Полный текст (327 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
تاريخ جبل طي
المقدم: ومن الجبال التي لا يمكن أن تخفى في مثل هذه الحلقة جبل طي فنتحدث عن قصته؟ الشيخ: جبل طي -أجا سلمى- يقعان في حائل، وهناك نشأ حاتم الذي تضرب به العرب المثل في الجود، والحق أن السر ليس في حاتم نفسه، بل في المنطقة كلها، فما زال أهل حائل -أدام الله فضلهم- في كرم وجود.
وورد في حديث عروة بن مضرس قال: (يا رسول الله! أتيتك من جبلي طي، فأجهدت نفسي وأكللت راحلتي، ما تركت جبلاً -يعني: من عرفات وغيره- إلا وقفت عليه)، ولما مات حاتم جاء ابنه عدي، وفي تلك المنطقة التاريخية وقعت أحداث عظام جليلة من أشهرها ما كان حاتم يصنعه: أماوي إن المال غاد ورائح ويبقى من المال الأحاديث والذكر أماوي إني لا أقول لسائل إذا جاء يوماً الحل في مالنا نزر إلى غير ذلك مما يبين الكرم الحاتمي الذي كان موجوداً عند جبلي طي، أي: جبلي حائل.
стр. 107
جبل عير
المقدم: ننتقل أيضاً إلى ما يتعلق بجبل عير، فنريد أن تتكلموا عليه؟ الشيخ: جبل عير في مدينة النبي ﷺ من جهة الجنوب، وهو حد الحرم الجنوبي.
وقيل: إنه سمي عيراً -وأنا أعرفه جيداً- لأن قمته مستوية، فشبه بظهر الحمار.
وقد ورد في الحديث: (المدينة حرم من عير إلى ثور) ووقع الخلاف في أين يقع ثور على ثلاثة أقوال، وليس هذا موضع تفصيله، لكن وردت أحاديث تذكر أنه جبل من جبال النار؛ لكن لم يثبت عندي في صحتها شيء.
стр. 108
جبل الطور
المقدم: ننتقل إلى جبل الطور قصته مع موسى ﵇.
الشيخ: جبل الطور بعض العلماء مثل صاحب التحرير والتنوير رحمة الله عليه يقول إنه اسم بالسريانية، وأظنه بعيداً.
والذي أفقهه أنا من العربية -والعلم عند الله- أن الطور يطلق على الجبل الذي فيه شجر، فكل جبل نبت فيه شجر فهو طور، لكن ينبغي تحرير المسألة.
الله جل وعلا كلم موسى مرتين: مرة عند قدومه من أرض مدين، ومرة عندما ترك قومه في أرض التيه وذهب لميعاد ربه.
ويوجد شبه جزيرة سيناء: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون:٢٠]، ويوجد واد، ويوجد جبل، فالجزيرة اسمها سيناء، والوادي اسمه طوى، والجبل اسمه الطور، فالله جل وعلا كلم موسى عند الجانب الأيمن من جبل الطور الذي في وادي طوى المبارك، الوادي الذي في شبه جزيرة سيناء.
وهذا جمع بين الآيات، كما نقول: إن مثلاً النبي ﷺ صلى ركعتين عند مسجد الشجرة، أي: في قضية الميقات في ذي الحليفة.
فنقول: إن النبي ﷺ صلى عند الشجرة في الوادي المبارك الذي هو وادي العقيق في المدينة المنورة.
стр. 109
جبل رضوى
المقدم: نختم الكلام عن الجبال بما يتعلق بجبل رضوى.
الشيخ: جبل رضوى يقع الآن تقريباً في ينبع النخل في الجهة الغربية الساحلية من بلادنا، وأنت ذاهب إلى العيص، وأنا كنت مرة مع أحد الفضلاء ممن تخصصوا في العربية وهو الأستاذ عواد السناني فكنا ماضين وأنا لم أر رضوى من قبل، وكنت ذاهباً إلى محافظة العيص المباركة، فلما مررنا قال: انظر، فنظرت، فتذكرت بيت حسان: شماريخ رضوى عزة وتكرما فكان إسناد المجد إلى شماريخ رضوى الذي صنعه حسان أمراً يصور الواقع تماماً، (وما راء كمن سمعا) فلو رأيت علمت يقيناً ما قاله حسان.
وعلى العموم فإن العرب تجعل الجبل مثالاً للعلو، وللمجد، وللكبرياء، وللأنفة، ولمعالي الأمور، يقول الفرزدق في هجائه لـ جرير: فادفع بكفك إن أردت بناءنا ثهلان ذا الهضبات هل يتحلحل يحيله إلى جبل مشهور عندهم، فبين أن مجد بني تميم الذين منهم الفرزدق -وكلهم من تميم لكن يختلفون في البيوت- لا يمكن أن يقارن ببيتك، وإنك عندما تريد أن تهدم بنياننا بقصائدك كمن يريد أن يزحزح ذلك الجبل العظيم ثهلان من مكانه.
стр. 110
السؤال عن الروح
стр. 111
معنى الروح وذكر مستقر الأرواح
المقدم: يقول عز من قائل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، والمعروف أن سورة الإسراء مكية وهذا التساؤل كان في المدينة، فكيف تكون آية مدنية في سورة مكية؟ وما هي الروح؟ وأين مستقر الأرواح؟ الشيخ: نعم، جاء في البخاري عن ابن مسعود أن السؤال كان في المدينة.
لكن يجاب عنه بأن سورة الإسراء أكثرها مكي إلا هذه الآية لدلالة حديث البخاري أنها نزلت في المدينة، ومعلوم أن السور لم تكن تنزل جملة واحدة، إلا ما ذكر عن سورة الأنعام أنها نزلت جملة واحدة.
أما الروح فاختلف فيها.
اختلف أولاً في المقصود بالروح، فقيل إنه عيسى، وحجة من قال بهذا القول كلمة (وروح منه).
وقيل: إنه الوحي، كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢].
وقيل: إنه جبريل: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر:٤].
لكن هذه الأقوال كلها بعيدة، والأصل صرفها إلى الروح المعروفة.
وقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، هذه من علم الغيب الذي استأثر الله جل وعلا به ولم يطلع عليه أحداً من الخلق.
أما مستقرها من حيث الجملة، فأرواح المؤمنين في عليين: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨]، وأرواح الفجار في سجين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧]، وجاءت آثار صحيحة أن روح الشهيد في حواصل طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش في الجنة.
стр. 112
الثبات والجزع عند فراق الروح
المقدم: معلوم أن الموت انفصال الروح عن الجسد، وبما أن الحديث عن الروح فقد وردت في التاريخ بعض القصص الأدبية عن أناس ثبتوا عند الموت، وأناس جزعوا، فلو ذكرت طرفاً من ذلك.
الشيخ: الموت مخيف وقد سماه الله مصيبة، ولا يوجد أحد يحب الموت كما قالت عائشة للنبي ﷺ ؛ لأن التعلق بالحياة شيء فطري لكن هناك أناس ثبتوا وأناس جزعوا، ومما ذكر أن أحد الرجال الذين حكم عليهم بالقتل كان فصيحاً قبل أن يقتل، فالحاكم الذي أراد أن يقتله أخرج له كفناً منشوراً، وأمر الجلاد أن يسل السيف وحفر قبره، فقيل له: ألا تتكلم؟ قال: من أين أتكلم؟ قبر محفور، وسيف مشهور، وكفن منشور.
