: [والمكاسب مطلقة ما بان لك صحته فهو مطلق إلا ما ظهر فساده، وإن كان فاسداً يأخذ من الفساد ممسكة نفسه، ولا تقول: أترك المكاسب وآخذ ما أعطوني، لم يفعل هذا الصحابة ولا العلماء إلى زماننا هذا، وقال عمر بن الخطاب ﵁: كسب فيه بعض الدنية خير من الحاجة إلى الناس]. أيضاً هذه من الأصول الفقهية والقواعد في الأحكام، فإن الأصل في المكاسب والحرف والرواتب والمكافآت وكسب العيش وطلب الرزق والضرب في الأرض والتجارة، كلها الأصل فيها الحل ما لم يتبين فيها حرام أو مشتبه، فالحرام حرام والمشتبه مكروه. قوله: (إلا ما ظهر فساده) يعني: أنه محرم أو مغصوب أو مشبوه أو نحو ذلك. قال: (وإن كان فاسداً يأخذ من الفساد ممسكة نفسه) يعني: يأخذ ما تقتضيه الضرورة، فمثلاً الميتة لا شك أنها فاسدة وحرام، لكن إذا اضطر لها الإنسان بحيث لم يبق إلا أن يموت أو يأكل منها أكل للضرورة، وكذلك بقية المكاسب الحرام إذا وقعت في يد إنسان هالك إن لم يأكلها فله أن يأكل منها بقدر ما ينقذ حياته فقط، وهذا معنى قوله: (يأخذ من الفساد ممسكة نفسه) يعني: من المال الفاسد، وكذلك عبر عنها في نسخة ط وهي أصح: (يأخذ من المال الفاسد ما تقوم به نفسه عند الضرورة). قوله: (ولا تقول أترك المكاسب وآخذ ما أعطوني) يعني: كما يفعل كثير من العباد والنساك الأوائل الذين اتكأت عليهم الصوفية فإنهم قعدوا عن كسب العيش وصاروا عالة على الناس ويأخذون ما يعطيهم الآخرون ويتركون المكاسب بدعوى أنهم يريدون أن يتفرغوا للعبادة، وهذا خلل، فإن خيار الخلق رسول الله ﷺ كان يأخذ نصيبه من الدنيا، ويعطي ويتصدق ويعمل بكل الوسائل والأساليب المباحة في الحياة الدنيا، ثم كان خيار الصحابة من بعده الخلفاء الراشدين، وكانوا أصحاب مكاسب يطلبون العيش بأيديهم، يتاجرون ويرابحون ويعملون ولم يقعدوا، فكانوا في العبادة مثالاً يحتذى وفي طلب العيش مثالاً يحتذى، وفي التجارة كانوا مثالاً يحتذى. فإذاً: هذا هو الأصل، ولذلك تجد أمثل الناس هم الذين يعملون ذلك، وما كان دون ذلك فهو دونه إلا لظروف تحدث لإنسان، كأن تكون الأمة بحاجة إليه في تخصص معين وهو مكفي في حياته لكنه لا يستجدي أحداً، إنما ييسر الله له رزقه بطرق مشروعة ولا يمد يده للآخرين. أقول: إن الأمثل من أئمة الدين قديماً وحديثاً هم الذين لا يتركون المكاسب ويجلسون على عطايا الناس، ولم يفعل هذا الصحابة ولا العلماء إلى زماننا هذا كما قاله الشيخ. (وقال عمر بن الخطاب ﵁: كسب فيه بعض الدنية) أي: مثل بعض الحرف التي يحتقرها الناس، على أن احتقارهم للحرف ليس مبنياً على أصل شرعي، ومع ذلك فكسب فيه بعض الدنية خير من الحاجة إلى الناس، وهذه قاعدة عظيمة.

