← Акыда

Акыда · id 37727

شرح التدمرية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (326 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

خطأ من يزعم أن كل العلم منبثق من الكتاب والسنة كالفيزياء والكيمياء وغيرهما السؤال هل كل العلم منبثق من الكتاب والسنة حتى العلوم الفيزيائية والكيميائية وغيرها من العلوم الطبيعية؟ الجواب لا يوجد أحد قال بهذا، لكن توجد للعلوم أصول أو إشارات في القرآن الكريم، أما أن ينبثق العلم التجريبي من القرآن فبالضرورة لا، والمقصود بالعلم: العلم الشرعي، العلم الذي يتعلق بالأوامر والنواهي الشرعية، سواء في الاعتقاد أو في القول أو في العمل أو في الأحكام، وهذا هو العلم المستمد من الكتاب والسنة. والعلوم الطبيعية التجريبية تستمد من مصادرها، ولتعلمها ضوابط موجودة في القرآن والسنة، منها: أن يقصد بها المرء المصلحة لا الفساد، وأن يحتسب بها خدمة الدين، وأن ينوي بها وجه الله . إذاً: هذه العلوم لابد أن تكون مشروطة بجلب المصالح ودرء المفاسد، وهذه تترك للتقعيد، ولذلك الكتاب والسنة يدخلان في تأصيل كل علم من حيث الأصول العقدية والأخلاقية، وأصول المصالح والمفاسد، لا من حيث كونه كله علماً مادياً له مصادره، وهذا مما ينادي به كثير من طلاب العلم اليوم، وهو أنه كما أننا نقول: إن العلوم الأخرى، سواء إنسانية أو تجريبية أو غيرها لها مصادرها، ولا مشاحة فيها في الاصطلاحات، إلا أنهم ينادون بأن تضبط بالضوابط الشرعية التي جاءت في الكتاب والسنة، من حيث أهدافها وغاياتها وأخلاقياتها.

стр. 247

دحض شبهة من يقول: ليس من العدل مجازاة الخلق على ما قدره الله لهم من عمل السيئات السؤال لا شك أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله، خيرها وشرها، ولكن لقائل أن يقول: كيف يستقيم هذا على القول: بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم، وهو خالقها فيهم! فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله؟! الجواب هذا نوع من الوسواس على مستوى عال عند كثير من الفلاسفة والأذكياء والمفكرين الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولم يذعنوا لله ، مع أنه قد يخطر هذا الخاطر حتى على عامة الناس، لكن يبقى ضرباً من الوسواس، وسأتكلم بعد نهاية السؤال عن القواعد في هذا. قال: فإن كان الجواب: بأن الله علم ما الخلق عاملون، وقدر ذلك عليهم، كان السؤال: من الذي جعلهم يختارون ذلك فعلمه الله، وإن كان الجواب: بأن الله جل وعلا هو الذي جعلهم يختارون ذلك عاد السؤال الأول، وعند ذلك كيف يستقيم؟ هذه هي الوسوسة لاسيما وظهور الدور فيها -الأوهام فيها دور-، أما أصل القضية فليس فيها دور، فهي واضحة؛ لأنها مبنية على أهمية تركيب قواعد التسليم لله ، وقواعد القدر. وهذا النوع من الخواطر يأتي على ضربين: الضرب الأول: نوع عارض، وذلك كالذي يجده كثير من الصالحين، بل كثير من الناس، بل ربما كل المسلمين، لكنه يزول أمام قوة التسليم والثوابت التي في القلب، فالمسلم أصلاً قد بنى دينه على ثوابت، هذه الثوابت إذا استقرت في القلب وأذعن لها العقل واستجابت لها العواطف والأحاسيس، فإنها لا يضرها الشيء العارض، فتصطدم هذه الوساوس العارضة بهذه الثوابت فتزول بإذن الله. الضرب الثاني: التشكيك الذي ينبني على شبهات ناتجة عن عوامل كثيرة، منها: التفريط في تحصيل العلم الشرعي، والغرور، والجهل، وضعف الإيمان، والأهواء التي تستحكم على المرء، والمذاهب والاتجاهات، والجهل بالعقيدة السليمة، أعني: عقيدة السلف إلى آخر ذلك من العوامل التي قد تجتمع عند كثير من أصحاب الأفكار الضالة، من القدرية ومن سلك سبيلهم، إذ إن القدرية ليست محصورة بفرقة معينة، بل هي نزعة الاعتراض، وأهمها هذا الاعتراض الذي هو مرض وسوس به القدرية الأولى والقدرية الثانية، وجميع من تكلموا في هذا، من جماعات أو أفراد، سواء قدرية فرقة أو النزعة القدرية عند الأفراد؛ ولذا فأقول: إن هذا الأمر يمكن الجواب عليه باختصار على النحو التالي: أولاً: أننا نعلم أن الله قدر الخير والشر ابتلاء وفتنة للعباد، فالله يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، والابتلاء له غاية كبرى وحكمة عظيمة. ثانياً: لا بد أن نعود إلى ركن الإيمان، وهو أن تؤمن بالقدر، والقدر هو تقدير الله مشيئة وفعلاً، إرادة وخلقاً، فالله خالق كل شيء، وهو قدر كل شيء، فإذا كان الأمر كذلك فمعنى الإيمان بالقدر أن تؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه من الله جاء على جهة الحكمة، ثم إن الله بنى أصول القدر على المراتب الأربع: العلم بأن الله عالم بكل شيء، علم ما كان، وما سيكون، وما هو كائن، وكيف يكون، وعلى أي وجه يكون. ثم الكتابة، أي: أن الله كتب مقادير كل شيء، الخير والشر، بما فيها مقادير العباد وأفعال العباد الإرادية واللاإرادية. ثم المشيئة، ومعناها: أن الله شاء كل المقادير بمشيئته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون إلا ما يشاؤه الله من الخير والشر بما فيه أفعال العباد، وبما فيه أفعال الشرك والظلم، وكل الأفعال التي تصدر عن المكلفين، فهي بمشيئة الله. ثم إن الله خالق كل شيء، قدر الشر على العباد وابتلاهم به. وهذه مسألة لها باب آخر، وهي تنبني على الثقة بالله ، والثقة بعلمه وحكمته وعدله، وبأن الله بكل شيء عليم، وأنه فعال لما يريد، وأنه حكيم فيما قدر وفعل، وأنه سبحانه العليم الخبير، وأنه لا يفعل شيئاً إلا لحكمة وبكمال عدله، فإذا رسخت هذه المعاني في القلب اصطدمت بها الشكوك فلم تؤثر فيها. ثم يبقى الجانب الثالث أضيق، وهو مسألة تقدير الخير والشر والابتلاء به، وكيف أن الله قدر الشر وخلقه وابتلى به ثم يعاقب عليه؟ قال : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، فالله قد ميز لهذا الإنسان بين الهدى والضلال، وبين الحق والباطل، وبين العدل والظلم، وبين الخير والشر من جميع الجوانب، ثم لما ميز بين هذا وذاك، ابتلى به على نحو إذا تصوره المسلم لم يعد عنده أي إشكال في كمال عدل الله، وذلك أن الله قدر الخير وشرعه، أي: أن الشرائع قد تضمنت الأمر بفعله، وأنزل الكتب، وبعث الأنبياء يبينون طريق الخير للناس، ثم إنه أمرهم به وأقدرهم عليه، بل وسهله لهم، ووعدهم عليه بالوعد الحسن في الدنيا والآخرة. كما أنه قدر الشر وحذر منه على ألسنة الرسل وفي الشرائع، ونفر منه العقول السليمة والفطر المستقيمة التي لم تنطمس بعد، فهو سبحانه قدر الشر، لكنه بعث المرسلين وشرع الشرائع في التحذير منه، وبيان طريقه وا

стр. 248

شرح العقيدة التدمرية [٢٤] هناك أصول عظيمة كبرى ينبني عليها أصل الدين كله، وأعظمها: شهادة أن لا إله إلا الله، وركنا الشهادة أو التوحيد أو العبادة: عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب الطاغوت، وهو كل ما يعبد من دون الله. وبعد بعثة النبي محمد ﷺ فإن أصل الدخول في الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فمن لم يشهد بذلك فليس بمسلم بل هو كافر.

стр. 249

بعث الرسل بالدعوة إلى توحيد العبادة قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ورأس الإسلام مطلقاً شهادة أن لا إله إلا الله، وبها بعث الله جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وقال عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨]، وقال تعالى عنه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٧]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤]، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وذكر عن رسله: كنوح وهود وصالح وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وقال عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٣ - ١٤] إلى قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف:١٥]، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ذكر ذلك في موضعين من كتابه]. في هذا المقطع بين الشيخ ﵀ أصولاً عظيمة، ومباني كبيرة من مباني الدين، بل هي أصول الدين الكبرى التي ينبني عليها أصل الدين كله، سواء ما بعث به النبي ﷺ خاصة أو ما بعث به جميع النبيين، وهو أنه يقوم على شهادة أن لا إله إلا الله، ثم بعد الإسلام: شهادة أن محمداً رسول الله، وقبل الإسلام الشهادة لكل نبي بأنه هو النبي المرسل، وركني الشهادة أو ركني التوحيد أو ركني العبادة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فهذه أصول عامة في كل دين منذ آدم ﵇ وإلى أن تقوم الساعة، بعث بها كل رسول وكل نبي وكل مصلح وكل داعية وكل مسلم يجب أن يعتقد ذلك، سواء من المسلمين بمعنى: الإسلام الاصطلاحي بعد بعثة النبي ﷺ ، أو المسلمين الذين كانوا أتباع الأنبياء كلهم، فلابد أن يكون دينهم على ذلك، ثم أيضاً في هذه النصوص القطعية إشارة قاطعة إلى أن أصل الدخول في الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن من لم يقل ذلك أو يشهد به فليس بمسلم، وهذا يعطي القاعدة القطعية بأن من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو كافر، وهذه من القطعيات والثوابت التي بدأت تنهش أو تزعزع من قبل كثير من المفتونين، ولا أقصد مجرد الزنادقة وأهل الضلال، لكن المفتونين من جهلة أبناء المسلمين، ومن الذين بدأت الآن تغزوهم الأفكار الضالة عبر الوسائل الكثيرة، والذين لم يكن عندهم يقين بأن غير المسلم كافر، بل ربما بعضهم قد يكون كافراً خالصاً، والكفار على نوعين: هناك كفار خلص ينتمون إلى ديانات، وأمرهم بين وواضح مثل اليهودي والنصراني، وكذلك كل من ينتمي إلى ديانة غير الإسلام، فهو كافر أصلاً، لكن هناك أناس يدعون أنهم لا يتبعون ديانات، لكنهم قد يقرون بالنبوات على وجه العموم، وقد يقرون بأن الإسلام حق على وجه العموم، لكنهم لا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهؤلاء أيضاً يشكك في أمرهم كثير من الناس، مع أنهم يدخلون في الكفار الخلص؛ لأن كل من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو كافر خالص، سواء تسمى بدينه أو لم يتسمَ بدينه، والعكس كذلك، فكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فالأصل فيه الإسلام، ولا يجوز إخراجه من الملة إلا بعد إقامة الحجة عليه، وتطبيق شروط وضوابط التكفير، وانتفاء الموانع مهما بلغ فعله