ومر معنا مراراً أن تميم بن جميل أحد الذين خرجوا على المعتصم كان وسيماً، وفي نفس الوقت كان فصيحاً، فأراد المعتصم أن يعرف موقع لسانه من جنانه، فقدمه وقد سل السيف وجيء بالنطع والجلاد، فقال: أرى الموت بين السيف والنطع كامناً يلاحظني من حيث ما أتلفت وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي وأي امرئ مما قضى الله يفلت يعز على الأوس بن تغلب موقف يسل علي السيف فيه وأسكت وما جزعي من أن أموت وإنني لأعلم أن الموت شيء مؤقت ولكن خلفي صبية قد تركتهم وأكبادهم من حسرة تتفتت كأني أراهم حين أنعى إليهم وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة أذود الردى عنهم وإن مت موتوا وقتل رجل رجلاً قبل عهد معاوية، وفي عهد معاوية حكم عليه بالقصاص لما كبر القصار، فجيء به في ساحة القصاص ليقتل فتبعته امرأته، تخبره بوفائها وحبها له، فنظر إليها وقال: هذا صنع من تريد الحياة، فجدعت أنفها، فلما جاء أمير البلدة ليحضر قتله، وحركت الأبواب ولها صرير، وجاء الحرس فقال: أذا العرش إني عائذ بك مؤمن مقر بزلاتي إليك فقير وإني وإن قالوا أمير مسلط وحجاب أبواب لهن صرير لأعلم أن الأمر أمرك إن تدن فرب وإن ترحم فأنت غفور
стр. 113
السؤال عن الساعة وخروج الدجال
المقدم: نختم بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [النازعات:٤٢]، وقد تكرر كثيراً في القرآن الكريم، والحديث عنه قد يطول، لكن نقف وقفة سريعة مع الدجال، لا سيما منعه من دخول المدينة.
وقبل هذا فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات:٤٢]، ولم تعقب بجواب، فما الحكمة في ذلك؟ الشيخ: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٣].
كان الجواب بلاغي في بيان أن هذا النبي لا يملك الإجابة، وهذا نوع من الجواب، ولهذا قال النبي ﷺ في حديث جبريل: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).
أما الدجال، فالمسيح مسيحان: مسيح ضلالة وهو الدجال، ومسيح هداية وهو عيسى بن مريم، والأصل أن كلاً منهما يسمى المسيح؛ لأنهما يطوفان الأرض، هذا الغالب، لكن سنقف عند وقوف الدجال في المدينة.
في الجهة الشمالية الغربية من المدينة موقع يقال له الجرف، وأول من سماه بكلمة الجرف تبع اليماني، وهو أول قرية معمورة وأول ما سكن من المدينة، هذا الجرف ينيخ الدجال عسكره عنده، تمنعه الملائكة من دخول المدينة.
والنبي ﷺ يقول: (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة)، هذه المدينة موئل عظيم للعلم والإيمان.
جاء في حديث أبي سعيد الخدري أنه يخرج إليه شاب من خير أهل الأرض يومئذ، وجاء في رواية: (بل هو خير أهل الأرض يومئذ).
اجتمع في هذا الرجل الشاب الذي خرج صفتان: بهاتين الصفتين يسود الناس، وهما العلم والإيمان، فهو على إيمان واثق يرد به الشهوات، وعلى علم يرد به الشبهات.
والأصل عدم الخروج للدجال، لكن هذا الرجل متمكن علمياً وإيمانياً، ونحن نطالب كل من يتصدر، ونطالب الشباب بالحذر من أن يلقوا أنفسهم في قضايا مهلكة بدون علم وأحياناً بدون إيمان.
المقصود أن هذا الرجل يخرج للدجال فيريد أن يقتله من دون الدجال من الخدم والحاشية والحرس، فيقولون: إن ربكم قد أمركم ألا تقتلوا أحداً دونه، فيأتون به بين يدي الدجال فيسأله الدجال، فيقول عندما يراه: ما ازددت إلا إيماناً أنك كاذب، أي: كفراً بك، فيقطعه الدجال قطعتين، ثم يمشي بينهما ثم يعيده، فيقول: ما ازددت إلا كفراً بك.
لأن الرجل يحمل العلم مع الإيمان، فالإيمان منعه من أن يأخذ إغراءات الدجال من الجنة والنار التي معه.
والعلم عصمه من أن يسمع كلام الدجال ويغتر بفتنته.
هذا الرجل الشاب أنموذج للقدوة في قضايا العلم والإيمان.
ثم إن الدجال تنهره الملائكة جهة الشام فيتوجه إلى الشام فيقتل على يد عيسى بن مريم.
стр. 114
السبب في أن أبا اليسر عمر طويلاً
السؤال
ما السبب في أن أبا اليسر ﵁ وأرضاه عمر طويلاً وأدرك أحفاد الصحابة؟ الشيخ: السبب أنه كان مع النبي ﷺ في خيبر فدعا له النبي ﵊ وقال: (اللهم متعنا به)، قال ﵁: والله لقد متعوا بي، أي: عمر ومتع الناس به حتى أدرك أحفاد الصحابة، وكان السبب هو دعاء النبي ﷺ له.
стр. 115
الأسئلة
стр. 116
القرآن وأثره في الخشية
السؤال الأول: سائل يسأل عن قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]، فما تعليقكم على هذه الآية؟ الشيخ: هذه من أعظم آيات القرآن تأثيراً في النفوس، وقد لا يكون المقام مناسباً للكلام عنها؛ وقد قلنا: إن الله جل وعلا ذكر الحديد وألانه لداود، وذكر الحجارة ولم يخبر أنه ألانها لأحد، لكنه ذكر جل وعلا أن قسوة القلب تجعل من القلب أعظم من الحجارة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، ثم ذكر جل وعلا أن هذا القرآن لو أنزل على حجارة سوداء وصخور صماء لتزلزلت: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١].
وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد:٣١]، إلى غير ذلك من الآيات التي يخبر الله جل وعلا فيها أن هذا القرآن كلامه جل وعلا نزل به جبريل على قلب محمد ﷺ ، وهو معجزة نبينا الخالدة.
стр. 117
كتب التفسير التي تهتم بالعقيدة
المقدم: ما هي كتب التفسير التي اهتمت بآيات العقيدة؟ الشيخ: هذا يرجع لشأن المفسر نفسه، مثلاً: الإمام الشنقيطي رحمة الله عليه له عناية، الحافظ ابن كثير وابن سعدي يهتمان بذلك.
وأحياناً تكون هناك رسائل مستقلة يأخذها العلماء المعاصرون كدراسات عليا فمثلاً هناك كتاب اسمه: (مسائل العقيدة في سورة الزمر) وهو رسالة ماجستير، وإن كنت لا أحفظ من صاحبه.
стр. 118
علم المناسبات بين السور
المقدم: سائلة تسأل عن علم المناسبات بين الآيات والسور؟ الشيخ: هذا صنف فيه، لكن بعضه تكلف واضح جداً وبعضه غير مقبول.
يقول الله جل وعلا في خاتمه سورة طه: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥]، فقد يقال: متى؟ فقال بعدها في أول سورة الأنبياء: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١].
فهذه مقبول جداً، لكن بعض العلماء أفرط فيه إفراطاً غير مقبول.
