← Джавами‘

Джавами‘ · id 37742

القطوف الدانية

صالح المغامسي

Полный текст (327 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

معرفة الأشباه والنظائر الشيخ: هذا سؤال جزاكم الله خيراً في موضعه، فلعل من أعظم المدركات التي من خلالها يصل الإنسان إلى أن يكون حكيماً ولو قليلاً معرفة الأشباه والنظائر، فالإنسان العاقل لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متناقصين، ولهذا فالشرع لا يوجد فيه جمع مابين منتاقضين ولا تفريق مابين متماثلين، فالأشباه والنظائر يساق بعضها إلى بعض، فعلى الإنسان أن يطلع على أحوال العباد، ويقرأ في تاريخ من سبق، فإذا أدلهم به الأمر، ونزلت به نازلة تحتاج إلى تصرف حكيم جمع الأشباه والنظائر فقاس النظير على النظير. وقد يقول إنسان: أين الدليل من السنة على هذا؟ فسنذكر حديثاً قد لا يكون مشهوراً، فقد أخرج الإمام النسائي في السنن أظنه في كتاب الجهاد حديثاً صححه الألباني رحمة الله تعالى عليه: أنه يختصم عند الله جل وعلا طائفتان: الشهداء المقتولون في المعركة يختصمون مع المتوفين من المؤمنين على فرشهم فيمن مات بالطاعون. فالقتلى الذين في المعركة يقولون: هؤلاء إخواننا وأجرهم أجرنا؛ لأن جراحهم تشبه جراحنا، فهم لهم جراح، والذين توفوا على فراشهم يقولون: هؤلاء تبع لنا؛ لأنهم مثلنا ماتوا على الفراش ولم يدخلوا المعركة. فيقول الله جل وعلا لملائكته: انظروا إلى جراحهم. فينظرون إلى جراح موتى الطاعون فتجد الملائكة أن جراح من يموت بالطاعون كجراح من يموت في المعركة، فيلحقون بالقتلى. فهذا شاهد على أن النظير يأخذ حكم نظيره، فالذين يتوفون على فرشهم نظروا إلى الظاهر وهو الموت على الفراش، والشهداء الذين ماتوا في المعركة نظروا إلى الباطن، فلما حكم الرب جل وعلا -وهو أصدق الحاكمين- بينهم أمر ملائكته أن ينظروا في الجراح وهي غائرة ليست شيئاً ظاهراً، فوجدوها أقرب إلى القتلى، فألحقوا بهؤلاء، فهذا دليلنا على أن الإنسان حتى يكون حكيماً في تصرفه وقوله وفعله وحكمه، وحتى يكون موافقاً للصواب لابد أن يكون هناك أشباه ونظائر. ومنها نفهم لماذا الله جل وعلا قص علينا أخبار الأمم السابقة؛ حتى نكون حكماء فنعلم أن النظير يأخذ حكم نظيره، فإذا كانت الأمم التي سلفت قد أهلكت بذنوبها فقطعاً نحن إذا أذنبنا فسنهلك بذنوبنا، وإلا كان لا معنى لوجود ذلك الأصل القرآني، فالله جل وعلا ذكر قصصهم ثم قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠] وذكر السبب، ولهذا أمر الله جل وعلا بالسير في الأرض والنظر في الديار والتأمل في الآثار؛ حتى نأخذ منها العظة، وقد قلنا قبل قليل: إنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يعرض عليهم الصفا ذهباً، فالله جل وعلا قال لنبيه جل وعلا: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩] أي: أن النظير سيأخذ حكم نظيره، فلو جعلنا الصفا ذهباً وكذب بها قومك فالسنة تقضي بأننا سنهلكهم. إذاً: فهذا هو معنى أن النظير يأخذ حكم نظيره، والإنسان يتأمل، ولذلك حتى في حياتنا اليومية فأحياناً الإنسان في شيء له يطالب به، وقد يقع عليه مثل ذلك الشيء الذي طلبه فيقع عليه واجباً فلا يعطيه، فما دمت قد طلبته لنفسك فمن حق الناس أن تعطيهم حقهم، فهذه سنة لله جل وعلا في خلقه، وصانعوها ومتأملوها ومتدبروها ومن جمعوا الأشباه والنظائر هم الحكماء حقاً بمقدار قربهم من الرب ﵎, هذه أيها المبارك ربما تكون أول المدركات.

