← Акыда

Акыда · id 37727

شرح التدمرية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (326 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأسئلة

стр. 107

بيان الفرق بين الفلاسفة والمتكلمين في العقائد وأصول الفقه السؤال ما الفرق بين الفلاسفة والمتكلمين في العقائد وفي أصول الفقه؟ وهل يشبهون المعتزلة أم لا؟ الجواب الفلاسفة هم الذين يتخرصون في أمور الغيب، وهم الذين لا ينهجون نهج الأنبياء، بل غالبهم من خصوم الأنبياء، فهم من الخراصين الذين جعلوا أوهامهم فيما يتعلق بعالم الغيب حقائق، وزعموا أنها عقليات، كما قد يتوسع بعض الناس في مفهوم الفلاسفة فيدخل فيهم طوائف ممن يتكلمون في بعض العلوم، كالفلك والطب؛ لأن الفلاسفة إضافة إلى كلامهم في الغيبيات يعنون بهذه العلوم، لذا فقد اختلطت المفاهيم عند الناس، وأعني بذلك: الفلاسفة الخلص لا من عنده نزعة فلسفية؛ لأن النزعة الفلسفية قد توجد في كثير من أصحاب العلوم الأخرى، وعلى هذا فإن الفلاسفة لا يلتزمون الشرع، وهذا هو الأصل فيهم، فلا عقيدة ولا شريعة إلا النادر، والنادر لا حكم له. أما أهل الكلام فيقصد بهم طوائف من المسلمين الذين تأثروا بالنزعات الفلسفية، وأرادوا أن يوفقوا بزعمهم بين الشرع والعقل، أو بين الشرع والفلسفة، فوقعوا في منهج تلفيقي جعلهم يخرجون عن مقتضى السنة، وهم ليسوا فلاسفة خلص، وليسوا على نهج السنة، وإنما هم قوم خلطوا بين مناهج الفلاسفة من وجه وبين الشرع من وجه آخر، والخلط لا يستقيم. فلذلك ما استقام لهم الأمر، وصارت مناهجهم مخالفة لمناهج السلف في العقائد. وأما في أصول الفقه فلا أثر واضح للفلاسفة إلا من حيث أن أصول الفقه دخلت فيه كثير من المسائل الكلامية التي تأثر أصحابها بالأصول الفلسفية، بينما المتكلمون هم الذين لهم أثر في أصول الفقه. وأما هل يشبهون المعتزلة؟ فالمعتزلة طائفة متكلمة، بل هم أهل الكلام الخلص، بينما متكلمة الأشاعرة والماتريدية والكلابية ونحوهم إنما هم عالة على المعتزلة؛ لأنهم -والله أعلم- يعتمدون على العلوم الرياضية والمنطقية، وعلم الفلك قديماً فيه نوع من القرب من الجانب المنطقي، هذا أمر. الأمر الآخر: أن علم الفلك علم علوي، وهم يزعمون أن لهم قدرة على اكتشاف الأمور العلوية، لذلك تعلقوا بالفلك، أما تعلقهم بالطب فلا أدري ما سببه؟ لكن ربما هذا راجع إلى أن الفلاسفة الأوائل لهم عناية بالطب، فاستمر الفلاسفة الذين بعدهم على هذا النهج، والله أعلم، إنما العلوم الطبيعية التطبيقية لهم عناية بها في الجملة أو في العموم، حتى غير الطب كالكيمياء والفيزياء إلى آخره.

стр. 108

علاقة القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه بوحدة الوجود السؤال هل قول المتفلسفة والمتكلمين بأن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه هو مرادف لما يسمى بوحدة الوجود؟ الجواب بينهما تداخل وتشابه وتلازم، فإن كثيراً من أصحاب وحدة الوجود قد يقولون بهذا القول؛ لأن أصحاب وحدة الوجود أيضاً ليسوا على تصور واحد في قولهم في الله ، فبعضهم يزعم أن هذا الوجود هو الله، وأنه متحد فيه أو حال فيه، وعلى هذا فإنه قد يعبر بهذا التعبير لهذا المقصد، ومنهم من يرى أن وجود الله إنما هو وجود ذهني، فأيضاً ممكن أن ينطلق منهم هذا الوصف: أنه لا داخل العالم ولا خارجه، والمهم أن هذا ليس من لوازم قول وحدة الوجود، وإنما قد يلزم من بعض الوجوه.

стр. 109

بيان الفرق بين المفوضة وبين من يقول: يجب التسليم بصفات الله مع شرط فهمها السؤال بالنسبة لصفات الله يجب التسليم بها بشرط فهمها، لكن بعض السلف يذم من يسمى بالمفوضة، فما الفرق بين هؤلاء؟ الجواب التسليم بما جاء في حق الله من الأسماء والصفات والأفعال أمر ضروري لكل مسلم، والفهم المشترط قد يقصد به: الإيمان بأن أسماء الله وصفاته وأفعاله حقائق، لا فهم التفصيلات والكيفيات؛ لأن ذلك مستحيل، ولا ينبغي للمسلم أن يطمح إليه، بل حتى الخوض فيه بدعة. وأما المفوضة فإنهم لا يثبتون إثباتاً حقيقياً، وليس عندهم يقين في الإثبات، فهم متذبذبون، بل إن غالبهم لا يثبت أصلاً؛ لذا سموا مفوضة؛ لأنهم يقولون: نفوض المعنى، أو نفوض الحقيقة، وهذا غير صحيح؛ لأننا إذا فوضناها فقد أثبتناها، فنحن نثبت المعنى ونثبت الحقيقة، لكن على ما يليق بجلال الله ، ونفوض الكيفيات والمعاني الغائبة عن أذهاننا، ولا نتكلم فيها تفصيلاً، لكن نقر بأنها حق على ما يليق بجلال الله . إذاً: التفويض لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى عدم اليقين.

стр. 110

شرح العقيدة التدمرية [١٠] عند التصدي لكلام أهل الأهواء في الأسماء والصفات لابد من مراعاة التفصيل، وذلك حتى يتميز الحق من الباطل، فإن كثيراً مما يوردونه من الألفاظ نفياً وإثباتاً قد يراد به معنى صحيح وقد يراد به معنى باطل.

стр. 111

القاعدة الثالثة: القول بأن ظاهر نصوص الصفات مراد أو ليس بمراد يحتاج إلى تفصيل

стр. 112

صنفا الناس في المراد بظاهر النصوص من عدمه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الثالثة: إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد]. قبل أن نبدأ التفصيل لابد أن نفهم ما معنى ظاهر النصوص؟ وما معنى كونه مراداً أو غير مراد؟ مع أن الشيخ قد فسر بما فيه الكفاية، لكن أريد أن أشير إلى الفلسفة التي عند أصحاب هذا القول قبل أن نشرع في الرد عليه، فالذين قالوا: ظاهر النصوص مراد، أو غير مراد هم صنفان: الأول: المشبهة، وهم أوائل الرافضة، ثم مع الجدال معهم والمراء، وكثرة جدالهم للجهمية والمعتزلة تحولوا إلى مؤولة ومعطلة، لكن المهم أنهم زعموا أن ظاهر النصوص مراد ويقصدون غير ما يقصده السلف، فيقصدون بظاهر نصوص الصفات مراد: أنهم يفهمون التجسيم والتشبيه لله تعالى، فالظاهر ما يتبادر إلى الذهن مما هو معلوم في عالم الشهادة، فإذا جاء ذكر اليد أو الوجه أو العين أو الاستواء أو نحو ذلك تبادر إلى أذهانهم المعنى المعهود، والشكل المعهود مما يحسونه بحواسهم، فلذلك شبهوا الله في خلقه. الثاني: هم الذين قالوا: بأن الظاهر غير مراد، وهؤلاء مروا بمرحلتين: مرحلة تصور التشبيه، فاستبشعوها فقالوا: إذاً ظاهر النصوص غير مراد، ويقصدون بظاهر النصوص: ما قصده المشبهة من نفي التشبيه، لكنهم أدخلوا في ظاهر النصوص الحقائق اللائقة بالله ، فزعموا أنها تدخل في مفهوم ظاهر النصوص، وهذا خطأ. إذاً: ممكن أن ينشأ القول الحق بين القولين، وهو أنه يجوز أن يقال: إن ظاهر نصوص الشرع في أسماء الله وصفاته وأفعاله مراد إذا قصدنا بظاهر النصوص الحقائق اللائقة بالله، لا للتشبيه، وعلى هذا حين تصبح كلمة: (ظاهر النصوص) من الكلمات المجملة التي لابد فيها من التفصيل، يقال لمن قالها: إن قصدت بظاهر النصوص: الحقائق، فهذا لا شك أنه ظاهر من النصوص، وحق يليق بالله ، والله ليس كمثله شيء، والتشبيه منفي، وإن قصدت بظاهر النصوص: المشابهة، وتمثيل الله بخلقه، فهذا باطل قطعاً، وليس هو مراد في كلام الله ؛ لأن الله نفى وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وقال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، فهذا النفي يدل على أن الظاهر الذي هو التشبيه غير مراد، ولا شك أن الظاهر الذي هو الحقيقة أنه مراد؛ لأن الله خاطبنا بالقرآن، والقرآن قد جاء ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، أي: موضح غير ملبس. فإذاً: لابد أن تكون ظواهر النصوص مرادة على ما يليق بجلال الله ، والمراد بذلك الحقائق.

