← Акыда

Акыда · id 37722

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية

ناصر العقل

Полный текст (196 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الرد على مقالة ابن عربي وغيره أن المعدوم شيء ثابت في العدم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فدرس اليوم سيكون فيما يتعلق برد شيخ الإسلام على أهل الإلحاد والحلول والاتحاد، وسنجد أنه كرر كثيراً من المسائل، وأحياناً يستطرد استطرادات في مسائل أجمل فيها في مواضع أخرى، فمن هنا سننتقي من خلال هذا المجلد مواضيع معينة تتعلق بأهم مناهج أهل الحلول والاتحاد، وأهم أشخاصهم الذين تأثرت بهم طوائف من هذه الأمة، وعلى رأسهم ابن عربي، وقرأنا في الدرس الماضي جملة مما قاله ابن عربي، واليوم أيضاً نعرج على جزء آخر مما عرضه شيخ الإسلام ابن تيمية من مقالة ابن عربي، ثم ننتقل بعد ذلك إلى آخرين، ما سنبدأ به هذه المقالة من مقالات ابن عربي والرد عليها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المقالة الأولى: مقالة ابن عربي صاحب (فصوص الحكم). وهي مع كونها كفراً فهو أقربهم إلى الإسلام؛ لما يوجد في كلامه من الكلام الجيد الكثير؛ ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره، بل هو كثير الاضطراب فيه، وإنما هو قائم مع خياله الواسع الذي يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى. والله أعلم بما مات عليه فإن مقالته مبنية على أصلين. أحدهما: أن المعدوم شيء ثابت في العدم، موافقة لمن قال ذلك من المعتزلة والرافضة]. سيكرر الشيخ مسألة: أن المعدوم شيء ثابت في العدم، وهذه المسألة من الناحية العقلية والبدهية غير معقولة وغير سائغة؛ لأن العدم ما سمي عدماً إلا لأنه لا يقبل الوصف في الوجود أصلاً، والثبوت لا يوصف به العدم، فقولهم: إن المعدوم شيء ثابت في العدم. راجع إلى أنهم يعتقدون أن الوجود كله إنما يكون من عناصر أولية، وهذه العناصر الأولية يعبرون عنها بالعدم، ومع أن هذا من الناحية العقلية غير معقول لكن هذه مقولتهم؛ لأنهم لا يعتقدون لله تميزاً عن المخلوقات، أو زعموا أن المعدوم شيء ثابت في العدم وهو العناصر الأولية للوجود؛ لأنهم لا يؤمنون بأن الله يخلق من اللا شيء شيئاً؛ لأن هذا يؤدي إلى تميز المخلوق عن الخالق وهم لا يرون التميز، ولذا لا يرون الخالق متميزاً عن المخلوق، فهم دهرية، لكنهم أرادوا أن يحموا أنفسهم من نتائج الإلحاد في وقت عز الإسلام والمسلمين، فتلونوا بهذا التلون، وإلا فهم فلاسفة دهرية أصحاب وحدة وجود لا يرون للخالق تميّزاً، فإنهم لو قالوا: إن هناك شيئاً اسمه عدم، للزم أن يكون الله خلق من العدم أو من اللا شيء، ولزم أن الخالق غير المخلوق وأن المخلوق غير الخالق، وهم لا يقولون بذلك، يقولون: ما الخلق إلا مظهر من مظاهر الخالق، فعلى هذا أنكروا أن يكون المعدوم عدماً، إنما قالوا: هو ثابت في العدم. قال رحمه الله تعالى: [وأول من ابتدع هذه المقالة في الإسلام أبو عثمان الشحام شيخ أبي علي الجبائي، وتبعه عليها طوائف من القدرية المبتدعة من المعتزلة والرافضة، وهؤلاء يقولون: إن كل معدوم يمكن وجوده، فإن حقيقته وماهيته وعينه ثابتة في العدم]. يعني: هم يرون أن عناصر الخلق موجودة قبل ظهور الخلق، لم يوجدها الله من لا شيء، فهي عناصر موجودة، وهذا هو المذهب الذي يقوم عليه أغلب النظريات الغربية اليوم، لذلك أصحاب العلم الحديث قامت أكثر نظرياتهم على إنكار الغيب، ولا يرون أن الموجودات وجدت من العدم، وأن جميع الموجودات ما وجد منها وما سيوجد عناصره موجودة أصلاً في الكون، وليس لله فضل ولا لخلقه ميزة في إيجاده للخلق، إنما الخلق وجد بموجب عناصر معينة بها تكونت المخلوقات. وهذا مذهب فلسفي قامت عليه الوثنية اليونانية والرومانية القديمة، وارتكزت عليه أيضاً العلمانية الحديثة، التي قامت على إثرها النهضة المدنية الحديثة في الغرب، ولذلك تجدون أن المدنية الحديثة غير متوازنة؛ لأنها قامت على إشباع المادة دون الروح، وقامت على إنكار الوحي وإنكار الحق، واستعلت وبطرت وظنت أنها انتصرت على الحق؛ لأنها قامت على جهودهم العلوم التجريبية الحديثة، فظنوا أن أسس هذا العلم إنما هي مادية بحتة وليس وراءها أي أمر من أمور الغيب. قال رحمه الله تعالى: [لأنه لولا ثبوتها لما تميز عن المعلوم المخبر عنه من غير المعلوم المخبر عنه، ولما صح قصد ما يراد إيجاده؛ لأن القصد يستدعي التمييز، والتمييز لا يكون إلا في شيء ثابت. لكن هؤلاء وإن ابتدعوا هذه المقالة التي هي باطلة في نفسها، وقد كفّرهم بها طوائف من متكلمة السنة، فهم يعترفون بأن الله خلق وجودها، ولا يقولون: إن عين وجودها عين وجود الحق. وأما صاحب الفصوص وأتباعه فيقولون: عين وجودها عين وجود الحق، فهي متميزة بذواتها الثابتة في العدم، متحدة بوجود الحق القائم بها، وعامة كلامه ينبني على هذا لمن تدبره وفهمه. وابن عربي إذا جعل الأعيان ثابتة لزمه وجود كل ممكن، وليس هذا قول المعتزلة، فهذا فرق ثالث. وهؤلاء القائلون بأن المعدوم شيء ثابت ف

стр. 72

الرد على مقالة أن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته وأن الوجود صفة للموجود قال رحمه الله تعالى: [وإن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته، وقد يقولون: الوجود صفة للموجود. وهذا القول وإن كان فيه شبه بقول القائلين بقدم العالم، أو القائلين بقدم مادة العالم وهيولاه المتميزة عن صورته فليس هو إياه]. يعني: هذا قول الفلاسفة، ولذلك ندرك جيداً وبدون أي تكلف أن مذاهب هؤلاء كـ ابن عربي والتلمساني والقونوي وابن سبعين والسهروردي المقتول وكل هؤلاء ما جاءوا بجديد، مذاهبهم موجودة عند فلاسفة اليونان والرومان والصابئة، وفلاسفة المجوس، وفلاسفة الهنود، وإنما هؤلاء أعطوها صفة الألفاظ والمعاني الشرعية، ونسبوها إلى الإسلام فقط، وإلا فهم لم يأتوا بجديد. قال رحمه الله تعالى: [وإن كان بينهما قدر مشترك؛ فإن هذه الصورة المحدثة من الحيوانات والنبات والمعادن ليست قديمة باتفاق جميع العقلاء، بل هي كائنة بعد أن لم تكن. وكذلك الصفات والأعراض القائمة بأجسام السماوات والاستحالات القائمة بالعناصر، من حركات الكواكب، والشمس، والقمر، والسحاب، والمطر، والرعد، والبرق وغير ذلك، كل هذا حادث غير قديم، عند كل ذي حس سليم؛ فإنه يرى ذلك بعينه. والذين يقولون بأن عين المعدوم ثابتة في القدم، أو بأن مادته قديمة، يقولون بأن أعيان جميع هذه الأشياء ثابتة في القدم، ويقولون: إن مواد جميع العالم قديمة دون صوره. واعلم أن المذهب إذا كان باطلاً في نفسه لم يمكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور تصوراً حقيقياً؛ فإن هذا لا يكون إلا للحق]. هذه قاعدة عظيمة لمن تأملها، وهذا الأمر هو الذي يجعل الباطل يلتبس على عامة العقلاء إذا لم يوفقهم الله لبصيرة نافذة وللاهتداء بهدى الله ، وهذه الأمور مع أنها تصادم البديهة فإنها تلبس؛ لأنه لا يتصور أن عاقلاً يقول بهذا القول، فيظن أن لقوله وجهاً آخر فيلتبس عليه الأمر، وإلا هل يعقل أن مواد جميع العالم أزلية تماثل الله ؟ هذا مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن يكون الموجود إلا عن خالق أزلي لا بداية له كما وصفه النبي ﷺ ، بأنه الأول الذي ليس قبله شيء. إذاً: هذه قاعدة في أكثر أمور الباطل، يقول: (واعلم أن المذهب إذا كان باطلاً في نفسه لم يمكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور تصوراً حقيقياً) لماذا؟ لأنك كيف تستطيع أن تتصور الباطل وهو باطل؟ لا تستطيع أن تتصور الباطل الذي لا حقيقة له تصويراً ينبئ عنه إلا بضده؛ فلذلك لا يتصور الباطل إلا بتصور الحق، فإذا ثبت الحق في قلب الإنسان عرف الباطل؛ لأن الباطل لا يُعقل ولا يُعقل إلا الحق، إنما يتوهم الباطل توهماً. إذاً: الباطل أوهام، سواء في نفس القائلين به أو في نفس السامعين له، أو فيمن يريد أن يعبّر عن الباطل حتى ولو كان من أصحاب الحق لا بد أن يعبّر أنه أوهام؛ لأن الباطل وهم، هذه الفلسفة وإن كانت صعبة، لكنها بدهية لمن تأملها على سعة؛ ولذلك مثل هذه العبارة يجب أن تأملوها على سعة من وقتكم. فقوله: (واعلم أن المذهب إذا كان باطلاً في نفسه) يعني: أحياناً يكون الأمر فيه التباس، فالالتباس يوجد عند الإنسان، فهو يرى الحق من جهة، ويلتبس عليه الباطل من جهة أخرى، لكن المذهب إذا كان باطلاً في نفسه لم يمكن الناقد له، بل حتى المتكلم به أو المعبّر عنه أن ينقله على وجه يتصور تصور حقيقاً إلا على وجه الخيال والتوهم؛ لأن الباطل كله وهم، وليس له حقيقة، وليست الحقيقة إلا للحق.

стр. 73

منشأ اشتباه الباطل على أهل الباطل قال رحمه الله تعالى: [فأما القول الباطل فإذا بُيّن فبيانه يظهر فساده، حتى يقال: كيف اشتبه هذا على أحد؟ ويتعجب من اعتقادهم إياه، ولا ينبغي للإنسان أن يعجب، فما من شيء يتخيل من أنواع الباطل إلا وقد ذهب إليه فريق من الناس؛ ولهذا وصف الله أهل الباطل بأنهم أموات، وأنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:١٨]، وأنهم لا يفقهون، وأنهم لا يعقلون، وأنهم في قول مختلف، يؤفك عنه من أفك، وأنهم في ريبهم يترددون، وأنهم يعمهون، وإنما نشأ والله أعلم الاشتباه على هؤلاء من حيث رأوا أن الله سبحانه يعلم ما لم يكن قبل كونه أو ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فرأوا أن المعدوم الذي يخلقه يتميز في علمه وإرادته وقدرته؛ فظنوا ذلك لتميز ذات له ثابتة، وليس الأمر كذلك]. من الأمور التي ينبغي أن نفهمها من مثل هذه المقالات، وهي متقررة في الكتاب والسنة أنه يجب أن نفرق في فهم الحق بين الحقائق العلمية المشاهدة والمعلومة بالتجربة وبالحواس، وبين الحقائق الغيبية، فالحقائق العلمية التجريبية سواء في سلوك الإنسان، أو في العلم التجريبي، أو في أي أمر من أمور الشهادة وسيلتها مدارك الإنسان، سواء كان مسلماً أو كافراً، فكل إنسان يدرك بعقله أن (١+١=٢) هذه مسألة لا تحتاج أن يتميز بها المهتدي عن الضال، وكل إنسان يدرك أن هناك فرقاً بين اللون الأبيض واللون الأسود، إذا كانت عنده الحاسة التي يدرك بها. وإذا كانت عنده حاسة الشم فإنه يستطيع أن يدرك المشموم الطيب من المشموم الخبيث، ولا أحد ينازعه في ذلك وهكذا. فالمدركات التي تخضع للحواس حقائقها تدرك بوسائلها التي أعطاها الله للبشر، لكن المدركات الغيبية ليس لها إلا طريق واحد، وهذا الطريق لا يمكن أن يصل إليه الإنسان إلا بتوفيق الله والتزام الوحي، بهداية من الله، وإذا حجبه الله عن الهداية ولم يلتزم بالوحي فمهما أوتي من العقل والذكاء والقدرات العلمية والعلوم التجريبية فلن يصل إلى حقيقة غيبية أبداً، لا يثبتها ولا ينفيها، لا يستطيع بهذه الوسائل مهما كانت جبّارة عند الإنسان، لو اجتمعت قوى البشر كلهم لا يمكن أن ينفوا حقيقة من حقائق الغيب، ولا أن يثبتوها بدون الوحي، وهذا هو الفارق بين الحقائق. إذاً: لا ينبغي للإنسان أن يعجب من وقوع هؤلاء في مخالفة البدهيات؛ لأنهم أضلهم الله، بل عليه أن يسأل ربه العافية والهداية والتوفيق؛ فقد كان النبي ﷺ وهو المعصوم المحفوظ بحفظ الله يقول: (يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك). فالإنسان إذا انقلب قلبه عن الهدى إلى الباطل لا يدرك البدهيات الغيبية أبداً، حتى وإن كانت بدهية، حتى فيما يتعلق بالله وبوجوده قد يوجد من الناس من ينقلب فكره وعقله وتفكيره حتى ينكر ربما ذاته هو، فقد وجد من الفلاسفة المشائين من أحدثوا فلسفة يعتقد فيها بعضهم أن وجودك أنت فيه شك، وهذا المذهب وجد عند الغربيين، فعندهم أنك يا من تعبر عن نفسك أن تفترض أن وجودك فيه شك، هذه مخالفة للبدهيات. فإذاً يجب على المسلم دائماً وطالب العلم بخاصة أن يستحضر هذا الأمر، وهو أنه لا يعجب من وجود أناس قد ينتسبون للحق، وقد يقولون بأنهم مسلمون، وقد يقولون بأنهم أهل علم وفقه ودراية، ومع ذلك يذهلون عن البدهيات الشرعية؛ لأن إدراكها إنما يكون بتوفيق الله ، لا بمدارك الإنسان، فإذا رأى مثل هذه الأمور فيجب على المسلم أن يستحضر سؤال ربه العافية، وأن يسأل الله الثبات على الحق والهدى. قال رحمه الله تعالى: [وإنما هو متميز في علم الله وكتابه، والواحد منا يعلم الموجود والمعدوم الممكن]. يعني: نحن لا نعلم الموجود كله، إنما نعلم معنى كلمة الوجود، الواحد منا يعلم معنى الوجود، أو معنى الموجود ومعنى المعدوم، يعني: التصور الذهني، فإذا عرفنا أن لغة أي إنسان مؤدية إلى التعبير عن المفاهيم، فإنا نعلم أن التعبير عن المعدوم المقصود به عكس الموجود، وهو اللا شيء، وهو العدم المحض؛ لأنه لا يسمى المعدوم معدوماً إلا إذا كان غير موجود. قال رحمه الله تعالى: [والواحد منا يعلم الموجود والمعدوم الممكن والمعدوم المستحيل]. هذا على حسب المدارك العقلية. قال رحمه الله تعالى: [ويعلم ما كان كآدم والأنبياء، ويعلم ما يكون كالقيامة والحساب]. قوله: (يعلم) هنا بمعنى أنه يتصور، وليس بمعنى أنه يعلم بدون تعليم، نحن ما علمنا آدم والأنبياء، ولا علمنا القيامة والحساب إلا بما علمنا الله عن طريق كتابه وسنة رسوله ﷺ . إذاً: قصد الشيخ هنا بقوله: (يعلم) بمعنى أنه يتخيل ويتصور ما ورد في الخطاب الشرعي، فلما جاءنا في الخطاب الشرعي خبر عن آدم علمنا بوجود آدم، وتخيلنا لآدم صورة، وكل منا الآن في ذهنه صورة عن آدم، وهي تقرب إلى الحقيقة، الصورة الإجمالية أما الصورة التفصيلية لا تكون إلا لمن رأى ونحن لم نر، إنما آمنا بالغيب، ونسأل الله أن يثبتنا على ذلك.