стр. 232

حكم الصلاة خلف الجهمية قال رحمه الله تعالى: [والصلوات الخمس جائزة خلف من صليت خلفه إلا أن يكون جهمياً فإنه معطل، وإن صليت خلفه فأعد صلاتك، وإن كان إمامك يوم الجمعة جهمياً وهو سلطان فصل خلفه وأعد صلاتك، وإن كان إمامك من السلطان وغيره صاحب سنة فصل خلفه ولا تعد صلاتك]. هذه أيضاً قاعدة معروفة وظاهرة وإن كان مقتضاها لم يحدث في عصور السلف (القرون الثلاثة الفاضلة) في قلب البلاد الإسلامية في مصر والشام والحجاز لم يحدث أن كان من الجهمية إمام إلا المأمون ومن بعده، وهم الواثق والمعتصم، فهؤلاء فعلاً كانوا ينزعون إلى مذهب الجهمية، وصلى خلفهم الأئمة، وكان بعض الأئمة الذين يصلون خلفهم يعيد الصلاة وبعضهم لا يعيدها؛ لأنه يرى أن هؤلاء ليسوا جهمية بالأصل إنما غرر بهم وتأولوا، والراجح في مثل المأمون أنه تعاد الصلاة خلفه؛ لأنه جهمي خالص في مسألة القول بخلق القرآن، ومن جاءوا بعده ربما يكونون أخف؛ لأنهم أخذوا بسياسته ولا نعرف أنهم على هذا المذهب من كل وجه والله أعلم. على أي حال الصلاة خلف الجهمي الخالص تعاد إذا كان إمام المسلمين الأكبر، أما إذا كان إماماً من الأئمة العاديين دون الإمام الأكبر فلا تجوز الصلاة خلفه أصلاً؛ لأنه هنا يقصد الإمام الأعظم فإن في ترك الصلاة خلفه مفسدة عظمى تؤدي إلى الإخلال بدين الناس وأمنهم ومصالحهم، فمن هنا استجاز السلف الصلاة خلف الإمام الأعظم وإن كان جهمياً؛ لكن إذا ثبت أنه جهمي خالص فتعاد الصلاة، وإذا لم يثبت فالأمر فيه خلاف. وهذا ليس فيمن يقتدى به، بل حتى عوام الناس، إلا أن من يقتدى به ينبغي أن يكون أكثر حذراً وأكثر تطبيقاً للسنة. والعامي الذي لا يلفت النظر تحركه ولا يؤدي إلى فتنة الأولى ألا يصلي خلف هؤلاء لكن هذه مسألة لا تنضبط، فالأولى أن تبقى القاعدة على ما عليه الأئمة والناس تبع لهم، وكذلك الرافضي تعاد الصلاة بعده.

стр. 233

الإيمان بأن الشيخين مدفونان في حجرة عائشة مع الرسول ﷺ قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن أبا بكر وعمر رحمة الله عليهما في حجرة عائشة مع رسول الله ﷺ قد دفنا هناك معه، فإذا أتيت القبر فالتسليم عليهما واجب بعد رسول الله ﷺ ]. هذا أمر معلوم، وربما ساقه الشيخ هنا لأن بعض الرافضة زعموا أن أبا بكر وعمر لم يدفنا مع رسول الله ﷺ ، فأراد أن ينفي هذا الزعم.

стр. 234

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال رحمه الله تعالى: [والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إلا من خفت سيفه أو عصاه]. هذه قاعدة، وهي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بحسب استطاعته فيما يعلم، ولا يأمر وينهى بغير علم، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون بالقلب وباللسان وباليد بحسب الاستطاعة. (إلا من خفت سيفه وعصاه)، وهو الإمام أو الوالي، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقه يكون بحسب المصلحة، لكن إذا لم يقدر المسلم على أن يأمر الوالي وينهاه عن المنكر فعليه أن يناصحه، لأن النصيحة واجبة، وعند خوف السيف أو العصا تبقى درجة المناصحة بالرفق والملاينة بالتي هي أحسن، فإنها لا تثير غضب السلطان الظالم، ولا تجعله يعمل السيف أو العصا على الآمر والناهي، فأقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يسقط بمعناه الاصطلاحي، لكن لا تسقط النصيحة، فالنصيحة تؤدى بأي أسلوب.

стр. 235

تعميم السلام بين المسلمين قال رحمه الله تعالى: [والتسليم على عباد الله أجمعين]. يعني: من عرفت ومن لا تعرف من عباد الله المسلمين يجب أن تسلم عليه، وهو يقصد هنا التسليم على المسلمين لا على عموم العباد.

