← Акыда

Акыда · id 37727

شرح التدمرية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (326 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

خطأ الاعتماد في النفي على مجرد ادعاء التشبيه فيما ينفى قال رحمه الله تعالى: [فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه، قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه، أو مشارك له في الاسم لزمك هذا في سائر ما تثبته، وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له. ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة. ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسراً بمعنى من المعاني، ثم إن كل من أثبت ذلك قالوا: إنه مشبه. ومنازعهم يقول: ذلك المعنى ليس من التشبيه]. يذكر الشيخ قضية سائرة بين أهل السنة وخصومهم من أهل الكلام، وهي تشبيه الله بالخلق، وتشبيه صفات الله بصفات الخلق، ويبنون على هذا التشبيه إثبات الصفات نفسها، بمعنى: أنهم يقولون: إثبات الوجه إثبات الاستواء، وهذا تشويه وخطأ، ولذلك سموا كل من أثبت الاستواء، وأثبت الوجه لله ونحو ذلك من الصفات، بأنهم مشبهة، وهذا خطأ في تحديد الاصطلاح، إذ إن أهل السنة يقولون: لا يسمى هذا تشبيهاً؛ لأننا نقول: نثبت لله الاستواء؛ لأنه أثبته لنفسه، ونثبت لله الوجه؛ لأنه أثبته لنفسه، ونثبت لله اليد؛ لأنه أثبتها لنفسه، لكن على ما يليق بجلال الله ، فليس الاستواء كالاستواء، ولا الوجه كالوجه، ولا اليد كاليد. إذاً: المنازع قصد معنى آخر وركب عليه نتيجة خاطئة، وهذه النتيجة هي أن كل إثبات يعد تشبيهاً، لكن نحن نقول: هذا غير صحيح؛ لأن مجرد الاشتراك اللفظي ليس بتشبيه، ومجرد الاشتراك في بعض المعاني بين المشبه والمشبه ليس بتشبيه، والذي يحكم هو الدليل والسياق، ولذا فنقول لهم: أولاً: نحن لسنا الذين وصفنا الله بهذا الشيء، فالله هو الذي وصف نفسه، ووصفه رسوله ﷺ . ثانياً: أنه لا يجوز تأويل كلام الله ما دام يمكن حمله على محامل تقتضيها اللغة والمعاني العامة، ونحن نعرف أن اللغة تقتضي تفسير فعل الله بالاستواء ما دام أنه على ما يليق بجلاله، من غير الالتزام بلوازم من عند الخلق، وإلا أصبح كلام الله ملبساً على الخلق، والدليل على هذا أن المؤولة ما اتفقوا على حد أو تعريف التأويل، هل هو اللفظ المنتقل إليه، أو المعنى المنتقل إليه في التأويل؟ فتجد معاني الاستواء عندهم متعددة، ومعاني الوجه متعددة، ومعاني اليد متعددة، بل أحياناً يقولون بحسب السياقات، ونحن نقول: إن اللوازم هي التي تثبت حسب السياقات، فإذا جاء -مثلاً- ذكر اليد لله بمعنى الكرم، فلازمها الكرم، وإذا جاءت بمعنى القوة، فلازمها القوة، وإذا جاءت بمعنى العطاء أو الرزق، فلازمها العطاء أو الرزق، ولا شك أننا لا ننكر اللازم، بل هو ضروري، فما جاء من ذكر أسماء الله والأفعال والصفات إلا من أجل أن ندرك معانيها، ونتعبد الله بذلك ونعظمه بها، ومن أجل أيضاً أن نستثمر هذه المعاني في قوة الإيمان في القلوب، وفي سلوك الحياة، لكن العدول عن المعاني والحقائق اللائقة بالله لمجرد وجود الاشتباه في الألفاظ أمر يعتبر مكراً كباراً، جاء عن طريق الفلاسفة وغلاة المتكلمين.

стр. 177

من شبه المعتزلة أن إثبات الصفات يستلزم تعدد الموصوف قال رحمه الله تعالى: [وقد يفرق بين لفظ (التشبيه) و (التمثيل)، وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبه ممثل، فمن قال: إن لله علماً قديماً، أو قدرة قديمة كان عندهم مشبهاً ممثلاً؛ لأن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف للإله، فمن أثبت له صفة قديمة فقد أثبت لله مثلاً قديماً، ويسمونه ممثلاً بهذا الاعتبار]. في الحقيقة هذه فلسفة فيها مكابرة، وفيها دليل على أن الإنسان قد يصاب بالغرور واتباع الهوى، فلا يعتمد في دينه إلا على العقل، فيقول: بأن تعدد الصفات لابد أن يدل على تعدد الموصوف؛ لأنهم قالوا: إن القديم أخص وصفاً بذلك، فمن أثبت صفة قديمة فقد أثبت له مثلاً قديماً؛ لأنهم يعتبرون أن الصفة غير الموصوف، فصارت نداً، فإذا أثبتنا أنها أزلية فمعنى هذا أننا أثبتناها إلهاً مع الله، أو خالقاً مع الله، وهذه مكابرة راجعة إلى أنهم لا يعتقدون لله وجوداً حقيقاً ذاتياً، وإلا لو اعتقدوا لله وجوداً ذاتياً حقيقياً للزم اعتقاد أن له صفات تلازمه؛ لأنه لا يمكن لموجود حقيقي إلا أن يكون موصوفاً بصفات الكمال كلها، يعني: أن الوجود الحقيقي الأزلي لا يمكن أن يثبت وجوداً لله حقيقياً أزلياً إلا ولابد أن يكون موصوفاً بصفات الكمال؛ لأن ما بعده من المخلوقات حادث، والحادث لا يمكن أن يعتمد إلا على كامل؛ لأنه مفتقر، ولابد أن يكون معتمداً على غني، وهو الله ، ولابد أن يكون معتمداً على خالق، وهو الله ، ولابد أن يعتمد على ما لا يفنى، وهو الله ، فهذه صفات تلحق بالموصوف، وتلازمه من حيث إنها صفات أزلية، لكن نظراً لأنهم يعتبرون وجود الله وجوداً ذهنياً معنوياً خيالياً -هم عادتهم يختلفون- فقد أنكروا الصفات؛ لأنها تلزمهم بوجود الموصوف وجود حقيقي مباين للمخلوقات، وهم إذا أثبتوا هذا الوجود لزمهم إثبات الصفات، فهم يفرون من إثبات الصفات، ولنا مع الأشاعرة والماتريدية الذين انساقوا مع هؤلاء في بعض أصولهم نفس الكلام، فنقول لهم: إذا كنتم أثبتم لله وجوداً ذاتياً حقيقياً يليق بجلاله، ومبايناً للمخلوقات، وهذا الوجود قابل للصفات ولابد، فإذاً لم فرقتم بين الصفات؟! فإذا كان لله علم ليس كعلم المخلوقين، وقدرة ليست كقدرة المخلوقين، وكلام ليس ككلام المخلوقين، وسمع ليس كسمع المخلوقين، وهم يقرون بذلك، إذاً له استواء ليس كاستواء المخلوقين، ويد ليس كيد المخلوقين؛ لأن ذلك كله ثابت بالنصوص، وهذا دليلنا، وإلا لو كان مجرد تحكم للعقل لعذرناهم؛ لأن لكل إنسان أن يعقل كما يشاء، ولا نلزمه إلا بالثوابت الكبرى التي هي مجملات عند التفصيل، والتي يختلف عليها الخلق كلهم. وقد وجدت في بعض ألفاظ السلف عبارات أحياناً تزيد عن الحد الشرعي، وهذه اجتهادات وليست هي منهج السلف، وإنما منهجهم هو إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات والأفعال، بما فيها الصفات الذاتية على ما يليق بجلاله، فقد وردت في الكتاب والسنة، ونبرأ إلى الله أن نقول: هذه مصدرها العقل، أو معرفتنا، أو جهودنا، أو هذه مجرد أن اتفق عليها السلف، لا والله، فالسلف لا يقولون بذلك، بل قد ثبتت في الكتاب والسنة، فما الذي يلجئ إلى الحيدة عنها غير مجرد التوهم والتشبيه؟ ثم لماذا الصحابة ما توهموا التشبيه ليفروا إلى التأويل؟ ولماذا التابعون ما توهموا التشبيه وهم أعلم وأفقه باللغة، وهم أعظم إجلالاً وتعظيماً لله، وهم أيضاً أحرص على كمال الله وصفاته؟! إن من الطبيعي أن يوجد عندهم التوهم، لكنهم طردوا الأوهام بالحقائق، وإلا فهم عرب أقحاح لابد أن ترد عندهم مسألة الاشتراك اللفظي، يعني: أن أي إنسان يسمع قول الله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، لابد أن يقع في ذهنه تشابك المعاني بين ما يفهمه من يد المخلوق وبين ما يجب أن يعتقده في اليد لله ، ولذلك الله وضع القاعدة بالنفي قبل الإثبات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، لأن الإنسان قد يتوهم، بل لابد أن يتوهم عند سماع كلام الله، ثم قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فبدأ بالنفي قبل الإثبات؛ ليستقر في العقل نفي كل الخيالات والأوهام، وإلا فهل يخلو إنسان من أن يتخيل؟ إنه لا يمكن أن يعرف معاني كلام الله إلا بالتخيل، لكن يجب أن يعرف أن هذا خيال، والله أعظم وأجل من أن يرد العبد صفات الله بخياله. إذاً: فهذه المسألة تعتبر الفارق بين أهل السنة وبين المخالفين من أهل الكلام في معنى التشبيه والتمثيل، فالتمثيل منفي كله؛ لأن التمثيل هو المطابقة، وليس بين الخلق والمخلوقات مطابقة، حتى في اللفظ، وأما التشبيه ففيه مطابقة لفظية، فلذلك نفصل فيه، فإن قصد بنفي التشبيه نفي صفات الله فهذا باطل، وإن قصد بنفي التشبيه نفي المماثلة فنعم، فالله ليس كمثله شيء.

стр. 178

جواب المثبتة عن هذه الشبهة قال رحمه الله تعالى: [ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخص وصفه ما لا يتصف به غيره، مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك].

стр. 179

الأسئلة

стр. 180

تقويم كتاب (تفسير العقائد الإسلامية) لحسن أيوب السؤال ما رأي الشيخ في كتاب: (تفسير العقائد الإسلامية) لـ حسن أيوب؟ الجواب كتاب حسن أيوب في تفسير العقائد الإسلامية كتاب يميل إلى منهج المتكلمين في نزعة التأويل، وفيه بعض الأخطاء الكبيرة، منها: أنه عندما عرّف أهل السنة قال: هم أتباع أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي! فأخرج القرون الثلاثة من أهل السنة والجماعة، وعليه فأهل السنة والجماعة هم أتباع الأشعري والماتريدي! مع أنهما قد توفيا في القرن الرابع، وهذا دليل على التعصب بالفرق؛ وكأنه يرى أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية، وأخرج أهل السنة الحقيقيين من مسمى السنة والجماعة، وأنا أظنه هو صاحب هذا الكتاب، لكن لا أجزم، وعلى أي حال فالشيخ حسن أيوب عنده نزعة تأويل، وهذا الذي أذكره في كتابه، ومع ذلك لا يخلو كتابه من فوائد طيبة ومفيدة.

стр. 181

شرح العقيدة التدمرية [١٧] المقصود بالصفاتية هم الذين يثبتون الصفات بما فيهم أهل التأويل، فالذين يثبتون جميع الصفات الواردة هم أهل السنة والجماعة، والذين يثبتون بعض الصفات هم المعتزلة وأهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية، أما الجهمية فلا يسمون صفاتية؛ لأنهم ينفون الصفات مطلقاً، والمخالفون لأهل السنة فرقوا بين الصفة وبين الذات، وهذا ضلال؛ لأنه لا يتصور وجود بلا صفات.