стр. 113

لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك قال رحمه الله تعالى: [فإنه يقال: لفظ (الظاهر) فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد. ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلاً، والله أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال. والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين]. قوله: (ظاهرها ذلك) يعني: الذين يجعلون ظاهرها التشبيه والتمثيل يغلطون من وجهين. قال ﵀: [تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجاً إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك. وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل. فالأول: كما قالوا في قوله: (عبدي جعت فلم تطعمني) الحديث، وفى الأثر الآخر: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه)، وقوله: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)]. فحديث: (الحجر الأسود) الراجح أنه لا يصح، لكنه مرفوع عن ابن عباس، وعلى هذا فإنه يؤتى به من باب عضد الأدلة، لا من باب الاستدلال المستقل، حيث إن الأدلة قبله وبعده كافية؛ لأنها وردت في الصحاح.

стр. 114

الكلام على حديث: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) وأمثاله قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن). فقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق. فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق. أما الواحد فقوله: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه) صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله ولا هو نفس يمينه؛ لأنه قال: (يمين الله في الأرض)، وقال: (فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه)، ومعلوم أن المشبه غير المشبه به]. لا يقصد بيمين الله ما يقصد بها على المعنى الآخر الذي جاء في سياق أمر غيبي بحت؛ لأن الأمر تعلق بشيء عن الحجر الذي نراه ونشاهده من عالم الشهادة، ولأن الحجر في الأرض، والله علي على عرشه، وهو بذاته ليس في الأرض، وعليه فينتفي كونه يقصد بذلك صفة اليد؛ لأن الخبر قد جاء عن أمر معهود نراه ونشاهده، وصفات الله لا نراها ولا نشاهدها، ولا نعلم كيفيتها، وهكذا بقية النصوص، كحديث الهرولة جاء مربوطاً بأفعال الخلق وأوصاف الخلق. إذاً: لا يعني هذا أن المقصود به صفة الله التي هي متعلقة بذاته، وإنما المقصود به تقريب الأمر للأذهان، ولوازمه القريبة منه التي تفهم من النص. ولذلك أي نص يتعلق بأفعال الله يرتبط بأفعال الناس لابد أن يقيد بهذا الارتباط، كما لا ينبغي أن نفرد صفة المكر لله دون إيراد سياقها، أنه يمكر بالماكرين، ويمكر بالكافرين والمنافقين، وكذلك الاستهزاء لابد أن يرتبط في أذهاننا، أي: ليس الاستهزاء صفة منفصلة عن لازمها في مثل هذا السياق، وإنما نقول: إن الله يستهزئ بالكفار وبالمنافقين، ويستهزئ بالمستهزئين، فلابد أن يرتبط هذا بأذهاننا؛ لأنه جاء الأمر على قبيل المجازاة والمشاكلة، أو على قبيل الارتباط، أي: ارتباط الوصف بمخلوق، مثل: الحجر. فإذا كان الأمر كذلك لم يعد يحتاج إلى أن يكون كالصفات الغيبية البحتة، ولا أن يتأول تأولاً بعيداً؛ لأن أي نص جاء فيه خبر عن الله مرتبط بعالم الشهادة إلا وتأويله في سياقه، ولذلك لا يسمى تأويلاً، وإنما يسمى تفسيراً، وعليه فنحن فسرنا النص بسياقه الموجود في ضمنه. قال ﵀: [ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به، ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحاً لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفراً؛ لأنه محتاج إلى التأويل، مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس]. ليت الشيخ بين أنه موقوف على ابن عباس قبل أن يفصل فيه.

стр. 115

الكلام على حديث: (عبدي جعت فلم تطعمني) وأمثاله قال ﵀: [وأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسراً: يقول الله: (عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول: رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لو جدت ذلك عندي، عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض، فلو عدته لوجدتني عنده)]. مثل هذا الحديث يعتبر أنموذجاً للأحاديث التي أشكلت على كثير من أهل الكلام، من المشبهة وغيرهم، فالمشبهة جعلوها ذريعة للتشبيه، وأهل الكلام جعلوها ذريعة للتأويل، مع أنهم لو استقاموا على نهج السلف لكان هذا الحديث حجة على استقامة نهج السلف وبيانه ووضوحه، وأن السلف يفرقون بين النص في صفة غيبية بحتة وبين النص الذي جاء خبراً عن الله في أمر يتعلق بأحوال المخلوقين، ولذلك عندما نتأمل الحديث: يقول الله: (عبدي جعت فلم تطعمني)، يمكن أن يستشكل، لكن نقول: أكمل الحديث وستجد الجواب فيه، ففي نفس الحديث نرى أن العبد قد سأل مستنكراً ذلك؛ لأنه ما كان يخلد في ذهنه أن الله يحتاج، ففسر له أن المقصود به حاجة العبد، وهذا من البلاغة والبيان والإيجاز، ومن جوامع الكلم؛ لأن النبي ﷺ حينما عبر عن ربه في مثل هذا الحديث، فالحديث مفسر لا يحتاج إلى التأويل، وتفسيره ليس تأويلاً؛ لأنه خبر عن أمر يتعلق بالمخلوق فيما وعد الله به عباده في ذلك، فلا يعتبر تأويلاً. قال ﵀: [وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبده وجاع عبده، فجعل جوعه جوعه، ومرضه مرضه، مفسراً ذلك بأنك (لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده) فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل].

стр. 116

الكلام على حديث: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن) وأمثاله [وأما قوله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن)، فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل: هذا بين يدي ما يقتضي مباشرته ليديه، وإذا قيل: (السحاب المسخر بين السماء والأرض) لم يقتض أن يكون مماساً للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة. ومما يشبه هذا القول أن يجعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله، كما قيل في قوله: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) فقيل: هو مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١]]. في الآية الأولى ثبتت صفة اليد لله ؛ لأن الله أضافها إلى نفسه، بينما في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]، فأضاف العمل للأيدي، ففرق بين إلحاق الوصف بالذات وبين إلحاق الوصف بالصفة أو العمل بالصفة، ومع ذلك تبقى الآية مجملة، لكن دلالتها ليست كدلالة: (يدي) و (بيدي) و (بيده) كما ورد في ألفاظ النصوص الأخرى التي تثبت إلحاق الصفة بذات الله كما يليق بجلاله، ثم أيضاً الخصوصية والعموم بينها فرق، وليس لها خصوصية، وإنما خلقت كبقية الخلق، بخلاف آدم، فقد خلق بعناية من الله، خاصة وأنه خلقه بيده. إذاً: معنى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]، غير معنى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، فدلالة ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] على الصفة أقوى وأصرح من دلالة: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]؛ لأنه هناك أضاف الصفة لذاته، وهنا أضاف الفعل للصفة، وأيضاً العموم غير الخصوصية، فالأنعام داخلة في عموم الخلق، وهي خلقت كما خلقت المخلوقات العامة، بخلاف آدم فإن الله خلقه بيده. وبعض السلف جعل جمع اليد دليل على أنه تعظيم لله ، لكن ليست دلالتها صريحة كدلالة: خلقت بيدي، ومع ذلك تبقى الآية مجملة، وسياقها يدل على أن المقصود أعم من مجرد الصفة. قال ﵀: [فهذا ليس مثل هذا؛ لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي فصار شبيهاً بقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي﴾ [الروم:٤١]، وهنا أضاف الفعل إليه فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ [ص:٧٥]، ثم قال: ﴿بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]. وأيضاً فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي (اليدين) ذكر لفظ التثنية كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وهناك أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]]. ليس المقصود به إثبات جمع العين، وإنما يدل على أن المقصود لازم الصفة وليس الصفة. قال ﵀: [وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران:٢٦] للمفرد.

