Полный текст (326 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
حكم قراءة القرآن عند القبور عند الدفن وبعده
السؤال
ما حكم قراءة القرآن عند القبور؟ وهل صح عن الشافعي أنه لا يرى بأساً في قراءة القرآن عند القبور كما روى عنه السيوطي في كتابه: (شرح الصدور)؟
الجواب
في رواية للإمام أحمد، ونسب إلى الشافعي، والإمام مالك: جواز قراءة القرآن أثناء الدفن وليس بعده، وهذا مبني على ما أُثر عن ابن عمر ﵄ أنه أوصى بعد موته أن يقرأ القرآن عند قبره.
وأُثر عن بعض الصحابة وبعض التابعين أيضاً، لكنه عند التحقيق لا يصح، والراجح أنه بدعة، ولذلك علّقه الإمام أحمد بالرواية، والرواية لم تثبت، وعلى هذا فما دام عُلِّق بالرواية عن ابن عمر، ورواية ابن عمر لم تثبت، وبناء على قاعدة الإمام أحمد، فإن هذا ليس من قوله، مع أنها رواية عنه، وليست هي الرواية الوحيدة، وإن صح عن ابن عمر فهو مما خالف فيه بقية الصحابة، ومعروف أن الصحابي إذا خالف غيره في مثل هذه الأمور فإن ذلك من الاجتهاد الذي لا يُقر عليه، ويكون من باب الزلة للعالم أو التأوّل أو نحو ذلك.
وأما قراءة القرآن دائماً حتى بعد الدفن، فلا شك أنها بدعة باتفاق جمهور السلف.
стр. 142
معنى حديث: (فإن الله لا يمل حتى تملوا)
السؤال
ما معنى حديث: (فإن الله لا يمل حتى تملوا)؟ وهل ينبغي السؤال عن مثل ذلك؟
الجواب
في الحقيقة ما كان ينبغي السؤال عن مثل ذلك، لكن مع ذلك إذا اشتد الإشكال عند الشخص في مثل هذه الروايات فلا مانع أن يسأل، لكن أرى أن يسأل بمفرده؛ لأن هذه الأمور لم نُتعبّد بالخوض فيها، إذ هي من مشكلات الأمور، وتدخل بسببها الشبهات على الناس، وقلَّ أن يجدوا من يخلّصهم منها، لا سيما أنها من الأمور التي لم يتكلم عنها العلماء بوضوح، وفيها خلاف كثير، ومثل هذا الحديث يُمر كما جاء، ونفهم منه أن الله يرغّبنا في العمل والصبر على العمل، ولا شك أننا نفهم هذا قطعاً، (إن الله لا يمل حتى تملوا)، أي: لا تملوا من عبادة الله، وداوموا على طاعة الله، وهذا هو الذي يُفهم من النص.
ثم إن مسألة الملل هل هي صفة أو غير صفة؟ أنا أرى أن المسلم في حل من ذلك، وينبغي أن يعرف أن كلام الرسول ﷺ حق على حقيقته، وأنه من باب الخبر عن مجازاة الله لعباده، وأنه من باب حثّهم على المداومة على الأعمال، وليس هذا تأويلاً، وهذا هو ظاهر السياق.
إذاً: كونه صفة أو غير صفة محل خلاف بين أهل العلم، والراجح أنه لا يُعتبر صفة إلا بسياقه.
стр. 143
التقسيمات في العقيدة أمور اصطلاحية لا تضر
السؤال
لماذا قسم أهل السنة العلو إلى ثلاثة أقسام: علو ذات، وعلو قدر، وعلو قهر، وبعضهم قسّم العلو إلى قسمين: علو ذات، وعلو صفات؟
الجواب
إن مسألة التقسيمات لمثل هذه الأمور العقدية والعلمية إنما هي أمور اصطلاحية، ولا يضر فيها أن يتعدد التقسيم، بل يمكن أن يقسم العلو إلى خمسة أقسام، وإلى عشرة أقسام، فيمكن أن يقال: علو الذات، علو الأسماء، علو الصفات، علو القهر، علو القدر، علو استواء، وكله علو، فهذه أمور تتعلق بالتفصيل والإجمال، فإن أجملت فالعلو واحد، فالله هو العلي الكامل بكل معاني العلو اللائقة به سبحانه، فهذا نوع واحد، وهو اسم الله العلي، ولا يمكن أن يتعدد، وبقي تقسيم العلو إلى أنواع ومفردات، فهذا لا يتناهى، فلا حرج أن يقسم السلف العلو إلى ثلاثة أو إلى اثنين، وإذا نظرنا إلى علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر وجدناها ترجع إلى نوعين: علو ذات، وعلو صفات؛ لأن علو القدر وعلو القهر يرجع إلى علو الصفات، فاستقام الأمر، ولا مشاحة في الاصطلاح.
стр. 144
وجه إضافة الظل إلى الله وبيان أنواعه ومعناه
السؤال
إضافة الظل إلى الله ، ألا يكون من باب إضافة المخلوق إلى خالقه؟ ومن من السلف أجراه على ظاهره، وأنه صفة من صفات الله ؟
الجواب
إضافة الظل إلى الله على نوعين: إما إضافة الظل إلى أحد مخلوقاته ، مثل: ظل عرشه، جاء في الحديث: (سبعة يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، أو إضافة الظل إلى الله مباشرة، ويكون من الأمور التي تجرى على ظاهرها على ما يليق بجلاله.
إذاً: فالظل له تفسيران: بمعنى: المخلوق، وإضافته إلى الله كإضافة كثير من المخلوقات إلى الله ، كإضافة السماوات أو الكعبة أو الأرض إلى الله ، ونسبة الخلق إلى الله: إما نسبة تشريف، وإما نسبة ملك، وإما من أنواع النسبة التي تليق بكمال الله ، وأحياناً تكون نسبة الشيء إلى الله من باب الصفة، ولذلك قال بعض السلف: إذا أُضيف الظل إلى الله مباشرة في بعض الألفاظ، فيكون صفة له على ما يليق بجلاله، وهذا جائز على القاعدة الشرعية، لكن لا نتكلم في الكيفية؛ وعلى هذا فقد يكون إضافة الظل إلى الله من باب إضافة المخلوق، وذلك حسب السياق، وقد يكون من باب إضافة الصفة، والله أعلم.
هذه القاعدة من أبرز القواعد التي تضبط مسألة إثبات الصفات؛ لأنها قاعدة مبنية على مسائل أو ضوابط شرعية واضحة، ويسلّم بها أكثر المتكلمين الذين وقعوا في التأويلات.
стр. 145
شرح العقيدة التدمرية [١٣]
ما جاء في الكتاب والسنة يجب العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه؛ لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة، يشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحماً وعسلاً وخمراً وماءً، فاجتمعت من حيث اللفظ بما في الدنيا واختلفت في الكيفيات، هذا في المخلوقات، فكيف بالخالق سبحانه ولله المثل الأعلى، فنحن نؤمن بمعاني ما أخبر عن نفسه ولا نعلم كيفيتها.
стр. 146
خلاصة الكلام في أنواع التأويل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فسيقرر الشيخ هنا قاعدة هي من أوضح القواعد، وأكثرها إلزاماً للمتكلمين المؤولة؛ لأنها تنظّر لهم على قواعدهم، وهو ﵀ قد نظّر لهم على قواعدهم، وهذه القاعدة هي القاعدة الخامسة، وهي: أن الله أخبرنا بأمور غيبية، وخبره صدق وحق لا شك فيه، وهي على حقائقها، لكن لا نعلم كيفيتها، فهي حقائق معلومة من حيث الإجمال، بما في ذلك أسماء الله وصفاته وأفعاله، فنعلم خطاب الله فيها، وما ثبت عن رسول الله ﷺ ، ونعلم حقيقة ذلك من وجه، ولا نعلم من وجه آخر، فالوجه الذي نعلمه في أسماء الله وصفاته وأفعاله وجميع أمور الغيب أنها حق، وأنها علم وليس بظن، وأنه لا يمكن أن تنالها العقول ولا الخواطر؛ لأنا لو كنا نعلمها من حيث الكيفية لما صارت غيباً، والله ليس كمثله شيء، فيستحيل أن يعلم أحد من العباد كيفيات صفات الله ، وعلى هذا فإن الخلط بين هذين الوجهين هو الذي أوقع أهل الكلام في الاضطرار للتأويل والتعطيل، وهذه من ناحية، والناحية الأخرى أنهم حينما وقعوا في التأويل ظنوا أن التأويل سائغ، وقالوا: إن السلف كانوا يؤولون، فالشيخ قطع عليهم حجتهم هذه؛ لأنها أدخلتهم في الباطل واللبس، فقال: نعم كان السلف يقولون بالتأويل، لكن ليس التأويل الذي تقصدونه أنتم، فالتأويل على ثلاثة أنواع: الأول: بمعنى: صرف معاني الألفاظ من المفهوم للمخاطبين إلى معاني وتفسيرات أخرى بقرائن أو بغير قرائن، وهو في هذه الصورة جائز في عالم الشهادة؛ لأننا نملك وسائل الحس فنستخدمها في تأويل المعاني التي نسمعها، لكن في أمور الغيب هذا النوع من التأويل لا يمكن أن يرد إطلاقاً، فلا يمكن أن نقول: إن أي خبر أخبر الله به في ذاته وأسمائه وصفاته، أو أخبر عنه رسوله ﷺ -مثل: أحوال القيامة- أنه يؤول، لأنا إذا أولناه فقد انتقلنا من الحقيقة المفهومة إلى لا شيء، والدليل على هذا أنهم حينما أولوا ما اتفقوا، فكل واحد انصرف بالتأويل إلى معنى غير ما انصرف له الآخر، وهذا أمر.