стр. 250

بيان أنواع الشرك وأصله قال رحمه الله تعالى: [وقد بين في كتابه الشرك بالملائكة, والشرك بالأنبياء, والشرك بالكواكب, والشرك بالأصنام، وأصل الشرك الشرك بالشيطان]. ذكر المصنف هنا ستة أنواع من الشرك، وهذه الأنواع يندرج فيها جميع أنواع الشرك، فالنوع الأول وهو الأخير في كلام المؤلف، وهو أصل الشرك وأساسه ومنطلقه: الشرك بالشيطان، سواء بعبادته أو طاعته، وهذا هو أصل أنواع الشرك الأخرى: الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام، كما أن هذه الأنواع من أنواع الشرك أيضاً لها تقسيمات أخرى، فمثلاً: الشرك بالملائكة والأنبياء بدعوى أنهم صالحون، وبدعوى أنهم يشفعون عند الله، وهذه كانت ذريعة الشرك الأول، ثم عبدتهم أجيال وأمم -أحياناً- وهي لا تدري لماذا عبدتهم؟ لكن أصل إشراك هؤلاء بالملائكة أو الأنبياء أو الصالحين هو أن الشيطان أوهمهم بأن هؤلاء أقرب منهم إلى الله، وأنهم يشفعون لهم عند الله ، فأشركوا بهم، ثم تمادت وتجارت بهم الأهواء حتى جاءت أجيال من هؤلاء يعبدون الملائكة والأنبياء، وهم لا يدرون لماذا يعبدونهم؟ أما النوع الآخر فهو الشرك بالله من خلال مظاهر معينة، إما مظاهر العظمة أو الخوف أو الرغبة أو الرهبة، كالشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام، فمنها ما هو ذريعة فلسفية إلى الشرك بالله، فمن ذلك: أنهم يزعمون أن الكواكب حلت فيها أرواح إلهية، أو أنها حلت فيها الملائكة، أو أنها تتضمن أرواحاً مقدسة، أو أن لها التصرف بالكون. وكذلك الأصنام، سواء كانت أصناماً أو أوثاناً، أو أصناماً هي أحياناً حيوانات ونحوها، فكلها تسمى أصناماً، فيدخل في هذا الشرك بالشمس والقمر، والسجود للشمس والقمر والنجوم وغيرها، فهو شرك بالله ، سواء خافوا منها، أو رغبوا فيها، أو زعموا أنها حلت فيها أرواح تستحق التقديس، أو أنها أيضاً حلت فيها الإلهية، أو أن لها تصرفاً في الكون تستحق به العبادة، أو أن لها نفعاً. فمثلاً: الذين عبدوا البقر فلسفتهم في هذا تنبع من أن البقر هي أنفع الحيوانات، يعني: أن الشيطان وسوس للناس حتى أوصلهم إلى الشرك. وهناك عباد للشيطان يوجدون إلى اليوم، وهم مع الأسف مذهب من المذاهب التي تنسب إلى المسلمين، والغربيون الآن يصنفون عباد الشيطان على أنهم من ضمن فئة المسلمين في العراق، ويحاولون أيضاً أن يعطونهم كياناً، بل الآن كل شذاذ الديانات وشذاذ المذاهب في العراق تحاول قوى الكفر والاحتلال أن تنفخ فيهم حتى تكون لهم كيانات لتضرب بهم السنة، وليس فقط الإسلام، فهناك نوع من رفع الشعارات الإسلامية تؤيده أمريكا وأوروبا، ومعلوم هذا ما هو، لكنهم يريدون قمع السنة؛ لأن السنة هي الإسلام الحق الذي يخافون منه ويرهبونه. وعلى أي حال هذا من فضول الأمور، ومن الترف الذي غالبه أقرب إلى الإثم؛ لأن الشرك كله عقوبته في الدنيا والآخرة واحدة، لكن كون بعضهم أشد عذاباً من بعض، فقد ذكر الله عنهم بأنهم يتحاجون في النار، ولا نقف عند هذا الحد؛ لأنه ليس لنا شأن في العبادة، فالله يتولاهم، وأيضاً عندما نصنف الشرك تصنيفاً موضوعياً -لا من حيث موقفنا منه- لاشك أنه يتفاوت، فالشرك الأكبر يتفاوت، كما أن الشرك بمعناه العام يتفاوت، فهناك شرك أصغر لا يخرج الإنسان من الملة، كيسير الرياء، والتعلق القلبي ببعض الأمور التي لا يشرع التعلق بها، لكن الشرك الأكبر حكمه واحد. أما كونه أنواعاً ودرجات فهذا معلوم عند جميع العقلاء، لكن درجات وشعب في حكمها، أما في الآخرة فلا فرق، فكلهم من أهل النار المخلدون، نسأل الله العافية. قال رحمه الله تعالى: [فقال عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٧]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٧٩] إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٠]، فبين أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر].

стр. 251

إقرار عامة المشركين بتوحيد الربوبية قال رحمه الله تعالى: [ومعلوم أن أحداً من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان والمسيح ابن مريم شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهاً مساوياً لله في جميع صفاته، بل عامة المشركين بالله مقرون بأنه ليس شريكه مثله، بل عامتهم يقرون أن الشريك مملوك له سواء كان ملكاً أو نبياً أو كوكباً أو صنماً، كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فأهلّ رسول الله ﷺ بالتوحيد، فقال: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك). وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات، بل من أعظم ما نقلوا في ذلك قول الثنوية الذين يقولون بالأصلين: النور والظلمة، وأن النور خلق الخير, والظلمة خلقت الشر، ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين: أحدهما: أنها محدثة، فتكون من جملة المخلوقات له. والثاني: أنها قديمة، لكنها لم تفعل إلا الشر، فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور]. هذه كلها مقالات للمجوس وبعض الديانات الشرقية، وهي مقالات لا تعني أنهم يعتقدون التساوي بين ربين أو بين إلهين، وهذه يبدو لي أنها من الحقائق البدهية، فلا أحد حتى الذين قد لا يتعمقون في التفلسف في عبادة غير الله ، يعني: المشركين الخلص الذين انبنت شركياتهم على مناهج وأديان تتبع هؤلاء عندهم تفلسف واضح، وعندهم أصول وقواعد للشرك، لكن حتى الأمم التي تشرك عن سذاجة، ككثير من الشعوب في آسيا وإفريقيا وغيرها لا تعتقد أن ما تعبده يساوي الله الخالق الأكبر الأعظم، بل لا تتصوره أصلاً؛ لأنه لا يتصور عند التحقق والتفكير -سواء كان تفكيراً سطحياً أو عميقاً- أن أحداً يعتقد أو يمكن أن يعتقد بتساوي إلهين أو ربين، وإن وجد هذا في بعض جوانب الإلهية فلا يمكن أن يوجد في بعض جوانب الربوبية، أعني: أن التساوي في العبادة قد يوجد عند بعض المشركين، لكن في الربوبية لا، وهذه حقيقة ينبني عليها أو يتفرع عنها كلام سيقوله شيخ الإسلام في بقية الفقرات التالية.

стр. 252

توحيد المتكلمين قال رحمه الله تعالى: [وقد أخبر الله عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بينه في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩] إلى قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]. وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى (التوحيد)، فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له, وواحد في صفاته لا شبيه له, وواحد في أفعاله لا شريك له]. هذه الأنواع عندهم ترجع إلى قسمي التوحيد، ويغفلون القسم الثالث الذي هو المطلوب من العباد، والذي هو مقتضى بعث الأنبياء والرسل، ومقتضى ما أمر الله به من تحقيق رضاه ، ومقتضى الفوز بالجنة، ألا وهو توحيد الإلهية، فلا يدخل عندهم في أنواع التوحيد، بل لا يعرفونه ولا يتكلمون فيه، فهم قد دمجوا بين الربوبية والأسماء والصفات، وليس في ذلك ضير، فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات بينهما خصوص وعموم كثير، فتوحيد الربوبية داخل في الأسماء والصفات، وكذلك العكس، لكن التوحيد الذي هو المطلوب من العباد، والذي بعث الله به الرسل، والذي عليه الخصام بين الأنبياء وأعدائهم، والذي هو التمييز بين الحق والباطل، والذي يتعلق به ما يرضي الله ، هو توحيد العبادة، ولذلك هذه الآيات التي ذكرها المصنف كلها في تقييد وبيان أن هذه الأمم الضالة المشركة كلهم يقرون بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، والله قد عاتبهم على ذلك، لأنه ما دام أنهم يقرون بأن الله خلق السماوات والأرض، فلماذا يدعون غير الله؟ وهل هذه المدعوات من دون الله تكشف لهم الضر، أو تجلب لهم النفع؟ سيقولون: لا، فأمر النبي ﷺ وأتباعه من الموحدين أن يقولوا: حسبنا الله، وألا يتوكلوا إلا على الله، بمعنى: لابد من تحقق العبادة له سبحانه، وأيضاً حينما يسأل هؤلاء: لمن الأرض ومن فيها؟ كلهم سيقولون: لله، حتى من يعتقد أن هناك آلهة تدبر شيئاً من الكون يرون أن هذه الآية كلها تحت تدبير الله. إذاً: الله نبههم إلى أن يستعملوا عقولهم وأذهانهم، ولذلك جعل صرف أذهانهم وعقولهم وعواطفهم ومشاعرهم عن هذه الحقيقة كالسحر الذي يقلب الحقائق، فقال: (فأنى تسحرون) ما دام أنكم اعترفتم بهذه المعاني كلها، فاعترفتم بأن الله رب السماوات والأرض، وأنه رب العرش العظيم، وأن بيده ملكوت كل شيء، وأنه يجير ولا يجار عليه سبحانه، فما الذي سحركم عن هذه الحقيقة؟ وما الذي سحركم عن العبادة؟ وما الذي سحركم عن الألوهية الحقيقية؟ وما الذي سحركم عن إفراد التوحيد لله سبحانه؟ ولذلك جاء تقرير الحق بمجرد السؤال فقط، فقال: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩]، ولم يزد على ذلك شيئاً؛ لأن هذه حقيقة بدهية، ويكفي أن أكثر الخطاب ينبه عقولهم وفطرهم ومشاعرهم وعواطفهم إلى هذه الحقيقة، وليس هناك داع بأن يقول: لماذا تسحرون عن هذا الحق الذي هو كذا وكذا؟ يعني: أن المسألة هذه غير طبيعية، فأنتم قلبتم المفاهيم وعكستم المطلوب، وكذلك بقية الآيات، وهي كثيرة في كتاب الله . والدخول في هذا يحتاج إلى شيء من المقدمة، ولعلي إن شاء الله أبدأ فيه في الأسبوع القادم، والمهم أن هذه الأنواع -أنواع التوحيد- هي الأنواع التي يقررها الفلاسفة والملاحدة وكثير ممن انحرف من الأمم الضالة نحو النزعات العقلية والفلسفية، ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يعتب على أهل الكلام فيقول: أنتم ما أتيتم بجديد، فحينما قسمتم التوحيد إلى هذه الأقسام ما قررتم حقاً ولا أبطلتم باطلاً؛ لأن هذا الذي