стр. 119
الشعور بالغربة في المدينة النبوية
المقدم: سائلة ذكرت أنها زارت المدينة لكنها تشعر بغربة؟ الشيخ: قالت إنها تشعر بالغربة فهل تأثم أو لا؟ لا تأثم؛ لأن هذه غربة لعدم وجود أهل وهذا شيء جبلي، نسأل الله أن يكتب لها الأنس في مدينة رسول الله ﷺ .
стр. 120
حكم قاتل علي ﵁
المقدم: سائل يقول: إن قاتل علي ﵁ كان معلماً للقرآن؟ الشيخ: قاتل علي هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وكان في ظاهره كثير الصلاة، وهو لم يؤت من كثرة عبادته، بل من قلة علمه، واعتقاده الباطل، وقد كنا ننبه عليه كثيراً أن الإنسان لا ينظر إلى عبادة المرء فقط بل ينظر إلى علمه، وهذا الرجل أدخل نفسه فيما لا قدرة له عليه، فلم تنفعه كثرة عبادته لما كانت مبنية على ضلال، وهو أحد زعماء الخوارج الأولين، أسأل الله العافية.
стр. 121
المراد بالسائل في سورة الضحى
المقدم: سائل يسأل عن قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠]، ما المراد بالسائل هنا؟ الشيخ: قوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠]، الصواب عندنا أنه ينصرف أول ما ينصرف إلى المسترشد، لا الذي يطلب مالاً وطعاماً، لكنه يندرج ضمناً.
стр. 122
كيف أنزل الله التوراة والإنجيل
المقدم: التوراة والإنجيل هل أنزلتا بوحي كالقرآن؟ الشيخ: التوراة نزلت مكتوبة، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٤٥].
وأما الإنجيل فالأصل أنه أنزل عن طريق جبريل.
стр. 123
معنى قوله تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة)
المقدم: قال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥]،
السؤال
كيف تهز وهي في حال ضعف؟ وهل هذه النخلة كان لها رطب موجود؟ الشيخ: النخلة كانت يابسة، هذا المشهور عند العلماء، وأراد الله جل وعلا أن يبين لها كرامتها عنده، لكن أراد أن يبين لها أن كل شيء ربطه الله بالأسباب، فأمرها الله أن تهز الشجرة وهو قادر على أن يطعمها من غير هز حتى تسعى سعياً حثيثاً في طلب ما كتب لها.
فلما هزت على ضعفها أثمرت الشجرة وأسقطت ما فيها من تمر: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥]، الشاهد أنها عملت على ضعف، لكن لما كانت المسألة معجزة نفع ذلك الضعف، وإلا فإنه في مقاييس البشر لا يمكن أن ينفع: ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزة جنته ولكن كل شيء له سبب
стр. 124
موت سليمان ﵇
المقدم: سائلة تسأل عن قصة موت سليمان ﵇ على عصا، وكيف يتفق مع تخييره بين الحياة والموت؟ الشيخ: سليمان لم يمت على كرسيه، بل مات متكئاً على عصا، قال الله جل وعلا: ﴿فَلمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤]، وهو لا يتعارض مع أنه ﵇ خير ما بين الحياة والموت واختار الموت، ثم قبضت روحه وهو متكئ على منسأته أي: على عصا.
ثم أراد الله أن يحفظه جسداً، وحفظ الله للأنبياء أجساداً واقع، سواء فوق الأرض أو تحتها، فهم في القبور محفوظون، فأراد الله أن يتكئ على منسأته فتراه الجن فتهابه، فلا تزال تعتقد أنه حي حتى يظهر للناس جهلها، قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤].
стр. 125
سلسلة القطوف الدانية - الحكمة
إن الحكمة كنز عظيم، من حازه فقد حاز خيراً كثيراً، ومن افتقده فقد خسر كثيراً، وقد كان أنبياء الله ورسله حكماء في دعوتهم للناس ومعاملتهم معهم.
وكذلك عبر التاريخ وجد أناس حكماء كان لهم أثر كبير في قول الحكمة ونشرها وتطبيقها.
وفي المقابل هناك من كان يقول الحكم الجليلة ومع ذلك لم يتمثل ذلك في حياته، بل كانت حياته خبط عشواء لا تظهر فيها الحكمة.
стр. 126
المراد بالحكمة
الملقي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأهلاً ومرحباً بكم في حلقه جديدة من برنامجكم: القطوف الدانية، والذي يأتيكم ثاني إثنين من كل شهر، وفي مستهل هذا اللقاء أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صيام يوم عاشوراء أيها الأحبة! نتحدث في هذه الحلقة عن صفة لها مكانة عظيمة في دين الله، وفي نفوس العقلاء من البشر، متى اتصفت بها الأقوال والأفعال صار لها قدر وقيمة, هذه الصفة ليست مجرد معلومات يختزنها الإنسان في فكره كأي شيء مما يبني الفكر أو يثيره، وليست أسلوباً مميزاً في الممارسة العملية للأشياء في المجالات الخاصة والعامة, وهي أيضاً لا تعد حالة داخلية تطبع شخصية الإنسان فتجعل منه عنصراً فاعلاً في تدبر الحياة وتنميتها على أساس متين, بل هي مجموعة من كل هذه العناصر اتصف بها الرب، ووصف بها الوحي المنزل منه، وأكرم بها بعض خلقه، محاسنها كثيرة، يبينها مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩].
فالحكمة هي موضوع حوارنا في هذه الحلقة مع ضيفنا فضيلة الشيخ صالح بن عواد المغامسي خطيب مسجد قباء بالمدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وفي مستهل هذه الحلقة يشرفني باسمكم جميعاً أن أرحب بضيفنا.
وأرحب بكم مشاهدي الكرام، وأرحب بمشاركاتكم معنا في هذا البرنامج من خلال متابعاتكم لهذه الحلقة، وأيضاً من خلال مشاركاتكم على موقع الأكاديمية الإسلامية المفتوحة، ونسعد كثيراً بتواصلكم مع المنتدى المخصص لهذا البرنامج، وأيضاً نسعد بأن تصل إلينا مقترحاتكم ومشاركاتكم عن طريق رقم الجوال الذي خصص لهذا البرنامج.
حديثنا كما ذكرت آنفاً سيكون عن الحكمة، وقبل أن أبدأ في محاوري يسرني أن أرحب بالإخوة والأخوات الذين يتابعونا على موقع الإنترنت، وأخص بذلك موقع البث الإسلامي، وموقع المسك، وأشكر أيضاً الإخوة القائمين على موقع صيد الفوائد والذين قاموا مشكورين بالإعلان عن هذه الحلقة.
فالحكمة أسأل الله أن تكون صفة لنا جميعاً، وأن ييسر لنا عرضها عرضاً مفيداً ومثمراً.
شيخ صالح قبل أن أبدأ في المحاور التفصيلية لهذا الموضوع لا شك أن هذا الموضوع موضوع مهم، وقبل أن نتكلم فيه كلاماً بشرياً لعلنا نؤصله تأصيلاً شرعياً فالآيات والأحاديث التي نصت على هذه الصفة وبينتها وشرحتها كثيرة، فإذا أذنتم لي أن أستعرض أهم هذه الآيات وأهم الأحاديث، ثم نبين المراد منها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته, فجزاه الله بأفضل ما جزا به نبياً عن أمته.
أما بعد: أولاً: نكرر الترحيب بالإخوة المشاهدين، ونسال الله أن يوفقنا فيما نقول في هذا اليوم الذي سماه النبي ﷺ يوماً صالحاً، فقد نجى الله فيه عبداً صالحاً وهو: موسى بن عمران ومن معه من المؤمنين.
