← Акыда

Акыда · id 37727

شرح التدمرية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (326 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قاعدة: كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به قال رحمه الله تعالى: [وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به]. هذه قاعدة جديدة متفرعة عن القواعد السابقة، إذ إن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، لكن على نحو مختلف، فالكمال الذي ثبت للمخلوق كمال نسبي محدود يعتريه الضعف والنقص والفناء والخلل، بينما الله له الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص. هذه القاعدة تنطبق على ما يسمى بالمفردات والجزئيات، فإذا قلنا: إن الله ثبت له العلم، ومن البشر من أعطاه الله علماً على وجه الكمال بين البشر، إذ إن أكمل الناس علماً هم الأنبياء، وأكمل الأنبياء علماً هو النبي ﷺ ، ومع ذلك فعلمه محدود؛ لأن الله لم يطلعه من العلم إلا على الشيء اليسير، بعكس ما تدعيه أصحاب الطرق والفرق والأهواء، فليس عنده من علم الله إلا ما علّمه الله إياه، ولم يطّلع من أمر الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، فإذاً علمه محدود، مع أنه يُقال فيه: أكمل الخلق علماً. إذاً: هذا العلم يُثبت لله على صفة الكمال، ويُثبت للمخلوقين على صفة يناسبهم، وكذلك الحكمة والإرادة وغيرها، إذ هي كمالات، والله يُكمل بها بعض خلقه، لكنه كمال نسبي، أما الكمال المطلق في جميع هذه الأمور وغيرها فهو لله سبحانه.

стр. 212

قاعدة: كل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك قال رحمه الله تعالى: [وكل نقص تنزّه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك] سواء ورد بالسمع -أعني: بالوحي- أو لم يرد؛ لأن الناس يحدثون من المقالات ومن الأوهام ومن الخيالات ومن الألفاظ ما لم يرد في الكتاب والسنة، لكن قواعد رد الباطل موجودة في الكتاب والسنة، مثل قوله : ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤] فهذه قواعد حاكمة لا يُفلت منها أي تصور إدراك مطرد عن البشر، فكلها ترد إلى هذه القواعد. قال رحمه الله تعالى: [والسمع قد نفى ذلك في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] والصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهذه السورة هي نسب الرحمن، وهي الأصل في هذا الباب] كما ذكر المحقق هنا: أنه أخرج الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، وابن خزيمة في كتاب التوحيد، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب: (أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : يا محمد! انسب لنا ربك، فأنزل الله ﵎ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]). لا يعني النسب هنا: نسب التوارث، وإنما هو التعريف بالرب ، ووصفه . ثم بعد ذلك تكلم عن تفصيلات وأمثلة لسنا بحاجة إليها، بل الأولى ألا نتعمّق في مثل هذه الأمور؛ لأن الشيخ رد بها على أناس ابتلوا بالوساوس والأوهام، وزبالات أفكار الفلاسفة وخيالاتهم.

стр. 213

نتيجة القاعدة السادسة قبل القاعدة السابعة قال رحمه الله تعالى: [وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له - أي: لله ولا ما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك؛ لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع]. على هذا التفصيل يشير الشيخ إلى مواضع أخرى، مثل: كتابه (درء التعارض) فقد فصّل فيه الشيخ هذه المسألة في مئات الصفحات، وكذلك كتاب: (منهاج السنة) بشكل أقل، وأيضاً في مواضع أخرى، كرسائل مفردة في الفتاوى، وسيأتي قراءة بعضها. يقول رحمه الله تعالى: [وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه]. أي: جوامع تقرير هذه الأمور بالأصول الشرعية وبالنصوص، وتقرير هذه الأمور بالقواعد العقلية السليمة، وقواعد الفطرة نفياً وإثباتاً. ثم قال رحمه الله تعالى: [وما سكت عنه السمع نفياً وإثباتاً، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه]. قوله: (ولم يكن في العقل) يقصد بذلك: العقل السليم، وإلا فكل صاحب عقل مخلّط يستطيع أن يقول: إن عقله يقول ويقول. قال رحمه الله تعالى: [ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه، فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته، والله أعلم]. إذاً: هذه قاعدة عظيمة وسليمة، من التزمها سلم دينه وسلمت عقيدته.

стр. 214

الأسئلة

стр. 215

بيان معنى الأحاديث التي أتت بربط أفعال الله بأفعال العباد السؤال ما ذكرته حول حديث: (من أتاني يمشي أتيته هرولة) نريد مزيد بيان وتوضيح، وهل هناك قاعدة تضبط بها مثل هذه النصوص؟ الجواب الأحاديث التي جاءت بربط أفعال الله بأفعال العباد، سواء على سبيل المجازاة أو المشاكلة أو نحو ذلك، تعتبر مفسّرة بنصها، ولا يجوز في غالبها أن نثبت منها صفات؛ لأنها قد جاءت على وجه فُسِّر بها النص، وضربت في هذا بمثال الهرولة والملل، قال ﵊: (فإن الله لا يمل حتى تملوا) فليس المقصود بالملل عند الله الملل الذي عند البشر، فالملل عند البشر صفة نقص، لكن الملل هنا جاء على سبيل المجازاة، وهذه القاعدة لا تُحكم بها الصفات الغيبية البحتة الأخرى؛ لأنها تخرجها عن الحقائق، بينما هذه التي وردت في سياق المجازاة حقيقتها يفهمها كل عاقل، حتى العامي يفهم أن قوله : (من أتاني يمشي أتيته هرولة) أنها حث على الطاعة، وليست متعلقة بإثبات الصفة، وإنما متعلقة بإثبات الجزاء؛ لأنها ربطت بالمخلوق، وكذلك ما يتعلق بنسبة بعض الأشياء إلى الله، كنسبة البيت إلى الله ، ونسبة الناقة، فلا يعني أن نقول: نصف الله بهذه الصفات؛ لأنها جاءت على سبيل التكريم والتشريف، وفسّرناه بهذا التفسير لأنها رُبطت بعالم الشهادة، فبيت الله إذا كان المقصود به الكعبة عرفنا ما معنى كونه بيت الله، وكذلك الناقة أيضاً، فقد قيل لها ناقة الله؛ لأن الله جعلها محل امتحان واختبار لأولئك القوم، وأعطاها مميزات وخصائص، فكرّمها وميّزها، فجاء الاختصاص على سبيل التشريف والتكريم.

стр. 216

الشفاعة العظمى وبيان وقتها السؤال ما هو دعاء الشفاعة؟ ومتى وقته؟ الجواب حديث الشفاعة الكبرى والعظمى حديث طويل، وقد ذكر فيه ﵊ ما يحدث للأمم يوم القيامة من القيام الطويل تحت الشمس، وأنهم يستشفعون بمن يشفع لهم أمام الله لفصل القضاء بينهم، وأنهم يأتون آدم، ثم نوحاً، حتى يمروا بأولي العزم جميعاً، فيكون آخرهم عيسى ﵇، فيقول لهم: اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فإنه عبد قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتون النبي ﷺ فيقول: أنا لها، فيأتي تحت العرش فيسجد طويلاً ويدعو الله بمحامد يلهمه إياها في ذلك الموقف العظيم، وأيضاً يدل عليه دلالة أوضح قول النبي ﷺ في الدعاء: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في العلم غيب عندك)، أي: أن من أسماء الله المستأثرة به ما تكون في علم الغيب، وليس كل ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته تعتبر حصراً لها، بل إن أسماء الله لا حصر لها من حيث الكمال والعدل.

стр. 217

شرح العقيدة التدمرية [٢١] العقل نعمة كبرى من الله ، وهو مناط التكليف، وهو دليل ووسيلة في فهم الوحي والإيمان به، لكن العقل لا يقرر الدين على جهة التفصيل استقلالاً، وإنما يدرك المجملات، والمجملات تتفاوت فيها العقول أيضاً، فهذا يدل على فساد من حكم عقله في الشرع وجعله حاكماً عليه.

стр. 218

ملخص تتمة القاعدة السادسة في الإثبات فلا زلنا في القاعدة السادسة من قواعد الصفات في التدمرية ضمن المجلد الثالث من الفتاوى، وقد وصلنا إلى آخر القاعدة، ولذا فأقول: ليس هناك داع لأن نقرأ بعض كلام المصنف؛ لأنه عبارة عن ردود على أناس ابتلوا -ونحن بحمد الله في عافية من هذا الأمر- بمناهج المتكلمين أصالة أو تبعاً، فلذلك نختصر الموضوع. وهو ﵀ قد قرر أن السمع والعقل يُثبتان لله صفات الكمال، وينفيان عنه ما يضاد صفات الكمال، وينفيان أن يكون له كفء أو مثل، وقد سبق تقرير هذا، ثم في آخر الكلام ذكر النصوص، وقال في موضع من نهاية القاعدة السادسة: [وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به]. وهذه قاعدة عظيمة، لكنها أيضاً قاعدة إجمالية، وتفصيلها ما سبق وما سيلحق أيضاً. ثم قال: [وكل نقص تنزّه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك، والسمع قد نفى ذلك في غير موضع كقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢]]. هذا تقرير الصمدية التي تنفي حالة النقص من الحاجة للأكل والشرب، أو أن له جوفاً؛ لأن الصمد وصف كمال يدل على الغنى الكامل وعدم الحاجة. ثم قال رحمه الله تعالى: [والصمد الذي تصمد إليه الخلائق، والذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب]، وقال: [وهذه السورة هي نسب الرحمن] أي: صفته، وقد سبق أن قررنا هذا. ثم ذكر أمثلة على ما لا يليق بالله ، وهي أمثلة في الحقيقة توحش إيرادها؛ لأنه من غير اللائق أن تقال، لكن الشيخ أراد الرد على أناس ابتلوا بهذه الوساوس والأوهام، لا على أصحاب الفطرة السليمة، أو شباب أهل السنة، ولذلك من الحكمة وأظنه من المناسب أن نتجاوز هذا إلى القاعدة السابعة.