стр. 74

بطلان حديث: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين) قال رحمه الله تعالى: [وأما ما يرويه هؤلاء الجهال كـ ابن عربي في الفصوص وغيره من جهّال العامة: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين، كنت نبياً وآدم لا ماء ولا طين) فهذا لا أصل له ولم يروه أحد من أهل العلم الصادقين، ولا هو في شيء من كتب العلم المعتمدة بهذا اللفظ، بل هو باطل؛ فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط، فإن الله خلقه من تراب، وخلط التراب بالماء حتى صار طيناً، وأيبس الطين حتى صار صلصالاً كالفخار فلم يكن له حال بين الماء والطين مركب من الماء والطين، ولو قيل: بين الماء والتراب لكان أبعد عن المحال، مع أن هذه الحال لا اختصاص لها، وإنما قال: (بين الروح والجسد)، وقال: (وإن آدم لمنجدل في طينته)؛ لأن جسد آدم بقي أربعين سنة قبل نفخ الروح فيه، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان:١] الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ﴾ [الحجر:٢٨] الآيتين. وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧] الآيتين. وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧١] الآية. والأحاديث في خلق آدم ونفخ الروح فيه مشهورة في كتب الحديث والتفسير وغيرهما، فأخبر ﷺ أنه كان نبياً، أي: كتب نبياً وآدم بين الروح والجسد، وهذا -والله أعلم- لأن هذه الحالة فيها يقدر التقدير الذي يكون بأيدي ملائكة الخلق، فيقدّر لهم ويظهر لهم ويكتب ما يكون من المخلوق قبل نفخ الروح فيه]. نخلص من هذا بنتيجة هي الفارق بين فهم أهل الحق وبين فهم كثير من الباطنية والفلاسفة والصوفية في مسألة النبوة، فهؤلاء الذين اعتقدوا الباطل في النبوة زعموا أن نبوة النبي ﷺ حاصلة فعلاً قبل خلق آدم، وأخذوا بظواهر هذه النصوص، وبنصوص أخرى ضعيفة ومكذوبة، وما علموا أن مسألة تقدير الله للأشياء غير مسألة الحصول، بما في ذلك نبوة النبي ﷺ ، والدليل على هذا نصوص أخرى، فإنه فرق بين تقدير النبوة وبين حصولها، أما التقدير والكتابة لنبوة النبي ﷺ فهي كغيرها من المقادير، قدره الله قبل خلق آدم، لكن حصولها لم يحدث إلا بعدما قدر الله للنبي ﷺ أن يكون نبياً، واصطفاه بعد أن بلغ أربعين سنة، والنبي ﷺ قبل ذلك لم يكن نبياً، نعم قدر الله في القدر السابق أنه سيكون نبياً إذا جاء وقت نبوته، ولذلك يجب أن نفرّق، وهذا في كثير من التوهمات التي عند الصوفية خاصة في الولاية والنبوة والوحي وأشياء كثيرة، لذلك اعتقدوا للمشركين الولاية؛ لأنهم يعتقدون أن سلسلة النبوة تسلسلت بالوراثة والولادة من آدم إلى محمد ﷺ ، وحكموا على كل هذه السلسلة بأنهم لا بد أن يكونوا من أهل الجنة وأن يكونون أولياء، بل يكونون أنبياء، بل إن الرافضة وحتى الصوفية جعلوا النبوة تورث حتى بعد النبي ﷺ على وجه آخر، هؤلاء يسموها الإمامة، وهؤلاء يسموها الولاية، بناء على فلسفة كل طائفة، وأن القداسة موروثة لا بد أن تورث، فجاء هذا المذهب ودخل على الأدباء ودخل على الفلاسفة، ودخل على الفرق، ودخل على الصوفية، ودخل على كثير ممن ينتسبون للإسلام من فرق المسلمين، وذلك أنهم لم يفرقوا بين التقدير السابق وبين حصول القدر، التقدير السابق أن الله قدّر للنبي ﷺ النبوة كما قدّر جميع أقدار الخلق قبل خلق آدم، لكن حصول النبوة لم يكن للنبي ﷺ إلا حينما اصطفاه الله ، ولذلك الله وصف النبي ﷺ قبل النبوة بصفات: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] يعني: ما كان النبي ﷺ يدري ما الكتاب ولا الإيمان، فلو كان مشتملاً على النبوة لعلم، لكن ما اشتمل على النبوة إلا بعدما اصطفاه الله وكذلك بقية الأنبياء. إذاً: يجب أن نفرق بين تقدير النبوة قدراً، وبين حصولها فعلاً كسائر المقدرات في أقدار الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما أخرج الشيخان في الصحيحين وفي سائر الكتب الأمهات حديث الصادق المصدوق، وهو من الأحاديث المستفيضة التي تلقاها أهل العلم بالقبول، وأجمعوا على تصديقها، وهو حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك فيؤمر بأربع كلمات فيق

стр. 75

حقيقة المعدومات قال رحمه الله تعالى: [وهذه المعدومات الممتنعة ليست شيئاً باتفاق العقلاء مع ثبوتها في العلم، فظهر أنه قد ثبت في العلم ما لا يوجد وما يمتنع أن يوجد؛ إذ العلم واسع، فإذا توسع المتوسع وقال: المعدوم شيء في العلم، أو موجود في العلم، أو ثابت في العلم فهذا صحيح، أما أنه في نفسه شيء فهذا باطل، وبهذا تزول الشبهة الحاصلة في هذه المسألة]. نعود إلى معنى العلم هنا؛ لأن كلام الشيخ في الحقيقة مشكل، لو أُخذ على ظاهره لقلنا: هذا باطل، لكن السياق يدل على قصد الشيخ، فمثلاً قوله: (وهذه المعدومات) إلى آخره، ثم قوله في السطر الثاني صفحة (١٤٦): (ويعلم أحدنا ما لم يكن لو كان كيف سيكون) هذا معناه علم الخيال وليس علم الحقيقة، فنحن لا نعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، أو أن في العبارة خللاً وسقطاً؛ لأن هذا التعبير يقال في حق الله ، الله هو الذي يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، فإما أن يكون في العبارة سقط، أو أن الشيخ قصد العلم التخيلي، ونقارنه بنفس الصفحة التي نحن فيها (١٥٥). وقوله: (إذا توسع المتوسع وقال: المعدوم شيء في العلم) يعني: في التخيل، فأنت عندما تقول كلمة في تعبيرك عن المعدوم تدل على مفهوم معيّن، هذا المفهوم سماه الشيخ علماً لا حقيقة، يعني: علم خيالي، أن تتخيل ما معنى كلمة معدوم وما معنى كلمة موجود؛ لأنها عبارات تعبّر عنها، ويؤيد هذا قوله: (أما أنه في نفسه شيء) يعني: المعدوم (فهذا باطل). وأما كونك تعلم معنى كلمة معدوم ومعنى كلمة موجود فلا شك أنك ما عبّرت عنها إلا لأن في ذهنك عنها خيالاً، وتعلم عنها مفهوماً، فالشيخ يقصد المفهوم لا الحقيقة، والمفاهيم لا حجر لها، فالإنسان إذا تكلم عن الخيالات فهم لها مفاهيم خيالية في ذهنه، فهذه تسمى تخيلات أو تسمى تصورات، لكن ليست حقائق إلا إذا كانت تنطبق على معلوم بالحواس أو معلوم بخبر الله وخبر رسوله ﷺ . أما الأمثلة التي أوردها بعد ذلك في الآيات فقصده أنه سيعلم أن هناك مآلاً، مثل قوله : ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] نحن نعلم أن الكفار لو ردوا إلى هذه الدنيا لعادوا إلى كفرهم. إذاً: السياق يدل على معنى كلام الشيخ، لكن لو أخذنا العبارة بدون السياق ففيها إشكال، يعني: كيف نقول: إن أحداً يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون؟ يعني بمعنى أنه يعلم خبر الله ؟ لكن هذا بالخبر ليس بعلمنا نحن، وهو راجع إلى خبر الله ليس إلى علمنا، فالموضوع فيه لبس؛ ولذلك أنا وضعت كلمة (معنى) (فيعلم معنى ما لم يكن لو كان كيف يكون) من هنا تستقيم العبارة، والاستدلال لها يدل على مقصود الشيخ، فالشيخ كأنه يقول: إنه ما لم يكن إذا تخيلناه علمنا كيف يكون، إما بما يتعلق بخيالاتنا، وإما بما أُخبرنا عنه من أمور المستقبل وأمور الماضي، مما ورد فيه، فإنا نتخيل كيف يكون، لكن لا نعلم الكيفية. فالمقصود الحقيقة المتخيلة أو الحقيقة المتصورة، فإن كان مما نعبّر نحن عنه في خيالنا فهذا خيال، وإن كان مما نفهمه من كلام الله في أمر الغيب فهذا تصور للحقيقة، أما كيفية الحقيقة فلا نعلمها إلا إذا صارت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف أن المعدوم ليس في نفسه شيء، وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع القديم، قال الله تعالى لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩] فأخبر أنه لم يك شيئاً. وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٧]. وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]. فأنكر عليهم اعتقاد أن يكونوا خلقوا من غير شيء خلقهم أم خلقوا هم أنفسهم؛ ولهذا قال جبير بن مطعم ﵁: لما سمعت رسول الله ﷺ قرأ هذه السورة أحسست بفؤادي قد انصدع. ولو كان المعدوم شيئاً لم يتم الإنكار، إذا جاز أن يقال: ما خلقوا إلا من شيء، لكن هو معدوم فيكون الخالق لهم شيئاً معدوماً، وقال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٠]، ولو كان المعدوم شيئاً لكان التقدير: لا يظلمون موجوداً ولا معدوماً، والمعدوم لا يتصور أن يظلموه، فإنه ليس لهم. وأما قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] فهو إخبار عن الزلزلة الواقعة أنها شيء عظيم، ليس إخباراً عن الزلزلة في هذه الحال؛ ولهذا قال: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج:٢]، ولو أريد به الساعة لكان المراد به أنها شيء عظيم في العلم والتقدير. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَ

стр. 76

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٨] مذهب الاتحادية من شر المذاهب التي طرأت، فهو نتاج لتزاوج عدد من الطوائف فيما ضلوا فيه من العقائد، فنتج عن هذا التزاوج تركيبة فاسدة تزكم لها الأنوف وتشمئز لها النفوس، فقد اجتمع فيها ما عند الجهمية من السلب والتعطيل، وما عند الصوفية من مجملات متشابهات، وما عند زنادقة المتفلسفة من الكلام في الوجود المطلق والوجوب والإمكان وغيرها من الأباطيل.

стр. 77

فصل فيما خالف فيه الصدر الفخر الرومي شيخه ابن عربي الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فحينما تعمق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه المسائل المشكلة والمعضلة إنما أراد في وقته أن يرد على مذاهب باطلة، ابتلي بها كثير من الناس من عامة المسلمين وخاصتهم، ولا أظن أنه كتب مثل هذه الكتابات ليقرأها عامة طلاب العلم، فلذلك كما قلت سنقف عند بعض المواضع التي أرى أنها مفيدة، وفيها مواطن للعبرة والعظة، وفيها أيضاً تسلّح لطالب العلم بالضروريات في محاربة هذه الاتجاهات وحماية النفس والأمة منها. هنا إشارة إلى قول رأس من رءوس الإلحاد نسأل الله العافية والاتحاد وحدة الوجود، وهو الفخر الرومي، فإنه لا يقول: إن الوجود زائد على الماهية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي هذه المقاطع سنمر على إشارات أشير إليها في مواطنها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الفصل: [وأما صاحبه -أي: صاحب ابن عربي - الصدر الفخر الرومي فإنه لا يقول: إن الوجود زائد على الماهية، فإنه كان أدخل في النظر والكلام من شيخه] أي: أنه أكثر ولوغاً [لكنه أكفر وأقل علماً وإيماناً، وأقل معرفة بالإسلام وكلام المشايخ، ولما كان مذهبهم كفراً كان كل من حذق فيه كان أكفر، فلما رأى أن التفريق بين وجود الأشياء وأعيانها لا يستقيم، وعنده أن الله هو الوجود ولا بد من فرق بين هذا وهذا، فرق بين المطلق والمعين]. ثم ذكر شيخ الإسلام خلاصة مذهبه فقال: [فعنده أن الله هو الوجود المطلق الذي لا يتعين ولا يتميز] تعالى الله عمّا يزعمون [وأنه إذا تعين وتميز فهو الخلق سواء تعين في مرتبة الإلهية أو غيرها]. هذا القول نتيجة للتعطيل الذي قال به الجهم بن صفوان وأتباعه، فإنهم لما نفوا عن الله الذات والصفات والأفعال، ما بقي في أذهانهم وفي تصورهم عن الله إلا مجرد الوجود المطلق في الأذهان، والوجود المطلق خلاف الواقع، وخلاف الوجود الفعلي، الوجود المطلق هو مجرد ما تتوهمه العقول، ومجرد ما تتصوره الأذهان، وعلى هذا فإن الأمر يرجع إلى الإلحاد، ثم إلى وحدة الوجود، فإن هذا الرجل حينما قال بالوجود المطلق، قال: إن الوجود المطلق لا يتعين ولا يتميز، وهذا في الجملة ينطبق على الأوهام، فالأوهام لا تتعين ولا تتميز، ثم قال: (وأنه إذا تعين أو تميز فهو الخلق) يعني: حكم بأن الله هو هذا الخلق. وأما النوع الثاني: وهو الوجود المطلق، ما دام لم يتميز بوجود، فإنه مجرد الخيال، فالله عنده على تصورين: أن يكون خيالاً، وهذا أمر تنفيه العقول والفطر، أو أن يكون هو هذا الوجود، هذه خلاصة مذهب الفخر الرومي، نسأل الله العافية، ثم بعد ذلك رد الشيخ على هذه المقالة. أقول: ليس المقصود هنا أن نتعرف على هذه الزبالات من أوهام البشر، نسأل الله السلامة والعافية، إنما المقصود أن نعرف حقيقة هؤلاء؛ لأنهم فُتن بهم عدد كبير من المسلمين قديماً وحديثاً؛ ولأن أصحاب رايات الاتجاهات الحديثة من العصرانيين والعقلانيين وأهل الأهواء الذين تشبّثوا بما يسمى بالحداثة والأدب وغير ذلك، وكذلك كثير من المتصوفة لا يزالون يتعلقون بهؤلاء الملاحدة، ويعطونهم صفات الولاية والتعظيم، ويصفونهم بأنهم فلاسفة الإسلام، ويعلّقون أذهان شباب الأمة بهم، وعلى أنهم القدوة، وأنهم يعتبرون من مفكري المسلمين إلى آخر مما تعرفونه من صفات التبجيل والتعظيم والتعلق بأفكارهم، لا سيما عند الحداثيين، وما أدراكم ما الحداثيون، فإنما هم الآن شجىً في حلق الأمة، وأصبح كلامهم وأدبهم ومقالاتهم تسير بها الركبان عبر وسائل الإعلام، وعبر الكتب والمؤلفات والمؤسسات الأدبية، ولذلك افتتن بهم عدد كبير من أبناءنا وأجيالنا؛ فلذلك احتجنا أن نقف عند حقيقة هؤلاء؛ ليتبصر طالب العلم ويعرف حقيقة مذاهبهم التي هي الكفر والباطل المحض كما سترون.