стр. 127
تعريف الحكمة
والحكمة: كل عمل ينجم من ورائه فائدة، وليس عبثاً في ذاته، فهو يدل على حكمة فاعله.
ومن أظهر الأدلة على هذا أن الله جل وعلا أخبر أنه خلق الثقلين لحكمة عظيمة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وقال في سورة أخرى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:١١٥]، فلما نزه الله جل وعلا خلقه وصنيعه عن العبث دل على أنه صنعه لحكمة، ويظهر من هذا أن الحكمة هي: أي عمل أو قول يوضع في وضعه الصحيح، فينجم عنه ثمرة عاجلة أو آجلة، دنيويه أو أخروية، وهذا شيء نسبي فكلما كانت فعال الإنسان أقرب إلى الثمرة في العاجل والآجل دلت على حكمته، وكلما كانت فعال الإنسان لا ثمرة لها عاجلاً أو آجلاً دلت على عبثه وخلوه من الحكمة.
стр. 128
إطلاقات الحكمة
هذا من حيث المدخل للموضوع، على أن الحكمة تطلق بها ويراد بها غير الذي ذكرناه.
يقول الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] والمقصود بالحكمة هنا السنة، أي: ليس لهذا المصطلح علاقة بالمصطلح الذي ذكرناه، وإن كانت معرفة السنة من الحكمة، لكن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩]، وهذا إخبار من الخالق ﷻ على أن الإنسان إذا وفقه الله جل وعلا للحكمة في قوله وفعله فقد منَّ الله عليه بالخير الوفير، وما أجمله القران تبينه السنة، فالنبي ﷺ أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لكن ذلك الإسراء مر بخطوات قبل أن يركب ﵊ البراق، وقد دل عليها ما ثبت في الأحاديث الصحيحة: فمنها: أن النبي ﷺ شق صدره، وأخرج قلبه، وملئ إيماناً وحكمة.
قال العلماء ممن شرح هذا الحديث من أئمة الدين: دل ذلك على أن الحكمة أفضل ما يعطاه الإنسان بعد الإيمان؛ لأن قلب النبي ﷺ ما ملئ في تلك اللحظة التي هيئ فيها لأمر زائد في الرسالة ولرحلة عظيمة للملكوت الأعلى والمحل الأسمى إنما ملئ قلبه إيماناً وحكمة, فقالوا -أي أهل العلم-: إنه لو وجد شيء أعظم من الحكمة لملئ مع الإيمان، لكن لما قرن الله مابين الإيمان والحكمة في قلب نبيه ﷺ بواسطة الملائكة دل ذلك على أن الحكمة لها منزلتها العظيمة عند الله جل وعلا، وهي من الخير العظيم الذي يؤتيه الله جل وعلا من يشاء من عباده، وهي متلبسة في أفعال الصالحين وأخبار المتقين.
هذا مجمل ما يمكن أن يقال في منطلق الأمر عن حاجة الناس لمعرفة الحكمة.
стр. 129
النسبية في الحكمة
الملقي: أشرت قبل قليل في أثناء حديثك إلى مسألة النسبية في الحكمة، فهل هذه النسبية ترجع إلى الأفعال، بمعنى أن هذا الفعل قد يكون حكمة، أو ترجع إلى ذوات الأشخاص؟ الشيخ: إن العمل نفسه تتخلله نسبية الحكمة، فالشخص يوصف بأنه حكيم إذا كان أكثر فعله موافقاً للصواب، وينجم عنه ثمرة ويتقي به مفسدة، ولذلك مع التجارب -كما سيأتي- تنطلق الحكمة في كلماته، فقد يقول الإنسان قولاً ينتفع به الناس ولا ينتفع به هو، فهو حكيم في قوله غير حكيم في فعله، لكن المهم أن يكون للعمل ثمرة، فهذا الذي يدل على الحكمة إما يتقى بها شر وإما يجلب بها خير.
وهناك نقطة أساسية أننا لم نأت لنقول للناس: إن الحكمة واحد + اثنين =ثلاثة، ويشربونها كالماء، فإن هذا محال أن ينقلب الناس حكماء من لقاء تلفازي، لكننا نتكلم عن كيفية بناء العقل البشري ثقافياً مع الأيام ومع ما ذكرناه، ومع طرائق أخر يجمعها الإنسان لنفسه؛ ليصل بعد ذلك قدر الإمكان إلى منزلة الحكماء.
الملقي: فيما يتعلق بالتأصيل، فإن الآيات كثيرة التي ذكرت الحكمة في كتاب الله ، ومن معانيها التي فسرها المفسرون على أنها السنة النبوية، فهل يفهم من ذلك أن الارتباط وثيق بين هذين المصدرين من مصادر الإسلام؟ الشيخ: نعم، الكتاب والسنة مهيمنان على كل شيء، قال ﵊: (تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً) فكتاب الله وسنه النبي ﷺ من أعظم المصادر، وهناك قضية أساسية فسرت بها الحكمة وهي قضية التوحيد؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء:٣٩]، قال المراغي رحمة الله عليه في تفسيره -وهو شيخ الأزهر السابق-: فهذا دليل على أن التوحيد رأس الدين كله، والحكمة رأسها توحيد الله جل وعلا، ولعل في ثنايا الحديث ما يأتي فيه التفصيل.
стр. 130
أركان الحكمة
الملقي: نعود إلى الاستنباط من هذه الأدلة، وكما قلت: إننا لا يمكن أن نصنع الحكمة في هذا اللقاء؛ لكن هل يمكن لنا أن نضع أركان عامة يمكن من خلالها أن تتحقق هذه الصفة؟ الشيخ: يقولون إن الحكمة لها ثلاثة أركان: العلم، والحلم، والأناة.
стр. 131
الركن الثالث الأناة
ثالثها: الأناة، وكل واحد له ارتباط مع بقية الثلاثة، وقد قال النبي ﷺ لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة) والمقصود بالأناة: التريث، والأمور إذا كانت في العبادة التي فرضها الله فلا حاجة للتريث فيها، يقول الله جل وعلا على لسان الكليم موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤]، لكن في مجمل الأمور وفي عمومها يحتاج الإنسان إلى أناة وتريث؛ حتى يكون قراره صحيحاً قريباً من جادة الصواب.
فهذه الأمور إذا اجتمعت في رجل فإنه يعلم في أي سياق هو، ولا يستطيع أحد أن يستفزه، فإذا وجدت هذه الثلاثة في شخصية رجل أو امرأة سواءً كان عالماً أو سياسياً أو تاجراً أو طالباً فإنه بهذه الطرائق الثلاثة يصل إلى الحكمة.
فـ مالك مثلاً أدرك نافعاً مولى ابن عمر، وكان في نافع ﵀ حدة، وقد أخذ بسبب مجاورته وخدمته لـ ابن عمر علماً جماً؛ لأن ابن عمر أخذ العلم الجم عن رسول الله ﷺ ، فحاجة الناس إلى المقاربة من نافع كانت قوية لكن ليس كل أحد أعطي حكمة في قضية استخراج علم نافع المكنون؛ لأن نافعاً كانت به حدة، فـ مالك رحمة الله تعالى عليه أعطي حكمة في استخراج علم نافع، فكان يسوس نافعاً باللين ويتحمله ويستمع لقوله، وإذا أغلظ عليه نافع تقبلها مالك، حتى استطاع مالك أن يجمع علماً جماً عن نافع، وتصدر وجلس في مسجد رسول الله ﷺ يحدث ويقول: حدثني نافع عن ابن عمر فنقل بذلك علماً جماً عن رسول الله ﷺ ، فكان علم مالك بهذه الطريقة وبهذه السلسلة الذهبية كما يسميها بعض المحدثين، وذلك أن مالكاً عرف بعلمه وحلمه وأناته كيف يصل إلى ذلك المكنون من العلم الذي كان في جعبة نافع رحمة الله تعالى عليه، وهذا من طرائق الحكمة.