стр. 142

معرفة الاختلاف البشري الثاني: معرفة الاختلاف البشري، فنحن ندرك أن الناس لن يكونوا على سجية واحدة، ونحن لا نريد أن ننطلق من نظريات غربية أو أقوال أدباء أو مؤرخين أو غير ذلك، فنحن كما مثلنا في الأول بالسنة فنمثل هنا بالسنة، فنبينا ﷺ كفانا مؤنة كل شيء بفضل الله. والنماذج البشرية تختلف، فقد كان هناك عبد اسمه مغيث متزوجاً جارية اسمها بريرة، فكان بمقدار ما يحب مغيثاً بريرة بمقدار ما بريرة تكرهه، فكاتبت سيدها فكاتبوها عملاً بالآية، فلما كاتبوها نالت حريتها، والمرأة إذا نالت حريتها حق لها إن كان زوجها رقيقاً عبداً أن تطلب منه الطلاق. والمكاتبة أن العبد أو الأمة يدفع مالاً على هيئة أقساط منجماً لسيده، فيتفقان مثلاً على عشرة آلاف ريال، فيدفع كل شهر ألفاً، فيتعب في الفترة هذه ويجمع المال إما من الناس، أو يأخذ من الصدقات، أو يعمل بزيادة، فخلال عشره أشهر مثلاً يبقى عبداً حتى يكمل تلك المكاتبة. فـ بريرة اتفقت معهم على مبلغ، واستعانت بـ عائشة فأعطتها المبلغ؛ حتى يكون الولاء لها، كما قال ﷺ : (إنما الولاء لمن أعتق)، فنالت حريتها، ولما نالت حريتها حق لها شرعاً الانفصال فاختارت الانفصال، فأخذ مغيث يتبعها، يقول ابن عباس كما في البخاري: كأني أراه يطوف وراءها وهو يبكي ودموعه على لحيته وهي لا تريده. فقال النبي ﷺ لعمه العباس، والنبي سيد الحكماء، ويعرف معنى اختلاف النماذج البشرية، فقال: يا عباس: (ألا تعجب من حب مغيث بريرة وبغض بريرة مغيثاً)، ثم قال ﷺ : (ألا تراجعيه؟ قالت: يا رسول الله! هل هذا أمر؟ قال: إنما أنا شافع. قالت: لا حاجة لي به). والنموذج أنه يوجد رجال لو أن ابنهم أبغضهم تبرءوا منه، ويوجد أبناء لو أن أباهم أبغضهم تبرءوا من أبيهم، بل يوجد كما يقول أظنه أبو الإصبع العدواني: لو أن يمينه نازعته لقطعها، فهو لا يقبل أن أحداً يبغضه. فأنا أقصد أن هناك تفاوتاً بين الناس، فإذا كنت تعرف أن هناك اختلافاً بين البشر تقبلت ما يصنعه البشر، فالحكيم ينظر للناس كما هم عليه لا كما يريد، أو كشخصيته هو. والنبي ﷺ يعرف ذلك ولهذا جعل ذلك عنواناً للعجب، وقال لعمه: ألا تعجب، فهذا أمر يدعو إلى العجب رجل يحب امرأة ويكاد يموت ولهاً بها وهي تبغضه، فسبحان الذي جعل في قلب مغيث تلك المحبة لـ بريرة، وجعل في قلب بريرة ذلك البغض لـ مغيث. لكنني كرجل ناظر للأحداث من حولي لابد أن أعرف أن الناس يختلفون، ثم إذا وجد هذا في مجتمع الصحابة فما بالك بالمجتمعات الأخرى. إذاً ينجم عن هذا كذلك زيادة فضل في العلم بالناس أنه توجد بعض المشاكل على الحكيم أن يفقه أنها ليس لها حل، فالناس عندما تغيب عنهم الحكمة يغرقون في الجزيئات، فأحياناً تأتينا اتصالات تنص عن شيء معين فأخبره بعجزي عن حل القضية، فيقول: لا، لا تقل: ليس لها حل، ويريدنا ليل نهار نمسي ونصبح في قضية جزئية، فثمة قضايا تتكفل بها الأيام ولا نستطيع أن نفعل لها شيئاً، بدليل أن النبي ﷺ حاول أن يتشفع فلم تقبل بريرة شفاعته، فما الحل إذاً؟ هل نجبرها على ذلك؟ لا، وإنما انفصال انفصال، وعلى مغيث أن يصبر، وهي بالنسبة له مشكلة فعليه أن يبحث لها عن حل، لكن منتهى الأمر أن يتشفع رسول الله ﷺ ، إذاً فثمة أشياء نتركها للأيام وللسنون وللنسيان ولا نغرق فيها إغراقاً يشغلنا عن غيرها. ثم أحياناً أنت كحكيم قد تبتلى بأناس فيهم عيوب لا يمكن نزعها، فمن الخطأ جداً أن أشغل نفسي فيها، فقد يوجد بعض الدعاة يشغل نفسه بشاب في الحي ليس عنده قضية إلا أن يهتدي هذا الشاب، فالليل والنهار وهو يحاول معه ويقول: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً)، الله يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، فترى في الحي عشرات الشباب غيره، وفي الأمة قضايا كثيرة غير هذه القضية، فلا تجعل نفسك في قضية واحدة ليل ونهار وكأنها هي قضيتك. وأنا الآن سأخرج إلى باب الأدب، فقد ذكروا أن هارون الرشيد كان له عم كان أثير عنده واسمه العباس بن محمد، وكان يجله هارون، وهارون على اسمه رشيد، وكان هارون يغدق العطايا على العباس بن محمد الذي هو خاله، فسبب كونه يغدق عليه العطايا أصبح رجلاً ذا مال، فجاء أحد الشعراء واسمه ربيعة الرقي وهو من الرقة منطقة أظنها في العراق، فالشاهد أنه كتب فيه أبياتاً خالدة في المدح، قال في آخرها: كأن المكارم لم تزل معقولة حتى حللت براحتيك عقالها فالمقصود أن الأبيات في ذروة المدح، فبعث مع رسول في ذلك الزمن الذي تكثر فيه العطايا بعث بدينارين، فهذه قصيدة من درر القصائد في مدحه يكافئ عليها بدينارين! والآن يستحي الإنسان أن يعطي العامل دينارين، فأعطاه إياها. فلما جاء الرسول وهو يحمل دينارين للشاعر جُن، فهو يعرف قيمة الأدب وقيمة الشعر، فكتب عليها في الخلف أبياتاً يذم فيها العباس، ويتبرأ من ذلك المدح، ويقول: إنها كذب وافتراء، وأنه لا يستحق ذلك المدح، وأعطى الغلام الدينارين فأوصلهما إليه، فلما وصلت الأبيات التي هجا فيها ربيعة عم هارون الرشيد غضب واشتكاه إلى هارون. فـ هارون أتى بالشاعر وقال له: هذا عم وتعرف أنه أثير عندي ومنزلته عالية فلم تهجوه؟ قال: يا أمير المؤمنين لقد مدحته بأبيات ما مدح أحد بها، فأصر هارون على أن يسمعها فأسمعها هارون، فلما سمعها هارون تعجب مما فيها من علو كعب في المدح. فقال: سله يا أمير المؤمنين! كم كافئني عليها؟ فأخذ العباس يحاول أن يضيع القضية ولا يجيب. فاستحلفه هارون، فحلف بأنهما ديناران، فكاد هارون أن يجن، ثم قال لعمه: واحد من ثلاثة الذي جعلك تهدي على هذه القصيدة دينارين: إما أتيت من قبل مالك، وإما أتيت من قبل أصلك، وإما أتيت من قبل نفسك، فأما من قبل مالك فليس لك عذر؛ فعندك مال، فلست عاجزاً أن تعطيه، وأما من قبل أصلك فأنت من آل البيت، وأصلك لا يدانيه شيء، فما بقي إلا نفسك، فأنت نفسك وضيعة. فقال له: أما إذا كانت القضية من نفسك فهذه ما فيها حل، فتغير هارون عليه وأصبح لا يقربه، وأعطى الشاعر. موضوع الشاهد: أنك قد تبتلى أحياناً بأناس في هذا المجتمع فماذا تفعل بهم؟ لا يكون ذلك همك ليل نهار، فمن الحكمة أن تتجنبهم.