стр. 219

القاعدة السابعة: دلالة العقل على كثير مما دل عليه السمع قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [القاعدة السابعة: أن يقال: إن كثيراً مما دل عليه السمع يُعلم بالعقل أيضاً، والقرآن يبيّن ما يستدل به العقل، ويرشد إليه، وينبه عليه، كما ذكر الله ذلك في غير موضع؛ فإنه بيّن من الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وغير ذلك، ما أرشد العباد إليه ودلهم عليه، كما بيّن أيضاً ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه]. قوله: (إن كثيراً مما دل عليه السمع يُعلم بالعقل أيضاً). هذه مسألة في الحقيقة مهمة جداً، وهي عبارة مقصودة، وتقريرها يعتبر من الفوارق بين أهل السنة وبين كثير من أهل الأهواء، وهو أنه ليس كل ما دل عليه السمع يُعلم بالعقل، فأهل الأهواء وأهل الكلام خاصة قد يفرحون بمثل هذه العبارة، لكن حينما يقول: إن كثيراً. فهذا يعني: أنه ليس الكل، بل هناك من تفاصيل الكمال لله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ما جاء ذكره في القرآن وصحيح السنة لا يمكن أن يتوصل إليه العقل، ولا ينفرد بمعرفته، كالاستواء على العرش، فلا يمكن أن يقرره العقل على النحو الذي جاء في القرآن والسنة، وكذلك النزول والمجيء، وكثيراً من الصفات الذاتية، كاليد والوجه والعين وغيرها، فهذه كلها لا يتوصل إليها بالعقل، فالعقل يُدرك العلم، والإرادة، والحكمة، وقد يُدرك ما يدل عليه السمع على جهة الإجمال، لكن هل العقل بذاته يُدرك ما دل عليه السمع أو يرده إلى العلم لو لم يرد به النص؟ مع ذلك نقول: إن كثيراً مما دل عليه الوحي -القرآن والسنة- يُعلم بالعقل أيضاً، لكن ليس كله. والأمر الآخر: أنها على جهة الإجمال لا على جهة التفصيل، يعني: أن العقل يُدرك عموم علم الله وقدرته ومشيئته، لكن مسألة الكتابة في أقدار الله هذه لا يدركها العقل، نعم هي جزء من العلم، فكون الله كتب مقادير كل شيء هذا داخل في عموم العلم، وهو المرتبة الثانية من مراتب القدر، لكن ليس للعقل إطلاقاً أن يُثبت لنا الكتابة إلا عندما جاء به النص، مع أنه يُدرك عموم العلم الذي من ضمنه الكتابة وهكذا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع أخبر بها، ومن جهة أنه بيّن الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها. والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع]. هذه أقيسة عقلية لتأييد ما ورد به الشرع، وليست أقيسة وأدلة استقلالية، فكل ما جاء من الأدلة العقلية إنما جاء لتأييد ما جاء به الشرع، ولا يعني ذلك الاستهانة بنعمة العقل، فهي نعمة كبرى من الله ، وهي مناط التكليف، لكن العقل لا يقرر الدين على جهة التفصيل استقلالاً، وإنما يدرك المجملات، وهذه المجملات أيضاً تتفاوت فيها العقول تفاوتاً عظيماً، فلا يظن ظان أن كون القرآن عول على الأدلة العقلية أن القرآن جعل العقل مصدر العقيدة، بل القرآن جعل العقل دليلاً ووسيلة في فهم الوحي والاعتراف له، أما أن يكون هو بذاته حجة على جهة التفصيل فلا، وإنما على جهة الإجمال، ولذلك الله خاطب العقول؛ لأنها هي الوسيلة إلى الفهم، وهي الوسيلة إلى تقرير الحق، وحتى قطعيات النصوص لا يمكن فهمها بدون العقل، فلذلك الذي يفقد عقله لا يفهم من النصوص شيئاً ولا من غير النصوص، ومن هنا رفع عنه التكليف، لكن فرق بين أن نقول: العقل نعمة، وأن نقول: إنه وسيلة، وأن نقول: إن العقل يقرر الحق بمجملاته، وأن العقل هو الذي يفهم النص، وبين أن نقول: إنه مصدر! فالمصدر هو الوحي، والمشرع هو الله وليس العقل.

стр. 220

فساد دلائل المتكلمين قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهي أيضاً عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضاً، وكثير من أهل الكلام يسمي هذه: (الأصول العقلية)]. يقصد أهل الكلام أننا نذمهم في ذلك، لا؛ لأنهم قالوا بأصول عقلية فقط، وكثير من أهل الكلام يسمون هذه الأصول العقلية: (الدلالات) و (القرائن) و (الشواهد) و (الأمثال المضروبة) و (الأقيسة)، وهذا حق أنها أصول عقلية، لكن وجه الخطأ الذي أراد الشيخ أن يبينه أنهم جعلوها مصدر التلقي، فجعلوا العقل هو المصدر، وأنه حاكم على الوحي، ومن هنا وقع الخلل، ولذلك أهل السنة والجماعة يوافقونهم على أن العقل يقرر الأصول، وأن العقل يوافق النص، وأن العقل هو الذي يفهم الأقيسة والأمثال المضروبة في القرآن، لكنهم لا يجعلونه الدليل الوحيد، أو المصدر، وإنما هو خادم للمصدر، ووسيلة لفهم كلام الله وكلام رسوله الله ﷺ ، والوصول بهذه الوسيلة إلى فهم الحق وفقهه. والأصول العقلية يقصد بها: القواعد العقلانية التي يقرر بها الغيب، من إثبات وجود الله، وإثبات وحدانيته، وإثبات أسمائه وصفاته على التفاوت بينهم، وإثبات البعث، وإثبات بعض مسائل الغيب الأخرى التي يرون أن العقل يثبتها، مع أن هناك أموراً يعترفون أن العقل لا يستطيع أن يثبتها، وإنما العقل جاء بدلالة الشرع مؤيد. وأقول هذا لأنهم يقولون: إن هذه الأصول العقلية يتوصل بها العقل إلى معرفة الأمور الغيبية وغير الغيبية، ونحن نقول: نعم أهل الكلام حينما جعلوا الأقيسة العقلية، أو الأدلة العقلية، أو البراهين العقلية، أو الوسائل العقلية الأخرى التي تنبني على استعمال الحواس، أو تنبني على استعمال البراهين الرياضية، مثل المعلومة عند البشر، أو استعمال ما يسمى بالاستقراء أو السبر والتقسيم طريقاً يتوصل بها إلى الحقائق، ومن ضمن هذه الحقائق موافقتها للشرع، فهل يعني ذلك أن الشرع متوقف على دلالة العقل، فيكون هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة الغيبيات، أو معرفة ما أخفاه الله عن العباد على جهة التفصيل، أو الوصول إلى أحكام الحلال كما أراد الله وشرع، أو أحكام الحرام كما أراد الله وشرع؟ إن العقل السليم يدرك وجود الله، ويدرك ضرورة البعث، ويدرك حب الفضائل، وينكر الرذائل، وينكر المنكرات، ويحب العدل ويبغض الظلم إلى آخر المقررات العقلية العامة، لكن إذا تحولت هذه المقررات العقلية العامة إلى شرع باسم أنها تقرر الشرع تحولت إلى المناحي الشخصية للبشر، بتفاوت عقولهم ورغباتهم وطاقاتهم ومناحيهم، ومن هنا يختل الميزان العقلي ما بين إنسان وآخر. إذاً: نلجأ إلى تشريع الحكيم الخبير سبحانه الذي أقر العقل بأن شرعه هو الأفضل، وأن قوله هو الحق، وأن ما جاء به الوحي هو الحق في الغيب وفي غير الغيب، ولذا فما دام العقل قد أقر على نفسه، فليبق عند قدره، فهو محدود ويفنى، ويعتريه النقص والهوى والنسيان، وتعتريه عوارض وقواطع وموانع لا نهاية لها، لاسيما عندما يتفق العقلاء على أمر يرون أن مصدره العقل، فسيرد عليهم إشكال لا بد منه: وهو عقل من؟ وهل يوجد إنسان عقله يخضع لعقل الآخر؟ إن هؤلاء الرءوس من أهل الكلام الذي يزعم كل واحد منهم أنه هو المرجع، وأنه هو الذي يقرر، وأنه هو الذي يفهم كل شيء، لا يخضع بعضهم لبعض إطلاقاً، بل إن كل واحد يرى أن عقلياته هي التي تقرر الحق، فتشتتوا وتشتت الناس الذين تبعوهم في مناهج أبعدتهم عن الدين، فصارت الفرق والأهواء والبدع والنزعات الكلامية بسبب قولهم: إن الأصول العقلية هي التي تقرر الحق الذي جاء به الشرع، وتقرر الشرع الذي وكل إليه في أمور، مثل: العلوم الطبيعية التي تركت لعقول البشر في أمور دنياهم، فإذا وصلوا لنتيجة علمية صحيحة فهذا من مقررات العقل، لكن أن يتجاوز إلى الغيب الذي ليس في مقدوره، فهذا من الظلم للعقل، وهو الذي نخالف فيه أهل الأهواء.

стр. 221

حكم حصر العلم الإلهي بالدليل العقلي قال المصنف رحمه الله تعالى: [لاعتقاده أنها لا تعلم إلا بالعقل فقط، فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق، وخبر الصادق -الذي هو النبي ﷺ لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل]. ملخص هذا: أنهم يحصرون العلم الإلهي -علم الوحي- بالدليل العقلي، ومن هنا جعلوا العقل هو الحكم، فيحاكمون الشرع إلى العقل، وهذا ضلال وزلل، فالمسألة عندهم قد انتكست تماماً، ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عكس عليهم هذه القضية عكساً فطرياً عقلياً صحيحاً، أعني: قضية تقديم العقل على النقل؛ لأنهم قالوا: إن العقل هو وسيلة لفهم الشرع، وما دام أنه وسيلة فهو إذاً الحاكم الذي يحكَّم في الشرع، فإذا تعارض شرعي وعقلي قدمنا العقلي؛ لأن العقلي هو الأصل، وهو المقدم، فالشيخ قلبها عليهم، فقال: لماذا لا تقولون العكس؟ فما دام الوحي هو كلام الله العليم الخبير سبحانه، وكلام رسوله ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى، اعكسوا القضية وقولوا: إن الأصل هو الشرع، والعقل تابع ومؤيد، وعلى هذا فإنه إذا تعارض قطعيان عقلي وشرعي، اعتبرنا الأصل هو الشرع، ونتهم العقل ونحكم الشرع، ونرده إلى عالمه كما قال النبي ﷺ -وهذه قاعدة عقلية، أعني: قاعدة فهم القدر وغيره من الغيبيات- في الحديث الشهير: (فما علمتم منه -يعني: مما ورد عن الله وعن رسوله ﷺ فاعملوا به، وما لم تعلموا فردوه إلى عالمه)، ولم يقل: ردوه إلى العقول، ثم قال: (وقولوا: الله أعلم)؛ لأن العقول متناهية محدودة، ولذا لو أتيت بأذكى الخلق لما وصل إلى حقيقة غاية صغرى من غايات الشرع، فكيف بالغايات كلها؟ وعلم الخلق كله بما فيه أذكياء العالم لا يساوي شيئاً أمام علم الله. إذاً: كيف يجرؤ إنسان يخاف الله ويتقيه أن يقول: العقل مقدم وحكم على الشرع؟! فلذلك شيخ الإسلام قال: اقلبوها وستصح العبارة، وفعلاً عندما تقلبها تجد أن هذا ينسجم مع الفطرة.

стр. 222

معنى التحسين والتقبيح العقليين عند أهل السنة وغيرهم من أهل البدع قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم إنهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها: فطائفة تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك، ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل]. الشيخ هنا يقول: الذين قالوا: إن تحسين العقل وتقبيحه داخل في أصول تقرير الحق، فما حسنه العقل فهو حق، فإن جاء النص بضده إما أن نرد النص أو نؤوله، وإذا قبح العقل شيئاً فهو الأصل، فإن وافقه النص الشرعي أخذنا به، وإن عارضه فإما أن نرده أو نؤوله، وهذه قاعدة فاسدة، وهذا هو التحسين والتقبيح العقليان عند المعتزلة، بخلاف التحسين والتقبيح العقليان عند أهل السنة والجماعة، فالتحسين والتقبيح المعتبر عند أهل السنة والجماعة هو التحسين الفطري والتقبيح الفطري الذي يوافق الشرع، أي: أن الإنسان الذي يحسن ويقبح فيما يخالف الشرع عنده اضطراب وخلل، لكن الأصل في ذلك أن الله فطر الناس على حب الخير، وحب الفضائل، وبغض الشر، وبغض الرذائل، فهذا تحسين وتقبيح عقلي يوافق الشرع في الجملة، وإذا تعارض مع الشرع فهذا يعني أن في الفطرة أو في الإنسان -الذي توهم التعارض- خللاً، وهذا الخلل لا يدرى أين هو؟ فقد يحتمل أنه من عدة أمور، فهذا هو معنى التحكيم الذي على هذه الصورة.