الأمر الآخر: أن الأمر لو كان يحتاج إلى تأويل لبيّنه الله بالتأويل، فلماذا نحتاج إلى أن نخرج من الحقيقة اليقينية إلى التأويل المحتمل، لاسيما وأن التأويل في أمور الغيب احتمال وليس يقيناً؟ فلا يمكن أن يخاطبنا الله ويخاطبنا رسوله ﷺ بمعانٍ محتملة، وهذا النوع من التأويل -كما قلنا- لا يجوز في الغيبيات؛ لأننا لا نملك القرينة إلا في عالم الشهادة، مثل قوله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، أي: اسأل الركب الذين كانوا مع إخوة يوسف؛ لأنه معلوم في حياتنا المشاهدة أن القرية لا تتحدث، وإنما الذين يتحدثون إنما هم أهلها، فعلمنا ذلك بقرينة مشهودة، لكن هل يمكن أن نستخدم هذه القرينة في أخبار القيامة مثلاً؟ لا يمكن؛ لأن حقائق الغيب كيفياتها غائبة، فلا يمكن صرف معانيها المتبادرة للأذهان، والحقائق اللائقة بها، إلى معان أخرى بمجرد أوهام، ولاسيما أنهم قد اختلفوا في القرائن واختلفوا في التأويلات.
الثاني: بمعنى: التفسير، وهذا لا خلاف فيه، فأي كلمة في اللغة تفسيرها هو تأويلها، وأي معنى من معاني ألفاظ الشرع تأويله هو تفسيره، إذا لم تتعلق بأمور الغيب.
إذاً: التأويل بمعنى: تفسير الأمور، أي: بشرح مفرداتها وببيان معانيها على مقتضى القواعد المعتبرة في التفسير، وهذا النوع ليس فيه خلاف، وليس هو المقصود في التأويل.
الثالث: بمعنى: وقوع الشيء كما أخبر الله به، كقوله عن يوم القيامة: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف:٥٣]، وقول يوسف ﵇ لأبويه عندما تحققت رؤياه بعد أربعين سنة: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف:١٠٠]، أي: تفسيرها ووقوعها، وهذا لا شأن للخلق فيه، وإنما يتعلق بتقدير الله لأمور الغيب.
إذاً: تأويل الشيء: هو وقوعه على ما أخبر الله به، أو إيقاعه على ما أمر الله به إذا كان أمراً شرعياً، وهذا النوع من التأويل لا نزاع فيه عند أهل الكلام، ولذلك لا نقف عنده كثيراً، وكذلك النوع الثاني لا ينازعون فيه، وإنما ينازعون في النوع الأول، ولذلك قال شيخ الإسلام: إن النوع الثاني والثالث نفسِّر به جميع النصوص، أما النوع الأول فلا يجوز أن نفسّر به أمور الغيب؛ لأن التأويل بمعنى صرف اللفظ من معناه إلى معنى آخر بقرينة يقينية، وليس عندنا قرائن يقينية، فنتحول به من الحقيقة إلى الظنون، والعقيدة ليس فيها ظنون، والله أعلم.
стр. 147
ما جاء في القرآن أو الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إذا عُرف ذلك فتأويل ما أخبر الله تعالى به عن نفسه المقدسة، المتصفة بما لها من حقائق الأسماء والصفات، هو حقيقة لنفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به تعالى من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد.
ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه؛ لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة، يشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحماً ولبناً وعسلاً وخمراً ونحو ذلك، وهذا يشبه ما في الدنيا لفظاً ومعنى، ولكن ليس هو مثله ولا حقيقته كحقيقته].
ولذلك لا يمكن أن يقر عاقل بأن نفسر اللحم بأنه ليس المقصود به حقيقة اللحم المعروف، نعم لحم الطير في الجنة أعظم وأرقى وألذ من لحم الطير في الدنيا، لكن هو لحم، فلا يجوز تأويله، وكذلك لا يجوز تأويل الخمر أو اللبن بمعنى آخر، فهو لبن حقيقي، وخمر حقيقي، ولحم حقيقي، وماء حقيقي، لكن من حيث الكيفية يختلف عما في الدنيا، فهو أعظم وألذ وأرقى وأفضل بدرجات لا تتناهى مما في الدنيا.
إذاً: اجتمعت هذه المعاني في الحقائق العامة واختلفت في الكيفيات، فكذلك من باب أولى أسماء الله ، فهي كمال، والله له الكمال المطلق فيها، فلا يجوز تأويلها، كما لا نؤول جميع أخبار الغيب، وأول الغيب وأعظمه ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته.
стр. 148
الإخبار عن الغائب بالمعنى المعلوم في الشاهد وإن كانت الحقيقة مختلفة
قال رحمه الله تعالى: [فأسماء الله تعالى وصفاته أولى -وإن كان بينهما وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه- ألا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته.
والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويُعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميز، وإن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يُعلم في الشاهد].
هذه أيضاً حقيقة صحيحة وبدهية وفطرية وعقلية، وهو أنه من الممكن أن يعترض معترض من هؤلاء المتكلمين فيقول: لماذا عبّر الله عن أمور الغيب بهذا التعبير، مع أنه ليس المقصود بها المعاني التي نتوهمها، وليست كيفياتها ككيفياتنا في الدنيا؟ نقول: لأنه لا سبيل إلى إفهام العباد إلا بمثل هذه الألفاظ المشتركة، كما أنه لا سبيل إلى إثبات الحق في قلوب العباد إلا من خلال الألفاظ المشتركة، لكن الكيفية تختلف، أما الحقيقة فهي واحدة، فهذا لبن حقيقي، فيما يتعلق بلبن الجنة ولبن الدنيا، لكن الكيفية تختلف، فذاك أرقى وأعظم وألذ وأجود.
وأما تساؤلهم بأنه لو كان المراد كذا لعبّر لنا بغير هذا التعبير، فنقول: غير صحيح، فالله عبّر لنا عن الحقائق بهذا التعبير الذي فيه مشابهة لألفاظ الدنيا، وما ذاك إلا لتقريب الحقائق، فهي أمثال تُضرب، ولا يمكن إيصال الحقائق الغيبية إلى العقلاء إلا بهذا الأسلوب، وهو أن يُخاطبوا بالحقائق العامة، أما الكيفيات فلا شك أنها تختلف.
قال رحمه الله تعالى: [وفي الغائب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فنحن إذاً أخبرنا الله بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار، علمنا معنى ذلك، وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب، وفسّرنا ذلك، وأما نفس الحقيقة المخبر عنها، مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة، فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله].
المقصود هنا الكيفية؛ لأن الحقيقة نوعان: الأولى: الحقيقة بالمعنى المثبت للفظ، أي: يُثبت للفظ معنى؛ لأن الله ما خاطبنا إلا بحق له معان وبألفاظ لها معان، فالمعنى هذا نثبته.
الثانية: الحقيقة بمعنى: الكيفية، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله ، ولا يمكن أن يكون في مدارك العباد؛ لأنه لو كان في مدارك العباد ما صار غيباً، ولذلك امتدح الله المؤمنين بإيمانهم بالغيب؛ لأنهم سلّموا وأقروا بالحق وبالحقيقة، وأقروا بمعاني كلام الله وكلام رسوله ﷺ في أمور الغيب، فأقروا بأن لها معاني وحقائق، وسلّموا بها تسليماً، لكن دون أن يفهموا الكيفيات، ولذلك أُجروا على هذا الإيمان؛ لأنه لو كان مما يشاهدونه ويحسّونه ما صار لهم فضل، وما صار لهم أجر، لكن فضلوا وفضّلهم الله حينما أيقنوا بهذه الغيبيات، أما الكيفيات فلا سبيل إليها.
стр. 149
جواب السلف عن كيفية استواء الله على عرشه
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا لما سُئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة].
إن مثل هذا الكلام واضح، ويُعتبر قاعدة ذهبية سار عليها السلف في منهجهم إلى يومنا هذا، إذ إن كل ما ثبت لله من الصفات على ما يليق بجلاله، كالاستواء، والنزول، والمجيء، واليد، والوجه، كله يُثبت وهو معلوم، أي: أن حقيقته ومعناه معلوم، من غير أن نعلم الكيفيات؛ لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، وأما توهم المتوهمين الذين يقولون: لا نفهم هذا إلا بكذا، فيفرضون تكييفهم وخيالاتهم ويجعلونها هي معنى النص، فهو من عبث الشيطان بهم، ولذلك أعجبتني كلمة نُقلت عن أحد طلاب العلم الذين عرضوا مذهب السلف ومذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في المستقلة، وأظنه عائض الدوسري، وأنا لم أسمع ولم أر ذلك، ولكن تواتر عندي، فحين سأله أحد المشاغبين يريد أن يصور شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه إنسان يسيء إلى الله ، وأنه يُثبت لله ما لا يثبُت، فيُثبت لله الهرولة، وأظنه قال له: هات الدليل، فجاء له بحديث الهرولة، فقال له: إن مشكلتك هي مع النبي ﷺ وليست مع ابن تيمية، وأنت خصم للنبي ﷺ ولست خصماً لـ ابن تيمية، ولذلك الذين يأخذون على السلف إثباتهم للصفات، ويزعمون أنهم خصوم لأهل الحق، لم يعرفوا أن السلف ما جاءوا بشيء من عندهم، وخصومة أهل الأهواء وأهل البدع في جانب الصفات وغيره، ليست خصومة للسلف بأعيانهم، وإنما هي خصومة للحق، فخصمهم هو ربهم ، وخصمهم هو النبي ﷺ ، فالله هو الذي ذكر عن نفسه هذه الصفات وهذه الأفعال، وكذلك النبي ﷺ ذكرها له، ونحن نُثبت ما ثبت بالقرآن والسنة، والسلف يثبتون ما ثبت، فليس هذا قولنا، ولذلك من علامات الخذلان أن أهل الأهواء دائماً إذا أردوا أن يردوا على السلف ردوا عليهم بإيراد ألفاظ الكتاب والسنة على أنها قول السلف، فتأتي بآية وتقول: هذا قول السلف وتعيبهم فيه! وتأتي بحديث ثابت عن النبي ﷺ وتقول: هذا قول أهل السنة المشبّهة والمجسّمة! فهذا من علامات الخذلان، وأيضاً من علامات ظهور الحق عند السلف، فالسلف ما قالوا بشيء من عند أنفسهم، وما أثبتوا لله ما لم يثبت لله، وأيضاً يحترزون في الإثبات بضرورة نفي التشبيه والمماثلة، ويثبتون لله جل وعلا الكمال كما يليق بجلاله، فما أثبتوا من عند أنفسهم شيئاً، وما قاله بعض السلف باجتهاد يزيد عن ألفاظ الشرع رده بقية السلف، وذلك من باب زلّة عالم أو اجتهاد خاطئ، لكن الكلام عن المنهج بالعموم.