стр. 143

كثرت التجارب والخبرات الملقي: يا شيخ صالح أنت علقت بعض الحلول بمسألة مرور الأيام، فدعني أنظر لهذا الموضوع من زاوية أخرى وهي: كثرة التجارب والخبرات للإنسان، أليس ذلك من شأنه أن يولد عنده شيئاً من الحكمة؟ الشيخ: بلا شك، وهذه قد نجعلها ثالث المدركات. يقول المتنبي: من عرف الأيام معرفتي بها وبالناس روى رمحه غير راحم فكثرة التجارب تغير من الرأي، فهناك شيء اسمه بادي الرأي، أي: الرأي الأول، لكن التجارب تكون مع طول الأيام، ولذلك يقولون: الأمة تحتاج إلى حماس الشباب، وخبرة الكهول أو تجربة الكهول أو لحكمة الكهول، فكثرة التجارب تغير كثيراً من القناعات، وتبدد كثيراً من النظريات، والنبي ﷺ لما ذم الخوارج قال: (حدثاء الأسنان) أي: قليلو التجارب، فإذا كانت هناك تجارب في الحياة فإنها تجعل الإنسان أكثر حكمة، وكلما كان الإنسان كثير الأسفار، غني التجارب، يخالط الناس بكثرة، كان أقرب إلى تاج الحكمة.