стр. 223

حكم إثبات النبوة بالدلائل العقلية فقط قالوا: إنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك. بمعنى: أنهم يزعمون أن النبوة لا تثبت إلا بالدلائل العقلية، وأن هذا هو الدليل الوحيد، بينما أهل السنة والجماعة يقولون: نعم الدلائل العقلية والفطرية تدل على النبوة، وأكثر عقلاء العالم استدلوا على نبوات الأنبياء بأدلة عقلية، وكذلك كثير من العرب ومن عقلاء العجم استدلوا على نبوة النبي ﷺ بأدلة عقلية، لكن هل الأدلة العقلية هي الوحيدة؟ لا، فهناك قرائن الأحوال، مع أن مرد قرائن الأحوال النظرة العقلية، لكن مع ذلك فإن قرائن الأحوال أحياناً تأسر الإنسان، ولو لم يكن عنده تفكير عميق، ولو لم يكن ذكياً، ولو لم يستعمل عقله استعمالاً آلياً كما عند العقلاء، بمعنى: أن الله فطر النبي ﷺ وجبله على محاسن الأخلاق، والبعد عن الرذائل، وجبله على القيام بأمور وتصرفات وأعمال -من أقواله وأفعاله وأحواله- تدل على نبوته بدون استدلالات عقلية، وكثير من الذين أسلموا استدلوا على نبوة النبي ﷺ بقرائن الأحوال، يعني: مجمل ما كان عليه أحواله في سيرته مع الناس، وفي سيرته مع ربه ، وما يلاحظون من تصرفاته في مواقفه تجاه الأحداث والأشياء، فهذه حاله التي كان عليها، وهي تسمى قرائن الأحوال التي دلت على نبوته، وأيضاً ليست الأدلة العقلية فقط هي التي تدل على نبوته، بل هناك براهين عقلية أخرى جاء بها الله بناء على إقامة الحجة على الكفار، أو بناء على طلبهم، فلم تنفع؛ لأنها عقلية لا ينفك منها العقل أبداً، فتأسر العقل أسراً، مثل: انشقاق القمر، فقد جاءت بطلب من المشركين، ولما انشق القمر لم يسلموا، فهل هذا صار دليلاً لهم على نبوته؟ وهل أفادهم هذا الدليل؟ إذاً: فالنبوة دلالاتها ليست مقتصرة على الدلالات العقلية، بل أغلب الدلالات العقلية من الآيات الكبرى والمعجزات لم تنفع في المعاندين، ونفعت قرائن الأحوال التي هي سلوكيات التعامل ومنهج حياة، ومواقفه وسيرته ﵊.

стр. 224

تصحيح عبارة: (كما جعلوا التكذيب بالقدر ليس مما ينفيه العقل) قوله: (كما جعلوا التكذيب بالقدر ليس مما ينفيه العقل) كما ذكر ذلك المحقق، والصحيح والأقرب في العبارة: مما يقتضيه العقل. أي: يجعلون التكذيب بالقدر مما يقتضيه العقل لا مما ينفيه، مع أننا نقول: التكذيب بالقدر ينفيه العقل، لكن ليس هذا قول المخالفين، فالشيخ يحكي قول المخالفين، والمخالفون يقولون: إن العقل ينفي بعض أصول القدر، ولذلك أنكروا في البداية مراتب القدر كلها، ثم لما رأوا شناعة الأمر صاروا ينفون المشيئة، أو ينفون الخلق في بعض أفعال المخلوقين، وزعموا أن ما يفعله الإنسان من الشر ليس بتقدير الله، وقالوا: لا يعقل عقلاً أن الله يخلق، أو يقرر، أو يشاء عملاً يعمله الكافر ثم يحاسبه عليه، وزعموا أن هذا ظلم، فكذبوا بالقدر بدعوى أن العقل هو الذي يكذب القدر، وما عرفوا أن لله في ذلك حكمة، وأن الله قال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، وأن من أصول القدر الإيمان بالقدر خيره وشره من الله ، وكون الشر قدره الله ابتلاء وفتنة، ومع ذلك فإن الله أقام الحجة على الخلق، وليس بظلام للعبيد، فالإنسان الذي يسلك مسلك الشر والكفر، إنما سلكه بإرادته التي امتحن بها، وليس بالجبر، ولو كان مجبوراً ما عذب، بل إن الله بين طريق الخير عن طريق إنزال الكتب وإرسال الأنبياء، وأمر به، وسهل العمل به، ويسره، ووعد بالأجر لمن سلكه، وبين طريق الشر، فحذر منه، وأقدر العباد عليه ابتلاء وفتنة، ثم أنذر وتوعد، ولذلك الإنسان إذا فقد شيئاً من هذه الضوابط لا يحاسب، فإذا فقد العقل لا يحاسب، وإذا مات دون أن تبلغه النبوة لا يحاسب إلا امتحاناً آخر يمتحنه الله به يوم القيامة، وعليه فإذا ما قامت عليه الحجة فالله يتولاه؛ لأن الله ليس بظلام للعبيد. إذاً: الأمر مبني على أنهم يكذبون ببعض القدر، زعماً منهم أنه ينافي المعقول إلى آخره.

стр. 225

الرد على من زعم أن من أقوى الأدلة على إثبات وجود الله وجود المحدثات ونفي أفعال الله بموجب هذا الزعم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وطائفة تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول]. يعني: من هذه الأصول العقلية، وحدوث العالم بمعنى: حدوث المخلوقات، وهذا مقرر عقلاً، وهو الذي يوصلنا إلى وجود الخالق، وإلى وحدانيته وإلى أسمائه وصفاته، وأن العلم بالخالق -قال الشيخ: بالصانع- لا يمكن إلا بإثبات حدوث العالم، وهذا مسلك فيه وجه حق ووجه باطل. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأن العلم بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه، وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام، وحدوثها يُعلم إما بحدوث الصفات، وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، فيجعلون نفي أفعال الرب، ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها]. وجه العلاقة أنهم زعموا أن من أقوى الأدلة على إثبات وجود الله وجود المحدثات، أي: المخلوقات التي لابد لها من محدث، وهذا المحدث لا بد أن يكون غير المحدث، فلابد أن يكون أكمل وأعلم وأقوى إلى آخر الصفات التي تلزم من وجود الحادثات، وهذه القاعدة فرعوا عنها تفريعاً باطلاً، وهو: أنه إذا قلنا: بأن الله له أفعال، فالفعل حادث بزعمهم، وعلى هذا فإن الله حدث فيه حادثات، فاتصف بصفات الناقص وهو المخلوق، ومن هنا نفوا الأفعال، وهذا خلط، فالحق أن أفعال الله راجعة إلى أسمائه وصفاته الثابتة، لا إلى مفردات الأفعال، وأوضح مثال لذلك: صفة الكلام لله ، وهي صفة ثابتة له ، لكن مفردات الكلام هي تحت مشيئته، ومفردات الكلام ليست هي صفة الكلام، وإنما هي فعله على ضوء صفته الأصلية، وكذلك بقية الأفعال، فكل الأفعال مفرداتها هي كمال لله ، ولا يعني: أنها حادثة، وإنما هي ناتجة عن صفاته الثابتة له، فمثلاً: صفة الخلق منبثقة عن كونه هو الخالق، حتى قبل أن يوجد الخلق، وبعد أن يوجد الخلق، فهو متصف بصفة الخلق منذ الأبد وإلى الأزل وإلى ما لا نهاية، وكونه يخلق متى شاء لا يعني أنه حدثت له صفة الخلق كما يزعمون، بل هذا راجع إلى المشيئة، فمتى ما شاء خلق، ومتى ما شاء تكلم، وكذلك بقية الصفات، ولذلك أنكروا كل الصفات الفعلية، وبعضهم أنكر جميع الأفعال وجميع الصفات أيضاً، كالمعتزلة، وبعضهم أنكر الأسماء والصفات بناء على شبهات كثيرة، من ضمنها ما سبق من شبهة التجسيم، ومن ضمنها: مسألة: إخراج قضية الحدوث والحادثات عن مسارها الشرعي الفطري الصحيح. وقول الطحاوي ﵀: (وليس بعد وجود الخلق استفاد اسم الخالق). هذه قاعدة شرعية عظيمة، وهي رد على أهل الأهواء والبدع، فالله متصف بصفة الخلق، ومسمى بالخالق قبل أن يوجد الخلق، وكذلك بقية الصفات المتعلقة بالحادثات، فهو عليٌّ قبل أن يستوي على عرشه سبحانه، ولم يحدث العلو بعد خلق العرش، وكذلك بقية الصفات الفعلية، فليست مبنية على وجود الأفعال، بل هي صفات أزلية لله ، والأفعال من آثارها، بل من أفعال الله ، ومن صفات الله ، ما تتعلق به أفعال الله إلى ما لا نهاية، مثل: صفة الكلام لله ، فالله متكلم، وقد كلم آدم، وكلم موسى، وكلم محمداً ﷺ في المعراج، ويكلم من شاء من خلقه، وأوحى لمن شاء من خلقه، وكذلك يكلم العباد يوم القيامة، فقد ثبتت النصوص بأنه يكلمهم كلاماً عاماً وكلاماً خاصاً، وأنه يحادث ويناجي كل إنسان بمفرده، وكل ذلك راجع إلى صفة واحدة، وهي صفة الكلام لله ، وكونه يتكلم متى شاء لا يسمى هذا حدوث نقص، بل على العكس، فهذا كمال، فالمتصف بصفات الكمال التي تتجدد مفرداتها وحادثاتها أعظم من المتصف بصفة لا يفعل بها شيئاً، فالله فعال لما يريد، وأفعاله متعلقة بمشيئته سبحانه، وهذا هو الحق الذي تقتضيه الفطرة والعقل السليم، لكنهم أتوا من تقرير القضايا الغيبية بالعقل، والعقل مسكين لم يدرك نفسه بعد، لذا لو أن إنساناً يتباهى بعقله فسألته: أين عقلك؟ وكيف تعقل؟ وهل يمكنك أن تعرف لي عقلك، وماهية عقلك؟ فإنه لا يستطيع أن يجيب، فإذا كان لا يعرف عقله، فكيف يريد أن يسلط عقله على قضايا أكبر منه، كقضايا الغيب، وقضايا تتعلق بالله سبحانه؟ إن من أعظم الإساءة وسوء الأدب مع الله أن تقحم عقلك المسكين الضعيف المحدود في قضايا تتعلق بكمال الله سبحانه، ولذلك نجد هذا الصنف من الناس ليس عندهم ورع، وليس في قلوبهم -فيما يظهر من أقوالهم وأفعالهم التي أُثِرت- شيء من تقوى الله ؛ لأنهم لو اتقوا الله ما تكلموا في الله. ومن هنا أحب أن أنبه على أمر قد كررته كثيراً؛ لأنه مرض قد وقع فيه بعض طلاب العلم، وهو: أننا عندما ندرس مثل هذه القضايا التي تتعلق بأسماء الله وصفاته، وهي أعظم ما تتطلبه العقيدة، وأعظم مباني العقيدة، وأول أركان الإيمان، فإن مقصدنا من ذلك هو أن نعظم الله بها، وليقع موقعها في قلوبنا، فتتأثر بها جوارحنا وأعمالنا، ومعاملتنا مع ربنا ومع الخلق، وهذا هو الذي يجب أن يكون، ولذلك نتفادى الخوض في المسائل العقلية والفلسفية الزائدة عن حد الحاجة، وأيضاً كثيراً ما أصرف بعض

стр. 226

شرح العقيدة التدمرية [٢٢] توحيد العبادة يسمى توحيد العمل؛ لأنه عمل القلوب والجوارح تجاه الرب جل وعلا، من المحبة والرجاء والخوف واليقين والإنابة والتوكل وغير ذلك من أعمال القلوب والجوارح. وسمي توحيد القصد والطلب؛ لأنه مما يقصد به العباد ربهم ويقصدون رضاه ونيل ثوابه.