стр. 236

ترك الجمع والجماعات من سمات المبتدعة قال رحمه الله تعالى: [ومن ترك صلاة الجمعة والجماعة في المسجد من غير عذر فهو مبتدع، والعذر كمرض لا طاقة له بالخروج إلى المسجد، أو خوف من سلطان ظالم، وما سوى ذلك فلا عذر له، ومن صلى خلف إمام فلم يتقد به فلا صلاة له]. يقصد من تركها قصداً لا تساهلاً أو عن تأول، فمن تعمد ترك الجماعة لمذهب يذهب إليه كما يقول: والله أنا لا أطمئن إلى الجماعة، أو هؤلاء ليسوا على مذهبي أو على طريقتي. أما إذا ترك الجماعة تساهلاً فهذا يعتبر عاصياً وآثماً لكن لا يسمى مبتدعاً، والشيخ قصد بهذا طوائف من أصحاب الأهواء والبدع يتركون الصلاة في المساجد؛ لأن لهم رأياً في السنة وأهلها، ولهم عقائد ومقالات تخالف أهل السنة والجماعة، فيتركون الصلاة عمداً لأنهم من المخالفين في العقيدة أو العبادة، فهذا قصده، والله أعلم.

стр. 237

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير خروج بالسيف قال رحمه الله تعالى: [والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان والقلب بلا سيف]. (بلا سيف) يعني: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان والقلب جائز بل مشروع بلا سيف فلا يستعمل المسلم غير الوالي السيف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يشهر السيف على العصاة أو على الظلمة سواء من عامة المسلمين أو من ولاتهم؛ لأن استعمال السيف من حق الولاية؛ لكن يضرب بالعصا إذا كان هذا في حدود ما فوض إليه، وما دون ذلك يضرب باليد وغيرها من أساليب الردع التي يملكها دون السيف، أي: دون استعمال القتال، فإن استعمال القتال بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مناهج الخوارج ومن سلك سبيلهم، من الفرق المخالفة والمفارقة فإنها تسلك طريق الخروج على أئمة المسلمين، بل وعلى جماعاتهم وعامتهم، وهذا اعتقاد الخوارج والرافضة والجهمية والمعتزلة.

стр. 238

الأسئلة

стр. 239

حكم الخوض فيما حصل بين الصحابة بهدف الدفاع عنهم السؤال ما رأيكم فيمن يخوض فيما حصل بين الصحابة من باب الدفاع عن الصحابة والاعتذار عما حصل بينهم، خصوصاً أنه في بعض البلاد الإسلامية قد شوه تاريخ الصحابة ﵃؟ الجواب الدفاع عن الصحابة بالأصول الشرعية المعروفة مطلوب، فإذا وجدت من يلمز أو يقدح في الصحابة أو طائفة منهم أو أفراد فيجب أن تدافع عنهم بالأصول الشرعية؛ لكن لا يصل الأمر إلى حد المراء، بل تقيم الحجة وتبين أن الله زكاهم، وأن الرسول ﷺ زكاهم، وأنهم كذا وكذا مما ورد فيهم، وأن أكثر ما نسب إليهم مكذوب عليهم، وأنهم وقع بعضهم فيما وقعوا من الاختلاف عن اجتهاد. هذه هي الأصول العامة فمن لم يقتنع بها فهو صاحب هوى فلا داعي أن تماريه وتجادله، لكن أكثر الناس يجهل هذه الأصول، وهذا مما يجب أن يتنبه له طلاب العلم، فإننا نتصور أن كثيراً من المثقفين والشباب والقراء وغيرهم ممن غرر بهم تجاه الصحابة، نتصور أن عندهم علماً في القواعد الشرعية، والصحيح أن أغلبهم وإن كثرت ثقافته لكن ليس عنده علم مؤصل يعرفون به القواعد الشرعية الواردة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ وعند السلف، بل يجهلونها، فهم يحتاجون إلى أن يلقنوها تلقيناً بيناً مع ما يصحب ذلك من الوعظ والتخويف بالله ، وبيان خطورة هذا الأمر على دين المسلم، وأنه من الأمور الغيبية التي انقضت وانطوت، ويجب على المسلم أن يبقى سليم الصدر تجاه عموم المسلمين الذين سبقوا. هذه القواعد ينبغي أن ننشرها وأن نبينها وأن نعرضها على الناس دائماً؛ لأن الناس قد كثر خوضهم وخلطهم وخبطهم في هذا الموضوع، وكثر دعاة الضلالة الذين انبروا للقدح في الصحابة ﵃ حتى انطلت شبهاتهم على بعض من ينتسبون إلى الثقافة والعلم.