стр. 253

الأسئلة

стр. 254

بيان ما يجب لله من حيث الإجمال ثم التفصيل، والفرق بين أفعال الله وصفاته السؤال ما الفرق بين الأفعال والصفات الفعلية؟ ثم قبل ذلك ما هي الفروق بين أسماء الله وصفاته وأفعاله وبين الأخبار؟ الجواب ما يتعلق بترتيب ما يجب في حق الله من حيث الخصوص ثم العموم، أو من حيث الإجمال ثم التفصيل، أولاً: يجب إثبات ذات الله المعبر عنه بإثبات الوجود؛ لأنه لا يتصور عقلاً أن يكون هناك موجود بلا أسماء وصفات على الإطلاق؛ لأنه بمجرد إثبات الوجود لابد من إثبات الذات، ثم الأسماء والصفات، أما الأفعال والأخبار فإنها من مستلزمات ذات الأسماء والصفات من جهة العموم، أما على جهة التفصيل فإن أفعال الله لابد من إثباتها تفصيلاً، أي: بمفرداتها، بحسب ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأنها أخبار تفصيلية، ومعلوم أن الإثبات على نوعين: إثبات إجمالي يقتضيه العقل والفطرة، وتقتضيه الدلائل والشواهد وهو إثبات وجود الله ، وأيضاً وجود المخلوقات، والفرق بين الموجودين، أو ضرورة إثبات الكمال لله للخالق، والإقرار بالنقص للمخلوقات؛ لأنه ما من مخلوق يتصور كماله إلا وكماله محدود ومقيد بالحاجة والفناء والافتقار، والغنى المطلق لا يكون إلا لله . وأيضاً مما تقر به العقول والفطر السليمة أنه لا يمكن أن يكون وجود بلا صفات، أو بلا أسماء وصفات. ثانياً: التفصيل في هذا كله، إذ التفصيل موقوف على الكتاب والسنة، وعلى خبر الغيب الذي لا يكون إلا بالوحي المعصوم؛ لأنه يستحيل لجميع العقول والقدرات البشرية والفطر أن تدرك الغيب، ويستحيل عليها أيضاً أن تحيط بالكثير مما ورد من التفاصيل في الكتاب والسنة في حق الله ، في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. أما الإجماليات -فكما قلت- فلا يكمل بها دين ولا يستقيم بها أمر، ولا يتحقق بها رضا الله ، ولا يتحقق بها حق الله على ما يرضيه سبحانه، فكان لابد من الشرع، ولابد من الوحي المعصوم الذي يكون به إثبات. وأما الفرق بين الصفات الفعلية والأفعال لله فهو أنه فيما يتعلق بالله لا فرق، وأما فيما يتعلق بالمفهوم العام فقد تكون هناك بعض الفروق، لكن لا يهم هذا هنا؛ لأن الأفعال أحياناً تكون مختلطة بالأخبار، فلا يلزم منها إثبات الصفات؛ لأنه إذا قلنا: صفات فعلية، فهذا يعني: تقييد الصفات لكونها فعلية، وأيضاً بتقييد الأفعال لكونها صفات؛ لأن الوصف العام قد يكون مما ترد به الأخبار، لكن لا نستطيع أن نثبته كصفات أو يكون فيه الخلاف. وضربت لهذا بأمثلة مرات عديدة: المكر، أو الاستهزاء بالمنافقين ونحو ذلك، فهذه أخبار جاءت عن الله ، لكن هل يلزم أن نثبت بها صفات فعلية، أو لا يلزم؟ محل خلاف بين العلماء، بينما الأخبار كلها تتضمن أوصافاً عامة، لكن هل تثبت صفات مفردة لله ؟ هذا أمر يحتاج إلى تقعيد وتقييد، وأحسن من قعد له وقيد له: ابن القيم فيما أعلم، وأيضاً الشيخ: محمد بن عثيمين رحمهما الله تعالى.

стр. 255

بيان عقيدة أهل نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السؤال نريد إيضاحاً عن عقيدة أهل نجد قبل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، وهل كانوا على عقيدة الأشاعرة أم لا؟ الجواب أهالي نجد كانوا قبل دعوة الشيخ: محمد بن عبد الوهاب قد مروا بمراحل كثيرة، من ضمنها أنهم كانوا في عهد الخلفاء الراشدين، ودولة بني أمية كعموم المسلمين، وكذلك في أول دولة بني العباس، فقد كانوا على السنة، ولا يعرف أن عندهم مذاهب عديدة، حتى جاء نهاية القرن الثالث والرابع فدخلت عليهم الباطنية، وانتشرت البدع والقبورية والشركيات والتصوف، وظهرت فرق كثيرة من القدرية ومن المرجئة ومن الجهمية، فكان أهالي نجد أوزاعاً وأشتاتاً بين كل من يؤثر فيهم ممن يردهم، وبين كل من تأثر فيهم ممن يسافر إلى خارج نجد، لذا كان كثير منهم يسافرون إلى العراق، ويسافرون إلى الشام، ويسافرون إلى الهند، ويسافرون إلى مصر، فيتعلم ثم يأتي بما تعلم. فلذلك ما كانت هناك سمة عامة لأهل نجد قبل دعوة الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ولذا يمكن أن يقال: هذا هو مذهب عامتهم، وغالبهم كان عنده تصوف، وعندهم نزعة أشعرية، وفيهم مذاهب أخرى كثيرة، فهم قد تنازعتهم المذاهب كما تعرفون، لكن لم تكن هناك في نجد حواضر كبيرة، بل أغلبهم بواد وأرياف، والبوادي والأرياف يسيطر عليهم الجهل، وعامتهم أو غالب عوامهم على الفطرة مع الجهل. إذاً: فقد كان أهل نجد كغيرهم من سائر العالم الإسلامي، تجتذبهم تيارات كثيرة وفرق كثيرة، حتى دعوة الشيخ الإمام: محمد بن عبد الوهاب، وهذا لا يعني أنه لم يكن بينهم سنة، بل كان بينهم أهل سنة، واتضح هذا من بعض الإشارات إلى أشخاص، والإشارات إلى خلافات ونزاعات بينهم وبين غيرهم، لكن كان أكثر أهل السنة من المستضعفين الغرباء، ووجودهم كان وجوداً انطوائياً محدوداً ببعض الشيوخ وبعض التلاميذ، أما المشيخة الكبرى فكانت تتنازعها الاتجاهات والأهواء، وهذا هو الظاهر من وصف المؤرخين، ومن رسائل أئمة الدعوة في وصفهم للحال، وعلى رأسهم الإمام: محمد بن عبد الوهاب.

стр. 256

شرح العقيدة التدمرية [٢٥] لقد أقر المشركون بربوبية الخالق في الخلق والإيجاد، ولم ينفعهم هذا الإقرار؛ لأنهم أشركوا مع الله غيره في توحيد العبادة والألوهية والقصد والطلب، وكذلك من تبعهم من أهل الأهواء والزندقة، وأهل الكلام شغلوا أوقاتهم وأضاعوا أعمارهم في تقرير شيء لا خلاف فيه وهو وجود الله تعالى، مع عدم اهتمامهم بالتوحيد الذي بعثت به الرسل وهو توحيد الألوهية أو توحيد العبادة.

стр. 257

وقوع الغلط من المشركين في مسمى التوحيد

стр. 258

بيان قولهم: إن الله واحد في أفعاله لا شريك له قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث: وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب, وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع. ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد ﷺ أولاً لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا يقرون بالقدر أيضاً، وهم مع هذا مشركون. فقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقاً لغير الله، كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خلقوا أفعالهم. وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون أن بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور]. المقصود بـ (الطبع) هنا: الطبائعيون الذين يزعمون أن الطبيعة بذاتها هي التي تسير نفسها بنفسها، أو أن الطبيعة ركبت على أنها تحدث أحداثاً ليس لله فيها دخل، أو الذين يرون أن الأمور تنبني على ما طبعت عليه، وهم صنفان: الأول: الذين يرون أن الطبيعة هي الخالق، وهي المخلوق، ولا فرق في ذلك، وعلى هذا فهم يرون أنها بذاتها هي التي تسير نفسها بنفسها. الثاني: وهو المقصود هنا، وهؤلاء يزعمون أن الكون ركب على طبع، أي: أنه ركب على نظام، وهذا النظام يجعله يسير نفسه بنفسه، دون أن يكون للرب فيه دخل، أو أن بعض أجزاء الكون ركبت وطبعت على أنها تنشئ أفعالها أو أفعال غيرها من دون تقدير الله، وهذا التصور نتج عنه -حينما دخل على بعض فرق الأمة- اعتقاد بأن هناك من المخلوقات من يدبر مع الله ، وأنه يستقل بشيء من أفعال الخلق أو أمور الخلق من دون الله، فبعضهم أحال ذلك على النجوم والكواكب، ومنهم من أحال ذلك على الأشخاص، كالأئمة الذين يقدسونهم بعض الناس، فجعلوا لهم تدبيراً في الكون جزئياً أو كلياً، أو الذين يقدسون الأولياء، إذ زعموا أن الأولياء يدبرون الكون أو بعض الكون، بل إنهم صنفوا الأولياء إلى أصناف، فزعموا أن القطب والغوث يدبر الكون كله، وأن من دونه من الأوتاد -أحياناً يقولون: أربعة أو اثنا عشر أو أربعة ثم اثنا عشر- يأخذ ربعاً من أرباع الكون يدبره. والمهم أن منشأ الفلسفة واحد، وهو اعتقاد أن هناك من يدبر الكون مع الله ، وهذا خلل في توحيد الربوبية، وبالتالي نتج عنه بالضرورة الخلل في توحيد الإلهية؛ لأن من زعم أن ثم مخلوقاً يدبر مع الله لاشك أنه سيصرف له شيئاً من العبادة من دون الله. قال رحمه الله تعالى: [فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة]. كلمة (الصانع) هذه استعملها الشيخ ﵀ على غير القاعدة التي يقول بها ويقول بها السلف، وكان المفروض أننا لا نورد كلمة (الصانع) إطلاقاً، وإنما يقال: الخالق، لكن الشيخ أورد مصطلحاتهم ليقيم الحجة عليهم، وقد فعل ذلك في كثير من مؤلفاته التي قصد بها الذين ابتلوا بالنزعة الفلسفية والنزعة الكلامية؛ لأنهم يستعملون هذه الكلمات أو العبارات، بل إن بعضهم قل أن يصف الرب بصفاته، بل يقول: الصانع، وعلى هذا فإن الشيخ ربما أراد التنزل معهم في هذا المصطلح وغيره حتى يحرجهم، أو يبين وجه الباطل عندهم، أو استدراجهم إلى استعمال مصطلحاتهم حتى يأخذوا بالحق، أو يقبلوا به، ولا يعني هذا أنه يجوز لنا استعمال مثل هذه المصطلحات، ولذا أقول: من كشيخ الإسلام ابن تيمية في التصدي لمثل هذا المقام، بأن يستعمل مصطلحات القوم لهدم أصولهم؟ إن هذا يندر أن يرقى له طالب علم، أو متخصص، ولذلك ينبغي أن تتفادى هذه المصطلحات؛ لأن لها معاني لا تليق بالله ، فينبغي أن يقال: الخالق بدل الصانع. ولذا من الخلط والتهور الذي يقع فيه كثير من طلاب العلم أنهم يستعملون أساليب استعملها شيخ الإسلام للرد على أهل الأهواء، مع اختلاف الحال والمقام والقدر، سواء كانت أساليب كلامية أو مناهج أو طريقة الدعوة أو طريقاً لهم في الحجة أو أساليب عملية تنفيذيه، فنقول: إذا الواحد منا وصل إلى مثل مقام شيخ الإسلام ابن تيمية، في سعة علمه، وقدراته العقلية، وقوة حجته، وإلزامه للخصوم، واحترام الخصوم له، فقد كان خصومه من أكثر الناس ثناء عليه واعترافاً بفضله، وهذه قل أن توجد في التاريخ، وأنا قد وجدت فعلاً أن أكثر من أثنى على شيخ الإسلام، واعترف له بسعة العلم، والمقدرات الراقية في العلم والتعامل، هم خصومه كـ السبكي وغيره، وعدد من الشافعية والمالكية والأحناف، ومن الفرق، كالأشاعرة وغيرهم، عند ذلك لا مانع أن يستعمل بعض أساليب العلم، وهذا ما أشرت إليه في أول كلامي عند حديثي عن الإجابة عن بعض الأسئلة، فقد قلت: إن بعض الناس الآن يقلد على غير جدارة، ويأتينا بأ