стр. 227

الأصل الثاني: توحيد العبادة الواجب في شرع الله وقدره اعتقاداً قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وأما الأصل الثاني، وهو التوحيد في العبادات، المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعاً]. هذا هو الأصل الثاني في تقسيم الدين أو التوحيد، والتوحيد يشمل الدين كله، وينقسم إلى أصلين: الأصل الأول: التوحيد المتعلق بالله ، أي: الخبر عن الله المتعلق بذاته وأسمائه وصفاته وقواعد ذلك، وقد تكلم فيه المصنف عما يجب لله من الكمال في أسمائه وصفاته وأفعاله، وقعد ذلك، ورد على المخالفين، وأجاب على شبههم بشيء من التفصيل، ثم انتقل إلى الأصل الثاني على منهج أهل الحق، أعني: منهج الأنبياء والصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، وهو أنه لا بد من اكتمال الأصلين، فينبني على الأول الأصل الثاني بالضرورة؛ لأنه ما دام أننا قد عرفنا كمال الله سبحانه، وما يجب أن نعظمه به من الأسماء والصفات والأفعال، فلا يعني ذلك أننا نقف عند هذا التعظيم، وإنما يلزم منه شيء آخر، وهو المطلوب من العباد، ألا وهو العبادة لله ، إذ هو الأصل الثاني، فيقال للعباد: قد عرفتكم كمال الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يجب له من الحق، إذاً فالتزموا لازم هذه المعرفة، وهو أن تعبدوا الله وحده، وأنه وحده سبحانه المستحق للعبادة، وهو الذي يجب أن يخضع له العباد قدراً وشرعاً، ولذلك جمع الشيخ هنا في الأصل الثاني القدر والشرع جميعاً، فقال: الأصل الثاني، وهو التوحيد في العبادات. وهذا له مفاهيم كثيرة، فتوحيد العبادة يسمى: توحيد العمل؛ لأنه هو عمل القلوب والجوارح تجاه الرب ، وما يجب أن يعمله العباد في حق ربهم ، فهو توحيد عمل، حتى المحبة والرجاء والخوف واليقين والإنابة والإحسان وغير ذلك هي أعمال قلوب، فيتوجه بها إلى الله وحده، فلذلك يسمى: توحيد العمل، ويسمى: توحيد القصد، ويسمى: توحيد الطلب، ويسمى توحيد الإلهية؛ لأن الناس يتألهون به إلى الله ، تأله العبادة والطاعة والتسليم والرضا والإذعان والعمل، فسمي هذا التأله عبادة، والتأله: انجذاب الإنسان بقلبه إلى الله ، وعليه لابد أن يكون على شرع، ومعنى التأله: التعبد، والتعبد أيضاً لا يكون إلا على ما جاء به الرسل، فلذلك سمي توحيد الإلهية. وسمي توحيد القصد والطلب؛ لأنه مما يقصد به العباد ربهم ، فتوحيد القصد هو التوجه إلى الله بالقلب والجوارح؛ لأن العباد يقصدون به رضا الله، ويقصدون به ثواب الله، ويقصدون به عبادة الله، قصد القلوب وقصد الجوارح، وكذلك الطلب بمعنى القصد؛ لأن العباد يطلبون به الرضا والتسليم لله، ويطلبون به عبادة الله، ويطلبون به رضا الله، ويطلبون به الجزاء من الله، فهذه كلها معان وأوصاف لشهادة نوع من التوحيد. مع أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع والجهلة يقولون: إن هذا التقسيم محدث ومبتدع، وهذه كلها ما جاء بها إلا الفلانيون، مما يعيرون به أهل السنة من التغييرات، ويزعمون أن هذا من صنع السلف من عند أنفسهم، بينما هو مقتضى دلالة النصوص، بل هو المقصد من بعثة الرسل، إذ هو تحقيق الألوهية؛ لأن مجرد معرفة الله تبقى فطرية، لكن يبقى معرفة ما يجب لله من الكمالات على جهة التفصيل، هذا هو الذي جاء به الأنبياء في ذات الله وأسمائه وصفاته، ثم ما يجب لله من الطاعة والامتثال والعبادة، أيضاً ما جاء به الرسل، فهذا كله هو التوحيد، فحينما نصفه بالأوصاف الأخرى، نصفه بأوصاف شرعية هي دلالات قطعية، ولا مشاحة في الاصطلاح.

стр. 228

وجه الجمع بين الخلق والأمر قال المصنف رحمه الله تعالى: [فنقول: إنه لابد من الإيمان بخلق الله وأمره]. هذه قاعدة عظيمة جداً، وفيها إشارة إلى أن الخلق والأمر يجتمعان، وعلى هذا فقد جمع الشيخ الشرع والقدر في فصل واحد، والقدر له وجهان: من حيث كونه من تقدير الله وخلقه، فهذا مرتبط بالربوبية، ومن حيث التسليم به والرضا، فهذا داخل في التوحيد الإلهي، أي: توحيد العبادات، وأدخله المصنف هنا في توحيد العبادات ليبين ضرورة الارتباط بين القدر والشرع؛ لأن مبنى الشرع على التسليم، والتسليم هو تسليم بقدر الله، ومما قدره الله الأمر بشرعه، وإبعاث الرسل، وإنزال الكتب، وهذا قدر كوني تضمن الأمر الشرعي، بل تقسيم ابتلاء العباد إلى خير وشر ابتلاء كما قال : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ [الأنبياء:٣٥]، فهذا قدر، ثم تقسيم حال العباد إلى صلاح وفساد، إلى حق وباطل، إلى هدى وضلال، تقدير من الله بقدره، ثم إن الشرع الذي انبنى على ذلك هو الأمر، فتوافق الأمر والقدر، أعني: توافق الشرع والقدر، وكلاهما من أمر الله. ووجه إدخال القدر هنا هو الذي انبنى عليه الشرع تقديراً، ومن حيث أن كلاهما داخلان في مفهوم الأمر، إذ إن الأمر بمفهومه العام يدخل فيه الأمر القدري والأمر الشرعي، وأيضاً لضرورة ارتباط الشرع بالقدر؛ لأن مبنى العمل بالشرع على التسليم، والتسليم يشمل القدر والشرع في وقت واحد، فمن سلم للقدر ولم يسلم للشرع هلك، ومن سلم للشرع ولم يسلم للقدر هلك، ولذلك غالب أهل الأهواء اختل عندهم أحد المبنيين، فمنهم من سلم للقدر ولم يسلم للشرع التسليم الكامل، ومنهم من سلم للشرع ولم يسلم للقدر، ويمكن أن نجد هذا في تقسيم الفرق الكبرى، فقد كان منها من هو أكثر ضلالة في الشرع، ومنهم: المرجئة والخوارج وكثير من أصحاب الطرق والفرق الصوفية، ومنهم من كان خلله في اعتقاد القدر، ومنهم: القدرية والمعتزلة والجهمية، وقد اجتمع عند الجهمية الأمران؛ لأن الجهمية هي خلاصة مذاهب الفرق في القرن الأول ومنتصف القرن الثاني، بل وحتى القرن الثالث، فالجهمية بدأت من ناحية فلسفية ثم انتهت إلى فلسفة وسلوك وأعمال، فكان في القرن الثالث أن اجتمع الأمران عند الجهمية، فاختل عندها الإيمان بالقدر والإيمان بالشرع، وبقية الفرق كل واحدة لها نصيب يقل أو يكثر من الخلل بالأصلين جميعاً أو بأحدهما.

стр. 229

مراتب القدر قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد علم ما سيكون قبل أن يكون، وقدّر المقادير وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]]. يقرر الشيخ الآن توحيد الربوبية والقدر، ليبين تلازم الأمرين كما سيأتي بعد قليل، وهذا التقرير هو تقرير لجانب الربوبية وجانب القدر المتعلق بالربوبية أيضاً، لأن الآية هنا قد اشتملت على مراتب القدر الأربع. فقوله : (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)، هذه المرتبة الأولى. وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ) هذه المرتبة الثانية. والمرتبة الثالثة والرابعة تضمنتها عبارة واحدة، وهي قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، أي: يسير في تقديره، ويسير في خلقه، يسير على الله تقدير المقادير، ويسير على الله خلق المخلوقات، فاجتمعت الرتبتان الأخيرتان من القدر في هذه العبارة. وعليه فالعلم والكتابة والتقدير والخلق قد اجتمعت في هذه الآية بشكل بين وواضح، وهذا كله تقرير للربوبية، لكن أيضاً له وجه في دخوله في الأصل الثاني: وهو توحيد العبادات؛ ليبين الشيخ مدى وجه التلازم بين الأصلين، وأنه لا فرق هنا، فلا يستطيع هنا أن يقرر توحيد الإلهية دون أن يعتمد على توحيد الربوبية؛ لأن الذي يتأله ويعبد الله لابد أن يعرف من يعبد، ولا يمكن ذلك إلا بمعرفة كمال الله كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكما تقتضيه العقول السليمة والفطر المستقيمة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)]. هنا الشيخ قرن النوعين من التوحيد، فعندما قرر توحيد الربوبية والقدر، وبين أن الأصل في تقريرها هذه القواعد العظيمة، بين بعد ذلك أن هذا يوجب توحيد الله بالعبادة، ويجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده؛ لأنه ذكر الأمر قبل ذلك. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده لا شريك له، كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه].