إذاً: قول الإمام مالك: الاستواء معلوم، أي: معلوم ثبوته وحقيقته، ومعلوم بالكتاب والسنة، ومعلوم بالنص القاطع، ومعلوم معناه اللائق لله من غير الكيفية؛ لأن التطلع والكلام في ذلك لا يجوز، ثم لماذا تجعلون الكيف وسيلة للتأويل مع أن الكيف غير وارد؟! في الحقيقة جواب الإمام مالك هو إلهام ألهمه الله إيّاه، بل وصار قاعدة ذهبية لا تتخلّف، وما من عاقل يُدرك هذه القاعدة إلا ويسلّم بأنها مقتضى قواعد الحق، وكذلك نقول في بقية الصفات، فنقول مثلاً في صفة النزول: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ لأنه ثبت، وكذلك الرؤية: الرؤية معلومة، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنها بدعة، وهكذا خذ كل ما ثبت لله في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فخذه على هذه القاعدة، وليس فقط في صفة الاستواء، بل في جميع ما جادل فيه المجادلون، وعطّل فيه المعطّلون، وألحد فيه الملحدون، وأوّل فيه المؤولون، فكله يقال فيه بهذه القاعدة.
وهذه القاعدة ملزمة لا يمكن أن يفر منها منصف ولا عاقل، بل لا يفر منها إلا صاحب هوى.
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان.
فبيّن أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهول.
ومثل هذا يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو، وقد قال النبي ﷺ : (لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) وهذا في صحيح مسلم وغيره، وقال في الحديث الآخر: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) وهذا الحديث في المسند وصحيح أبي حاتم، وقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، فمعاني هذه الأسماء التي استأثر بها في علم الغيب عن
стр. 150
الأسئلة
стр. 151
حكم إطلاق بعض العبارات في حق الله
السؤال
بعض العوام ينسبون إلى الله من الصفات والأفعال ما لا يليق به سبحانه، مثل عبارة: ظلمتني الله يظلمك، أو الله يخون من خان، أو أزعجتنا الله يزعجك إلى آخر ذلك من العبارات، فهل يجوز هذا أم لا؟
الجواب
هذه العبارات قد يكون بعضها من باب الخبر لا من باب إثبات صفة، فعبارة: الله يزعجك، إذا جاءت من باب المشاكلة فلا حرج، فهي من باب المجازاة على أذى؛ ولا يعني ذلك أن الإزعاج من صفات الله، لكن الأفضل أن يسأل الله أن يكفيه شره، وهذا مثل قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥]، و ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، فالله لا يوصف بالاستهزاء والمكر مطلقاً، فلا يليق ولا يمكن لعاقل فضلاً عن مسلم أن يقول بهذا على جهة الإطلاق، وإنما تُقيد بالمعنى الذي جاءت من أجله، فتُقيد بالأسلوب والسياق الذي جاءت من أجله، وهذه العبارات التي هي من باب المشاكلة لا يصل الحد فيها إلى أن نجعلها من الابتداع أو من كبائر الذنوب، لكن ذلك غير لائق، ومن الأدب مع الله ألا يدعو بمثل هذه الأمور المشتبهة، وخاصة عبارة: الله يظلمك؛ لأنه قد ورد نفي الظلم عن الله صراحة في القرآن، بل وكل نقص.
إذاً: نأخذ الأمور بوسط، فالأولى للمسلم أن ينزّه لسانه عن مثل هذه العبارات المشكلة، لكن لو جاءت من إنسان عامي، أو إنسان ما تنبه لها، فإننا نبيّن له أن اللائق ألا يطلقها، ولا نعتب أو نشدد عليه؛ لأنه لا يقصد بذلك إثبات الصفة لله .
стр. 152
أسماء الله وصفاته ليست دلالاتها ظنية
السؤال
ذكر لنا الدكتور في مادة الشريعة أن من أنواع الأدلة: أدلة قطعية الثبوت ظنّية الدلالة، وذكر مثالاً لذلك، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣]، فما رأيكم؟
الجواب
هذا صعب؛ لأنه لا يجوز أن يكون هذا كمثال، وهو في الحقيقة أنه من الأشياء التي قد يصعب أحياناً الكلام فيها إلا بمثل مناسبة هذا السؤال، إذ إن كثيراً من قواعد أصول الفقه هي قواعد كلامية لا تستقيم مع منهج السلف، ولذلك أغلب الذين أسسوا أصول الفقه، وأسهموا فيه هم من أهل الكلام، فأدخلوا عليه المسائل الكلامية، والأمثلة التي لا تجوز شرعاً، بل وما ينافي العقيدة، ولذلك أصول الفقه فيه قواعد فقهية صحيحة معتبرة عند السلف، وفيه قواعد وأمثلة غير صحيحة وغير معتبرة، وهذا المثال كيف تكون دلالته ظنّية؟! هل معناه: أننا لا نعتقد شيئاً؟! وهل إذا كانت الأدلة الصريحة في أسماء الله وصفاته وأفعاله مثل: الاستواء ظنّية وأنه يجوز أن نبني ديننا على ظن؟! لا، فهي قطعية الدلالة والثبوت، لكن ماذا يقصد بالدلالة؟ إن قصد بالدلالة: الحقيقة، فلا شك أنها قطعية، وإن قصد بالدلالة: التأويل، فهذه ليست دلالة صحيحة لكي نسميها ظنّية، فهو من الظن الباطل أصلاً، فضلاً أن يكون من الظن المحتمل.
стр. 153
الفرق بين الكيف والكيفيات
السؤال
هل هناك فرق بين الكيف والكيفيات؟
الجواب
ليس هناك فرق كبير، فالكيف يعني الشكل، والكيفية هي فعل التكييف، وهذا يرجع إلى تصريف الكلمة، وإلا فالمعنى واحد.
стр. 154
صفات الله لها كيفية لا يعلمها إلا هو
السؤال
هل للصفات كيفية غيبية؟
الجواب
نعم، مع نفي علمنا بالكيفية، وليس أننا لا نؤمن، بل لا نعلم، بمعنى: لا نطّلع وليس عندنا وسيلة للاطلاع على الكيفية لا بالبصر ولا بالسمع ولا بالشم ولا باللمس ولا بأي وسيلة من الوسائل؛ لأن الكيفية غيبية.
стр. 155
نصيحة لمن يثير الشبهات في مواقع الإنترنت والدعوة إلى شبهات المعتزلة
السؤال
هناك بعض الكُتَّاب في مواقع الإنترنت يثيرون الشبهات، وقد ذكر أن أحدهم يدعو إلى الرجوع إلى قول المعتزلة في خلق القرآن، فما نصيحتكم لهؤلاء؟
الجواب
نرى أن هؤلاء يُناصحون؛ لأن بعضهم أغراراً مساكين ضحايا الإنترنت الذي هو حمار الدجّال، فيُناصحون، والمفاسد والمصائب والفتن قد كثرت على الشباب، فبعضهم قد صار يتعاطف مع أهل البدع ويتبنون آراءهم؛ لأنه ليس عنده ثوابت، وليس عنده مسلمات، فيقرأ شبهات القوم كالمعتزلة وغيرهم، وهي شبهات قوية إذا عُرضت على إنسان خلو من الثوابت والمسلّمات ومنهج الاستدلال والعقيدة التي تملأ قلبه وعقله، هذا فارغ يصير فارغاً، وبمجرد ما يقرأ الشبهات قد يقتنع بالقول بخلق القرآن؛ لأنه ليس عنده أصلاً حصانة، فهذا يُناصح ويتلطّف معه لعله يفيد فيه، فإن لم يكن داعية إلى بدعة فالأولى تركه إذا لم يأخذ بالنصيحة، وأما إذا كان داعية إلى بدعة فيرد عليه، ويرجع في هذا الأمر إلى أهل الاختصاص، وتؤخذ وجوه الرد مركّزة ويرد عليه.
стр. 156
شرح العقيدة التدمرية [١٤]
كل أسماء الله تدل في دلالاتها على ذات الله سبحانه، مع كون كل لفظ منها يدل على معنى ينفرد به من وجه، ويتفق به مع الآخر من وجه، ومما يوضح هذا أنه سبحانه وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه، وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، فينبغي معرفة الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه.
стр. 157
أسماء الله وصفاته متفقة في دلالتها على ذات الله متنوعة في معانيها
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [والله سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير، سميع بصير، غفور رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته، فنحن نفهم معنى ذلك، ونميّز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات].
أي: أن جميعها تدل على موصوف واحد، لكنها صفات متعددة في المعاني، وهذا أمر مقرر شرعاً وعقلاً وعرفاً، والشيخ قال هذا لأن هناك ممن تأثروا بالفلسفة والفلاسفة واتجاهات العقلانية وغيرها من اعتبروا صفات الله معاني مترادفة، ليس بينها اختلاف في الدلالات، وهذا كله هروب من إثبات الذات لله .
إذاً: كل أسماء الله تدل في دلالاتها على ذات الله سبحانه، فتدل على الحقيقة، لكن كل لفظ منها يدل على معنى ينفرد به من وجه، ويتفق به مع الآخر من وجه آخر.
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك أسماء النبي ﷺ ، مثل: محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب.
وكذلك أسماء القرآن، مثل: القرآن، والفرقان، والهدى، والنور، والتنزيل، والشفاء وغير ذلك].
إن النبي ﷺ واحد، وهو محمد، أو أحمد، أو الماحي، أو الحاشر، أو العاقب كلها صفات تدل على واحد، لكن لكل لفظ معنى ينفرد به، فمحمد هو الذي حمده الله ويحمده الناس، وكذلك أحمد، والماحي هو الذي يمحو الله به الباطل، والحاشر هو الذي يحشر الله الناس على عقبيه، وكذلك العاقب الذي هو آخر الأنبياء، وليس بعده نبي، فهي صفات متعددة المعاني، لكن دلالاتها على واحد، وكذلك بالنسبة لله ، فصفاته سبحانه متعددة المعاني، لكن دلالاتها تدل على ذات الله سبحانه.
قال رحمه الله تعالى: [ومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها، هل هي من قبيل المترادفة لاتحاد الذات، أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات؟ كما إذا قيل: السيف، والصارم، والمهند، وقصد بالصارم معنى الصرم، وفي المهند النسبة إلى الهند، والتحقيق أنها مترادفة في الذات، متباينة في الصفات].