стр. 240

ما كان ينفقه رسول الله ﷺ السؤال ما هو عمل النبي ﷺ الدنيوي الذي كان يكسب منه وينفق منه؟ الجواب النبي ﷺ لا يملك أموالاً خاصة به لكنها ترد إليه أموال؛ لأن النبي ﷺ عزف عن الدنيا لكنه لم يمنع من أن تأتي الدنيا والأرزاق والأموال إليه من عدة طرق، منها طريق الجهاد، ومنها ما يرد إلى النبي ﷺ بحكم أنه حاكم المسلمين مما يتعلق بالفيء، وما يتعلق أيضاً بمصارف الزكاة، وما يتعلق بأمور ترد حقوقاً عامة لبيت مال المسلمين. النبي ﷺ لم يطلب لنفسه شيئاً؛ لكن الله كفاه رزقه فرزقه رزق الكفاف، لكنه ما كان يدعو إلى ترك الدنيا وكان إذا قبض شيئاً مما يهدى إليه يأكل ما يكفيه ويتصدق بما يزيد. أما ما يتعلق بمصارف الأمة فهو يصرفها على الطرق الشرعية المعروفة، فالنبي ﷺ يملك أموالاً بالهدايا والحقوق التي تخصه مما أباحه الله له من الغنائم والأفياء وغيرها، لكنه ما كان يبقى في يده إلا ما يكفيه، وأحياناً يمر عليه الأيام وهو طاو ليس في بيته ما يؤكل إلا الأسودان التمر والماء، بل أن النبي ﷺ ، كان يجلس ثلاثة أيام بل أحياناً أربعة لا يأكل شيئاً، لأنه كان ينفق، ولا ذلك أنه كان يمنع أن تصله الدنيا، فقد كانت تصله لكنها تخرج منه إلى مستحقيها من المسلمين الذين يسألونه أو يرى أنهم يحتاجون.

стр. 241

شرح السنة [١٨] من سمات أهل البدع والأهواء الطعن في الأدلة والآثار من الكتاب والسنة، أو ردها بأي نوع من أنواع الرد والتأويل، وكذلك الطعن أو التنقص من حملتها وناقليها إلينا، وهم الصحابة الكرام ومن تبعهم من العلماء الربانيين والأئمة المصلحين إلى يوم الدين، والواجب هو مجانبة أهل البدع في كل ذلك، واتباع الدليل في كل شيء من أمور الدين، ومن ذلك ما جاء في التعامل مع الولاة والسلاطين المسلمين، مما هو مبين في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.

стр. 242

الأصل في المسلم السلامة ما لم تظهر له ريبة قال إمام أهل السنة أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [والمستور من المسلمين من لم تظهر له ريبة]. المقصود الإشارة إلى قاعدة تتفرع عنها هذه المسألة، وهي أن الأصل في المسلم السلامة وأن يحسن به الظن، ما دام يظهر شعائر الإسلام، ومن هنا فإنه لا يجوز أن يفتش عن غير الظاهر ما لم تكن هناك أسباب أو قرائن، وهي التي سماها الشيخ هنا الريبة، كأن يظهر من الشخص بدعة، أو يظهر منه فسق أو فجور ظاهر، أو ينسب عنه الثقات ما يخالف السنة من قول أو عمل أو اعتقاد، فإنه إذا أظهر أو تكلم بما يخالف الأصل فإن هذا من موجبات الاسترابة في حقه. فمن هنا ينظر في أمره من يرى ومن يعلم موطن الريبة؛ لكن لا يشهر ذلك بين المسلمين حتى يشهر هو، فإنه إذا أشهر وجاهر يخرج عن الستر فيكون ممن فضح نفسه، فيعامل بحسب ما ظهر منه، إن كانت بدعة فيبدع، وإن كانت فجوراً وفسقاً ظاهراً ولم يرتدع فكذلك يحكم عليه بحال مثله. إذاً: فالأصل في المسلم السلامة في عقيدته وفي أعماله ما دام مظهراً لشعائر الإسلام، فلا يفتش عما وراء ذلك ولا يمتحن لا في قوله ولا في اعتقاده، ولا تتبع أعماله وأفعاله التتبع الذي نهى الله عنه ما لم يكن لذلك موجب عند أهل العلم المعتبرين.

