← Акыда

Акыда · id 37722

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية

ناصر العقل

Полный текст (196 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأسئلة

стр. 107

المعنى المشترك بين المعية والعندية السؤال ما هو المعنى المشترك بين المعية والعندية؟ الجواب يعني: المعية تعني العندية في كثير من الأحوال. مداخلة: هل يمكن أن يقال: إن العندية يقصد بها المعية؟ الشيخ: بلى، العندية هي نوع من أنواع المعية، فيجوز أن تفسر بها في بعض النصوص حسب السياق، فالعندية والقرب والمعية بينها ترادف من وجوه كثيرة.

стр. 108

تنزه عيسى ﵇ مما نسب إليه من ادعاء النبوة السؤال أراك سلمت بمقولة المسيح: (أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي) وقد وردت في الكتاب، وإن جاء هذا اللفظ عنه فيحتمل كذب نسبتها إليه؟ الجواب نعم، صحيح، وأنا في الحقيقة ما كان في بالي الاحتراز، لكن أظنه واضح من سياق شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم هذا الكلام ما ورد بالإسناد، وأيضاً هو يدخل في أحاديث بني إسرائيل، فأقول: على أي الاعتبارات هذه الكلمة لابد أن نقف عندها، حتى لو كانت في أحاديث مكذوبة، فهم يجعلونها من أدلتهم على البنوة، تعالى الله عما يزعمون.

стр. 109

التعريف بالتأصيل العلمي الشرعي وغيره وطرق تحصيله السؤال ما المقصود بالتأصيل العلمي؟ وما كيفية تحصيله؟ الجواب التأصيل العلمي: هو استخراج القواعد والأصول والمناهج والأحكام الشرعية على ضوء المنهج الشرعي الصحيح السليم، وذلك باستخلاص هذه الأمور في التلقي والاستدلال وسلامة المقاصد، وأيضاً استخلاص الفوائد، وأن ترجع الأمور إلى الأصالة الشرعية، سواء كانت في باب العقائد أو في باب الأحكام والمفردات والأصول والمناهج، فالتأصيل هو إرجاعها إلى أصل شرعي قوي يعتمد على الشرع تطمئن إليه النفس، هذا بالنسبة للتأصيل الشرعي. أما التأصيل غير الشرعي فيرجع إلى أصحاب الاختصاص، والتثبت من المعلومة بالطرق العلمية المعتبرة.

стр. 110

حكم إطلاق صفة الولي على من يوثق بدينه وصلاحه السؤال هل يصح إطلاق لفظ (ولي) في وقتنا الحاضر على من يوثق بدينه وصلاحه؟ الجواب ليس هناك مانع؛ فقد وردت ألفاظ الولي والأولياء في القرآن والسنة، فإذا توافرت في الإنسان صفات الصلاح والاستقامة فيمكن أن يقال: هذا إن شاء الله ولي من أولياء الله، على اعتبار الرجاء من الله لا على اعتبار الجزم.

стр. 111

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٢] قلب العبد المؤمن لابد أن تتحقق فيه المعرفة والمحبة لله ، وهذا فرض لا يعذر فيه أحد، بخلاف الأعمال فإنه لا يجب على العبد منها إلا ما يطيقه، والعباد فيه متفاوتون، ولا يأتي بكمالها إلا السابقون المقربون، الذين تقربوا إلى الله بما يحب من الفرائض، ثم أتبعوها بما يحب الله من النوافل.

стр. 112

فصل في كون الله في قلب العبد بالمعرفة وموافقته لربه فيما يحبه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل. فهذان المعنيان صحيحان ثابتان، بل هما حقيقة الدين واليقين والإيمان. أما الأول: وهو كون الله في قلبه بالمعرفة والمحبة، فهذا فرض على كل أحد، ولا بد لكل مؤمن منه، فإن أدى واجبه فهو مقتصد، وإن ترك بعض واجبه فهو ظالم لنفسه، وإن تركه كله فهو كافر بربه]. يعني: هذا فيما يتعلق بالأحوال القلبية التي أساسها المعرفة بالله والمحبة لله، والمحبة لا بد أن ينتج عنها الرجاء والخوف والخشية وسائر الأحوال القلبية، فهو يقول: إن قلب العبد لا بد أن تتحقق فيه المعرفة والمحبة لله ، وهذا فرض لا يعذر به أحد؛ لأن الواجب على الإنسان أن يعمل ما يستطيعه من الأعمال المفروضة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، هذا بالنسبة للأعمال، أما بالنسبة للأمور القلبية فهي أحوال لا يعذر بها أحد؛ لأنها أمور لا تحتاج إلى جهد، إنما هي ما يقر في القلب من الإيمان الذي أساسه المحبة والخشية والرجاء، فلا أحد يعذر في أن يكون في قلبه المحبة الكاملة لله ، وهذا فرض على كل أحد، ولا بد لكل مؤمن منه، فإن أدى واجبه في محبة الله فهو مقتصد، وإن ترك بعض واجبه تجاه محبة الله فهو ظالم لنفسه، وإن ترك ذلك كله فهو كافر، إذا لم يكن في قلبه أدنى ذرة من الإيمان، أو لم يكن في قلبه أدنى ذرة من المعرفة والمحبة لله . قال رحمه الله تعالى: [وأما الثاني: وهو موافقة ربه فيما يحبه ويكرهه، ويرضاه ويسخطه، فهذا على الإطلاق إنما هو للسابقين المقربين، الذين تقربوا إلى الله بالنوافل التي يحبها ولم يفرضها، بعد الفرائض التي يحبها ويفرضها، ويعذب تاركها]. يعني: الأول يتعلق بالأحوال القلبية، والثاني يتعلق بما ينبعث من الأحوال والأعمال القلبية من أعمال الجوارح، والتسليم لله والطاعة.

стр. 113

الثواب على نية عمل الخير قال رحمه الله تعالى: [ولهذا كان هؤلاء لما أتوا بمحبوب الحق من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، المنتظمة للمعارف والأحوال والأعمال، أحبهم الله تعالى، فقال: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه). فعلوا محبوبه فأحبهم، فإن الجزاء من جنس العمل، مناسب له مناسبة المعلول لعلته. ولا يتوهم أن المراد بذلك: أن يأتي العبد بعين كل حركة يحبها الله، فإن هذا ممتنع، وإنما المقصود أن يأتي بما يقدر عليه من الأعمال الباطنة والظاهرة، والباطنة يمكنه أن يأتي منها بأكثر مما يأتي به من الظاهرة، كما قال بعض السلف: قوة المؤمن في قلبه، وضعفه في جسمه، وقوة المنافق في جسمه، وضعفه في قلبه؛ ولهذا قال ﷺ : (المرء مع من أحب). وقال: (إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر). وقال ﷺ : (فهما في الأجر سواء) في حديث القادر على الإنفاق والعاجز عنه، الذي قال: (لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما عمل)، فإنهما لما استويا في عمل القلب وكان أحدهما معذور الجسم استويا في الجزاء، كما قال النبي ﷺ : (إذا مرض العبد أو سافر، كتب له من العمل مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم)]. خلاصة هذا الفصل: أن الشيخ أراد أن يقرر أن المعنى الشرعي المطلوب من العباد في المحبة لله والمعرفة واليقين: هو التدين بما شرعه الله من الدين واليقين والإيمان، الذي هو أحوال القلب في التوجه إلى الله بالمحبة والرجاء والخوف وسائر الأعمال القلبية، وأحوال الجوارح بالعمل بما شرع الله ، هذا هو غاية الدين؛ لينفي بذلك ما ادعاه المبطلون من أصحاب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود من أن الغرض هو التنصل من التوحيد والشرائع، والوصول إلى ما يزعمون أنه الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، وهذه المعاني التي ادعاها هؤلاء باطلة ليست هي المعاني الشرعية المقصودة، إنما المعاني الشرعية هي ما يتحقق بها الدين واليقين والإيمان كما شرع الله وشرع رسوله ﷺ .