نعود إلى المقطع السابق فنقول: إن أسماء النبي ﷺ كلها مترادفة إذا نظرنا أنه يوصف بها ذاته ﵊، وإذا نظرنا إلى إطلاقاتها من حيث إنها تدل على معان هي أوصاف للنبي ﷺ فهي متعددة، ولذلك لا تناقض بين الرأيين، وهذا مما يسهّل الفقرة التي سنقرؤها بعد قليل، كما أن هذا يذكّرنا بأمور كثيرة في الشرع وفي لغة العرب وفي غيرها قد اختلف عليها الناس، فنجد أن أغلب ما يختلف عليه المختلفون في تفسير ألفاظ الشرع أو معانيها أو استنتاجاتها يرجع إلى أنهم لم يتفقوا على المعنى المختلف عليه، فكل واحد في ذهنه عن المعنى المختلف عليه غير ما في ذهن الآخر، فتجد هذا كلامه صحيحاً من وجه وخطأ من وجه، وهذا كلامه صحيحاً من وجه وخطأ من وجه، لاسيما في باب الأسماء والصفات وألفاظ العقيدة، فنجد فيها اشتباهاً كثيراً على الناس، لا سيما في الفرعيات لا في الأصول، واختلافات حتى بين أهل السنة والجماعة في المسائل الجزئية المتفرعة عن العقيدة، ونجد أن أغلب الخلاف راجع إلى أن كل واحد في ذهنه على المختلف عليه غير ما في ذهن الآخر، وكل واحد ينطلق من فهمه ومن تصوره، والتصورات مختلفة، وهذا يشمل كثيراً من القضايا الكبيرة التي يختلف عليها المنتسبون للسنة الآن، ويرجع ذلك إلى أنهم لم يحرروا في أذهانهم مسائل الخلاف، ولو أنهم اتفقوا على عين القضية لخفّت قوة الخلاف بين المختلفين، مثل: مسألة العذر بالجهل، ومسألة الحجة وبلوغها وفهمها، ومثل: قضايا الدعوة، ووسائل الدعوة، ومناهج الدعوة وغيرها من القضايا الكثيرة التي أجد أن أكثر الخلاف فيها بين المختلفين من أهل السنة ومن طلاب العلم ومشايخ هذا الوقت راجع إلى أن كل واحد منهم عنده تصور في الحقيقة المختلف فيها غير تصور الآخر، ولو أنهم وحدوا التصور والمفهوم لقلّت مساحة الخلاف.
ثم ذكر أيضاً أسماء السيف، وأسماء السيف إذا نظرنا إليها من حيث إنها دلالات على السيف نفسه، فهي مترادفة، وإذا نظرنا إلى أنها إطلاقات على أوصاف السيف من حيث قوته، ومن حيث جماله، ومن حيث حدّته إلى آخر ذلك، نجد أنها من باب غير المترادف.
стр. 158
معنى الإحكام والتشابه في النصوص
قال رحمه الله تعالى: [ومما يوضح هذا أن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه، وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، فينبغي أن يُعرف الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه].
أي: أن الترادف يقع من وجه والتباين يقع من وجه، ومعنى كونه مُحكماً، أي: أنه لا ينقض بعضه بعضاً، وأنه لا يعتريه السهو ولا النقص ولا النسيان ولا الضعف ولا الجهل ولا أي نوع من أنواع النقص التي تعتري كلام البشر، فالقرآن محكم كله.
ومعنى كونه متشابهاً، أي: أنه لا يناقض بعضه بعضاً، فقصصه تتشابه، وأحكامه تتشابه، وألفاظه تتشابه، ومعانيه تتشابه، ووجوه البلاغة فيه تتشابه، ووجوه البيان تتشابه، وأساليبه تتشابه.
إذاً: التشابه العام هنا راجع إلى الإحكام، فمن وجوه كونه محكماً أنه متشابه، وتشابهه أيضاً دليل على إحكامه، هذا من وجه، لكن من وجه آخر أيضاً جعل منه ما هو محكم وليس بمتشابه، ومنه ما هو متشابه وليس بمحكم، ولذا رجعنا إلى المفهوم الآخر للإحكام والتشابه، وهو أن الإحكام هنا المقصود به وجه من وجوه المعاني التي اشتمل عليها القرآن، وهو الإحكام، بمعنى: الوضوح الذي لا يحتاج إلى تفسير، والبيان الذي يكون لجميع الناس ولجميع السامعين أو نحو ذلك؛ لأن الإحكام أوسع من المتشابه من هذا الوجه، ومنه متشابه يجهله البعض.
أي: أنه يصعب فهمه على غير العالم، وعلى غير من يفقه العربية، إذ إن تشابه معانيه بمعنى: أنها تشكل على بعض الناس، والإشكال ليس في ذاتها، وإنما الإشكال في فهوم الناس.
إذاً: القسم الآخر من الإحكام والتشابه هو أن من القرآن ما هو بين واضح لا لبس فيه عند جميع الناس، ومنه ما فيه نوع غموض على بعض الخلق وليس على الجميع، أيضاً يرد في التشابه معنى آخر: وهو التشابه الخاص، أن منه ما هو مشتبه على جميع الخلق، فلا يفهمون كيفياته، ومحكم من وجه أن الله هو العالم بحقيقة كيفيته.
وعلى هذا تكون هذه الألفاظ تحمل على سياقاتها ومعانيها، فإذا جاء في القرآن متشابه، فيعني به: غير المحكم الذي يخفى على بعض الناس، فيشتبه عليهم فهمه، وليس بذاته، وإنما بفهوم الناس، والمحكم هو البين الواضح، وهذا ينسحب على كثير من ألفاظ الشعر، ويذكرنا هذا بما ينبغي علينا عند الاستدلال أن نتأكد من تطبيق هذه المعاني، وأن نعرف أن القرآن وألفاظ السنة تأتي على وجوه من حيث الخصوص والعموم، من حيث الإحكام والتشابه، من حيث البيان والإجمال وما يفسر، ومن حيث النسخ وعدمه إلى آخره، بمعنى: أنه لا يجوز لنا أن نأخذ نصوص الشرع لأول وهلة حتى نردها على النصوص الأخرى وسياقاتها، وقواعد الاستدلال التي يعتمدها السلف في تفسير النصوص، ولذلك لما جاوز أهل الأهواء والبدع هذا المفهوم في التفريق بين التشابه العام والإحكام العام، وبين التشابه الخاص والإحكام الخاص، وخفيت عليهم هذه الحقيقة التي هي من أكبر الحقائق التي يجب العمل بها في تفسير القرآن والنصوص، وجهلوها وتجاهلوها، وقعوا في الخبط والخلط والأهواء والبدع في المقالات التي أدت إلى فرقتهم عن السنة والجماعة.
стр. 159
معنى الإحكام
قال رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود:١]، فأخبر أنه أحكم آياته كلها، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] فأخبر أنه كله متشابه.
والحكم: هو الفصل بين الشيئين، والحاكم يفصل بين الخصمين، والحكمة فصل بين المتشابهات علماً وعملاً، إذا ميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار، وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار، فيقال: حكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يديه، وحكمت الدابة وأحكمتها إذا جعلت لها حكمة وهو ما أحاط بالحنك من اللجام، وإحكام الشيء إتقانه، فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره.
والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، وقد سماه الله: حكيماً بقوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس:١]، فالحكيم بمعنى الحاكم.
كما جعله يقص بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦].
وجعله مفتياً في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٢٧]، أي: ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن.
وجعله هادياً ومبشراً في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ [الإسراء:٩]].
стр. 160
معنى التشابه
قال رحمه الله تعالى: [وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وهو الاختلاف المذكور في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٨ - ٩].
فالتشابه هنا: هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضاً، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن ملزوماته إذا لم يكن هناك نسخ.
وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته أو ثبوت ملزوماته، وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته، بل ينفيه أو ينفي لوازمه، بخلاف القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضاً، فيثبت الشيء تارة وينفيه أخرى، أو يأمر به وينهى عنه في وقت واحد، ويفرق بين المتماثلين فيمدح أحدهما ويذم الآخر، فالأقوال المختلفة هنا هي المتضادة، والمتشابهة هي المتوافقة.
وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ، فإذا كانت المعاني يوافق بعضها بعضاً، ويعضد بعضها بعضاً، ويناسب بعضها بعضاً، ويشهد بعضها لبعض، ويقتضي بعضها بعضاً، كان الكلام متشابهاً بخلاف الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضاً.
فهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضاً، لا يناقض بعضه بعضاً.
بخلاف الإحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص، والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله، وليس كذلك، والإحكام: هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر، وهذا التشابه إنما يكون بقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما].
стр. 161
التشابه قد يكون أمراً نسبياً
قال رحمه الله تعالى: [ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما، فيكون مشتبهاً عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا يتميز معه قد يكون من الأمور النسبية الإضافية، بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض، ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله، فعلم العلماء أنه ليس مثله وإن كان مشبهاً له من بعض الوجوه.
ومن هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشبه فيها الحق والباطل، حتى تشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل.
والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات؛ لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه، فمن عرف الفصل بين الشيئين اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد].
стр. 162
عامة الضلال من جهة التشابه
قال رحمه الله تعالى: [وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه؛ فلهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابه، والقياس الفاسد لا ينضبط، كما قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، فالتأويل في الأدلة السمعية والقياس في الأدلة العقلية، وهو كما قال، والتأويل الخطأ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة، والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة].
وبهذا يتميز الفرق بين المفهوم العام للإحكام والتشابه، وبين المفهوم الخاص للإحكام والتشابه، يعني: أن القرآن كله محكم وكله متشابه، وتشابهه هو إحكام وإحكامه تشابه، لكن المعنى الخاص للإحكام والتشابه أمر آخر، وهو: أنه يرجع إلى البيان والالتباس، فبعض الناس يلتبس عليه بعض معاني الشرع، حتى الواضحة عند عموم الناس، كما جاء في قصة ذلك الرجل الذي عسر عليه فهم البدهيات، فقال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! لا أعرف دندنتك ولا دندنة معاذ، وإنما أسأل ربي الجنة، وأعوذ به من النار، فضحك النبي ﷺ وقال: حولها ندندن).