стр. 182

بيان المقصود بالصفاتية وموقفهم من صفات الله أذكركم بالقاعدة فيما يتعلق بصفات الله ما ينفى فيها وما يثبت، وهذه القاعدة لم يذكرها الشيخ بعينها، لكنها فهمت من فحوى كلامه فهماً واضحاً من خلال مناقشة القضية: الضابط الذي يعرف به ما يجوز على الله وما لا يجوز هو أنه يثبت ما أثبته الله لنفسه ويثبت لله كل كمال لا نقص فيه، وهذه قاعدة جاءت بها النصوص؛ لأن الله قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وأيضاً في النفي أن ننفي عن الله النقائص، وننفي عن الله كل عيب وكل نقص، ومن ذلك مماثلة المخلوقين، وبقي مسألة المشابهة هذه محل كلام آخر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات: إنها قديمة، بل يقول: الرب بصفاته قديم]. ينبغي أولاً أن نعرف أن المقصود بالصفاتية هم الذين يثبتون الصفات بما فيهم أهل التأويل، ولذا فكلمة (صفاتية) لا تعني الإشارة إلى فرقة معينة؛ لأن الموقف العام تجاه الصفات إما إثبات أو نفي، فالجهمية لا يسمون صفاتية؛ لأن فيهم الفلاسفة والباطنية وغيرهم ممن ينفون الصفات مطلقاً، لكن الذين وافقوا الجهمية في نفي بعض الصفات، أو في تأويلها يسمون: صفاتية. إذاً: الصفاتية: هم كل من أثبت شيئاً من الصفات، سواء الذين يثبتون جميع الصفات الواردة، وهم أهل السنة والجماعة، أو الذين يثبتون بعض الصفات دون بعض، كالمعتزلة وأهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية، بل وحتى الذين بالغوا في الإثبات إلى حد البدعة، مثل المشبهة والممثلة، فهؤلاء يسمون صفاتية؛ لأنهم يثبتون، سواء غلوا في الإثبات، أو غلوا في النفي، ثم ذكر الشيخ أنهم قد اختلفوا، وذكر أن منهم من لا يقول في الصفات: إنها قديمة، وهذا الكلام فلسفة، وكنت أتوقع أن ينشأ سؤال منكم يقول: أي هذه الأقوال هو الحق؟ وعلى أي حال أؤجل الجواب عليه حتى ننتهي من المقطع؛ من أجل أن تتصوروا المسألة. قال رحمه الله تعالى: [بل يقول: الرب بصفاته قديم، ومنهم من يقول: هو قديم وصفته قديمة، ولا يقول: هو وصفاته قديمان، ومنهم من يقول: هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه، فإن القدم ليس من خصائص الذات المجردة، بل هو من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم، فضلاً عن أن تختص بالقدم، وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم والصفات متصفة بالقدم، وليست الصفات إلهاً ولا رباً، كما أن النبي محدث وصفاته محدثة، وليست صفاته نبياً]. على أي حال هذه كلها فلسفة لا طائل تحتها، والشيخ باختصار ينقل مقالات قد بينها في مقامات أخرى وفي بعض كتبه الأخرى، فهو أراد أن يشير إلى خوض الناس، أو خوض الصفاتية الذين هم المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، ومن شاركهم، مثل: الكلابية والسالمية وفرق أخرى كثيرة، فهؤلاء كلهم اختلفوا اختلافات لا طائل تحتها، وإنما كلها تخرصات وظنون، ولذلك أشار الشيخ إلى أن الذين فرقوا بين الصفة وبين الذات، أو الذين ما فرقوا فقالوا: لأنه لا يتصور ذات بلا صفات، وأن الذات المجردة لا وجود لها في الحقيقة، وهذا حق؛ لأنه لا يمكن ولا يعقل أن يكون هناك وجود لا يقبل الصفات، وإذا كان كذلك فالله موجود، ووجوده لا ينفك عن الصفات، كما أن كل موجود لا يمكن أن ينفك عن الصفات؛ لأنه لا يتصور وجود بلا صفات، وكلمة (ذات) مجردة هي الذات المتخيلة، والخيال ليس بشيء. ولذلك مثل هذا الكلام غالباً يمرض القلوب، ومن هنا نخلص إلى أن مسألة التفريق بين الله وبين صفاته في القدم مسألة بدعية لا أصل لها في الشرع، بل ولا يجوز الخوض فيها، فالله هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء. إذاً: الله لم تطرأ له صفات حتى نقول: قديمة وغير قديمة؛ لأنه سبحانه بصفاته موصوف بهذا الكمال المطلق، فيما لا بداية ولا نهاية، وإذا كان الأمر كذلك فالتفريق بين الله وبين صفاته بدعة من جميع الوجوه، سواء التفريق في القدم، أو التفريق في الحدود، أو التفريق في الخصائص، أو أي نوع من التفريق بين الله وبين صفاته، لكن الكلام على مفردات الصفات يأتي بسياقاته، يعني: تأتي أحكام هي التي تتعلق بها ذمم المكلفين، أو بعض المكلفين، فمثلاً: نقسم بالله ، لكن هل نقسم بصفته؟ نقول: هذا فيه تفصيل، ولا يعني هذا التفريق بين الله وبين صفته؛ لكن نظراً لأنه أحياناً يشتبه الأمر في مسألة ما يتعلق بذات الله وبين بعض صفاته قد يحتاج الأمر إلى تفصيل، فمثلاً: (الرحمة) قد يشتبه إطلاق (الرحمة) على صفة الله التي هي صفة ذاتية، من حيث إن الله رحيم، وبين (الرحمة) التي هي من خلقه، كالمطر والجنة، فإذا جاء الاشتباه احتجنا إلى التفصيل، لكن لا يعني هذا التفريق بين الله وبين صفته من حيث القدم وغيرها. ونخلص إلى أن هذا الكلام كله لا طائل تحته، وهو من فضول الكلام، والوقوف عنده قسوة للقلوب، لذا

стр. 183

اصطلاح المعتزلة والجهمية في مسمى التشبيه قال رحمه الله تعالى: [فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم (التشبيه) و (التمثيل) كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك]. لأنه يقصد بهذا أن إطلاق (التشبيه) و (التمثيل) ليس على جماعة واحدة من الصفاتية، بل حتى بعض الصفاتية يطلق على بعضهم: (التجسيم) و (المشبهة)، فمثلاً: المعطلة الخالصة الذين لا يثبتون لله الصفات يسمون المثبتة (مجسمة)، ثم المثبتة أنواع، فالذين يثبتون بعض الصفات دون بعض يطلقون على من أثبت جميع الصفات مجسمة وهكذا. فإذاً: هذه المسألة نسبية، بمعنى: أن كلمة (التشبيه) و (التمثيل) ليس إطلاقهما دائماً ذماً، وليس كل من نفى التشبيه والتمثيل أيضاً يمدح دائماً، لذا فنحتاج إلى أن نضع القاعدة السابقة. وهي إذا كان التشبيه والتمثيل لا يخرج عن قاعدة إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من غير تمثيل، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ من غير تعطيل، فذلك يستقيم، وإذا اختل شيء من هذه القاعدة فقد يطلق التشبيه، وقد يطلق التمثيل، وقد يطلق العكس. قال رحمه الله تعالى: [ثم تقول لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس: تشبيهاً، فهذا المعنى لم ينفعه عقل ولا سمع، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية. والقرآن قد نفى مسمى (المثل) و (الكفء) و (الند) ونحو ذلك، ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفأه ولا نده فلا تدخل في النص، وأما العقل فلم ينف مسمى (التشبيه) في اصطلاح المعتزلة].

стр. 184

الرد على شبهة أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم قال رحمه الله تعالى: [وكذلك أيضاً يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز، والأجسام متماثلة، فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلاً لسائر الأجسام، وهذا هو التشبيه]. هذا الكلام ليس على إطلاقه، بمعنى: أنه لا يسلم لهم، لكن يصطادون الأغرار، فقولهم: (إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز) قد يكون صحيحاً في الجملة، لكن عند التفصيل قد نستثني أشياء، وقد نزيد أحكاماً وضوابط، وقد ننقص هذا من جانب، وهذا من جانب آخر. وقولهم: (والأجسام متماثلة) لا يسلم لهم هذا الإطلاق؛ لأنه لا يلزم أن تكون الأجسام متماثلة من كل وجه، فالتماثل نسبي، لكن ومع ذلك ففي الجملة أن الغالب في الأجسام التماثل، ولذلك جاء في القرآن نفي المماثلة ولم يأت نفي المشابهة؛ لأن المماثلة أدق وأخص من المشابهة، والمشابهة أعم؛ لأن المماثلة غالباً تشمل الحقائق الحدية، بينما المشابهة تشمل الحقائق والمعاني والتصورات، بل وحتى الخيالات، فالتشابه أعم من التماثل، والتماثل أخص، ولذا أقول: ومع ذلك لا يسلم لهم بأن جميع الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز؛ لأن معنى التحيز: المخلوقات، إذ إنها متحيزة، لكن الخالق كيف يقال: إنه متحيز إن كان بمعنى أنه مفاصل لمخلوقاته، وليس مخالطاً لها، وليس حالاً فيها؟! لكن ومع ذلك الوصف المتحيز، والوصف المتحد يحمل معاني حق ومعاني باطلة، معاني كمال ومعاني نقص، والباطل والنقص منفي عن الله ، ولذلك تعتبر كلمة (متحيز) من الألفاظ المبتدعة، وعليه فلا يسلم هذا الكلام على إطلاقه، وإنما يسلم على عمومه، ومع ذلك لا يقال: إنه حق بإطلاق. وكذلك يقال: الأجسام متماثلة، وهذا حكم غالب على الأجسام التي هي المخلوقات، لكن لماذا نقلتم هذا الحكم إلى الخالق؟! هذا الخالق الذي ليس كمثله شيء. إذاً: هم يصطادون الأغرار الذين ليس عندهم قاعدة ولا موازين شرعية وعقلية سليمة، فيسلم لهم المستمع الذي ما عرف وجه اللبس في هذه الأمور، فيظن أن هذا ميزان، ثم يجرونه إلى أن إثبات الصفات لله مماثلة، والله ليس كمثله شيء، ونحن نقول: ليس إثبات الصفات التي وردت في الكتاب والسنة مماثلة أبداً، لكن قد تعني المشابهة في المعاني العامة، والمشابهة في المعاني العامة لا تعني التشابه المطابق أو التشابه التمثيلي.