стр. 78

عدم تفريق التلمساني بين ماهية ووجود ومطلق ومعين أما التلمساني ونحوه ففلسفته إلحادية، لكنه قد يختلف في التعبير عن غيره كأي واحد منهم، كل واحد له في التعبير عن الإلحاد أسلوب خاص به، قال شيخ الإسلام: [وأما التلمساني ونحوه فلا يفرق بين ماهية ووجود ولا بين مطلق ومعين، بل عنده ليس هناك سوى ولا غير بوجه من الوجوه] أي: أنه ليس هناك في الوجود المطلق إلا الله، فهو يوافق ابن عربي، لكن بتعبير آخر، قال: [وإنما الكائنات أجزاء منه وأبعاض له -تعالى الله عما يزعم- بمنزلة أمواج البحر في البحر، وأجزاء البيت من البيت] إلى آخره، ثم ذكر الشيخ شعراً لهم في ذلك. إذاً: هؤلاء يتسابقون في الإلحاد، فكل واحد منهم يحاول أن يمعن أكثر من صاحبه في التعبير عن الإلحاد، بما يملك من قوة البيان والقدرة، نسأل الله السلامة، بل يتسابقون إلى التصريح بالإلحاد والفوضى في العقيدة.

стр. 79

حقيقة مقالات ابن عربي وأصحابه وبيان وقت ظهورها ومدى شناعتها قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن هذه المقالات لا أعرفها لأحد من أمة قبل هؤلاء على هذا الوجه] يعني: هذه المقالات في شناعتها وإلحادها وكفرها لا تعرف لأحد من أمة قبل هؤلاء على هذا الوجه، ثم استدرك وقال: [ولكن رأيت في بعض كتب الفلسفة المنقولة عن أرسطو أنه حكى عن بعض الفلاسفة قوله: إن الوجود واحد ورد ذلك] أرسطو مع أنه فيلسوف وثني ملحد رد هذه المقولة؛ لأنها لا تعقل، مقولة: أن الوجود هو الله، قال: [وحسبك بمذهب لا يرضاه متكلمة الصابئين] يقصد أرسطو، ثم قال: [وإنما حدثت هذه المقالات بحدوث دولة التتار] ثم ذكر أنواع الحلول وليس لنا مصلحة منها؛ لأنها مقالات مجردة، وكلها تئول إلى الكفر.

стр. 80

تركيب مذهب الاتحادية من سلب الجهمية ومجملات الصوفية والزندقة الفلسفية يقول رحمه الله تعالى: [فصل مذهب هؤلاء الاتحادية كـ ابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني مركب من ثلاثة مواد] المقصود أصول هؤلاء الفلاسفة تقوم على ثلاثة أصول كلها باطلة: أولاً: [سلب الجهمية وتعطيلهم]. سلب الجهمية تصريح بنفي الذات والأسماء والصفات لله ، والأفعال، والنفي المطلق لذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله من ضرورياته الإلحاد المطلق؛ لأن الذي ليس له وجود ولا أسماء ولا صفات ولا أفعال هذا إنما هو وهم في الأذهان لا حقيقة له، وكل حقيقة لا بد أن تقبل الوصف، بل كل موجود لا بد أن يقبل الصفات، ولو لم يأت بالوصف الموجود إلا صفة الوجود لكانت هذه كافية بأن تثبت لله صفة واسماً، لكنهم مع ذلك أنكروا جميع ذلك. إذاً: (سلب الجهمية وتعطيلهم) أي: إنكارهم وإلحادهم أدى إلى فتح الباب لهذه المقالات الإلحادية التي قال بها ابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني والسهروردي المقتول ومن سلك سبيلهم. ثانياً: [مجملات الصوفية] أي: تعبيرهم بالتعبيرات الفضفاضة المجملة التي تحتمل الحق والباطل، تحتمل إلحاداً ويقلبونها إلى الحق بزعمهم. [مجملات الصوفية: وهو ما يوجد في كلام بعضهم من الكلمات المجملة المتشابهة، كما ضلت النصارى بمثل ذلك فيما يروونه عن المسيح، فيتبعون المتشابه ويتركون المحكم، وأيضاً كلمات المغلوبين على عقلهم الذين تكلموا في حال السكر] وهذه في الحقيقة تحتاج إلى وقفة في وقتها إن شاء الله، عندما نصل إلى الكلام عن العباد الأوائل الذين ارتكزت عليهم الصوفية، ومن خلال تتبع بعض مذاهب العبّاد في القرن الثاني والثالث قبل أن تسمى هذه المذاهب صوفية، نجد أن هؤلاء العبّاد المتهمون في عقيدتهم تظهر على ألسنتهم عبارات إلحادية مقننة، ترجع إلى مذاهب إلحادية، وليست عبارات ساذجة، فهذه هي التي سماها الشيخ: كلمات المغلوبين على عقلهم؛ لأنه عندما ذكر إلحادياتهم قال: لعلهم قالوا ذلك بسبب كثرة الجوع والسهر حتى أصابهم خلل في العقول، ومعروف أن الإنسان إذا قتر على نفسه في الأكل والشرب ثم سهر كثيراً، فإنه يصاب بشيء مما نسميه في عصرنا الهستريا، فهي تؤدي إلى أن الإنسان أحياناً يخبط في الكلام بما لا يعلم، ويتخيل أشياء، ويكون عنده نوع من الخروج عما تقتضيه العقول، فهؤلاء القوم أثناء وقوعهم في هذه الحالة الهسترة تحصل منهم أفعال وأقوال إلحادية كفرية، فهذه التصرفات والأقوال الإلحادية الكفرية، بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية حملها على أنهم أتوا بها بسبب الخلل في عقولهم وبسبب الحالات العارضة، وأنهم غير محاسبين، وآخرون من السلف قالوا: لا، هؤلاء لو قالوا مجرد كلمات مثل هذيان الناس لقلنا ربما نعذرهم، لكنهم أتوا بكلمات إلحادية مقننة، ولو قلنا: إنها من اللا شعور كما يقولون، فكيف جاءت؟ فالإنسان إذا هذى لا يهذي إلا بما يعلم أو بأمور لا تنطبق، ما تحمل قواعد ولا تحمل أصولاً فلسفية، مثل قول رابعة العدوية: والله لا أعبدك حباً لجنتك، ولا خوفاً من نارك. فهذه فلسفة ليست مجرد أنها أصيبت بالهستريا. كذلك قول أحدهم: لماذا تخافون من النار؟ ما هو إلا أن أضع عليها خيمتي فتنطفئ هذه فلسفة ليست مجرد كلمة ثابتة. كذلك قول أحدهم عن نفسه: سبحاني ما أجل شأني. يقصد نفسه. ثم ذكر بعد ذلك المقطع الثالث قال: [ومن الزندقة الفلسفية التي هي أصل التجهم]. ذكر سلب الجهمية والتعطيل، ثم مجملات الصوفية، ثم الزندقة الفلسفية، يعني: ما أخذ على الفلاسفة، قال: [التي هي أصل التجهم، وكلامهم في الوجود المطلق والعقول والنفوس والوحي والنبوة والوجوب والإمكان وما في ذلك من حق وباطل]. وقد اختلطت هذه الزندقة الفلسفية في كثير من أصول المتكلمين، حتى متكلمة الأشاعرة والماتريدية، حينما تكلموا عن العقول والنفوس والوحي والوجود والإمكان خبطوا وخلطوا، وجاءوا بما يخالف أهل السنة والجماعة. ثم قال رحمه الله تعالى: [فهذه المادة أغلب على ابن سبعين والقونوي، والثانية أغلب على ابن عربي] يعني: مجملات الصوفية أغلب على ابن عربي، والزندقة الفلسفية هي الأغلب على ابن سبعين والقونوي.

стр. 81

بعض ألفاظ ابن عربي التي تبين مذهبه الكفري الإلحادي ذكر الشيخ فلسفة لـ ابن عربي تدل على مدى خبثه وإلحاده نسأل الله العافية، فقد ذكر معنى من المعاني التي قال بها ابن عربي في (الفصوص) وهي من المعاني الإلحادية، قلب فيها الحق بالباطل، وهذا مما فتح لعباد القبور وعباد الأوثان والأصنام في الأمة الذين يعبدون غير الله، أو يلجئون إلى غير الله من الموتى، والأحياء، وما يسمونهم أولياء، والأشخاص، والأحجار، والأشجار، والوزارات، والمشاهد، والآثار وغير ذلك كل ذلك يرجع إلى مثل قول ابن عربي قال: [وذكر -أي ابن عربي - أن إنكار الأنبياء على عباد الأصنام إنما كان لأجل التخصيص] هذا كلام مجمل مبهم، يشرحه ما بعده، [وإلا فالعارف المكمل من عبده في كل مظهر، وهو العابد والمعبود، وأن عباد الأصنام لو تركوا عبادتهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منها، وأن موسى إنما أنكر على هارون لكون هارون نهاهم عن عبادة العجل] انظروا إلى قلب الحقائق، فقد جعل التوحيد شركاً والشرك توحيداً، وجعل إنكار موسى لهارون كأنه قال لهارون: لماذا لم تتركهم يعبدون العجل؟ وهذا مخالفة صريحة لصريح القرآن، فهل بعد ذلك متأول لمثل هذا الرجل؟ سبحان الله! [وأن موسى إنما أنكر على هارون لكون هارون نهاهم عن عبادة العجل؛ لضيق هارون، وعلم موسى بأنهم ما عبدوا إلا الله] تعالى الله عما يزعمون، يعني: حينما عبدوا العجل ما عبدوا إلا الله، هذا مذهب ابن عربي؛ لأنه يرى أن الله هو كل هذه الموجودات بما فيها العجل، بل صرّح -نسأل الله العافية- بأن ربه يتمثل في حيوانات خسيسة ذكرها في شعره، ولم يتورع عن ذلك، إلى آخر كلامه. هذا أصل من أصول ابن عربي، وهو من الأصول التي سهّلت الشرك عند غلاة الصوفية وعباد القبور والأوثان. ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن، وقد كمل سوى موضع لبنة فكان ﷺ تلك اللبنة، فزعم ابن عربي أن الباقي من الحائط ثنتان من اللبن وليست واحدة، وأن النبي ﷺ ما أدرك هذه الحقيقة، وأن اللبنة الأولى هي محمد ﷺ ، واللبنة الثانية خاتم الأولياء وهو بعد ذلك زعم لنفسه أنه هو خاتم الأولياء. انظروا كيف أراد أن يقر الناس أنه خاتم الأولياء، فقال: الصحيح أن الباقي لبنتان وليست واحدة، لكن النبي ﷺ ما رآها إلا واحدة؛ لأنه ما رأى إلا الظاهر، أما اللبنة الثانية فهي باطنة، والنبي ﷺ لم يدرك ذلك، واللبنة الثانية هي خاتم الأولياء. ثم بنى على هذه الخيالات والأوهام أحكاماً كثيرة، زعم أن الولي أفضل من النبي؛ لأن النبي ﷺ إنما أخذ عن جبريل، والولي أخذ ممن أخذ عنه جبريل، هكذا زعم، فمما قال عن خاتم الأولياء: [فإنه آخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول ﷺ ] أي: أن الولي وخاتم الأولياء لا يحتاج إلى النبي ﷺ ولا إلى جبريل أيضاً، هكذا زعم، وهذا ما جعله يصنف كتبه على أنها وحي وأنها بمثابة القرآن. ثم ذكر أنه كان ولياً وآدم بين الماء والطين، قال: [وكذلك خاتم الأولياء كان ولياً وآدم بين الماء والطين، وغيره من الأولياء ما كان ولياً إلا بعد تحصيله شرائط الولاية، من الأخلاق الإلهية والاتصاف بها، من أجل كون الله يسمى بالولي الحميد]. ثم زعم وقال: [وخاتم الأولياء الولي الوارث، الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب، وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل محمد ﷺ ] بعد قليل سيتنازل عن هذا ويرى أن الولي فوق النبي ﷺ ، وأن النبي هو نفسه حسنة من حسنات الولي، وهذا من التخليط واستدراج القراء، قال: [مقدم الجماعة، وسيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة، فعين بشفاعته حالاً خاصاً ما عمم؛ وفي هذه الحال الخاص تقدم على الأسماء الإلهية]. ولاحظوا هنا الجرأة على الله ، يقول: [فإن الرحمن ما شفع عند المنتقم في أهل البلاء إلا بعد شفاعة الشافعين، ففاز محمد بالسيادة في هذا المقام الخاص] جعل فعل النبي ﷺ وشفاعته والشفاعة مطلقاً أعظم من اسم الله الرحمن. ثم قال: [فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام]. ثم رد عليه شيخ الإسلام برد واف، رد عليه بالنصوص الشرعية، وبالمحاجة العقلية من وجوه كثيرة، وكل وجه يكفي لرد هذا الكلام. ثم أخيراً: نقف على كلام للشيخ ﵀ ذكر فيه وجوه كفرهم، فمن أراد أن يستفيد ولا أنصحه بأن يدخل في هذه المتاهات، فليرجع إلى الردود، لكن يمكن للواحد أن ينظر إلى أصول الردود الأول والثاني إلى آخره دون أن يتمعّن أو يتعمق، فلا أنصح بالتعمق في مثل هذه المسائل بأكثر من أخذ الأصول والمناهج ومواطن العبرة، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 82

الأسئلة

стр. 83

القول الفصل في ابن سينا وحكم تسمية مسجد باسمه السؤال ما الموقف الحق من ابن سينا، ومن يسمي مسجداً باسمه؟ الجواب ابن سينا باطني ملحد إسماعيلي، وهو يذكر ذلك عن نفسه، وأنا أتعجب من جهل الناس بمثل هذه الحقائق مع أنها واضحة، فـ ابن سينا فيلسوف ملحد باطني إسماعيلي لا نحتاج أن نتناقش في أمره، وليس من المسلمين، بل هو من هذه الطائفة المعروفة بالكفر باتفاق المسلمين الذين يعرفون أحواله. أما من سمى مسجداً باسمه فينبغي أن ينصح بأن يغير هذا الاسم، لا يسمى المسجد ولا غير المسجد باسمه، حتى المدارس ينبغي أن تُنصح الجهات المسئولة، والمؤسسات التي تسمى باسم ابن سينا يجب أن تنصح وتبلّغ بالأمر، يقال لهم: ابن سينا كافر ملحد؛ بموجب ما صدر عنه. وبعض الناس يقول: إنه تاب، والله أعلم بتوبته، والذي أعرف أنه تاب من الفجور الذي اشتهر عنه، لما أُصيب بأمراض معضلة ما استطاع أن يمارس فجوره، فقيل: إنه تاب، أما أنه تاب عن أفكاره فأنا ما أعرف هذا، وقد قرأت كثيراً ممن كتبوا عن توبة ابن سينا ما قصدوا التوبة من أفكاره، بل هؤلاء الذين قالوا بتوبته لا يرون أن هناك من أفكاره وعقائده ما يتوب منها، إنما اشتهر عنه الفسق والفجور وشرب الخمر وأمور معروفة حتى إنه ذكرها عن نفسه، فحينما كبرت سنه وضعفت قواه ومرض تركها، فقالوا: تاب، ولعله تاب، ونحن لا نحول بينه وبين التوبة إن تاب، لكن الكلام عن تعلق الناس بأفكاره وفلسفته، لا بنفسه، هذا إن كان تاب من عقيدته الفاسدة، والله أعلم بحاله. فإذاً: مثل هؤلاء حتى وإن تابوا ما ينبغي أن تعلق الناس بأشخاصهم؛ لأنه لا يعرف عن ابن سينا إلا كتبه وأفكاره وقصائده التي فيها الإلحاد والكفر وغير ذلك مما هو مشهور عنه.