стр. 259

وقوع الغلط من المشركين في قولهم: إن الله واحد في صفاته لا شبيه له قال رحمه الله تعالى: [وكذلك النوع الثاني، وهو قولهم: لا شبيه له في صفاته، فإنه ليس في الأمم من أثبت قديماً مماثلاً له في ذاته، سواء قال: إنه يشاركه، أو قال: إنه لا فعل له، بل من شبه به شيئاً من مخلوقاته فإنما يشبهه به في بعض الأمور. وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات، يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه، فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم، وعلم أيضاً بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلابد بينهما من قدر مشترك، كاتفاقهما في مسمى (الوجود) و (القيام بالنفس) و (الذات) ونحو ذلك، فإن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابد من إثبات خصائص الربوبية، وقد تقدم الكلام على ذلك]. عادة الشيخ أن يضرب أمثلة في مثل هذا المقام وإن كانت بدهيات؛ لأنه بالأمثلة يفهم السياق لاسيما في هذه الأمور الصعبة. قوله: (قد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات) أي: بعقل كل عاقل يحترم عقله، وإن لم يكن مسلماً. وقوله: (يشاركه فيما يجب) هذه عبارة فلسفية، فـ (يجب) بمعنى: يلزم بداهة، وليس الوجوب وجوب الأمر الشرعي كما يفهم في الأحكام الشرعية، وإنما (يجب) بمعنى: يلزم فيما تقرره العقول بالشكل البدهي، فمثلاً: ليس لأحد أن يزعم أن هناك أحداً يشارك الله فيما يجب له من خصائص، ككونه (الأول) فليس قبله شيء، إذ إن عدم الإقرار بها يؤدي إلى التسلسل، وإلى الممنوع عقلاً، وكذلك (الآخر) الذي ليس بعده شيء، وهذا يمتنع أن يكون له مثل من المخلوقات؛ لأنه لو كان له مثل ما صرح له إذا كان مخلوقاً، فمعناه: أنه مبدع محدث، وكون المحدث لابد له من بداية. وقوله: (أو يجوز) ليس معناه: أنه جائز شرعاً، بل هو بمعنى: يحتمل، فيقر به العقل ولو لم يكن، كالرؤية لله ، فالعقل السليم لا يمنع أن الله يرى، لكن يمنع أن تكون عند البشر قدرات أن يروه في الدنيا، والله سيهيئ للبشر قدرات يوم القيامة ليروه. إذاً: هذا مثال للجواز، فكل موجود يجوز أن يرى، بمعنى: يحتمل أن يرى، لا أن (يجوز) بمعنى: يصلح شرعاً، بل هنا (يجوز) بمعنى: يحتمل أن يقع، أو يتوقع وقوعه، وهذا يقبله العقل ولو لم يحدث، ولو كان مستحيلاً حدوثه بناء على موانع أخرى، لكن كل موجود موصوف يسمى يمكن أن يرى. وقوله: (أو يمتنع) كالموت، فهذا ممتنع عقلاً، أي: أن كل حي لابد أن يموت، ويبقى حي لا يموت، وهو الله ؛ لأنه من يقدر الموت. إذاً: هذه بدهيات فيما يجب، فكونه الأول والآخر لا يشاركه فيه أحد فيما يجوز أن يمكن كالرؤية، أو يمتنع كالموت.

стр. 260

التوحيد عند أصناف الجهمية قال رحمه الله تعالى: [ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى (التوحيد)]. تأمل الدقة في الوصف والتأصيل: (ثم إن الجهمية) ثم قال: (من المعتزلة)؛ لأن كثيراً من الناس يفهم أن الجهمية شيء، والمعتزلة شيء وهذا صحيح من وجه، لكن المنهج واحد تجاه ما يجب لله في ذاته وأسمائه وصفاته، وفي التطبيقات والتفاصيل يختلفون، ولذلك أصول المعتزلة هي أصول الجهمية من حيث التأصيل لا من حيث التطبيقات، ولذلك هناك أناس وقعوا في مناهج الجهمية وهم غير معتزلة، لكن قد يقول قائل: بما أن المعتزلة تنكر صفات الله فهي إذاً جهمية. ولذا فالتجهم هو المنهج الذي يسلك مسلك التعطيل والتأويل في أسماء الله وصفاته، وتقرير الدين بالرأي والعقل فيما يتعلق بقضايا الدين الأخرى، وتقديم العقل على النقل، أو تحكيم العقل في الشرع، وعرض النصوص على مناهج مسبقة، ثم ما وافق من هذه النصوص لمناهجهم أخذوا به، وإلا فلا، فهذا هو التجهم بمعناه العام، والجهمية قد تركت التعطيل، وسلكوا مسلك التأويل، وهذا مما جعلهم يختلفون، فتنساب أصولهم ومناهجهم بسرعة في الفرق الأخرى، وما أن انتهى القرن الثالث إلا وأغلب الفرق على مذهب الجهمية، ولا يعني ذلك أنها تخلت عن مناهجها، فإذا قلنا مثلاً: الرافضة جهمية، فيظن أنها تركت الرفض، لا، فهي رافضة وزادت عليه التجهم، وكذلك إذا قلنا: إن الخوارج المتأخرة صاروا جهمية، فيظن أنهم قد تخلوا عن مذهب الخوارج، لا، فهم لا يزالون خوارج وزادوا مذهب الجهمية؛ لأن الخوارج الأوائل لا تتكلم في الصفات إطلاقاً، فاختلطت الفرق، وما أن انتهى القرن الثالث إلا وأكثر الفرق على مذهب الجهمية، بما فيها الفرق الكلامية، كالكلابية في ذلك الوقت، بينما لم تظهر الأشاعرة في ذلك الوقت، وكذلك الماتريدية، ولذا فإنه من حيث شدة المناهج وضلالها، فإن أوسع شيء الباطنية الفلاسفة الغلاة، ثم الجهمية، ثم المعتزلة، ثم الفرق الكلامية. ويدخل في الجهمية والمعتزلة متأخرة الرافضة، ويدخل أيضاً من باب أولى الزيدية، وأغلب متأخرة الخوارج، فهم على منهج الجهمية في هذا الجانب، أي: الجهمية الثالثة أو الدائرة الثالثة، وهي الأوسع عدداً والأضيق مذهباً، وتلك أوسع مذهباً وأضيق عدداً، فالجهمية الخالصة أوسع مناهج وأضيق عدداً، ثم تليها: الجهمية المتوسطة، وهي: المعتزلة ومن نشأ عنها مباشرة، كالرافضة والزيدية، ثم الفرق الكلامية من الأشاعرة والماتريدية. ثم إن كل الفرق تؤول ما عدا أهل السنة والجماعة، وهناك مشبهة لكنهم ندرة، إذ ليسوا بفرقة، وقد كان التشبيه الأول في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني، وهو الذي كانت عليه الرافضة، فقد كانوا مجسمة مشبهة ممثلة لله، ثم مع عنف الردود عليهم وقوتها من أهل السنة ومن المعتزلة ومن جميع الفرق انتقلت المجسمة إلى مؤولة تماماً وهكذا الفرق تقلبت في القرن الثاني والثالث، لكن لا أعرف فرقة تركت أصلها إلى السنة، أو تركت أصلها إلى أصل آخر، كأن تجد المرجئة يتحولون إلى الخوارج، والخوارج يتحولون إلى مرجئة، وتجد رافضة يتحولون إلى جهمية أو إلى معتزلة، أو يحصل الاندماج بين الفرق جميعاً، فتتداخل في أصولها، كالجهمية فقد دخلت على الجميع، وبقيت كل فرقة لها خصائصها الأولى، ولم يسلم من ذلك إلا مذهب السلف، أما الفرق فما أعلم فرقة سلمت من مذهب الجهمية، حتى الطرق التي تعتبر وعاء الافتراق، مع أن بعض الناس يظن أن الطرق فرقة، والصحيح أنها وعاء لجميع المذاهب، فمثلاً: طرق الصوفية وعاء لجميع المذاهب التي خرجت عن السنة، بل إن طرق الصوفية دخلتها مذاهب الأمم المشركة والصابئية واليهودية والنصرانية والوثنية، إضافة إلى أن جميع الفرق لها طرق، حتى الخوارج وهم أبعد الناس عن الطرقية يوجد في بعض نواحيهم البعيدة في إفريقيا من دخلوا في الطرق، لكن ليس هذا من منهجهم، أي: الدخول في الطرق؛ حتى لا نظلمهم أيضاً. قال رحمه الله تعالى: [ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى (التوحيد)، فصار من قال: إن لله علماً أو قدرة، أو أنه يرى في الآخرة، أو أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق يقولون: إنه مشبه ليس بموحد. وزاد عليهم غلاة الفلاسفة والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى، وقالوا: من قال: إن الله عليم قدير عزيز حكيم، فهو مشبه ليس بموحد. وزاد عليهم غلاة الغلاة، وقالوا: لا يوصف بالنفي ولا الإثبات; لأن في كل منهما تشبيهاً له. وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات والمعدومات والجمادات فراراً من تشبيههم -بزعمهم- له بالأحياء]. نقف عند هذا الحد، وإن شاء الله في بداية الدرس القادم نقعد لهذه المسائل، أو نختصر تقعيد الشيخ؛ لأن فيه تداخلاً ويحتاج إلى شيء من الأمثلة. نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصبحه أجمعين.

стр. 261

الأسئلة

стр. 262

أسماء الله ليست محصورة في تسعة وتسعين اسماً وضرورة الاكتفاء بما ورد من الأسماء في الكتاب والسنة السؤال هل أسماء الله محصورة في مائة اسم، مع أن الحديث الذي ذكرها مفصلة لم يكن ثبوته كثبوت حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً)؟ الجواب على أي حال الشيء الذي تقتضيه النصوص، وقواعد الشرع، والعقول السليمة في حق الله ، وما فطر الله عليه أهل الحق من معرفة حق الله في أسمائه وصفاته: أن أسماء الله لا يمكن حصرها أبداً، وأدلة ذلك قطعية، ومنها: حديث الشفاعة الذي فيه: أن النبي ﷺ يدعو ربه يوم القيامة بمحامد يلهمه الله إياها، وأيضاً حديث: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك). فهذه الأحاديث بمجموعها متواترة المعنى، وتدل على أن أسماء الله غير محصورة بما ذكر في الحديث، لكن أيضاً ينشأ عن هذا سؤالاً آخر، وهو: هل نحن عندما نثبت لله الأسماء والصفات نكتفي بما جاء ذكره في الكتاب والسنة، أو ممكن أن نزيد عليها؟ إذا أخذنا باب التورع والأحوط والأسلم فلا يجوز أن نذكر لله اسماً غير ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأنه ليس لله أسماء غيرها وردت في الكتاب والسنة، بل إن غيرها من معاني الكمال التي تخطر على بال البشر، وما يتكلمون به، وما يمكن أن يعبروا عنه، لا تخرج عن هذه الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة، وليس ذلك بالنسبة لمداركنا؛ لأن أسماء الله محصورة، لكن ما خاطبنا الله به وما بينه رسوله ﷺ من أسماء الله فيه، كلما يمكن أن يخطر على البشر فيما أعطاهم الله من قدرات، وعلى هذا فلا يجوز أن ننشئ لله اسماً لم يرد في الكتاب والسنة، وإنما يأتي من باب الوصف والخبر، أي: أنه كلما يمكن أن يعبر عنه لله من الكمالات فهو من باب الوصف والخبر، وما يمكن أن يستنبط منه اسم فيرد إلى الأسماء الموجودة؛ لأنها شاملة وكاملة، وبابها يندرج فيه كل كمال، مثل: الحي القيوم، العلي العظيم، واسم الجلالة: (الله) وذو الجلال والإكرام، فهذه الأسماء الجامعة يندرج فيها كل كمال يمكن أن يتوهمه بشر، سواء كان في قلوبهم أو في خيالاتهم أو في ألسنتهم أو عبروا عنه أو لم يعبروا عنه، فكل كمال يليق بالله فإنه يندرج تحت ما جاء ذكره من الأسماء والصفات في الكتاب والسنة، وهذا هو الأسلم والمنهج الذي عليه عامة السلف. فالعدد لا نستطيع أن نتحكم فيه، أما الأصول فلا شك أن لها أصولاً من حيث إنها كمال، ومن حيث إنها كلها حسنى، ومن حيث إنها كلها تدل على لوازم، وكلها تدل على الصفات والأفعال إلى آخره، ومنها المتعدي ومنها غير المتعدي إلى آخره، هذه قواعد معروفة عند أهل العلم أتت من استقراء الأسماء والصفات في الكتاب والسنة ومن تطبيق معاني اللغة العربية التي جاء بها القرآن والتي هي لسان النبي ﷺ . فمن حيث القواعد لا شك أن قواعد الكمال وقواعد الاحتياط وقواعد نفي النقص وأيضاً الدلالات اللغوية لمعاني أسماء الله وصفاته هي قواعد معتبرة ما لم تؤد إلى اشتباه. وقوله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً) ليس على سبيل الحصر؛ فإن الذي يفهم العربية لا يفهم من سياق النص الحصر، كما تقول مثلاً وأنت تملك آلاف الدراهم: عندي ألف درهم، فهذا لا يعني أن هذا كل ما تملكه، فيحتمل أنك تملك غيرها، إنما أردت أن تخبر عن حد معين لغرض معين. فعلى أي حال ألفاظ الحديث لا تدل على الحصر، لكن ومع ذلك ربما سياق الحديث بهذه الصورة وبهذا العدد ربما يعني أن هذه الأسماء التسعة والتسعين شاملة لكل ما عداها، حتى من الأسماء الأخرى التي لم ترد، والله أعلم.