فهذا اشتبه عليه أغلب كلام النبي ﷺ ؛ لأنه أصيب في الفهم، وهذا هو الاشتباه النسبي، والشيخ ذكر هذه القضية من أجل الرد على الذين قالوا: إن نصوص الصفات ونصوص القدر ونصوص العقيدة من المشتبهات، وهم يقصدون أنه ليس لها معان ولا حقائق، فهو سيقول لهم: إن قصدتم أننا لا نعلم كيفيتها فهذا حق؛ لأن كيفيتها لا يعلمها إلا الله، وإن قصدتم أنه ليس لها حقائق ولا معان فهذا ليس بصحيح، وهذا ما يريد الشيخ أن يصل إليه فيما بعد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 163
الأسئلة
стр. 164
بيان القصد من دراسة مسائل العقيدة
السؤال
ألا ترى أننا انشغلنا بإثبات الأسماء والرد على المبتدعة عن معاني هذه الأسماء والتأمل فيها؟
الجواب
سبق أن نبهت على هذا أكثر من مرة، وقد جعلت لي منهجاً معيناً عند تدريس العقيدة، وهو: أنني أقول: إن المقصود من دراسة العقيدة عموماً ومن دراسة أسماء الله وصفاته على وجه الخصوص: غرس الإيمان في القلوب، واستثمار هذه المعاني فما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله، وتعظيم الله وإجلاله، والتوجه إلى الله بالمحبة والرجاء والخشية والمراقبة؛ لأن الإنسان إذا استشعر معاني صفات الله وأسمائه فلابد أن يقوى بها إيمانه، ويزداد بها يقينه، ولابد أن يراقب الله ويخشاه، ولابد أن يثمر ذلك عملاً صالحاً في عبادته وأحواله ومعاملاته وجميع أموره، وأن يصل بإذن الله إلى درجة الإحسان التي فسرها النبي ﷺ بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فلا يمكن أن تصل إلى درجة كأنك تراه، أو استشعار أنه يراك، حتى تنغرس فيك معاني أسماء الله وصفاته على الوجه الشرعي الصحيح، وبفقه من الكتاب والسنة.
فهذا هو المقصود الأول من دراسة أسماء الله وصفاته، ومن دراسة العقيدة بأكملها، سواء الإيمان بالله، أو بملائكته، أو كتبه، أو رسله، أو اليوم الآخر، أو الإيمان بالشفاعة، ورؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وحقوق الصحابة وغير ذلك من أمور العقيدة.
فكل هذه يجب أن نقصد بها أن نفقهها ونفهمها، وأن يقوى بها إيماننا، وأن نستوعبها علماً وعملاً وسلوكاً، وتعاملاً مع الله ، ثم مع الخلق.
إذاً هذا هو المقصود من دراسة العقيدة أياً كان نوع هذه الدراسة، قلت أو كثرت، والرد على المخالفين إنما يأتي تبع؛ لأن من انبعث في قلبه هذه المعاني فلابد أن ينكر ما يخالفها، ويعمل بمقتضى قواعد الشرع في الرد، لكن الحاصل أن كثيراً من الذين يطلبون العلم في العقيدة يكون على بالهم استظهار آراء المخالفين، وكيفية الرد عليهم، فينبت له قرون من حديد، وهو إلى الآن ما اشتد عوده، ويناطح الخلق، حتى إن بعضهم يخاصم فيما ليس له وجود أصلاً، فتجده فاتلاً عضلاته لأفكار ومقالات ليس لها وجود على الإطلاق، وإنما قرأها في الكتب وبدأ يناطح غيره، وهذا في الحقيقة سببه الإخلال بهذا المنهج عند كثير من طلاب العلم، فلا تجدهم ينبهون طلابهم على هذا الأمر، وخاصة الصغار المبتدئين الذين امتلئوا إيماناً وحماساً وغيرة من غير انضباط، فهؤلاء يحتاجون إلى أن يعلموا الأصول والمناهج، فيعلمون لماذا يقرءون؟ ولماذا يدرسون العلم الشرعي؟ مع أن كثيراً منهم الآن نشأ على أساس أنه يدرس العلم الشرعي من أجل أن يرد! بينما الرد نتيجة طبيعية للتأصيل على أصول ومناهج، أما أن يكون القصد هو الرد، فهذا يجعل الإنسان يخاصم، ولذلك هذا النوع من الناس تجد عندهم قلة ورع، وقسوة قلب.
стр. 165
القول الفصل في مسألة القول بفناء النار
السؤال
مسألة: فناء النار، ما هو القول الفصل فيها؟ وما هي الآثار التي وردت عن بعض الصحابة في ذلك؟
الجواب
مسألة فناء النار من المسائل الفلسفية التي لا طائل تحتها، وأرى أن إثارتها من الفضول، لذا ينبغي لطلاب العلم أن يبعدوا أنفسهم عن الحديث في هذه المسائل، وخاصة الحديث علناً.
والأمر الآخر: أن هذه المسائل من التي يشتبه فيها الكلام، إذ إنها من المشتبهات التي تشتبه على كثير من الناس.
وأما مسألة خلود الناس وخلود النار فهذه قطعية، وكذلك مسألة خلود أهل الجنة، فهي أيضاً مسألة قطعية، ومسألة خلود أهل النار فيها على قسمين: أهل الكبائر قطعاً سيخرجون من النار، وغير أهل الكبائر قد وردت النصوص القاطعة على أنهم يخلدون، لكن بقي تفسير: (التخليد)، فبعض الصحابة له تفسير لمعنى الخلود فقط.
فهذا أمر فيه اشتباه، ولم يتعبدنا الله به، ونبقى على قول جمهور السلف، وهو: أن الجنة مؤبدة، وكذلك النار -وهي محل الإشكال- فلا تفنى أبداً، وأن عذابها لا ينقطع، وأن أهلها الخلص الذين حكم الله عليهم بالخلود فيها لا يخرجون منها.
فهذه ظواهر النصوص ودلالات النصوص، ورأي جمهور السلف، ولا داعي أن نخرج إلى مسائل خلافية مشتبهة.
стр. 166
شرح العقيدة التدمرية [١٥]
سبب ضلال طوائف أهل البدع من جهة التشابه والقياس الفاسد الذي هو من باب الشبهات، وكذلك بسبب التفريق بين المجتمعين والجمع بين المفترقين، وقد أدى بهم ذلك إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب سبحانه بوجود كل موجود، فبعضهم جعل وجود المخلوقات عين وجود الخالق، مما جعلهم يثبتون خالقاً في الخارج، وإنكار الوجود الذاتي الحقيقي للخالق سبحانه، وهذا ضلال لا شك فيه.
стр. 167
مذاهب طوائف ضلت من جهة التشابه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد وصلنا في التدمرية إلى القاعدة الخامسة عند قوله: وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات.
ولا يزال الشيخ يتكلم عن الاشتباه والتشابه، والفرق بين هذا وذاك، هذا من ناحية، والناحية الأخرى: لا يزال الشيخ يتكلم عن القياس الفاسد الذي هو من باب الشبهات؛ لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما ليس فيه من جانب آخر، والتفريق بين المجتمعين، والجمع بين المفترقين، إذ إنه سبب ضلال كثير من الضلال في العقيدة وفي غيرها، كما لا يزال الشيخ يقرر مذاهب طوائف ضلت من هذه الجهة، أي: في عدم الجمع بين المتشابهات من الوجوه التي تجتمع فيها، ومن التفريق بين المتشابهات أحياناً ووجوه تفترق فيها، ومن عدم التفريق بين الاشتباه والتشابه بين الشبه والتشابه، وبين الاجتماع والافتراق وما بينهما من تداخل وتقاطع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات، حتى آل الأمر إلى من يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود فظنوا أنه هو، فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق، مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، وأن يكون إياه أو متحداً به أو حالاً فيه من الخالق مع المخلوق].
لأن هذا أمر بدهي بالفطرة وبالعقل السليم وبقواعد الشرع القطعية، بأن الله ليس كمثله شيء في جميع الأحوال، في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ ولأنه يستحيل أن يكون المخلوق كالخالق في وجوه التشابه من حيث الكمال، وعليه فالتشابه لفظي أو نسبي في بعض الحقائق النسبية التي النسبة فيها لا تساوي شيئاً، وسيأتي وجوه ضرب أمثلة على وجوه الاشتراك اللفظي، وأيضاً مدى ضلال الذين ضلوا إما في التشبيه بسبب وجود التشابه اللفظي في ذكر أسماء الله وصفاته، أو العكس، أي: نفي التشابه إلى حد تسلطوا فيه على نفي قطعيات النصوص في الكتاب والسنة.
قال رحمه الله تعالى: [فمن هنا اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات كلها، حتى ظنوا وجودها وجوده، فهم أعظم الناس ضلالاً من جهة الاشتباه، وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى (الوجود) فرأوا الوجود واحداً، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع.
وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى (الوجود) لزم التشبيه والتركيب فقالوا: لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث ونحو ذلك من أقسام الموجودات].
كلمة (قديم) من الشيخ ﵀ مجاراة لأهل الكلام في اصطلاحاتهم؛ لأنه يناقشهم هنا، ولذلك فأنا أشعر بشيء من الضيق والتذمر من قراءتنا لهذه المقاطع، ولولا أنها رغبة عدد من الحاضرين من طلاب العلم -إن شاء الله- المتمكنين في الجملة، وإلا فلسنا بحاجة إلى مثل هذه التعمقات، والشيخ إنما كتب هذا لأهل الكلام، أو للذين ابتلوا ببعض مصطلحات أهل الكلام، أو الذين يخشى عليهم من الانجرار وراء الكلاميات، وخاصة في ذلك الوقت، والذي بدأ مثله الآن في الآونة الأخيرة وفي وقتنا الحاضر، إذ إننا نرى طوائف من شبابنا الآن قد استهوتهم الكلاميات، واستهوتهم مناهج العصرانيين والعقلانيين والمعتزلة، حتى إنهم الآن أصبحوا جماعات وخلايا خطيرة تدعو إلى هذا المنهج، فهؤلاء قد ينفع معهم الدخول في مثل هذه الأمثال.
والشاهد أن الشيخ حينما قال: إن الوجود ينقسم إلى قديم، ومحدث.