стр. 84

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [٩] لقد التزم أهل السنة والجماعة ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله فيما يخص صفات الله تعالى الذاتية والفعلية، بينما خالفهم في ذلك المتكلمة الذين نفوا عن الله صفاته الفعلية، ولجئوا في سبيل ذلك إلى تأويل النصوص الشرعية بتأويلات باطلة، ولم يتوقفوا عند ذلك حتى أتوا بنصوص من عند أنفسهم دعماً لمنهجهم، وترويجاً لباطلهم وضلالهم.

стр. 85

من أعظم الأصول التي يعتمدها الاتحادية (كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل. ومن أعظم الأصول التي يعتمدها هؤلاء الاتحادية الملاحدة المدعون للتحقيق والعرفان ما يأثرونه عن النبي ﷺ أنه قال: (كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان)، وهذه الزيادة وهو قوله: (وهو الآن على ما عليه كان) كذب مفترى على رسول الله ﷺ ، اتفق أهل العلم بالحديث على أنه موضوع مختلق، وليس هو في شيء من دواوين الحديث لا كبارها ولا صغارها، ولا رواه أحد من أهل العلم بإسناد لا صحيح ولا ضعيف ولا بإسناد مجهول، وإنما تكلم بهذه الكلمة بعض متأخري متكلمة الجهمية، فتلقاها منهم هؤلاء الذين وصلوا إلى آخر التجهم وهو التعطيل والإلحاد، ولكن أولئك قد يقولون: كان الله ولا مكان ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان، فقال هؤلاء: (كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان) وقد اعترف بأن هذا ليس من كلام النبي ﷺ أعلم هؤلاء بالإسلام ابن عربي، فقال في كتاب (ما لا بد للمريد منه): وكذلك جاء في السنة: (كان الله ولا شيء معه) قال: وزاد العلماء: وهو الآن على ما عليه كان، فلم يرجع إليه من خلقه العالم وصف لم يكن عليه، ولا عالم موجود، فاعتقد فيه من التنزيه مع وجود العالم ما تعتقده فيه ولا عالم ولا شيء سواه. وهذا الذي قاله هو قول كثير من متكلمي أهل القبلة]. قوله: (وهذا الذي قاله هو قول كثير من متكلمي أهل القبلة). أي: أن هذه النزعة أثّرت حتى في المتكلمين الذين ليسوا من الملاحدة ولا من الفلاسفة، كمتكلمة الأشاعرة والماتريدية، أثّرت فيهم هذه النزعة الفلسفية كما هو ظاهر عند أبي المعالي الجويني قبل أن يرجع إلى السنة، وكما هو ظاهر أيضاً عند الغزالي، وظاهر جداً عند الرازي بن الخطيب ومن سلك سبيلهم، فهذه النزعة، يعني: نزعة نفي المكان والزمان مطلقاً بدون تفصيل، أدت إلى إنكار الصفات الفعلية وتأويلها، وإلى إنكار الصفات الذاتية وتأويلها، وإن لم يشاركوا أصحاب الاتحاد والحلول ووحدة الوجود الملاحدة في إنكار ذات الله والقول بالحلول أو الاتحاد، ما شاركوهم في هذا الحد، لكن شاركوهم في نفي ما هو من الصفات الذاتية والفعلية لله ؛ زعماً منهم أن ذلك يقتضي الحدوث والزمان والمكان، قالوا: إذا قلنا: إن الله مستو على عرشه اقتضى ذلك المكان، أخذاً بالشبهة الفلسفية، والتي قالوا فيها الحديث الموضوع هذا: (وهو الآن على ما عليه كان) وأيضاً زعموا أن إثبات العلو يقتضي المكان، وزعموا أيضاً أن بعض أفعال الله تقتضي الزمانية والمكانية، مثل: النزول وغير ذلك. فأقول: إن الشيخ أشار إشارة إلى مسألة منهجية مهمة جداً، تدل على التداخل العقدي بين الفرق، وأن كل فرقة من فرق أهل الكلام ابتداء من الغلاة الفلاسفة الملاحدة كهؤلاء الذين ذكرهم الشيخ، وانتهاء بمن هم من فرق أهل القبلة وهم متكلمة الأشاعرة والماتريدية، وعندهم قدر مشترك يشتركون فيه، وهو الخوض في هذه المسائل ما بين تعطيل مطلق، وما بين تأويل، وما بين اضطراب في ذلك، كل ذلك تحت شبهة الزمانية والمكانية والحدوث؛ لأنهم أيضاً يقولون: الزمان والمكان حادث، فأدخلوا هذه القضايا كلها تحت ما يسمى بالزمانية والمكانية والحدوث، فمن هنا وقفوا تلك المواقف تجاه ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله المتباينة ما بين معطّل ملحد، وما بين مؤول، كل ذلك راجع إلى هذه الشبهة.

стр. 86

زعم الملاحدة أن قوله: (وهو الآن على ما عليه كان) فيه نفي لحدوث التغير والتحول في صفات الله الفعلية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو ثبت على هذا لكان قوله من جنس قول غيره، لكنه متناقض؛ ولهذا كان مقدم الاتحادية الفاجر التلمساني يرد عليه في مواضع يقرب فيها إلى المسلمين، كما يرد عليه المسلمون المواضع التي خرج فيها إلى الاتحاد. وإنما الحديث المأثور عن النبي ﷺ ما أخرجه البخاري عن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض). وهذه الزيادة الإلحادية وهو قولهم: (وهو الآن على ما عليه كان) قصد بها المتكلمة المتجهمة نفي الصفات التي وصف بها نفسه من استوائه على العرش، ونزوله إلى السماء الدنيا، وغير ذلك فقالوا: كان في الأزل ليس مستوياً على العرش وهو الآن على ما عليه كان، فلا يكون على العرش، لما يقتضي ذلك من التحول والتغير]. من هنا ندرك الخطأ المنهجي الكبير الذي خالفت فيه الفرق الكلامية أهل السنة والجماعة، فهذا من الفوارق بين أهل السنة والجماعة وبين الفرق المتكلمة الذي وقعت فيه جميع الفرق ما بين مقل ومكثر، وهو أن أهل السنة والجماعة التزموا ما جاء في الكتاب والسنة في صفات الله الذاتية منها والفعلية، أي: ما كان متعلقاً بذات الله أو بأفعاله، كما جاء في الكتاب والسنة دون التزام لهذه المستلزمات التي إنما هي تحكم من الخلق، وهي ما تسمى بالزمانية والمكانية والحدوث. ومن هنا ندرك وجه الخطأ المنهجي الكبير الذي وقعت فيه الكلابية وورثتها ومن سلك سبيلها من الأشاعرة والماتريدية في نفي الصفات الفعلية عن الله ، وإنما فعلوا ذلك بقبولهم بهذا الأصل، واعتمادهم له في تقرير الصفات، ولجأ إليه هؤلاء حينما خرجوا عن الحد الشرعي في جدال الفرق الفلسفية والتزموا لوازم باطلة.

стр. 87

الجواب الأول لأهل السنة على المتكلمين فيما يتعلق بصفات الله الفعلية قال رحمه الله تعالى: [ويجيبهم أهل السنة والإثبات بجوابين معروفين: أحدهما: أن المتجدد نسبة وإضافة بينه وبين العرش بمنزلة المعية، ويسميها ابن عقيل: الأحوال]. هذه المسألة تعتبر من أكبر المسائل وأقواها حجة عند السلف ضد المخالفين فيما يتعلق بصفات الله الفعلية، وهو أن المتجدد يعني: أفعال الله ، ويمكن أن نقول: إن الله يفعل متى شاء، ونقول: إن الله يتكلم متى شاء، وهذا حق وهذا كمال لله، وأنه ينزل متى شاء وكيف شاء، كما ورد في النصوص، وأنه ينادي عباده متى شاء، وقد نادى قبل ذلك، وسينادي يوم القيامة وهكذا، وأن صفاته سبحانه الفعلية متعلقة بالمشيئة، وأصول هذه الأفعال من صفات الله الثابتة، وكذلك مفرداتها من صفات الله ، فالأصل في صفة الكلام أنها ثابتة لله بذاتها، وأن الله يتكلم كلاماً يليق بجلاله، في أفرادها ومفرداتها، أيضاً الله يتكلم متى شاء، وهذا التكلم المربوط بالمشيئة سماه أهل الكلام حادثات، وقالوا: إنا إذا قلنا بأن الله يتكلم متى شاء. فهذا يعني أن الله تحدث له حوادث، هكذا يتحكمون من عندهم، فزعموا أن الله تكون له قدرة لم تكن، وتنشأ عنده إرادة لم تكن إلى آخره! كل هذه من لوازم التزموها بناء على قياس الخالق بالمخلوق، وعلى الخضوع لهذه القاعدة الفاسدة: أن الله كان، وأنه لم يتجدد له شيء بعد أن كان، أو كان الله ولم يكن قبله شيء، ثم هو أيضاً على ما كان لا زمان ولا مكان كما زعموا، فزعموا أن تجدد الحادثات يقتضي الزمانية والمكانية في حق الله، وأنه يقتضي الحدوث في أفعال الله، وهذه فلسفة كلها تخرصات وتوهمات وقياسات للخالق والمخلوق، وليس أمام العبد المسلم إلا أن يسلّم بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ في صفات الله وأفعاله، والمستلزمات التي يراها في ذهنه ليست لازمة، والحق منها يلزم والباطل منها لا يلزم. فمن هنا أقول: قال السلف: (إن المتجدد -أي: من هذه الصفات الفعلية- نسبة إضافية بينه وبين العرش) لقد حصر الشيخ التجدد فيما يتعلق بالعلو والاستواء والنزول والمجيء؛ لأن أكثر أفعال الله من هذا النوع؛ وذلك لأن العرش أعظم الخلق، فنسبة أفعال الله جاء ذكرها في الكتاب والسنة مرتبطة بالعرش من حيث سياق نصوص القرآن والسنة، فالاستواء ربط بالعرش والعرش مخلوق، وما دون العرش داخل في العرش بالضرورة، الكرسي داخل في العرش، وكذلك بقية المخلوقات. فالعرش هو أعظم الخلق، كثير من الصفات لله ربطت في النص الشرعي بالعرش؛ لأجل أن يتصور الإنسان عظمة الله ؛ ولأن ذلك دال على أن العرش مخلوق لله، ومع ذلك فإن الله ذكر استواءه على العرش على ما يليق بجلاله، والعلو مرتبط بالعرش، والعلو كذلك مرتبط بالمخلوقات، علو الله على المخلوقات ونحو ذلك. أيضاً سيأتي من وجه آخر ما يدل على أن عند السلف عمقاً في التفكير، لكنهم لا يتمادون في التفلسف، وإذا قلنا: إن الصفات الفعلية كلها أو أغلبها مرتبط ببعض المخلوقات، فنزول الله نزولاً يليق بجلاله لا نفهم كيف يكون، لكن النزول مرتبط بالعلو وبالفوقية لا شك، لكن حقيقة الارتباط أمر لا ندركه إطلاقاً، فعلى هذا لا يمكن أن يفهم الإنسان معاني العلو والفوقية والاستواء والنزول والمجيء إلا إذا عرف الفرق بين الخالق والمخلوق؛ إذا عرف أن العرش وما دونه غير الله ، والمغايرة بين الخالق والمخلوقات هي أكبر رد عقلي وشرعي على أصحاب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود؛ لأنهم حينما زعموا أن الله هو المخلوقات، قيل لهم: ما معنى الاستواء؟ وما معنى الفوقية؟ وما معنى العلو؟ وهذا ما سيشير إليه الشيخ. نقف عند قول الشيخ: (أن المتجدد نسبة وإضافة بينه وبين العرش) أي: بين الله وبين العرش؛ لأن العرش أعظم الخلق، فالعلو والنزول والمجيء والاستواء إنما نفهم حقيقتها من خلال ما فهمنا من وجود العرش، وبربط هذه المخلوقات بأفعال الله كالاستواء والنزول والمجيء وغيرها. قال رحمه الله تعالى: [أحدهما: أن المتجدد نسبة وإضافة بينه وبين العرش بمنزلة المعية، ويسميها ابن عقيل: الأحوال، وتجدد النسب والإضافات متفق عليه بين جميع أهل الأرض من المسلمين وغيرهم؛ إذ لا يقتضي ذلك تغيراً ولا استحالة]. يشير الشيخ إلى ما ورد في النصوص، فهو لا يشير إلى اجتهاد من عنده، أن لما ذكر الله خلق السماوات والأرض ذكر الاستواء، قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] فهذا له مفهومان: مفهوم يتعلق بالله ، ومفهوم يتعلق بتصورنا نحن عن فعل الله، وأفعال الله على نوعين: أفعال تتعلق بصفاته، فهذه أزلية. وأفعال تتعلق بآثار فعله في خلقه، فهذه تتجدد. فالله ذكر لنا أن الاستواء متجدد، والنزول والمجيء يتجددان، والتجدد لا يعني أنه تحدث لله قدرة لم تكن أو فعل لم يكن من صفاته، لا، وإنما آحاد التجدد وأفراده تكون بعد أن لم