стр. 114

بيان عذر من يغيب عقله ويقع في نوع من الحلول والاتحاد قال رحمه الله تعالى: [فصل. وقد يقع بعض من غلب عليه الحال في نوع من الحلول أو الاتحاد، فإن الاتحاد فيه حق وباطل، لكن لما ورد عليه ما غيب عقله أو أفناه عما سوى محبوبه، ولم يكن ذلك بذنب منه، كان معذوراً غير معاقب عليه ما دام غير عاقل، فإن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق، وإن كان مخطئاً في ذلك كان داخلاً في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب:٥]]. هذا الكلام الذي قاله شيخ الإسلام هنا يرد كثيراً في كتبه، خاصة في الأجزاء التي تكلم فيها عن السلوك والتصوف، وكذلك في كتبه التي تكلم فيها عن المسالك الصوفية، مثل: (الاستقامة) و (الرد على البكري) وغيرها. في هذه الكتب نجد أن الشيخ في حكمه على شطحات الصوفية الأوائل يقول مثل هذا الكلام، وهو موقف عجيب من شيخ الإسلام ﵀، خاصة إذا طبقناه على الأمثلة التي ذكرها الشيخ، هنا يشير إلى ما ورد من أوائل الحلولية والاتحادية في القرن الأول والثاني والثالث الهجري، وأكثر ما كان ذلك في القرن الثاني والثالث. كانت مجرد شطحات بسيطة في القرن الأول، لكن في القرن الثاني والثالث قبل ظهور الطرق الصوفية ظهرت من أوائل العباد عبارات إلحادية صريحة في الإلحاد، وهؤلاء كثير، منهم: (رابعة العدوية، وذو النون المصري، وابن أبي الحواري، والتستري، والبسطامي، والنوري، والشبلي، حتى توج هذا الاتجاه الخبيث الحلاج في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع، توجه بالتصريح بالإلحاد، كان يصرح بالإلحاد حتى عندما ناقشه العلماء، وعندما استتيب ولم يتب، أما قبله فكانت أحوالاً وقع فيها بعض هؤلاء وأمثالهم، فيصرحون بالإلحاد أحياناً، في لحظات يظهر الواحد منهم أنه غير سوي، مثلاً: يكون مغشياً عليه، أو صعق لمفاجأة أتته، أو يكون في حال من الضعف الجسماني بعد السهر والجوع والعطش، فتحصل لهم حالات تشبه ما يسمى في عصرنا بالهستيريا، أثناء هذه الحالات التي تعتريهم يتلفظ كثير منهم فيها بالإلحاد، واحد يقول عن نفسه: سبحاني، وواحد يقول مثلاً للديك والكلب: لبيك لبيك، نسأل الله السلامة، وثالث يقول: ما في الجبة إلا الله. هذا قبل الحلاج، ورابع يحلق لحيته، ويترك صلاة الجماعة، وتحصل منه تصرفات حتى يدخل مستشفى المجانين، وآخر يقول: لماذا تخافون من النار؟ ما هي إلا أن أنصب عليها خيمتي فتنطفئ. وغيره يضرب صدره مقابل اليهود ويقول: هؤلاء في ذمتي. هذه كلمات إلحادية ليست مجرد عبارات مخبولين ولا عبارات مجانين، بل هذه مذاهب. فـ شيخ الإسلام يقصد ما قبل الطرقية، أما الطرقية فللشيخ كلام آخر. يقول عن هؤلاء: إن هؤلاء تعتريهم حالات من السهر والجوع والعطش، وبسبب جهلهم وضعفهم تعتريهم حالات يتكلمون بهذه الكلمات، ثم يقول: فلعلهم يعذرون في مثل هذا الكلام؛ لأنهم ليسوا عقلاء. وهذا عجيب من شيخ الإسلام. ولذلك ينبغي أن يتوقف طالب العلم في هذه المسألة؛ لأنه إن فرضنا أنهم تكلموا بغير إرادتهم أو من غير شعور كما نقول، لكن هل يعقل أن تأتي هذه الإلحاديات المقننة التي هي امتداد لمذاهب قديمة إلا في حال الجنون أو الخبال أو السكر أو نحو ذلك؟ يحتمل أن يكون أراد أن يتستر بهذه الحالات من أجل ألا يؤاخذ ولا يقتل أو يرجم من العوام؛ لأن مثل هذه الكلمات لا يتركها الناس، فبمجرد ما يسمعها العوام من هؤلاء يرجمونهم بالحجارة أو يطردونهم من القرى التي هم فيها، لكن مع ذلك هؤلاء لم يتخذ إزاءهم أي إجراء، حتى إن بعض العلماء احتسب على هؤلاء، وكانوا مجموعة منهم: التستري، والبسطامي، والنوري، والشبلي، فقام العلماء المحتسبون ورفعوا بهؤلاء إلى الحاكم فأتوا بهم إلى أحد القضاة، فلما اجتمعوا وسألهم وجد أن عندهم المذاهب الخبيثة التي اتهموا بها، فحكم بقتلهم، فلما جهزت وسائل القتل انبرى أحدهم -وأظنه النوري - فقدم نفسه قبلهم، فرق القاضي لهم وعفا عنهم، وقال كلاماً يدل على أنهم لبس عليهم الأمر. لكن مثل هذه الكلمات لو كانت غير منتظمة وغير مقننة، ولا تحمل صور المذاهب القديمة المعروفة في الأمم لقلنا: إنها عفوية أو نتيجة جنون، لكنها كلمات إلحادية أصبحت مذاهب فيما بعد، فأقول: ربما أنهم يلجئون إلى الادعاء بأنهم ليسوا أسوياء؛ من أجل أن يسلموا من القتل والمطاردة، ثم إن عندهم تعارضاً حاداً، فهؤلاء الذين أثر عنهم مثل هذه الكلمات الإلحادية أثر عنهم التصريح بوجوب الأخذ بالعقيدة السليمة والتوحيد والسنة، وأن كل أعمالهم يجب أن تعرض على الكتاب والسنة، وما خالفهما يرد. وهذا

стр. 115

توهم أهل الحلول أنهم يرون الله في الدنيا رأي عين قال رحمه الله تعالى: [فأما إذا كان السبب محظوراً، لم يكن السكران معذوراً. وأما أهل الحلول فمنهم من يغلب عليه شهود القلب وتجليه، حتى يتوهم أنه رأى الله بعيني رأسه، ولهذا ذكر ذلك طائفة من العباد الأصحاء، غلطاً منهم]. هذه القاعدة جيدة: (إذا كان السبب محظوراً لم يكن السكران معذوراً) يعني: هؤلاء الذين يعتذر عنهم أحياناً شيخ الإسلام ابن تيمية بأنهم قالوا هذه الكفريات في حال العوارض، وحال غياب العقل، والسبب في غياب عقولهم هو نزوعهم إلى كثرة العبادة والسهر والعطش والجوع، فهل هذا مشروع؟ هل يشرع للمسلم أن يوقع نفسه في هذا الحد، من أنه يسهر ويعطش ويجوع حتى يفقد عقله؟ إذاً: هم وقعوا في سبب غير مشروع، وإذا كان وقوعهم في السكر وما يعملونه من الأوراد والسماعات والأغاني التي هي أسباب لحضور الشياطين حتى تطيش عقولهم ويقعون في الرقص والهذيان والسكر فهذا أيضاً سبب غير مشروع. قال رحمه الله تعالى: [وقد ثبت في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ لما ذكر الدجال، ودعواه الربوبية، قال: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت)، وروي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه أخرى متعددة حسنة في حديث الدجال. فإنه لما ادعى الربوبية، ذكر النبي ﷺ فرقانين ظاهرين لكل أحد. أحدهما: أنه أعور والله ليس بأعور. الثاني: أن أحداً منا لن يرى ربه حتى يموت، وهذا إنما ذكره في الدجال مع كونه كافراً؛ لأنه يظهر عليه من الخوارق التي تقوي الشبهة في قلوب العامة].

стр. 116

فصل في الاتحاد المطلق قال رحمه الله تعالى: [فصل. فإذا عرف الاتحاد المعين مما يشبه الحلول أو الاتحاد الذي فيه نوع حق تبين أيضاً ما في المطلق من ذلك. فنقول: لا ريب أن الله رب العالمين، رب السماوات والأرضين وما بينهما، ورب العرش العظيم، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً، ربكم ورب آبائكم الأولين، رب الناس، ملك الناس، إله الناس، وهو خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل. خلق الزوجين الذكر والأنثى، من نطفة إذا تمنى. وهو رب كل شيء ومليكه، وهو مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، الرحمن على العرش استوى، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم. قلوب العباد ونواصيهم بيده، وما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، وهو الذي أضحك وأبكى، وأغنى وأقنى، وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، وينزل من السماء ماءً، فيحيي به الأرض بعد موتها. ويبث فيها من كل دابة. وهو الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً، كأنما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون، وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم، وإليه ترجعون، وهو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو القاسم بالقسط، القائم على كل نفس بما كسبت، الخالق البارئ المصور، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، وما شاء الله لا قوة إلا بالله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ منه إلا إليه. فهذه المعاني وما أشبهها من معاني ربوبيته وملكه، وخلقه ورزقه، وهدايته ونصره، وإحسانه وبره، وتدبيره وصنعه، ثم ما يتصل بذلك من أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، يبصر دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء. فهذا كله حق، وهو محض توحيد الربوبية، وهو مع هذا قد أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وأحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين. وهذا صنع الله الذي أتقن كل شيء، والخير كله بيديه، وهو أرحم الراحمين، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، كما أقسم على ذلك النبي ﷺ فقال: (والله، لله أرحم بعباده من هذه الوالدة بولدها)، إلى نحو هذه المعاني التي تقتضي شمول حكمته وإتقانه، وإحسانه خلق كل شيء، وسعة رحمته وعظمتها، وأنها سبقت غضبه، كل هذا حق. فهذان الأصلان: عموم خلقه وربوبيته، وعموم إحسانه وحكمته، أصلان عظيمان، وإن كان من الناس من يكفر ببعض الأول، كالقدرية الذين يخرجون أفعال العباد عن خلقه، ويضيفونها إلى محض فعل ذي الاختيار، أو الطبعية الذين يقطعون إضافة الفعل إلى الله سبحانه، ويضيفونه إما إلى الطبع، أو إلى جسم فيه طبع، أو إلى فلك، أو إلى نفس أو غير ذلك مما هو من مخلوقاته العاجزة عن إقامة نفسها، فهي عن إقامة غيرها أعجز. ومن الناس من يجحد بعض الثاني أو يعرض عنه، متوهماً خلو شيء من مخلوقاته عن إحسان خلقه وإتقانه، وعن حكمته، ويظن قصور رحمته وعجزها، من القدرية الإبليسية، أو المجوسية وغيرهم]. كل هذه المذاهب موجودة في طوائف الفرق، الصنف الأول الذين أخلوا بالأصل الأول: عموم الخلق والربوبية: هم القدرية، والذين أشار إليهم الشيخ هنا المجوسية والقدرية، وهم القدرية الأولى والثانية، والقدرية الأولى: القدرية المعبدية والغيلانية، الذين نفوا تقدير الله لجميع أفعال العباد، بل نفوا جميع مراتب القدر، وأن الله لم يعلم ولم يكتب، ولم يقدر أفعال العباد، ثم بعد ذلك لما صدم بالنصوص، وكفر السلف من أنكر العلم، وقفوا عند إنكار التقدير، وزعموا أن الله لم يقدر بعض أفعال العباد، وهذا هو الذي عليه القدرية الثانية قدرية المعتزلة. فهؤلاء أخلوا بالأصل الأول وهو عموم خلق الله وربوبيته، فجعلوا خلق الله ليس عاماً، إنما جعلوا معه خالقاً من دونه سبحانه، كما فعلت المجوسية، فزعموا أن الإنسان خالق أفعاله، وبعضهم لم يصرح بالخلق، لكنه يلزمه؛ لأنهم زعموا أن أفعال العباد أو بعضها ليست من تقدير الله، تعالى الله عما يزعمون وهذا شرك في الربوبية ولا شك. إذاً: تكون من تقدير من؟ لا بد أن تضاف إلى مقدر، فزعموا أن الإنسان هو الذي يقدر، فهؤلاء جعلوا الإنسان خالقاً مع الله، تعالى الله عما يزعمون، هذا الصنف الأول. أما الصنف الثاني: فهم الذين أخلوا بعقيدة عموم الإحسان من الله والحكمة، وهم طائفة من المتكلمين، ومنهم متكلمة الأشاعرة، فإنهم نفوا الحكمة والتعليل في أفعال الله ، وترتب على هذا -وإن كان ليس

стр. 117

الأسئلة

стр. 118

النهي عن التكلف في تفسير النصوص وحملها على غير ظاهرها السؤال أليس الأصل أن النصوص تؤخذ على ظاهرها ما لم يصرفها صارف من قرينة أو غيرها، ولكن الذي نراه أن هناك تفسيراً لبعض النصوص على غير ظاهرها، نحو قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١]، حيث فسرها بعضهم بأن معنى الأهون ليس الأضعف، وكذلك تفسير بعض طلبة العلم لقول الرسول ﷺ : (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه)، فسرها بأن المقصود ألا يطيل الصلاة وإنما يتأنى في الصلاة ولو أطال الخطبة؟ الجواب هذه التفسيرات لا دخل لها بالمجاز، وأرجو من الكاتب أن يرجع إلى التفسيرات الصحيحة لهذه النصوص، أما تفسير الحديث فهو ظاهر، وهو أن النبي ﷺ بين لنا أن من فقه الرجل أن يطيل الصلاة في حدود السنة أيضاً، أما إذا صلى الإنسان لنفسه فله أن يطيل ما شاء، لكن إذا صلى بغيره يطيل إطالة نسبية ليست كصلاته لنفسه، وقصر الخطبة لا شك أنها من علامات فقه الرجل، بدون تأويلات وبدون تفسيرات، ولا اللجوء إلى ما ذكره الكاتب عن بعض الناس أنهم قالوا كذا، أو قالوا كذا فهذا الحديث نصه ظاهر ومعناه ظاهر ولا إشكال فيه، فهذه التأويلات ليست محسوبة على المنهج العام للسلف في تفسير النصوص.