стр. 185

الرد على الأشاعرة والماتريدية الذين يثبتون الصفات العقلية وينفون الصفات الذاتية والفعلية وبيان تناقضهم قال رحمه الله تعالى: [وكذلك يقول هذا كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات، وينفون علوه على العرش وقيام الأفعال الاختيارية ونحو ذلك]. هؤلاء هم صفاتية أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية الذين يثبتون الصفات العقلية، وينفون الذاتية والفعلية، فينفون علوه سبحانه على العرش، وينفون قيام الأفعال الاختيارية ونحو ذلك؛ لأنهم سلموا بإطلاق تلك القاعدة السابقة: أن الصفات لا تقوم إلا باسم متحيز، وأن الأجسام متماثلة، فلو قامت بها الصفات لا يلزم أن يكون مماثلاً لفعل المخلوقات والأجسام، وهذا هو التشبيه، لذا لما طبقوا هذه القاعدة على صفات الله قالوا: إذاً ما أشعر بالمشابهة وبالمماثلة فننفيه عن الله ، فنفوا الاستواء، والعلو على العرش، والأفعال الاختيارية، ظناً منهم أن تلك القواعد صحيحة. قال رحمه الله تعالى: [ويقولون: الصفات قد تقوم بما ليس بجسم، وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسماً، فلو أثبتنا علوه للزم أن يكون جسماً، وحينئذ فالأجسام متماثلة فيلزم التشبيه]. نجد أن أهل الكلام قد بنو هذه القواعد على مقدمات فاسدة، وبالتالي وصلوا إلى نتيجة فاسدة، فصار حكمهم فاسداً، وعارضوا بذلك الكتاب والسنة. وقولهم: أما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسماً. فيقال لهم: إن قصدتم بالجسم الوجود الذاتي، فيسمى وجوداً، ولا يلزم أن يكون جسماً، وإن قصدتم بالجسم الجسم المعهود الذي نراه ونشاهده ونحسه بحواسنا، فهذا منفي عن الله ؛ لأنه ليس كمثله شيء، لكن ومع ذلك تقصدون بالجسم الوجود الذاتي، والله له وجود ذاتي، وكونكم سميتوه جسماً فهذا تحكم من عندكم، وإلا فنحن لا نسميه جسماً؛ لأن (الجسم) كلمة غريبة وجديدة ومحدثة لم ترد في الكتاب والسنة. فإذاً: مقدماتهم فاسدة، ونتائجها فاسدة، وتطبيقاتها فاسدة؛ لأنهم بنوا فاسداً على فاسد، والحكم على نتيجة فاسدة، فلذلك سقطت جميع هذه الأمور، ولذلك قلنا: نرجع إلى الأصل، وهو: ما أثبته الله لنفسه من الصفات بما فيها العلو على العرش، فإنه يثبت لله ، واللوازم الباطلة منفية، إذ إنهم يقولون: لا يكون علو إلا للجسم! لا يكون استواء إلا للجسم! فنقول: الله أعظم وأجل من أن تقولوا فيه هذه الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة، ونقول لهم أيضاً: أريحوا أنفسكم وعقولكم وفطركم، وأريحوا الناس وأريحوا المسلمين بالتسليم لله ، فأثبتوا الاستواء كما أثبته الله لنفسه، ولا تزيدوا على ذلك شيئاً، تبرأ ذممكم، وتسلموا ويسلم الناس من غوائل هذه النقاشات والصراعات الفلسفية التي لا طائل تحتها إلا الإثم والوقوع في الإلحاد والتعطيل كما حصل. قال رحمه الله تعالى: [فلهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه: مشبهاً، ولا يسمون من أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبهاً، كما يقوله صاحب (الإرشاد) وأمثاله]. صاحب (الإرشاد) هو الإمام الجويني رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: [وكذلك قد يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله من مثبتة الصفات والعلو، ولكن هؤلاء قد يجعلون العلو صفة خبرية، كما هو أول قولي القاضي أبي يعلى، فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه، وقد يقولون: إن ما يثبتونه لا ينافي الجسم، كما يقولونه في سائر الصفات. والعاقل إذا تأمل وجد الأمر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق]. صحيح، ونقول لهم أيضاً: لماذا أثبتم السمع والبصر والكلام ولم تثبتوا العلو، بل إثبات العلو أولى عقلاً وشرعاً؟! فالعلو بدهي فطري، أما الكلام لو لم يرد في الكتاب والسنة لما استطعنا أن نثبته عقلاً. انظر إلى التناقض، قالوا: نثبت الكلام -وهذا هو الآن مذهب الأشاعرة إلى اليوم- والسمع والبصر وننفي العلو. وليس المقصود نفي العلو مطلقاً، بل نفي العلو الذاتي، وكون العلو معنوياً اعتبارياً، لا يكفي إثبات العلو؛ لأن الله ذكر علوه على خلقه وعلى عرشه وعلى سماواته، فلابد أن يكون العلو أيضاً ذاتياً، ولا يكون الكمال المطلق إلا باجتماع النوعين الذاتي والاعتباري المعنوي، وإلا فالمعنوي أمر لا يرتبط بحد، هذا من ناحية، والناحية الأخرى: أن المعنوي ليس متعلقاً بالعلو فقط، بينما العلو يعتبر حداً زائداً عن العلو الذاتي، وفيه منتهى الكمال، فلا ينتهي به الكمال حتى يجتمع الأمران، فعلى هذا يقول الشيخ: إذا تأمل العاقل وجد الأمر فيما نفوه وهو العلو والاستواء ونحو ذلك، كالأمر فيما أثبتوه، أي: أننا إذا أخذنا بقاعدتهم السابقة وجدنا أنه لا فرق بين الأمرين. ولذلك يقال لهم: إما أن تثبتوا الجميع؛ لأن الكتاب والسنة ورد بذلك كله، وإما أن تنفوا الجميع حتى تكون قاعدتكم سليمة، وإلا فهي في الحقيقة فاسدة، بمعنى: مطردة، وليست سليمة شرعاً، ولذلك المعتزلة قالوا للأشاعرة: أنتم ليس لكم قاعدة، حتى إن بعض رءوس المعتزلة قالوا: نحن نحترم مذهب السلف وإن كنا نخطئه؛ لأن لهم قاعدة، أما أنتم فلا هنا ولا هناك، و

стр. 186

الأسئلة

стр. 187

صفات الله ليست متوقفة على وجود المتعلقات السؤال إن إثبات بعض صفات الله متوقف على وجود مخلوقات، مثل: الخالق والغفور والرحيم، فكيف ذلك؟ الجواب أهل السنة والجماعة قد بينوا ذلك بياناً شافياً فقالوا: إن الله خالق قبل وجود الخلق، فله قدرة على الخلق، وهذا أمر معلوم بالضرورة، وكذلك بقية الأحكام المتعلقة بالمخلوقات، مثل: المغفرة والرحمة، فالله غفور قبل وجود من يغفر لهم، ورحيم قبل أن يوجد من تتعلق بهم الرحمة، فهذه صفات كمال لازمة لله ، بل ليست متوقفة على وجود المتعلقات، والذين قالوا: بأنها متوقفة على الوجود هم أهل الفلسفة والخوض، والحق أن الله متصف بتلك الصفات قبل الخلق.

стр. 188

حكم تعلم المنطق السؤال ما حكم تعلم المنطق؟ وهل منه ما هو محمود وما هو مذموم؟ الجواب المنطق منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، فالمنطق المحمود ما بني على أسس شرعية وعقلية صحيحة، ومن المنطق: القواعد الرياضية الصحيحة التي ينبني عليها علم الرياضة، أو علم الرياضيات، إذ إن أكثرها منطقية، وكذلك العقلية الصحيحة مبنية على مقدمات عقلية ونتائج عقلية صحيحة. وهناك منطق مذموم، وهو الذي يتعدى إلى الغيبيات، وإلى أمور القدر، وإلى مسائل الإلهيات كما يسمونها، فهذا منطق فاسد؛ لأنه لا سبيل إلى هذه الأمور إلا عن طريق الوحي. وأما مقولة: لا يمكن فهم بعض العلوم ومنها: (كتاب التدمرية) إلا بعلم المنطق. فهذا ليس على الإطلاق، لكنها تسهل فهم هذه الأمور. وهناك كتاب (السلم) للأخضري، وهو كتاب جيد، ومن أجود الكتب في المنطق، وله شروح شرحها بعض أساتذة جامعة الإمام شرح جيد، ومنها: شرح الدكتور: علي بن دخيل الله، ولا أدري هل قد طبع أم لا؟

стр. 189

شرح العقيدة التدمرية [١٨] إثبات الصفات لله إثباتاً يليق بجلاله من غير تمثيل ولا تعطيل لا يستلزم التجسيم؛ لأننا نثبتها وفق قواعد شرعية صحيحة: منها: أن الله أثبتها لنفسه، وأن رسوله ﷺ أثبتها له، وثالثاً: أننا نثبتها على ما يليق بجلاله سبحانه، بحيث ننفي كل ما يشعر بالنقص أو الاستنقاص أو المماثلة. وبهذه القواعد نسلم مما وقع فيه أهل البدع من التشبيه والتمثيل أو التأويل والتعطيل.

стр. 190

تكملة بيان ما ورد في القاعدة السادسة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فلا زلنا في القاعدة السادسة، وقد بدأ الشيخ يرد على شبهات المعطلة والمؤولة، وتذرعهم بالتجسيم في نفيهم للصفات أو تأويل الصفات، وقد بدأ هذا الأمر بقواعد واضحة نوعاً ما، وقد قمنا بدراستها، لكن بعد ذلك دخل في نقاش عميق، وفيه أحياناً استعمال للأصول والمصطلحات الفلسفية والعقلية، والتي هي أشبه بالمحارات والأسلوب العسر، ولذلك سنستغني عن القراءة الآن في هذا المقطع الذي أمامنا حتى نصل إلى القاعدة السابعة. لذا سألخص لكم مقاصد الشيخ في رده على أولئك القوم الذين نفوا الصفات أو أولوها، بدعوى أنها تقتضي التجسيم أو التشبيه. فبعد أن تكلم الشيخ عن دعواهم بأن إثبات بعض الصفات -حتى العلو- يقتضي التشبيه، وأن هذا ليس بحق، وأن مسألة تماثل الأجسام لا تعني أن هذه القاعدة مطردة من كل وجه، وأن التماثل غير التشبيه، وأنه قد ينفى التمثيل ولا ينفى التشبيه أيضاً؛ لأن المماثلة غالباً تعني المطابقة من كل وجه، أو من أغلب الوجوه، وهذا لا يليق في حق الله ، أما المشابهة فهي معنى عام، فقد يعني التشابه اللفظي، أو التشابه المعنوي العام دون التشابه الحقيقي الذاتي، ولذلك فرق الشيخ بين التشبيه والتمثيل، وقال: إن أي مماثلة الله لخلقه، أو مماثلة الخلق لله أمر لا يجوز بإطلاق جزئي ولا كلي، وأما المشابهة فهذه كلمة لابد أن نفصل فيها، فمثلاً: المشابهة اللفظية موجودة من غير مماثلة الله ، فقد وصف نفسه بأنه عليم، وأنه خبير، وأنه حكيم، بل وصفه جميع العقلاء بذلك، ومع ذلك العلم والحكمة موجودة في الخلق، فهذا تشابه لفظي، وقد يوجد فيه -كما سيقول الشيخ- اشتراك معنوي جزئي أيضاً، لكنه في المخلوق ناقص، وفي الخالق كامل، ومن ذلك أيضاً: العلم، فالله بكل شيء عليم، وعلمه لا يحيط به شيء، وعلمه لا حد له سبحانه، فهو صاحب العلم الكامل المطلق، لكن ومع ذلك فالله وهب لبعض خلقه علماً، وهذا العلم هو من علم الله، وهنا يوجد شيء من التشابه النسبي الضئيل، لكنه بالنسبة للمخلوق علم ناقص ومحدود، ويعتريه جميع عوارض النقص والضعف، بينما العلم في حق الله كامل لا محدود له، ولذا فهذا التشابه الجزئي لا يعني المشابهة المنفية، ولا يعني المماثلة التي نفاها الله في قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وهذا ما سيدور عليه الكلام التالي، يقول الشيخ: (وأصل كلام هؤلاء كلهم) أي: سواء يقصد بذلك المعطلة، أو الصفاتية الذين منهم المعتزلة الذين نفوا الصفات، أو الأشاعرة الذين أولوا الصفات، إذ إن الصفاتية تشمل كل من أثبت الصفات بما فيهم أهل السنة والجماعة، لكن هو الآن لا يرد على أهل السنة والجماعة، بل هو الآن يثبت مذهب أهل السنة والجماعة، ويرد -على قواعدهم- على الصفاتية الذين وافقوا الجهمية في بعض الأمور، يقول رحمه الله تعالى: (وأصل كلام هؤلاء -الجهمية أولاً، ثم يتبعهم المعتزلة ومتكلمة الأشاعرة والماتريدية، أي: أن قاعدتهم التي انطلقوا منها في النفي أو التأويل- على أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم) أي: عندما نثبت صفة فكأننا جسمنا الله ، فهذه قاعدة باطلة؛ لأن إثبات الصفات لا يستلزم التجسيم، ولأننا عندما نثبت الصفات لله فإننا نثبتها بالقواعد التالية؛ لأن الله أثبتها لنفسه، وهل يثبت الله لنفسه المماثلة والتجسيم؟ لا، وهذا أولاً. ثانياً: أننا نثبت الصفات لله على ما يليق بجلاله، ونحتاط بأن ننفي كلما يشعر بالنقص أو الاستنقاص أو المماثلة لله . ثم بنوا على هذه القاعدة حكماً نهائياً هو في غاية البطلان، فقالوا: إذا لزم من إثبات الصفة الجسمية، فمعنى هذا: أن الأجسام لابد أن تكون متماثلة، وكأننا إذا أثبتنا لله صفة اليد أثبتنا التجسيم، وإذا أثبتنا التجسيم فالأجسام متماثلة بين الخالق والمخلوق، وعند ذلك نكون قد مثلنا الله بخلقه. وهذا كله باطل، ولذلك هذا التقعيد الباطل يخفى على بعض الناس الذين لا يعرفون موازين الحق؛ لأنهم يسلمون بذلك دون أن يشعروا، حتى وإن كان القائل من أهل الاستقامة والخير، فإذا لم تكن عند المسلم موازين تحصنه من مثل هذه المفاهيم فإنها تدخل مخه، وإذا لم تكن عنده قدرة على التمييز سيظن أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، وأن الأجسام متماثلة، وعلى هذا من أثبت الصفة فقد أثبت المماثلة بين الله وبين خلقه، فهذا هو ملخص هذه النقطة. ثم قال ﵀: (ولهذا يقول هؤلاء -أي: الذين قرروا التشبيه والمماثلة بزعمهم، أو الذين نفوا الصفات أو أثبتوها-: إن التشابه لا يمكن أن يكون من وجه، أو أن يقع من وجه ويختلف من وجه، فالشيئان لا يشتبهان من وجه، ويختلفان من وجه) يعني إما أن يشتبهان تماماً، وإما أن يختلفان تماماً، وهذه مكابرة أيضاً للعقول. وكل كلامه هذا هو في معرض الصفات، فهم يقولون: أي شيئين -ما يسمى بشيء من الموجودات، من وجود عالم الشهادة ووجود