стр. 88

الجواب الثاني لأهل السنة على المتكلمين فيما يتعلق بصفات الله الفعلية قال رحمه الله تعالى: [والثاني: أن ذلك وإن اقتضى تحولاً من حال إلى حال، ومن شأن إلى شأن، فهو مثل: مجيئه وإتيانه ونزوله وتكليمه لموسى، وإتيانه يوم القيامة في صورة ونحو ذلك مما دلت عليه النصوص، وقال به أكثر أهل السنة والحديث، وكثير من أهل الكلام، وهو لازم لسائر الفرق]. يعني: الثاني مما يرد به السلف على أهل البدع والأهواء: أن أفعال الله وإن سماها أهل الكلام تحولاً من حال إلى حال فإن ذلك دليل الكمال؛ لأن هذا لا يعني النقص، والنقص منفي عن الله جزماً، ثم التحول من حال إلى حال إذا كان نقصاً عند المخلوقات، فليس هذا لازماً في حق الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فنحن نعلم يقيناً أن كثيراً من أحوال العباد التي يكون فيها قدرة على التحول من حال إلى حال أنها إلى الكمال أقرب، فلماذا لا يكون الله أولى بالكمال، وعلى سبيل المثال: أليس الإنسان الذي يقدر أن يتكلم متى شاء أكمل وأقدر من الذي لا يستطيع أن يتكلم أبداً، أو أحياناً يتعثر في الكلام؟ فلماذا تنسب الكمال للمخلوق وتنفيه عن الله ، وهذه التعبيرات الأحوال وغيرها تعبيرات يجب أن نتفاداها، لكن لما وقعوا فيها نلزمهم بها؛ نلزمهم بالقواعد العقلية، نقول: الأحوال إذا كانت تدل على كمال واتفقت مع نصوص الكتاب والسنة، فلا شك أن وصف الله بها هو الحق بدون تأويل، فالاستواء على العرش كمال، والقدرة على النزول والمجيء أكمل من عدم القدرة عليه، والقدرة على الكلام أكمل، وكون القادر على الكلام يتكلم متى شاء أكمل ممن يقدر، لكن لا يستطيع أن يتكلم إلا أحياناً وهكذا. فإذاً: وصف الله بالصفات الفعلية وإن اقتضى تحولاً من حال إلى حال ومن شيء إلى شيء، فإنه كمال وليس نقصاً، لكن نثبته لله كما يليق بجلاله، واللوازم التي تلزم في التحولات عند المخلوقات لا تلزم في حق الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء، ولأن له الكمال المطلق سبحانه، وكذلك اللوازم التي تلزم من الصفات الفعلية، من بعض الجوانب التي يعتبرونها نقصاً، مثل: الحدوث بعد العدم وهكذا، هذه أمور أيضاً بالنسبة لله تدل على الكمال لا على النقص، لكن إذا كانت للمخلوق نقصاً، فالجانب الذي فيه نقص ينفى عن الله، ولا ينفى أصل الصفة التي هي كمال كما يتوهمه هذا المتوهم، يعني: جوانب النقص ينفى عن الله، ولا تنفى عن الله الصفة بذاتها، فالمجيء والإتيان والنزول والتكليم إلى آخره، هذه كلها شئون لله ، والله هو كل يوم في شأن، والذي يكون كل يوم في شأن أكمل ممن تنقطع الشئون في حالة من الأحوال. قوله: (وهو لازم لسائر الفرق): هذه مسألة مهمة، وهو أن كل فرقة لابد أن تقر بجانب من هذه الجوانب فتلزم به، وببقية الأمور الأخرى. فنبدأ بأخف الفرق: الأشاعرة والماتريدية التزموا إثبات سبع صفات لله ، منها: السمع، والبصر لله سبحانه وهذا حق، بالنسبة لله يتعلق بالسمع والبصر المطلق الذي هو الكمال، ويتعلق أيضاً بالمسموعات والمبصرات، والمسموعات والمبصرات تتجدد. فهم أثبتوا السمع والبصر وفيه الأحوال والشئون والتجدد، فلما جاءوا إلى الاستواء والنزول والمجيء نفوه بدعوى أن هذا يقتضي التجدد والحدوث، نقول: أيضاً السمع والبصر يستلزم التجدد والحدوث، قد يكون السمع والبصر له صفاته المعينة، فنقول: حتى الإرادة، إرادة الله إرادة مطلقة وإرادة خاصة بالمرادات وهي المخلوقات، فالله إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، كذلك الأشياء تتجدد، والله يتجدد له من الشئون في خلقه ما لا يحصى. إذاً: الإرادة تتجدد لله، تتجدد في مفرداتها لا في كونها صفة لله، في كونها صفة هذه لازمة، لكن متعلقها بالمرادات يتجدد، فلماذا نفيتم تعلق مشيئة الله بالمجيء والاستواء والنزول والصفات الفعلية والكلام لله ونحو ذلك، ثم أثبتموها في الصفات الأخرى؟ وهكذا بقية الفرق كالجهمية الذين لا يثبتون لله إلا مجرد الوجود، نجد عندهم ما يلزمهم بأن الوجود في حد ذاته يلزم منه أن الموجود لابد أن يكون حياً وقادراً وإلى آخره، أما وجود بدون صفات فيكون عدماً، ويكون نقصاً، فحتى الجهمية الذين لا يقرون إلا بالوجود، نلزمهم من خلال إثبات الوجود، فنقول: أليس من الكمال للموجود أن يكون كذا وكذا وكذا؟ الموجود الحي أكمل من الموجود الميت، أليس كذلك؟! إذاً: إذا اعترفوا بأنه موجود بأنه حي، فالحي من كماله أن يكون قادراً، والقادر من كماله أن يكون مريداً، والمريد من كماله أن يكون سميعاً وبصيراً وهكذا. قال رحمه الله تعالى: [وقد ذكرنا نزاع الناس في ذلك في قاعدة الفرق بين الصفات والمخلوقات، والصفات الفعلية. وأما هؤلاء الجهمية الاتحادية فقالوا: وهو الآن على ما عليه كان، ليس معه غيره كما كان في الأزل ولا شيء معه، قالوا: إذ الكائنات ليست غيره ولا سواه، فليس إلا هو، فليس معه شيء آخر لا أزلاً ولا أبداً؛ بل هو عين الموجودات ونفس الكائنات، وجعلوا المخلوقات المصنوعات هي نفس الخالق البارئ المصور. وهم دائماً يهذ

стр. 89

أدلة بطلان قول الاتحادية: (وهو الآن على ما عليه كان) قال رحمه الله تعالى: [فالخلق المذكور في هذا الحديث لم يدخل فيه العماء، وذكر بعضهم أن هذا هو السحاب المذكور في قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠] وفي ذلك آثار معروفة. والدليل على أن هذا الكلام -وهو قولهم: (وهو الآن على ما عليه كان) - كلام باطل مخالف للكتاب والسنة والإجماع، والاعتبار من وجوه: أحدها: أن الله قد أخبر بأنه مع عباده في غير موضع من الكتاب عموماً وخصوصاً، مثل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]. وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] إلى قوله: ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]. وقال: ((وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ))، في موضعين. وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]. ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة:١٢]. ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، وكان النبي ﷺ إذا سافر يقول: (اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا)، فلو كان الخلق عموماً وخصوصاً ليسوا غيره ولا هم معه، بل ما معه شيء آخر، امتنع أن يكون هو مع نفسه وذاته، فإن المعية توجب شيئين: كون أحدهما مع الآخر، فلما أخبر الله أنه مع هؤلاء علم بطلان قولهم: (هو الآن على ما عليه كان) لا شيء معه، بل هو عين المخلوقات. وأيضاً فإن المعية لا تكون إلا من الطرفين، فإن معناها المقارنة والمصاحبة، فإذا كان أحد الشيئين مع الآخر امتنع ألا يكون الآخر معه، فمن الممتنع أن يكون الله مع خلقه ولا يكون لهم وجود معه ولا حقيقة أصلاً، بل هم هو]. هذه الحقيقة بدهية، لكن أحياناً في مثل هذه المقالات الشاذة والموغلة في الضلال ينبغي التنبيه على البدهيات، وإن كان التنبيه على البدهيات أحياناً يؤدي إلى إشكال، لكن لا بد منه مادام هذا المذهب وجد ووجد له أتباع ودعاة، والآن دعاة هذا المذهب بدءوا يخرجون أعناق هذه البدعة من حداثيين، وبعض الكتاب الذين يعجبون بهذه المذاهب يسمونها: مذاهب فلسفية، فالشيخ يقرر بدهياً أنه مادام أن الله ذكر أنه مع خلقه ومع بعض خلقه، فهذا دليل على أنه مغاير لخلقه، ولله المثل الأعلى لو كان على ما يزعمون أن الله هو الخلق والخلق هو الله، فعلى هذا يكون خطاب الله لنفسه، ولو رأينا شخصاً يخاطب نفسه على أنه غيره لقلنا: إن هذا مجنون، فكذلك هم حكموا على الله بمثل هذه الصورة الشنيعة في حق الله، كما كانت اليهود تفعل، الله يقول: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة:١٢]، ويخاطب عباده على أنه معهم جملة ومع بعضهم في المعية الخاصة، ثم يقولون: هم هو، أين عقولهم؟ إذا كان الله قد أعمى بصائرهم عن تدبر آيات الله، فأين العقول التي تميز بين الواضحات والبدهيات؟ فهؤلاء تجاوزوا البدهيات العقلية، ما كأن عندهم عقولاً، بل استخدموا عقولهم لدفع هذه البدهيات. قال رحمه الله تعالى: [الوجه الثاني: أن الله قال في كتابه: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]. وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣]. وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]. فنهاه أن يجعل أو يدعو معه إلهاً آخر ولم ينهه أن يثبت معه مخلوقاً، أو يقول: إن معه عبداً مملوكاً أو مربوباً فقيراً، أو معه شيئاً موجوداً خلقه، كما قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص:٨٨]، ولم يقل: لا موجود إلا هو، أو لا هو إلا هو، أو لا شيء معه إلا هو؛ بمعنى: أنه نفس الموجودات وعينها]. من هنا ندرك مدى خطأ المتكلمين من الأشاعرة الماتريدية الذين فسروا لا إله إلا الله: بأنه لا موجود إلا الله، ولا إله في الوجود إلا الله، نحن نقول: لا إله، أي: لا معبود بحق، فتفسيرهم لا إله إلا الله، بمعنى: لا موجود، أو لا إله في الوجود إلا الله. هذا خطأ. قال رحمه الله تعالى: [وهذا كما قال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣]، فأثبت وحدانيته في الألوهية، ولم يقل: إن الموجودات واحد، فهذا التوحيد الذي في

стр. 90

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١٠] لقد أثر عن بعض السلف من العباد والصالحين بعض المصطلحات والعبارات التي تتعلق بمعنى الحلول والاتحاد والكشف ونحوها من العبارات التي تستعمل في التعبير عن الأحوال القلبية السليمة، وبما أن هذه التعبيرات تشبه ألفاظ المبطلين الذين استعملوها على وجه أرادوا به الكفر والزندقة، فالأولى ترك هذه التعبيرات والاستغناء عنها بالألفاظ الشرعية الواضحة السليمة.

стр. 91

ما جاء عن بعض أهل العلم والإيمان مما يشبه الحلول والاتحاد الباطل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: ففي الفصل الذي سنقرؤه الآن وقفة من شيخ الإسلام ابن تيمية جيدة، تزيل اللبس عند بعض الذين التبست عليهم بعض ألفاظ ومصطلحات السلف، التي تشبه ألفاظ ومصطلحات أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود من الفلاسفة والزنادقة، والتي تشبه أيضاً مصطلحات الصوفية، وذلك فيما أثر عن بعض السلف وعن بعض العباد وعن بعض الصالحين، وإن لم يكونوا على نهج سليم مرضي من كل وجه، لكنهم ليسوا من أهل البدع المغلظة ولا الانحرافات الكبرى، وهؤلاء أثر عنهم عبارات ومصطلحات استعملوها على وجه قد يسوغ شرعاً مع التكلف، وهي تشبه مصطلحات الملاحدة والزنادقة وغلاة الصوفية، ومن ذلك ما يتعلق بمعنى الحلول ومعنى الاتحاد ومعنى الكشف ونحو ذلك من المعاني، التي قد تستعمل في التعبيرات عن الأحوال القلبية السليمة، وهي تشبه ألفاظ أولئك المبطلين الذين استعملوها على وجه أرادوا به الكفر والزندقة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل. فيما عليه أهل العلم والإيمان من الأولين والآخرين، مما يشبه الاتحاد والحلول الباطل، وهو حق، وإن سمي حلولاً أو اتحاداً]. يعني: أنه قد يرد عن بعض السلف استعمال بعض هذه العبارات على مصطلحات شرعية، لكن هذه حالات نادرة، وليست هي النهج السليم، لكن الذين أطلقوها لكلامهم تأول قد نعذرهم، لكنا لا نسلك هذا الطريق؛ لأن استعمال بعض المصطلحات الشرعية بما يشبه المصطلحات البدعية هذا طريق لا يجوز، لكن إن حدث من بعض الصالحين على وجه يريد به حقاً، فإنا نقبل هذا الحق بغير لفظه. قال رحمه الله تعالى: [وهو ما عليه أهل الإسلام وأهل السنة والجماعة وأهل المعرفة واليقين من جميع الطوائف؛ بدلالة الكتاب والسنة. أما الحلول]. الآن سيبدأ بنماذج للألفاظ التي قد تستعمل أحياناً على وجه مخالف، فكلمة الحلول بعدما اشتهرت إذا أطلقت فأول ما يتبادر إلى الذهن إلى الحلول البدعي، وهذا هو الأصل، لكن مع ذلك فإنه قد تطلق الحلول على المعنى الجائز كما سيأتي بيانه.