مجاراة منه لأهل الكلام في استعمال الاصطلاح، فهو أراد أن يقنعهم ويناقشهم، وإلا فالمفروض أن يقول: إن الوجود ينقسم إلى أزلي ومحدث، أو إلى: الأول الذي ليس قبله شيء، والمخلوق الذي يعتريه النقص والخلل إلخ، بمعنى: أنه مقرر في نفوس العقلاء أن الوجود منه وجود الله ، وهو الأول الذي ليس قبله شيء، بدون ما نستعمل القديم، وإلى وجود المحدثات التي وجدت من لا شيء، وكانت شيئاً بعد أن لم تكن شيئاً، والتي مصيرها الخلل والسهو والنسيان بالنسبة لتصرفات العقلاء، ومصيرها الفناء بالنسبة لجميع الخلق.
إذاً: المقارنة بين الأول والمحدث مقارنة لا تكون إلا في بعض وجوه المعاني العامة المشتركة، والاشتراك اللفظي في بعض الصفات، مثل: الوجود، فهو اشتراك نسبي، فإذا نسبناه إلى الله فهو الوجود المطلق الذي ليس قبله شيء، وليس بعده شيء، وإذا نسبناه إلى المخلوق فهو وجود نسبي ضئيل، ووجود محكوم بالفناء وهكذا.
стр. 168
الرد على الطوائف المنكرة للوجود الذاتي لله وسبب وقوعهم في هذا الإنكار
قال رحمه الله تعالى: [وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى (الوجود) لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة مثل: وجود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق، ونحو ذلك، فخالفوا الحس والعقل والشرع، وجعلوا ما في الأذهان ثابتاً في الأعيان، وهذا كله من نوع الاشتباه].
يشير الشيخ بهذا الكلام إلى فلسفة المتفلسفة، وإلى خيالات أهل الكلام الذين تكلموا في هذه الأمور، فالفلاسفة وضعوا تصورات للغيب، وزعموا أنها حقائق، وهي في الحقيقة ما هي إلا خيال، وهذا ما قصده الشيخ بكلمة: (الخارج)، أي: خارج الوجود، بل ليس مما يعقل وجوده أصلاً، وإنما هو مجرد تعابير خيالية تقوم على التخرص وعلى التوهم في الأذهان؛ لأنها صدرت عن أذهان المكلفين، أذهان هؤلاء الفلاسفة ومن سلك سبيلهم، هؤلاء الذين ظنوا أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، فلزم من ذلك أن يكون هذا الاشتراك حتى في الأمور الخيالية، وأن هناك موجوداً مشتركاً يفترض وجوده، يسمونه: الوجود المطلق، أو مطلق الوجود.
ولذلك هذا الصنف ومن تبعهم لا يعتقدون لله وجوداً حقيقياً أو ذاتياً؛ لأنهم وصفوه بالوجود المطلق، أو بمطلق الوجود على اختلاف بين العبارتين، فالوجود المطلق هو الذي لا يوجد إلا في الخيال، وعند التحقيق لا يكون له وجود، وهذا سبب رئيسي في وجوب إنكار الأسماء والصفات عند الجهمية، وسبب رئيسي في إنكار الصفات عند المعتزلة، وسبب أساسي في إنكار متكلمي الأشاعرة والماتريدية لصفات الله، ما عدا سبع أو عشرين على اختلاف بينهم.
فالذين أنكروا بقية الصفات ما عدا السبع أو العشرين، أو الذين أنكروا الصفات كلها، أو الذين أنكروا الأسماء والصفات يشتركون في وهم، لكنه يتسع عند بعضهم ويضيق عند آخرين، هذا الوهم هو أنهم يعتقدون أن الله ليس له وجود ذاتي، ولذلك تجدهم ينفرون من إثبات الاستواء ومن إثبات العلو ومن إثبات الصفات الفعلية من النزول والمجيء؛ لأن من يعتقد أن وجود الله في الأذهان فقط من الطبيعي أن ينفر من الصفات التي تدل على وجود حقيقي لله، وهذا هو مصدر الأدلة التي حرفت بهؤلاء عن منهج السلف، فاشتركوا في هذا الوهم، لكن منهم مقل، مثل: الجهمية وغلاة الفلاسفة والمتكلمين، ومنهم مكثر، مثل: المعتزلة، ومنهم من وسع الهوة حتى اعتقد أنه لا وجود لله إلا هذا الوجود المطلق، أو مطلق الوجود.
كذلك الذين قالوا: بالوجود المطلق أو مطلق الوجود انقسموا إلى قسمين: المعطلة الذين جعلوا وجود الله معنوياً، أو الذين نفوا وجود الله الذاتي واعتقدوا أنه هو هذا الوجود، ثم انقسم هذا القسم الأخير إلى ثلاثة أقسام: منهم من رأى الحلول، ومنهم من رأى الاتحاد، ومنهم من رأى وحدة الوجود.
فهذه مذاهب خبيثة دخلت على المسلمين من الأمم، وذلك مصداقاً لقول النبي ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم)، وبعض الناس قد يستغرب، فلا يستغرب؛ لأن كل من خرج عن نهج السلف في إثبات أصول الدين، أو في التزام الوحي، أو في التعبير عن الدين بالألفاظ الشرعية وقع في هذه المسالك أو في غيرها من مسالك الضلالة، نسأل الله العافية.
стр. 169
دحض شبهة النصارى وغيرهم في استدلالهم بمثل (إنا) و (نحن) على تعدد الآلهة
قال رحمه الله تعالى: [ومن هداه الله فرق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينهما من الجمع والفرق والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام؛ لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق.
وهذا كما أن لفظ (إنا) و (نحن) وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد الذي له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد العظيم الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له، فإذا تمسك النصراني بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر:٩] ونحوه على تعدد الآلهة، كان المحكم كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحداً يزيل ما هناك من الاشتباه، وكان ما ذكره من صيغة الجمع مبيناً لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات، وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم].
هذا منهج ضروري في الاستدلال، إذ إن كل الفرق التي ضلت عن منهج السلف إلى الافتراق، سواء فرق الغلو أو فرق التقصير، كلها تخل بهذا المنهج، أعني: منهج أخذ تفسير النصوص بعضها ببعض، سواء في الغيبيات: أسماء الله وصفاته، أمور القدر، أمور الآخرة، أمور الوعد والوعيد، أو فيما يتعلق بالأحكام، مع أن أصول العقيدة كلها، العلمية والعملية لا تستقيم ولا يستقيم الاعتقاد فيها حتى يؤخذ بشمولية النصوص، وأن تفسر النصوص بعضها ببعض، ويرد بعضها إلى بعض، وهذا المنهج النصراني الذي زعم أن دليله على التثليث: أن الله عبر عن نفسه بـ (نحن)، أي: أنه يدل على جماعة، وعليه فهم ثلاثة! فيرد عليه: بأن الله عبر عن نفسه بلفظ المفرد، وعليه فيرد هذا بهذا، وهذه قاعدة عظيمة يحتاجها طلاب العلم اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ لأن الخلط فيها الآن أصبح من أكبر أسباب جهل عقيدة السلف، والتنكر لها من ناحية، ومن أكبر أسباب انجذاب كثير من شبابنا اليوم إلى مسالك الافتراق والهوى القديمة والحديثة، فتجده يستدل بنص بين فيما يظهر له، كآية أو حديث على عقيدة أو موقف أو مبدأ أو اتجاه، لكن يجهل أو يتجاهل ما يفسر هذا النص أو يقيده أو يبينه، فيتجاهل تفسيرات السلف الشمولية لهذه النصوص، ولذلك كثيراً ما أقرر فأقول: يجب أن نفرق بين صورتين على سبيل المثال: بين إنسان طالب علم إلى الآن ما استوعب إلا القليل، أو ما عرف إلا القليل من النصوص، وبين إمام راسخ كالإمام أحمد الذي قيل عنه: إنه يحفظ ألف ألف سند، أي: مليوناً، ففرق بين هذا وذاك، وفرق بين من يحفظ مليون سند وبين من صح عنده ما يزيد على ثلاثين ألفاً من أحاديث النبي ﷺ ، وفرق بين هذا الذي صح عنده ما يزيد على ثلاثين ألف حديث وبين إنسان حافظ لبعض الصحاح أو بعض الأسانيد.
ومن هنا ندرك أهمية وفضل الرسوخ في العلم على نهج السلف، وإلا قد يكون هناك إنسان راسخ في العلم لكنه صاحب هوى يعميه عن الأخذ بمنهج الاستدلال، وقد يوجد من المنتسبين للفرق من عنده عمق ورسوخ في بعض العلوم الشرعية، لكنه ابتلي بالمنهج المنحرف في الاستدلال، فلا ينفعه علمه، بل يضره، نسأل الله العافية.
стр. 170
حقائق الأسماء والصفات من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله
قال رحمه الله تعالى: [وأما حقيقة ما دل عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات، وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله، فلا يعلمهم إلا هو ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، وهذا من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.
بخلاف الملك من البشر إذا قال: قد أمرنا لك بعطاء.
فقد علم أنه هو وأعوانه، مثل: كاتبه وحاجبه وخادمه ونحو ذلك، أمروا به، وقد يعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك.
والله لا يعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات اليوم الآخر، ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة، ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة.
وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة، كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة، وإن زال الاشتباه بما يميز أحد النوعين من إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ﴾ [محمد:١٥] فهناك قد خص هذا الماء بالجنة، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا، لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا، وهو ما أعده الله لعباده الصالحين مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.
وكذلك مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقة، لا يعلمها إلا هو.
ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في (الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله).
وإنما ذمهم لكونهم تأولوه على غير تأويله، وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وإن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينف مطلق لفظ (التأويل)، كما تقدم من أن لفظ (التأويل) يراد به التفسير المبين لمراد الله به، فذلك لا يعاب بل يحمد، ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا في غير هذا الموضع].
أشار الشيخ هنا إلى مسألة مهمة لا بد من الوقوف عندها قليلاً، فقال ﵀: (وكذلك مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته، لا يعلمها إلا هو).
أي: أن الحقيقة نفياً وإثباتاً على نوعين: الأولى: بمعنى: المعاني اللائقة بجلال الله ، وهذه معلومة حتى عند المخاطبين، فنعلم أن الله عالم حقيقة، ورحيم حقيقة، وأنه سبحانه شديد العقاب، وأنه مستو حقيقة على ما يليق بجلاله، لكن حقيقة على المعنى.