стр. 191

الطريق الصحيح في النفي بعد ذلك تكلم الشيخ عن الطريق الصحيح فقال: (وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما يُنفى على مجرد نفي التشبيه لا يفيد) أي: أن الطريق الصحيح هو نفي النقص، فإن كان اللفظ الذي يقولونه تشبيهاً يقتضي النقص فنحن ننفي النقص عن الله ، وإن كان لا يقتضي النقص فنحن نثبته ولا نسميه تشبيهاً، بل هم الذين يتوهمون التشبيه، فالله تُنفى عنه النقائص، ويُثبت له ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، كما يُثبت له الكمال المطلق بلا قيود، وما يُشعر بنقص فيُنفى عنه، فننفي عنه النقص والعيب، ومن الأمور المنفية المماثلة، إلا أن المماثلة مطابقة من كل وجه، وأما المشابهة ففيها تفصيل؛ لأن المشابهة لا تعني المطابقة من كل وجه.

стр. 192

التشابه الجزئي لا يعني المشابهة الكلية التي تسوغ نفي الصفات بعد ذلك تكلم عما يسمى بالتشابه الجزئي، وهو في الحقيقة قاعدة شرعية، فإذا وجد تشابه جزئي فلا يعني المشابهة الكلية التي يُبنى عليها نفي الصفات، إذ إن التشابه الجزئي هو أننا نجد في معاني صفات الله -التي هي كمال مطلق- معاني توجد في المخلوقات، لكنها ناقصة ومحدودة، فالعلم المطلق لله ، يوجد منه علم عند بعض المخلوقات، لكنه ناقص، والقدرة التي هي كمال لله توجد عند بعض المخلوقات، لكنها قدرة محدودة وناقصة، وهكذا في بقية كثير من الصفات التي جعل الله منها في الخلق جزءاً يسيراً، فهذا التشابه الجزئي لا يعني المشابهة من كل وجه، ولا يعني المماثلة من باب أولى، ولذلك بسبب التشابه الجزئي نفوا الصفات؛ لأنهم ما أدركوا أن التشابه الجزئي ليس استنقاصاً لله؛ لأنه كله موهبة من الله ، فالصفات التي جعل الله منها في خلقه هي موهبة من الله .

стр. 193

حقيقة القدر المشترك الذي اشترك فيه الخالق والمخلوق بعد ذلك تكلم عن القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال، فيقول: (فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال -يعني: لله : كالوجود والحياة والعلم والقدرة) أي: أن كل صفات الله صفات كمال، فإذا أُطلقت على الله لا يدل ذلك على شيء من خصائص المخلوقين، بل ليس هناك عاقل يقترن في ذهنه أن هناك وجوه تقارب بين الخالق والمخلوق، فإذا تكلمنا عن وجود الله ، وأنه موجود، أو عن حياة الله ، وأنه الحي القيوم، وعن علمه أو قدرته، فلا يعني ذلك أن ما يوجد عند المخلوقين يكون كما هو للخالق، والعكس كذلك، فليس ما يوجد عند الخالق يكون كما هو عند المخلوق، فإن هذا بقدر محدد، وهذا بكمال مطلق.

стр. 194

نفي الاشتراك اللفظي يقتضي نفي جميع الأسماء والصفات لله ذكر مسألة مهمة، فقال: (ولهذا لما اطّلع الأئمة على أن هذا هو حقيقة قول الجهمية سمّوهم معطّلة) أي: حقيقة دعواهم بأن أي إثبات لأي صفة لله يقتضي المشابهة، حتى صفة الوجود، فلذلك نفى هؤلاء الغلاة جميع الأسماء والصفات، وقالوا: لأنها تشعر بالمشابهة، وهذا ربما يكون من باب الإلزام، أي: أنهم أُلزموا بذلك؛ لأنهم وضعوا قاعدة قد يكونون فصّلوا أو لم يفصلوا، فالله أعلم، لكن السلف لم ينقلوا عنهم تفصيل، وإنما نقلوا عنهم هذا المبدأ الهدّام، أعني: مبدأ نفي الاشتراك، حتى اللفظي، إذ إن نفي الاشتراك يقتضي نفي جميع الأسماء والصفات لله ؛ لأنه لا يمكن أن يخلو الأمر من اشتراك لفظي. يقول: إن السلف عندما عرفوا هذه القاعدة عند الجهمية -قاعدة: نفي أي مشاركة بين الخالق والمخلوق، حتى وإن كانت لفظية- أدركوا أنهم معطّلة، وسمّوهم بذلك، ولذلك قال: (وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئاً)؛ لأن هذا يلزمه بإثبات الوجود، والوجود لا بد أن يتضمن الصفات، فما من موجود إلا ويكون موصوفاً، ولذلك فهو يرى الحلول كما أُثر عنه، فقد خرج من خلوته التي خلا به الشيطان إلى الإلحاد الكامل، يقولون: إنه خرج من خلوته وقال: هو ذا في الهواء، هو ذا في كل شيء، يعني: الله ، تعالى الله عما يقول. يقول: (وربما قالت الجهمية: هو شيء لا كالأشياء) نعم قد يكون هذا حقاً من وجه، وباطلاً من وجه، فهو شيء لا كالأشياء، لكن قوله: (لا كالأشياء) بمعنى: أنه لا يوصف ولا يسمى! وهذا باطل، ثم قال: (فإذا نفى القدر المشترك مطلقاً لزم التعطيل التام).

стр. 195

حقيقة القدر المشترك الكلي بعد ذلك تكلم المصنف عن القدر المشترك الكلي، وهذه مسألة كثيراً ما ينخدع بها المتأثرون بمناهج الفلاسفة، وقد أشكلت على كثير من المتكلمين، وهي من المعضلات التي جعلتهم يخوضون فيما لا يعلمون، وهي: أن الاشتراك يقتضي نفي أي علاقة مشاركة، الاشتراك الذي هو الاشتباه، ولذلك منهم من نفى كل الأسماء والصفات، ومنهم من نفى الصفات فقط، ومنهم من أوّل الصفات. هذا الاشتراك الكلي المطلق الذي علّقوا به أحكاماً واقعية وهو ليس بواقع، هذا الاشتراك الذي في الأذهان هو اشتراك خيالي، فإذا طبّقته في الواقع لم يعد اشتراكاً، ولنأخذ مثلاً صفة: (الوجود)، إذ هي كلمة كلية لم نخصص بها أي وجود، يقول الشيخ: هذه الكلمة في الأذهان لم تخرج إلى الواقع، لكن عندما نقول: الوجود وجود الكون، فقد خصصنا الصفة، فخصصنا الوجود بالكون، وعرفنا أنها قُيدت بشيء، أو نقول: الوجود وجود الإنسان، فقد خصصنا الوجود بالوجود الإنساني، لذا لما خُصصت صارت واقعاً، أما قبل أن تخصص فهي في الذهن فقط، وما دامت في الذهن فيقول: لماذا تبنون عليها أحكاماً؟ لماذا تعتبرون الوجود قاسماً مشتركاً وهو في الذهن؟ مع أننا إذا خصصناه لم يعد قاسماً مشتركاً، فإذا خصصنا الوجود صرفناه إلى الخالق ، فهو وجود يخصه، وهو الكمال، وكذلك إذا أضفنا وجود المخلوق فهو وجود يخصه، وهو النقص، فالشيخ يحاكمهم إلى خيالات بنوا عليها أحكاماً، وهذا في جميع أصولهم التي نقضوا بها الوحي، سواء بتعطيل أو بتأويل أو بنفي بعض الشيء وإثبات بعض، فكل هذا مبني على خيالات وهمية هي في أذهانهم ليست في الواقع، وهذا القدر يسمى: القدر المشترك الكلي، ولا يوجد في الواقع، ولا يوجد في خارج الأذهان، وليس في خارج الكون، وإنما خارج الأذهان، فالخيالات في الأذهان ليست واقعاً حتى تكون هذه الخيالات منطبقة على الواقع، وكذلك الأوصاف ليست واقعاً حتى ننسبها إلى موصوف، فصفة (الوجود) كلمة مطلقة ليست واقعية، فإذا نسبناها إلى موصوف أصبحت واقعية، فإذا قلنا: الإنسان موجود. إذاً نسبنا هذا الوجود للإنسان، فأصبح واقعاً، وإذا قلنا: الله موجود، فهذا وجود خصصناه بالخالق ، فهو الوجود المطلق الكامل، لا مطلق الوجود. إذاً: هذه من الأشياء التي استطاع بها الشيخ ﵀ درء التعارض، وبيان تلبيس الجهمية، إذ أوصلهم إلى طريق مسدودة، فلم يستطيعوا أن يتجاوزوا هذا الأمر، ولذلك ما رد عليه أحد من أهل الكلام إلى يومنا هذا في هذه القضايا، أي: في مسألة تحكيمهم أو الحكم عليهم من قواعدهم ومن أصولهم التي يقولون بها، يقول: حتى أصولكم تتناقض! فمنها: مسألة الوجود الكلي، أو الوجود الذهني، أو الوجود العام، أو الوجود المطلق، أو الوصف المطلق، فيقول: أنتم الآن تحكمون على أشياء ليس لها واقع، فإذا صارت واقعاً عند ذلك حكمنا بالخصائص، وخصائص الله غير خصائص المخلوق. يقول ﵀: (وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا -أي: أن المعنى العام إذا خصصناه أُطلق على هذا وعلى هذا- لأن الموجودات في الخارج -أي: خارج الذهن- يشارك أحدها الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله. لأن الموجودات في الخارج يشارك أحدها -ويجوز النفي أيضاً، لكن جاء لها عن طريق الإثبات- الآخر في شيء موجود فيه) بمعنى: إذا قلنا: إن كلمة (الوجود) كلمة في الذهن، فإذا خصصناها صارت في الواقع، فإن الموجودات في الواقع بينها اشتراك جزئي، هذا الاشتراك الجزئي لا يعني المماثلة من كل وجه، بل يعني المشابهة من بعض الوجوه، وهذه المشابهة لا تقتضي نقصاً في أحد الطرفين. فأما الوجود المطلق فهو الوجود الذي لا ينتهي ولا يبتدي، مثل: وجود الله، وأما مطلق الوجود فهو الذي في الأذهان، كأن نقول: كلمة (الوجود) فهذه مطلق الوجود، لكن وجود الله هو الوجود المطلق الذي لا ابتداء له ولا انتهاء، فقد وصفه النبي ﷺ بأنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، فهذا هو الوجود المطلق، وأما مطلق الوجود فهو المتخيل والمتصور، وهذا ينطبق على الوجود وعلى الحياة وعلى كثير من الصفات العامة، فإذا قلنا: الحياة، لا ندري أي حياة حتى تقيد، وحتى تتعلق بمتعلقها، فالحياة لله هي القيومية التي لا نهاية لها، والحياة بالنسبة للمخلوق هي حياة موقوتة يعتريها الضعف والنقصان والفناء وجميع عوارض الخلل. إذاً كما قرر الشيخ: أن عدم فهم هذا المعنى هو الذي تسبب في غلط منهجي أدى إلى التعطيل للأسماء والصفات، أو للصفات فقط، ثم إلى التأويل، وهو أخطر من التعطيل من أغلب الوجوه على الخلق، يعني: على المسلمين بالذات، مع أن التعطيل كفر، فلماذا يكون التأويل أخطر؟ لأنه بيّن البطلان، ولا يُعقل أيضاً، ولأن فيه تلبيساً على الإنسان، فإذا جاء شخص وقال لك: أنا أنفي لله الاستواء على العرش، فقد تستنكر لأول وهلة، لكن لو يلبِّس عليك ويقول: أنا أنفي أن يكون الله يحتا