стр. 117

بيان الفرق بين التعبير عن الذات والتعبير عن الصفة فالله يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد، مظهراً أو مضمراً، وتارة بصيغة الجمع كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط؛ لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه]. هناك فرق بين التعبير عن الذات وبين التعبير عن الصفة؛ لأن الصفات لله تتعدد، بينما الذات لا تتعدد، فإذا جاء التعبير عن ذات الله ، أو عن نفس الله، أو عما يتعلق بذلك، فإنه يأتي على أحد وجهين: إما بالإفراد، أو بالجمع على سبيل التعظيم لله ، أما التثنية فلا ترد فيما يتعلق بذات الله ولواحقها، أو ما يعبر عنها به، مثل: النفس ونحو ذلك. قال ﵀: [وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور، وهو مقدس عن ذلك. فلو قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] لما كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]، وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران:٢٦] ولو قال: (خلقت بيدي) بصيغة الإفراد لكان مفارقاً له، فكيف إذا قال: (خلقت بيدي) بصيغة التثنية. هذا، مع دلالات الأحاديث المستفيضة بل المتواترة، وإجماع السلف على مثل ما دل عليه القرآن كما هو مبسوط في موضعه، مثل قوله: (المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)، وأمثال ذلك]. مثل هذه النصوص لا ينبغي أن تقاس على مفاهيم الخلق، ولا على مدارك الخلق مهما كانت، حتى المقاييس الضرورية عند الخلق لا يجوز أن تحكم بها صفات الله والأخبار عن الله سبحانه؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فلذلك لا ينبغي أن تدخل العقول في مثل هذه المجالات؛ لأنه قد يأتي متحذلق ويقول: وصف اليدين كليهما بأنها يمين، فهذا يستحيل، نقول: يستحيل لأنك قست، وإلا فالله لا يقاس بخلقه، فهذا نص صريح يجب التسليم به، وأنه على الحقيقة كما يليق بجلال الله ، ولذا فلا يجوز أن نأخذ معاني صفات الله وأسمائه وأفعاله والإخبار عنه على مقاييس الخلق إطلاقاً؛ لأن هذا يتنافى ويتعارض مع كونه : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. وأما المقصود بقوله: (وكلتا يديه يمين) وإن كان الأولى عدم الكلام في هذا: فأنا أظن أن الحديث عن أكثر مما ورد في النص يعتبر نوعاً من التجاوز والعدوان والكلام على الله بغير دليل، وإن كان بعض الراسخين في العلم -الذين هم أعلم منا، وأفقه في أسماء الله وصفاته- حاولوا أن يتكلموا في مثل هذه الأمور على وجه إزالة الإشكال من أذهان الناس، لكن هذا لا يجرئنا، بل ينبغي ألا نتعدى الإيمان بالنص، وأنه حق على ما يليق بجلال الله ، وخاصة في الأمور التي يظهر أن فهمها يعضل، وخاصة عندما لا يكون لدينا أي دليل نصل به إلى معنى الدلالة، وعند ذلك لا نفصل فيها، وإنما نؤمن بأنها حق، وأن المقصود بذلك الكمال لله ، ثم أليس اليمين كمالاً؟ إذاً: الله موصوف بالكمال، ومع ذلك جاء في بعض النصوص إطلاق الشمال بمعنى الأخرى لا بمعنى الشمال الناقصة، وعليه فهذه أمور تورد كما جاءت من دون أن نتكلم فيها بشيء؛ لأن الكلام فيها حكم وقول على الله بغير علم، ثم كيف وهو بذاته يأتي بما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فيجب على المسلم أن يتهيب، وألا يجرئ نفسه عن الحديث في مثل هذه الأمور.

стр. 118

الأسئلة

стр. 119

أفضل مرجع في الملل والنحل والعقائد السؤال ما هو أفضل مرجع في المذاهب والملل والنحل والعقائد ينبغي أن يجعلها طالب العلم في مكتبته؟ الجواب مع الأسف إن مما قصر فيه أهل الاختصاص أنه لا توجد إلى الآن موسوعة وافية في هذا الباب، لكن قد وجدت كتب جيدة وشاملة، ولا بأس بها، ومن ضمنها كتاب للدكتور: غالب العواجي في الفرق، فقد ألفه على منهج الجامعة الإسلامية، مع أن منهج الجامعة في الحقيقة كسائر الجامعات الإسلامية، يعني: أنه منتقى، وقد ذكر فيه أهم الديانات وأهم الفرق على ضوابط شرعية مأمونة إن شاء الله. كما أنه من أشمل الكتب وأوجزها أيضاً في وقت واحد، ولا أذكر عنوانه بالتحديد، لكنه مشهور، أيضاً: موسوعة الندوة، وإن كان فيها عيوب كبيرة، لكنها نوعاً ما تعتبر من حيث العنصرة والعرض وتسهيل المعلومة لا بأس بها.

стр. 120

معنى: أن الله تعالى قريب منا بذاته السؤال قلت في الأسبوع الماضي عند كلامك على المعية: إن الله معنا بذاته، فهل هذه العبارة صحيحة؟ الجواب هل فهمت مني هذه الكلمة، أنا كنت حريصاً أن أتفادى هذه العبارة؛ لأنها تشكل، فإن كانت صدرت مني فهي زلة لسان، لكني في الشرح بينت أن الله قريب منا بذاته، ففرق بين معنا بذاته، وقريب بذاته، فالقرب غير المعية لهذا الجانب؛ لأن القرب نسبي، والله ليس بعيداً من خلقه ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، بل هو أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد، وأما المعية فلها معنى آخر يشكل على الناس، ومن هذه المعاني: أنه قد يفهم منها المخالطة والممازجة والحلول، ولذلك فإن السلف قد كرهوا أن يقال: معنا بذاته، فأنا أرجو إن كنت قد قلتها ألا تفهم على هذا الوجه، لكني قد قلت معنى قريباً من هذا كما أشرت.

стр. 121

توضيح عبارة الشيخ ابن عثيمين في المعية الذاتية السؤال معلوم أن الشيخ: محمد بن عثيمين ﵀ عندما قال مثل هذا قبل سنوات حصل كلام كثير حول مقالته، فأرجو التوضيح؟ الجواب نعم، الشيخ قال في المعية الذاتية ثم تراجع؛ لأنه وجد أن الأمر ملبس، وأن الناس يفهمون خطأ المعية الذاتية، وأنها تحمل على معاني الوحدة والاتحاد والحلول.

стр. 122

شرح العقيدة التدمرية [١١] الرد على أهل الكلام في النصوص المتنازع في معناها يكون بردها إلى النصوص المتفق على معناها، وأن الظاهر هو المراد في الجميع، فلا فرق بين هذه النصوص وهذه؛ لأنها كلها جاءت من عند الله تعالى، فكونه سبحانه يصف نفسه بأنه حي عليم قدير لا يعني أنه مثل المخلوق الذي هو حي قدير عليم، وكذلك في سائر الصفات.

стр. 123

القول في بعض الصفات بأن الظاهر مراد أو ليس بمراد يلزم ذلك في سائرها؛ لأن جنسها واحد قال شيخ الإسلام ﵀: [وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع، فإن الله لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد، كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا]. المقصود بأن ظاهر النصوص مراد عند السلف، ويقصد بها الحقيقة، فإذا قلنا: النصوص جاءت لإثبات علم الله، نقول: علم حقيقي يليق بجلاله، وكذلك: السمع، فهو سمع حقيقي يليق بجلاله، ومثله: البصر، فهو بصر حقيقي يليق بجلاله. إذاً: قول السلف: يراد بالنصوص ظاهرها، أي: أن الله قد خاطبنا وأخبرنا بحق على الحقيقة، ليس فيه لبس ولا تغيير ولا مجازات ولا تأويلات، وأن الحقيقة غير الكيفية، والظاهر يطلق على أمرين: الأول: يطلق على الحقيقة، وهي لاشك أنها تثبت لله. الثاني: يطلق على الكيفية الظاهرة المعلومة من شواهد الخلق، وهذا جزماً أنه لا يثبت لله ؛ لأن الله ليس كمثله شيء. قال ﵀: [وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير. فكذلك إذا قالوا في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]: إنه على ظاهره لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حباً كحبه، ولا رضاً كرضاه. فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين]. قوله: (فإن كان المستمع)، أي: لكلام الله ، وكلام رسوله ﷺ ، في صفات الله ونحوها من الأمور الغيبية. يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين. قال بعد ذلك ﵀: [لزمه ألا يكون شيء من ظاهر ذلك مراداً، وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به، لم يكن له نفي هذا الظاهر]. وهو الحق. قال رحمه الله تعالى: [ونفي أن يكون مراداً إلا بدليل يدل على النفي، وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحداً. وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا كالوجه واليد، ومنها ما هو معان وأعراض، وهي قائمة بنا كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة. ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير، لم يقل المسلمون: إن ظاهر هذا غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف تناسبه]. هو ﵀ يذكر العلة ولا يقصد بذلك الخبر، يقول ﵀: ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير، لم يقل المسلمون -أي: السلف الصالح من الصحابة والتابعين، الذين لم يأت عندهم التأويل-: إن ظاهر هذا غير مراد، وفسروا لنا القرآن، وارجعوا إلى تفسير ابن جرير ﵀، ذلك الكنز الذي لم يعرف الناس قدره، لذا لم تكن هذه التفسيرات التأويلية عند الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بل ما قالوا: إن ظاهر صفات الله غير مرادة، بدعوى أن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، كما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، بدعوى أن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف تناسبه، فهو يذكر الدعوى لا ليقرر مذهبهم على سبيل الإقرار. قال ﵀: [فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته كذاته ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال ﷺ : (ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر)، فشبه الرؤية بالرؤية، ولم يشبه المرئي بالمرئي].