الثانية: وهي التي نفاها الشيخ هنا: وهي الكيفية التي عليها أسماء الله وصفاته وذاته، فهذه لا يعلمها إلا الله، بل كل أمور الغيب لا يعلم حقيقتها، أي: كيفيتها، إلا الله ، مثل: الجنة ونعيمها، فنحن نؤمن بأنها حقيقة، لكن لا نعلم كيفية هذه الحقيقة على جهة التفصيل، والرسول ﷺ يقول: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، فلم يقل: على عقل بشر.
بل قال: (على قلب بشر)؛ لأن خاطر القلب أبعد وأعمق من خاطر العقل؛ ولأن خاطر القلب ذوق قد يدركه أصحاب الفراسة وخلص المؤمنين، لكن مع ذلك لا يدركه أصحاب العقول، ومع ذلك: (ولا خطر على قلب بشر) أي: لا يأت في خاطره أصلاً ولا يرد.
إذاً: الحقيقة المنفية في أسماء الله وصفاته هي الكيفيات، لا الحقيقة المثبتة، وهي أن ذات الله وأسماءه وصفاته وأفعاله حقائق على معان تليق بجلال الله، وهذه الحقائق نعلمها بمجملها، لكن لا نعلم حقيقة الكيفية.
стр. 171
الأسئلة
стр. 172
نسبة الأقوال إلى الفرق نسبة ترجع إلى الأعم والأغلب
السؤال
هل الأشاعرة يثبتون سبع صفات أو عشرين صفة، وهل هناك فرق بين المتقدمين والمتأخرين منهم؟
الجواب
هذه مسألة مهمة جداً، وهي مسألة: نسبة الأقوال إلى الفرق، إذ إنها نسبة ترجع إلى الأعم والأغلب لا إلى أنهم كلهم يقولون، فإذا قلنا: أصول الجهمية كذا، فهذا يعني أن غالب الجهمية قالوا بذلك، وإذا قلنا: أصول الخوارج كذا، فهذا يعني أن غالب الخوارج يقولون بذلك وليس كلهم، وإذا قلنا: أصول المعتزلة خمسة، فلا يعني أن كل المعتزلة يتفقون على الخمسة، بل المعتزلة الأوائل إلى نهاية القرن الثالث لا يعرفون شيئاً اسمه: (الأصول خمسة)، حتى اخترعها لهم واحد منهم، فجمع ما يمكن أن يتشابهوا فيه فسماه: (الأصول الخمسة).
إذاً: فهذه أمور إجمالية لا يعني أنهم متفقون عليها كلهم، وكذلك عندما نقول: الأشاعرة يؤولون الصفات إلا سبعاً، فلا يعني أنهم كلهم كذلك، بل هذا ما عليه عامتهم ورءوسهم الكبار، مثل البغدادي والشهرستاني والجويني قبل رجوعه إلى السنة، وكذلك الرازي قبل رجوعه، والإيجي والآمدي والغزالي وغيرهم، فهؤلاء غالبهم يثبتون السبع ويؤولون الباقي، مع أن أعداداً كبيرة منهم يثبتون أكثر من ذلك، فمنهم من يثبت ثماني صفات تبعاً للماتريدية، ويسمونها: التكوين، ومنهم من يثبت اثنتي عشرة صفة، ومنهم من يثبت ثلاث عشرة، ومنهم من يثبت عشرين، ومنهم من يثبت اثنين وعشرين، وليس لهم قاعدة إلا القاعدة الإجمالية.
لذلك بعض الشباب استغرب عندما سمع من بعض المشايخ أن الأشاعرة يثبتون اثنتين وعشرين صفة، وظن أنه أخطأ، مع أن الشيخ لم يخطئ؛ لأن أغلب الدراسات الأشعرية الحديثة قد تداخلت مع الماتريدية، وتداخلت مع بعض الاتجاهات الجديدة، ولذا فأغلب الدراسات في الجامعات والمدارس الأشعرية يثبتون عشرين صفة.
стр. 173
شرح العقيدة التدمرية [١٦]
ينبغي وضع ضابط في بيان ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات، فلا ننفي مطلقاً ولا نثبت مطلقاً، فالإثبات لابد من تقييده من غير تشبيه ولا تمثيل، والنفي لابد من تقييده من غير تعطيل ولا تحريف ولا تأويل.
стр. 174
تلخيص القاعدة الخامسة في مسألة الأسماء والصفات
وقبل أن نشرع في الدرس أحب أن ألخص آخر القاعدة الخامسة؛ لأنه في الحقيقة فيه عسر وفيه تكرار، ففي ما مضى تكلم الشيخ عن مسألة الأسماء والصفات، وما الذي يدخل فيها من المعلوم، وما الذي يكون مما لا يعلم، وهذا خلاصة الأمر، فهو يقول: إنما يتعلق بالمعاني والحقائق في أسماء الله وصفاته وأفعاله وجميع أمور الغيب هذه معلومة، وهي حق على ما يليق بالله ، لكن الوجه الآخر من هذه الحقائق: وهو الكيفية فلا نعلمه، ويعبر عنه باللفظ المشترك، ومع ذلك فالذي يعلم والذي لا يعلم يعبر عنه بتعبير واحد، لكن سياق الكلام هو الذي يحدد المعنى، فالله أحياناً ينفي التأويل في أمور الغيب والصفات، والسياق يدل على أن المنفي هو الكيفيات، وأحياناً كما في القراءة الأخرى التي عطف فيها التأويل، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، فالمقصود فيما يعلم الحقائق والمعاني العامة الثابتة في أمور الغيب، في أسماء الله وصفاته وأفعاله، ثم بعد ذلك قال ﵀: (ومن لم يعرف هذا)، أي: مسألة مفهوم المتشابه وتأويل المتشابه، فيعرفه على جهة التفصيل فيه، كثر اضطرابه، وضرب لهذا بمثل من هذه الطوائف -وهو ﵀ سيذكر عدة طوائف- الذين يقولون: إن التأويل باطل مطلقاً، وهؤلاء هم المفوضة الذين يقولون: يجب إجراء اللفظ على ظاهره، وهذه مشكلة؛ لأنهم يبطلون التأويل وإن كان بمعنى الحقيقة، والتفسير الذي لابد منه، والأمر الذي يئول إليه الشيء، وهو الحقائق المعلومة، أو حتى غير المعلومة، فيبطلون التأويل ويدّعون أن هذا هو وجه الحق، أعني: التفويض، وهذا خطأ، بينما نحن نقول بمنع التأويل المبتدأ، لكن لا نقول: يمنع التأويل مطلقاً، فإذا كان التأويل بمعنى التفسير والبيان وإن سمي تأويلاً تجوزاً فلا شيء فيه، وإن قصد بالتأويل التحريف، أي: صرف المعاني عن حقائقها، أو إلغاء الحقائق، أو التعدد فيها، فهذا هو الممنوع، مع أنهم يحتجون بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، فيحتجون بهذه على إبطال التأويل، ويقصدون بذلك: إبطال الحقيقة والمفهوم الذي يتعلق بأمر الغيب، وهذا خطأ وتناقض منهم؛ لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلاً لا يعلمه إلا الله، والآية ما نفت التأويل، بل إنها أضافت التأويل إلى الشيء، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران:٧]، ولو لم يكن له تأويل ما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، وكان على الأقل أن يقولوا: له تأويل لا يعلمه إلا الله، أو أن هناك نوعاً من التأويل يعلمه الراسخون في العلم، حتى تسلم ذممهم، لكن نفوا التأويل المطلق، وهؤلاء يسمونهم: المفوضة.
стр. 175
القاعدة السادسة: بيان الضابط الذي تعرف به الطرق الصحيحة والباطلة في النفي والإثبات
ننتقل إلى القاعدة السادسة، وقبل أن نبدأ فيها سنلاحظ أن الشيخ قد أطال في تقريرها حتى ما وجدنا تحديداً لهذه القاعدة إلا عندما نستنبط من هذا الكلام كله.
والقاعدة السادسة: هي أنه لابد من وضع ضابط يعرف به ما يجوز على الله سبحانه مما لا يجوز في النفي والإثبات، فلا ننفي مطلقاً ولا نثبت مطلقاً، فالإثبات لابد من تقييده من غير تشبيه وتمثيل، والنفي أيضاً لابد من تقييده من غير تعطيل، فهذه القاعدة هي التي سبق الكلام عنها، لكن أراد أن يفرع عليها مسائل من أجل إلزام الخصوم، وهذه القاعدة هي إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من غير تمثيل، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه الرسول ﷺ من غير تعطيل، بمعنى: أن نثبت، لكن بإثبات مقيد بعدم التشبيه، فالله ليس كمثله شيء، ولابد أن ننفي النقص عن الله ، لكن لا يعني ذلك أن ننفي الحقائق، وأن ننفي ما هو ثابت لله .
إذاً: الضابط هنا: أن نعرف ماذا نثبت؟ وكيف نثبت؟ ونعرف ماذا ننفي؟ وكيف ننفي؟ وهذا الضابط الذي قصده الشيخ هو تفصيل وتفريع على القاعدة الأولى، أعني: إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ ، ويتلخص في إثبات كل كمال لله ، ونفي كل نقص عن الله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [القاعدة السادسة: أنه لقائل أن يقول: لابد في هذا الباب من ضابط يعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات، إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد، وذلك أنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز].
стр. 176
خطأ الاعتماد في النفي على مجرد ادعاء التشبيه فيما ينفى
قال رحمه الله تعالى: [فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه، قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه، أو مشارك له في الاسم لزمك هذا في سائر ما تثبته، وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له.
ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة.
ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسراً بمعنى من المعاني، ثم إن كل من أثبت ذلك قالوا: إنه مشبه.
ومنازعهم يقول: ذلك المعنى ليس من التشبيه].
يذكر الشيخ قضية سائرة بين أهل السنة وخصومهم من أهل الكلام، وهي تشبيه الله بالخلق، وتشبيه صفات الله بصفات الخلق، ويبنون على هذا التشبيه إثبات الصفات نفسها، بمعنى: أنهم يقولون: إثبات الوجه إثبات الاستواء، وهذا تشويه وخطأ، ولذلك سموا كل من أثبت الاستواء، وأثبت الوجه لله ونحو ذلك من الصفات، بأنهم مشبهة، وهذا خطأ في تحديد الاصطلاح، إذ إن أهل السنة يقولون: لا يسمى هذا تشبيهاً؛ لأننا نقول: نثبت لله الاستواء؛ لأنه أثبته لنفسه، ونثبت لله الوجه؛ لأنه أثبته لنفسه، ونثبت لله اليد؛ لأنه أثبتها لنفسه، لكن على ما يليق بجلال الله ، فليس الاستواء كالاستواء، ولا الوجه كالوجه، ولا اليد كاليد.