стр. 263

دحض شبهة بعض الشيعة فيما يتعلق بما جرى بين الصحابة السؤال هناك شبهة من قبل بعض الشيعة، وهي أنهم يقولون: تلوموننا على سب الصحابة وتسكتون على من قتلهم! فكيف ذلك؟ الجواب هذا كلام جاهل، ولا ينبغي أن ينطلي أيضاً على مسلم، ثم نحن لا نؤيد قتل الصحابة، إذ إنه ليس من منهج أهل السنة والجماعة أنهم يسكتون عن قتل الصحابة، بل ولا يعتقد ذلك مسلم أبداً، وهذه الشبهة إنما تأتي من فراغ أو من كذب عند الفرق، وقد تنطلي على كثير من شبابنا اليوم، وهي في الحقيقة كذب وافتراء، وأهل السنة والجماعة يلومون من سب الصحابة ويدينون الله بذلك، وهذا بمقتضى نصوص الكتاب والسنة ومناهج الدين القطعية التي لا يستقيم الدين إلا بها، أي: أن من سب الصحابة فنلومه ونؤدبه إذا ملكنا وقدرنا على ذلك. لكن لا يعني ذلك أننا نسكت على من قتلهم، بل نلوم من فعل ذلك، فمثلاً: الذين قتلوا عثمان لا يزالون محل سبة عند الأمة، والذين قتلوا علياً لا يزالون محل سبة عند الأمة، وكذلك كل من قتل صحابياً فهو محل سبة عند الأمة، حتى الذين قتلوا الحسين ﵁، وهذا هو الذي يبدو لي أن أصحاب هذه النزعة يقصدون قتل الحسين ﵁، إذ إننا لا نسكت عمن قتل الحسين، ونرى أن قتله ظلم، لكن لا نجلس نصرخ وننعق ونضيع ديننا ودنيانا من أجل قتل الحسين ﵁، فهو ﵁ قد خرج متأولاً مخطئاً، وقد نصحه الصحابة ولم ينتصح، وأراد الله له الشهادة واستعجله عن الفتنة، ثم لا ندري ماذا كان يقصد الحسين من خروجه؟ وليس أهل السنة الذين تواطئوا على قتل الحسين، وإنما هم أناس حمقى ينتسبون للسنة، وبعضهم من الزنادقة، وبعضهم الله أعلم بحالهم، إذاً نحن لا نؤيد قتله، ويعتبر قتله خطأ، ولم نعتذر لهم ولم نسكت عنهم. ولو كان الحسين حياً لأدب هؤلاء الذين يولولون ويصرخون، وأيضاً لو أردنا أن نقتص للحسين لاقتصصنا من شيعته؛ لأنهم هم الذين خذلوه على مبدأ علي بن أبي طالب، إذ يقول: لو تمالأ أهل اليمن كلهم على قتل فلان لقتلتهم. وهؤلاء هم الذين استنهضوه واستدرجوه واستعطفوه وكذبوا عليه وأرسلوا له الكتب والرسل، وأعطوه العهود والمواثيق لينصرنه إذا جاء، فلما أقبل خذلوه وقالوا: لا طاقة لنا ببني أمية، وتركوه لغوغائية التفوا حوله في الصحراء وقتلوه، وربما الذين قتلوه هم الذين قتلوا أباه، والله أعلم بذلك. إذاً: نحن أولى بـ الحسين من هؤلاء، ونحن الذين نأسف عليه أسفاً حقيقياً، ونحن الذين نرى أن الذين قتلوه أصحاب فتنة، ونحن الذين نعتقد أن ما حصل له إنما هو ابتلاء، وأنه تأول وأخطأ، ويغفر الله لنا وله، ونعرف أن الصحابة نصحوه وعلى رأسهم أقاربه، ومنهم: صاحبه عبد الله بن عباس ﵁، فقد حاول أن يثنيه حتى اغبرت قدماه في الصحراء وهو يقول: يا ابن بنت رسول الله ﷺ لا تذهب، فإن القوم قوم غدر، غدروا بأبيك. ومع ذلك أبى إلا أن يأخذ برأيه، ولله الأمر من قبل ومن بعد. وعلى أي حال أنا أحب أن أؤكد أن أكثر الشبهات التي يثيرها القوم قديماً وحديثاً، والآن أنشئوها من جديد وأربكوا بها شبابنا إنما هي من الأمور التي لا أصل لها، فهي من كذبهم ومفترياتهم، والإنسان الخالي الذهن من شباب أهل السنة والجماعة يظن أنهم على حق، وربما يستعطفونه، فيجرم السلف وهو لا يدري، ويتعاطف مع القوم وهو لا يدري، فيجب أن نتنبه حتى لا نستغفل بمثل هذه المقولات. ثم إن من وسائل أهل البدع والافتراق، بل من وسائل الكفار ضد المسلمين الإنترنت، فينبغي مناصحة الشباب بأن لا يتوغلوا في الإنترنت، وألا يستخدموه إلا للأغراض السليمة والمصادر النقية، لكن مع ذلك الآن أصبح وسيلة تستهوي شبابنا، فينبغي أن نتنبه لذلك، وهذا هو واجب المربين، وأولهم المعلمون ثم طلاب العلم والمشايخ، فينبغي أن يكفوا أو يصرفوا الشباب عن الانجرار خلف الإنترنت والفضائيات؛ لأن شرها أكثر من خيرها، وأن تضبط استعمالات هذه الوسائل، فهي وسيلة قد تكون مفيدة في تتبع الدروس والعلم والفوائد المفيدة التي تصدر عن علماء الأمة وعن غيرهم، وقد تكون غير ذلك. وكذلك الفضائيات، فقد أصبحت الآن مصدر شر إلا القليل منها، ولعله من الخير أن الله عوض الأمة بظهور بعض الفضائيات الجيدة، مثل: المجد، ونرجو أن تتبعها فضائيات أخرى، إذ إنها في هذه الظروف تعتبر غيثاً ورحمة للأمة، لاسيما مع عموم البلوى في هذه الوسائل. ثم مثل هذه الوسيلة أصبحت حجة على من يدعي أنه يحتاج إلى الفضائيات، وأنه لابد أن يدخله إلى بيته، فنقول: إذا كنت ولابد، وقصدك الأخبار ومتابعة الأحداث والأمور المهمة، فهذه القناة نقية، ونسأل الله أن يثبتنا والقائمين عليها على الحق.

стр. 264

شرح العقيدة التدمرية [٢٦] كل أنواع التوحيد التي قال بها المتكلمون يقر بها المشركون، فهم لا ينكرون أن الله واحد في ذاته وفي أفعاله، وإن كانوا يناقضونها بشركهم بألوهية الله تعالى، فالقضية المهمة هي توحيد العبادة (الألوهية) فهم لا يعبدون الله ، وبهذا يتبين أن الأمور التي يدندن حولها أهل الكلام متبعين فيها الفلاسفة هي أمور مفروغ منها ولا تحتاج إلى تقرير، فهم يكدون ويتعبون في خيالات وأوهام وتخرصات.

стр. 265

تابع وقوع الغلط من المشركين وغيرهم في مسمى التوحيد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما يثبت لمخلوق أصلاً، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات، فإذا لم يكن في إثبات الذات إثبات مماثلة للذوات لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك، فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا توحيداً، ويجعلون مقابل ذلك التشبيه، ويسمون أنفسهم (الموحدين)].

стр. 266

قولهم: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له قال رحمه الله تعالى: [وكذلك النوع الثالث، وهو قولهم: هو واحد لا قسيم له في ذاته أو لا جزء له، أو لا بعض له لفظ مجمل، فإن الله سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فيمتنع عليه أن يتفرق أو يتجزأ، أو يكون قد ركب من أجزاء، لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد]. هذا كله من التخرصات والقول على الله بغير علم، وكله نتيجة لاستجابة مناهج الفلاسفة في طرائق تفكيرهم، ولذلك الذين وقعوا من المتكلمين في هذه المناهج كلهم تأثروا بالفلاسفة، وهم لا يجحدون ذلك، بل يعترفون ويعتزون بذلك، وهذا مما يدل على أن هذه أمور دخيلة أصلاً، فلا يمكن أن ترد في ذهن إنسان خال من المنهج الفلسفي، أو إنسان ليس عنده اتجاه فلسفي، ولم يتأثر بمناهج المتكلمين، لكن تصوراتهم عن الله تصورات ذهنية فقط أوقعهم في هذه الأوهام والتخرصات. وقد سبق أن أشرت إلى ذلك، وأؤكد في هذا المقام لتعرفوا فعلاً أنهم جروا الأمة إلى هذه المعارك الكلامية، بناء على تصور خاطئ عن الله سبحانه، وهو أنهم لا يرون لله وجوداً ذاتياً، وإنما يرون وجود الله وجوداً ذهنياً عقلياً فكرياً فقط، ومن هنا لما سمعوا بأسماء الله وصفاته وأفعاله صعقوا؛ لأن هذا يتنافى مع ما توهموه، فهم قد توهموا أن وجود الله مجرد وجود ذهني أو وجود عقلي أو وجود في التصور والخيال لا في الواقع، بمعنى: أنه ليس لله وجود ذاتي منفرد منفصل عن المخلوقات؛ ولذا اعتبروا من التوحيد أن الله واحد لا قسيم له، مفروض يصير هذا بديهي أصلاً، وجاءت كلمة (قسيم) لأنهم حينما اعتقدوا أن وجود الله ذهني، ثم سمعوا بالنصوص التي تؤكد أن لله وجوداً ذاتياً، وأن هذا الوجود لابد أن يكون متصفاً بصفات، اعتقدوا أن الصفات الذاتية تعني التبعيض والتجزئة، أي: أن لله أبعاضاً وأجزاء، وبالتالي سحبوا الأمر حتى على العلو والاستواء، وقالوا: هذا حركة، والحركة لا تكون إلا لشيء يتجزأ أو يتبعض أو ينتقل، والله منزه عن الانتقال، فنفوا العلو لله ؛ لأن إثبات العلو يثبت الذات، وإثبات الذات يعني إثبات الأسماء والصفات، وهم أصلاً ينفرون من هذا، وإلا لو اعتقدوا لله وجوداً حقيقياً للزمهم عقلاً وفطرة بأنه لابد أن يتصف بصفات، لكن حينما لم يعتقدوا لله وجوداً ذاتياً صاروا ينفرون من أي شيء يثبت لله الوجود الذاتي، ومن هنا فسروا التوحيد بالتفسيرات التي تنفي أي شيء يدل على الوجود الذاتي الحقيقي، فيقولون: إن الله موجود، لكن وجود ذهني تصوري فقط، لا حقيقي واقع، ولذلك نتجت عنهم عقائد الحلول، وعقائد الاتحاد، وعقائد وحدة الوجود، وعقائد الاقتصار على المعرفة في الدين، كما نتج عنهم التعطيل والتأويل إلى آخر ما نتج عن ذلك الاعتقاد الخاطئ. قال رحمه الله تعالى: [فقد تبين أن ما يسمونه (توحيداً) فيه ما هو حق, وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقاً]. وجه الحق: هو أنهم حينما عبروا عن الله بأنه لا يتبعض ولا يتجزأ، وهذا حق، لكن ليست صفاته وأسماؤه الثابتة في الكتاب والسنة تتبعض وتتجزأ، فهم أصابوا في الأول وأخطئوا في الثاني، لكن خلطوا بين هذا وذاك، وهذا ناتج -كما قلت- عن تصوراتهم الخاطئة في حق الله ، فلم يقدروا الله حق قدره. قال رحمه الله تعالى: [فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم به في القرآن، وقاتلهم عليه رسول الله ﷺ ]. كل أنواع التوحيد التي قال بها المتكلمون يقر بها المشركون، فهم لا ينكرون أن الله واحد في ذاته وفي أفعاله، وإن كانوا يناقضونها، لكن الإقرار المبدئي الفطري العقلي يقرون به، وتجد هذا في أشعارهم وفي خطبهم، بل يرتبون أمورهم فيما بينهم بهذه الأمور، فينسقون عهودهم وأحوالهم فيما بينهم بالإقرار بتوحيد الربوبية، لكن القضية هي توحيد العبادة، إذ إنهم لا يعبدون الله ، مع أن هذه هي قضية الأنبياء مع مخالفيهم، أما هذه الأمور التي يدندن حولها أهل الكلام، وتبعوا فيها الفلاسفة، وبذلوا فيها مهجهم وأوقاتهم وقصارى جهودهم، فإن القضية مفروغ منها أصلاً، ولا تحتاج إلى تقرير، فهم يكدون في خيالات وأوهام وتخرصات.