стр. 119

المنهج الحق في التعامل مع أهل السنة وأهل الأهواء والتعريف بهم السؤال لو تكرمت أن تكتب للناس رسالة عن الأشخاص قديماً وحديثاً ممن يظن أنهم من أهل السنة والجماعة حتى يعلم بهم الناس؟ الجواب ما أدري هل قصده أهل الخير أو أهل السنة أو قصده أهل الأهواء؟ لكن ما أرى أن تتوجه همة أحد من طلاب العلم إلى مثل هذا بخصوصه، يعني: لا ينبغي لطالب العلم أن يكون همه أن يشهر بأحد بهذه الطريقة. أئمة أهل السنة والجماعة رفع الله قدرهم، ووضع في قلوب العباد حبهم واعتبارهم، من غير أن نسلك الأساليب التي عليها الأحزاب والفرق وغيرها، ممن يسلكون مسلك الدعاية في لغة المعاصرين، فطالب العلم إذا ما كانت سمعته بعلمه وبانتفاع الأمة منه فلا ينبغي أن نصنع له هالة إعلامية نتصنعها بتكلف، فهذا أسلوب غير شرعي؛ فالمعهود عقلاً وشرعاً خاصة عند أهل السنة أن من كان فيه خير ونفع للأمة والإسلام والمسلمين في تقرير السنة فإن الله يرفع قدره بدون ما نتكلف له ذلك، وكذلك العكس كوننا نتصيد أو نتقصد أهل الأهواء والبدع بأسمائهم ثم نشهر بهم بطريقة تخالف المنهج الشرعي، فإن هذا سيؤدي إلى التعاطف معهم ولاستفزازهم، وليس هذا بمنهج شرعي، وما دمنا نستطيع أن نعالج أخطاء الذين يقعون في الأخطاء بغير التشهير بأسمائهم فهذا أولى وأسلم، إلا في حالات يقدرها العلماء الكبار.

стр. 120

وجه كون صاحب البدعة غالباً لا يوفق للتوبة السؤال ذكرت بأن صاحب البدعة غالباً لا يوفق للتوبة، وإن تاب تبقى عنده رواسب من أفكاره التي كان عليها؟ فهل نعتبر هذه قاعدة عامة؟ الجواب القاعدة العامة: أن صاحب البدعة غالباً لا يوفق للتوبة إذا أصر على بدعته وقامت عليه الحجة وبان له الدليل، وذكرت في ذلك أسباباً كثيرة، لكن السبب البين الظاهر: أن صاحب البدعة يحسن له الشيطان بدعته، ويظن أنها الحق، فهل تتوقعون من إنسان يظن أنه على الحق أن يتوب من الحق الذي يزعمه، فلذلك ما يوفق، هذا شيء. السبب الآخر: أننا نتكلم عن صاحب البدعة المؤصل لها والمقيم والمصر عليها، أما المبتدع التابع العامي المبتدع الجاهل فقد يتوب؛ لأنه جاهل لا يدري أنه ابتدع، فإذا عرف أنه ابتدع قد يتوب. إذاً: صاحب البدعة الذي يصر على بدعته ويعلنها فإنه قل أن يوفق للتوبة، وهذه قاعدة حتى بالاستقراء التاريخي هل سمعتم بفرقة مبتدعة رجعت إلى السنة، ما أعرف فرقة مبتدعة في تاريخ الأمة إلى يومنا هذا رجعت إلى السنة. أما الأشخاص فنعم قد يكون منهم من يرجع إلى السنة، لكن نادر وقليل، ولذلك الذين تابوا من البدعة أعداد قليلة جداً على مدار التاريخ ممن سمعنا بهم، أو سطر أسماءهم التاريخ. أما قوله: إن تاب تبقى عنده رواسب من أفكاره التي كان عليها هذا هو الغالب؛ لأن ممن كانوا على بدع ثم تابوا منها فلا أعرف أن أحداً منهم سلم من أوضار البدعة التي كان عليها، إلا البدع الصغار البدع الجزئية، أما بدع المناهج كبدعة المعتزلة والخوارج والمرجئة والجهمية والأشاعرة والماتريدية، والذين كانوا على مناهج أهل البدع ثم رجعوا إلى السنة، يندر أن يكون منهم من يسلم من غوائل الخلفيات السابقة إلا القليل، لكن كما يقال: النادر لا حكم له، تبقى القاعدة على العموم، وكل قاعدة لها استثناءات، حتى القواعد الكونية التي جعلها الله سنناً كونية، فالله أحياناً بخرقها بمعجزات وغير ذلك.

стр. 121

رؤية الله في المنام السؤال في حديث النواس بن سمعان أن النبي ﷺ قال: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت)، هل يشمل هذا الرؤيا المنامية؟ الجواب لا يشمل الرؤية المنامية؛ لأن الله لا يرى على الحقيقة في المنام؛ لأن الأحلام في المنام هي أشبه بالخيالات، فكما يتخيل الإنسان أحياناً إذا سمع بأسماء الله وصفاته يتخيل صفات الرب ، فكذلك في المنام قد يتخيل أنه رأى ربه، فإذا قال أحد: إني رأيت ربي في المنام، فهو رأى شيئاً يظنه ربه، وليس هو الرب سبحانه على الحقيقة، وقد يرى الإنسان في منامه أنه رأى الله، وهذا صحيح، وقد تكون أضغاث أحلام، وقد تكون الرؤى صادقة، بمعنى أنها أمثالاً ضربت للإنسان لفائدة له، لعله يتعظ ويزداد خيراً إن كان على خير، أو يكف عن شر إن كان على شر. ولذلك إذا رأى أحد ربه فليعلم أن هذه موعظة ثم يتنبه لنفسه، ويتفقد حاله، كثير من الناس يبدو لهم أنهم رأوا ربهم في المنام، وأنا رأيت مرة كأني رأيت ربي، وبمجرد أن قمت من النوم عرفت أني لم أر ربي على الحقيقة، رأيت شيئاً في المنام، لكن ليس هو الله ، تعالى الله، بل هي خيالات وأوهام. وهذه المسألة يكثر فيها الخوض بين طلاب العلم، بعضهم يقول: أبداً لا يمكن لأحد أن يرى ربه في المنام، نقول: هذه مسألة ليس لها علاقة بالرؤية العينية أبداً، رؤية المنام أحلام، والأحلام لا حجر لها؛ لأن الروح ترى الخيال والخبال والحق والباطل، لكنها لا يمكن أن تكون رؤية حقيقة لله أبداً، حتى رؤية النبي ﷺ ورؤى الأنبياء حق، النبي ﷺ قال: (رأيت ربي البارحة على أحسن صورة) يعني: مثل له على أحسن صورة، لكن رؤية النبي ﷺ أقرب إلى الحق لربه من رؤية الناس. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 122

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٣] من الأمور التي تميز بين الخالق والمخلوق كون الخالق غنياً والمخلوق فقيراً يحتاج إلى من يقضي حاجته، وكون الخالق مسئولاً والمخلوق سائلاً، فالمخلوق مفتقر في كل أموره إلى خالقه سبحانه، هذه البدهيات جاء الزنادقة من أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ولبسوا على الناس فيها، فكان لزاماً على العلماء أن يبينوا للناس ما لبس عليهم في هذه الأمور، وأن يحذروهم من الانجرار وراء أهل الزندقة والإلحاد.

стр. 123

بيان مظاهر ألوهية الله وربوبيته وحكمته ورحمته وتدبيره العالم المحيط الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا اليوم في الفتاوى، وبعض المقاطع التي سنقرؤها طويلة وليس فيها تعليقات والشيخ في هذا الفصل أراد أن يرد على أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وذلك بتقرير الفرق الفطري والعقلي والشرعي المسلم به لدى جميع العقلاء بين الخالق وبين المخلوقين بين الرب وبين المربوبين، وذلك أن الرب سبحانه هو الخالق البارئ المصور سبحانه، وهو الغني وهو المعبود وله المثل الأعلى في كل شيء، وله الكمال المطلق، وله الجلال والجمال سبحانه، وهو سبحانه الذي بيده مقاليد السماوات والأرض بيده ملكوت كل شيء، وأما المخلوق المربوب فهو ضعيف فقير مفتقر إلى الله في كل شيء، ومحدود في الزمان والمكان، وهذا الفرق سيقرره الشيخ على نحو القواعد التي تتضمن الرد على فلسفة أصحاب الحلول ووحدة الوجود والاتحاد، لكن على منحى شرعي يستند ويرتكز على الدليل الشرعي المتضمن للدليل العقلي، على نحو ما ستلاحظون من خلال استقراء وسرد الآيات التي تدل على هذه الأمور، وإن كانت دلالتها بدهية كما ذكرت في دروس سابقة؛ لكن نظراً لأن هؤلاء المبطلين شككوا في البدهيات فلا بد من تقرير الحق، لاسيما وأنهم ضللوا وخدعوا ولبسوا على طوائف من المسلمين، فكان لا بد من تمييز الحق من الباطل، والدفاع عن الحق ورد الباطل بالقواعد الشرعية. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل. وهو كما يشهد ربوبيته وتدبيره العالم المحيط وحكمته ورحمته، فكذلك يشهد إلهيته العامة، فإنه الذي في السماء إله وفي الأرض إله، إله في السماء، وإله في الأرض: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] الآية، على أحد القولين: على وقف من يقف عند قوله ((وَفِي الأَرْضِ)) فإن المعنى: هو في السماوات الله، وفي الأرض الله، ليس فيهما من هو الله غيره. وهذا وإن كان مشابهاً لقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] فهو أبلغ منه. ونظيره قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]. وقد قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم:٢٧]. وقال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]. وقال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣]. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد:١٥]. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٦ - ٢٧]. وقوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:١]. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة:١]. ونحو ذلك من معاني ألوهيته، وخضوع الكائنات وإسلامها له، وافتقارها إليه، وسؤالها إياه، ودعاء الخلق إياه، إما دعاء عبادة، وإما دعاء مسألة، وإما دعاؤهما جميعاً، ومن أعرض عنه وقت الاختيار: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، ونشهد أن كل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه، فإنه باطل إلا وجهه الكريم، كما نشهد أنها كلها مفتقرة إليه في مبدئها، نشهد أنها مفتقرة إليه في منتهاها، وإلا كانت باطلة. فهذه المعاني التي فيها تأله الكائنات إياه، وتعلقها به، والمعاني الأول التي فيها ربوبيته إياهم وخلقه لهم، يوجب أن يعلم أنه رب الناس ملك الناس، إله الناس وأنه رب العالمين لا إله إلا هو، والكائنات ليس لها من نفسها شيء، بل هي عدم م