стр. 124

القاعدة الرابعة: المحاذير التي يقع فيها من يتوهم أن مدلول نصوص الصفات هو التمثيل قال رحمه الله تعالى: [وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة، وهو أن كثيراً من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير]. قبل أن يبدأ بالمحاذير أحب أن أذكركم بشيء يدركه كل عاقل يسمع كلام الله من كتابه، أو كلام رسوله ﷺ فيما جاء في وصف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله والأخبار عنه: أن المسلم عندما يسمع ويتأمل الخطاب يتوهم في خاطره صوراً أو أشكالاً معينة، وهذا التصور والتوهم ما هو إلا خيالات في الأذهان، فما نتصوره ونتوهمه في صفات الله في أسمائه وأفعاله، وأمور الغيب عموماً، كنعيم الجنة وما فيها، وأحوال القيامة، وأشراط الساعة، ما هو إلا وهم وخيال لا حقيقة له، والشيخ ﵀ يريد أن يبين أن مشكلة الذين وقعوا في التأويل أنهم لما سمعوا بأسماء الله وصفاته وأفعاله توهموا له صوراً، وبالتالي نفروا من هذه الصور، وعند ذلك اضطروا للتأويل والتعطيل، فأدى هذا إلى الخلل عندهم في الاعتقاد، وزعموا أن الإثبات تشبيه، وفي حقيقة الأمر أن الذي في أذهاننا من صور وأشكال للمعاني التي نسمعها إنما هي أوهام يجب ألا تتعلق بها اعتقاداتنا، بل وأحياناً تكون أمثالاً تضرب لتقريب المعاني الحقيقة لا للحقيقة، فالحقيقة الغيبية أبعد من أن نتخيلها على ما يقرب من حقيقتها؛ لأن الله قال عن صفاته وعن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. قال رحمه الله تعالى: [فيقع في أربعة أنواع من المحاذير: أحدها: كونه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل. الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله]. هو أراد شيئاً واضحاً، ولو أدرجنا عبارة لصارت الجملة منتظمة المعنى، وهو قوله: الثاني من المحاذير التي وقع فيها المؤولة، حينما جعل الذي أول وعطل ما توهمه في خياله هو مفهومها، فنفر من هذا المفهوم؛ لأنه وقف عنده؛ ولأنه تصور أنه هو المطلوب من النص، وتصور أنه هو الخطاب، وهذا غلط. إذاً: هذا المتوهم جعل وهمه هو مفهوم النصوص، ثم أراد أن ينزه الله عن الخيال الذي توهمه مع أن الله منزه سلفاً عن خياله، لكنه ظن أن دلالات النصوص هي هذه الأوهام فسماها: تشبيهاً، فأول النصوص وأنكر دلالاتها بدعوى أنه تشبيه، وما ذلك إلا وهم في عقله القاصر. قال رحمه الله تعالى: [فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله ﷺ -حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل- قد عطل ما أودع الله ورسوله ﷺ في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه. الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون معطلاً لما يستحقه الرب. الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات. فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثله في المنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحداً في أسماء الله وآياته].

стр. 125

توضيح صفتي الاستواء والعلو قال رحمه الله تعالى: [مثال ذلك: أن النصوص كلها دلت على وصف الإله بالعلو والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش، فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل الموافق للسمع، وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع]. يقصد بالسمع: الوحي، كما يشير إلى أمر يتفق عليه العقلاء الذين لم تنحرف عقولهم بالعقائد الباطلة، وهو أن وصف الله بالعلم والقدرة والإحاطة ونحو ذلك أمر معلوم بالضرورة عند العقلاء، لكن هناك من الصفات لو لم يرد بها الشرع ما استطعنا أن نثبتها ولا أن ننفيها، وهي كل الصفات الذاتية وبعض الصفات الفعلية، فالصفات الذاتية كالوجه واليد، والصفات الفعلية كالاستواء والكلام ونحو ذلك، فهذه لا نستطيع أن نثبتها إلا بما ورد به الشرع؛ لأنها أمور لا يمكن أن يحكم فيها العقل نفياً ولا إثباتاً، لكن يحكم بالحكمة لله ، يحكم بالإرادة، بالقدرة، بالخلق، بالتدبير، لكن الاستواء، والنزول، والمجيء، والوجه، واليد وغيرها من الصفات الذاتية والفعلية التي لا تتصور في أذهاننا. إذاً الوقوف فيها على ما ورد به الوحي الثابت، وهو ما يعبّر عنه أهل العلم: بالسمع، أي: المسموع عبر الرسل، وليس كل ما يُسمع يُعتبر سمعاً بالمفهوم الشرعي، وإنما هذا السمع العام لا يدخل في مفهومنا هنا، لذا فإن المقصود بالسمع هنا: الشرعي، أي: الوحي المسموع عن الرسل المعصومين.

стр. 126

إثبات صفة الاستواء لله كما يليق بجلاله قال رحمه الله تعالى: [وليس في الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينه ولا مداخله. فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف:١٢ - ١٣]، فيتخيل له أنه إذا كان مستوياً على العرش كان محتاجاً إليه، كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فلو غرقت السفينة لسقط المستوي عليها، ولو عثرت الدابة لخر المستوي عليها، فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب ، ثم يُريد -بزعمه- أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار. ولا يُعلم أن مسمى (القعود) و (الاستقرار) يقال فيه ما يقال في مسمى الاستواء! فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار، وليس هو بهذا المعنى مستوياً ولا مستقراً ولا قاعداً، وإن لم يدخل في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى (الاستواء) فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكم. وقد عُلم أن بين مسمى (الاستواء) و (الاستقرار) و (القعود) فروقاً معروفة، ولكن المقصود هنا أن يُعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره. وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظن أنه مثّل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك. وليس في هذا اللفظ ما يدل على ذلك؛ لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته، فذكر أنه خلق ثم استوى، كما ذكر أنه قدر فهدى، وأنه بنى السماء بأيد، وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى، وأمثال ذلك. فلم يذكر استواء مطلقاً يصلح للمخلوق، ولا عاماً يتناول المخلوقات، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواء أضافه إلى نفسه الكريمة]. أشار الشيخ هنا إلى شيء يغلط فيه كثير من الناس، بل حتى بعض طلاب العلم، وهو قوله : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات:٤٧]، وقول شيخ الإسلام: وأنه بنى السماء بأيد، أن المقصود بالأيد جمع اليد، وليس هذا هو المقصود باتفاق المفسّرين من السلف وأهل اللغة، وإنما المقصود بالأيد القوة، وليس هذا تأويلاً؛ لأن معنى الآية عند العرب ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] أي: بقوة، ولا دخل لها باليد واليدين والأيدي. قال رحمه الله تعالى: [فلو قدر -على وجه الفرض الممتنع- أنه هو مثل خلقه -تعالى عن ذلك- لكان استواؤه مثل استواء خلقه، أما إذا كان هو ليس مماثلاً لخلقه، بل قد عُلم أنه الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، وهو لم يذكر إلا استواء يخصه، لم يذكر استواء يتناول غيره ولا يصلح له، كما لم يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه وخلقه إلا ما يختص به، فكيف يجوز أن يتوهم أنه إذا كان مستوياً على العرش كان محتاجاً إليه، وأنه لو سقط العرش لخر من عليه! سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً. هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك وتوهمه، أو ظنه ظاهر اللفظ ومدلوله، أو جوّز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق. بل لو قُدِّر أن جاهلاً فهم مثل هذا وتوهمه، لبين له أن هذا لا يجوز، وأنه لم يدل اللفظ عليه أصلاً، كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب نفسه. فلما قال : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] فهل يتوهم متوهم أن بناءه مثل بناء الآدمي المحتاج، الذي يحتاج إلى زنبيل ومجارف وضرب لبن وجبل طين وأعوان؟].