стр. 267

معنى (الإله) قال رحمه الله تعالى: [بل لابد أن يعترفوا أنه لا إله إلا الله. وليس المراد بـ (الإله): هو القادر على الاختراع، كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظنوا أن الإلهية هي القدرة على الاختراع دون غيره، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا هو]. سيذكر الشيخ قضية المشركين، وهي فعلاً دلالة على أن المشركين ما امتنعوا من لا إله إلا الله إلا لأنها تعني معنى آخر غير الإقرار بالربوبية، وحتى من الناحية اللغوية فالعرب تفقه معنى (الإله) فقهاً عاماً وفقهاً خاصاً، بمعنى: أن بعضهم يفهمها بالإجمال وهم عامة العرب، وكل من يفقه العربية إلى اليوم، أو كل إنسان عنده فقه بالعربية يعرف أن معنى (لا إله إلا الله): التأله والتعبد لله ، والانجذاب إليه سبحانه، والمحبة والرجاء والخوف والانطراح بين يديه ، وكل العرب يفهمون هذا قديماً وحديثاً، ولذلك المشركون الأوائل لم يكن عندهم في ذلك لبس؛ لأنهم يفقهونها، فمعناها اللغوي هو دلالاتها من جميع الوجوه، حتى على تعدد معانيها عند من شرحها من العرب، فتجد الذين شرحوا (الألوهية) و (الإله) عند العرب تدور معاني الشرح إلى هذا المعنى، أي: إلى التأله، والانجذاب والعبادة والتعظيم، والتوجه، والمحبة لله ، وهي غاية معنى الألوهية؛ لأن الإلهية أو الإله مأخوذ من التوله، والتوله هو الوله، والوله هو كمال المحبة، ولذلك تجد حتى عند عوام الناس يقول لك: فلان ولهان، أي: مشتاق ومنجذب إلى المحبوب. إذاً: فأين هم عن معاني العربية؟! إن الإنسان إذا اعتقد شيئاً فإن ذلك يذهله عن البدهيات، لاسيما إذا كانت عقيدته باطلة، فإنه يعمى عن إدراك الحق خاصة الذي عليه منهج المتكلمين ومنهج أهل الأهواء والبدع، وهو أنهم يقررون شيئاً في عقولهم أو في أذهانهم أو في مناهجهم، ثم يذهبون للاستدلال له، وهذا خلاف منهج الحق، لذا فإن من سلك هذا المنهج في أصول الدين فإنه يهلك، كأن يعتقد آراء فكرة مسبقة، أو رأياً مسبقاً، ثم يذهب للاستدلال له، ولذلك فإن القاعدة الصحيحة التي عليها أهل الحق، وعليها منهج أهل السنة والجماعة هي أن تبحث عن الحق من خلال النص، لا أن تبحث عن النص الذي يؤيد رأيك؛ لأنه من هنا يأتي الهلاك، حتى فيما يجري بين المختلفين من أهل السنة، فتجد أن أغلب ما يقع فيه هؤلاء الذين وقعوا في الاختلاف هو مخالفة مناهج العلماء الراسخين في العلم، وسبب ذلك أن عندهم آراء وأهواء وتبعيات، سواء حزبية أو غير حزبية، شخصية أو عامة، فيريدون الاستدلال لها. ولذلك يجدون من النصوص ما يكون فتنة لهم، ويجدون من أقوال العلماء ما يكون فتنة لهم، وهذا هو منهج المتكلمين الذين وضعوا في مفاهيمهم معنى لـ (لا إله إلا الله) غير المعنى الذي جاء به الشرع، وغير المعنى الذي تقتضيه لغة العرب، فوجدوا من الشبهات والمشتبهات وغرائب اللغة ما قد يدل على شبهتهم من جانب بعيد، وهذا هو موقع الفتنة. قال رحمه الله تعالى: [فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون، كما تقدم بيانه، بل الإله الحق هو الذي يستحق بأن يعبد، فهو إله بمعنى مألوه، لا إله بمعنى آله. والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلهاً آخر]. نقف عند هذا الحد، والله تعالى أعلم.

стр. 268

الأسئلة

стр. 269

خطأ من يزعم أن كل من تعلم المنطق صار من أهل الكلام السؤال هل أهل الكلام هم أهل المنطق، أم أن هناك فرقاً؟ الجواب ليس كل من تعلم المنطق من أهل الكلام، والمنطق نوعان: منطق يتعلق بتصورات الناس عن الغيب أياً كان هذا الغيب، وقياس عالم الغيب على الشهادة، فهذا منطق باطل، ومنطق ينبني على قضايا عقلية أو تجريبية صحيحة، كالرياضيات التي تنبني على معلومات حسابية صحيحة، وعلى منطق عقلي صحيح، وكذلك مسائل الاستقراء، والسبر والتقسيم، والقضايا العقلية البدهية، فهذا منطق صحيح. إذاً: المنطق الذي يقوم على أسس علمية وعقلية صحيحة، وتجارب علمية صحيحة، فهذا منطق سليم، وأما الذي يقيس الشهادة على الغيب، أو الغيب على الشهادة، فهذا منطق باطل، والله أعلم.

стр. 270

ضرورة الدراسة المنهجية التأصيلية لكتب العقيدة السؤال هناك يا شيخ بعض الإخوة المبتدئين في قراءة العقيدة قد يبدأ بمثل كتاب: (كشف الشبهات)، فهل فيه محذور أم لا؟ الجواب نعم فيه محذور، إذ البدء في دراسة العقيدة بـ (كشف الشبهات) ليس مناسباً للمبتدئين، سواء كانوا صغار السن أو كبار السن؛ لأن هذا يبرز له قروناً، وهو ما نضج بعد في العقيدة، و (كشف الشبهات) فيه ردود متعمقة على الشبهات الكبار، والغالب أنها تستثير العاطفة، لذا أرى أن المبتدئ يبدأ بالتأصيل في قراءة الكتب الأولية التي تغرس العقيدة، والتي تتكلم حول أركان الإيمان، وأركان الإسلام، وثوابت الدين، ومن هذه الكتب: الأصول الثلاثة، والرسائل الأربع، ثم كتاب التوحيد، وهو من الكتب الفذة النادرة الذي لا يزال أمثل كتاب يغرس العقيدة عند المبتدئين والمتوسطين، وذلك إذا أخذوا الأساسيات التي قبل هذا الكتاب، فإنهم عند ذلك سيستوعبون هذا الكتاب ويستفيدون منه، وكذلك المتوسطون أيضاً إذا قرءوا عدة كتب فإنهم يحتاجون إلى هذا الكتاب.

стр. 271

شرح العقيدة التدمرية [٢٧] مفهوم التوحيد عند طوائف الصوفية هو أمر معنوي يتعلق بربط القلب بالقوى وبالأمور الغيبية، وأصحاب هذه النزعة الفلسفية يرون أنهم بهذه الطريقة يمارسون أسلوباً يؤدي بهم إلى السعادة النفسية والراحة القلبية، وانصهار الإنسان بربه، ويعتبرون ذلك مما يستغنون به عن الشرع، وهذا ظاهر البطلان، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلماً.