стр. 243

كل علم في أمور الدين ليس في الكتاب والسنة فهو بدعة قال رحمه الله تعالى: [وكل علم ادعاه العباد من علم الباطن لم يوجد في الكتاب ولا في السنة فهو بدعة وضلالة، لا ينبغي لأحد أن يعمل به ولا يدعو إليه]. وهذا متعلق بمصادر التلقي للدين ومنهج التلقي، وهو يعني أن كل علم يدعيه أي إنسان مما لم يرد في الكتاب والسنة في أمور الدين فهو باطل، فالعلم في أمور الدين لا يمكن أن يستند إلا من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، وهذا في العموم، لكن من ادعى أيضاً أن عنده شيئاً من علم الباطن فهو بذلك أشد ابتداعاً. وهذا ينطبق على الصوفية والباطنية، وينطبق على سائر أهل الأهواء، فإن كلاً منهم يدعي أن لديه علماً استمده من غير الكتاب والسنة، وقد يلبس على الناس ويزعم أنه استمده بموجب أصل من أصول السنة أو من آية من كتاب الله أو نحو ذلك، فهذا من تلبيس الشيطان. ويشمل ذلك الصوفية الذين يدعون العلم اللدني، وأنهم توارثوه أو اكتسبوه عن طريق غير الطريق الشرعي، أو ما يدعونه من وسائل أخرى مثل ما يسمونه الكشف والذوق والفناء، سواء عن طريق اليقظة أو عن طريق المنام أو عن طريق الاصطلام أو ما يطلق عليه في العصر الحاضر الهسترة، فإن كثيراً من أهل التصوف والذين استحوذ عليهم الشيطان تأتيهم حالات أشبه بالجنون يفقدون فيها شيئاً من الوعي، فتختلط عليهم وساوس الشيطان وإيحاءات الشيطان ويهذون بما لا يعلمون، وتستغلهم شياطين الجن والإنس فيوحونه إليهم زوراً وكذباً ويدعون أن ذلك من الدين، وهذا يحصل كثيراً عند الذين يسلكون مسلك تجويع النفس والشدة في العبادة والانقطاع عن الأكل والشراب مدة طويلة، حتى يكون عند أحدهم نوع من الخلط في رءوسهم والخلط في قواهم وأعصابهم، فتستغلهم الشياطين والجن، فجعلوا لذلك مصادر اصطلحوا عليها فأحياناً يسمون ذلك الكشف أو الذوق أو الفناء أو الاصطلام. وكل هذه الحالات يزعمون أنهم يتلقون فيها من العلم ما لم يرد بالكتاب والسنة، ثم هم يزعمون أن رسول الله ﷺ أقرهم على مثل هذه الترهات، حتى أنهم قد تبدو لهم شياطينهم بصور الصحابة أو بصور أئمة الإسلام السابقين أو المعاصرين مثلاً فيدعون أنهم أتوهم وقالوا لهم: هذا حق، وافعلوا كذا، واعملوا كذا، واعتقدوا كذا، فيأتون من ادعاء علم في الباطن. أما الباطنية فمعلوم أنهم يعتقدون أن للشريعة ظاهراً وباطناً، وأن هذا الباطن هو ما يحلو لهم في أذواقهم وأهوائهم، فيفسرون نصوص الشرع بما لم يرد في الكتاب والسنة، بل بما لا تقتضيه أصول التفسير ولا مقتضيات اللغة ومصطلحات الناس، ويدعي كثير منهم أن ذلك مما يأتيهم من مصادر يزعمون أنها وحي أو علم لدني أو نحو ذلك، وكل ذلك من الباطل.

стр. 244

حكم هبة المرأة نفسها لرجل قال رحمه الله تعالى: [وأيما امرأة وهبت نفسها لرجل فإنها لا تحل له، يعاقبان إن نال منها شيئاً إلا بولي وشاهدي عدل وصداق]. هذا يظهر أنه من الأمور التي تظهر أحياناً في البيئات الجاهلة المعرضة عن دين الله ، وفي البيئات التي اجتالتها فرق الرافضة وبعض الاتجاهات التي تميل إلى الإرجاء أو تميل إلى التساهل والإعراض عن دين الله ، فيكون بين الرجل والمرأة علاقات قد يدعون أنها شرعية لكنها على غير مقتضى الكتاب والسنة، فمن هنا قد تهب المرأة نفسها للرجل فيستحلها بذلك، وإلى الآن توجد هذه الظواهر كما نقرأ كثيراً في الجرائد ووسائل الإعلام في بعض البلاد الإسلامية، والآن أصبحت توجهاً عند بعض الشباب في بعض البلاد الإسلامية، وقرأت عنها مقالاً استقرأ هذه الحالات ووجدها توجد بأعداد كبيرة في بعض البلاد الإسلامية المجاورة، ويستحلون الفروج بهذه الصورة، حيث تهب المرأة نفسها للرجل فيعقد العقد هو فيما بينه وبينها دون شاهد ودون ولي والصداق بالتصالح، ويرون أن هذا إجراء شرعي يتم به الزواج. هذه حالات تحدث مع إعراض الناس عن دين الله ، وقلة الفقه في الدين، ومع اتباع الأهواء وسيطرة البدع وهيمنتها على عقول الناس.