стр. 124

الفرق بين وجود الخالق ووجود المخلوق ثم قرر الشيخ بعد ذلك هذا بقاعدة: أن هذه الكائنات الناقصة الحادثة الفانية موجودة، وهناك وجود آخر وهو وجود الحق الخالق البارئ المصور الذي ليس قبله شيء، حيث قال: فهو الأول الذي ليس قبله شيء، وهذا فيه دلالة ظاهرة على أن هناك أولاً، فالأول الذي ليس قبله شيء هو الله ، الذي وجوده أزلي، وهناك في الوجود حادث مخلوق لا يقابل الأول؛ لأنه سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء، ومن هنا يتجلى مدى كمال الله وتصور ذلك في الأذهان، وهو إحكام الكمال المطلق لله بقولنا: هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وبين الأولية والآخرية وجود مفتقر حادث ليس هو الأول المطلق ولا الآخر المطلق وهو المخلوقات؛ لذلك قوله: (ليس قبله شيء) دليل على أن المخلوقات حادثة، (وليس بعده شيء) دليل على أن الدوام لله ، وما يدوم شيء إلا بقدرة الله سبحانه، فدوام المخلوقات مثل: الجنة والنار هذا دوام من تقدير الله وخلقه، مفتقر في دوامه إلى الله وتقديره، فلو لم يقدر الله دوام هذه الشئون لما كان لها دوام، ودوامها أيضاً لا يمكن أن يعبر عنه بأنه الذي ليس بعده شيء؛ هذا لا يجوز إلا لله. إذاً: هناك فرق بين من ليس قبله شيء وهو الله ، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وبين ما هو مفتقر في وجوده وبقائه وفنائه وبعثه إلى الله ، وتقدير جميع أحواله.

стр. 125

تنوع معية الله لخلقه وتفاوتهم في درجاتها ثم أشار إلى المعية في هذه الفقرة، قال: [ونعلم أن معيته مع عباده على أنواع وهم فيها درجات]، يعني: المعية دليل على التميز بين الخالق والمخلوق. وهذا فيه رد ظاهر على أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، فإن المعية تدل على الاختلاف، لا يقال للشيء نفسه: إنه مع نفسه، لا يقال للشيء الواحد: إنه مع نفسه، إنما إذا قيل: الشيء الفلاني مع الشيء الفلاني فبينهما فرق ذاتي ومعنوي. فإذاً: تحقيق المعية لله وكونه مع عباده المعية العامة، ومع عباده الصالحين وعباده المؤمنين المعية الخاصة، أن هذه المعية تدل على المفارقة بين وجود الله وبين وجود المخلوق، وأن لله وجوداً يخصه وكمالاً لا يمكن أن يكون لأحد من خلقه، والخلق الذي له وجود يفتقر ويفنى وينتهي. وهذه المعية معية محدودة، وتدل على الفرق بين الله وبين خلقه، وهكذا بقية الأمور، وهذا مما قد لا يدرك إلا بمثل هذا الفقه الذي وفق الله إليه شيخ الإسلام ﵀.

стр. 126

فصل في بيان الباطل المحض في الحلول والاتحاد

стр. 127

الفرق بين ما يمنحه الله من آثار ربوبيته لعباده الصالحين وبين ما يمنحه من هذه الآثار لغيرهم قال رحمه الله تعالى: [فصل. فهذا فيما يشبه الاتحاد أو الحلول في معين، كنبي أو رجل صالح ونحو ذلك. قد بينا ما فيه من الحق المحض، وما فيه من الحق الملبوس بباطل، وسنبيّن إن شاء الله ما فيه من الباطل المحض]. ولذلك أحب أن أنبه إلى ما يشير إليه الشيخ هنا، فقوله: (يشبه الاتحاد أو الحلول في معين كنبي أو رجل صالح أو نحو ذلك) يعني: أن الاتحاد والحلول في المعين له وجه حق ووجه باطل على ضوء ما سبق، وجه الحق في حلول معاني الربوبية والألوهية في قلوب الصالحين، وجه الحق في كونهم امتلأت قلوبهم بخشية الله وتقواه ومحبته، في كونهم حلّت عظمة الله في قلوبهم، وأن الله ربهم ومعبودهم وإلههم، وامتلأت قلوبهم بالمعاني الإيمانية والإنابة إلى الله ، والاستجابة لله بالعمل الصالح، فهذا قد يسمى لغة: حلولاً، لكن ليس حلول الإله، وإنما حلول تعظيم الإله في قلوب العباد. ثم ذكر ما ينافيه من الحق المحض، وما فيه من الحق الملبوس بباطل، وهو ما وجد عند بعض العُبّاد الذين عبدوا الله أولاً على طريق صحيح، لكن تجاوزوا في العبادة إلى حد ادعوا فيه الاستغناء عن عبادة الله ، فهذه عبادة فيها جانب من الحق وهو توجههم إلى الله بقلوبهم، وجانب من الباطل وهو زعمهم أنهم بتحقيقهم للربوبية استغنوا عن الإلهيات، وهذه سيبينها الشيخ كما في فصل قادم. قال رحمه الله تعالى: [وهذا القسم إنما يقع فيمن يعبد الله سبحانه ويتولاه، أو يُظن به ذلك، فإنه بذلك تظهر ألوهية الله في عبده، وتظهر إنابة العبد إلى ربه، وموافقته له في محبته ورضاه]. هذا المعنى الذي أشار إليه الشيخ قد يسمى لغة: حلولاً، لكن ليس حلول الله، ولا جزءاً من الله، ولا شيئاً من خصائص الله في المخلوقين، ولا حتى في أفضل الخلق، لا يمكن، إنما المقصود أن هؤلاء الصالحين حلت ألوهية الله وربوبيته في قلوبهم، وامتلأت بها حتى تمثلت في عقيدتهم، وفي أعمالهم والتزامهم بدين الله وأمره ونهيه. قال رحمه الله تعالى: [وتظهر إنابة العبد إلى ربه، وموافقته له في محبته ورضاه وأمره ونهيه. وقد يشتبه بهذا قسم آخر؛ وهو ما يظهره الرب من آثار ربوبيته في بعض عباده، وإن كان ذلك ليس مأموراً به ولا هو عبادة له، مثل ما يعطيه من ملكه وسلطانه بعض الملوك المسلطين، ممن قد يكون مسلماً وقد لا يكون، كفرعون وجنكيز خان ونحوهما، وما يهبه من الرزق والمال لبعض عباده، وما يقسمه من الجمال لبعض عباده من الرجال والنساء]. أي: أن الله قد يظهر من آثار ربوبيته في بعض العباد وإن لم يكونوا حققوا الألوهية والعبادة، وذلك أن الله ضمن لجميع الخلق الرزق، وآتى الملك من يشاء من العباد، وآتى الدنيا من يشاء، يؤتي الملك من يشاء سبحانه، فهذا أمر متعلق بالربوبية، وتحقيق تقدير الله للعباد بالرزق والتوفيق والملك والسلطان في الدنيا، لا يلزم أن يكون دليلاً على رضاه سبحانه، بل هذا أمر يعطيه المؤمن وغير المؤمن. فإذاً: تحقيق هذه الأمور لبعض العباد وإن لم يكونوا من الصالحين ولا من المؤمنين، ليس دليلاً على التوفيق ولا على أنهم حققوا الإلهية. قال رحمه الله تعالى: [وكذلك ما يهبه من العلوم والمعارف، أو يهبه من الأحوال، أو يعطيه من خوارق العادات من أنواع المكاشفات والتأثيرات، سواء كان هؤلاء مؤمنين أو كفاراً مثل: الأعور الدجال ونحوه]. الخوارق هي من الربوبية ومن أقدار الله ، ولا يلزم أن يكون تحقيقها للعباد الصالحين فحسب، فالله قد يهب الخوارق للكافر وللمسلم، للصالح والفاسق، لكن الخوارق والمكاشفات والتأثيرات التي تتم للأنبياء والصالحين والمؤمنين من باب الكرامات، وإذا تمت لغير المؤمنين فهي من الفتنة والاستدراج، وهذه الخوارق والأشياء التي يحققها الله بربوبيته وقدره لعباده، إن تمت على يد رجل صالح على السنة فهي كرامة، وإن تمت على يد رجل مسلم لكن على البدعة فهي فتنة. قال رحمه الله تعالى: [فإنه في هذا القسم يقوم في العبد المعيّن من آثار الربوبية وأحكام القدرة أكثر مما يقوم بغيره، كما يقوم بالقسم الأول من آثار الألوهية وأحكام الشرع أكثر مما يقوم بغيره، وقد يجتمع القسمان في عبد، كما يجتمع في الملائكة والأنبياء والأولياء، مثل: نبينا ﷺ ، والمسيح ابن مريم ﵇ وغيرهما]. يعني: تحقق في مثل هؤلاء من عباد الله، ومنهم أفضل الخلق، تحقق فيهم المعنيان: الربوبية، والألوهية، وآثار الربوبية، وآثار الألوهية، فهؤلاء الأنبياء حققوا بقلوبهم وجوارحهم ما أراده الله منهم، بأن آمنوا بالقدر، وعبدوا الله على ما شرع، فتحققت لهم آثار الربوبية والألوهية على نحو لم يكن عند غيرهم، فمن آثار ذلك الاستقامة، ثم بما أكرمهم الله به من المعجزات، ولا شك أن الله أكرم النبيين والمرسلين عموماً، وأكرم عيسى ومحمداً ﷺ على وجه الخصوص من آثار الربوبية والإلهية ما لم يكن لغير