стр. 196

الأسئلة

стр. 197

الحذر من الخوض في محارات ومتاهات الفلاسفة السؤال أهل السنة يقولون: إن الجمع بين الضدّين مستحيل لذاته، ثم قال: مثل خلق مثله، وتحريك وسكون الشيء في وقت واحد، ويقول من يخالفهم: يلزمكم على هذه القاعدة أن تنفوا علو الله على خلقه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون فوقه شيء من خلقه ولا محيط به شيء من مخلوقاته؛ لأن هذا جمع بين الضدّين، فهل هذا الإلزام صحيح؟ وكيف الرد عليه؟ الجواب إن مثل هذه الأمور لا ينبغي الخوض فيها؛ لأنها محارات ومتاهات، ولأن هذه المصطلحات مما يكثر فيها الغلط والوهم، ويكثر عليها الاختلاف، نعم قد تكون العبارة في بعض الأمور صحيحة من حيث إنها من بدهيات العقل، لكن لوازمها وتطبيق هذه القواعد على أمور الغيب هو الذي يكون زلّة، ويدخل في محارات وأوهام، فالجمع بين الضدين لا شك أنه مستحيل، لكن كثيراً من الفلاسفة والمتكلمين ومن دونهم قد يدخلون في الأضداد ما ليس منها، وقد يفرّعون عن هذه القواعد ما لا يدخل فيها، وقد يضعون مقدمات بعضها غير صحيح، فتكون نتائجها غير صحيحة، وقد يضعون مقدمات صحيحة، لكن نتائجها ليست مطابقة لأصل مقدماتهم، وكونهم جعلوا الاستواء والنزول يدخل في المتضادات فهذا توهم منهم؛ لأننا نقول: إن الله مستو على عرشه، وينزل ﵎ إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، كما ورد ذلك في النصوص الشرعية، ورد على وجوه كثيرة في الزمان وفي الأحوال، وهذا النزول ثابت قطعاً بقطعيات النصوص، ويلزم إثباته، لكن اللوازم التي قالوا بها في النزول لوازم وهمية، فأهل السنة لا يزيدون عن إثبات ما جاء في النصوص القطعية من أن الله مستو على العرش، وأنه سبحانه ينزل نزولاً كما يليق به ﵎، وقد وردت في ذلك النصوص القطعية. وعليه فاللوازم هذه غير لازمة، فلا يعني أنه يلزم من النزول إخلاء العرش؛ لأن ذلك لا يمكن أن يكون داخلاً في الأضداد، وهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: أنه لا يمكن التحكم في تصوره، فالله ينزل نزولاً يليق بجلاله، فلا يجوز لنا أن نتعدى ذلك، وما ورد عن بعض السلف، أو ما أُثر عن بعض السلف من ذكر بعض اللوازم، كمسألة الإخلاء وعدم الإخلاء، فكلها اجتهادات ليست بقطعية، ولا تلزم جمهور السلف، إذ إنها اجتهادات من آحاد السلف قد يقول بها من باب رد باطل على وجه آخر، فيبالغ أو يقول بما يتوهم ويتصور، وليست عقيدته ملزمة للسلف الصالح، وإن كان من أفراد السلف ومن علماء الأمة؛ لأنه قد يجتهد فيخطئ، فلا يكون اجتهاده موافقاً للقاعدة الشرعية، ولذا فأهل السنة والجماعة لا يلتزمون بهذه اللوازم، أعني: ضرورة القول بإخلاء العرش إذا حصل النزول؛ لأن هذا أمر غيبي خالص، وحتى لو كان في أمر المخلوق لكان من الغيب الذي نتورع أن نخوض فيه، فكيف وهو في حق الله الذي ليس كمثله شيء؟! إذاً: كل هذه التصورات والاعتراضات أوهام على أوهام، فمقدماتها أوهام، ونتائجها أوهام، وما علينا إلا أن نثبت ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، وما نثبته في حق الله أمور لا يحيلها العقل، واللوازم التي ألزموا بها باطلة، فإن كانت اللوازم تستلزم النقص فهي باطلة، وإن كانت لا تستلزم النقص فقد ترد، فإن جاء ما يدل على هذه اللوازم أثبتناه، مثل: أن نقول: من لوازم قوله : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]: أن الله كريم، وأنه سبحانه غني، وأنه قادر، وأنه هو الرزاق، فهذه لوازم نلتزمها، لأنها حق وكمال، لكن اللوازم الأخرى من التشبيه والتجسيم والإخلاء وغير ذلك مما قالوه لوازم باطلة، ولا يستطيعون أن يحاجونا بها، حتى ولو قلنا بقاعدة الجمع بين الضدين؛ لأن استواء الله على عرشه ونزوله كما يليق بجلاله ليس من باب الأضداد على أي وجه من الوجوه، إنما هم توهموا أوهاماً فألزمونا بأوهامهم، وأوهامهم لا تلزمنا قطعاً.

стр. 198

معنى قول شيخ الإسلام: هل لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي أو المتواطئ أو التشكيك ؟ السؤال ما معنى العبارة التالية التي أوردها المصنف في معرض رده على الذين ينفون الصفات: ولكثرة الاشتباه في هذا المقام -يعني: مقام الغلط والتناقض في استعمال الاصطلاحات والعبارات والقواعد- وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته، أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ (الوجود) مقول بالاشتراك اللفظي، أو المتواطئ، أو التشكيك؟ الجواب الاشتراك اللفظي: هو العبارات التي يتحد لفظها وتتعدد معانيها، فاللفظ واحد، لكن يُطلق أحياناً على معان مختلفة ومتفاوتة، مثل: العين، فقد تُطلق على ذات الإنسان، أو على ذات الحيوان، فيُقال: هذا الإنسان بعينه، وهذا الحيوان بعينه، وقد تُطلق على العين الباصرة، وقد تُطلق على العين الجارية، أو الماء الجاري، وهذا يسمى: اشتراك لفظي، فاللفظ واحد والمعاني متعددة، وعليه فهذا أقرب للاشتراك اللفظي منه إلى الاشتراك الحقيقي. والاشتراك اللفظي في مثل هذه الألفاظ لا يعني التماثل، فإذا وجد الاشتراك اللفظي بين بعض أسماء الله وأسماء الخلق، أو بين بعض صفات الله وصفات الخلق، فلا يعني وجود التشابه ولا التماثل، فلماذا ينفون أسماء الله بمجرد وجود الاشتراك اللفظي؟ هذا هو قصد الشيخ. أما التواطؤ فهو أقرب أو أخص، وهو: أن تتفق اللفظة مع كثير من معانيها، أو يجمع اللفظة جنس واحد متقاربة، كالإنسان، فقد يُطلق على جنس، لكن هذا الإنسان قد يكون ذكراً وقد يكون أنثى، وقد يكون صغيراً وقد يكون كبيراً، وقد يكون عاقلاً وقد يكون مجنوناً، لكن ومع ذلك فاللفظة متقاربة معانيها، وليس هناك بعد، مثل: العين، أو الأسد إذا أُطلق على إنسان سماه أبوه وأمه أسد، وبين (أسد) الحيوان المعروف، أو إطلاق الذهب، فقد يُطلق الذهب على المعدن، وقد يُطلق على الشيء العزيز الثمين، وقد يقال: ما شاء الله فلان كلامه من ذهب، فهل معناه أنه يتلفظ ذهباً يوزن؟ لا، ولذا فالتواطؤ هو أن يوجد شيء من التقارب في المعاني مع اتحاد اللفظ، كالإنسان، أو الحيوان، والحيوان هو كل حي سمي حيواناً، لكن لا يُسمى الجدار حيواناً، فهو جنس وإن اختلفت بعض معانيه، فالإنسان -مثلاً- جنس واحد وإن اختلفت بعض معانيه. إذاً: الاشتراك اللفظي هو وجود لفظ متطابق في الحروف، لكن تختلف معانيه اختلافاً كبيراً، أما التواطؤ فهو أن يوجد لفظ يطلق على جنس، وهذا الجنس تتنوع مفرداته تنوعاً غير بعيد عن الأصل. وأما التشكيك فهو الذي يجمع بين هذا وذاك، يعني: كونه لفظاً مشككاً فيه.

стр. 199

شرح العقيدة التدمرية [١٩] من أقوى ما يهدم قواعد نفاة الصفات أو بعضها: أنهم مختلفون في قواعدهم وفي معاني مفرداتها، وكل منهم يرد على الآخر، وهذه الردود التي بينهم يستفاد منها في بيان ما هم عليه من الباطل والتناقض، ولقد تصدى لهم شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وغيرهما، وبينوا فساد مذاهبهم وبطلانها، ولذلك فإن التكلف في هذه الأمور ومخالفة منهج أهل السنة في تقرير العقيدة يسبب الشك والاضطراب في القلوب والعقول.