стр. 92

مستقر الإيمان في القلب قال رحمه الله تعالى: [أما الحلول فلا ريب أن من علم شيئاً فلا بد أن يبقى في قلبه منه أثر ونعت، وليس حاله بعد العلم به كحاله قبل العلم به، حتى يكون العلم نسبة محضة بمنزلة العلو والسفول؛ فإن المستعلي إذا نزل زال علوه، والسافل إذا اعتلى زال سفوله، والعلم لا يزول؛ بل يبقى أثره بكل حال، فإذا كان مع العلم به يحبه أو يرجوه أو يخافه كان لهذه الأحوال أثر ونعت آخر وراء العلم والشعور، وإن كانا قد يتلازمان]. لا يزال يبدو لي أن الكلام فيه غموض، لكن سيشرحه الشيخ بعد كلام طويل قد ينفصل المعنى في ذهن القارئ. فالشاهد أن الشيخ ذكر أن الحلول أحياناً يستعمل استعمالاً بعيداً، بمعنى حلول المعاني الشرعية في قلب المسلم، وحلول الأحوال القلبية في قلب المسلم، حلول العلم، اليقين، الصدق، والتصورات التي تنتج عن العلم هذه أمور يقال: إنها حلت في قلب المسلم، لكن ليس معنى هذا أننا نقر كلمة حلول على إطلاقها، إنما نقول: إذا قصد بالحلول هذا المعنى، فهو وإن كان معنى غير مستعمل فإنه يرجع إلى قصد القائل، وبعض السلف قد يستعمل هذه المعاني بمعنى حلول الأحوال القلبية في القلب، حلول الإيمان، حلول اليقين، حلول الصدق ونحو ذلك، فهذا قد يسمى حلولاً من باب التجوز، أو يستعمله بعض السلف على هذا المعنى لا على المعنى البدعي الذي هو الحلول الإلهي، أو حلول الرب في خلقه تعالى الله عما يزعمون. قال رحمه الله تعالى: [فإذا ذكره بلسانه كانت هذه الآثار أعظم، وإذا خضع له بسائر جوارحه كان ذلك أعظم وأعظم]. يتبين هذا بمثل قول النبي ﷺ ، فيما يحكيه عن ربه في الحديث الصحيح، قال: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) إلى آخر هذه المعاني، فهذا قد يعبر عنه بعض السلف بأنه حلول، لكن ليس حلول الله، وإنما حلول توفيق الله للعبد، بمعنى أنه يحل الإيمان واليقين الذي ينتج عنه العون من الله والحفظ والرعاية والتوفيق من الله لعبده إذا تقرب بالنوافل، على هذا النحو الذي ذكره في الحديث القدسي، فهذا قد يعبر عنه بأنه حلول التوفيق؛ حلول الأحوال القلبية التي يمتلئ بها القلب باليقين بالله ، والإنسان إذا امتلأ قلبه باليقين بالله، وامتلأ قلبه بالإنابة والاعتماد والتوكل على الله كان ذلك بمثابة أن الله يسدده التسديد الكامل، ويوفقه إلى كل خير، فهذا ليس حلولاً ذاتياً، ولا حلول الروح بالروح، ومع ذلك فإنا نقول: إن تسمية هذا النوع من التوفيق من الله لعبده حلول لا تجوز، بعد وجود استعمال هذه الكلمة على معنى باطل، لوجود اللبس، إنما قد يطلقها بعض السلف ويقصد المعنى الصحيح، فمن هنا ندافع عن هذا الرجل وندفع استدلال أهل الباطل بقوله أو كلامه بأنه أراد المعنى الحق ولم يرد المعنى الباطل. قال رحمه الله تعالى: [وهذه المعاني هي في الأصل مشتركة في كل مدرك ومدرَك، ومحب ومحبوب، وذاكر ومذكور، وسواء كان على وجه العبادة كعبادة الله وحده لا شريك له، أو عبادة الأنداد من الذين اتخذوا من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، أو على غير وجه العبادة كمحب الإخوان والولدان والنسوان والأوطان وغير ذلك من الأكوان. فالمؤمن الذي آمن بالله بقلبه وجوارحه إيمانه يجمع بين علم قلبه وحال قلبه: تصديق القلب وخضوع القلب، ويجمع قول لسانه وعمل جوارحه، وإن كان أصل الإيمان هو ما في القلب أو ما في القلب واللسان، فلا بد أن يكون في قلبه التصديق بالله والإسلام له، هذا قول قلبه، وهذا عمل قلبه، وهو الإقرار بالله. والعلم قبل العمل، والإدراك قبل الحركة، والتصديق قبل الإسلام، والمعرفة قبل المحبة، وإن كانا يتلازمان، لكن علم القلب موجب لعمله، ما لم يوجد معارض راجح، وعمله يستلزم تصديقه، إذ لا تكون حركة إرادية ولا محبة إلا عن شعور، لكن قد تكون الحركة والمحبة فيها فساد إذا لم يكن الشعور والإدراك صحيحاً]. ورود المعاني من العلم والتصديق واليقين والإيمان، ثم ما ينتج عن هذه المعاني من الأحوال القلبية الأخرى، هذا يسمى حلولاً بالمعنى اللغوي، أي: أن هذه المعاني حلت في القلب ونتج عنها العمل، هذه تسمية لغوية لا ينبغي أن تختلط بالحلول البدعي الذي يقصده أهل الأهواء، مثل ما يسمونه: حلول النور الموروث، أو ما يسمونه: حلول الروح، وأعظم من ذلك وأشنع: الحلول الكفري الذي هو حلول الرب بذاته في المخلوقات أو نحو ذلك مما قالوا، تعالى الله عما يزعمون. قال رحمه الله تعالى: [قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح. فأما العمل الصالح بالباطن والظاهر فلا يكون إلا عن علم، ولهذا أمر الله ورسوله ﷺ بعبادة الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له ونحو ذلك، فإن هذه الأسماء تنتظم العلم والعمل جميعاً؛ علم القلب وحاله، وإن دخل في ذلك قول اللسان و

стр. 93

ما قيل في قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض) وقوله: (من يكفر بالإيمان) وقوله: (ليس كمثله شيء) قال رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور:٣٥] الآية، قال أبي بن كعب ﵁: مثل نوره في قلب المؤمن. فهذه هي الأنوار التي تحصل في قلوب المؤمنين. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥] إنه الكفر بذلك، فإن من كفر بالإقرار الذي هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله والإسلام له، المتضمن للاعتقاد والانقياد لإيجاب الواجبات، وتحريم المحرمات، وإباحة المباحات فهو كافر؛ إذ المقصود لنا من إنزال الكتب وإرسال الرسل هو حصول الإيمان لنا، فمن كفر بهذا فهو كافر بذاك، وهذا قد يسمى المثل والمثال؛ لأنه قد يقال: إن العلم مثال المعلوم في العالم، وكذلك الحب يكون فيه تمثيل المحبوب في المحب]. يعني: انعكاس أثر هذه الأشياء على المخلوقات، فالعلم ينعكس أثره في العالم، والحب ينعكس أثره على المحبوب وعلى المحب، وقد يقصد الشيخ معنى التناسب، لكن هذا سيأتي التعبير عنه في مقام آخر بعد قليل، فالذي يظهر لي هنا أن مقصود الشيخ انعكاس المعاني التي تدخل القلب من العلم والحب ونحو ذلك على الشخص، وهذا الانعكاس أحياناً يسمى حلولاً وأحياناً يسمى تأثراً، وأحياناً يسمى تناسباً، ويسمى بأسماء كثيرة، قد يراد بها الحق، وقد يراد بها الباطل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم من الناس من يدعي أن كل علم وكل حب ففيه هذا المثال، كما يقوله قوم من المتفلسفة، ومنهم من ينكر حصول شيء من هذا المثال في شيء من العلم والحب. والتحقيق: أنه قد يحصل تمثل وتخيل لبعض العالمين والمحبين، حتى يتخيل صورة المحبوب، وقد لا يحصل تخيل حسي، وليس هذا المثل من جنس الحقيقة أصلاً، وإنما لما كان العلم مطابقاً للمعلوم وموافقاً له غير مخالف له، كان بين المطابِق والمطابَق والموافِق والموافَق نوع تناسب وتشابه، ونوع ما من أنواع التمثيل، فإن المثل يضرب للشيء لمشاركته إياه من بعض الوجوه، وهنا قطعاً اشتراك ما واشتباه ما. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٧] أنه هذا. ]. ذكر الشيخ هذا المعنى في ردوده على الذين نفوا أسماء الله وصفاته أو بعضها بدعوى أنها تقتضي التشابه، فكأنه يقول: إن قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، يعني: المماثلة في الكيفية لا في المعاني والألفاظ المشتركة؛ لأن قوله : ((وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، يعني: أن كل أمر مشترك لفظي بين العباد في أمور الكمال فالله له أعلى الوصف في مثل هذه الألفاظ المشتركة، فإذا قلنا مثلاً: الله موصوف بالعلم، وبعض العباد أيضاً موصوفون بالعلم، فالعلم لفظ مشترك، والله ليس كمثله شيء في علمه، لكن مع ذلك له المثل الأعلى في العلم، ولا يتنافى هذا مع نفي الممثالة؛ لأن الألفاظ المشتركة والمعاني المشتركة تبقى في الأذهان، ولذلك فإن كل معنى مشترك فيه كمال لله يطلق على الله، لكن له فيه الكمال المطلق وفي غيره محدود وناقص، وكل كمال فالله أحق وأولى أن يوصف به؛ لكن نظراً لأن الكمالات التي وردت بألفاظ الشرع، وردت بألفاظ تشمل أفضل المعاني وأعظمها في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فإنا ننكر ما يبتدعه الناس من الألفاظ لا المعاني، فالألفاظ التي عبر بها الناس عن كمال الله إن كانت وردت في الكتاب والسنة أثبتناها، وإن لم ترد في الكتاب والسنة أثبتنا معانيها الحق ورددنا الألفاظ؛ لأن في ألفاظ كلام الله الجامعة المحكمة ما يكفي، وفي ألفاظ كلام رسوله ﷺ ما يكفي في إثبات الكمال لله. إذاً: هذا معنى أن قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، له تقييد في قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧]، لكن ليس تقييداً بمعنى: أنه يستثنى أن هناك مماثلة، إنما يستثنى معنى من معاني المثل في اللفظ المطلق أو في اللفظ المشترك، لا في إطلاق الألفاظ على الأعيان، أما إذا أطلقت الألفاظ على الأعيان فلا يجوز أن يطلق على الله أي وصف مما تتصف به الأعيان، أي: المخلوقات.

стр. 94

تفاوت الألوهية واليقين والإيمان في القلوب قال رحمه الله تعالى: [وفي حديث مأثور: (ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن النقي التقي الوادع اللين)، ويقال: القلب بيت الرب، وهذا هو نصيب العباد من ربهم وحظهم من الإيمان به، كما جاء عن بعض السلف أنه قال: إذا أحب أحدكم أن يعلم كيف منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله من قلبه؟ فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه]. هذا مثال جيد على مسألة حلول المعاني الشرعية في قلب المؤمن، فإن المؤمن يحل في قلبه حب الله ، ويحل في قلبه خشية الله ورجاؤه، والتوكل عليه والإنابة إليه سبحانه، وهذه كلها معان متعبد بها لله ، وهي تحل في قلب المؤمن حلولاً معنوياً وحلولاً إيمانياً، ولا يعني ذلك أن الله بذاته يحل كما يزعمون؛ لأن أصحاب الحلول الباطل استدلوا بمثل هذه النصوص المجملة، وما عرفوا أن هذا تمثيل جزئي وليس معنى كلياً، مثل الله امتلاء قلوب عباده الصالحين بالإيمان به والتصديق والرجاء والخوف بنوع من المثل، وأطلق عليها هذا الإطلاق لا من باب أنه حلول ذاتي أو حلول كلي، لكنه حلول شيء من المعاني المتعلقة بعلاقة العبد بربه. قال رحمه الله تعالى: [وروي مرفوعاً من حديث أيوب بن عبد الله بن خالد بن صفوان عن جابر بن عبد الله ﵄، رواه أبو يعلى الموصلي وابن أبي الدنيا في كتاب (الذكر)؛ ولهذا قال أبناء يعقوب ﵈: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣]، فإن ألوهية الله متفاوتة في قلوبهم على درجات عظيمة تزيد وتنقص، ويتفاوتون فيها تفاوتاً لا ينضبط طرفاه، حتى قد ثبت في الصحيح: عن النبي ﷺ في حق شخصين: (هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا)]. يعني: هذا يدل على تفاوت المعاني في القلب، وفي الأعمال، وكذلك المعاني الشرعية، فإنها تتفاوت تفاوتاً عظيماً إلى حد أن النبي ﷺ ضرب مثلاً في رجلين كليهما من المسلمين ومن أهل الخير، لكن قال: (هذا خير) فهو ﷺ ضرب مثلاً بين إنسانين، هذا يساوي ملء الأرض من مثل هذا، عدد لا يكاد يحصى، فهذا تفاوت بين إنسان وآخر، وهو يدل على أن حلول الأعمال والأحوال القلبية في قلوب العباد تتفاوت. قال رحمه الله تعالى: [فصار واحد من الآدميين خيراً من ملء الأرض من بني جنسه؛ وهذا تباين عظيم لا يحصل مثله في سائر الحيوان. وإلى هذا المعنى أشار من قال: ما سبقكم أبو بكر بفضل صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه، وهو اليقين والإيمان. ومنه قوله ﷺ : (وزنت بالأمة فرجحت، ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح، ثم وزن عمر بالأمة فرجح، ثم رفع الميزان). وقال ﷺ فيما رواه عنه الصديق ﵁: (أيها الناس! سلوا الله اليقين والعافية، فلم يعط أحد بعد اليقين خيراً من العافية) رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة، وابن ماجه. وقال رقبة بن مصقلة للشعبي: رزقك الله اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يعتمد في الدين إلا عليه. وفي كتاب الزهد للإمام أحمد ﵀ أنه قال: قال موسى ﵇: يا رب أين أجدك؟ قال: يا موسى عند المنكسرة قلوبهم من أجلي؛ أقترب إليها كل يوم شبراً؛ ولولا ذلك لاحترقت قلوبهم. وقد يتوسع في العبارة عن هذا المعنى حتى يقال: ما في قلبي إلا الله، ما عندي إلا الله]. هذه العبارات مثال لما ذكره شيخ الإسلام من أن الصالحين وبعض العباد قد يطلقون العبارات الموهمة، وهم يريدون معنى صحيحاً، ولا أظنه يقر بمثل هذه المعاني، لكنه يرى أنها ما دامت أطلقت من أناس قصدوا بها مقاصد حسنة، فإنها تفسر بالتفسير الذي قصدوه، لا أنها أخرى، فكلمة: (ما في قلبي إلا الله) أثرت عن بعض العباد والنساك، لكن ما يقصد الحلول، يقصد أنه لم يعد له هم إلا ما يرضي الله ، ولم يعد له تفكير إلا فيما يرضي الله ، فقلبه امتلأ بالصدق واليقين والرجاء والخوف، وامتلأ بالإقبال على الله ، فهذا التعبير الموهم لا يقصد به الحلول البدعي إنما يقصد كمال اليقين والتوكل. وكذلك كلمة (ما عندي إلا الله) يعني: لا أشعر بحاجة إلى العباد من حولي من قوة اليقين، فهذه معان صحيحة، لكن التعبير موهم، وأظنها والله أعلم عندما أطلقت في القرن الأول من بعض العباد لم تكن تشكل عند الناس؛ لأنهم يعلمون أن مقاصد أولئك الأوائل كانت حسنة، وإن لم يوافقوه على ذلك، لكن بعدما بدأت هذه العبارات تستعمل على معنى بدعي في آخر القرن الثالث في عهد الحلاج ومن جاء بعده، فإنهم بعد ذلك صاروا يتحسسون من هذه العبار