الملقي: قبل أن نخرج من هذه الأركان، نستقبل بعض الاتصالات.
стр. 132
الركن الثاني الحلم
أما الحلم -وهو الركن الثاني- فضده الجهل الذي بمعنى الغضب وسرعة الانفعال.
يقول عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا ولهذا قال النبي ﷺ في وصاياه لبعض أصحابه: (لا تغضب)؛ لأن الانفعال والحماس الزائد نوع من الجهل، وهذا الجهل لا يمكن أن يوصف صاحبه بأنه حكيم؛ لأن الجهل والغضب ينجم عنهما سرعة التصرف، وسرعة التصرف غالباً لا تكون قد حسبت لكل شيء حسابه، ولم يفكر الإنسان في الثمرة عاجلاً أو آجلاً، فينجم عن ذلك التهور في القرار، وهذا ضد ما يسمى بالحكمة.
стр. 133
الركن الأول العلم
فالعلم ضده الجهل الذي يعني عدم العلم؛ لأن الحلم كذلك ضده الجهل كما سيأتي.
والعلم بالشيء يساعد على حسن التصرف فيه، فإذا أحسنا التصرف في الأمر دل ذلك على الحكمة، فمثلاً أهل الدعوة يحتاجون للعلم الشرعي حتى يدعون إلى الله بالحكمة، ولهذا قرن الله جل وعلا بينهما فقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨]، وقال في آية أخرى -والقرآن يؤيد بعضه بعضا-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] أهل السياسة مثلاً من لم يكن له منهم باع علمي ومعرفة بالأحوال السياسية فإنه لا يمكن أن يتصرف تصرفاً صحيحاً، فلا بد من العلم حتى يكون الإنسان سياسياً موفقاً، والتاجر حتى يكون تاجراً حكيماً يستطيع أن يجلب الدينار والدرهم لنفسه لابد أن يكون على علم وبصيرة بوضع السوق، فالعلم مفتاح لكل ما نقصده، لكن كلما كان علم الإنسان شمولياً كان أقرب إلى الحكمة في تعامله مع الناس، وفي تجارته، وفي سياسته بحسب الموضع الذي هو فيه, فالحكمة ليست شيئاً أو صفة تحتاجها طائفة واحدة من الناس، فإن الزوج في تعامله مع زوجته يحتاج إلى الحكمة, ورب الأسرة في سياسته لأبنائه يحتاج إلى الحكمة، والداعية والخطيب في منبره ومحرابه، والسياسي في مكتبه، والتاجر في محله, كل أحد يحتاج إلى الحكمة؛ حتى لا يحكم على نفسه بالهلاك، وحتى يجني الثمار التي يريدها، والمؤمن في مسيرته إلى الله يحتاج إلى الحكمة، وأنا لا أحاول أن أستبق؛ لأن من الحكمة ألا ألقي بالأمور في أول اللقاء.
فكلنا نحتاج إلى الحكمة، فمادام الجميع يحتاج إلى الحكمة فنبدأ بالعلم الخاص في القضية نفسها، والعلم الشمولي العام أوسع من ذلك، ولا شك أنه إذا وجد العلم الشمولي مع العلم بجهة الاختصاص فإننا نصل جميعاً إلى ما نريد، وهذا معنى قولهم: إن العلم أول أركان الحكمة.
الملقي: كونه يا شيخ أول أركانها، هل يعني ذلك أنه لابد أن يكون العالم حكيماً؟ الشيخ: نعم لابد أن يكون العالم حكيماً، لكن ليس كل عالم حكيماً، فكم من الناس من حملوا في صدورهم العلم وحفظ المتون ولكنهم لم يرزقوا حكمة، فيشترط حتى يسمى عالماً بالكلمة الشاملة لابد أن يكون فيه حكمة، يقول الله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣].
стр. 134
بعض مواقف الرسول التي تتجلى فيها حكمته ﷺ
الملقي: طلب المتصل الأول من فضيلتكم ذكر بعض المواقف للنبي ﷺ التي تدل على حكمته وإن كانت كل مواقفه تدل على ذلك.
الشيخ: أشكر المتصل على مداخلته القيمة، وعلى سؤاله الذي أراد به نفعاً لمن يشاهد ويسمع.
أما ما ذكره من الطلب فإن النبي ﷺ سيد الحكماء بلا شك، وقد قلنا: إن الله جل وعلا بواسطة الملك جعل في قلبه الإيمان والحكمة، وكل أحواله ﷺ كانت تتصف بالحكمة، وهو قصد قضية الثمار الآجلة التي لا تظهر في العمل، وهذه حدثت من أوائل الدعوة، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]، فطلب منه القرشيون أن يجعل لهم الصفا ذهباً، فجاءه جبريل وقال له: إن شئت جعلت الصفا ذهباً على أنهم إن لم يؤمنوا أهلكهم الله، أو تنتظر حتى يخرج الله من أصلابهم وأرحامهم من يعبد الله، فقبل ﷺ أن يتهموه بالعجز بأنه ما أخرج لهم الصفا ذهباً على أن يكون من وراء ذلك أمم بعد ذلك تحمل الراية؛ حتى إن أبا سفيان الذي حمل الراية مراراً عداوة للنبي ﷺ حملها بعد ذلك رفعة للدين، وهذا من حكمته ﷺ .
وأما قضية الحديبية فقد كان ظاهرها كما فهم عمر في بادي الرأي أنها وبال أو ذلة على المؤمنين، ثم نجم منها أن دخل الناس في دين الله أفواجاً في أيام الصلح، وهذا كله يدل على حكمته ﷺ ، وذكرنا مراراً أنه في دخوله المدينة ﵊ لم يقبل دعوة الأوس ولا الخزرج أن يفيء إلى إحدى القبيلتين، وإنما كان يقول: (خلوا سبيلها؛ فإنها مأمورة) حتى لا يقولن أحد أنه بايع الآخر من أول يوم، هذا كله من دلائل حكمته صلوات الله وسلامه عليه الله وسلامه عليه، والسيرة حافلة بذلك، ولا أريد أن أكرر ما هو ذائع مشتهر.
стр. 135
بيان أن انسياق الشباب وراء الوسائل الهدامة ليس من الحكمة في شيء
الملقي: ويشير المتصل أيضاً إلى مسألة ليست من الحكمة وهي: انسياق شبابنا وبناتنا وفتياتنا إلى بعض وسائل الإعلام الهدامة.
الشيخ: هذا أمر يدمي القلب، وما ذكره المتصل من قضية ترجل النساء وتأنث الرجال، هذا واقع، وهذا كله ناجم من الخواء الروحي، ولعدم معرفة الطريق، ولقلة الصلة بالله جل وعلا، ولعدم معرفة الله حق المعرفة، وإلا لو وجدت قلوب تعرف الله لنجم عن ذلك أعمال تجل الله جل وعلا وتعظمه، وتعظم نهيه ﵎، نسأل الله أن يهدي ضال المؤمنين.