стр. 128

الفرق بين كلمات الله وإرادته الكونية والشرعية قال رحمه الله تعالى: [أما الأول: فإن الله سبحانه قد فرق بالقرآن وبالإيمان بين أمره الديني وخلقه الكوني]. الأول: تمييز الألوهية عن الربوبية، الذي ينبثق عنه تمييز الرب عن الخلق، والربوبية هي أفعال الله ، والألوهية عبادة العباد لله، وفرق بين الفاعل هنا والفاعل هنا، وبين العابد والمعبود، هذا من وجه، وكذلك من وجه آخر التفريق بين هذا وهذا من حيث الاعتقاد والعمل. قال رحمه الله تعالى: [أما الأول: فإن الله سبحانه قد فرق بالقرآن وبالإيمان بين أمره الديني وخلقه الكوني، فإن الله سبحانه خالق كل شيء ورب كل شيء ومليكه، سواء في ذلك الذوات وصفاتها وأفعالها، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته شيء، ولا يكون شيء إلا بمشيئته. وقد كذب ببعض ذلك القدرية المجوسية من هذه الأمة وغيرها، وهم الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس والبهائم، ولا يقدر على أن يفعل بعباده من الخير أكثر مما فعله بهم، بل ولا على أفعالهم؛ فليس هو على كل شيء قدير، أو أن ما كان من السيئات فهو واقع على خلاف مشيئته وإرادته. وهم ضلال مبتدعة، مخالفون للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولما عرف بالعقل والذوق. ثم إنه قابلهم قوم شر منهم، وهم القدرية المشركية]. التمييز بين الفئتين ظاهر، الأولى: القدرية المجوسية الذين ينكرون قدر الله أو بعض قدر الله، وهم قدرية المعتزلة التي هي امتداد للقدرية الأولى القدرية المعبدية معبد الجهني وغيلان الدمشقي، فالقدرية الأولى أنكرت جميع تقدير الله في أفعال العباد، ثم بعد ذلك خففت الأمر وجعلت بعض أقدار الله أو بعض مراحل مراتب القدر ليست من تقدير الله، فزعموا أن أفعال العباد ليست من تقدير الله، ثم بعد ذلك وصلوا إلى مرحلة أضيق أو أخف وإن كانت شراً أيضاً، وهو أن بعضهم زعم أنا لا نخرج من أقدار الله إلا أفعال الشر، زعموا أن أفعال الإنسان التي يفعلها في الشر ليست من تقدير الله، وهذا يجعل بالضرورة أن هناك مقدراً مع الله، أي: خالقاً مع الله، فهؤلاء يسمون: القدرية المجوسية، لماذا يسمون بالمجوسية؟ لأن المجوسية تعبد إلهين، وفلسفتهم في عبادة الإلهين أنهم يقولون: الإله الأصل وهو الله هو إله الخير، لكنه لم يقدر الشر بزعمهم، فلما أخرجوا تقدير الشر عن الله، أسندوه إلى الشيطان، فزعموا أن الشيطان هو الذي خلق الشر، فلما زعموا ذلك عبدوه مع الله، فعبدوا إلهين، والقدرية في الإسلام على هذا المنهج، لكنه منهج أخذ أسلوب أهل الأهواء، أخذ مصطلحات شرعية وإسلامية واستدلالات فيها تلبيس، فهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأخذوا المتشابهات وجعلوها مسلكاً، فزعموا أن الإنسان مقدر أفعاله، وبعضهم صرّح أن الإنسان خالق أفعاله، إذاً: أثبتوا خالقاً مع الله، كما أثبتت المجوسية إلهاً غير الله، فسموا بالقدرية، وهذا المذهب موجود إلى الآن في أتباع المعتزلة، بعض الناس يظنه قد انقرض، أبداً لا يزال أناس من كبار المفكرين الموجودين الآن يقررون هذا، بل إنهم زادوا أمراً عجيباً ما تكلمت به أكثر المعتزلة، فأكثر المعتزلة ما يجرءون أن يقولوا: إن الإنسان خالق مع الله، بهذا اللفظ، وإنما يقولون: الإنسان يقدر أفعاله، الإنسان مسئول عن أفعاله، الله لم يقدر أفعال الإنسان، أكثر المعتزلة على ذلك، أما المعتزلة المعاصرون فقد قرأت لعدد منهم يقولون: إن الإنسان خالق أفعاله، تعالى الله عما يزعمون، هذه قدرية موجودة، فكثير من العصرانيين العقلانيين على هذا المذهب، ليس إلزاماً لهم، لا، بل صرّحوا به، فهم ما بين مصرح بهذا اللفظ، وما بين من تابع المعتزلة بإجمال، ومنهم من تابع المعتزلة بالتفصيل، ومنهم من تابع المعتزلة وزاد عليها، فيظهر لي أن المعتزلة رغم انحرافهم، ورغم ما ظهر منهم من الابتداع وأقيمت عليهم الحجة فلم يرجعوا، إلا أنهم مع ذلك أكثر مداراة للعقيدة السليمة وللمسلمين من المعتزلة المعاصرة، أولئك عندهم شيء من الخوف أو نوع من ترويج المقولة، فليس عندهم تصريح بهذا المذهب من القول بأن الإنسان خالق أفعاله، أو القول بأن الله لم يخلق أفعال العباد، فهم لم يصرحوا بأن الإنسان خالق أفعاله كما صرحت المعتزلة الجديدة. الفئة الثانية عكس هؤلاء تماماً: وهم القدرية المشركية، فهؤلاء هم الجبرية، وهم عكس القدرية. الجبرية: هم الذين زعموا أن الإنسان ليس له أي إرادة ولا حرية، فهو مسيّر تسيير كامل، ولذلك لا عليه أن يعمل أي شيء، حتى إنهم لا يؤاخذون الكافر على كفره، ولا المنافق على نفاقه، ولا يؤاخذون المشرك على شركه، فضلاً عن أن يؤاخذوا الفاجر على فجوره، ويقولون: ما دام أن الإنسان عرف الله فيكفيه ذلك؛ لأنه إن عمل شراً فذلك راجع إلى أن الله قدّر عليه ذلك، فهو مجبور وليس محاسباً ولا مؤاخذاً، وهؤلاء هم جبرية الجهمية التي انتهت إلى الصوفية الطرقية. ومذهب القدرية المشركية هو الذي عليه أكثر الطرقية الصوفية، خاصة الغلاة الكب

стр. 129

مرتبة القدرية المشركية في الكفر وعداوتهم للعقل قال رحمه الله تعالى: [ثم إنه قابلهم قوم شر منهم وهم القدرية المشركية الذين رأوا الأفعال واقعة بمشيئته وقدرته، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]، ولو كره الله شيئاً لأزاله، وما في العالم إلا ما يحبه الله ويرضاه وما ثم عاص، وأنا كافر برب يعصى، وإن كان هذا قد عصى الأمر فقد أطاع الإرادة، وربما استدلوا بالجبر وجعلوا العبد مجبوراً، والمجبور معذور، والفعل لله فيه لا له، فلا لوم عليه، فهؤلاء كافرون بكتب الله ورسله، وبأمر الله ونهيه، وثوابه وعقابه، ووعده ووعيده، ودينه وشرعه كفراً لا ريب فيه، وهم أكفر من اليهود والنصارى، بل أكفر من الصابئة والبراهمة الذين يقولون بالسياسات العقلية؛ فإن هؤلاء كافرون بالديانات والشرائع الإلهية وبالآيات والسياسات العقلية. وأما الأولون ففي تكفيرهم تفصيل ليس هذا موضعه]. الأولون هم القدرية المعبدية والغيلانية، وقدرية المعتزلة، والتفصيل الذي أشار إليه الشيخ يمكن تلخيصه في مسألتين: المسألة الأولى: أن بعض القدرية الأولى أنكروا جميع مراتب القدر، فأنكروا علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه لأفعال العباد، فهؤلاء كفار لا شك. الصنف الثاني: الذين زعموا أن الله لم يقدّر بعض أفعال العباد؛ لالتباس في أذهانهم، وما وفقوا للهدى، فهؤلاء في تكفيرهم نظر، والله أعلم.

стр. 130

الأسئلة

стр. 131

العلاقة بين الرافضة والصوفية السؤال هل هناك علاقة بين الرافضة والصوفية؟ الجواب نعم، هناك علاقة كبيرة، لكنها ليست علاقة انتماء، إنما علاقة منهج، أغلب الصوفية لا تنتمي للرفض، وأغلب الرافضة لا تنتمي للصوفية العامة، لكن الرافضة فيهم صوفية كثيرون، بل أصل الرفض قائم على التصوف، سواء كان تصوفاً طرقياً أو غير طرقي، الرفض في عبادته يقوم على التصوف، وإن كان في مناهج العقيدة أسبق من التصوف، لكن لا يمكن أن يكون هناك رافضي بلا تصوف بمعناه المنهجي، بمعنى ما من رافضي إلا وهو من القبوريين، وليس هناك رافضي ليس من عبّاد المشاهد، وليس هناك رافضي ليس عنده بدع في الأوراد، لا يمكن، إلا في النادر، والنادر لا حكم له. فإذاً: الصوفية متوغلة في الرفض، ولا تستغني الرافضة عن التصوف، لكن فيهم طرقيون وفيهم غير طرقيين، أما المتصوفة العامة الطرقية التي في سائر العالم الإسلامي فبعضها عندها تشيع شديد، وبعضها تشارك الشيعة الرافضة في بعض المبادئ، مثل: تقديس الأشخاص، ومثل: التعلق بالأوراد البدعية والسماعات، ومثل: التعلق بالقبور والمشاهد والآثار، وهذه قواسم مشتركة، وهي أصول وليست مجرد صفات عرضية، إنما هي أصول عند الصوفية تشترك فيها مع الرافضة.

стр. 132

علاقة الرافضي بالتصوف السؤال هل هناك رافضي لا يمكن أن يكون صوفياً؟ الجواب لا أظن، إلا النادر، والنادر لا حكم له، قد يوجد خاصة في البلاد التي فيها السنة ظاهرة ومهيمنة، مثل هذه البلاد الحمد لله لا يظهرون حتى تصوفهم، بل قد يوجد من شبابهم المثقفين من لا يمارس العبادات أصلاً لا صوفية ولا شيعية ولا غيرها، هذا مثل المعرضين عن الدين من أهل السنة لا يحسب، لكن المتدينون منهم لا يمكن أن يخرجوا من نزعة التصوف.