стр. 144

الاستعداد للأمر قبل وقوعه بقي الاستعداد للأمر قبل وقوعه، وهذه قد تكون هي الحكمة في نفسها، فالاستعداد للأمر قبل وقوعه أمر يدل على أن الإنسان يسير في خطاه سيراً متأملاً سير حكيم، فيعرف الأمر حتى لا يقع في اللوم.

стр. 145

معرفة الرب تعالى والقيام بأمره ودينه وأعظم من ذلك ما يحتاجه الإنسان من حكمة في معرفة الرب ﵎، فثمة عبادات شرعها الله جل وعلا لعباده، القائمون بها قبل أن ينتهي زمن التكليف يدل ذلك على علو كعبهم في باب الحكمة، وعدم قيامهم بها يدل على بعدهم عن الحكمة. يقول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣]. إذاً فالحكيم هو من إذا أمر بالسجود سجد، ومن إذا سمع حي على الصلاة حي على الفلاح بادر إلى السجود؛ لأنه سيأتي يوم يأمر الناس فيه بالسجود فمن سجد في الدنيا فإنه في هذا الموقف يستطيع أن يسجد إذا خلصت نيته في الآخرة، ومن لم يحسب هذا الموقف لا يستطيع أن يسجد في الآخرة. يقول سعيد بن جبير عن أهل القبور: إنهم إذا بعثوا يمسحون الموت عن أعينهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك وهم كفرة؛ لأنهم يقولونها يوم لا ينفعهم ذلك. فإذا أردنا أن نصف أحداً بأنه حكيم حقاً فلننظر كيف استعد للقاء الله، فمن استعد للقاء الله حقاً بالعمل الصالح التقي النقي دل ذلك على حكمته، ومن أوتي حظاً في حظ الدنيا فهذه حكمة الدنيا، لكن نقول: هذه حكمة نسبية كما أجبنا على إحدى الأخوات في الأول لما قالت: هل يؤتى الكافر الحكمة، والله المستعان.

стр. 146

الآثار الجانبية عندما يفتقد العلماء والدعاة الحكمة أحد المتصلين يقول: ما هي الآثار الجانبية التي تؤثر على عامة الناس عندما يفتقد العلماء والدعاة الحكمة؟ ولعلي أجمع بينه وبين سؤال بعض المتصلين كما ذكرت الآية: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. الشيخ: الإنسان بقدر تأثيره في الناس يكون لخطئه أثر فيهم بقدر ذلك، يعني: إذا كان الإنسان قدوة أو أسوة وهو متبع ووقع في خطأ فإن أثر ذلك الخطأ يكون على الناس بقدر اتباعهم له، ولهذا فعلى كل من له صوت مسموع إعلامياً أو وعظياً أو له محراب أو له منبر أن يتقي الله فيمن يسمعه، وألا يعتبر أنه يمشي وحده، وألا يجازف بالناس ويتكلم كلاماً غير مسئول، وأن ينظر في عواقب الأمور؛ فإن الأمة أحوج ما تكون إلى من يرأب صدعها، ويلم شعثها، وأن تعطى الصورة الحسنة المثلى عن الدين، فالدين أعظم أمانة نحملها في أعناقنا، والإنسان لا ينظر إلى مصلحته الشخصية بل يتأسى بالحكمة كما فعل الأنبياء، وليس المهم ما يقوله الغلمان والشبان والولدان والناس عنك بعد خروجهم، بل المهم ما الذي يكتبه الملكان، فالإنسان ينبغي عليه أن يكون حكيماً ينظر إلى مصلحة الدين قبل أن ينظر إلى نفسه. والآثار الجانبية التي ذكرها أبو عبير وفقه الله تبقى قاتلة إن كان الخطأ شائعاً ذائعاً استمع الناس له كثيراً، فتأسوا به واقتنعوا به، لعلو صوت أو غيره. والأخت أم محمد ذكرت قضية -الظاهر- علو الصوت، وعلو الصوت لا يقدم ولا يؤخر، نعم كان النبي ﷺ كأنه منذر جيش، وبعض الوعاظ وفقنا لله وإياهم لكل خير وهدانا الله وإياهم سواء السبيل يصرخون صريخ، وهذا لا يقدم ولا يؤخر، ولهذا جاء في وصايا لقمان: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] يعني: لو كان لعلو الصوت دور لكان صوت الحمار أكمل، لكن القضية في المعنى، وأما ما جاء في الأحاديث: (كأنه منذر جيش) فهذا يمثل الهيئة، ثم إن بعض الألفاظ قد يحصل معها رفع الصوت، ثم إن ما يسمى بالمايكات الآن قد أغنت كثيراً عن رفع الصوت. فالمقصود من هذا أن الإنسان يعرض ما عنده بهدوء وبيقين وبخطى واثقة حتى يصل لمقصوده.