стр. 127

الأسئلة

стр. 128

بعض الكتب في أسماء الله وصفاته السؤال هل يوجد كتاب أو رسالة مطبوعة تتحدث عن أسماء الله وصفاته؟ الجواب هناك عدة كتب، ومن أخصرها في تقعيد الأسماء والصفات: كتاب الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى، والمسمى: (القواعد المثلى)، كما يوجد كتاب متوسط في الحجم، وإن كان صاحبه قد وسعه فيما بعد، ككتاب: (المنهج الأسنى في أسماء الله الحسنى) للشيخ الحمود من الكويت، والكتاب جيد، وهناك كتب مطوّلة عن أسماء الله وصفاته، ككتاب الدكتور محمد خليفة التميمي، أيضاً يوجد كتاب جيد لا بأس به في أسماء الله وفي معانيها للدكتور عبد الله الغصن وغير ذلك من الكتب الكثيرة، لكن هذه متوافرة الآن في السوق، وأغلبها مشروح، كما أن هناك كتاباً في الأسماء والصفات للشيخ سعيد بن وهف القحطاني صاحب كتب الأدعية.

стр. 129

شرح العقيدة التدمرية [١٢] إثبات العلو والفوقية لله بذاته وأسمائه وصفاته علواً مطلقاً لا يلزم منه التشبيه، بل هو عين التوحيد، وهو المراد من النصوص، فالله علي علواً مطلقاً، وله الكمال المطلق، فله علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، وليس مفتقراً سبحانه إلى أحد أبداً، فهو القائم بذاته سبحانه.

стр. 130

إثبات صفة العلو والفوقية لله على ما يليق بجلال الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قد عُلم أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عاليه مفتقراً إلى سافله]. الشيخ هنا مستمر في تقرير أصل عظيم، وهو تقرير العلو والفوقية لله بذاته وأسمائه وصفاته، علواً مطلقاً، ولا يلزم منه التشبيه، بل العلو هو مقتضى الكمال، وحصر العلو على نوع معين، وهو العلو الاعتباري كما يفعل أهل التأويل من المعطّلة والمؤولة وأهل الكلام استنقاص لله ، فالله عليٌّ علواً مطلقاً، وله الكمال المطلق، ولا يتم كمال العلو إلا بأن نثبت لله جميع أنواع العلو كما يليق بجلاله؛ لأن العلو كله كمال، وعلى هذا فالشيخ يقرر أنه عندما نثبت العلو والفوقية على منهج السلف، بمعنى: كل أنواع العلو على ما يليق بجلال الله، فلا يعني ذلك التشبيه؛ لأنهم زعموا أن إثبات العلو الذاتي تشبيه له بمخلوقاته، وأنه حصر له في مكان! وهذه كلها أوهام توهموها. قال رحمه الله تعالى: [فالهواء فوق الأرض، وليس مفتقراً إلى أن تحمله الأرض، والسحاب أيضاً فوق الأرض، وليس مفتقراً إلى أن تحمله، والسماوات فوق الأرض، وليس مفتقراً إلى حمل الأرض لها، فالعلي الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه، كيف يجب أن يكون محتاجاً إلى خلقه أو عرشه؟! أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار، وهو ليس بمستلزم في المخلوقات؟ وقد عُلم أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره فالخالق سبحانه أحق به وأولى. وكذلك قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦]، من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السماوات فهو جاهل ضال بالاتفاق، وإن كنا إذا قلنا: إن الشمس والقمر في السماء يقتضي ذلك، فإن حرف (في) متعلق بما قبله وما بعده، فهو بحسب المضاف والمضاف إليه. ولهذا يفرق بين كون الشيء في المكان، وكون الجسم في الحيز، وكون العرض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق، فإن لكل نوع من هذه الأنواع خاصية يتميز بها عن غيره، وإن كان حرف (في) مستعملاً في ذلك كله].

стр. 131

الحجج العقلية الواضحة والفطرية الدامغة لشبه نفاة العلو قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلو قال قائل: العرش في السماء أم في الأرض؟ لقيل: في السماء، ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل: الجنة في السماء، ولا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السماوات، بل ولا الجنة]. لأن الجنة عرضها كعرض السماء والأرض، والشيخ هنا يريد أن يرد على أصحاب شبهة نفي العلو بحجج عقلية واضحة بيّنة فطرية، فيقول: عندما نعبّر عن أي شيء أنه في كذا، فإن كل شيء له معنى، فالأشياء وهي مخلوقات لا يقاس بعضها ببعض إذا عبّرنا عنها بـ (في) ولله المثل الأعلى، فمن باب أولى أن نعتقد أن الله حينما يُعبَّر أنه في السماء أن نجزم أنه ليس معناها: أن السماء تحويه، أو أنه في أي مكان من السماء، ولذلك قال: (لاختلاف تفسيرات المعاني في التعبير بـ (في)). ولهذا يفرّق بين كون الشيء الذي ندركه بمداركنا وبحواسنا في مكان، لكن الله لا يُدرك بالحواس، وأيضاً كون الجسم في الحيّز، يعني: كون أي مادة كتلة موجودة في المجال الذي تشغله، فإذا قلنا: الشيء الفلاني أو الجسم الفلاني في كذا، فكل جسم يختلف عن الجسم الآخر، فالشمس جسم، والقمر جسم، والإنسان جسم، فإذا قلنا: الإنسان في الغرفة، عرفنا معنى كونه في الغرفة، وإذا قلنا: الشمس في السماء، عرفنا أن المقصود أنها فوق، وأن السماء تحويها أيضاً، وكون العرض في الجسم، والعرض هو الصفة، والصفة كالجسم، كالسواد والبياض والطول والقصر، وكون الصفة في الجسم لا يعني أن هذا الوصف إذا انطبق انطبق على مثل صفة الجسم لو وصفنا بها غير الجسم، وكون الوجه في الإنسان غير كون الوجه في المرآة، فالوجه في الإنسان حقيقة، وفي المرآة صورة، وكله يقال: (في)، فتقول: انظر إلى وجه فلان في المرآة، فهل معنى هذا أن الوجه حل في المرآة؟ لا، وإنما هي صورة، والشيخ أتى بهذه الأمثلة ليبين أنه حتى عند تعبيرنا عن المخلوقات أنها في كذا يختلف من مخلوق إلى مخلوق، من حيث الحقيقة وعدم الحقيقة. إذاً: إذا كان سبب نفيهم للعلو أنه لا يليق أن يكون الله في السماء، فيقول: نظراً لأنهم توهموا أن كونه في السماء تشبيهاً، وهذا خطأ منهم، فإذا قلنا: حتى في المخلوقات، فبعض الأشياء نقول: إنها في كذا، مثل: الوجه في المرآة، ومع ذلك فإن المرآة لا تحوي الوجه، وهذا مخلوق وهذا مخلوق -ولله المثل الأعلى-، فكيف نتحكم في معنى غيبي بحت في حق الله الذي لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، الذي لا نحيط به علماً؟ ويقولون: إن معنى كونه في السماء لا بد أن يكون وجوداً اعتبارياً؛ لأنا لو قلنا: إنه بمعنى العلو الذاتي، لقلنا: إنه بذاته داخل السماء، وهذه كلها تحكمات وأوهام، يجب أن نستبعدها من أذهاننا، وأن نثبت لله العلو والفوقية على ما يليق بجلاله، ولا يعني إثبات العلو والفوقية أنه يحويه مكان سبحانه، وأنه يحصره مكان، وأنه داخل خلقه، فالله أعظم وأجل، فهو على عرشه، والكرسي محيط بالمخلوقات كلها، والعرش فوق الكرسي، والله فوق ذلك كله على ما يليق بجلاله، فكيف إذاً يتحكّمون بمثل هذه التحكمات، ويقولون: لا بد أن نثبت العلو الاعتباري المعنوي، ولا نثبت العلو الذاتي؛ لأنا لو أثبتناه لزم منه أن يكون في السماء، فتحويه وتحصره فيها! وهذا كله وهم، وقول على الله بغير علم، وتخرُّصات وخيالات وعبث، لكن مع ذلك صدّقوا خيالاتهم فقالوا: هذا تشبيه، فنفوا العلو الذاتي لله ، وليس العلو بإطلاق.