стр. 245

الطعن على الصحابة علامة على الهوى قال رحمه الله تعالى: [وإذا رأيت الرجل يطعن على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه صاحب قول سوء وهوى، ولقول رسول الله ﷺ : (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، فقد علم النبي ﷺ ما يكون منهم من الزلل بعد موته فلم يقل فيهم إلا خيراً، وقوله ﷺ : (ذروا أصحابي لا تقولوا فيهم إلا خيراً)، ولا تحدث بشيء من زللهم ولا حربهم، ولا ما غاب عنك علمه، ولا تسمعه من أحد يحدث به، فإنه لا يسلم لك قلبك إن سمعت]. هذه أيضاً قاعدة من القواعد التي تميز بها السلف عن غيرهم تجاه صحابة رسول الله ﷺ ، فإنه حتى الفرق التي تزعم أنها تحترم أصحاب الرسول ﷺ فإنها تخوض في الأحداث التي حدثت بينهم والآراء التي صارت وما شجر بينهم، وهذا خطأ لأسباب ذكرها السلف: منها أن ما شجر بين الصحابة ﵃ لم ينقل لنا كله، والذي نقل نقل كثير منه بالخطأ، والذين نقلوها أيضاً فسروا نيات الصحابة ﵃ واتهموهم بما لم يكن منهم، وما حدث منهم أمر لم نشهده ولم نعلمه على وجه اليقين وانتهى بخير؛ بمعنى أنه انتهى بحيث اتفقوا وميزوا الحق من الخطأ، فالمخطئ منهم اعتذر وتاب، ومن لم يخطئ عفا عما حصل له من قبل أخيه، فإذاً: لا داعي لإثارة مثل هذه الموضوعات. ثم إنها توغر الصدور أكثر إذا جمع الأحداث التي حدثت بين الصحابة ﵃ ولم يستوعب فقه هذه الأحداث وما وراءها من اجتهادات ونيات، فيقع في قلب السامع ما لا يجوز في حق هؤلاء الذين زكاهم الله وزكاهم الرسول ﷺ . ولذلك لما ظهرت بعض الأشرطة في الآونة الأخيرة عن بعض طلاب العلم فيما شجر بين الصحابة من الأحداث كره مشايخنا حفظهم الله ذلك، ونهوا عن تداول هذه الأشرطة وعن سماعها وعن بيعها مع أنهم -حسب ما علمت- ما وجدوا فيها أخطاء ذات بال، لكنهم كرهوها وكرهوا تداولها بناء على الأصل، وهو أن ما شجر بين الصحابة لا ينبغي إثارته ولا الحديث فيه؛ لأنه يوقع عامة الناس في أمور قد توجب أن يكون في نفوسهم شيء على بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، في أحداث لم نشهدها ولم تنقل لنا عن يقين، والذي نقل منها كثير منه خطأ وفسرت فيها نياتهم، وهم أيضاً لقوا ربهم على أحسن حال وانتهت هذه الأحداث بالتصافي بينهم وبالرجوع إلى الحق، ولم يحدث من أحد منهم أن فارق الجماعة أو خرج على السنة، وهذا هو المهم، وما عداه ينبغي يجب الإعراض عنه. وأنا سمعت الأشرطة وسمعها غيري، فلم أجد فيها شيئاً يخرج عن مقتضى ما عليه عموم أهل السنة والجماعة، ودافع عن الصحابة ﵃ بعاطفة دينية طيبة يشكر عليها، وهو قد اجتهد في ذلك، وبلغ من قبل المشايخ بأن هذا لا ينبغي. أما القول بأنه يميل للرافضة في مثل هذه الأشرطة فلم أجد من ذلك شيئاً، فضلاً عن أن يكون الحكم أكبر من ذلك. والحقيقة أنه لا ينبغي أن يكون بين الناس شيء من هذه التجاوزات، فإذا اجتهد مجتهد في مثل هذه الأمور ينصح فقط، أما أن تصل المسألة إلى حد الاتهام فهذا لا يجوز، وهذا علاج للخطأ بخطأ أكبر منه، وإذا كان قد أخطأ بعض الخطأ فهو قد رجع إلى أهل العلم فيما أعلم، وأرجو أن يكون استفاد من فتاوى العلماء. أما الحديث عنه بأكثر من ذلك فلا ينبغي ولا يجوز.