إذاً: المنازع قصد معنى آخر وركب عليه نتيجة خاطئة، وهذه النتيجة هي أن كل إثبات يعد تشبيهاً، لكن نحن نقول: هذا غير صحيح؛ لأن مجرد الاشتراك اللفظي ليس بتشبيه، ومجرد الاشتراك في بعض المعاني بين المشبه والمشبه ليس بتشبيه، والذي يحكم هو الدليل والسياق، ولذا فنقول لهم: أولاً: نحن لسنا الذين وصفنا الله بهذا الشيء، فالله هو الذي وصف نفسه، ووصفه رسوله ﷺ .
ثانياً: أنه لا يجوز تأويل كلام الله ما دام يمكن حمله على محامل تقتضيها اللغة والمعاني العامة، ونحن نعرف أن اللغة تقتضي تفسير فعل الله بالاستواء ما دام أنه على ما يليق بجلاله، من غير الالتزام بلوازم من عند الخلق، وإلا أصبح كلام الله ملبساً على الخلق، والدليل على هذا أن المؤولة ما اتفقوا على حد أو تعريف التأويل، هل هو اللفظ المنتقل إليه، أو المعنى المنتقل إليه في التأويل؟ فتجد معاني الاستواء عندهم متعددة، ومعاني الوجه متعددة، ومعاني اليد متعددة، بل أحياناً يقولون بحسب السياقات، ونحن نقول: إن اللوازم هي التي تثبت حسب السياقات، فإذا جاء -مثلاً- ذكر اليد لله بمعنى الكرم، فلازمها الكرم، وإذا جاءت بمعنى القوة، فلازمها القوة، وإذا جاءت بمعنى العطاء أو الرزق، فلازمها العطاء أو الرزق، ولا شك أننا لا ننكر اللازم، بل هو ضروري، فما جاء من ذكر أسماء الله والأفعال والصفات إلا من أجل أن ندرك معانيها، ونتعبد الله بذلك ونعظمه بها، ومن أجل أيضاً أن نستثمر هذه المعاني في قوة الإيمان في القلوب، وفي سلوك الحياة، لكن العدول عن المعاني والحقائق اللائقة بالله لمجرد وجود الاشتباه في الألفاظ أمر يعتبر مكراً كباراً، جاء عن طريق الفلاسفة وغلاة المتكلمين.
стр. 177
من شبه المعتزلة أن إثبات الصفات يستلزم تعدد الموصوف
قال رحمه الله تعالى: [وقد يفرق بين لفظ (التشبيه) و (التمثيل)، وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبه ممثل، فمن قال: إن لله علماً قديماً، أو قدرة قديمة كان عندهم مشبهاً ممثلاً؛ لأن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف للإله، فمن أثبت له صفة قديمة فقد أثبت لله مثلاً قديماً، ويسمونه ممثلاً بهذا الاعتبار].
في الحقيقة هذه فلسفة فيها مكابرة، وفيها دليل على أن الإنسان قد يصاب بالغرور واتباع الهوى، فلا يعتمد في دينه إلا على العقل، فيقول: بأن تعدد الصفات لابد أن يدل على تعدد الموصوف؛ لأنهم قالوا: إن القديم أخص وصفاً بذلك، فمن أثبت صفة قديمة فقد أثبت له مثلاً قديماً؛ لأنهم يعتبرون أن الصفة غير الموصوف، فصارت نداً، فإذا أثبتنا أنها أزلية فمعنى هذا أننا أثبتناها إلهاً مع الله، أو خالقاً مع الله، وهذه مكابرة راجعة إلى أنهم لا يعتقدون لله وجوداً حقيقاً ذاتياً، وإلا لو اعتقدوا لله وجوداً ذاتياً حقيقياً للزم اعتقاد أن له صفات تلازمه؛ لأنه لا يمكن لموجود حقيقي إلا أن يكون موصوفاً بصفات الكمال كلها، يعني: أن الوجود الحقيقي الأزلي لا يمكن أن يثبت وجوداً لله حقيقياً أزلياً إلا ولابد أن يكون موصوفاً بصفات الكمال؛ لأن ما بعده من المخلوقات حادث، والحادث لا يمكن أن يعتمد إلا على كامل؛ لأنه مفتقر، ولابد أن يكون معتمداً على غني، وهو الله ، ولابد أن يكون معتمداً على خالق، وهو الله ، ولابد أن يعتمد على ما لا يفنى، وهو الله ، فهذه صفات تلحق بالموصوف، وتلازمه من حيث إنها صفات أزلية، لكن نظراً لأنهم يعتبرون وجود الله وجوداً ذهنياً معنوياً خيالياً -هم عادتهم يختلفون- فقد أنكروا الصفات؛ لأنها تلزمهم بوجود الموصوف وجود حقيقي مباين للمخلوقات، وهم إذا أثبتوا هذا الوجود لزمهم إثبات الصفات، فهم يفرون من إثبات الصفات، ولنا مع الأشاعرة والماتريدية الذين انساقوا مع هؤلاء في بعض أصولهم نفس الكلام، فنقول لهم: إذا كنتم أثبتم لله وجوداً ذاتياً حقيقياً يليق بجلاله، ومبايناً للمخلوقات، وهذا الوجود قابل للصفات ولابد، فإذاً لم فرقتم بين الصفات؟! فإذا كان لله علم ليس كعلم المخلوقين، وقدرة ليست كقدرة المخلوقين، وكلام ليس ككلام المخلوقين، وسمع ليس كسمع المخلوقين، وهم يقرون بذلك، إذاً له استواء ليس كاستواء المخلوقين، ويد ليس كيد المخلوقين؛ لأن ذلك كله ثابت بالنصوص، وهذا دليلنا، وإلا لو كان مجرد تحكم للعقل لعذرناهم؛ لأن لكل إنسان أن يعقل كما يشاء، ولا نلزمه إلا بالثوابت الكبرى التي هي مجملات عند التفصيل، والتي يختلف عليها الخلق كلهم.
وقد وجدت في بعض ألفاظ السلف عبارات أحياناً تزيد عن الحد الشرعي، وهذه اجتهادات وليست هي منهج السلف، وإنما منهجهم هو إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات والأفعال، بما فيها الصفات الذاتية على ما يليق بجلاله، فقد وردت في الكتاب والسنة، ونبرأ إلى الله أن نقول: هذه مصدرها العقل، أو معرفتنا، أو جهودنا، أو هذه مجرد أن اتفق عليها السلف، لا والله، فالسلف لا يقولون بذلك، بل قد ثبتت في الكتاب والسنة، فما الذي يلجئ إلى الحيدة عنها غير مجرد التوهم والتشبيه؟ ثم لماذا الصحابة ما توهموا التشبيه ليفروا إلى التأويل؟ ولماذا التابعون ما توهموا التشبيه وهم أعلم وأفقه باللغة، وهم أعظم إجلالاً وتعظيماً لله، وهم أيضاً أحرص على كمال الله وصفاته؟! إن من الطبيعي أن يوجد عندهم التوهم، لكنهم طردوا الأوهام بالحقائق، وإلا فهم عرب أقحاح لابد أن ترد عندهم مسألة الاشتراك اللفظي، يعني: أن أي إنسان يسمع قول الله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، لابد أن يقع في ذهنه تشابك المعاني بين ما يفهمه من يد المخلوق وبين ما يجب أن يعتقده في اليد لله ، ولذلك الله وضع القاعدة بالنفي قبل الإثبات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، لأن الإنسان قد يتوهم، بل لابد أن يتوهم عند سماع كلام الله، ثم قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فبدأ بالنفي قبل الإثبات؛ ليستقر في العقل نفي كل الخيالات والأوهام، وإلا فهل يخلو إنسان من أن يتخيل؟ إنه لا يمكن أن يعرف معاني كلام الله إلا بالتخيل، لكن يجب أن يعرف أن هذا خيال، والله أعظم وأجل من أن يرد العبد صفات الله بخياله.
إذاً: فهذه المسألة تعتبر الفارق بين أهل السنة وبين المخالفين من أهل الكلام في معنى التشبيه والتمثيل، فالتمثيل منفي كله؛ لأن التمثيل هو المطابقة، وليس بين الخلق والمخلوقات مطابقة، حتى في اللفظ، وأما التشبيه ففيه مطابقة لفظية، فلذلك نفصل فيه، فإن قصد بنفي التشبيه نفي صفات الله فهذا باطل، وإن قصد بنفي التشبيه نفي المماثلة فنعم، فالله ليس كمثله شيء.
стр. 178
جواب المثبتة عن هذه الشبهة
قال رحمه الله تعالى: [ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخص وصفه ما لا يتصف به غيره، مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك].
стр. 179
الأسئلة
стр. 180
تقويم كتاب (تفسير العقائد الإسلامية) لحسن أيوب
السؤال
ما رأي الشيخ في كتاب: (تفسير العقائد الإسلامية) لـ حسن أيوب؟
الجواب
كتاب حسن أيوب في تفسير العقائد الإسلامية كتاب يميل إلى منهج المتكلمين في نزعة التأويل، وفيه بعض الأخطاء الكبيرة، منها: أنه عندما عرّف أهل السنة قال: هم أتباع أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي! فأخرج القرون الثلاثة من أهل السنة والجماعة، وعليه فأهل السنة والجماعة هم أتباع الأشعري والماتريدي! مع أنهما قد توفيا في القرن الرابع، وهذا دليل على التعصب بالفرق؛ وكأنه يرى أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية، وأخرج أهل السنة الحقيقيين من مسمى السنة والجماعة، وأنا أظنه هو صاحب هذا الكتاب، لكن لا أجزم، وعلى أي حال فالشيخ حسن أيوب عنده نزعة تأويل، وهذا الذي أذكره في كتابه، ومع ذلك لا يخلو كتابه من فوائد طيبة ومفيدة.
следующие страницы →