стр. 132

دلالة حديث: (وسقفها -أي: الفردوس- عرش الرحمن) على علو الله وفوقيته وغيره من النصوص قال رحمه الله تعالى: [فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنها أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن). فهذه الجنة سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك، مع أن الجنة في السماء، والسماء يراد به العلو، سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]. ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء، كان المفهوم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]: أنه في العلو وأنه فوق كل شيء. وكذلك الجارية لما قال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء)، إنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها]. لا شك أن مقتضى الفطرة والعقل السليم، ومقتضى النصوص الشرعية أن الله فوق كل شيء، فكيف يقال: إذا قلنا: بالعلو الذاتي لزم الجهة ولزم التشبيه ولزم التكييف؟ فهذا يتنافى مع إقرارنا الفطري الضروري بأن الله فوق كل شيء، وعلى هذا إذا كان فوق كل شيء فلا يجوز أن نحكمه بجهات أو مكان، ولا نحكمه بداهة ببداء العقول وبداء الفطرة، فلا شيء يحويه ولا شيء يحيّزه، ولا شيء يحصره ، ولذا فإن كل ما ردّوا به الإثبات إنما هو أوهام في عقولهم وخيالات، وإلا فلا نحتاج إلى تقرير هذا كله، ولذلك ما كان السلف يتكلمون على هذه الأمور على جهة التفصيل، حتى جاءت المعطّلة والمؤولة، وفتنوا الناس وفتنوا العامة وقالوا: لا يليق أن نقول: إن الله فوق العرش، ولا أنه مستو على عرشه، وقالوا: هذا تشبيه وتجسيم، وسموا من يثبت العلو: مشبِّهاً ومجسِّماً، فلما وصلوا إلى حد إفساد فطرة الناس، وإفساد دينهم، وأيضاً سوء الأدب مع الله ، وقلة البصيرة، اضطر السلف أن يتكلموا على هذا الجانب على جهة التفصيل، وإلا فنحن في غنى عن هذه الأمور كلها، ومن هنا أرى أن مثل هذه الدروس التفصيلية لا تكون عند كل الناس، وعند كل المسلمين العامة والناشئين، والذين لا يعنيهم التخصص في العقيدة، فالناس يُعلّمون الدين بمجملاته، ويُعلّمون أسماء الله وصفاته على جهة العموم، فيعظّمون الله ويدعونه بها، لكن مثل هذه التفاصيل لا تكون إلا لطلاب العلم في الدروس المتخصصة؛ لأن فيها حرجاً على أمور الناس، بل إن أكثرهم لا يفكّر فيها أصلاً، وأكثر الناس على الفطرة، ولذا كما ذكر شيخ الإسلام: أنهم ما اضطروا لمثل هذه التفصيلات إلا رداً على طوائف أوقعت الأمة في الحرج وفي مثل هذه الأهواء. قال رحمه الله تعالى: [وإذا قيل: (العلو) فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله، كما لو قيل: إن العرش في السماء، فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق. وإذا قدر أن (السماء) المراد بها الأفلاك، كان المراد أنه عليها]. يعني: فوقها. قال رحمه الله تعالى: [كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، وكما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة:٢]، ويقال: فلان في الجبل، وفي السطح، وإن كان على أعلى شيء فيه].

стр. 133

القاعدة الخامسة: كوننا نعلم ما أُخبرنا به في النصوص من وجه دون وجه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الخامسة: أنّا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه]. ولكي نفهم ضوابط هذه القاعدة، ونفهم أدلتها بعد ذلك، لا بد أن نعلم أن ما أخبرنا الله به من أمور الغيب في ذاته وأسمائه وصفاته، نعلم بها من وجه ويخفى علينا وجهاً آخر، فالوجه الذي نعلمه في أسماء الله وصفاته هو الحقيقة التي تليق بالله سبحانه، فنعلم أن الله سميع على وجه كامل يليق به، وأن الله بصير على وجه كامل يليق به، ونعلم أن الله عليم بذات الصدور، وأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء، ونعلم أن الله مستو على عرشه كما يليق بجلاله. وعليه فألفاظ الشرع التي وردت في هذه الأمور نعلمها من وجه كونها حقائق، فإن كانت فيما يتعلق بالله فنعلم أنها حقائق تليق بالله، وإن كانت تتعلق بأمور الغيب الأخرى فنعلم أنها حقائق، لكن لا نُدرك الوجه الآخر وهو الكيفيات، فالتصور الذي يُعطي الأمر على كيفيته الذاتية لا نفهمها؛ لأنها غيب، والله ليس كمثله شيء، ولا تدركه العقول، ولا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار سبحانه. إذاً: نعلم ما خاطبنا الله به في كتابه، وما خاطبنا به رسوله ﷺ من هذه الأمور من وجه كونها حقيقة، ولا نعلم كيفياتها، والذين خالفوا هذه القاعدة وقعوا إما في التشبيه وإما في التأويل والتعطيل، والذين قالوا: إنا نعلم ما أخبرنا الله به من كل وجه! وقعوا في التجسيم والتشبيه، والذين قالوا: لا نعلم ما أخبرنا الله به إلا بتأويل! وقعوا في التأويل والتعطيل، ولذا فالحق وسط بين الجافي وبين الغالي، فنعرف من وجه أنها حقيقة، ولا نعرف الكيفية.

стр. 134

النصوص الدالة على تدبر القرآن وتفهم معانيه وعلاقتها بالصفات ومعرفة معانيها دون كيفياتها قال رحمه الله تعالى: [فإن الله تعالى قال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، فأمر بتدبر الكتاب كله]. أمرنا في هذه الآيات بأن نتدبر الكتاب الكريم حتى نفهم؛ لأن أوامر الله ليست عبثاً، ولأن التدبر له ثمرة، وهي الوصول إلى الحقائق، والتدبر هو التأمل والتمعن في المعاني، فتقف عند الكلمات القرآنية، وتتأمل معانيها وتتمعن ما ينتج عنها من مفاهيم، وتوقن بالحقائق منها. ولذا فما دمنا أننا قد أُمرنا بتدبر القرآن فيعني هذا أننا نفهم الحقيقة، وأن نُدرك الحقائق، وإلا لكان هذا عبثاً، والله منزّه عن العبث. إذاً: الذي نفهمه بالتدبر هو الحقائق اللائقة، لكن التدبر لا يوصلنا إلى ما لا تحيط به عقولنا من الكيفيات التي لا يعلمها إلا الله ؛ لأنها غيب.

стр. 135

دلالة قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات) على التفريق بين منهج أهل السنة في الاستدلال والتلقي وبين منهج أهل الأهواء في العقيدة وغيرها قال رحمه الله تعالى: [وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]]. هذه الآية ترسم لنا قاعدة عظيمة في الدين، وهي من الآيات الفاصلة بين منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال والتلقي، وبين مناهج أهل الأهواء والبدع، فإن آيات الله محكمة كلها من حيث اشتمالها على الحق، لكن هذا الإحكام قد يخفى على صاحب البدعة والهوى، وهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هناك تقسيم من حيث الإحكام والتشابه للآيات، وهو أن هناك آيات بيّنة معانيها لعموم الناس، وهناك آيات لا يتبين معانيها إلا لبعض الناس، وهم العلماء كما سيأتي بيان ذلك، وهذه تكون من المتشابه على من لم تتبين له، هذا جانب، والجانب الآخر: أن كل هذه الآيات المحكمة قد يكون بعض معانيها متشابهاً، فمثلاً: آيات الأسماء والصفات محكمة، لكن كيفياتها من المتشابه الذي يجب على المسلم ألا يخوض فيها، ولذلك الإحكام والتشابه في القرآن على نوعين: الأول: أن القرآن كله محكم، أي: أنه حق بيّن لا لبس فيه، وكله متشابه، أي: أنه يشبه بعضه بعضاً، ويصدّق بعضه بعضاً، فهو من التشابه لا من الاشتباه. الثاني: ينقسم القرآن إلى محكم من حيث إنه بين واضح، وإلى متشابه من حيث إنه غير بيّن ولا واضح، إما لعموم الخلق وهو الكيفيات، وإما لبعض الخلق وهو الذي لا يفهمه إلا الراسخون في العلم، فيتشابه على غير الراسخين في العلم، ولذلك سيأتي بيان معنى الآية، والفرق بين الوقف على قوله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، وبين عدم الوقف، وكله صحيح، فهذه لها معنى وتلك لها معنى.