стр. 133

المقصود بالكلمات الكونية والكلمات الدينية السؤال ما المقصود مما ذكرته سابقاً الكلمات الكونية والدينية؟ الجواب الكلمات الكونية هي أقدار الله التي تتم بكلماته التامة سبحانه، أما الكلمات الدينية فهي الشرائع التي مصدرها الوحي، الذي هو كلام الله أو وحيه للرسل، الكلمات الكونية هي كلمة (كن)، وأيضاً أقدار الله التي فيها أقدار العباد وأقدار الخلق كلها، كل هذه تسمى كلمات كونية، والكلمات الشرعية هي الوحي والشرائع.

стр. 134

أنواع المعية ودرجاتها السؤال ذكر شيخ الإسلام أن المعية مع العباد أنواع، فهل يقصد المعية الخاصة والعامة؟ الجواب نعم، يقصد المعية الخاصة والعامة، حتى المعية الخاصة درجات، أما المعية العامة فهي على درجة واحدة؛ لأنها معية كلية لا يتخلف عنها شيء من الأقدار؛ فأقدار العباد كلهم وأقدار أي مخلوق كلها داخلة في المعية العامة، سواء معية الله بعلمه أو بربوبيته، أما المعية الخاصة فهي تتفاوت.

стр. 135

حكم تغسيل ثياب الميت بالماء والشرب من ذلك الماء الخارج من الثياب السؤال قبل أسبوع توفي أحد أقاربي الكبار في السن، وقد قام بعض أهل البيت بعمل غريب، وهو أنهم قاموا بغسل ملابس الميت، ثم أخذوا الماء الخارج من الملابس، وقاموا بشربه وأمروا الحضور بشربه، علماً بأن الغسيل يكون بالماء فقط؟ الجواب سواء بالماء فقط أو بالماء والصابون أو بأي وسيلة كل هذا بدعة، وهذه بدعة غريبة في الحقيقة ينبغي التنبه لها، وهناك ظاهرة ينبغي التنبه لها، خاصة من طلاب العلم والدعاة، وهذه الظاهرة: هي أن الناس اليوم يتسارعون جداً إلى البدع في المآتم، بدع عند غسل الجنائز، وصلاة الميت، وتشييع الجنازة، والبدع حول المقابر والتعازي، فمن ينظر إلى المسألة بدقة يجد أنه تظهر علينا سنوياً بدع جديدة، حتى في مجتمعنا الذي ما اعتاد على البدع، بعضها تقليد الآخرين وبعضها بدع جديدة ابتدعت من عندنا، فهذه مسألة يجب التنبه لها، والدين النصيحة، (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) وهذه البدع التي بدأت تزداد الآن وتكثر هي بدع بين من نعرفهم من أقارب وجيران وأهل الحي، فلا يسع أحداً السكوت عنها، والسكوت عنها قد يؤدي إلى استعصاء علاجها فيما بعد.

стр. 136

وجه التداخل بين الفرق المنحرفة ونسبة ذلك التداخل السؤال هل انتماء الجبرية إلى الصوفية هو من باب تغير الاسم، أم أن هناك فرقاً بينهما؟ الجواب هذه مسألة تتعلق بما يسمى بالتداخل بين الفرق، بعض الناس يقول مثلاً: هل مذهب الجهمية انتقل إلى الصوفية أو أن الجهمية ماتت، أو أن الصوفية تحولت إلى جهمية ولم تعد صوفية؟ كذلك: هل بدع المعتزلة والجهمية انتقلت إلى الرافضة، وصارت الرافضة جهمية ولم تعد رافضة؟ نقول: لا، الآن الحاصل منذ القرن الثالث وما بعده أن الفرق بدأت تأخذ ببدع جديدة مع بقائها على بدعها الأصلية، فالرافضة تحوّلت إلى مذهب الجهمية، مع أنها بقيت على أصول الرافضة القديمة، بل زادت عليها، وكذلك الخوارج، فالخوارج مثلاً بقوا على مذهب الخوارج، لكنهم أدخلوا على عقيدتهم مذهب الجهمية والمعتزلة، والصوفية دخلتها مذاهب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ودخلتها مذاهب الجهمية، ولا يعني ذلك أنها تخلت عن التصوف، بل زادت بدعاً في التصوف، وهذا يسمى التداخل بين الفرق، فالفرق تشابكت كل واحدة أخذت عن الأخرى مع بقائها على أصولها، وهذا مصداق قول النبي ﷺ في وصف أهل الأهواء: (تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه) يعني تمضي وتفتك بهم الأهواء كما يفتك مرض الكلب، وهو من الأمراض الفتاكة، وذلك إذا أصيب الإنسان بعضة الكلب المسعور تبدأ بجرح بسيط، ثم هذا الجرح يأكل الجسم عضواً عضواً حتى ينتهي الإنسان، فكذلك البدع تبدأ صغيرة، ثم صاحب البدعة يضيف إلى بدعته أخرى وأخرى حتى تهلكه. إذاً: نخلص إلى أن هذه الفرق كل واحدة أخذت مساوئ الأخرى مع مساوئها الأولى التي كانت عليها. نسأل الله للجميع التوفيق والسداد. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 137

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٤] من أهم أسباب الوقوع في الاتحاد والحلول هو أخذهم بالألفاظ المتشابهة، وعدم تفريقهم بين الكونيات والدينيات، فجعلوا كل موجود هو الحق، مع أن في الموجودات ما هو حق وما هو باطل، وجعلوا الباطل هو المعدوم، مع أن لفظ العدم أدل على النفي من لفظ الباطل، فكيف يفسر ويوضع ويبين الجلي بالخفي؟!

стр. 138

تابع مرتبة القدرية المشركية في الكفر وعداوتهم للعقل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا، وسنشرع اليوم في استكمال درس الفتاوى المجلد الثاني، كان الشيخ ﵀ يتحدث عن أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ثم فرّع الحديث عن القدرية، وقسّم القدرية إلى قسمين: القدرية المجوسية، وهم قدرية المعتزلة ومن سبقهم، وهم الذين قال فيهم: (وأما الأولون في تكفيرهم تفصيل ليس هذا موضعه) فهو يعني بذلك كما أشرت في الدرس السابق أنهم على درجات منهم: من يكفر، وهم الذين أنكروا مراتب القدر الأربع، ومنهم: من يشك في كفره، وهم الذين أنكروا بعض مراتب القدر بتأول، ومنهم: من لا يحكم عليه بالكفر، وهم الذين تأولوا في مسألة أفعال العباد فقط، تأولوا ولم ينكروا مراتب القدر الأربع، لكن عندهم شبهات في القدر. وسيتحدث الآن عن مجمل هذه الفرق، وخاصة الجهمية الجبرية التي انتقلت إلى الصوفية، وانبثقت عنها وحدة الوجود والاتحاد والحلول. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وأما الأولون ففي تكفيرهم تفصيل ليس هذا موضعه. وهؤلاء أعداء الله وأعداء جميع رسله، بل أعداء جميع عقلاء بني آدم، بل أعداء أنفسهم، فإن هذا القول لا يمكن أحداً أن يطرده، ولا يعمل به ساعة من زمان، إذ لازمه ألا يدفع ظلم ظالم، ولا يعاقب معتد، ولا يعاقب مسيء لا بمثل إساءته ولا بأكثر منها. وأكثر هؤلاء إنما يشيرون إلى ذلك عند أهواء أنفسهم، لرفع الملام عنهم، وإلا فإذا كان لهم هذا مع أحد قابلوه وقاتلوه واعتدوا عليه أيضاً، ولا يقفون عند حد، ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، بل هم كما قال الله: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] ظلمة جهال، مثل السبع العادي، يفعلون بحكم الأهواء المحضة، ويدفعون عن أنفسهم الملام والعذل، أو ما يجب عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالجبر الباطل، وبملاحظة القدر النافذ معرضين عن الأمر والنهي، ولا يفعلون مثل ذلك بمن اعتدى عليهم وظلمهم وآذاهم، بل ولا بمن قصر في حقوقهم، بل ولا بمن أطاع الله فأمر بما أمر الله به ونهى عما نهى الله عنه. وقد بسطت الكلام في هؤلاء القدرية والقسم الأول، وذكرت القدرية الإبليسية في غير هذا الموضع؛ وإنما الغرض هنا التنبيه على معاقد الأقوال].

стр. 139

الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية من الأمر والإرادة والقضاء والحكم قال رحمه الله تعالى: [وقد فرّق الله في كتابه بين القسمين، بين من قام بكلماته الكونيات، وبين من اتبع كلماته الدينيات، وذلك في أمره، وإرادته، وقضائه، وحكمه، وإذنه، وبعثه، وإرساله؛ فقال في الأمر الديني الشرعي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠]. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]. وقال في الأمر الكوني القدري: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]. وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦] على أحد الأقوال]. أشار الشيخ إلى الكلمات الكونيات والكلمات الدينيات؛ نظراً لأن هذه العبارات ستتكرر عند الشيخ فيما يستقبل من كلامه في هذه المواضع، فلعل من أبين ما يمكن أن يميز به بين النوعين: الكلمات الكونيات، والكلمات الدينيات، أن الكلمات الدينيات هي ما تكلم الله به في الوحي، التي هي كلامه في كتبه المنزّلة، والقرآن الذي هو كلامه ، وما يتكلم الله به مع العباد ومع الخلق خاصة في أمر الشرائع والأوامر والنواهي، فهذه كلمات الله الدينية، ومنها المتعلق بصفته سبحانه صفة الكلام، الذي به يأمر وينهى ويخبر. أما الكلمات الكونيات فهي كلمات الله التي يخلق ويدبر بها الخلق، مثل كلمة (كن)، وغير ذلك من الأوامر الكونية التي يأمر بها المخلوقات، كأمره للملائكة المسخرة، وأمره للسماء والأرض وغير ذلك من الأوامر والكلمات التي تتعلق بالربوبية، فهذه كلمات الله الكونية. إذاً: الكلمات الكونيات: هي التي تتعلق الربوبية من الخلق والتدبير، والكلمات الدينيات: هي ما يتعلق بالوحي والشرائع، الذي فيه توجيه العباد وأمرهم ونهيهم. قال رحمه الله تعالى: [وقال في الإرادة الدينية الشرعية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٦]. ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة:٦]. وقال في الإرادة الكونية القدرية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]. ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]. ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة:٤١]. وبهذا الجمع والتفريق تزول الشبهة في مسألة الأمر الشرعي: هل هو مستلزم للإرادة الكونية أم لا؟ فإن التحقيق أنه غير مستلزم للإرادة الكونية القدرية، وإن كان مستلزماً للإرادة الدينية الشرعية. وقال في الإذن الديني: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥]. وقال في الإذن الكوني: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]. وقال في القضاء الديني: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] أي: أمر ربك بذلك. وقال في القضاء الكوني: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢]. وقال في الحكم الديني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١]. وقال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠]. وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]. وقال في الحكم الكوني: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف:٨٠]. وقد يجمع الحكمين مثل ما في قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، وكذلك فعله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر:٢٠]. وقال في البعثين وا

стр. 140

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٥] لقد ظهرت فرق الحلولية والاتحادية منذ القرن الثاني واستمرت إلى يومنا هذا، وهم على صنفين: صنف يعتقدون الاتحاد والحلول الكلي، وهؤلاء هم الباطنية وغلاة الفلاسفة، وحامل لوائهم هو ابن عربي وابن سينا وابن الفارض، وأما الصنف الثاني فهم من يعتقدون الاتحاد والحلول الجزئي، ومن هؤلاء الحلاج ومن سلك سبيله من المتصوفة.