стр. 246

الطعن على الآثار أو ردها من سمات أهل الأهواء والبدع قال رحمه الله تعالى: [وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار أو يرد الآثار أو يريد غير الآثار فاتهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع]. هذا حق، والمقصود بالآثار النصوص الشرعية وما ورد عن السلف من مناهج الدين وأصول الاعتقاد والاجتهادات والتطبيقات وغيرها. فكل ما نقل عن السلف من هديهم في القول والعلم والسلوك والمناهج، بما في ذلك مناهج تلقي الدين وطرق الاستدلال ومصادره، وبما في ذلك تناول قضايا الاعتقاد وأصول الدين، ومناهجهم في الاجتهاد وحفظ آثار رسول الله ﷺ . فمن طعن على الآثار فقد طعن على أهلها، وأهلها هم أهل السنة والجماعة، وهم المؤمنون الذين توعد الله من خالف سبيلهم؛ لأن من طعن على الآثار فقد طعن على رواتها وطعن على الدين نفسه؛ لأن الدين إنما نقله الله إلينا من خلال العدول الثقات الذين ورثوه عن النبي ﷺ ، وهم العلماء الذين بهم يبقى الدين محفوظاً إلى قيام الساعة، فإن الطعن على الآثار طعن في الدين نفسه، وكذلك رد الآثار يدخل في الطعن فيها، بل هو أشد. فالطعن على الآثار من مثل فرق المرجئة وأهل الكلام المتأخرين، أما رد الآثار فقد حدث من الخوارج وبعض المعتزلة، وحدث من الجهمية والرافضة والباطنية. قوله: (فمن أراد غير الآثار) يعني: تلقى الدين من غير مصادره الصحيحة كما مر (فهو متهم على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع) سواء علم أو لم يعلم؛ لأن كثيراً من أصحاب الأهواء يقعون في الهوى بسبب تفريطهم في دين الله وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، لكنهم أثموا من حيث إنهم تركوا الاتباع وتركوا الاقتداء بمن يجب القدوة بهم وهم رسول الله ﷺ ثم الصحابة والتابعون.

стр. 247

جور السلطان لا ينقص فريضة من فرائض الله قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن جور السلطان لا ينقص فريضة من فرائض الله التي افترضها على لسان نبيه ﷺ ، جوره على نفسه، وتطوعك وبرك معه تام لك إن شاء الله تعالى، يعني: الجماعة والجمعة معهم والجهاد معهم وكل شيء من الطاعات فشاركه فيه فلك نيتك]. الشيخ فسر القاعدة يقول: إن جور السلطان وهو كونه ظالماً أو فاسقاً أو فاجراً أو تحدث منه تجاوزات في حقوق العباد، وتعد عليهم في أموالهم وأنفسهم، كل ذلك لا ينبغي أن ينقص من فرائض الإسلام التي يقوم بها شيئاً مادام مسلماً له بيعة، فلابد أن يصلي خلفه وخلف خلفائه وأئمته الذين يعينهم، ولابد أن يقام معه الجهاد، سواء جهاد دفاع أو جهاد نشر لدين الله ، ولابد أن تؤدى بقراراته وبولايته شعائر الدين كالحج، والحج يوم يحج الناس مع إمامهم. وكذلك فرائض الدين كالصيام والأعياد وغيرها لابد أن يسير الناس على ما يسير عليه السلطان، فلا يتركون الجمعة والجماعة، ولا شعائر الإسلام الأخرى مثل صلاة الاستسقاء، وعند النوائب لابد من جمع الكلمة عليه وعدم الفرقة، ولابد من السمع والطاعة له بالمعروف والدعاء له كما سيذكر الشيخ فيما بعد. إذاً: جور السلطان لا ينقض فريضة، سواء من حق السلطان نفسه أو من شعائر الدين أو من أركان أو مصالح الأمة العظمى؛ لأنها واجبات لا يمكن تأديتها إلا مع السلطان سواء كان براً أو فاجراً.