стр. 136
هل يوصف الكافر بالحكمة
الملقي: هناك من يسأل هل الحكمة خاصة بالمؤمنين أم ممكن أن يؤتاها الكافر؟ الشيخ: من حيث العموم فإنه قد يؤتى الكافر الحكمة، لكن لا يؤتاها بمفهومها الكامل، وإنما يؤتى حكمة في بعض أفعاله، فيصيب في بعض أفعاله والواقع أعظم الشهود على ذلك، فليست مقتصرة على الإسلام، والكافر قد يؤتاها لكن لا يقال: إنه حكيم؛ لأن من جهل الله لا يمكن أن يوصف بأنه حكيم، لكن يوصف فعله وتصرفه في ذلك الأمر بأنه حكيم، فهذا لا بأس به.
стр. 137
الاقتداء بالرسول في أخلاقه ومعاملته الحسنة مع الناس
الملقي: سأل الأخ سلطان عن أخلاق النبي وصفاته في معاملة الناس، فما تعليكم يا شيخ؟ الشيخ: هذا كلام مهم يوجه للدعاة، نحن نقرأ في السيرة أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه فرح ودمعت عيناه في يوم الهجرة لما علم أن النبي ﷺ وافق على أن يصحبه معه.
تقول عائشة ﵂ وأرضاها: ما كنت أشعر أن أحداً يبكي من الفرح.
فهي تتكلم حسب علمها وإلا فكل الناس تبكي من الفرح، لكنها لما قالت ذلك كانت صغيرة لم تعلم موضع الشاهد.
فنحن الآن أمام الصديق وقبله النبي ﷺ ، فنتأسى بـ الصديق في محبته للنبي ﷺ ، فقدوتنا في محبة الرسول هو أبو بكر؛ لأن أبا بكر أعظم الناس حباً لرسول الله ﷺ ، ونقتدي بالرسول ﷺ في صفاته التي من أجلها أحبه أبو بكر وأحبه المؤمنون، فـ أبو بكر رضي الله تعالى عنه لم يحب النبي ﷺ إلا لما وجد فيه خصالاً يستحق أن يحب وأن يفديه عليها، وأول شيء كونه نبي، وما فرض الله عليه من الأمر بمحبة النبي ﷺ ، لكن لا شك أنها كانت فيه ﷺ صفات كمال وجلال بشري أعطاه الله إياه أمرنا بأن نتأسى به فيها رغم علم الله أننا لن نصل إلى درجة نبينا ﷺ ، ولكن من باب التأسي بالصالحين والإقتداء بالمتقين، بل سيدهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فيكون إقتداؤنا بـ أبي بكر في محبته أو بالنبي ﷺ في تلك الصفات من أعظم الصفات، هذا هو موضع الربط بين سؤال الشيخ سلطان وبين القصة.
ومن أعظم الصفات التي جعلت أبا بكر يحب النبي ﷺ حب النبي ﷺ للناس، وهو ما أكد عليه الشيخ سلطان، وذلك بسبب البشاشة والمودة والمحبة، فمال الناس بقلوبهم إلى رسول الله ﵊ لما رأوا أن هذا النبي يسهر ليناموا، ويعمل ليستريحوا، ويفديهم بروحه وماله، وبين لهم أعظم الطرائق ألا وهو الطريق الموصل إلى الله، فمن اقتدى به فاز، يقول أحد الشعراء الليبيين: وإذا أحب الله باطن عبده ظهرت عليه مواهب الفتاح وإذا صفت لله نية مصلح مال العباد إليه بالأرواح فمن رزق الاقتداء مع صلاح النية أحبه الناس.
стр. 138
هل الإنسان مسير أو مخير
المقدم: الأخ سلطان سأل عن مسألة ولعلها طويلة وهي مسألة: هل الإنسان مسير أو مخير؟ الشيخ: قال النبي ﷺ : (أعزم عليكم ألا تتكلموا في القدر)، فلا يقع شيء إلا إذا أراده الله جل وعلا، فالله جل وعلا جعل للقدر أركاناً: علمه جل وعلا بحصول الشيء، وكتابته له، وخلقه إياه، وإرادته ومشيئته له.
هذه الأربعة هي أركان القدر، والإنسان ثمة أمور لا دخل له فيها كالمصائب، وأما ما يثيب الله جل وعلا عليه ويعاقب فإن الله قال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]، ومع ذلك لن يخرج العبد في ذلك عن مشيئة الله، أسأل الله أن يثبتنا وإياكم على الدين.
стр. 139
معنى قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)
المقدم: سائل من الكويت يسأل عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] الشيخ: كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من خشي الله جل وعلا فهو عالم، فبمقدار ما عصى العبد ربه يسمى جاهلاً، وبمقدار ما اتقى الله جل وعلا يسمى عالماً، قال الحسن ﵀: إنما العلم الخشية، وأعظم الأدلة على العلم بالله جل وعلا الخشية منه ﵎ سبحانه، ولهذا قال جل ذكره: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وإعراب الآية: إنما: أداه حصر.
ويخشى: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة منع من ظهورها التعذر.
ولفظ الجلالة: مفعوله به مقدم للحصر.
ومن جارة.
وعباد: اسم مجرور وهي مضاف، والهاء مضاف إليه.
والعلماء فاعل مؤخر.
ويصبح المعنى: كل من خشي الله جل وعلا فهو عالم بمقدار خشيته، وينجم عن هذا أن كل من عصا الله جل وعلا فهو جاهل بمقدار تلك المعصية، والعلم في ذاته ليس فيه شرف، وإنما الشرف فيما ينجم عن العلم من تقوى الله جل وعلا وخشيته: لو كان في العلم غير التقى شرفاً لكان أشرف خلق الله إبليس والله جل وعلا قد ذكر مثلاً لعالم السوء الذي لا يعمل بما يعلم، وهذا بينه الله جل وعلا كما هو معلوم في سورة المائدة وقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦]، فالمقصود أن خشية الله جل وعلا من أجل القرائن والدلائل على العلم بالله ﵎.
стр. 140
الأمور التي يحتاج إليها الإنسان حتى يكون حكيماً
أشرت قبل إلى الأركان التي تقوم عليها الحكمة وهي: العلم والحلم والأناة، لكن ألاحظ يا شيخ بعض العموم في هذه الأركان، دعنا نخصص الحديث نوعاً ما فنتحدث عن المدركات التي يحتاج إليها المرء لكي يتحلى بهذه الصفات.
стр. 141
معرفة الأشباه والنظائر
الشيخ: هذا سؤال جزاكم الله خيراً في موضعه، فلعل من أعظم المدركات التي من خلالها يصل الإنسان إلى أن يكون حكيماً ولو قليلاً معرفة الأشباه والنظائر، فالإنسان العاقل لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متناقصين، ولهذا فالشرع لا يوجد فيه جمع مابين منتاقضين ولا تفريق مابين متماثلين، فالأشباه والنظائر يساق بعضها إلى بعض، فعلى الإنسان أن يطلع على أحوال العباد، ويقرأ في تاريخ من سبق، فإذا أدلهم به الأمر، ونزلت به نازلة تحتاج إلى تصرف حكيم جمع الأشباه والنظائر فقاس النظير على النظير.