стр. 230

تضمن العبادة كمال الذل والحب وتضمن ذلك كمال الطاعة قال رحمه الله تعالى: [وعبادته تتضمن كمال الذّل له والحب له]. أيضاً: كمال الذل والحب له قدراً وشرعاً، فلابد أن المسلم يروض قلبه ويعود نفسه وجوارحه على أن الذل لله يشمل التذلل والخضوع لقدر الله، ثم أيضاً الذل للاستجابة لشرع الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وذلك يتضمن كمال طاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]]. في هذه الآية قرن الله بين الأمرين وبين تلازمهما، قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران:٣١]، هذه محبة الكمال لله ومحبة الله لكماله، وهي انجذاب العبد لربه ، والتي هي أصلاً تنبني على الربوبية، وعليه فلابد أن ينبثق عن هذا توحيد آخر وهو الاتباع، أي: توحيد الإلهية. قال: (فَاتَّبِعُونِي) أي: اتبعوا رسولي ﷺ ، واتبعوا شرعي، بمعنى: التزموا أوامر الله واجتنبوا نواهيه التي جاءت على لسان رسوله ﷺ . إذاً: من ادعى أنه عظم الله بربويته وأسمائه وصفاته، وأنه أحب الله بناء على كمال المحبة، فلا بد أن يلتزم ما أمر الله به من اتباع رسوله ﷺ .

стр. 231

دين الأنبياء واحد وهو الإسلام مع اختلاف الشرعة والمنهاج قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢]، فأمر الرسل بإقامة الدين وألا يتفرقوا فيه، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة لعَلاَّت، وإن أولى الناس بابن مريم أنا؛ ليس بيني وبينه نبي)]. هذا الحديث يؤكد مسألة وحدة الدين عند الأنبياء من حيث إنه عقيدة، وأن اختلاف الشرائع لا يعني اختلاف الدين، وإن اختلاف أحوال البشر وحاجاتهم هو فيما يتعلق بالأوامر والنواهي من الله ، وإن الدين عند الله الإسلام، وأن أصول الدين وثوابته واحدة، ولذلك حتى أغلب المحرمات والمباحات أصولها واحدة عند الأنبياء، وإنما تفاصيلها هي التي تختلف، وقد يكون الله يحرم على بعض الأمم بعض الحلال القطعي من باب العقوبة لهم، كما فعل مع بني إسرائيل، لا من باب أنها في أصلها حرام، فقد يحرم عليهم بعض الطيبات؛ لأنهم ارتكبوا ما أوجب العقوبة عليهم، ولذلك لما بعث الله عيسى ﵇ بعثه ليخفف عن بني إسرائيل بعض ما حرم عليهم من الأمور الحلال، فتبقى تفاصيل الشرائع لتنظيم أحوال البشر في وسائل حياتهم، وهذا راجع إلى ما تحتاجه كل أمة بحسب الزمان والمكان، واختلاف الشرائع لا يعني اختلاف الدين، فالشرائع في عقيدتها واحدة، وفي أصولها أيضاً واحدة، وهذا معنى كون الأنبياء إخوة. قال: (لعلات) أي: لضرات، يعني: كالإخوة من نساء متعددات والأب واحد، فالتعدد هنا تعدد الشرائع، والأصل الموروث عن جميع الأنبياء هو العقيدة الواحدة، وهذا معنى قول النبي ﷺ : (وأنا أولى الناس بابن مريم)، يعني: أنا على ديني وهو على دينه، ولأنه ليس بينه وبينه نبي؛ لأنه ما من نبي إلا وقد أمر بأن يؤمن بمن بعده، فهذا عيسى ﵇ قد أوصى أمته بالإيمان بمحمد ﷺ ، وأعطاهم تفاصيل خبره وصفته وأحواله ومبعثه ومهجره، وأعطاهم من الأوصاف ما يوجب عليهم ضرورة الإيمان به، لكنهم كذبوه. لكن قد وجد من يشكك في هذا الأصل من بعض الكتاب، فقد رأينا كتابات عجيبة في هذه الأيام، وقبلها أيضاً بسنين، فهناك من ادعى أنه قد وجد أنبياء في بني إسرائيل أو في النصارى بعد عيسى ﵇، وأن هؤلاء الأنبياء فعلاً هم على دين عيسى، وما بدلوا وما حرفوا، وهؤلاء الأنبياء هم بعض من جاء من الحواريين أو من دونهم، فزعموا أنهم أنبياء، ولا يزالون يصفونهم بأوصاف النبوة، وهذا كذب، فليس بعد عيسى ﵇ نبي ولا رسول؛ لأن هناك من يقول: الرسالات قد ختمت، لكن النبوة قد وجدت بين محمد ﷺ وعيسى ﵇، فهذا يخالف قطعيات النصوص. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا الدين هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله ديناً غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال الله تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس:٧١] إلى قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠] إلى قوله: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]، وقال في خبر المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]، وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّ

стр. 232

الأسئلة

стр. 233

أسماء الله وصفاته لا اجتهاد فيها ولا تدخل في المشتبهات السؤال هل مسائل الأسماء والصفات من المتشابه التي لا يعلمها كثير من الناس؟ وهل اختلاف الناس فيها يعتبر من الاجتهاد، فالمخطئ له أجر والمصيب له أجران؟ الجواب أولاً: ليست مسائل الأسماء والصفات من المتشابه، بل هي من المحكم، سواء في أدلتها أو في مفرداتها، ولا يجوز أن نقول: إنها من المتشابه، لكن هناك أمر لم نتعبد الله به، وهو من المتشابه، وليس مطلوباً من المسلم، بل لا يجوز الخوض فيه: وهو كيفيات الغيبيات، أعني: كيفيات أسماء الله وصفاته وأفعاله، فالدخول فيها من الزيغ الذي نهى الله عنه في قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، فالسعي إلى تأويل الكيفيات هو من المتشابه، وضرب الآيات بعضها ببعض، وعدم التسليم لله فيما أخبر، وعدم تصديق النبي ﷺ فيما ذكر عن ربه، كل ذلك من المتشابه الذي لا يجوز للإنسان أن يخوض فيه، وأما في حقيقة الأمر فليس في أسماء الله وصفاته لا في حقائقها ولا في أدلتها تشابه، وليست أدلة الأسماء والصفات من المتشابه. وأما اختلاف الناس حول بعض مسائل الأسماء والصفات، فأولاً: يجب أن نفهم أن الأصول والثوابت في أسماء الله وصفاته ليست محل خلاف، فكل ما ورد في الأدلة الصحيحة الصريحة، وما اتفق عليه سلف الأمة فيما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، في مفرداتها وقواعدها، ليس محل اجتهاد؛ لأنه من القطعيات، لكن هناك بعض المسائل قد اختلف فيها، إما لعدم صحة الأدلة، بألا تكون الأدلة قطعية، أو لأن دلالات الأدلة فيها تكون فيها وجوه تختلف عن هذه الوجوه، والاختلاف ليس راجعاً إلى أسماء الله وصفاته، وإنما راجع إلى فهم الناس لهذه الأدلة، وهذا ليس في الثوابت والقطعيات، وإنما في مسائل تفرعت عن العقيدة. فمثلاً: الاستواء أدلته قطعية، وهي حقائق ودلالاتها قطعية، لكن بعض لوازم الاستواء استوحيت من بعض الأدلة، وهذه محل خلاف، ونحن قد نهينا عن الخوض فيها، وإذا خاض فيها بعض العلماء الكبار فإنما خاضوا فيها من باب الاجتهاد في البيان، إذ هذه الأمور قد يكون عليها اجتهاد، وقد يكون المجتهد فيها إذا قصد الوصول إلى الحق مأجوراً، مثال ذلك: مسألة رؤية النبي ﷺ لربه عندما عرج به إلى السماء، ورؤية الناس لربهم في أرض المحشر، غير رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، هل هي عينية أو قلبية؟ وإذا كانت عينية هل هي على ما هو معهود أو على غير ذلك؟ كل ذلك محل خلاف، وهذا الاجتهاد فيه من العالم إنما هو للبيان للأمة، والمجتهد ما دام أنه اجتهد وأراد أن يتوصل للحق فهو مأجور.

стр. 234

حكم إثبات الأذى في حق الله السؤال في حديث: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر)، فهل يثبت الأذى في حق الله ؟ الجواب فهذه من النصوص التي تمر كما جاءت، وهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى -على القاعدة التي سبق أن ذكرتها-: أنه ما دامت أنها تتعلق بأحوال الناس فيكون المقصود بها ما جاء في السياق، أي: ما يحصل من اعتراض على قدر الله فيكون من وجه من الوجوه نوع إساءة أدب مع الله، فسمي أذى من هذا الوجه؛ لأن من سب الدهر فقد سب أقدار الله، فالدهر ليس كياناً مستقلاً، وإنما يشمل تصاريف الزمان التي صرفها الله بأقداره، فما في الكون من تقلبات في أحوال البشر وغيرهم يسمى الدهر، فالإنسان إذا تذمر من الدهر، أو تذمر من أحداث الزمان أو سبها، فذاك راجع إلى سب أقدار الله التي قدرها، وليس المقصود أن الله يناله أذى العباد، فهو سبحانه لا يناله شيء من ذلك، وإنما جاء على سبيل الوصف، أو وجه من وجوه الوصف الذي يعني سوء الأدب مع الله .