стр. 141

فصل في الفرق بين أهل الحلول والاتحاد المطلق وأهل الحلول والاتحاد الجزئي بسم الله. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين. وبعد. بعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا ونبدأ في الفتاوى المجلد الثاني، وسنقرأ اليوم من صفحة ٤١٤. لا يزال الشيخ يتحدث عن أصحاب الحول والاتحاد ووحدة الوجود، وبيان كفرهم بالله فيما ذهبوا إليه، وينقض أقوالهم بالأدلة العقلية والنقلية. قال رحمه الله تعالى: [فصل. وأما كفرهم بالمعبود، فإذا كان لهم في بعض المخلوقات هوى فقد يعبدونه بشبهة الحلول أو الاتحاد الفاسد، مثل: من يعبد الصور الجميلة، ويقول: هذا مظهر الجمال، أو الملك المطاع الجبار، ويقول: هو مظهر الجلال، أو مظهر رباني ونحو ذلك]. (مظهر الجلال) يزعمون أنه دلالة على الاتحاد، وكذلك (مظهر رباني) يعني: في المخلوق، فيزعمون أن الخالق تمثل بهذه الأمور، فيعبدونها من دون الله على أنها هي هو، أو مظهر من مظاهره، وهو إما اعتقاد لوحدة الوجود، وأن هذه الأشياء هي مظاهر لصفات الله في الخلق، أو أنها تمثلت فيها حقيقة ذات الله، أو أنهم أعطوها صفة القداسة، على أنها تختص ببعض خصائص الله ، فعلى الوجهين كل ذلك شرك؛ لأن الذين يعبدون هذه الأمور يقدّسون الصور الجميلة، أو يقدسون من يعظمونه إما لقوته أو لجماله أو لأي نوع من أنواع التعظيم، فهؤلاء على درجات كما سيأتي بيانه. منهم: من يعبد هذه الأشياء على أنها هي الله، وهم أصحاب وحدة الوجود، أو أنها حلّت فيها بعض صفات الله، وهؤلاء أصحاب الحلول، أو أنها أيضاً مشتملة على خصائص الله اشتمالاً كاملاً، وهؤلاء أصحاب الاتحاد. قال رحمه الله تعالى: [وليس في هذه المخلوقات نوع من الاتحاد أو الحلول الحق، لكن يشبه ما فيه الحق من جهة؛ إذ كلاهما بالله ومن الله، وأنه لله؛ ولهذا يسوي بينهما أهل الحلول والاتحاد المطلق، كما سنبينه إن شاء الله. فهؤلاء الاتحادية والحلولية الذين يخصونه ببعض المصنوعات التي ليس فيها عبادة وإثابة]. يعني: الاتحادية الذين لا يفرقون بين الله وبين خلقه، والحلولية أصحاب الحلول الجزئي الذين يرون أن الخلق حل فيه جزء من الإله، تعالى الله عما يزعمون. قال رحمه الله تعالى: [هم فرع على أولئك، ليس معهم من الحق شيء ولا شبهة حق، كما مع أولئك ألفاظ متشابهة عن بعض الأنبياء والصالحين، ولكن مع هؤلاء قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] و ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقول الدجال: (أنا ربكم) ونحو ذلك. فهذه الألفاظ التي معهم من ألفاظ الكفار والمنافقين، ومعهم تشبيه الكونيات بالدينيات، والكونيات عامة لا اختصاص فيها؛ فلهذا كان هؤلاء أدخل في الاتحاد والحلول المطلق منهم في المعين اعتقاداً وقولاً]. (أدخل) يعني: أظهر. قال رحمه الله تعالى: [وإن كانوا من جهة الحال والهوى يخصون بعض الأعيان، كما هو الواقع لشبهة اختصاصه ببعض الأحكام الكونية، وسنتكلم عليهم إن شاء الله في الحلول الفاسد. وإنما ذكرتهم هنا لما أردت أن أذكر كل ما فيه شوب اتحاد أو حلول بحق، فنبهت على ذلك؛ ليفطن لموضع ضلالهم، فإذا علم حقيقة هذه الأمور عُلم حقيقة قول النبي ﷺ : (أصدق كلمة قالها الشاعر: كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل). فإن الباطل ضد الحق؛ والله هو الحق المبين]. قبل أن نتجاوز هذه المسألة يحسن أن نضرب أمثلة لمن قصدهم الشيخ هنا؛ لأن هذه الفرق الضالة التي ظهرت في القرن الثاني والثالث والرابع وما بعده موجودة الآن، هذه المذاهب التي تعتقد الحلول الجزئي أو الحلول الكلي موجودة في عصرنا. أما أصحاب الحلول الكلي أو الاتحاد الكلي فهؤلاء هم الباطنية وغلاة الفلاسفة، كـ ابن عربي والقونوي والسهروردي وابن الفارض وابن سينا، فهؤلاء يعتقدون الحلول الكلي، وأول ما أعلن ذلك هم الفلاسفة الذين يسمون بالإسلاميين، والإسلام منهم براء، وأصحاب الحلول الجزئي، هم أمثال: الحلاج ومن سلك سبيله من الصوفية، وغالب الصوفية أصحاب حلول جزئي، يعتقدون في الأولياء بعض خصائص الإلهية، وليس كل خصائص الإلهية، ويتفاوتون بذلك تفاوتاً كبيراً، فمنهم من يرى أن الأولياء لهم تدبير في الربوبية مع الله ، ويعتقدون أن لهم قدرات جزئية في ذلك. ومنهم من يعتقد أنهم يعلمون الغيب. ومنهم من يعتقد أن فيهم روحاً مقدسة أو عقولاً مقدسة أو نحو ذلك، على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم فهم يتفاوتون، لكن سائر غلاة الصوفية يعتقدون الحلول الجزئي. وكذلك الرافضة يعتقدون في الأئمة الحلول الجزئي، فهم يعتقدون أن أئمتهم اشتملوا على بعض خصائص الألوهية أو الربوبية، أو هما معاً وهو الغالب. قال رحمه الله تعالى: [فإن الباطل ضد الحق والله هو الحق المبين. والحق له معنيان: أحدهما: الموجود الثابت، والثاني: المق

стр. 142

وجه بطلان أعمال الكفار وذكر أنواع الباطل قال رحمه الله تعالى: [والباطل نوعان أيضاً: أحدهما: المعدوم، وإذا كان معدوماً كان اعتقاد وجوده والخبر عن وجوده باطلاً؛ لأن الاعتقاد والخبر تابع للمعتقد المخبر عنه، يصح بصحته ويبطل ببطلانه؛ فإذا كان المعتقد المخبر عنه باطلاً كان الاعتقاد والخبر كذلك، وهو الكذب. الثاني: ما ليس بنافع ولا مفيد، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص:٢٧] وكقول النبي ﷺ : (كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق). وقوله عن عمر: (إن هذا رجل لا يحب الباطل) وما لا منفعة فيه فالأمر به باطل، وقصده وعمله باطل؛ إذ العمل به والقصد إليه والأمر به باطل. ومن هذا قول العلماء: العبادات والعقود تنقسم إلى صحيح وباطل. فالصحيح ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده. والباطل ما لم يترتب عليه أثره، ولم يحصل به مقصوده؛ ولهذا كانت أعمال الكفار باطلاً. فإن الكافر من جهة كونه كافراً يعتقد ما لا وجود له ويخبر عنه، فيكون ذلك باطلاً، ويعبد ما لا تنفعه عبادته ويعمل له ويأمر به، فيكون ذلك أيضاً باطلاً، ولكن لما كان لهم أعمال وأقوال صاروا يشبهون أهل الحق]. يعني: يشبهون أهل الحق في ظاهر الأعمال، لا بد من تقييد العبارة، والشيخ يريد ذلك، ويتبين هذا من خلال استدلاله، حينما كان لهم أعمال وأقوال صار أهل الباطل يشبهون أهل الحق في ظاهر الأعمال فيما يبدو لنا، والأمر لا يشتبه على من أعطاه الله التمييز بين الحق والباطل، ومن امتلأ قلبه بالإيمان واليقين لا يشتبه عليه الحق بالباطل، حتى إن الله يعطيه من الفراسة ما يتبين له وجوه الحق ووجوه الباطل، كما بين الله لرسوله ﷺ كيف يعرف المنافقين بسيماهم وبلحن القول منهم، وكذلك كل مؤمن له من هذه الفراسة بقدر اتباعه للرسول ﷺ ، وكل مؤمن له من هذه الفراسة التي يميز فيها بين الحق والباطل بقدر ما في قلبه من النور والهدى. قال رحمه الله تعالى: [فلذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد:١ - ٣] إلى قوله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]. وقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. وقال تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة:٢٦٤]. فبيّن أن المن والأذى يبطل الصدقة فيجعلها باطلاً لا حقاً، كما يبطل الرياء وعدم الإيمان الإنفاق أيضاً، وقد عمم بقوله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] أي: لا تجعلوها باطلة لا منفعة فيها ولا ثواب ولا فائدة].