стр. 200

الاحتجاج على نفي النقائص بنفي التجسيم أو التحيز لا يحصِّل المقصود لوجوه عدة قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، والذين يقولون بإلهية بعض البشر، وأنه الله]. نحتاج إلى أن نبيّن وجه القاعدة حتى نعرف ما بعدها. فهو يقول ﵀: إن النفاة، سواء النفاة المعطّلة الخُلّص، أو من دونهم الذين ينفون شيئاً ويثبتون شيئاً كالمعتزلة، أو أهل الكلام الخُلّص من متكلمة الأشاعرة والماتريدية، فهؤلاء يخلطون خلطاً يجعل الإنسان الجاهل غير المتمكن في العقيدة يشتبه عليه الأمر، فيخلطون بين النقص الخالص وبين ما يُشعر بالنقص من وجه عند السامع دون إضافة اللفظ، فإذا أُضيف اللفظ إلى الموصوف زال الإشكال، أو كان السياق يدل على الكمال. وهناك ألفاظ هي نقص بحت، مثل: الحزن والبكاء، والأكل والشرب، فهذه تنفى عن الله ؛ لأنه ليس له وجه من الحق، ولا تحتمل معنى من المعاني الذي يكون فيه كمال، بعكس ما أثبته الله لنفسه من بعض الأمور التي لو أُفردت لكان فيها وجه نقص، لكن ما جاء في سياق يدل على الكمال كانت كمالاً، مثل: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، فجاءت في مقابل المجازاة، فليست بنقص، فهو مكر بمعنى المجازاة لهم بحق على عملهم الذي استحقوه، وهو من باب العدل، لكن هم جعلوا هذا مثل ذاك، فجعلوا النقص الخالص مثل العبارة التي قد تُشعر بالنقص إذا جاءت في سياق، لكنها في سياق آخر لا تدل على النقص، وإنما تدل على الكمال، فهم خلطوا بين هذا وذاك. ولذلك إلى الآن غير هؤلاء المتكلمين، وخاصة هؤلاء الذين بدءوا يرفعون رأس التصوف، أو راية التصوف، ومن رءوس البدع الجدد بدءوا الآن يوهمون الناس أن أهل السنة والجماعة مجسّمة ومشبّهة، ويقولون: إنهم أخذوا التجسيم والتشبيه عن اليهود، وصدرت في هذا كتب، ويزعمون أن عقيدة أهل السنة والجماعة هي امتداد لعقيدة اليهود، ويقولون: إن أهل السنة والجماعة يثبتون لله اليد والعين والحزن والبكاء، وهذا قد قالوه قبل مائتي سنة، وذلك حين حشدوا جيوشهم ضد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وسلّطوا ألسنتهم وأقلامهم فقالوا هذا الكلام، ونسبوا إلى السنة ما لا يقولون به؛ لأنهم لما قيل لعقلائهم: لماذا قلتم هذا؟! قالوا: من باب الإلزام، فما دمت تثبت اليد والوجه فيلزمك أن تثبت ما عداها من الأعضاء والجوارح! بينما أهل السنة لم يقولوا بذلك، ولما قيل لهم: لماذا اتهمتم أهل السنة بذلك؟ قالوا: لأنهم يثبتون اليد، واليد جارحة وعضو، وهذا يشتبه على كثير من السامعين الذين ليس لديهم فقه في العقيدة، والذين لم يتشربوا العقيدة، فيظنون أن شبهتهم صحيحة، مع أنهم لو عرفوا العقيدة لفرقوا بين هذا وذاك، إذ إن إثبات ما أثبته الله لنفسه على وجه الكمال، لا يعني إثبات ما قرروه هم بهذه الأشياء المثبتة، فهم جعلوا مع إثبات الوجه واليد إثبات جوارح أخرى لم يثبتها السلف ولم يقولوا بها، وإنما قالوا ذلك باللازم، ولازم المذهب ليس بلازم، ومثل ذلك الكلام عن الحزن والبكاء، فلما نفوا الحزن والبكاء -وهو لا يليق بالله نفوا ما يرون أنه مثله من الرحمة أو الغضب وغير ذلك من الصفات التي يظنون أنها من شاكلة الحزن والبكاء، فخلطوا بين الحق والباطل، ولبّسوا الحق بالباطل، فأراد الشيخ هنا أن يبيّن وجه الخطأ عندهم، ووجه الباطل الذي التزموه، أو أرادوا أن يلزموا به أهل الحق بغير حق. قال رحمه الله تعالى: [فإن كثيراً من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم والتحيز ونحو ذلك، ويقولون: لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسماً أو متحيزاً، وذلك ممتنع. وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم هؤلاء الملاحدة، نفاة الأسماء والصفات، فإن هذه الطريقة لا يحصل بها المقصود لوجوه]. يقول: إن أهل الكلام الذين لم ينفوا الأسماء وأثبتوا بعض الصفات ونفوا بعضها، إذا استعملوا هذه الطريقة ألزمهم الذين هم أشد غلواً في النفي، وهم الملاحدة من الجهمية وغلاة المعتزلة الذين ينفون الأسماء والصفات أو ينفون الصفات، فسماهم ملاحدة، لا لأنهم ملاحدة بأعيانهم، لكن لأن منهجهم هو منهج الملاحدة؛ لأن الملاحدة هم الذين ينفون النفي المطلق، فيقول: استظهروا عليهم، بمعنى: انتصروا عليهم، وقالوا: أنتم إذا كنتم تقولون هذا فمعنى ذلك: أن الأسماء والصفات التي تصفون بها الله ينطبق عليها هذا الكلام، فأهل الكلام عندما قالوا: ننفي اليد والوجه والاستواء والنزول؛ لأنها لا تليق بجلال الله ، لكن نثبت السمع والبصر، قال لهم المعتزلة نفاة الصفات: ما أثبتم فيما أثبتموه مثل ما نفيتموه، فوجه التجسيم والتشيبه كما أنه موجود في اليد والعين موجود في السمع والبصر، وعليه فيلزمكم أن تنفوا الجميع، ثم جاءت الجهمية للمعتزلة فقالوا: ما دمتم أنكم تثبتون الأ

стр. 201

الوجه الأول لفساد مسالك المعطلة والرد عليه قال رحمه الله تعالى: [فإن هذا الطريق لا يحصل بها المقصود لوجوه: أحدها: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فساداً في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم]. فمثلاً: الأكل والشرب والحزن والبكاء هذه يردها العاقل بدون أن نقول: إنه تجسيم، ولا ننفيها عن الله لمجرد أنها تجسيم، بل ننفيها عن الله لأنها غير لائقة أصلاً بحد ذاتها، لذا ليس هناك داع لأن نضيفها إلى مبدأ آخر، ونتكلف ونجر أذهان الناس إلى شيء مشتبه، وأكثر الناس قد لا يفهم؛ لأننا لو قلنا: إن الكثير من الناس غير متخصصين، أننا ننفي هذا؛ لأنه تجسيم، لم يفهم ما معنى تجسيم، لكن لو قلنا: ننفي هذه النقائص لأنها غير لائقة بالله، سيفهم كل إنسان ذلك؛ لأنه يشعر بأن هذه غير لائقة بالله، لا لأنها تجسيم، وإن كانت تشعر بالتجسيم، مع أن كلمة (التجسيم) كلمة مشتبهة. إذاً: ليس السبب في نفيها هو مجرد أنها تشعر بالتجسيم فقط، بل تنفى هذه النقائص عن الله لأنها نقائص خالصة لا تُشعر بكمال مطلقاً. قال رحمه الله تعالى: [فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام]. يعني: أن الذي يمثّل الله بالخلق تمثيلاً جزئياً أو كلياً، أو يمثل الخلق بالله تمثيلاً جزئياً أو كلياً، فهو كافر بالإجماع. قال رحمه الله تعالى: [والدليل معرِّف للمدلول ومبيّن له، فلا يجوز أن يستدل على الأظهر الأبين بالأخفى، كما لا يُفعل مثل ذلك في الحدود]. ولذلك التكلّف في إثبات البدهيات يسبب الشك والاضطراب في القلوب والعقول، ولذا من البدهي أن الله لا يليق به أن يوصف بهذه الصفات؛ لأنها صفات نقص، فلا يحتاج أن نذهب لنأتي بأدلة ملتوية لنثبت أنها نقص؛ لأنها بالفطرة معروفة، وكذلك إثبات الكمال لله لا يحتاج إلى تكلف كبير؛ لأنه فطري وبدهي، ولذلك لما تكلم السلف في هذه الأمور، وتكلموا في المسلك الكلامي في إثبات الحقائق، قال السلف: إن المسلك الكلامي في إثبات الحقائق يؤدي إلى الشك قبل أن يؤدي إلى اليقين، فيوقع الناس في ريب؛ لأن ثبوت الحقائق مبني على العقل السليم والفطرة المستقيمة، وأننا كلما تكلفنا في أدلة خارجية لإثبات البدهيات أوجد الشك أكثر مما يوجد اليقين، ولذلك لما قال أحد تلاميذ الرازي لما سألته امرأة عن هذا من هو؟ قال: هذا فلان بن فلان، ووضع عليه من الصفات والتبجيل الشيء الكثير، ثم قال لها: هذا شيخنا الرازي الذي يملك ألف دليل على وجود الله، فضحكت وقالت: تعس والله وخسر، أفي الله شك؟! إذاً: عنده ألف شك؛ لأننا لا نحتاج إلى أن نأتي بألف دليل على وجود الله، ولذلك التكلف في هذه الأمور يوجب الريب والشك، فعلى سبيل المثال: لو أنك في الصحراء مع مجموعة من الناس، والشمس طالعة، ثم قلت لهم: أرى الشمس طالعة، فيردون عليك: نعم لا شك أنها طالعة، لكن لو قلت لهم: أثبتوا لي أنها طالعة، فكيف سيكون الموقف؟! لاشك أنهم سيقولون لك: إن في عقلك خللاً، وإن كان هزلاً؛ لأن هذا ليس فيه مجال حتى ولو للهزل، فالأمر لا يحتاج إلى أن نبرهن على أن الشمس طالعة؛ لأن وجودها يبهر العيون.

стр. 202

الوجه الثاني لفساد مسالك المعطلة والرد عليه قال رحمه الله تعالى: [الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الصفات يمكنهم أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيّز، كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم، فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة الكلام وصفات الكمال، فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال وصفات النقص واحداً، ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد].

стр. 203

الوجه الثالث لفساد مسالك المعطلة والرد عليه قال رحمه الله تعالى: [الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه بصفات الكمال واجب، ثابت بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلاً على فساد هذه الطريقة]. يعني: أن نفي صفات الكمال هذه أيضاً متفاوتة بينهم، فالجهمية ينفون كل صفات الكمال بدعوى أنها تقتضي التجسيم، والمعتزلة ينفون الصفات بدعوى أنها تقتضي التجسيم، فالذي عنده نفي جزئي، أو نفي كلي كلهم قاعدتهم واحدة وتهدم أصولهم وعقائدهم؛ لأنهم ينفون صفات الكمال بدعوى أنها تجسيم، وكل واحد منهم يقول للآخر: أنت جسمت فيما أثبت، حتى لا يبقى إثبات؛ لأن كلمة (التجسيم) كلمة وهمية. إذاً: كيف يقولون: إن إثبات صفات الكمال في حق الله تجسيم؟! الله ليس كمثله شيء، لكن توهمهم بمختلف طبقاتهم أن الإثبات تجسيم، سواء من ينفي نفياً جزئياً، أو ينفي نفياً كلياً، مع أن التجسيم ما هو إلا وهم وخيال في رءوسهم لا حقيقة له، ومن هنا وقعوا في هذه المعضلات.

стр. 204

الوجه الرابع لفساد مسالك المعطلة والرد عليه قال رحمه الله تعالى: [الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئاً منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئاً منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي]. إن أهل السنة -بحمد الله- يلزمونهم جميعاً بالحق.