стр. 136

الخلاف في إمكان معرفة تأويل المتشابه قال رحمه الله تعالى: [وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، وهذا هو المأثور عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب]. جاءت الآية على قراءتين، القراءة المشهورة: الوقف على قوله تعالى: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ))، والوقف هنا يجري عليه تقسيم المحكم والمتشابه إلى أن المحكم المقصود به ما يعلمه الناس، والمتشابه ما لا يعلمه إلا الله، وهذا هو الكيفيات، وعلى هذه القراءة يكون معنى الآية: ما يعلم كيفيات الغيبيات إلا الله، والراسخون يسلّمون بأن هذا حق، ولا يخوضون فيه، وهؤلاء هم أهل السنة والجماعة. والقراءة الأخرى أيضاً صحيحة، ولها معنى، وهي ترجع إلى التقسيم الثاني، بمعنى: الإحكام والتشابه، وهي عدم الوقف على لفظ الجلالة في الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧]، أي: أن الذي يتشابه على غير العلماء لا يتشابه على الراسخين من العلماء، وعليه فإن الثابت عند جمهور السلف أن القراءات الصحيحة هي بمثابة النصوص المستقلة، وهذا من إعجاز القرآن وبلاغته، فكأن هذه آية وتلك آية، ولذلك تعدد القراءات في الآيات يُعتبر كأنه عدد آخر للآية، يعني: كل قراءة كأنها آية غير الأخرى، ويبدأ هذا في أول آية من البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ﴾ [البقرة:١ - ٢] في بعض القراءات، وفي بعض القراءات: ﴿فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة:٢]، وكلها كأنها ست آيات، وما كأنها ثلاث آيات، وهذا من إعجاز القرآن، فالقراءة إذا جاءت صحيحة فهي تحمل معنى صحيحاً غير المعنى التي تحمله القراءة الصحيحة الأخرى. فإذاً: الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، يعني: أن هناك من الآيات ما لا يفهم معانيها إلا الله ، وهي كيفيات أمور الغيب، ومثلها: الحروف المقطّعة وغيرها، فلا نجزم بفهمها؛ لأنها مما استأثر الله بعلمها. وقراءة الوصل تعني: أن هناك ما يشتبه على أغلب الناس، ولا يشتبه على الراسخين في العلم. قال رحمه الله تعالى: [وقد روي عن مجاهد وطائفة: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس ﵄ من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها].

стр. 137

بيان معاني لفظ التأويل ووجه انحراف أهل البدع في أسماء الله وصفاته وأفعاله قال رحمه الله تعالى: [ولا منافاة بين القولين عند التحقيق، فإن لفظ: (التأويل) قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملاً في ثلاثة معان: أحدها: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله، أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وترك تأويلها، وهل ذلك محمود أو مذموم، أو حق أو باطل؟ الثاني: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن، كما يقول ابن جرير ﵀ وأمثاله من المصنفين في التفسير: (واختلف علماء التأويل). ومجاهد إمام المفسرين، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد والبخاري رحمهم الله تعالى وغيرهم، فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه، فالمراد به معرفة تفسيره. الثالث: من معاني التأويل: هو الحقيقة التي يئول إليها الكلام، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣]. فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله به فيه، مما يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك، كما قال الله تعالى في قصة يوسف ﵇ لما سجد أبواه وإخوته قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠] فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا. فالتأويل الثاني هو تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يُفهم معناه أو تُعرف علته أو دليله. وهذا التأويل الثالث هو عين ما هو موجود في الخارج، ومنه قول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن) يعني قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣]، وقول سفيان بن عيينة: السنة هي تأويل الأمر والنهي. فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبر عنه هو تأويل الخبر، والكلام خبر وأمر، ولهذا يقول أبو عبيد وغيره: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة. كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء؛ لأن الفقهاء يعلمون تفسير ما أمر به ونهى عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ ، كما يعلم أتباع بقراط وسيبويه ونحوهما من مقاصدهما ما لا يُعلم بمجرد اللغة، ولكن تأويل الأمر والنهي لا بد من معرفته بخلاف تأويل الخبر]. يعتبر بقية الكلام تفصيلاً لما سبق، لكن يحسن أن نستعرض الخلاصة. والشيخ عندما ذكر أنواع التأويل أراد بذلك أن يبين وجه الانحراف والخطأ والضلال الذي وقع فيه أهل البدع والافتراق والأهواء من موقفهم من أسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن موقفهم من الغيبيات بشكل عام، فذكر أن من أعظم أسباب خطئهم: هو استعمالهم التأويل على غير وجهه الصحيح، وأيضاً الخلل في فهم التأويل الشرعي الصحيح، وما يسوغ تأويله مما لا يسوغ، والشيخ من أجل أن يُحكم القضية ذكر أقسام التأويل التي لا يختلف عليها أهل العلم، ثم بعد ذلك سيبيّن ما هو التأويل الذي يسوغ أن نستخدمه في تفسير الغيبيات ومنها: أسماء الله وصفاته، وما هو التأويل الذي لا يجوز لنا أن نستخدمه. فالأول: التأويل بمعنى: صرف ألفاظ الشرع عن معانيها وحقائقها المتبادرة إلى الأذهان إلى معان أخرى بقرينة أو سبب يدل على الصارف، وهذا النوع من التأويل، أعني: صرف ألفاظ ومعاني الشرع في الأمور الغيبية وتأويلها من معنى هو مفهوم عند المخاطبين بحقيقته المجملة إلى معنى آخر متوهم، يحتاج إلى دليل مادي، ونحن لا نملك الدليل المادي في الغيبيات، لكن أهل الكلام وأهل البدع والأهواء استخدموا هذا التأويل في صرف ألفاظ كلام الله وكلام رسوله ﷺ من معانيها وحقائقها إلى معان أخرى، وقالوا: أوّلنا لقرينة، ما هي القرينة؟ قالوا: إن اللفظ هذا يدل على التشبيه! فهل هذه قرينة؟! هذا أمر. والأمر الآخر: كأن الشيخ أراد أن يقول: عندما تقولون: إن التأويل هو صرف اللفظ من معنى إلى معنى آخر لصارف معين. فأنتم لا تتفقون على صارف واحد، ثم إذا صرفتم معاني أسماء الله وصفاته من معنى هو المتبادر وهو الحقيقة إلى معان أخرى فإنكم لم تتفقوا على معان بعد، وستأتي نماذج لذلك. لذا عندما خرجوا عن مقتضى الحق في أمر غيبي باسم التأويل أخطئوا؛ لأن الخروج من معنى إلى معنى آخر في أمر الغيب يحتاج إلى دليل قطعي، مثل: تأويل نصوص المعية كما سيأتي، فالنص يفسّر النص، لكن أن أخرج عن مقتضى النص بقرينة أضعها من خيالي فهذا ليس بسليم، ولذلك

стр. 138

الأسئلة

стр. 139

إثبات استواء الله على عرشه استواء يليق بجلاله دون تشبيه أو تعطيل السؤال يقول السائل: ذكرت أن الله مستو على عرشه، لكن لا بد من إثبات العلو لله، ومقتضى الفطرة أن الله فوق كل شيء، ولا يجوز أن تحكمه الجهات، أو أشياء أخرى، وهذا ينافي قولك الأول: إن العرش محيط بخلق الله، فكيف ذلك؟ الجواب بداية أقول: عند الكلام عن ذات الله وأسمائه وصفاته يجب أن يكون قصدنا تعظيم الله سبحانه، وأن نستصحب معاني أسماء الله وصفاته وأفعاله؛ ليقوى الإيمان في قلوبنا، ولتغرس محبة الله وخوفه ورجاؤه في قلوبنا، واليقين، والتقوى، والتوجه إليه سبحانه، وعلى هذا فإن الكلام على هذه الأمور لا ينبغي أن يكون مجرد كلام علمي، نزيد فيه معلومة وننقص فيه معلومة، وإنما يكون قصدنا ما ذكرناه. وأما بالنسبة لجواب السؤال، فالذي يظهر أن السائل عنده لبس، وقد يكون عند كثير من طلاب العلم وخاصة المبتدئين، وفرق بين الكلام عن الخالق وبين الكلام عن المخلوقات، فعندما نتكلم عن العرش وعن الكرسي نتكلم عن مخلوقاته، فقد جاء عن النبي ﷺ في النصوص الصحيحة بأن الكرسي محيط بالخلق كلهم، وأن العرش محيط بالكرسي، وهذا معنى قوله : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، يعني: استوعبها، فالكرسي محيط بالمخلوقات، والعرش محيط بالكرسي، لكن ما فهمه الأخ السائل هو وهم، فنحن لا نتكلم بعد ذلك عن كيفية استواء الله على عرشه، بل ولا يجوز ذلك، وحينما نقول: إن العرش محيط بالمخلوقات، فلا يجوز أن نسحب القياس إلى معنى فوقية الله ، ومعنى كونه مستوياً على العرش، ونقول كذا في حق الله، فالله أعظم وأجل من أن تدركه عقولنا وأبصارنا، والله ، ليس كمثله شيء، وحينما نقول: إن الكرسي محيط بالسماوات والأرض، والعرش محيط بالكرسي؛ لأن النصوص قد جاءت بذلك، وهذه مخلوقات، لكن نقف عند هذا، ولا نتكلم عن الله بمثل هذه القاعدة؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فإحاطته ليست كإحاطة الكرسي بالمخلوقات، ولا كإحاطة العرش بالكرسي والمخلوقات؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء. إذاً: ننفي في أذهاننا التشبيه، لكن مع ذلك فالله مستو على عرشه كما يليق بجلاله، والله عليٌّ على خلقه، وهو القاهر فوق عباده كما يليق بجلاله سبحانه، ونقف ولا نتعدى إثبات الكمال لله كما جاء بألفاظ الشرع. وهذه اللوازم التي في ذهن السائل أنا ما قلتها، وليس هناك تناقض، ولا يجوز أن نستعمل هذا القياس.