стр. 272

توحيد الصوفية قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وإذا تبين أن غاية ما يقرره هؤلاء النظار، أهل الإثبات للقدر، المنتسبون إلى السنة، إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله رب كل شيء، ومع هذا فالمشركون كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون، وكذلك طوائف من أهل التصوف، والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد]. قوله: (والمنتسبين) أي: الذين يدّعون أنهم موحدون، وليس الأمر كذلك؛ لأن فهمهم للتوحيد مختل، وهذا غالب على الفلاسفة الإلهيين إن صح التعبير، يعني: الذين يتكلمون عن الله ، ويعترفون بوجود الله، والمتكلمون بدرجاتهم -سواء المتكلمين الغلاة، مثل: الجهمية أو من دونهم كالمعتزلة، أو من دونهم كمتكلمة الأشاعرة والماتريدية أو غيرهم من أصحاب النزعات الكلامية- كلهم يقصدون بالتوحيد: توحيد الربوبية، ويزعمون أنهم بذلك يحققون التوحيد، ويقولون: نحن أهل التوحيد، مع أنهم لا يفهمون من التوحيد إلا هذا، ولا يعني ذلك أنهم لا يعملون بمقتضى توحيد العبادة، فليس ذلك بالضرورة، فقد يكون عند كثير منهم تعبّد، لكن من حيث تقرير العقيدة تجد عنده انحرافاً، فيقصرون التوحيد على وجود الرب ووحدانيته، بمعنى: إفراده بالربوبية والخلق والأفعال، ثم لا يعرّجون على التوحيد المطلوب من العباد، وهذا نجده حتى عند كبارهم الذين يُنسبون إلى العبادة والصلاح، فتجدهم لا يعرّجون على توحيد العبادة، وكأنه ليس مطلوباً من العباد، وهذا الذهول له أسباب كثيرة تأتي لها مناسبة في درس قادم، كما تجد كبارهم الذين ألّفوا كتباً خاصة بالتوحيد، يقررون فيها التوحيد على منهجهم، ومن ذلك: كتاب التوحيد للماتريدي، إذ إنه عمدة في تقرير منهج المتكلمين في هذا الجانب، وهو أسبق من الأشاعرة، مع أن الماتريدي معاصر للأشعري، لكنهما لم يلتقيا، والأشعري كان يعظّم توحيد الإلهية، ولم يكن منهجه موغلاً في هذا الجانب، وإن كانت عنده نزعة خفيفة، لكنه نهَج نهْج السلف في تقريره للدين، والاهتمام بتوحيد الإلهية والعبادة، أما الماتريدي فمن حيث العبادة فقد كان يؤدي العبادات، وهذا الذي أُثر عنه، وقد كان صاحب تقى وصلاح وعبادة وزهد وورع، لكنه من حيث العقيدة والتقرير النظري للدين فنجد ذلك في كتابه (التوحيد)، فقد كان لا يعوّل على توحيد الإلهية -مع أنه أسمى كتابه بـ (التوحيد) وهو مطبوع الآن- إلا إشارات تأتي عرضاً لا على سبيل الاستقلال، أما أصوله ومنهجه وطرائقه في الاستدلال فهي مركزة على توحيد الربوبية، ولذلك يقال: إن ادعاءهم بأنهم موحدون مجرد دعوى فقط تحتاج إلى دليل وبرهان. ثم إنه ليس هناك فرق كبير بين الماتريدية والأشاعرة، إلا أن الأشاعرة أكثر معايشة لأهل السنة، ولذلك من جوانب كثيرة هم أقرب لأهل السنة، بينما أغلب أتباع أبي منصور الماتريدي من بلاد العجم، من تركيا، وجمهوريات القوقاز وبخارى وأجزاء من الهند، وأغلبهم أحناف، والأحناف أغلبهم في بلاد العجم، ولذلك قل احتكاكهم بأهل السنة الموجودين في جزيرة العرب والشام والعراق ومصر والمغرب، وأكثرية أهل السنة في هذه المناطق، وذلك بحكم القرب وبحكم اللغة العربية؛ لأن فهم اللغة العربية أقرب إلى فهم السنة وفقهها، فنجد أن الأشاعرة أقرب إلى أهل السنة في جوانب كثيرة من حيث التطبيق، أما من حيث التنظير فلا أجد بينهم فرقاً، وخاصة في الآونة الأخيرة، وفي بداية المذهبين كانت الماتريدية في القرن الرابع والخامس أكثر إيغالاً في الكلاميات، وكان الأشاعرة في القرن الرابع والخامس أكثر تورعاً، بينما في القرن السادس وما بعده اختلطت الفرقتان، ولم نستطع أن نميز بينهما إلا تمييزاً علمياً فنياً لا عقدياً، وذلك في أمور أشبه بالشكليات. قال رحمه الله تعالى: [وكذلك طوائف من أهل التصوف، والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وأن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لاسيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية، بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها]. تعتبر هذه نزعة فلسفية وقع فيها كثير من المتعبدة الذين عندهم نزعة كلامية، وهي نزعة ماتريدية موجودة في كثير من الديانات -هم أناس من العباد- سواء من الديانات التي حُرّفت، كعُبّاد اليهود، وعُبّاد النصارى وهم الأكثر، أو عُبّاد الديانات الأخرى، كالمجوسية والصابئة والهندوسية وغيرها، فهؤلاء عُبّادهم كثير منهم ينزعون إلى العبادة الفلسفية، والعبادة الفلسفية عندهم أمر معنوي يتعلق بربط القلب بالقوى الغيبية، وبأمور غيبية، وبعضهم يسمي من يربط قلبه به فيقول: نربط القلب بالله ، وأحياناً من خلال التعبد تحس به، ومعنى تعبّد: أن يكون قلبه متعلقاً بالغيب، وأحياناً يعبّرون بالغيب عن الل

стр. 273

مدى قرب وبعد بعض الرجال أو الفرق من الحق قال رحمه الله تعالى: [وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يقررون هذا التوحيد مع إثبات الصفات، فيفنون في توحيد الربوبية مع إثبات الخالق للعالم المباين لمخلوقاته. وآخرون يضمون هذا إلى نفي الصفات فيدخلون في التعطيل مع هذا، وهذا شر من حال كثير من المشركين. وكان جهم ينفي الصفات ويقول بالجبر، فهذا تحقيق قول جهم، لكنه إذا أثبت الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فارق المشركين من هذا الوجه، لكن جهماً ومن اتبعه يقول بالإرجاء، فيضعف الأمر والنهي، والثواب والعقاب عنده، والنجّارية والضرارية]. النجّارية هم أتباع الحسين بن النجار، وهو صاحب نزعة كلامية. وكذلك الضرارية أتباع ضرار بن عمرو القاضي المشهور، وكل هؤلاء إلى الجهمية أقرب. قال رحمه الله تعالى: [والنجّارية والضرارية وغيرهم يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان، مع مقاربتهم له أيضاً في نفي الصفات. والكلابية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات، فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة]. في الحقيقة صعب أن نطلق الأئمة الأوائل على ما قبل القرن السابع الهجري، بل حتى قبل القرن السادس، وإذا اعتبرنا أبا الحسن الأشعري إماماً لهم، مع أنه ليس بإمام، فإننا نظلمه إذا قلنا بذلك، لكن على اعتبار أنهم يعدّونه إمامهم، ثم من جاء بعده: ابن فورك والباقلاني ثم الخطابي والبيهقي، وهذه الطبقة كلها يتورّعون عن نفي الصفات باسم التأويل، لكن يسلكون مسلكاً مضطرباً، فيثبتون الصفات الخبرية، مثل: صفة اليد والوجه لله ، لكن يثبتونها بنوع تأويل، لا بتأويل صريح، ولا يردّون الصفة كما يردها الذين جاءوا من بعدهم، فهؤلاء عندهم تورّع، لكن فتحوا باب النزعة الكلامية لمن جاء بعدهم، فمن جاء بعدهم ردها رداً صريحاً، ابتداء من البغدادي ثم الشهرستاني ثم الغزالي ثم الإيجي والآمدي، والإيجي والآمدي قد ختموا منهج الأشاعرة على أصول الكلامية التي عليها الأشاعرة إلى اليوم، وهذه الأصول هي أقرب إلى الجهمية، نعم عندهم تورع من الرد الكامل، لكن منهجهم يؤدي إلى التعطيل؛ لأنهم لا يثبتون لله الصفات الذاتية، بل لا يثبتون لله إلا سبع صفات، وبقية الصفات يؤولونها، وهذا نتيجة الخلط، مع أنهم يسمونه: (التوفيق)، وهو في الحقيقة (تلفيق)، أي: الخلط والتلفيق بين منهج الفلاسفة الذي يتمثل بالجهمية والمعتزلة والمتكلمين، وبين منهج السنة والجماعة الذي يتمثل بالتزام النصوص فيما يتعلق بكل ما هو من أمر الغيب، وبالأخص صفات الله ، فهي غيب خالص لا مجال للتأويل فيها، فضلاً عن التعطيل.

стр. 274

مقاربة الأشاعرة والكلابية لأهل السنة والجماعة في الأسماء والأحكام قال رحمه الله تعالى: [وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، كما فصلت أقوالهم في غير هذا الموضع، وأما في باب القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة]. يعني: الكلابية والأشعرية، لا الضرارية والنجّارية، إذ لهؤلاء شطحات كبرى، لكن من حيث مسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم مقاربة لأهل السنة والجماعة مقاربة كبيرة، نعم عندهم هناك اضطراب في القدر، وخاصة الماتريدية فهي في القدر أصفى من الأشاعرة، والأشاعرة في الصفات أصفى من الماتريدية، لكن ومع ذلك فعندهم نوع قرب من أهل السنة. والمراد بـ (الأسماء) أي: أسماء المسلمين، و (الأحكام) أي: الكافر، والمسلم، والفاسق، والفاجر، والمنافق، ثم إن الأشاعرة بحق لا يبعدون عن أهل السنة، بل يوافقون أهل السنة في الجملة تقعيداً وتفصيلاً، وكذلك في باب الصحابة، وحتى الماتريدية يوافقون أهل السنة والجماعة في الأسماء والأحكام، وأيضاً أقوالهم متقاربة.

стр. 275

بيان حال ابن كلاب ومذهبه في أفعال الله قال رحمه الله تعالى: [والكلاّبية هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، الذي سلك الأشعري خطته، وأصحاب ابن كلاب، كـ الحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي ونحوهما خير من الأشعرية في هذا وهذا، فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل]. كان ابن كلاب على مذهب أهل السنة والجماعة، وكان من أهل الحديث، ثم احتسب في مناظرات أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة، لكنه زاد وأفرط في ذلك، فدخل في المراء واللوازم العقلية، ونهاه السلف عن ذلك، لكنه تمادى ولم ينتصح، مما جعله يستخدم أساليب لنصر السنة ليست من السنة، وهي أساليب عقلانية وفلسفية وكلامية، وكأنه أراد أن يرد بها على أهل الكلام، فاستدرجوه إلى بعض أصولهم، ومما استدرجوه إليه: مسألة أفعال الله ، فقد وافق المتكلمين في أن الله لا يمكن أن تكون لأفعاله مفردات أو حادثات، زعماً منه أننا إذا فتحنا هذا الباب فقد فتحنا باب التشبيه، وكأنه أراد أن يقر لهم بأن الله لا يُثبت له من الصفات الفعلية ما هو متجدد أو ما هو حادث، مع أن هذه المسألة لها وجهة، والمهم أنه أقفل باب ما يسمى بمفردات الأفعال لله ، مثل الكلام وغيره، فقال في كلام الله: إنه كلام معنوي قائم بالنفس، وكذلك بقية الأفعال جعلها لازمة، والصحيح والذي عليه السلف هو أن أفعال الله أو الصفات الفعلية لها وجهان: من حيث إنها متعلقة بذات الله ، والتي هي ما يوصف به مما يتعلق به سبحانه، فهذا لا شك أنه لا يحدث له فيه شيء، حتى وإن حدثت لوازمها أو آثارها، وهناك نوع متعلق بالصفات أحياناً يعبّر به على أنه من الصفة، وهذا غلط، وإنما هو آثار صفات الله، فمثلاً: صفة الخلق لله ، فالله موصوف بالخلق قبل وجود المخلوقات، وحينما خلق لم تتجدد له صفة الخلق. وكذلك الكلام، فالله موصوف بالكلام قبل أن يوجد للكلام موجب، ثم تكلم بما شاء من ذلك، وحينما فعل الله ما أراد أن يفعله لم يكن ذلك تجدد في ذات الصفة، وإنما هو تجدد في آثار الصفة وفي المفعولات لا في الأفعال بذاتها؛ لأن أصل الصفة ثابتة لله حتى قبل وجود الأثر، لكن ابن كلاب جعلها لازمة، ومن هنا التزم بأن الكلام لله معنى قائم بالنفس، وأنكر أن يكون الكلام بحرف أو صوت، ثم صار هذا مذهباً، ونتج عن هذا المذهب إنكار أو تأويل كل الصفات الفعلية لله ، ومال الأشعري ﵀ إلى قول ابن كلاب في ذلك، لكن بحذر وبتورع، وأُخذ عليه ذلك حتى في كتبه الأصلية، مثل: (الإبانة)، وهو غير واضح، لكن في (اللمع) واضح، و (رسالة إلى أهل الثغر)، وهي واضحة في أنه قد تأثر بهذه النزعة، ومع ذلك يثبت الصفات الذاتية لله ، ويثبت الصفات الفعلية، لكنه وصف بعض الصفات بالوصف الذي لا يدل على حدوث ما يريد الله من الصفات الفعلية، وإنما جعلها لازمة، فهذا تعبير مبسط، وإلا فهناك تعبيرات أكثر غموضاً، ولعله تأتي لها مناسبة فيما بعد من أجل تنظير هذه القضية، فلا نستعجلها الآن. والشاهد هنا أن الأشعري لم يقل بما قال به متأخرة الأشاعرة، لكنه فتح باباً توسّع معه الأشاعرة، وهو تبع ابن كلاب، فتوسع بعد ذلك أهل الكلام في هذه المسألة حتى تدرجوا إلى تأويل أكثر الصفات الفعلية، وكذلك الصفات الخبرية من باب أولى.