стр. 205

بيان تناقض نفاة الصفات أو بعضها قال رحمه الله تعالى: [فمثبتة الصفات كالحياة، والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر]. هؤلاء متكلمة الأشاعرة والماتريدية الذين يثبتون هذه الصفات، بل وبعضهم قد يزيد، وهذا دليل الخذلان في مثل هذه الأمور، أعني: خذلان المنهج لا الأفراد، فالأفراد قد يكون فيهم من عنده اجتهاد يؤجر عليه، لكنه أخطأ، لكن خذلان المنهج يعني: اضطراب المنهج، ففي الوقت الذي يثبتون فيه هذه السبع الصفات مثل: الماتريدية وينفون ما ثبت من الصفات الأخرى في القرآن والسنة، أتوا بصفة من عندهم اسمها (التكوين)، فصارت ثماني صفات، فنقول لهم: من أين أتيتم بهذه الصفة؟! فأنتم الآن نفيتم ما ثبت لله ، وأتيتم لنا بصفة لا أصل لها، ولذلك الماتريدية يثبتون ثماني صفات، والأشاعرة يثبتون سبع صفات، وهي الحياة، والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر، والإرادة، وقد جاء في بعض المقابلات التلفزيونية التي أشكلت على كثير من طلاب العلم في الآونة الأخيرة، من أن بعض المشايخ يقول: إن الأشاعرة يثبتون عشرين صفة أو أكثر، وحتى الماتريدية يتفاوتون، فمنهم من يثبت أكثر من ثمان، فيثبت ثلاث عشرة صفة، أو عشرين، أو اثنتين وعشرين، ومنهم من يثبت عموم الصفات وهو من الأشاعرة الماتريدية، لكن يتأول بعضها، وخاصة الصفات الفعلية، لذا فالكلام إنما هو على المنهج العام لا على حال الأفراد أو بعض المدارس أو الاتجاهات، فليس كل الأشاعرة لا يثبتون إلا هذه الصفات، وليس كل الماتريدية لا يثبتون إلا هذه الصفات. قال رحمه الله تعالى: [فمثبتة الصفات كالحياة، والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر، إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، أو لأنا لا نعرف موصوفاً بالصفات إلا جسماً. قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجوداً حياً عالماً قادراً إلا جسماً، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن. وقالوا لهم: أنتم أثبتم حياً عالماً قادراً، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، وهذا تناقض يعلم بضرورة العقل]. إن غالب من يقعون في هذه الأمور المعضلة هم أناس يظنون أن هذا من تعظيم الله وتنزيهه، فعوّلوا على عقولهم وتشرّبوا مذاهب الفلاسفة، وظنوا أن فيها شيئاً من أصول التنزيه، واغتروا بذكائهم فوقعوا فيما وقعوا فيه، ولو سلّموا لله ، وسلّموا لكتابه، ولما صح عن رسوله ﷺ ، والتزموا سبيل المؤمنين، وفوّضوا علم ما لم يعلموه إلى عالمه سبحانه، وهذا ما يجب أن يكون عند الوقوع في مثل هذه المعضلات، لكان خيراً لهم، لذا فكيف يجرؤ إنسان أن يقول: إن الله حي بلا حياة، أو عليم بلا علم، أو سميع بلا سمع، أو قدير بلا قدرة؟! فهو كمن بنى ثم هدم ما بنى، ولذلك الشيخ يناقشهم أحياناً بالبدهيات فيقول: هذا تناقض يُعلم بضرورة العقل، فلا يُعقل أن يكون عليماً بلا علم، لكن الحاصل أنهم التزموها لأنهم إذا أثبتوا العلم أثبتوا تعدد الصفات، وإثبات الصفة وتعدد الصفات لابد أن يكون دليلاً على موصوف له وجود حقيقي ذاتي، لكنهم يهربون من الوجود الحقيقي الذاتي، فيثبتون معاني فقط، لكن إذا انتقلت هذه المعاني إلى صفات، فلابد أن تكون الصفات دليلاً على موصوف، والأفعال لا بد أن تكون خارجة من فاعل، وهذا يدل على ثبوت وجود حقيقي ذاتي لله ، لكن ما ذكرت فهم يهربون من ذلك، وسبق أن ذكرت أن معضلة هؤلاء كلهم ابتداء من الفلاسفة، ثم من دونهم من المتكلمين، ثم من دونهم ممن وقع في التأويل: أنهم لا يثبتون لله وجوداً حقيقياً ذاتياً، فيرون وجود الله وجوداً معنوياً اعتبارياً، ولذلك قالوا: الاستواء هو الاستيلاء، والنزول هو نزول الرحمة، وفي سائر الصفات وخاصة الفعلية اضطروا للتأويل، فقالوا: العلو علو القدر؛ لأنهم إذا قالوا: علو ذاتي، لزمهم أن يثبتوا الاستواء، ولزمهم أن يثبتوا لله وجوداً يستحق به العلو الذاتي، فهم لا يريدون أن يثبتوا لله في أذهانهم ولا في عقائدهم، وهذا نزعة فلسفية، فالفلاسفة كلهم على مختلف مناهجهم يمكن أن نجمع مذهبهم وفلسفتهم في وجود الله على أن وجود الله مجرد وجود معنوي، أو وجود قوة تسيّر الكون، وهذه القوة قوة معنوية ليست ذاتية، فلذلك صرفوا عنه الأسماء والصفات، أو صرفوا عنه الصفات، أو صرفوا عنه الصفات الفعلية، وكل أخذ من هذا الباطل بقدر، ولذلك الذي لا يعتقد لله وجوداً ذاتياً لا يستطيع أن يثبت الاستواء ولا العلو ولا النزول ولا المجيء، ولا أن يثبت بقية الصفات الفعلية؛ كالكلام وغيره؛ لأنه لا يرى أن لله وجوداً ذاتياً، ومن هنا نجد كما ذكر علماء السلف، بل ووجدنا هذا في الدروس المعاصرة، أن الذين تشرّبوا هذه العقيدة وفقهوها -وهم قلة- لا يطيق سماع الأحاديث التي تُثبت الصفات، بل قد يخرج من الدرس ويكاد أن يمزّق ثيابه؛ لأنه يظن أن هذا تجسيم، لذا فهؤلاء خلطوا بين هذا وذاك، ونحن نقول: الله له وجود يليق بجلاله، وليس وجوده الذاتي يعني ضرورة التجسيم أو التشبيه

стр. 206

شرح العقيدة التدمرية [٢٠] طرق إثبات أسماء الله وصفاته هي الطرق الشرعية التي جاءت في الكتاب والسنة، وما تضمنته من قواعد وأصول شرعية وعقلية، والطرق العقلية هي التي توافق قواعد الشرع، وقد تكون غير واردة في الكتاب والسنة على جهة التفصيل، لكنها صحيحة في السبر والاستقراء وفي التمعن والتدبر، وفي صريح العقل السليم والفطرة السليمة، كل ذلك على جهة الإجمال.

стр. 207

تلخيص موجز لفصل جديد في طرق الإثبات سننتقل إلى فصل جديد في طرق الإثبات، وسنأخذه على سبيل الإيجاز والتلخيص، والفصل فيه قواعد وأصول وتفصيلات لهذه الأصول، ولا يهمنا التفصيلات والأمثلة؛ لأن فيها نوعاً من الصعوبة الذي قد يتسبب في تشويش الفهم. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا المقام لم يكتب لطلاب العلم وأهل السنة فقط، بل كتب لصنفين: للمتكلمين، ولمن تأثر من طلاب العلم بمذاهب المتكلمين في أسماء الله وصفاته، أما عامة طلاب العلم فهذا لا يصلح لهم، وليسوا بحاجة إليه، إلا القواعد العامة كما ذكرت. وفي هذا الفصل لا نحتاج إلى أن نقرأ، وإنما نحتاج إلى أنكم تتبعون معي القواعد في مظانها، ثم نتجاوز جزءاً كبيراً من الفصل. والشيخ رحمه الله تعالى هنا يتكلم عن الطرق المشروعة وغير المشروعة في مسألة إثبات أسماء الله وصفاته وأفعاله، والنفي كذلك، لكن هنا ركّز على الإثبات، وسيأتي كلامه على النفي فيما بعد. فيقول: إن طرق إثبات أسماء الله وصفاته هي الطرق الشرعية التي جاءت في الكتاب والسنة، وما تضمنته من قواعد وأصول شرعية وعقلية، ثم الطرق العقلية التي توافق البراهين القرآنية، والتي جاءت بتثبيت الطريقة الشرعية. وإثبات الأسماء والصفات لله أولاً: يعتمد على السمع، أي: على الوحي، والوحي له في الإثبات طريقتان: الطريقة الأولى: إثبات تفاصيل أسماء الله وصفاته وأفعاله ومفرداته، مثل: العلم، والحكمة، والإرادة ونحو ذلك. الطريقة الثانية: إثبات قواعد أو أصول الكمال لله التي تتضمن الأسماء والصفات والأفعال. والثاني: هي الطرق العقلية التي يقول بها العقلاء، والتي توافق قواعد الشرع، فقد تكون غير واردة في الكتاب والسنة، لكنها صحيحة في السبر والاستقراء، وفي التمعن والتدبر، وفي صريح العقل السليم والفطرة، إذ هي أصول يستدل بها عقلاء الناس على إثبات الكمال لله في أسمائه وصفاته وأفعاله على جهة الإجمال، وفي بعض التفاصيل، وليس كل التفاصيل؛ لأن العقول لا سبيل لها في إدراك التفاصيل بأسماء الله وصفاته في كل الأمور، فالعقول السليمة تُدرك الإجماليات، وبعض الأمثلة على التفاصيل التي توافق الشرع، فهذا ما أراد أن يقوله الشيخ في أول هذا الفصل.

стр. 208

خطأ الاكتفاء في الإثبات بمجرد نفي التشبيه فيما يثبت يقول رحمه الله تعالى: [وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضاً أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه]. يشير الشيخ هنا إلى طريقة المتكلمين من الجهمية والمعتزلة، أو حتى المنتسبين لأهل السنة الذين يثبتون -بزعمهم- كل صفة ترد مع نفي التشبيه، حتى بما لا يليق، ولذلك تكلموا في الأعضاء والأفعال غير اللائقة بحق الله، فقالوا: نثبتها، مع أنها لم ترد في الكتاب والسنة، بل إن العقول السليمة تنفر منها، لكن قالوا: نثبتها من غير تشبيه، وصاروا يثبتون كل شيء من غير تشبيه، ويظنون أن كلمة (من غير تشبيه) تنفي النقص عن الله، وهذا غير مسلّم لهم، فالفريقان كل منهما نقول له: مجرد نفي التشبيه لا يجوز، سواء من الجهمية والمعطّلة الذين أثبتوا بعض الأسماء والصفات، وقالوا: من غير تشبيه، وزعموا بذلك أنهم يريدون نفي حقيقة الصفة، أو يدخلون تحت هذا نفي حقيقة الصفة، أو الذين بالغوا في الإثبات، من المشبّهة ومن بعض جهلة أهل السنة، والذين أثبتوا ما لا يليق بحق الله في الاستواء والأعضاء وغيرها، يعني: أنهم ذكروا لوازم الاستواء، وقالوا: نُثبت ذلك من غير تشبيه، والشيخ يقول لهم: إن هذا خطأ، بل نثبت لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، من غير تمثيل ولا تشبيه، إذ لا مانع من ذلك، لكن أيضاً هذا الإثبات إذا أخرجناه عن نصوص الكتاب والسنة فلا نُثبت إلا ما يقتضي الكمال، ونقول: صحيح أن من الكمالات ما نعبّر عنه بألسنتنا، ولم يرد في الكتاب والسنة، لكنه كمال لا غبار عليه، فهذا يُثبت لله . أما تفصيلات الأسماء والصفات والأفعال فلا تُثبت على وجه يشعر بالنقص لله ، إلا ما ثبت في الكتاب والسنة، ولذلك الشيخ ضرب أمثلة: بالبكاء والحزن والجوع والعطش، وبعضهم حينما ذكر حديث: (جعت يا عبدي فلم تطعمني) فتعالى الله عن أن يثبت ذلك على هذا النحو، مع أن مثل هذا السياق جاء صراحة من غير تأويل، وذلك تعبيراً عن حاجة عباده الذين يحتاجون إلى إطعام، وهذا واضح من السياق، ومثله: حديث الهرولة، فالصحيح والراجح أنه لا يُقال: هرولة من غير تشبيه، فحديث الهرولة مرتبط بأفعال العباد، ولذلك تفسيره ليس غيبياً، فلا يجوز أن يقول قائل: نثبت الهرولة من غير تشبيه، ولا يقال: الله أعلم بمراده، بل نثبت اللازم الظاهر من النص، ولا يعد هذا من التأويل؛ لأن التأويل يتعلق بالغيب البحت، أما أمر مربوط بعالم الشهادة، أو مربوط بمجازاة العباد ربطاً مباشراً من غير تأويل ولا مجاز ولا استعارة ولا نحو ذلك، فهذا تفسيره يعتبر حقيقياً للنص، فهو تعبير عن مجازاة العبد؛ لأنا نعلم أن الإنسان لا يعبد الله بالمشي ليجازى بالهرولة، وليس المشي في حد ذاته عبادة، وإنما من أتاني ماشياً، أي: سائراً على ما شرع الله من العبادات والواجبات والفرائض فإن الله يجازيه بأعظم مما فعل، فعُبِّر عن هذا بالمشي، وعُبِّر عن تلك بالهرولة، وهذا نص فريد من نوعه، ومثله: حديث الملل عند بعض أهل العلم، وكذلك نصوص أخرى جاءت بسياق عالم الشهادة، وجاءت في سياق المجازاة، وليست غيبية خالصة. أما بقية النصوص الأخرى فتُعلّق بأفعال الله وصفاته؛ لأنها غيبية خالصة، ويقال فيها: نثبت ما أثبته الله لنفسه من غير تمثيل، ونقول: على ما يليق بجلال الله ، مع وجوب معرفتنا بأنها حقيقة؛ لأن الله لم يتكلم إلا بالحق، ولا يُخبر إلا بالحق. ثم ذكر أيضاً الضحك والفرح والحزن في أشياء ثبتت فيها النصوص، ولا يقال: الجوع مثل الضحك، أو العطش مثل الضحك، أو البكاء مثل الضحك، فالضحك أمر غيبي بحت، ويُثبت على ما يليق بجلال الله ، لكن ما لم يرد لا بد أن يخضع للقاعدة الأخرى.