وقد يقول إنسان: أين الدليل من السنة على هذا؟ فسنذكر حديثاً قد لا يكون مشهوراً، فقد أخرج الإمام النسائي في السنن أظنه في كتاب الجهاد حديثاً صححه الألباني رحمة الله تعالى عليه: أنه يختصم عند الله جل وعلا طائفتان: الشهداء المقتولون في المعركة يختصمون مع المتوفين من المؤمنين على فرشهم فيمن مات بالطاعون.
فالقتلى الذين في المعركة يقولون: هؤلاء إخواننا وأجرهم أجرنا؛ لأن جراحهم تشبه جراحنا، فهم لهم جراح، والذين توفوا على فراشهم يقولون: هؤلاء تبع لنا؛ لأنهم مثلنا ماتوا على الفراش ولم يدخلوا المعركة.
فيقول الله جل وعلا لملائكته: انظروا إلى جراحهم.
فينظرون إلى جراح موتى الطاعون فتجد الملائكة أن جراح من يموت بالطاعون كجراح من يموت في المعركة، فيلحقون بالقتلى.
فهذا شاهد على أن النظير يأخذ حكم نظيره، فالذين يتوفون على فرشهم نظروا إلى الظاهر وهو الموت على الفراش، والشهداء الذين ماتوا في المعركة نظروا إلى الباطن، فلما حكم الرب جل وعلا -وهو أصدق الحاكمين- بينهم أمر ملائكته أن ينظروا في الجراح وهي غائرة ليست شيئاً ظاهراً، فوجدوها أقرب إلى القتلى، فألحقوا بهؤلاء، فهذا دليلنا على أن الإنسان حتى يكون حكيماً في تصرفه وقوله وفعله وحكمه، وحتى يكون موافقاً للصواب لابد أن يكون هناك أشباه ونظائر.
ومنها نفهم لماذا الله جل وعلا قص علينا أخبار الأمم السابقة؛ حتى نكون حكماء فنعلم أن النظير يأخذ حكم نظيره، فإذا كانت الأمم التي سلفت قد أهلكت بذنوبها فقطعاً نحن إذا أذنبنا فسنهلك بذنوبنا، وإلا كان لا معنى لوجود ذلك الأصل القرآني، فالله جل وعلا ذكر قصصهم ثم قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠] وذكر السبب، ولهذا أمر الله جل وعلا بالسير في الأرض والنظر في الديار والتأمل في الآثار؛ حتى نأخذ منها العظة، وقد قلنا قبل قليل: إنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يعرض عليهم الصفا ذهباً، فالله جل وعلا قال لنبيه جل وعلا: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩] أي: أن النظير سيأخذ حكم نظيره، فلو جعلنا الصفا ذهباً وكذب بها قومك فالسنة تقضي بأننا سنهلكهم.
إذاً: فهذا هو معنى أن النظير يأخذ حكم نظيره، والإنسان يتأمل، ولذلك حتى في حياتنا اليومية فأحياناً الإنسان في شيء له يطالب به، وقد يقع عليه مثل ذلك الشيء الذي طلبه فيقع عليه واجباً فلا يعطيه، فما دمت قد طلبته لنفسك فمن حق الناس أن تعطيهم حقهم، فهذه سنة لله جل وعلا في خلقه، وصانعوها ومتأملوها ومتدبروها ومن جمعوا الأشباه والنظائر هم الحكماء حقاً بمقدار قربهم من الرب ﵎, هذه أيها المبارك ربما تكون أول المدركات.
стр. 142
معرفة الاختلاف البشري
الثاني: معرفة الاختلاف البشري، فنحن ندرك أن الناس لن يكونوا على سجية واحدة، ونحن لا نريد أن ننطلق من نظريات غربية أو أقوال أدباء أو مؤرخين أو غير ذلك، فنحن كما مثلنا في الأول بالسنة فنمثل هنا بالسنة، فنبينا ﷺ كفانا مؤنة كل شيء بفضل الله.
والنماذج البشرية تختلف، فقد كان هناك عبد اسمه مغيث متزوجاً جارية اسمها بريرة، فكان بمقدار ما يحب مغيثاً بريرة بمقدار ما بريرة تكرهه، فكاتبت سيدها فكاتبوها عملاً بالآية، فلما كاتبوها نالت حريتها، والمرأة إذا نالت حريتها حق لها إن كان زوجها رقيقاً عبداً أن تطلب منه الطلاق.
والمكاتبة أن العبد أو الأمة يدفع مالاً على هيئة أقساط منجماً لسيده، فيتفقان مثلاً على عشرة آلاف ريال، فيدفع كل شهر ألفاً، فيتعب في الفترة هذه ويجمع المال إما من الناس، أو يأخذ من الصدقات، أو يعمل بزيادة، فخلال عشره أشهر مثلاً يبقى عبداً حتى يكمل تلك المكاتبة.
فـ بريرة اتفقت معهم على مبلغ، واستعانت بـ عائشة فأعطتها المبلغ؛ حتى يكون الولاء لها، كما قال ﷺ : (إنما الولاء لمن أعتق)، فنالت حريتها، ولما نالت حريتها حق لها شرعاً الانفصال فاختارت الانفصال، فأخذ مغيث يتبعها، يقول ابن عباس كما في البخاري: كأني أراه يطوف وراءها وهو يبكي ودموعه على لحيته وهي لا تريده.
فقال النبي ﷺ لعمه العباس، والنبي سيد الحكماء، ويعرف معنى اختلاف النماذج البشرية، فقال: يا عباس: (ألا تعجب من حب مغيث بريرة وبغض بريرة مغيثاً)، ثم قال ﷺ : (ألا تراجعيه؟ قالت: يا رسول الله! هل هذا أمر؟ قال: إنما أنا شافع.
قالت: لا حاجة لي به).
والنموذج أنه يوجد رجال لو أن ابنهم أبغضهم تبرءوا منه، ويوجد أبناء لو أن أباهم أبغضهم تبرءوا من أبيهم، بل يوجد كما يقول أظنه أبو الإصبع العدواني: لو أن يمينه نازعته لقطعها، فهو لا يقبل أن أحداً يبغضه.
فأنا أقصد أن هناك تفاوتاً بين الناس، فإذا كنت تعرف أن هناك اختلافاً بين البشر تقبلت ما يصنعه البشر، فالحكيم ينظر للناس كما هم عليه لا كما يريد، أو كشخصيته هو.
والنبي ﷺ يعرف ذلك ولهذا جعل ذلك عنواناً للعجب، وقال لعمه: ألا تعجب، فهذا أمر يدعو إلى العجب رجل يحب امرأة ويكاد يموت ولهاً بها وهي تبغضه، فسبحان الذي جعل في قلب مغيث تلك المحبة لـ بريرة، وجعل في قلب بريرة ذلك البغض لـ مغيث.
لكنني كرجل ناظر للأحداث من حولي لابد أن أعرف أن الناس يختلفون، ثم إذا وجد هذا في مجتمع الصحابة فما بالك بالمجتمعات الأخرى.
إذاً ينجم عن هذا كذلك زيادة فضل في العلم بالناس أنه توجد بعض المشاكل على الحكيم أن يفقه أنها ليس لها حل، فالناس عندما تغيب عنهم الحكمة يغرقون في الجزيئات، فأحياناً تأتينا اتصالات تنص عن شيء معين فأخبره بعجزي عن حل القضية، فيقول: لا، لا تقل: ليس لها حل، ويريدنا ليل نهار نمسي ونصبح في قضية جزئية، فثمة قضايا تتكفل بها الأيام ولا نستطيع أن نفعل لها شيئاً، بدليل أن النبي ﷺ حاول أن يتشفع فلم تقبل بريرة شفاعته، فما الحل إذاً؟ هل نجبرها على ذلك؟ لا، وإنما انفصال انفصال، وعلى مغيث أن يصبر، وهي بالنسبة له مشكلة فعليه أن يبحث لها عن حل، لكن منتهى الأمر أن يتشفع رسول الله ﷺ ، إذاً فثمة أشياء نتركها للأيام وللسنون وللنسيان ولا نغرق فيها إغراقاً يشغلنا عن غيرها.