стр. 95

التوسع في العبارات المتعلقة بالقرب من الله كالكشف والتجلي وغيرهما والمقصود منها قال رحمه الله تعالى: [وقد يتوسع في العبارة عن هذا المعنى حتى يقال: ما في قلبي إلا الله، ما عندي إلا الله، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن الله : (أما علمت أن عبدي فلاناً مرض، فلو عدته لوجدتني عنده). ويقال: ساكن في القلب يعمره لست أنساه فأذكره ويقال: مثالك في عيني وذكراك في فمي ومثواك في قلبي فأين تغيب وهذا القدر يقوى قوة عظيمة حتى يعبر عنه بالتجلي والكشف ونحو ذلك باتفاق العقلاء]. هنا أيضاً الشيخ أشار إلى كلمة استعملت في الحق واستعملت في الباطل، وهي كلمة (التجلي) و (الكشف) فبعض العباد استعمل كلمة (التجلي) يقصد قوة صلة القلب بالله حتى يعبد الله كأنه يراه، فيسمون هذا تجلياً، ولا يقصدون أنه يتجلى الله بذاته لخلقه، إنما قصدهم أنه يتجلى الله للقلب حتى كأنه يراه، فسموا هذا تجلياً، وسموه كشفاً أيضاً؛ لأنه ينكشف للقلب من حقيقة الإيمان والإحسان حتى يتصور أنه يرى الله، من قوة يقينه بالله وامتلاء قلبه بالأحوال القلبية، فهذا سماه بعض الأوائل من العباد كشفاً وسموه تجلياً، لكن فيما بعد أطلقت الصوفية الغالية هذه العبارات على معان بدعية، فزعموا أن الله يتجلى لهم بذاته، وزعموا أنهم يرونه بأبصارهم، وزعموا أنه يتجلى لهم الرسول ﷺ بذاته في اليقظة، وأنهم يرونه بأبصارهم، وزعموا أن الغيب ينكشف لهم بالتجلي والكشف، وتنكشف لهم أحوال الآخرة، وتنكشف لهم أحوال العباد، وينكشف لهم من التشريع ما يحلون به ما حرم الله ويحرمون به ما أحله الله، ويزعمون أن ذلك كشف، فتوسعوا في باب الكشف، لكن الشيخ هنا أراد أن يقول بأنه قد يعبر بعض الصالحين عن قوة صلة القلب بالله واليقين والإحسان بالتجلي، بمعنى: أنه يصل قلب المؤمن إلى أن يعبد الله كأنه يراه، وهذا سموه تجلياً وسموه كشفاً، لكن بعد استعمال العبارة على نحو باطل يجب تجنبها. قال رحمه الله تعالى: [وهذا القدر يقوى قوة عظيمة، حتى يعبر عنه بالتجلي والكشف ونحو ذلك باتفاق العقلاء، ويحصل معه القرب منه، كما قال النبي ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد). وقال الله تعالى في الحديث القدسي: (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً)، لكن هل في تقرب العبد إلى الله حركة إلى الله أو إلى بعض الأماكن؟ اتفقوا على أنه قد تحصل حركة بدن العبد إلى بعض الأمكنة المشرفة، التي يظهر فيها الإيمان بالله من معرفته وذكره وعبادته؛ كالحج إلى بيته، والقصد إلى مساجده، ومنه قول إبراهيم ﵇: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]. وأما حركة روحه إلى مثل السماوات وغيرها من الأمكنة فأقر به جمهور أهل الإسلام، وأنكره الصابئة الفلاسفة المشاءون ومن وافقهم، وحركة روحه أو بدنه إلى الله أقر بها أهل الفطرة وأهل السنة والجماعة، وأنكرها كثير من أهل الكلام. وأما القرب من الله إلى عبده هل هو تابع لتقرب العبد وتقريبه الذي هو علمه أو عمله، أو هناك قرب آخر من الرب؟ هذا فيه كلام ليس هذا موضعه. ومن لم يثبت إلا الأول فهم في قرب الرب على قولين: أحدهما: أنه تجليه وظهوره له. والثاني: أنه مع ذلك دنو العبد منه واقترابه الذي هو بعمله وحركته. وللقرب معنى آخر: وهو التقارب بمعنى المناسبة، كما يقال: هذا يقارب هذا، وليس هذا موضعه]. الراجح والله أعلم من خلال النصوص أن كل هذه المعاني الشرعية واردة حتى على الكلمة الواحدة من القرب، فالله ذكر أنه قريب من عباده، وذكر أنه معهم، ذكر المعية والقرب من عباده، وذكرها للعبد الواحد: (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً)، وذكرها للمؤمنين، وذكرها لعموم العباد: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، فهذا القرب يشمل هذه المعاني كلها والله أعلم. كذلك تجليه كما في نزول الباري ، الذي ورد في أحوال وأوقات وأزمان محددة، فهو قرب على جميع المعاني اللائقة بالله ، وكذلك قرب العبد نفسه، العبد يقرب من الله بالعبادة، وهو قرب معنوي وقرب حسي أيضاً؛ قرب حسي على نحو لا نعلم كيفيته؛ لأن الله أمر عباده بأن يستجيبوا لندائه حتى في الأمور الحسية، مثل الاستجابة لندائه في الحج، كما أمر إبراهيم وأمر النبي ﷺ ، فهذا قرب في عبادة الله يشمل أن الله يتجلى لعباده في هذه الأمور والشعائر والمواسم، وأن العباد يتقربون إليه، وتقرب منه ذواتهم وأعمالهم على نحو يليق بالله سبحانه. أقول: كل هذه المعاني الشرعية التي أثبتها أهل الحق هي معان متقاربة، وربما تتحقق كلها على الوجه الشرعي اللائق بالله ، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 96

الأسئلة

стр. 97

حقيقة انكشاف شيء من الغيب للعبد القريب من ربه السؤال في قرب العبد من ربه، هل ينكشف للإنسان شيء من الغيب؟ الجواب نعم، قد ينكشف له شيء من الغيب، لكن ما يكون له متى أراد، الله قد يكرم المؤمن بأن يكشف له شيئاً من الغيب، لا الغيب الذي لا يعلمه إلا الله . والغيوب أنواع: منها: غيوب تتعلق بأحوال العباد يعلمها بعض المخلوقين ولا يعلمها الآخر، فهناك غيوب تعلمها الملائكة ويعلمها الجن وتعلمها مخلوقات أخرى، أمور غيبية قد يطلع الله عليها بعض عباده من الإنس لكرامة يكرمه الله بها، لكن هذا الغيب إنما هو في أمر محدود على وجه الكرامة، كأن يكون بفراسة المؤمن، أو بكرامة خارقة، أو بالرؤيا الصادقة، فقد يطلع الله المؤمن لصلاحه وإيمانه ودعائه على شيء من الغيب بهذه الضوابط لا الغيب المطلق، مما ينتفع به الإنسان، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى تحليل حرام ولا تحريم حلال، ولا تشريع، ولا إقرار بدعة، ولا إقرار منكر. إذاً: قد يؤيد العبد المؤمن بالغيب من الله على نحو محدود، فيما فيه مصلحة للعباد، لكن لا الغيب الأكبر، فمثلاً: لا يمكن أن يرى أحد من المؤمنين ربه في الدنيا ولا من غير المؤمنين، ومن ادعى أن الله أكرمه بشيء من ذلك فقد كذب، أيضاً لا يمكن لأحد أن يطلع بعينه على أمر من أمور الآخرة إلا على سبيل الرؤى، وكذلك لا يمكن لأحد أن يطلع على الغيب البعيد الذي لم يتعلق بمصالح العباد؛ لأن الغيب كما هو معلوم على نوعين: الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، فهذا لا يطلع عليه من عباده أحد بعد النبيين، والنبيون أطلعوا على شيء منه وليس على كله، كما أطلع النبي ﷺ على بعض أحوال أهل الجنة، وعلى أحوال أهل النار، وغيب يغيب عن بعض المخلوقات ولا يغيب عن آخرين، فالملائكة عندها من القدرات في إدراك ملكوت السماوات والأرض أكثر مما عند البشر، وعند الجن أكثر مما عند الإنس، فهذا النوع من الغيب قد يطلع الله بعض عباده المؤمنين عليه، إذا كان لهم في ذلك مصالح من باب الإكرام.

стр. 98

معنى قول الشيخ: (وأما حركة روحه إلى السماوات والأرض وغيرها من الأماكن فأقر به جمهور أهل الإسلام) السؤال ما معنى قول الشيخ: (وأما حركة روحه إلى السماوات والأرض وغيرها من الأماكن فأقر به جمهور أهل الإسلام)؟ الجواب حركة الروح: هي صعود الروح ونزولها، خاصة فيما يتعلق بأحوال الميت، فقد ثبت أن الإنسان إذا مات تصعد روحه، فإن كان من أهل الخير ومن أهل الصلاح فتحت لها أبواب السماء، وإن لم تكن كذلك ردت إلى أسفل سافلين، هذا معنى من المعاني الذي يقر به جمهور أهل الإسلام، فما ورد في حركة الروح وصعودها ونزولها نؤمن به، وهذا هو المعنى الذي قصده الشيخ هنا فيما يظهر لي، والله أعلم.

стр. 99

معنى قوله ﷺ : (ما انتهى إليه بصره من خلقه) السؤال قول النبي ﷺ : (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، ما معنى: (ما انتهى إليه بصره من خلقه)؟ الجواب هذا المعنى لا تحيط به عقولنا، نسلم به كما جاء، ونعلم أن المقصود به أن من صفات الكمال لله البصر، وأن خلق الله محدود، وبصره غير محدود، فمعنى ذلك: لو أن الله كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه جميع خلقه، هذا الظاهر من سياق النص؛ لأن هذا معنى قوله: (ما انتهى إليه بصره من خلقه)، ولا يعني هذا: أن لبصر الله نهاية، لكن لخلق الله نهاية تنتهي إليه، وهذه الصفة لله لا تنتهي به؛ فإن صفة الله لا تنتهي أبداً، وهذا ظاهر من السياق، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 100

شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [١١] يتفاوت المؤمنون فيما بينهم في القرب من الله ، وهذا القرب ناتج عن مقدار موافقة الواحد منهم لله ، وأكثر الناس موافقة لله هم الأنبياء، وفوق ذلك المرسلون، وفوق ذلك أولو العزم، ونبينا محمد ﷺ له الوسيلة العظمى وذلك فوق كل مقام.

стр. 101

فصل في اتحاد الأحكام والأسباب في العين واتحاد الأسماء والصفات في النوع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل. وأما ما يشبه الاتحاد فإن الذاتين المتميزتين لا تتحد عين إحداهما بعين الأخرى، ولا عين صفتها بعين صفتها، إلا إذا استحالتا بعد الاتحاد إلى ذات ثالثة، كاتحاد الماء واللبن، فإنهما بعد الاتحاد شيء ثالث وليس ماء محضاً ولا لبنا محضاً]. نحتاج أن نضع قاعدة أو مدخلاً لهذا الفصل؛ من أجل أن تنتظم المسائل في الذهن؛ لأن الشيخ استطرد استطرادات تفصيلية، فالتفريق بين معنى الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وبين ما يشابهها من ألفاظ شرعية، قد يفهم منها من خلال النصوص والأحاديث أو من خلال كلام السلف بألفاظ مجملة، قد يفهم منها المعنى البدعي أو الكفري عند البعض، فأراد الشيخ أن يفصل بين المصطلحات الشرعية التي تشتبه على أصحاب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ومن شايعهم، وبين المعنى البدعي، فهناك ألفاظ شرعية مجملة جاءت في النصوص الشرعية، مثل حديث: (مرضت فلم تعدني)، فهذه تسمى ألفاظاً مجملة، وهي في ظاهرها قد تشعر عند من لم يكن عنده عقيدة سليمة وبنى عقيدته على الضلال تشعر بمعنى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، فقد يستدل بها المبطلون ويوجهونها على توجيه باطل، لكن الشيخ سيبين أن توجيه هذه النصوص ينبغي أن يكون على الأدوات التي يفهم بها مقاصد الشرع، وهي منهج الاستدلال ومنهج التلقي الذي عليه سلف الأمة، والذي يمثل نهج النبي ﷺ ونهج الصحابة ﵃ في بيان الدين وتطبيقه، ونهج السلف الصالح كذلك في تفسير الدين والعمل به، هذا المنهج لا يمكن أن يستغنى عنه، خاصة في تفسير الألفاظ المشتبهة والمجملة، لا يمكن أن نلغي استصحاب منهج الاستدلال الذي يقوم على تفسير النصوص بالنصوص، بحيث ترد مثل هذه النصوص إلى نصوص أخرى تفسرها، وسيقوم الشيخ بعد ذلك بهذا من خلال رد معنى الحديث إلى حديث آخر، فالحديث الذي اشتمل على ألفاظ توهم وحدة الوجود والاتحاد والحلول فسرها الشيخ على المنهج السليم بنصوص أخرى. إذاً: النصوص تفسر بمنهج الاستدلال السليم الذي يقتضي العمل بقواعد الشرع، ومقتضيات الدين وقواعد الدين التي لابد أن يرجع إليها عند فهم الدين، وخاصة النصوص المشتبهة المجملة التي سيذكر الشيخ بعد قليل نماذج منها. قال رحمه الله تعالى: [وأما اتحادهما وبقاؤهما بعد الاتحاد على ما كانا عليه فمحال، ومن هنا يعلم أن الله لا يمكن أن يتحد بخلقه، فإن استحالته محال؛ وإنما تتحد الأسباب والأحكام في العين، وتتحد الأسماء والصفات في النوع]. يعني: أن الله عند أهل الحلول والاتحاد يستحيل في خلقه على أي وجه، سواء قالوا: روح أو عقل، أو كما قال أصحاب وحدة الوجود: تتحد المادة اتحاداً مادياً وروحياً، يعني: يتحول إلى أن يكون عنصراً متحداً بالمخلوقات، تعالى الله عما يتصورون ويزعمون. قال رحمه الله تعالى: [وإنما تتحد الأسباب والأحكام في العين، وتتحد الأسماء والصفات في النوع مثل المتحابين المتخالين اللذين صار أحدهما يحب عين ما يحبه الآخر، ويبغض ما يبغضه، ويتنعم بما يتنعم به، ويتألم بما يتألم به]. يشير الشيخ إلى بعض معاني الاتحاد أو الوحدة، يعني: أن هذه الألفاظ المجملة أحياناً تعني الشيء الجزئي، كما تقول: فلان لا يرى إلا من خلال صديقه، كأن العبارة تشعر بأنه حل فيه، يعني: أنه سلم له وخضع لقوله، فلذلك الشيخ عندما قال: (وإنما تتحد الأسباب والأحكام في العين) فرق بين الأسباب والأحكام، فاتحاد الأسباب: هو التأثر والتأثير المادي، مثل اتحاد الماء مع النبات، فإن الماء سبب للنبات، فهذا مادي يعود إلى خصائص المخلوقات، والنوع الثاني في الأحكام والعين: التأثير المعنوي، فهذا الأمر قد يكون كلياً وقد يكون نسبياً، والنسبي منه أمر اعتباري، قد يكون فيما يتعلق بصلة صفات الله بخلقه، فإن صفات الله لها أثر في خلقه، فالرحمة والإرادة والقدرة والخلق صفات لها تأثير، فهل هذا التأثير يعني: الاتحاد؟ لا، إنما يعني: وجود نوع من العلاقة بين الخالق والمخلوق، وهذه العلاقة لا تعني الاتحاد، فهذا في باب الأسباب والأحكام، فكيف في الأسماء والصفات؟! قال رحمه الله تعالى: [وهذا فيه مراتب ودرجات لا تنضبط؛ فأسماؤهما وصفاتهما صارتا من نوع واحد. وعين الأحكام والأسباب المتعلقة بهما، التي هي -مثلاً- المحبوب والمكروه هو واحد بالعين، كالرسول الذي يحبه كل المؤمنين، فهم متحدون في محبته، بمعنى أن محبوبهم واحد، ومحبة هذا من نوع محبته هذا، لا أنها عينها. فهذا في اتحاد الناس بعضهم ببعض، وهي الأخوة والخلة الإيمانية، التي قال فيها النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) أخرجاه في الصحيحين، فجعل المؤمن مع المؤمن بمنزلة العضو مع العضو