стр. 143

ظن طائفة من الاتحادية أن الحق هو الموجود وأن العالم ليس فيه باطل قال رحمه الله تعالى: [وقد غلط طائفة من الناس من الاتحادية وغيرهم كـ ابن عربي فرأوا أن الحق هو الموجود، فكل موجود حق، فقالوا: ما في العالم باطل؛ إذ ليس في العالم عدم]. أراد الشيخ ﵀ أن يفرّق بين الحق بمعناه الكوني والحق بمعناه الشرعي، فالحق بمعناه الكوني يعني: أن كل موجود هو حق، لكن هذا معنى كوني قدري يتعلق بالربوبية لا علاقة له بالعبادة وتوحيد الإلهيات. والنوع الثاني: هو الحق بالمعنى الشرعي، وهو ما شرعه الله، وهو اتباع أوامر الله والانتهاء عما نهى الله عنه، وهو الالتزام بشرع الله بالمعنى الشرعي، فأهل الاتحاد التفتوا إلى المعنى الكوني ولم يلتفتوا إلى المعنى الشرعي؛ ولذلك ادعوا الربوبية لجميع الخلق، وأعرضوا عن شرع الله . إذاً: فالحق هنا كلمة مجملة، قد يراد بها الحق بمعنى الموجود، فكل الموجودات حق على هذا الاعتبار، لكن الحق الذي هو الله حق كامل، والحق الذي للمخلوقات حق ناقص، يعتريه النقص والفناء والخلل، وكل العوارض التي تعرض للمخلوق. والمعنى الآخر: الحق بمعنى الهدى والشرع الذي يريده الله، الذي تعبد الله به العباد، فهذا ضده الباطل وهو الشرك والعصيان ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: [قالوا: والكفر إنما هو عدم وجود الشريك مثلاً، وإنما أتوا من جهة اللفظ المجمل. فإن الشيء له مرتبتان: مرتبة باعتبار ذاته، فهو إما موجود فيكون حقاً، وإما معدوم فيكون باطلاً. ومرتبة باعتبار وجوده في الأذهان واللسان والبنان، وهو العلم والقول والكتاب؛ فالاعتقاد والخبر والكتابة أمور تابعة للشيء، فإن كانت مطابقة موافقة كانت حقاً، وإلا كانت باطلاً، فإذا أخبرنا عن الحق الموجود أنه حق موجود، وعن الباطل المعدوم أنه باطل معدوم، كان الخبر والاعتقاد حقاً، وإن كان بالعكس كان باطلاً، وإن كان الخبر والاعتقاد أمراً موجوداً، فكونه حقاً أو باطلاً باعتبار حقيقته المخبر عنها لا باعتبار نفسه. ولا يجوز إطلاق القول بأنه حق لمجرد كونه موجوداً إلا بقرينة تبين المراد. وهكذا العمل والقصد والأمر إنما هو حق باعتبار حقيقته المقصودة، فإن حصلت وكانت نافعة كان حقاً، وإن لم تحصل، أو حصل ما لا منفعة فيه كان باطلاً. وبهذين الاعتبارين يصير في الوجود ما هو من الباطل، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، مع ما يوافق ذلك من عقل وذوق وكشف، خلاف زعم هذه الطائفة الضالة المضلة، قال الله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧]]. هذه الآية اشتملت على المعنيين، على ذكر الحق الباقي وهو السيل، والباطل الزائل وهو الزبد الرابي الذي يطفح فوق السيل، وهو عبارة عن نفاخات الماء، مجرد ما يلامسها أدنى شيء تنفقع؛ لأنها ما هي إلا هواء، والزبد هو هواء ينتفخ لفترة قصيرة ثم يزول، ولا يبقى أكثر من دقائق معدودة على أكثر تقدير، ولا يعرف أن الزبد يبقى مدة طويلة، فهذا مثال للحق وهو السيل، والباطل وهو الزبد الرابي الذي يخالط السيل، وبينهما فرق يدركه كل عاقل، فالحق باق ونافع، وينتج عنه النافع، والباطل زائل وضار، وينتج عنه الضار. قال رحمه الله تعالى: [شبّه ما ينزل من السماء على القلوب من الإيمان والقرآن، فيختلط بالشبهات والأهواء المغوية بالمطر الذي يحتمل سيله الزبد، وبالذهب والفضة والحديد ونحوه إذا أذيب بالنار، فاحتمل الزبد فقذفه بعيداً عن القلب، وجعل ذلك الزبد هو مثل ذلك الباطل الذي لا منفعة فيه، وأما ما ينفع الناس من الماء والمعادن فهو مثل الحق النافع، فيستقر ويبقى في القلب. وقد تقدم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد:٣]. فأخبر سبحانه أن سبب إضلال أعمال هؤلاء الذين كفروا حتى لم تنفعهم، وأن أعمال هؤلاء الذين آمنوا نفعتهم، فكفرت سيئاتهم، وأصلح الله بالهم، أن هؤلاء اتبعوا الباطل قولاً وعملاً، اعتقاداً واقتصاداً، خبراً وأمراً، وهؤلاء اتبعوا الحق من ربهم ولم يتبعوا ما هو من غير ربهم، وإن كان حقاً من وجه. وهذا تحقيق ما قلناه؛ فإن الخبر والعمل تابع للمخبر عنه، وللمقصود بالعمل، فإذا كان ذلك باطلاً لا حقيقة له كان التابع كذلك وإن كان موجوداً، وكذلك ما تقدم من قوله: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ [البقرة

стр. 144

خمسة أوجه في الاحتجاج بقوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) على الاتحادية قال رحمه الله تعالى: [وقالوا: قوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، والباطل هو المعدوم، فكل ما سوى الله معدوم، والموجود ليس بمعدوم. فالموجود ليس فيه سوى، وإنما السوى هو العدم. فإن هذا مبني على المقدمتين الباطلتين: إحداهما: قولهم: إن الباطل هو المعدوم، فإنه ليس كذلك، بل المعدوم باطل وليس كل موجود باطلاً، بل في الموجود ما هو حق وفيه ما هو باطل كما تقدم، وهو الأعمال التي لا تنفع، والأخبار التي ليست بصدق، وما يندرج في هذين من المقاصد والعقائد. الثانية: لو كان لا باطل إلا المعدوم؛ لكان الموجود حقاً، وكل موجود فقد يسمى حقاً مع القرينة المفسرة باعتبار وجوده، وإن كان باطلاً؛ لانتفاء حقيقته التي بها جاز إطلاق الحق عليه، لكن الحق حقان: حق خالق، وحق مخلوق. وقد كان النبي ﷺ -في الحديث المتفق عليه الذي رواه ابن عباس - يقول إذا قام من الليل: (اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت). وإذا ظهر أن في الوجود ما هو باطل في الحقيقة، ومنه ما هو حق من مخلوقات الله ليس هو الله؛ ظهر تمويههم بقولهم: إن الباطل هو السوى وهو العدم، وأما الموجود فهو هو. وأيضاً فنفس الحديث حجة عليهم؛ فإن قوله: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) لفظ عام يدخل فيه كل موجود سوى الله، فإن لفظ (الشيء) يعم كل الموجود بالاتفاق، ويدخل فيه ما له وجود ذهني أو لفظي أو رسمي كتابي، وإن لم يكن له وجود حقيقي من المعدومات والممتنعات، فهذا نص في أن كثيراً من الموجودات باطل، ولا يجوز أن يراد به: كل معدوم ما خلا الله فهو باطل؛ لخمسة أوجه: أحدها: أنه قد استثنى الله تعالى وهو الحق المبين من لفظ إثبات، ومثل هذا الاستثناء يدل على التناول، بخلاف الاستثناء من غير موجب، كقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء:١٥٧]، فإن ذلك لا يدل على التناول، فلو كان التقدير: كل معدوم ما خلا الله باطل؛ للزم أن يكون الحق تعالى معدوماً، وهذا أبطل الباطل. الثاني: أن (كل شيء) نص في الوجود، لا يجوز قصرها على المعدومات بالاتفاق. الثالث: أن المعدوم لا يدخل في لفظ (كل شيء) عند أهل السنة وعامة العقلاء، فضلاً عن كونه يختص به. الرابع: أنه لو كان المعنى: كل معدوم فهو باطل؛ لكان هذا من باب تحصيل الحاصل، بل لفظ (العدم) أدل على النفي من لفظ الباطل؛ فكيف يبين الجلي بالخفي؟ الخامس: أنه لو أراد هذا لقال: (كل ما سوى الله باطل)، فإن هذه العبارة أقرب إلى احتمال مراد هؤلاء الملاحدة من هذا اللفظ، وإن كانت تلك العبارة لا تدل أيضاً على مرادهم. وإذا لم يكن معنى الحديث ما ادعوه؛ فقد عرف أن كل ما سوى الله فهو باطل بوجهي الباطل اللذين تقدم تفسيرهما: أحدهما: وهو المقصود النافع، والباطل ما لا منفعة في قصده، وكل شيء ما خلا الله إذا كان له القصد والعمل كان ذلك باطلاً، والأمر به باطل، وهذا يشبه حال المشركين الذين كانوا يعبدون غير الله، أو يعبدون الله بغير أمر الله ولا شرعه. فإن قيل: فالباطل هو نفس القصد والعمل لا نفس العين المقصودة؛ قلت: بل نفس العين المقصودة باطل بالاعتبار الذي قُصِدت له، كما جاء في الحديث: (أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا وجهك الكريم). وذلك أنه إذا كان الباطل في الأصل هو العدم والعدم هو المنفي؛ فالشيء ينفى لانتفاء وجوده في الجملة، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]. و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [الصافات:٣٥]. وقول النبي ﷺ : (لا نبي بعدي). وقد ينفى لانتفاء فائدته ومقصوده وخاصته التي هو بها هو، كما ذكرناه، فإن ما لا فائدة فيه فهو باطل، والباطل معدوم]. يعني: والباطل معدوم من هذا الوجه. قال رحمه الله تعالى: [وهذا (كقوله ﷺ لما سئل عن الكهان: ليسوا بشيء). ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة:٦٨]. وقد ينفى الشيء لانتفاء كماله وتمامه؛ إما مطلقاً، وإما بالنسبة إلى غيره]. يعني: في الصورة الأولى ينفى الشيء لانتفاء فائدته، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه

стр. 145

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٦] معتقد الحلولية والاتحادية هو حصول اتحاد متجدد بين ذاتين كانتا متميزتين، أو حلول إحداهما في الأخرى، وهذا المعتقد وقع فيه النصارى من قبل، وتبعهم فيه غالية هذه الأمة، وهو معتقد ضال بيِّن البطلان، فأنى تتحد ذاتان مختلفتان لمخلوقين يجوز في حقهما التقارب والتباعد؟! ومن باب الأولى أن يكون ذلك بين الخالق والمخلوق.
следующие страницы →