ثم أحياناً أنت كحكيم قد تبتلى بأناس فيهم عيوب لا يمكن نزعها، فمن الخطأ جداً أن أشغل نفسي فيها، فقد يوجد بعض الدعاة يشغل نفسه بشاب في الحي ليس عنده قضية إلا أن يهتدي هذا الشاب، فالليل والنهار وهو يحاول معه ويقول: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً)، الله يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، فترى في الحي عشرات الشباب غيره، وفي الأمة قضايا كثيرة غير هذه القضية، فلا تجعل نفسك في قضية واحدة ليل ونهار وكأنها هي قضيتك.
وأنا الآن سأخرج إلى باب الأدب، فقد ذكروا أن هارون الرشيد كان له عم كان أثير عنده واسمه العباس بن محمد، وكان يجله هارون، وهارون على اسمه رشيد، وكان هارون يغدق العطايا على العباس بن محمد الذي هو خاله، فسبب كونه يغدق عليه العطايا أصبح رجلاً ذا مال، فجاء أحد الشعراء واسمه ربيعة الرقي وهو من الرقة منطقة أظنها في العراق، فالشاهد أنه كتب فيه أبياتاً خالدة في المدح، قال في آخرها: كأن المكارم لم تزل معقولة حتى حللت براحتيك عقالها فالمقصود أن الأبيات في ذروة المدح، فبعث مع رسول في ذلك الزمن الذي تكثر فيه العطايا بعث بدينارين، فهذه قصيدة من درر القصائد في مدحه يكافئ عليها بدينارين! والآن يستحي الإنسان أن يعطي العامل دينارين، فأعطاه إياها.
فلما جاء الرسول وهو يحمل دينارين للشاعر جُن، فهو يعرف قيمة الأدب وقيمة الشعر، فكتب عليها في الخلف أبياتاً يذم فيها العباس، ويتبرأ من ذلك المدح، ويقول: إنها كذب وافتراء، وأنه لا يستحق ذلك المدح، وأعطى الغلام الدينارين فأوصلهما إليه، فلما وصلت الأبيات التي هجا فيها ربيعة عم هارون الرشيد غضب واشتكاه إلى هارون.
فـ هارون أتى بالشاعر وقال له: هذا عم وتعرف أنه أثير عندي ومنزلته عالية فلم تهجوه؟ قال: يا أمير المؤمنين لقد مدحته بأبيات ما مدح أحد بها، فأصر هارون على أن يسمعها فأسمعها هارون، فلما سمعها هارون تعجب مما فيها من علو كعب في المدح.
فقال: سله يا أمير المؤمنين! كم كافئني عليها؟ فأخذ العباس يحاول أن يضيع القضية ولا يجيب.
فاستحلفه هارون، فحلف بأنهما ديناران، فكاد هارون أن يجن، ثم قال لعمه: واحد من ثلاثة الذي جعلك تهدي على هذه القصيدة دينارين: إما أتيت من قبل مالك، وإما أتيت من قبل أصلك، وإما أتيت من قبل نفسك، فأما من قبل مالك فليس لك عذر؛ فعندك مال، فلست عاجزاً أن تعطيه، وأما من قبل أصلك فأنت من آل البيت، وأصلك لا يدانيه شيء، فما بقي إلا نفسك، فأنت نفسك وضيعة.
فقال له: أما إذا كانت القضية من نفسك فهذه ما فيها حل، فتغير هارون عليه وأصبح لا يقربه، وأعطى الشاعر.
موضوع الشاهد: أنك قد تبتلى أحياناً بأناس في هذا المجتمع فماذا تفعل بهم؟ لا يكون ذلك همك ليل نهار، فمن الحكمة أن تتجنبهم.
стр. 143
كثرت التجارب والخبرات
الملقي: يا شيخ صالح أنت علقت بعض الحلول بمسألة مرور الأيام، فدعني أنظر لهذا الموضوع من زاوية أخرى وهي: كثرة التجارب والخبرات للإنسان، أليس ذلك من شأنه أن يولد عنده شيئاً من الحكمة؟ الشيخ: بلا شك، وهذه قد نجعلها ثالث المدركات.
يقول المتنبي: من عرف الأيام معرفتي بها وبالناس روى رمحه غير راحم فكثرة التجارب تغير من الرأي، فهناك شيء اسمه بادي الرأي، أي: الرأي الأول، لكن التجارب تكون مع طول الأيام، ولذلك يقولون: الأمة تحتاج إلى حماس الشباب، وخبرة الكهول أو تجربة الكهول أو لحكمة الكهول، فكثرة التجارب تغير كثيراً من القناعات، وتبدد كثيراً من النظريات، والنبي ﷺ لما ذم الخوارج قال: (حدثاء الأسنان) أي: قليلو التجارب، فإذا كانت هناك تجارب في الحياة فإنها تجعل الإنسان أكثر حكمة، وكلما كان الإنسان كثير الأسفار، غني التجارب، يخالط الناس بكثرة، كان أقرب إلى تاج الحكمة.
стр. 144
الاستعداد للأمر قبل وقوعه
بقي الاستعداد للأمر قبل وقوعه، وهذه قد تكون هي الحكمة في نفسها، فالاستعداد للأمر قبل وقوعه أمر يدل على أن الإنسان يسير في خطاه سيراً متأملاً سير حكيم، فيعرف الأمر حتى لا يقع في اللوم.
стр. 145
معرفة الرب تعالى والقيام بأمره ودينه
وأعظم من ذلك ما يحتاجه الإنسان من حكمة في معرفة الرب ﵎، فثمة عبادات شرعها الله جل وعلا لعباده، القائمون بها قبل أن ينتهي زمن التكليف يدل ذلك على علو كعبهم في باب الحكمة، وعدم قيامهم بها يدل على بعدهم عن الحكمة.
يقول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣].
إذاً فالحكيم هو من إذا أمر بالسجود سجد، ومن إذا سمع حي على الصلاة حي على الفلاح بادر إلى السجود؛ لأنه سيأتي يوم يأمر الناس فيه بالسجود فمن سجد في الدنيا فإنه في هذا الموقف يستطيع أن يسجد إذا خلصت نيته في الآخرة، ومن لم يحسب هذا الموقف لا يستطيع أن يسجد في الآخرة.
يقول سعيد بن جبير عن أهل القبور: إنهم إذا بعثوا يمسحون الموت عن أعينهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك وهم كفرة؛ لأنهم يقولونها يوم لا ينفعهم ذلك.
فإذا أردنا أن نصف أحداً بأنه حكيم حقاً فلننظر كيف استعد للقاء الله، فمن استعد للقاء الله حقاً بالعمل الصالح التقي النقي دل ذلك على حكمته، ومن أوتي حظاً في حظ الدنيا فهذه حكمة الدنيا، لكن نقول: هذه حكمة نسبية كما أجبنا على إحدى الأخوات في الأول لما قالت: هل يؤتى الكافر الحكمة، والله المستعان.
следующие страницы →