стр. 248

الدعاء للسلطان من السنة قال رحمه الله تعالى: [وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله. يقول فضيل بن عياض: لو كانت لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان؛ أخبرنا أحمد بن كامل قال: حدثنا الحسين بن محمد الطبري حدثنا مردويه الصائغ قال: سمعت فضيلاً يقول: لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان، قيل له: يا أبا علي فسر لنا هذا، قال: إذا جعلتها في نفسي لم تعدني، وإذا جعلتها في السلطان صلح فصلح بصلاحه العباد والبلاد. فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن ظلموا وجاروا؛ لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين].

стр. 249

الدعاء للسلطان مصلحة للأمة هذا أيضاً من الأصول الشرعية التي قررها السلف، ولذلك أقروا كلام الفضيل ونقلوه واستحسنوه، وجعلوه قاعدة من قواعد الدين، وأصلاً من أصول العقيدة يتناقلونه إلى يومنا هذا؛ لأنه مبني على النصوص الشرعية التي وردت عن النبي ﷺ ، فإن من أعظم صور المناصحة الدعاء لولي الأمر بأن يهديه الله ويصلحه ويوفقه ويسدده ويعينه وييسر له الأعوان الصالحين، هذا من الأمور التي ترجع فائدتها لدين الناس ودنياهم لا لذات السلطان فقط، مع أنه يجب أن ندعو للمسلم بالصلاح وإن لم يكن سلطاناً، فكيف إذا كان سلطان.

стр. 250

الدعاء على السلطان من علامات الهوى والبدعة إذا تأملت مقتضى النصوص الشرعية والمصالح الدينية والدنيوية تجد أنه لا يدعو على السلطان إلا أحد اثنين: إما صاحب هوى وهو الغالب، بمعنى أن عنده هوى سواء كان هذا الهوى هوى القلب أو ما يسمى هوى الاتجاه الذي هو اتباع الفرق. بعض الناس قد يكون سبب دعائه على السلطان مبني على أمر شذ به عن جماعة المسلمين، إما اتجاه وإما حزب وإما فكر، فيكون عنده توجه معين يجعله يقف من السلطان الظالم والفاجر موقفاً يصل إلى الدعاء عليه، فلذلك لا يدعو على السلطان إلا متهور جاهل أو صاحب هوى؛ هذا في نظري، ولا أجد هناك صوراً أخرى، إلا أن يجتهد مجتهد فيقع في مثل هذا لكنه مع ذلك مخطئ، لأن من استساغ الدعاء على السلطان فهو مخالف لقواعد الشرع ولمقتضى العقل السليم، فإن العاقل لا يمكن أن يفعل مثل ذلك ما لم يكن يوجهه عن هذا أمر آخر صارف، وإلا فالهوى قد يصرف حتى العاقل عن مقتضى العقل. فإذاً: هذا أمر مهم، بل العكس هو المطلوب شرعاً، وهو الدعاء للسلطان بأن يهديه الله وليس الدعاء عليه يعني: الذين استساغوا الدعاء على السلطان لم يقعوا في الهوى وخلاف السنة، بل وقعوا في مصادمة الأصل الشرعي تماماً، فبدلاً من أن يعملوا بالمشروع وهو الدعاء للسلطان أن الله يهديه ويوفقه ويصلحه دعوا عليه، ولو سكتوا لكان الأمر أسهل؛ لأن بعض الناس قد يجهل الأمر فيسعه السكوت، لكن أن يخالف القاعدة مخالفة صريحة فيدعو على السلطان هذه مسألة لا تستساغ شرعاً ولا عقلاً، وإن وقع فيها بعض المجتهدين فهذا زلل ينبغي أن ينبه عليه، وإلا فقد يجتهد طالب علم أو إنسان له حظه من الفقه، وقد يكون ممن يعرف بالإخلاص والصدق، لكن إذا وقع في هذا فهو مخطئ يجب أن ينبه على زلته ويرجع إلى الأصل.
следующие страницы →