стр. 209

خطأ الاعتماد في النفي على عدم مجيء السمع قال رحمه الله تعالى: [فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع فما جاء به السمع - يعني: الوحي- أثبته دون ما لم يجئ به السمع]. هذه أيضاً قاعدة ناقصة؛ لأن من الكمالات التي تثبتها الفطرة السليمة والعقول لله ما لم يرد به السمع على جهة التفصيل، فهذا على جهة الإجمال يُثبت لله ، فالسمع لا شك أنه خبر صادق، وهو جاء بالنفي والإثبات، وأيضاً الخبر دليل على المخبر عنه، والدليل لا ينعكس، بمعنى: أنه إذا لم يأت خبر في كمال من الكمالات لا يعني أنه لا يثبت ذلك الكمال لله، فالله ما ذكر لنا جميع كمالاته، وإنما ذكر نماذج منها، حتى إنه في حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً)، لا تعني الحصر، بل هناك أدلة قاطعة تدل على أن لله من الكمال والأسماء والصفات والمحامد ما لم يرد في الكتاب والسنة، كما جاء في حديث الشفاعة، أن النبي ﷺ قال: (فأدعو الله بمحامد يلهمني الله إياها)، يعني: بكمالات، ليحمد الله بها في ذلك اليوم العظيم، فهذا دليل على أن الكمال لله ليس محصوراً بما ورد في الكتاب والسنة، بل كمال الله لا يحصر، ولذلك قد تدرك العقول السليمة أن كمال الله لا حد له، ولا يُحد بمفردات قد وردت في الشرع، بل ما ورد في الكتاب والسنة هي نماذج من كمال الله، مما يحتاجه البشر وتستوعبه أذهانهم. إذاً: الاعتماد في النفي على كون الشيء لم يرد به السمع خطأ، بل كما يجب إثبات كل كمال الله كذلك يجب نفي كل ما ينافي الكمال لله ، حتى لو لم يرد نفيه في الكتاب والسنة، والإثبات من جانب أوسع من النفي، والنفي من جانب أوسع من الإثبات، فإذا نظرنا إلى مفردات الصفات والأسماء والأفعال نجدها في الإثبات أكثر، وإذا نظرنا إلى القواعد فنجد النفي أكثر، مثل قاعدة: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فهذه أوسع؛ لأنها تنفي كل نقص، وهذا الذي جعل بعض الناس تشتبه عليه عبارة بعض السلف حينما قالوا: إن القرآن جاء بإثبات مجمل ونفي مفصّل. وفي عبارة أخرى: إن الشرع جاء بإثبات المفصّل ونفي المجمل. فإذا نظرنا إلى مفردات الأسماء والصفات والأفعال نجد التفصيل في الإثبات أكثر، وإذا نظرنا إلى القواعد نجد التفصيل في النفي أكثر؛ لأنه رد على مقالات أمم الكفر الباطلة التي قالت في الله قولاً عظيماً، وقولاً شنيعاً، فجاء رد أقوالهم بقواعد دون التعريج على الأمثلة؛ لأن الأمثلة لا يحتاجها الناس، أي: أن صاحب العقل السليم والفطرة المستقيمة يكفيه أن تُعرض عليه قواعد نفي النقص عن الله ، بل إنه من غير اللائق أن يبالغ الإنسان في النفي، فالله يُثبت له الكمال وتُنفى عنه النقائص، فيُثبت له الكمال جملة وتفصيلاً، وتُنفى عنه النقائص على جهة الإجمال، إلا إذا جاء لتفصيل موجب، كأن يتكلم متكلم بكلام غير لائق، فيرد عليه بمثل كلامه، وإلا فالأولى أن الإنسان لا يكثر من الأمثلة في نفي النقائص عن الله ، ولذلك تجدون مثل العبارات التي ساقها شيخ الإسلام ابن تيمية من نفي البكاء والعطش والأعضاء، لا يأتي بها إلا عندما تأتي قواعد الرد فقط، وعند الرد على أناس خاضوا في هذه الأمور وابتلوا بها، ولذلك نصيحتي لكل طالب علم متخصص في العقيدة ألا يُعرّض الناس في الدروس لمثل هذه الأمور بدون موجب ضروري، كأن تكون مقتضى الدرس الذي يدرسه، أو أتت على لسان أحد، ومن هنا يفصّل من أجل نفي الشبهة، أما أن يكون تقريراً أمام عامة الناس، أو أمام عامة طلاب العلم، أو حتى طلاب العلم المبتدئين في العقيدة، فالأولى والأجدر أن يتحاشى التفصيلات في نفي النقائص؛ لأن ذكرها سوء أدب مع الله .

стр. 210

السمع والعقل يثبتان لله صفات الكمال وينفيان عنه كل ما يضاد ذلك بقية كلام المصنف هو تقرير لهذا، ولذلك قال بعدها رحمه الله تعالى: [فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر]. هذه قاعدة عظيمة جامعة. يعني: أن السمع والعقل السليم جاء بإثبات صفات الكمال لله ، وأيضاً السمع والعقل السليم والفطرة المستقيمة أتيا بنفي النقص بقاعدتين: الأولى: ما يضاد الكمال لله من الأسماء والصفات والأفعال، فهذا ينفى عن الله . الثانية: نفي أن يكون لله كفء ونظير وند مطلقاً. فهاتان القاعدتان تلتقي فيهما جميع قواعد نفي النقائص عن الله . ثم ذكر الشيخ الرد على القرامطة، هؤلاء الذين يعيشون في وساوس وأوهام وأمراض.

стр. 211

قاعدة: كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به قال رحمه الله تعالى: [وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به]. هذه قاعدة جديدة متفرعة عن القواعد السابقة، إذ إن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، لكن على نحو مختلف، فالكمال الذي ثبت للمخلوق كمال نسبي محدود يعتريه الضعف والنقص والفناء والخلل، بينما الله له الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص. هذه القاعدة تنطبق على ما يسمى بالمفردات والجزئيات، فإذا قلنا: إن الله ثبت له العلم، ومن البشر من أعطاه الله علماً على وجه الكمال بين البشر، إذ إن أكمل الناس علماً هم الأنبياء، وأكمل الأنبياء علماً هو النبي ﷺ ، ومع ذلك فعلمه محدود؛ لأن الله لم يطلعه من العلم إلا على الشيء اليسير، بعكس ما تدعيه أصحاب الطرق والفرق والأهواء، فليس عنده من علم الله إلا ما علّمه الله إياه، ولم يطّلع من أمر الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، فإذاً علمه محدود، مع أنه يُقال فيه: أكمل الخلق علماً. إذاً: هذا العلم يُثبت لله على صفة الكمال، ويُثبت للمخلوقين على صفة يناسبهم، وكذلك الحكمة والإرادة وغيرها، إذ هي كمالات، والله يُكمل بها بعض خلقه، لكنه كمال نسبي، أما الكمال المطلق في جميع هذه الأمور وغيرها فهو لله سبحانه.

стр. 212

قاعدة: كل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك قال رحمه الله تعالى: [وكل نقص تنزّه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك] سواء ورد بالسمع -أعني: بالوحي- أو لم يرد؛ لأن الناس يحدثون من المقالات ومن الأوهام ومن الخيالات ومن الألفاظ ما لم يرد في الكتاب والسنة، لكن قواعد رد الباطل موجودة في الكتاب والسنة، مثل قوله : ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤] فهذه قواعد حاكمة لا يُفلت منها أي تصور إدراك مطرد عن البشر، فكلها ترد إلى هذه القواعد. قال رحمه الله تعالى: [والسمع قد نفى ذلك في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] والصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهذه السورة هي نسب الرحمن، وهي الأصل في هذا الباب] كما ذكر المحقق هنا: أنه أخرج الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، وابن خزيمة في كتاب التوحيد، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب: (أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : يا محمد! انسب لنا ربك، فأنزل الله ﵎ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]). لا يعني النسب هنا: نسب التوارث، وإنما هو التعريف بالرب ، ووصفه . ثم بعد ذلك تكلم عن تفصيلات وأمثلة لسنا بحاجة إليها، بل الأولى ألا نتعمّق في مثل هذه الأمور؛ لأن الشيخ رد بها على أناس ابتلوا بالوساوس والأوهام، وزبالات أفكار الفلاسفة وخيالاتهم.

стр. 213

نتيجة القاعدة السادسة قبل القاعدة السابعة قال رحمه الله تعالى: [وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له - أي: لله ولا ما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك؛ لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع]. على هذا التفصيل يشير الشيخ إلى مواضع أخرى، مثل: كتابه (درء التعارض) فقد فصّل فيه الشيخ هذه المسألة في مئات الصفحات، وكذلك كتاب: (منهاج السنة) بشكل أقل، وأيضاً في مواضع أخرى، كرسائل مفردة في الفتاوى، وسيأتي قراءة بعضها. يقول رحمه الله تعالى: [وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه]. أي: جوامع تقرير هذه الأمور بالأصول الشرعية وبالنصوص، وتقرير هذه الأمور بالقواعد العقلية السليمة، وقواعد الفطرة نفياً وإثباتاً. ثم قال رحمه الله تعالى: [وما سكت عنه السمع نفياً وإثباتاً، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه]. قوله: (ولم يكن في العقل) يقصد بذلك: العقل السليم، وإلا فكل صاحب عقل مخلّط يستطيع أن يقول: إن عقله يقول ويقول. قال رحمه الله تعالى: [ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه، فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته، والله أعلم]. إذاً: هذه قاعدة عظيمة وسليمة، من التزمها سلم دينه وسلمت عقيدته.

стр. 214

الأسئلة

стр. 215

بيان معنى الأحاديث التي أتت بربط أفعال الله بأفعال العباد السؤال ما ذكرته حول حديث: (من أتاني يمشي أتيته هرولة) نريد مزيد بيان وتوضيح، وهل هناك قاعدة تضبط بها مثل هذه النصوص؟ الجواب الأحاديث التي جاءت بربط أفعال الله بأفعال العباد، سواء على سبيل المجازاة أو المشاكلة أو نحو ذلك، تعتبر مفسّرة بنصها، ولا يجوز في غالبها أن نثبت منها صفات؛ لأنها قد جاءت على وجه فُسِّر بها النص، وضربت في هذا بمثال الهرولة والملل، قال ﵊: (فإن الله لا يمل حتى تملوا) فليس المقصود بالملل عند الله الملل الذي عند البشر، فالملل عند البشر صفة نقص، لكن الملل هنا جاء على سبيل المجازاة، وهذه القاعدة لا تُحكم بها الصفات الغيبية البحتة الأخرى؛ لأنها تخرجها عن الحقائق، بينما هذه التي وردت في سياق المجازاة حقيقتها يفهمها كل عاقل، حتى العامي يفهم أن قوله : (من أتاني يمشي أتيته هرولة) أنها حث على الطاعة، وليست متعلقة بإثبات الصفة، وإنما متعلقة بإثبات الجزاء؛ لأنها ربطت بالمخلوق، وكذلك ما يتعلق بنسبة بعض الأشياء إلى الله، كنسبة البيت إلى الله ، ونسبة الناقة، فلا يعني أن نقول: نصف الله بهذه الصفات؛ لأنها جاءت على سبيل التكريم والتشريف، وفسّرناه بهذا التفسير لأنها رُبطت بعالم الشهادة، فبيت الله إذا كان المقصود به الكعبة عرفنا ما معنى كونه بيت الله، وكذلك الناقة أيضاً، فقد قيل لها ناقة الله؛ لأن الله جعلها محل امتحان واختبار لأولئك القوم، وأعطاها مميزات وخصائص، فكرّمها وميّزها، فجاء الاختصاص على سبيل التشريف والتكريم.
следующие страницы →