стр. 140

معنى (الأيد) في قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد) السؤال يقول الله : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] فما المقصود بالأيد؟ وهل القول: بأنه القوة من التعطيل؟ الجواب ليس من التعطيل، بل هذا هو تفسير الآية، إذ الآية تشتبه في لفظها مع آيات إثبات اليد أو اليدين لله ، والأيد هنا غير اليد، فهي ليست بجمع، بل هي مفرد بمعنى بقوة، وليس هذا تأويلاً، فالعرب تسمي القوة: أيداً لا أيدياً، وعليه فلا يجوز أن يقال: إنها صفة لله ، وإنما مرتبطة بالقوة لله ، فهي خبر عن قوة الله سبحانه.

стр. 141

حكم قراءة القرآن عند القبور عند الدفن وبعده السؤال ما حكم قراءة القرآن عند القبور؟ وهل صح عن الشافعي أنه لا يرى بأساً في قراءة القرآن عند القبور كما روى عنه السيوطي في كتابه: (شرح الصدور)؟ الجواب في رواية للإمام أحمد، ونسب إلى الشافعي، والإمام مالك: جواز قراءة القرآن أثناء الدفن وليس بعده، وهذا مبني على ما أُثر عن ابن عمر ﵄ أنه أوصى بعد موته أن يقرأ القرآن عند قبره. وأُثر عن بعض الصحابة وبعض التابعين أيضاً، لكنه عند التحقيق لا يصح، والراجح أنه بدعة، ولذلك علّقه الإمام أحمد بالرواية، والرواية لم تثبت، وعلى هذا فما دام عُلِّق بالرواية عن ابن عمر، ورواية ابن عمر لم تثبت، وبناء على قاعدة الإمام أحمد، فإن هذا ليس من قوله، مع أنها رواية عنه، وليست هي الرواية الوحيدة، وإن صح عن ابن عمر فهو مما خالف فيه بقية الصحابة، ومعروف أن الصحابي إذا خالف غيره في مثل هذه الأمور فإن ذلك من الاجتهاد الذي لا يُقر عليه، ويكون من باب الزلة للعالم أو التأوّل أو نحو ذلك. وأما قراءة القرآن دائماً حتى بعد الدفن، فلا شك أنها بدعة باتفاق جمهور السلف.

стр. 142

معنى حديث: (فإن الله لا يمل حتى تملوا) السؤال ما معنى حديث: (فإن الله لا يمل حتى تملوا)؟ وهل ينبغي السؤال عن مثل ذلك؟ الجواب في الحقيقة ما كان ينبغي السؤال عن مثل ذلك، لكن مع ذلك إذا اشتد الإشكال عند الشخص في مثل هذه الروايات فلا مانع أن يسأل، لكن أرى أن يسأل بمفرده؛ لأن هذه الأمور لم نُتعبّد بالخوض فيها، إذ هي من مشكلات الأمور، وتدخل بسببها الشبهات على الناس، وقلَّ أن يجدوا من يخلّصهم منها، لا سيما أنها من الأمور التي لم يتكلم عنها العلماء بوضوح، وفيها خلاف كثير، ومثل هذا الحديث يُمر كما جاء، ونفهم منه أن الله يرغّبنا في العمل والصبر على العمل، ولا شك أننا نفهم هذا قطعاً، (إن الله لا يمل حتى تملوا)، أي: لا تملوا من عبادة الله، وداوموا على طاعة الله، وهذا هو الذي يُفهم من النص. ثم إن مسألة الملل هل هي صفة أو غير صفة؟ أنا أرى أن المسلم في حل من ذلك، وينبغي أن يعرف أن كلام الرسول ﷺ حق على حقيقته، وأنه من باب الخبر عن مجازاة الله لعباده، وأنه من باب حثّهم على المداومة على الأعمال، وليس هذا تأويلاً، وهذا هو ظاهر السياق. إذاً: كونه صفة أو غير صفة محل خلاف بين أهل العلم، والراجح أنه لا يُعتبر صفة إلا بسياقه.

стр. 143

التقسيمات في العقيدة أمور اصطلاحية لا تضر السؤال لماذا قسم أهل السنة العلو إلى ثلاثة أقسام: علو ذات، وعلو قدر، وعلو قهر، وبعضهم قسّم العلو إلى قسمين: علو ذات، وعلو صفات؟ الجواب إن مسألة التقسيمات لمثل هذه الأمور العقدية والعلمية إنما هي أمور اصطلاحية، ولا يضر فيها أن يتعدد التقسيم، بل يمكن أن يقسم العلو إلى خمسة أقسام، وإلى عشرة أقسام، فيمكن أن يقال: علو الذات، علو الأسماء، علو الصفات، علو القهر، علو القدر، علو استواء، وكله علو، فهذه أمور تتعلق بالتفصيل والإجمال، فإن أجملت فالعلو واحد، فالله هو العلي الكامل بكل معاني العلو اللائقة به سبحانه، فهذا نوع واحد، وهو اسم الله العلي، ولا يمكن أن يتعدد، وبقي تقسيم العلو إلى أنواع ومفردات، فهذا لا يتناهى، فلا حرج أن يقسم السلف العلو إلى ثلاثة أو إلى اثنين، وإذا نظرنا إلى علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر وجدناها ترجع إلى نوعين: علو ذات، وعلو صفات؛ لأن علو القدر وعلو القهر يرجع إلى علو الصفات، فاستقام الأمر، ولا مشاحة في الاصطلاح.

стр. 144

وجه إضافة الظل إلى الله وبيان أنواعه ومعناه السؤال إضافة الظل إلى الله ، ألا يكون من باب إضافة المخلوق إلى خالقه؟ ومن من السلف أجراه على ظاهره، وأنه صفة من صفات الله ؟ الجواب إضافة الظل إلى الله على نوعين: إما إضافة الظل إلى أحد مخلوقاته ، مثل: ظل عرشه، جاء في الحديث: (سبعة يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، أو إضافة الظل إلى الله مباشرة، ويكون من الأمور التي تجرى على ظاهرها على ما يليق بجلاله. إذاً: فالظل له تفسيران: بمعنى: المخلوق، وإضافته إلى الله كإضافة كثير من المخلوقات إلى الله ، كإضافة السماوات أو الكعبة أو الأرض إلى الله ، ونسبة الخلق إلى الله: إما نسبة تشريف، وإما نسبة ملك، وإما من أنواع النسبة التي تليق بكمال الله ، وأحياناً تكون نسبة الشيء إلى الله من باب الصفة، ولذلك قال بعض السلف: إذا أُضيف الظل إلى الله مباشرة في بعض الألفاظ، فيكون صفة له على ما يليق بجلاله، وهذا جائز على القاعدة الشرعية، لكن لا نتكلم في الكيفية؛ وعلى هذا فقد يكون إضافة الظل إلى الله من باب إضافة المخلوق، وذلك حسب السياق، وقد يكون من باب إضافة الصفة، والله أعلم. هذه القاعدة من أبرز القواعد التي تضبط مسألة إثبات الصفات؛ لأنها قاعدة مبنية على مسائل أو ضوابط شرعية واضحة، ويسلّم بها أكثر المتكلمين الذين وقعوا في التأويلات.

стр. 145

شرح العقيدة التدمرية [١٣] ما جاء في الكتاب والسنة يجب العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه؛ لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة، يشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحماً وعسلاً وخمراً وماءً، فاجتمعت من حيث اللفظ بما في الدنيا واختلفت في الكيفيات، هذا في المخلوقات، فكيف بالخالق سبحانه ولله المثل الأعلى، فنحن نؤمن بمعاني ما أخبر عن نفسه ولا نعلم كيفيتها.
следующие страницы →