стр. 235

إثبات بعض الصفات بسياقها لا كلها السؤال ذكرت في حديث الهرولة أنها لا تثبت كصفة لله جل وعلا، وذكرت في ذلك ضابطاً وهو: أن أفعال الله التي ترتبط بأفعال المخلوق لا تثبت كصفات لله ، فما صحة ذلك؟ الجواب هذا الكلام بإجماله نوعاً ما صحيح، لكن ليس بهذا التعبير، فلا تثبت الصفات مفردة مستقلة عن سياقها، بل لابد أن يؤخذ الكلام بكامله، وأنا لم أقل: لا تثبت الصفات بإطلاق، بل هذه جاءت أوصافاً لله ، ولا شك في ذلك، لكن لا تفرد كصفات مفردة إلا بسياقها، (من أتاني يمشي أتيته هرولة)، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، فهذه العبارات جاءت بمعنى بين وواضح، وهو أن الله جازاهم بما عملوا، فجازى أهل الخير بما يستحقونه وزيادة، وجازى أهل النفاق بما يستحقونه وزيادة، وهذا المعنى معروف عند السياق، وهو مربوط بمجازاة العباد، وليس مثل: الاستواء أو النزول أو المجيء أو الصفات الذاتية أو الفعلية التي ورد ذكرها؛ لأنه لا علاقة لها بالعباد، ولذلك قال السلف في هذه النصوص، أعني: نصوص الهرولة والاستهزاء والمكر ونحوها: إنها تمر كما جاءت في سياق بين وواضح، وليس معنى ذلك: أننا لا نعرف لها معنى ولا حقيقة كما يفهم بعض الذين يطعنون في منهج السلف، إذ يقولون: لما عجز السلف عن معرفتها قالوا: تمر كما جاءت. وفي الحقيقة فإن السلف ما عجزوا، بل هم يعرفون أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، وأن النبي ﷺ أتى بالحق الواضح فيما يتعلق بشئون المخلوقات، فكيف بما يتعلق بالخالق ؟ فلابد أن تكون أسماء الله وصفاته واضحة وبينة في القرآن والسنة، وأن تكون لها حقائق، لكن بعض السياقات جاءت بمعرض المجازاة، وبعضها جاءت بمعرض التهديد، وبعضها جاءت مربوطة بأفعال البشر، فهذه تؤخذ على سياقها، فتمر كما جاءت على أنها حقيقة على ما يليق بجلال الله، لكن أن تفرد صفة فهذا محل خلاف، أو يستنتج منها اسم فلا يجوز، وهذا هو الذي قلته، ومع ذلك فالمسألة خلافية، فبعض أهل العلم يقول: إنها من الصفات التي نثبتها على ما تليق بالله ، وقد أوردها كثير من أئمة الدين على هذا الشكل، ومعروف مرادهم، وكلامهم لا غبار عليه، لكن الآخرون تورعوا فقالوا: نظراً لأن الأمر يشتبه، وقد خاض الناس فيما خاضوا فيه، ولم يعد الناس على صفاء الفطرة وإدراك اللغة كما كان في عهد الصحابة والتابعين، فإذاً نحترز من إساءة الأدب مع الله، وحتى لا يكذب الله ورسوله ﷺ ، ولذلك ورد عن الإمام أحمد ﵀ وهو يروي حديثاً: (أن الله يحمل الأرض على إصبع، والسماوات على إصبع)، فرأى أحد طلبة العلم في مجلسه يشير بإصبعه، فقال الإمام أحمد: قطع الله إصبعك، مع أن الرواة يروونها هكذا كما رأوا النبي ﷺ أنا نسيت هل هو هذا الحديث، أو حديث آخر فيه أنه أشار إلى إصبعه؛ لكن نظراً لأنه أشار في موضع يوجد فيه من لا يدرك، أو من قد يشتبه عليه الأمر، وخاضت الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام، ووجد للاشتباه مبرر نهاه الإمام أحمد عن رواية هذه النصوص بهذا النحو عند عامة الناس، ولو أشار إلى إصبعه عند أهل الحديث والعلماء ما أنكر عليه. إذاً: فالأمر يحتاج إلى مراعاة ما عليه الناس، ودرء الفتن والمفاسد المعتبر درؤها في فهم النصوص. وهذا كله بخلاف الصفات الذاتية والفعلية، إذ ليست على سبيل المجازاة والمقابلة، فإنها لا بد أن تروى وتثبت الصفة، كاليد والوجه والنزول والاستواء؛ أما تلك فنظراً لأنها جاءت على سبيل المجازاة، فلا بد أن تثبت بسياقها، فنقول: إن الله يمكر بالمنافقين، ويستهزئ بالمنافقين. ولذلك كان من أسباب الخلاف فيها بين السلف: أن بعضهم يقول: هذه أخبار، فلا يلزم أن يثبت منها صفات؛ لأن ما جاء عن الله خمسة أنواع: ما يتعلق بذات الله ، وكل الأسماء والصفات متعلقة بالذات، وما يتعلق بالأسماء، ثم ما يتعلق بصفات الله ، ثم الأخبار، ثم الأفعال. إذاً: هذه خمسة أنواع، والأخبار بابه واسع، فلا يلزم أن يثبت منها صفات، ولا يلزم أن يثبت منها أسماء، فبعضهم يرى أنه مثل هذه الأمور من الأخبار تمر كما جاءت على الحقيقة، والذي يقول: تمر كما جاءت لا ينفي إثبات سياقها عن الله، وإنما ينفي إفرادها كصفات مستقلة؛ لأنها إذا أفردت بدون الاحتراز يقع الاشتباه وسوء الأدب مع الله ، وهذا كله من باب تعظيم الله. إذاً: انقسم السلف إلى قسمين: منهم من يعتبر هذه النصوص من باب الأخبار، ومنهم من يعتبرها من باب الصفات أو الأفعال، ومع ذلك لم يختلفوا في إثبات حقائقها. مما ينبغي التنبيه له: أن مثل هذه النصوص لا تذكر عند العامة من الناس، ولا حرج بذكرها عند المتخصصين في علوم العقيدة، أو عند طلاب العلم.

стр. 236

شرح العقيدة التدمرية [٢٣] الإسلام هو الاستسلام لله وحده، والانقياد له بالطاعة، وهو الدين الذي لا يقبل الله غيره، وهو دين الرسل والأنبياء جميعهم من حيث الأصول والثوابت، وإن اختلفت الشرائع والأحكام، وكل رسول سابق بشر بمن بعده، وكل رسول لاحق آمن وصدق بما قبله، أما دين الإسلام بعد بعثة النبي محمد ﷺ فهو الدين المهيمن على كل الأديان السابقة.

стр. 237

الإسلام بمفهومه العام قال المصنف رحمه الله تعالى: [فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده. فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانياً باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخلاً في دين الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلِّي، فكذلك الرسل دينهم واحد وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والوجه والمنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدِّين واحداً، كما لم يمنع ذلك في شريعة الرسول الواحد].

стр. 238

أول الرسل يبشر بآخرهم وآخرهم يصدق بأولهم قال رحمه الله تعالى: [والله تعالى جعل من دين الرسل أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]، قال ابن عباس ﵄: (لم يبعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه). وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]].

стр. 239

تلازم الإيمان بالرسل وكفر من بلغته رسالة محمد ﷺ ولم يقر بها قال رحمه الله تعالى: [وجعل الإيمان بهم متلازماً، وكفَّر من قال: إنه آمن ببعض وكفر ببعض، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١]، وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥]، وقد قال لنا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٦ - ١٣٧]، فأمرنا أن نقول: آمنا بهذا كله ونحن له مسلمون، فمن بلغته رسالة محمد ﷺ فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلماً ولا مؤمناً، بل يكون كافراً، وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن]. هذه القاعدة قاعدة في كل أصول الدين وثوابته وقطعياته، فهي قاعدة في أركان الإيمان وأركان الإسلام، وفي أصول الغيبيات الأخرى، وفي الأحكام القطعية، أعني: أن قاعدة التسليم لابد أن تكون مطردة، وأن من اختل تسليمه في مسألة من المسائل التي تطرد في قاعدة واحدة فقد هدم دينه، فمثلاً: أول أركان الإيمان: الإيمان بالله ، فمن أنكر اسماً من أسماء الله، أو صفة من صفاته لا على سبيل التأويل، فإنه بذلك يكون قد وقع في الكفر، وهكذا فيما يتعلق بالإيمان بالملائكة، والإيمان بالرسل. وكما قرر الشيخ أن من أنكر رسالة رسول أو نبوة نبي واحد فقد كفر كفراً مطلقاً مخرجاً من الملة، وكأنه كفر بالجميع، لأن تكذيب واحد منهم يعتبر تكذيباً للكل، ثم كذلك بقية أركان الإيمان بالرسل، أو الإيمان باليوم الآخر، فمن أنكر شيئاً من ثوابت اليوم الآخر، حتى وإن كان جزئياً، فكأنه ما آمن باليوم الآخر، بل انتقض إيمانه بالدين كله، وكذلك الثوابت العملية الأخرى، فلو أن أحداً ادعى أنه يسعه أن ينكر ركناً من أركان الإسلام أو يؤوله، وهذه فتنة موجودة، ولا تظنونها مجرد افتراضات، فهي فتنة موجودة عند غلاة الفرق إلى يومنا هذا، فتجد من يدعي أن أركان الإسلام مجرد أمور قلبية، فالصلاة صلة الإنسان بربه، والزكاة أن يكون الإنسان عنده أخلاق عالية، والصيام الكف عن الآثام والأخلاق الرذيلة، وأعرف من المذاهب الحديثة في هذا العدد الكبير، وهي قائمة الآن على فئام من الناس ممن ينتسبون إلى الإسلام، فينكرون قواطع الدين من أركان الإسلام فضلاً عن أركان الإيمان؛ لأن عندهم شكوكاً أيضاً في أركان الإيمان، وعلى سبيل المثال: توجد طائفة خرجت قبل أكثر من عشرين سنة تزعمها رجل يقال له: محمود طه، وهو سوداني الأصل، فقد أول أركان الإسلام، وادعى أن الإسلام إسلامان: إسلام جاء به النبي ﷺ ، وهو إسلام البادية والأرياف، وهذا قد انتهى، وإسلام جديد، وهو إسلامه الذي يدعيه، فقد ألغى أركان الإسلام، وألغى اعتبارها وأولها بهذه التأويلات، وقد أقيمت عليه الحجة واستتيب ولم يتب، فقتل نسأل الله العافية، وأمثال هذا كثير من الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وليس هذا خاصاً بالأنبياء، بل كل ثوابت الدين، كإنكار الشفاعة، وإنكار الرؤية، وإنكار أشراط الساعة، بل أحياناً قد يقع اللبس عند بعض الذين ينتسبون للعلم، فمثلاً: ممن فتن بمثل هذه الفتنة، وممن ينتسبون للعلم، أن رجلاً أنكر أن يكون هناك شيء اسمه المهدي، بدعوى أن المهدي أصبح خرافة، وأصبح كل من عنده غلو أو عنده نوع من الانحراف والبدعة تعلق بمهدي ما، فهذا أنكر قطعيات الدين، وإنكاره يعود إلى إنكار الرسالة؛ لأنه من الذي أخبر بالأخبار الصحاح عن وجود المهدي؟ أليس النبي ﵊؟ بلى، بصرف النظر عن خرافات الرافضة والفرق، فنحن لا نعني بـ المهدي الخرافة التي يعتقد بها الخرافيون، وإنما نعني بـ المهدي الذي وصفه النبي ﷺ بالصفات الصحيحة الثابتة، فمن أنكره فقد أنكر على النبي ﷺ قوله، وهذا أيضاً يعود على إنكار النبوة. وأعود فأقول: إنني كنت ممن عاصر فتنة محمود طه، فقد زرت السودان في ذاك الوقت، فوجدت أن أغل

стр. 240

أهم الفوارق بين أركان الإيمان وأركان الإسلام قال المصنف رحمه الله تعالى: [كما ذكروا أنه لما أنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، قالت اليهود والنصارى: فنحن مسلمون، فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] فقالوا: لا نحج، فقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]. فإن الاستسلام لله لا يتم إلا بالإقرار بما له على عباده من حج البيت، كما قال ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)، ولهذا لما وقف النبي ﷺ بعرفة أنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]]. من أهم الفوارق بين أركان الإيمان وأركان الإسلام الأربعة الأخيرة: أن أركان الإيمان لا يعذر بها أحد، إذ ليست داخلة في الاستطاعة من حيث إجمالياتها، أما من حيث تفاصيلها فنعم، فهي أمر قلبي لا يعذر به عاقل، لكن يبقى مدى اليقين بها، فهذه أمور تتفاوت بين إنسان وآخر. أما أركان الإسلام فهي بحسب الاستطاعة، حتى الشهادتين قد يكون الإنسان لا ينطق بالشهادتين، فهو مسلم بالحال، أيضاً قد لا يستطيع أن يصلي، فيجب عليه أن يصلي إلى أدنى حد يومئ به، أو قد لا يكون عنده مال يزكي، فلا شيء عليه، وإنما المقصود إقراره بهذا الركن، إذ إنه لو تمكن لفعل، وكذلك الصيام، والحج، ولذلك الذين يكفرون بترك الحج مطلقاً يخطئون، حتى الذي يستطيع الحج وهو يسوف، وهو بنية أن يحج، ولم ينكر ركن الحج، فمن الصعب أن نقول: إنه ارتد عن الإسلام، فهو إنسان قد توافرت عنده الوسيلة والاستطاعة، لكنه ما حج تساهلاً أو تسويفاً، ففي هذا العام لم يستطع أن يحج، أو لم يرغب في الحج، ثم حج في العام القادم، فالراجح والذي تقتضيه النصوص الكثيرة أنه لا يقال بكفره ما دام مقراً بالحج بقلبه، وناوياً أن يحج وإن سوف.