стр. 102

درجات الناس في الموافقة لله قال رحمه الله تعالى: [وهم في ذلك على درجات: فإن كان نبياً كان له من الموافقة لله ما ليس لغيره، والمرسلون فوق ذلك، وأولو العزم أعظم، ونبينا محمد ﷺ له الوسيلة العظمى في كل مقام. فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ، سواء كان واجباً أو مستحباً]. وصل الشيخ إلى النتيجة التي يريد، وهي قرب المؤمنين من ربهم مع تفاوتهم، فأقربهم الأنبياء، وهذا نوع من الاتحاد، وليس اتحاداً كلياً، لا، بل قرب القلوب من الله ، فقرب القلوب من الله كما ذكر النبي ﷺ في وصف الإحسان: (هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وهذا لا شك أنه قرب القلب المؤمن من الله بقدر أعماله وأحواله القلبية والعملية، فإذا قويت أحواله القلبية وقويت أعمال الجوارح بخصال الإيمان قرب من ربه، وإذا شعر بنوع من الاتحاد الذاتي والاتحاد العقلي والروحي فإنما هو اتحاد القرب من الله ، فهذا نوع تقتضيه معاني اللغة وهو الاتحاد السائغ، أما المعنى البدعي والكفري الذي يقتضي الاتحاد الذاتي، ويقتضي الاندماج والمخالطة بين الخالق والمخلوق بأي نوع من أنواع المخالطة، فلا شك أن هذا إساءة إلى الله ، وسوء أدب مع الله وسوء تصور مبني على توهمات وعقائد باطلة، توارثها هؤلاء الاتحادية والوحدوية وغيرهم، توارثوها من الفلاسفة التالفة عقائدهم ومن الأمم الضائعة في عقائدها، ومن الاتجاهات الشركية والبدعية عند الأمم الأخرى، فإنها هي التي تعتقد هذه الاعتقادات الباطلة في معنى الحلول والاتحاد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي مثل هذا جاءت نصوص الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]]. يعني: أهل الاتحاد ووحدة الوجود كـ ابن عربي وغيره ساقوا هذا النص على أنه دليل على مذهبهم؛ لأنهم ما فطنوا المعنى الشرعي، ولأنهم زاغت قلوبهم ومالت إلى المعنى البدعي، مع أنه لا شك عند المخاطب أن بيعة المؤمنين للنبي ﷺ لا تعني المصافحة المباشرة بينهم وبين الله ، إنما تعني المعاني الأخرى، أي: أنهم سلموا قلوبهم وأمرهم لدين الله، وخضعوا لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فكان هذا الخضوع -والذي شعاره البيعة- بمثابة المبايعة المباشرة لله ، لكن لا بعينها، فإن الله أعظم وأجل من أن يختلط بخلقه على النحو الذي يتصوره هؤلاء المبطلون. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢]. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٥٧]. وقال تعالى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٢٤]. وقال تعالى: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١]. ومن هذا الباب قول المسيح ﵇ -إن ثبت هذا اللفظ عنه-: (أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي) ونحو ذلك]. هذه اللفظة مشكلة في الحقيقة، يعني: التعبير عن الله بالأب هذا يؤيد النصارى في اعتقادهم بالأبوة والبنوة بين عيسى وبين الله ، تعالى الله عما يزعمون، والله أنكر ذلك، ولا شك أن هذا مما تنكره البدائه والعقول والفطر السليمة، فضلاً عن أن الله حكم بأنه شرك، فهذا المعنى عندما تأملته وجدت أنه راجع إلى الترجمات الطويلة التي تعرض لها الإنجيل والتوراة، وتعرضت لها النصوص المأثورة عن بني إسرائيل، والترجمات يعتريها النقص والانحراف المقصود، فإنه لما دخل قسطنطين ملك اليونان والرومان دين النصرانية فرض عليهم الشرك، فتحولت معاني النصوص الشرعية عندهم والآثار الشرعية إلى الألفاظ الشركية، قصداً وعمداً. أيضاً هناك سبب آخر قد لا يكون مقصوداً عند بعض المترجمين، وهو أن المترجمين من لغة إلى لغة، لما أرادوا أن يحولوا كلمة الرب من لغة إلى لغة، فهموا منها جانباً من جوانب الربوبية، وهو أن من معاني الربوبية لله أنه المربي، ففهم بعضهم كلمة (مربي) أباً؛ لأن أصل المربي هو الأب، فتحولت في أذهانهم مع الجهل ومع تراكمات الخرافات إلى جزء من المعاني اللغوية، وأخذوا الجانب الباطل من هذه التفسيرات. إذاً: فالذي يوافق ما كان عليه المتأخرون من نصارى من اعتقاد البنوة والأبوة بين الله وبين عيسى ﵇، أنهم ترجموا الرب إلى الأب؛ لوجود معنى من المعاني المشتركة، وهو أن من معاني الرب أنه المربي، وأيضاً من صفات الأب أنه مربي، فأخذوا هذه اللفظة اللغوية الجزئية فجعلوها هي الأصل، فترجموا الرب بمعنى الأب. وهناك أسباب أخرى أيضاً يطول فيها الكلام، لكن هذه في نظري أبرز الأسب

стр. 103

ما جاء في أولياء الله من نوع هذا الاتحاد قال رحمه الله تعالى: [فصل. وجاء في أولياء الله الذين هم المتقون نوع من هذا، فروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه)].

стр. 104

شرح حديث: (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة) قال رحمه الله تعالى: [فأول ما في الحديث قوله: (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)، فجعل معاداة عبده الولي معاداة له، فعين عدوه عين عدو عبده، وعين معاداة وليه عين معاداته، ليسا هما شيئين متميزين، ولكن ليس الله هو عين عبده، ولا جهة عداوة عبده عين جهة عداوة نفسه، وإنما اتفقا في النوع]. يعني: اتفقا في حال من الأحوال وليس في جميع الأحوال هذا أمر، الأمر الآخر: اتفقا في النوع لا في الذات؛ فليس هناك تحابب ذاتي أو عقلي أو روحي كما يقولون، إنما هو نوع من اتفاق الحال، وهذا يرد في أسماء الله وصفاته كما وصف الله نفسه بأنه الرحيم، ووصف بعض عباده بأنه رحيم، ووصف نفسه بالعلم، ووصف بعض عباده بالعلم ووصف نفسه بالحكمة ووصف بعض عباده بالحكمة، فهذا اتفاق في النوع لا في الذات. وهذا النوع أيضاً لا بد من إثبات التفاوت فيه، فهو في حق الله على الكمال والجلال والعظمة التي لا تحدها حدود، وفي حق المخلوق على ما يليق بالمخلوق من النقص والضعف والمحدودية ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: [ثم قال: (فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله)، وفي رواية في غير الصحيح: (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي)، فقوله: (بي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي)، بين معنى قوله: (كنت سمعه وبصره ويده ورجله)، لا أنه يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب والقدم، وإنما يبقى هو المقصود بهذه الأعضاء والقوى وهو بمنزلتها في ذلك، فإن العبد بحسب أعضائه وقواه يكون إدراكه وحركته، فإذا كان إدراكه وحركته بالحق، ليس بمعنى خلق الإدراك والحركة، فإن هذا قدر مشترك فيمن يحبه وفيمن لا يحبه، وإنما للمحبوب الحق من الحق من هذه الإعانة بقدر ما له من المعية والربوبية والإلهية، فإن كل واحدة من هذه الأمور عامة وخاصة]. قوله: (وإنما للمحبوب) لها عدة احتمالات: الاحتمال الأول: أن يكون المحبوب له الحق الذي أوجبه الله على نفسه، أي: الحق من الحق. والثاني: أن المحبوب حقه من الحق الذي فرضه الله للعباد، يعني: الحق الجزئي من الحق الكلي، فهذه كلها معان محتملة، وأظن العبارة أقرب إلى هذا السياق، بمعنى أن كلمة الحق ليست مكررة وأنها على ما هي. والآن اقرنوا في أذهانكم تفسير المعاني الأولى في حديث (من عادى لي ولياً فقد بارزته بالحرب)، بما فسر به الحديث نفسه هنا، من أن المقصود هو المقصود الشرعي، يعني: الحديث نفسه الذي سيأتي في صحيح مسلم عن أبي هريرة فسر بعضه بعضاً، فسر المعاني المجملة التي يتكئ عليها أصحاب الحلول والاتحاد بالمعاني التي تميز الخالق عن المخلوق، كما سيأتي في النص نفسه، وأشير إليه أثناء أو بعد سياق الحديث.

стр. 105

شرح حديث: (يقول الله تعالى: عبدي! مرضت فلم تعدني) قال رحمه الله تعالى: [وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله تعالى: عبدي! مرضت فلم تعدني، فيقول: رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض؟ فلو عدته لوجدتني عنده، عبدي! جعت فلم تطعمني، فيقول: رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع؟ فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي)، ففي هذا الحديث ذكر المعنيين الحقين، ونفى المعنيين الباطلين وفسرهما]. أحب أن أشير إلى المعاني المجملة التي أراد الشيخ أن يفسر النص بالنص وهذا ما ذكرته لكم في أول القاعدة: أنه إذا وردت هذه الألفاظ المجملة فإنا نفسرها بالألفاظ الأخرى الواردة في الأحاديث الأخرى، وأحياناً يأتي التفسير في الحديث نفسه، فهذا الحديث هو تفسير نصي قاطع على أن المقصود بهذه المعاني المجملة هو المعنى الذي يميز الخالق عن المخلوق، ولذلك لما توهم الإشكال في قول الله في الحديث القدسي: (عبدي! مرضت فلم تعدني، فيقول: رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟) فوجد التوهم عند المخاطب، فلما وجد فسر في الحديث نفسه، فيقول: (أما علمت أن عبدي فلاناً مرض) لكن يبقى الإشكال عند أهل الحلول والاتحاد على أنه اعتبر نفسه هو عبده، وهذا أيضاً يفسره الحديث فقال: (فلو عدته لوجدتني عنده)، العندية عقلاً وشرعاً ولغة تعني: التمايز، فلا أحد يقول عن نفسه: أنا عند نفسي لا عنده غير. إذاً: العندية تعني التمايز ولا شك؛ فلذلك قال: (فلو عدته لوجدتني عنده)، وهل معنى هذا أن الله بذاته يوجد عند المخلوق؟ لا، هذا منفي عقلاً وشرعاً، ومنفي بمقتضى النصوص وبداهة العقول، فيبقى ما معنى كون الله عنده؟ فسره بعد ذلك بأن عبده فلاناً مرض وفلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك، عندي، أي: لو أطعمته لوجدت أجر ذلك عندي، هذا معنى كون العندية لعبده تعني العندية الخاصة والقرب الخاص، والرعاية الخاصة من الله لعباده الخلص، فلا شك أن المقصود أجر ذلك وثوابه وجزاء العمل؛ لأن العمل وجد. فإذاً: الحديث فسر بعضه بعضاً على ثلاث درجات: أولاً: جعل العبد غير الرب سبحانه. ومقتضى الحديث الثاني: أنه فسر المعنى على التمييز بين الله وبين عبده. ثالثاً: أنه فسر المعنى بالعندية (لوجدتني عنده) ثم فسر العندية بالجزاء فقال: (فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي) فانتفى المعنى البدعي الضال والمعنى الشركي الذي عليه أهل الأهواء والبدع من المتصوفة والاتحادية والحلولية وأصحاب وحدة الوجود وغيرهم، ممن مال إلى الباطل، واشتغل بهذه المتشابهات؛ ليصرف الناس عن الحق، وهذه المعاني المتشابهة هي التي جعلها الله فتنة للذين في قلوبهم زيغ، كما قال : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، هذا المتشابه الغيبي، والمتشابه غير الغيبي الذي هو في مقدور البشر، قال الله فيه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]؛ لأن القراءة الصحيحة في القرآن بمثابة النص، يعني: كل قراءة كأنها آية، فمثلاً: الآية التي فيها ثلاث قراءات هي عبارة عن تفهم معنى ثلاث آيات، لكنها آية واحدة، وهذا من إعجاز القرآن، يعني: كل قراءة تحمل معنى غير الآخر، ولفظ القرآن واحد، لكن يكون على الوقف والوصل ونحو ذلك. فالوقف يعني معنى، والوصل يعني معنى آخر، ولا تضاد بين المعنيين، وكلاهما نص مستقل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقوله: (جعت ومرضت) لفظ اتحاد يثبت الحق. وقوله: (لوجدتني عنده، ووجدت ذلك عندي) نفي للاتحاد العيني بنفي الباطل، وإثبات لتمييز الرب عن العبد. وقوله: (لوجدتني عنده) لفظ ظرف، وبكل يثبت المعنى الحق من الحلول الحق، الذي هو بالإيمان لا بالذات]. هذه النصوص لا بد من الجمع بينها؛ لتعطي المعنى الفطري اليقيني الذي ينبني عليه التوحيد والإيمان، ولذلك لا يمكن أن تصفو عقيدة المسلم، ولا يكون عنده القدر اليقيني الصافي الذي تطمئن إليه النفس، ويرتاح إليه القلب، إلا إذا جمع بين نصوص الشرع على نحو ما كان يفعل أئمة السنة ﵏، وبذلك يجد العقيدة الصافية، ولو إنه اشتغل بغير هذا المنهج وضرب آيات الله بعضها ببعض لوجد عنده التشويش، ووجد عنده عدم اليقين. وبعض الناس يقع في هذا الخطأ فيضطرب قلبه، وقد لا يفصح عن ذلك، ويكون سبب اضطراب القلب هو اتباع المتشابه، يعني: تأتيه هذه النصوص فيأخذها على ظاهرها، وقد لا يجيد القدرة على الجمع بين النصوص، أو لا يحفظ النصوص التي بعضها يرد إلى بعض، فلا يرجع إلى أهل الذكر الذين قال الله فيهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الن

стр. 106

الأسئلة

стр. 107

المعنى المشترك بين المعية والعندية السؤال ما هو المعنى المشترك بين المعية والعندية؟ الجواب يعني: المعية تعني العندية في كثير من الأحوال. مداخلة: هل يمكن أن يقال: إن العندية يقصد بها المعية؟ الشيخ: بلى، العندية هي نوع من أنواع المعية، فيجوز أن تفسر بها في بعض النصوص حسب السياق، فالعندية والقرب والمعية بينها ترادف من وجوه كثيرة.

стр. 108

تنزه عيسى ﵇ مما نسب إليه من ادعاء النبوة السؤال أراك سلمت بمقولة المسيح: (أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي) وقد وردت في الكتاب، وإن جاء هذا اللفظ عنه فيحتمل كذب نسبتها إليه؟ الجواب نعم، صحيح، وأنا في الحقيقة ما كان في بالي الاحتراز، لكن أظنه واضح من سياق شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم هذا الكلام ما ورد بالإسناد، وأيضاً هو يدخل في أحاديث بني إسرائيل، فأقول: على أي الاعتبارات هذه الكلمة لابد أن نقف عندها، حتى لو كانت في أحاديث مكذوبة، فهم يجعلونها من أدلتهم على البنوة، تعالى الله عما يزعمون.

стр. 109

التعريف بالتأصيل العلمي الشرعي وغيره وطرق تحصيله السؤال ما المقصود بالتأصيل العلمي؟ وما كيفية تحصيله؟ الجواب التأصيل العلمي: هو استخراج القواعد والأصول والمناهج والأحكام الشرعية على ضوء المنهج الشرعي الصحيح السليم، وذلك باستخلاص هذه الأمور في التلقي والاستدلال وسلامة المقاصد، وأيضاً استخلاص الفوائد، وأن ترجع الأمور إلى الأصالة الشرعية، سواء كانت في باب العقائد أو في باب الأحكام والمفردات والأصول والمناهج، فالتأصيل هو إرجاعها إلى أصل شرعي قوي يعتمد على الشرع تطمئن إليه النفس، هذا بالنسبة للتأصيل الشرعي. أما التأصيل غير الشرعي فيرجع إلى أصحاب الاختصاص، والتثبت من المعلومة بالطرق العلمية المعتبرة.

стр. 110

حكم إطلاق صفة الولي على من يوثق بدينه وصلاحه السؤال هل يصح إطلاق لفظ (ولي) في وقتنا الحاضر على من يوثق بدينه وصلاحه؟ الجواب ليس هناك مانع؛ فقد وردت ألفاظ الولي والأولياء في القرآن والسنة، فإذا توافرت في الإنسان صفات الصلاح والاستقامة فيمكن أن يقال: هذا إن شاء الله ولي من أولياء الله، على اعتبار الرجاء من الله لا على اعتبار الجزم.
следующие страницы →