стр. 276

مذهب الكرامية والمعتزلة في الإيمان قال رحمه الله تعالى: [والكرامية قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمناً، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم، وأما في الصفات والقدر، والوعد والوعيد، فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة. وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات، ويقاربون قول جهم، لكنهم ينفون القدر، فهم وإن عظّموا الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وغلو فيه، فهم يكذّبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب]. قوله: (ففيهم نوع من الشرك) يقصد: شرك الأفعال، ووصفوا بنوع من الشرك بسبب لازم قولهم، فلو استنطقناهم أو بحثنا عن تعبيراتهم لا نجد أنهم يعبّرون بهذا، لكن من اللوازم الضرورية التي لا يمكن أن ينفك منها القائل بقولهم، وهو أنهم يرون أن الإنسان مقدّر لأفعال، أو خالق لأفعال، ولا يعبّرون عن هذا تعبيراً صريحاً؛ لأن بعضهم يتورع أو يتهيّب بأن يقول: إن الإنسان يخلق أفعالاً، لكن هم يقولون: بأن الله لم يقدّر أفعال الشر للإنسان، ولم يخلقها. إذاً هي قُدّرت وخُلقت، فمن الذي قدّرها وخلقها؟! هم لا يجعلون خالقاً ثالثاً، لكنهم على هذا لا بد أن يعترفوا فإنهم قالوا: بأن الإنسان خالق أفعاله، ولذلك عبّر السلف عن مذهبهم بهذا التعبير، فيقولون: إن المعتزلة يقولون: بأن الإنسان خالق أفعاله، فلو تتبعت أقوالهم فلا تجد أنهم يصرّحون بهذه الكلمة تصريحاً مباشراً، لكن هذا من لوازم القول، فإذا كان الله عندهم لا يُقدّر أفعال الشر ولم يخلقها، مع أن الله قال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]. ومن الإيمان بالقدر: الإيمان بالقدر خيره وشره من الله ؛ حكمة وابتلاء وفتنة للعباد، فإن الله حينما قدّر الشر وخلقه ما خلقه لمحض الشر، وإنما لحكمة وابتلاء للعباد، فهم قالوا: بأن الإنسان لم يقدّر أفعال الشر ولم يخلقها. إذاً: ينشأ عندنا سؤال ضروري: من الذي قدّرها وخلقها؟ هل هو خالق ثالث؟! سيقولون: لا. إذاً بالضرورة يكون الإنسان هو خالق أفعاله، فهذا ما قصد به الشيخ من أنهم يكذّبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك، أي: شرك الأفعال. قال رحمه الله تعالى: [والإقرار بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، مع إنكار القدر، خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وكان قد نبغ فيهم القدرية، كما نبغ فيهم الخوارج الحرورية، وإنما يظهر من البدع أولاً ما كان أخفى، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة. فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية، مع إعراضهم عن الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم، أولئك يشبهون المجوس، وهؤلاء يشبهون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨] والمشركون شر من المجوس].

стр. 277

أصل الإسلام الشهادتان قال رحمه الله تعالى: [فهذا أصل عظيم على المسلم أن يعرفه، فإن أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين أو أحدهما، مع ظنه أنه في غاية التحقيق والتوحيد والعلم والمعرفة، فإقرار المشرك بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمداً رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فلا بد من الكلام في هذين الأصلين].

стр. 278

الأسئلة

стр. 279

التحذير من قراءة كتب المحاسبي إلا لطالب علم متمكن السؤال قد يقرأ بعض الإخوة كتاب الحارث المحاسبي (التوهم) في الوعظ؛ لأنه يلامس القلوب، فما رأيكم؟ الجواب في الحقيقة إن من الكتب النقية ما هو أولى من ذلك، مثل: كتاب (الزهد) للإمام أحمد، و (الزهد) لـ ابن المبارك، وهي من أروع الكتب، مع أنه لا يلزم من هذا صحة كل ما ورد فيها، لكن أكثر ما ورد فيها من باب الحكم والمواعظ المنتقاه، وأما كتب الحارث المحاسبي فلا تخلو من نزعتين: من النزعة الكلامية، وهذا قليل، وأكثر الناس لا يدركها؛ لأنها لا تُدرك إلا بالمناقيش، وخاصة إذا تكلم عن القدر، أو تكلم عن بعض مسائل الصفات، فنزعته في ذلك كُلابية، لكنها غير واضحة، إنما الأخطر من هذا استعماله لمصطلحات صوفية تجعل الإنسان يتعلق بمعان لا أصل لها شرعاً، ولذلك سمى الإمام أحمد هذا المنهج بـ: الخطرات والوساوس، لا سيما فيمن لم يكن في بيئة صوفية، يعني: من كان في مثل هذه البيئة، والتي بحمد الله لا تزال على السنة في الظاهر، لذا فأنا أرى أنه لا يُنصح بكتب المحاسبي لهذا السبب، إلا لطالب علم متمكن، يستطيع أن يميّز بين المصطلحات الشرعية والمصطلحات المضطربة.

стр. 280

شرح العقيدة التدمرية [٢٨] أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر هو الإيمان بالوحدانية والرسالة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وقد حصل الإخلال بهذين الأصلين من كثير من الناس؛ بسبب ظنهم أن إقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه ينجيه من عذاب الله، وهذا غير صحيح، بل لابد أن يقترن مع ما سبق إقراره بأنه لا إله إلا الله ألا يعبد غيره، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمداً رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر.

стр. 281

الأصل الأول: توحيد الإلهية قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [الأصل الأول: توحيد الإلهية، فإنه سبحانه أخبر عن المشركين -كما تقدم- بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله، يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]].

стр. 282

أنواع الشرك الواقع في الأمم والطوائف والفرق هذا نوع من أنواع الشرك، وهو النوع الأكثر والغالب فيما وقعت فيه الأمم عامة وفيما وقع فيه مشركو العرب خاصة، فقد كان الأغلب في شركهم أنهم زعموا أن من يقدّسونهم من أشخاص أو أحجار أو أشجار أو أشياء غيبية غائبة أو حاضرة من الصالحين وغير الصالحين، أن هؤلاء وسطاء لهم، وأنها تشفع لهم عند الله، وقد يعبدون الله من وجه، ويعبدون هذه الأصنام من وجه، وقد يفرد طوائف منهم العبادة للأصنام؛ زعماً منهم أنهم ليس لهم دالة على الله لارتكابهم للمعاصي والآثام، ليس لهم وجه بأن يعبدوا الله، وهذا من عبث الشيطان بهم، وبعضهم يعبد الله ويعبد هذه الأصنام، وبعضهم قد يعتقد -وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الناس اليوم- فيها النفع والضر، وقلبه يتوجه إليها عند الضرورة. النوع الثاني: هناك من يعبد غير الله مباشرة، ويزعم أن في المعبود خصائص الإله، وهذا ما عليه كثير من مشركي المجوس والهنود وغيرهم، فلا يعبدون الله أصلاً، بل يعبدون الصنم مباشرة، لا لأنه وسيط؛ بل لأنه عندهم هو المستحق للعبادة، وهذا النوع من الشرك أغلب ما يكون في البلاد البعيدة عن بلاد العرب. وهناك نوع آخر، لكن قد لا يكون من هذا النوع: وهو ادعاء خصائص إلهية أو ربوبية في أحد المخلوقات، حتى وإن لم يوجه له عبادة ولا رجا ولا خشيه، لكنه إذا اعتقد أن مخلوقاً من المخلوقات فيه خصيصة من خصائص الرب فهذا شرك اعتقادي، وهذا يقع فيه كثير من الفلاسفة، والذين يستكبرون عن العبادة، فتجد في قلوبهم تقديساً لشيء من المخلوقات، ويدّعون أن في بعض المخلوقات خصائص الرب أو بعض خصائص الرب، وهذا النوع من الشرك يوجد عند طوائف من الأمم. النوع الآخر: شرك الحلول، وهو أن يعتقد أن الله حل في شيء من المخلوقات، كالروح أو العقل أو النفس أو في أي من تعبيراتهم الكثيرة، فمثلاً: خرافة العقل الفعّال، فيرون أن العقل الفعّال هو الله، وأن هذا العقل الفعّال وجد في المحركات للكون، وهذا نوع من الحلول، وبعضهم يرى أنه حل في بعض المخلوقات أو في كلها جزءاً من الإلهية حلول روح أو حلول عقل أو حلول نفس أو أي نوع من الحلول، وأحياناً يكون الأمر أكبر من ذلك، فقد يكون أحياناً اتحاداً، وهذا قمة الشرك، أي: اعتقاد أن الكون كله هو الله، وأنه ليس هناك وجود ذاتي لله غير وجود المخلوقات. وهذه كلها دخلت على العرب قديماً، ودخلت على المسلمين تحت مذاهب شتى، خاصة مع الطرق الصوفية التي صارت أوعية، ولذلك من خلال الطرق استطاع أمثال ابن عربي وابن الفارض والسهروردي المقتول ومن نحا نحوهم أن يُدخلوا وحدة الوجود على المنتسبين للإسلام من خلال الطرق، ومن خلال التصوف الذي يسلّم للشيخ، ويعتقد أنه مهما عمل فعمله كله بركة، ولو كان شركاً خالصاً. قال رحمه الله تعالى: [فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء شفعاء مشركون، وقال تعالى عن مؤمن يس: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٢ - ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]، فأخبر سبحانه عن شفعائهم أنهم زعموا أنهم فيهم شركاء، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤] وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٥١]. وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَ

стр. 283

من تحقيق شهادة التوحيد إفراد الله بجميع أنواع العبادة قال رحمه الله تعالى: [ومن تحقيق التوحيد أن يعلم أن الله تعالى أثبت له حقاً لا يشركه فيه مخلوق، كالعبادة والتوكل، والخوف والخشية، والتقوى، كما قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر:٦٤] إلى قوله: ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٦]، وكل من الرسل يقول لقومه: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)). وقد قال تعالى في التوكل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٠]، وقال: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، فقال في الإتيان: ((مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ))، وقال في التوكل: ((وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ)) ولم يقل: ورسوله؛ لأن الإتيان هو الإعطاء الشرعي، وذلك يتضمن الإباحة والإحلال الذي بلغه الرسول، فإن الحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرّعه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وأما الحسب فهو الكافي، والله وحده كاف عبده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، فهو وحده حسبهم كلهم. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله، فهو كافيكم كلكم، وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك، كما يظنه بعض الغالطين؛ إذ هو وحده كاف نبيه وهو حسبه، ليس معه من يكون هو وإياه حسباً للرسول. وهذا في اللغة كقول الشاعر: فحسبك والضحاكَ سيف مهند وتقول العرب: حسبك وزيداً درهم، أي: يكفيك وزيداً جميعاً درهم. وقال في الخوف والخشية والتقوى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢] فأثبت الطاعة لله والرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح ﵇: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٢ - ٣] فجعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل الطاعة للرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله. وقد قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقال الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨١ - ٨٢]. وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: (وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ : إنما هو الشرك، أو لم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])، وقال تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١]، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١]]. ذكر الشيخ هنا بعض الألفاظ في العبادة، فبعضها من الألفاظ التوحيدية الخالصة، وبعضها تحتاج إلى شيء من التفصيل، وبعض هذه المعاني الإيمانية والقلبية لا يجوز صرفها إلا لله ، وبعضها قد يشتبه مع الفطري الغريزي، فمثلاً: مقام التقديس والتعظيم لا يكون إلا لله، أما المقام الفطري فهو أمر لا يدخل في المنهي عنه، فمثلاً: التوكل

стр. 284

الأصل الثاني: حق الرسول ﷺ قال رحمه الله تعالى: [الأصل الثاني: حق الرسول ﷺ ، فعلينا أن نؤمن به، ونطيعه، ونتبعه، ونرضيه ونحبه ونسلم لحكمه، وأمثال ذلك، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وأمثال ذلك]. نقف عند هذا الحد؛ لأن الموضوع الجديد يتعلق بتقسيم أهل الضلال، وهو تقسيم منهجي يحتاج إلى مزيد تعليق. نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 285

الأسئلة
следующие страницы →