стр. 241

تنازع الناس في إسلام من تقدم من أمة موسى وعيسى وبيان كون الإسلام خاصاً وعاماً قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمداً ﷺ المتضمن لشريعة القرآن ليس عليه إلا أمة محمد ﷺ ، والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبياً؛ فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء]. هذا التفصيل مهم جداً؛ لأنه الآن قد بدأت تظهر فتنة ظهرت قديماً على ألسنة غلاة المتصوفة وغلاة المتكلمين، وبعض المتحذلقين ورءوس بعض المعتزلة والجهمية، وبعض العباد الجهلة الذين بذروا بذور التصوف، وهي دعوى: أن الإسلام هو اتباع أي نبي، بل قالوا: أي شرع مستقيم أو قويم، حتى إن بعضهم لا يربطه بالأنبياء، فيرى أن المجوس جملة المسلمين، مع أنهم لا ينتسبون إلى نبي، وكذلك الصابئة، وإن كانوا يدعون أنهم ينتسبون إلى يحيى بن زكريا، وقد يستدلون بمثل النصوص العامة في الإسلام العام، وهذا خطأ، بل هو ضلال مبين، فالإسلام كما ذكر الشيخ إن قصد به الإشارة إلى دين الأنبياء فهو ما جاءوا به كلهم، وخاصة ما يتعلق بالعقائد، وفي عهد كل نبي الإسلام هو دينه الذي جاء به شريعة وعقيدة، حتى وإن وجد في وقت واحد أكثر من نبي، فكل منهم جاء بالإسلام في محيط ما بعث به وشرع له، ثم بعد ذلك بعدما ختمت النبوات والشرائع بمحمد ﷺ ، فلا بد أن ينصرف الإسلام لأول وهلة إلى هذا الدين جملة وتفصيلاً، هذا الدين بأصوله وفروعه، ولا يجوز التمويه أو استعمال هذا المصطلح على غير سياق بين، لكن مع ذلك إذا أردنا أن نخصص معنى الإسلام بالعقيدة فإنا نقول: كل الأنبياء جاءوا بالإسلام، فهم لا يختلفون في العقيدة، ولا في الثوابت العامة للدين، حتى قطعيات النصوص وقطعيات الأحكام يتفق فيها الأنبياء، وعلى هذا إذا جاء السياق في بيان ما بعث به عموم الأنبياء فنقول: بعثوا بالإسلام، وخاصة جانب الاعتقاد، لكن هذا لا يأتي إلا لمناسبة، ولا يعبر به التعبير المطلق عن الإسلام، ومتى ما جاءت كلمة (الإسلام) فإنه لابد أن يقصد بها لأول وهلة هذا الدين، أما إذا جاءت في السياق تدل على أن المقصود ما جاء به الأنبياء فهي بحسب السياق. إذاً: الأنبياء اتفقوا في أصول الاعتقاد وأصول الدين وقطعياته إلى قيام الساعة، واختلفت شرائعهم، وكل شريعة في وقتها إسلام، ثم ختمت هذه الشرائع بهذه الشريعة، فصار الإسلام على هذا المعنى هو هذا الدين، والشرائع الأخرى حرفت وبدلت ونسخت، فلم تعد تدخل في مسمى الإسلام.

стр. 242

الأسئلة

стр. 243

بيان معنى (الزيادة) في مجازاة المؤمنين ومجازاة المنافقين السؤال قلت في كلامك: إن الله يجازي عباده الصالحين بالخير وزيادة، ويجازي المنافقين بما يستحقون وزيادة، فماذا تقصد بذلك؟ الجواب هذه العبارة قد لا تكون دقيقة، لكن الزيادة هنا هي بالمعنى المعهود، أقصد أن الله يجازيهم على أعمالهم، وأعمالهم متعددة وليست قاصرة على مجرد الذنب؛ لأنهم خادعوا الله وخادعوا المؤمنين، وخدعوا أنفسهم، وكلمة (زيادة) ينبغي أن يفصل فيها أو أن تحذف.

стр. 244

حكم التمسح بأحجار الكعبة والحجر الأسود السؤال رجل رأى آخر بجوار الكعبة المشرفة ويتمسح بالحجر، فأراد أن ينكر عليه، فقال: هذا الحجر لا يضر ولا ينفع، فقام يضرب الحجر بيده عدة مرات عديدة، فهل فعله صحيح؟ الجواب مسألة مسح جدران الكعبة على سبيل التعبد لا تجوز إطلاقاً، إلا مس الحجر أو الركن اليماني، وكذلك على سبيل التبرك فلا شك أنه لا أصل له، لكن ليست كمسح غيرها من الأحجار، لاسيما إذا كان المسح على سبيل الالتزام، والمهم أنه منكر، لكن ليس كمنكرات الأحجار الأخرى. وأما ضربه للحجر يريد بذلك إقناع الآخر، فالذي يظهر أن هذا غير مناسب؛ لأن الذي تمسح بالحجر من باب التبرك ما قصد به ما يقصد عند الأصنام والأوثان التي يزعم أصحابها هذه المزاعم الكبرى، وإنما يقصد البركة المتعدية، وهذا المثال غير مناسب، وأظن أنه لا يليق بهذا المقام، بل ينبغي إقناعه بأن هذا لا أصل له، ولم يرد عن النبي ﷺ ، وأنه بدعة، وضرب الحجر قد يلتبس الأمر على ذلك الشخص، لأنه قال: إنه لا يزعم أو يدعي أنه يتكلم أو ينطق أو يصيح حتى تبرهن له أن الحجر لا يتكلم، وإنما هو يزعم أن هناك بركة متعدية، فأحسن شيء أن يقال له: إن هذا لا أصل له، واتباع الرسول ﷺ واجب.

стр. 245

الفرق بين الدعاء للنفس والدعاء للغير وحقيقة الاستثناء بالمشيئة والدعاء للمريض السؤال من الدعاء أن يقال للمريض: لا بأس طهور إن شاء الله، لكن من السنة إذا دعا أحدنا فليعزم المسألة، فكيف ذلك؟ الجواب الدعاء للغير ليس كالدعاء للنفس، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: أن هذا قصد به التفاؤل ولم يقصد به ربط أو استثناء بالمشيئة، فهو ذكر (إن شاء الله) على سبيل التفاؤل، ولا حرج فيه.

стр. 246

خطأ من يزعم أن كل العلم منبثق من الكتاب والسنة كالفيزياء والكيمياء وغيرهما السؤال هل كل العلم منبثق من الكتاب والسنة حتى العلوم الفيزيائية والكيميائية وغيرها من العلوم الطبيعية؟ الجواب لا يوجد أحد قال بهذا، لكن توجد للعلوم أصول أو إشارات في القرآن الكريم، أما أن ينبثق العلم التجريبي من القرآن فبالضرورة لا، والمقصود بالعلم: العلم الشرعي، العلم الذي يتعلق بالأوامر والنواهي الشرعية، سواء في الاعتقاد أو في القول أو في العمل أو في الأحكام، وهذا هو العلم المستمد من الكتاب والسنة. والعلوم الطبيعية التجريبية تستمد من مصادرها، ولتعلمها ضوابط موجودة في القرآن والسنة، منها: أن يقصد بها المرء المصلحة لا الفساد، وأن يحتسب بها خدمة الدين، وأن ينوي بها وجه الله . إذاً: هذه العلوم لابد أن تكون مشروطة بجلب المصالح ودرء المفاسد، وهذه تترك للتقعيد، ولذلك الكتاب والسنة يدخلان في تأصيل كل علم من حيث الأصول العقدية والأخلاقية، وأصول المصالح والمفاسد، لا من حيث كونه كله علماً مادياً له مصادره، وهذا مما ينادي به كثير من طلاب العلم اليوم، وهو أنه كما أننا نقول: إن العلوم الأخرى، سواء إنسانية أو تجريبية أو غيرها لها مصادرها، ولا مشاحة فيها في الاصطلاحات، إلا أنهم ينادون بأن تضبط بالضوابط الشرعية التي جاءت في الكتاب والسنة، من حيث أهدافها وغاياتها وأخلاقياتها.

стр. 247

دحض شبهة من يقول: ليس من العدل مجازاة الخلق على ما قدره الله لهم من عمل السيئات السؤال لا شك أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله، خيرها وشرها، ولكن لقائل أن يقول: كيف يستقيم هذا على القول: بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم، وهو خالقها فيهم! فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله؟! الجواب هذا نوع من الوسواس على مستوى عال عند كثير من الفلاسفة والأذكياء والمفكرين الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولم يذعنوا لله ، مع أنه قد يخطر هذا الخاطر حتى على عامة الناس، لكن يبقى ضرباً من الوسواس، وسأتكلم بعد نهاية السؤال عن القواعد في هذا. قال: فإن كان الجواب: بأن الله علم ما الخلق عاملون، وقدر ذلك عليهم، كان السؤال: من الذي جعلهم يختارون ذلك فعلمه الله، وإن كان الجواب: بأن الله جل وعلا هو الذي جعلهم يختارون ذلك عاد السؤال الأول، وعند ذلك كيف يستقيم؟ هذه هي الوسوسة لاسيما وظهور الدور فيها -الأوهام فيها دور-، أما أصل القضية فليس فيها دور، فهي واضحة؛ لأنها مبنية على أهمية تركيب قواعد التسليم لله ، وقواعد القدر. وهذا النوع من الخواطر يأتي على ضربين: الضرب الأول: نوع عارض، وذلك كالذي يجده كثير من الصالحين، بل كثير من الناس، بل ربما كل المسلمين، لكنه يزول أمام قوة التسليم والثوابت التي في القلب، فالمسلم أصلاً قد بنى دينه على ثوابت، هذه الثوابت إذا استقرت في القلب وأذعن لها العقل واستجابت لها العواطف والأحاسيس، فإنها لا يضرها الشيء العارض، فتصطدم هذه الوساوس العارضة بهذه الثوابت فتزول بإذن الله. الضرب الثاني: التشكيك الذي ينبني على شبهات ناتجة عن عوامل كثيرة، منها: التفريط في تحصيل العلم الشرعي، والغرور، والجهل، وضعف الإيمان، والأهواء التي تستحكم على المرء، والمذاهب والاتجاهات، والجهل بالعقيدة السليمة، أعني: عقيدة السلف إلى آخر ذلك من العوامل التي قد تجتمع عند كثير من أصحاب الأفكار الضالة، من القدرية ومن سلك سبيلهم، إذ إن القدرية ليست محصورة بفرقة معينة، بل هي نزعة الاعتراض، وأهمها هذا الاعتراض الذي هو مرض وسوس به القدرية الأولى والقدرية الثانية، وجميع من تكلموا في هذا، من جماعات أو أفراد، سواء قدرية فرقة أو النزعة القدرية عند الأفراد؛ ولذا فأقول: إن هذا الأمر يمكن الجواب عليه باختصار على النحو التالي: أولاً: أننا نعلم أن الله قدر الخير والشر ابتلاء وفتنة للعباد، فالله يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، والابتلاء له غاية كبرى وحكمة عظيمة. ثانياً: لا بد أن نعود إلى ركن الإيمان، وهو أن تؤمن بالقدر، والقدر هو تقدير الله مشيئة وفعلاً، إرادة وخلقاً، فالله خالق كل شيء، وهو قدر كل شيء، فإذا كان الأمر كذلك فمعنى الإيمان بالقدر أن تؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه من الله جاء على جهة الحكمة، ثم إن الله بنى أصول القدر على المراتب الأربع: العلم بأن الله عالم بكل شيء، علم ما كان، وما سيكون، وما هو كائن، وكيف يكون، وعلى أي وجه يكون. ثم الكتابة، أي: أن الله كتب مقادير كل شيء، الخير والشر، بما فيها مقادير العباد وأفعال العباد الإرادية واللاإرادية. ثم المشيئة، ومعناها: أن الله شاء كل المقادير بمشيئته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون إلا ما يشاؤه الله من الخير والشر بما فيه أفعال العباد، وبما فيه أفعال الشرك والظلم، وكل الأفعال التي تصدر عن المكلفين، فهي بمشيئة الله. ثم إن الله خالق كل شيء، قدر الشر على العباد وابتلاهم به. وهذه مسألة لها باب آخر، وهي تنبني على الثقة بالله ، والثقة بعلمه وحكمته وعدله، وبأن الله بكل شيء عليم، وأنه فعال لما يريد، وأنه حكيم فيما قدر وفعل، وأنه سبحانه العليم الخبير، وأنه لا يفعل شيئاً إلا لحكمة وبكمال عدله، فإذا رسخت هذه المعاني في القلب اصطدمت بها الشكوك فلم تؤثر فيها. ثم يبقى الجانب الثالث أضيق، وهو مسألة تقدير الخير والشر والابتلاء به، وكيف أن الله قدر الشر وخلقه وابتلى به ثم يعاقب عليه؟ قال : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، فالله قد ميز لهذا الإنسان بين الهدى والضلال، وبين الحق والباطل، وبين العدل والظلم، وبين الخير والشر من جميع الجوانب، ثم لما ميز بين هذا وذاك، ابتلى به على نحو إذا تصوره المسلم لم يعد عنده أي إشكال في كمال عدل الله، وذلك أن الله قدر الخير وشرعه، أي: أن الشرائع قد تضمنت الأمر بفعله، وأنزل الكتب، وبعث الأنبياء يبينون طريق الخير للناس، ثم إنه أمرهم به وأقدرهم عليه، بل وسهله لهم، ووعدهم عليه بالوعد الحسن في الدنيا والآخرة. كما أنه قدر الشر وحذر منه على ألسنة الرسل وفي الشرائع، ونفر منه العقول السليمة والفطر المستقيمة التي لم تنطمس بعد، فهو سبحانه قدر الشر، لكنه بعث المرسلين وشرع الشرائع في التحذير منه، وبيان طريقه وا

стр. 248

شرح العقيدة التدمرية [٢٤] هناك أصول عظيمة كبرى ينبني عليها أصل الدين كله، وأعظمها: شهادة أن لا إله إلا الله، وركنا الشهادة أو التوحيد أو العبادة: عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب الطاغوت، وهو كل ما يعبد من دون الله. وبعد بعثة النبي محمد ﷺ فإن أصل الدخول في الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فمن لم يشهد بذلك فليس بمسلم بل هو كافر.

стр. 249

بعث الرسل بالدعوة إلى توحيد العبادة قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ورأس الإسلام مطلقاً شهادة أن لا إله إلا الله، وبها بعث الله جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وقال عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨]، وقال تعالى عنه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٧]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤]، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وذكر عن رسله: كنوح وهود وصالح وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وقال عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٣ - ١٤] إلى قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف:١٥]، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ذكر ذلك في موضعين من كتابه]. في هذا المقطع بين الشيخ ﵀ أصولاً عظيمة، ومباني كبيرة من مباني الدين، بل هي أصول الدين الكبرى التي ينبني عليها أصل الدين كله، سواء ما بعث به النبي ﷺ خاصة أو ما بعث به جميع النبيين، وهو أنه يقوم على شهادة أن لا إله إلا الله، ثم بعد الإسلام: شهادة أن محمداً رسول الله، وقبل الإسلام الشهادة لكل نبي بأنه هو النبي المرسل، وركني الشهادة أو ركني التوحيد أو ركني العبادة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فهذه أصول عامة في كل دين منذ آدم ﵇ وإلى أن تقوم الساعة، بعث بها كل رسول وكل نبي وكل مصلح وكل داعية وكل مسلم يجب أن يعتقد ذلك، سواء من المسلمين بمعنى: الإسلام الاصطلاحي بعد بعثة النبي ﷺ ، أو المسلمين الذين كانوا أتباع الأنبياء كلهم، فلابد أن يكون دينهم على ذلك، ثم أيضاً في هذه النصوص القطعية إشارة قاطعة إلى أن أصل الدخول في الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن من لم يقل ذلك أو يشهد به فليس بمسلم، وهذا يعطي القاعدة القطعية بأن من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو كافر، وهذه من القطعيات والثوابت التي بدأت تنهش أو تزعزع من قبل كثير من المفتونين، ولا أقصد مجرد الزنادقة وأهل الضلال، لكن المفتونين من جهلة أبناء المسلمين، ومن الذين بدأت الآن تغزوهم الأفكار الضالة عبر الوسائل الكثيرة، والذين لم يكن عندهم يقين بأن غير المسلم كافر، بل ربما بعضهم قد يكون كافراً خالصاً، والكفار على نوعين: هناك كفار خلص ينتمون إلى ديانات، وأمرهم بين وواضح مثل اليهودي والنصراني، وكذلك كل من ينتمي إلى ديانة غير الإسلام، فهو كافر أصلاً، لكن هناك أناس يدعون أنهم لا يتبعون ديانات، لكنهم قد يقرون بالنبوات على وجه العموم، وقد يقرون بأن الإسلام حق على وجه العموم، لكنهم لا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهؤلاء أيضاً يشكك في أمرهم كثير من الناس، مع أنهم يدخلون في الكفار الخلص؛ لأن كل من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو كافر خالص، سواء تسمى بدينه أو لم يتسمَ بدينه، والعكس كذلك، فكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فالأصل فيه الإسلام، ولا يجوز إخراجه من الملة إلا بعد إقامة الحجة عليه، وتطبيق شروط وضوابط التكفير، وانتفاء الموانع مهما بلغ فعله

стр. 250

بيان أنواع الشرك وأصله قال رحمه الله تعالى: [وقد بين في كتابه الشرك بالملائكة, والشرك بالأنبياء, والشرك بالكواكب, والشرك بالأصنام، وأصل الشرك الشرك بالشيطان]. ذكر المصنف هنا ستة أنواع من الشرك، وهذه الأنواع يندرج فيها جميع أنواع الشرك، فالنوع الأول وهو الأخير في كلام المؤلف، وهو أصل الشرك وأساسه ومنطلقه: الشرك بالشيطان، سواء بعبادته أو طاعته، وهذا هو أصل أنواع الشرك الأخرى: الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام، كما أن هذه الأنواع من أنواع الشرك أيضاً لها تقسيمات أخرى، فمثلاً: الشرك بالملائكة والأنبياء بدعوى أنهم صالحون، وبدعوى أنهم يشفعون عند الله، وهذه كانت ذريعة الشرك الأول، ثم عبدتهم أجيال وأمم -أحياناً- وهي لا تدري لماذا عبدتهم؟ لكن أصل إشراك هؤلاء بالملائكة أو الأنبياء أو الصالحين هو أن الشيطان أوهمهم بأن هؤلاء أقرب منهم إلى الله، وأنهم يشفعون لهم عند الله ، فأشركوا بهم، ثم تمادت وتجارت بهم الأهواء حتى جاءت أجيال من هؤلاء يعبدون الملائكة والأنبياء، وهم لا يدرون لماذا يعبدونهم؟ أما النوع الآخر فهو الشرك بالله من خلال مظاهر معينة، إما مظاهر العظمة أو الخوف أو الرغبة أو الرهبة، كالشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام، فمنها ما هو ذريعة فلسفية إلى الشرك بالله، فمن ذلك: أنهم يزعمون أن الكواكب حلت فيها أرواح إلهية، أو أنها حلت فيها الملائكة، أو أنها تتضمن أرواحاً مقدسة، أو أن لها التصرف بالكون. وكذلك الأصنام، سواء كانت أصناماً أو أوثاناً، أو أصناماً هي أحياناً حيوانات ونحوها، فكلها تسمى أصناماً، فيدخل في هذا الشرك بالشمس والقمر، والسجود للشمس والقمر والنجوم وغيرها، فهو شرك بالله ، سواء خافوا منها، أو رغبوا فيها، أو زعموا أنها حلت فيها أرواح تستحق التقديس، أو أنها أيضاً حلت فيها الإلهية، أو أن لها تصرفاً في الكون تستحق به العبادة، أو أن لها نفعاً. فمثلاً: الذين عبدوا البقر فلسفتهم في هذا تنبع من أن البقر هي أنفع الحيوانات، يعني: أن الشيطان وسوس للناس حتى أوصلهم إلى الشرك. وهناك عباد للشيطان يوجدون إلى اليوم، وهم مع الأسف مذهب من المذاهب التي تنسب إلى المسلمين، والغربيون الآن يصنفون عباد الشيطان على أنهم من ضمن فئة المسلمين في العراق، ويحاولون أيضاً أن يعطونهم كياناً، بل الآن كل شذاذ الديانات وشذاذ المذاهب في العراق تحاول قوى الكفر والاحتلال أن تنفخ فيهم حتى تكون لهم كيانات لتضرب بهم السنة، وليس فقط الإسلام، فهناك نوع من رفع الشعارات الإسلامية تؤيده أمريكا وأوروبا، ومعلوم هذا ما هو، لكنهم يريدون قمع السنة؛ لأن السنة هي الإسلام الحق الذي يخافون منه ويرهبونه. وعلى أي حال هذا من فضول الأمور، ومن الترف الذي غالبه أقرب إلى الإثم؛ لأن الشرك كله عقوبته في الدنيا والآخرة واحدة، لكن كون بعضهم أشد عذاباً من بعض، فقد ذكر الله عنهم بأنهم يتحاجون في النار، ولا نقف عند هذا الحد؛ لأنه ليس لنا شأن في العبادة، فالله يتولاهم، وأيضاً عندما نصنف الشرك تصنيفاً موضوعياً -لا من حيث موقفنا منه- لاشك أنه يتفاوت، فالشرك الأكبر يتفاوت، كما أن الشرك بمعناه العام يتفاوت، فهناك شرك أصغر لا يخرج الإنسان من الملة، كيسير الرياء، والتعلق القلبي ببعض الأمور التي لا يشرع التعلق بها، لكن الشرك الأكبر حكمه واحد. أما كونه أنواعاً ودرجات فهذا معلوم عند جميع العقلاء، لكن درجات وشعب في حكمها، أما في الآخرة فلا فرق، فكلهم من أهل النار المخلدون، نسأل الله العافية. قال رحمه الله تعالى: [فقال عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٧]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٧٩] إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٠]، فبين أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر].
следующие страницы →