стр. 147

الكلام عن حياة البرزخ أشرت يا شيخ أنت في المدركات إلى مسألة الاستعداد للأمر قبل وقوعه، فأحد المتصلين طلب منكم قبل ذلك كلاماً عن حياة البرزخ، لعل أيضاً هذا مما يتصل بالحكمة. الشيخ: حياة البرزخ حياة بين دارين، قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]، وقد أخبر الله جل وعلا ورسوله ﷺ كثيراً عنها، وهي تحمل في طياتها الكثير مما لا نعلمه، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، فالقبور ظاهرها واحد وخفاياها الله أعلم بها، فثمة أناس ينعمون وثمة أناس يعذبون، والعذاب والنعيم يقع على الروح والجسد، ولا نعرف نحن كنهه ولا كيفيته على الوجه الأكمل؛ لأن الله غيبه عنا، لكن الله أطلعنا على أن هناك حياة برزخية ينعم فيها من ينعم؛ حتى يصبح مشتاقاً إلى نعيم الله، فيقول: رب أقم الساعة، ويعذب فيها من يعذب؛ حتى يخاف مما هو قادم، ويقول: رب لا تقم الساعة.

стр. 148

حكم صيام المرأة بغير إذن زوجها المقدم: وسألت بعدها عن صيام المرأة بغير إذن زوجها. الشيخ: الصيام صحيح لكن كان الأفضل أن تستأذن، فلو أمرها بالإفطار أفطرت، لكن لو صامت دون نهي منه فصيامها صحيح. المقدم: هل لها أن تصوم مع غيابه غالب اليوم خارج المنزل؟ الشيخ: إيه لها أن تصوم، لكن تستأذنه أفضل.

стр. 149

انقطاع الوحي بعد وفاة رسول الله الملقي: هل نزل الوحي على أحد؟ انقطع الوحي بوفاة النبي ﷺ إجماعاً.

стр. 150

تعدد معاني الحكمة في القرآن الملقي: بعضهم يسأل عن الحكمة هل تختلف معانيها في القرآن؟ الشيخ: هذا المصطلح يختلف، فتأتي أحياناً بمعنى ما ذكرناه، وأحياناً بمعنى السنة، وهذا بحسب القائل.

стр. 151

الفرق بين الفراسة والحكمة الملقي: إحدى الأخوات تسأل عن الفرق بين الفراسة والحكمة؟ الشيخ: الفراسة هي أمر ظهرت له دلائل وقرائن فعرفها الرجل، لكن الحكمة أوسع من قضية الفراسة، فالفراسة أن يتفرس الإنسان في شخص لا يعرفه فيقع منه قول فيه، مثل تفرس عزيز مصر في يوسف عليه الصلاة السلام. وأما الحكمة فبابها أكمل وأكبر من قضية الفراسة.

стр. 152

ما ورد من أن من حافظ على تكبيرة الإحرام أربعين يوماً أوتي الحكمة الملقي: ما ورد في أن من حافظ على تكبيرة الإحرام أربعين يوماً أوتي الحكمة. الشيخ: لا أعلم أن هذا الحديث بهذا اللفظ صحيح، لكن المعنى صحيح أن إنساناً إذا عكسناه يعني تحافظ على تكبيرة الإحرام هذا حكيم؛ لأنه أستعد لآخرته، لكن لا أعلم أن النبي ﷺ قال: إن من حافظ على تكبيرة الإحرام أربعين يوماً رزق الحكمة، لا أعلم حديثاً بهذا اللفظ.

стр. 153

معنى الخير الكثير في قوله تعالى: (فقد أوتي خيراً كثيراً) المقدم: إحدى الأخوات تسأل عن الخير الكثير في الآية: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩]. الشيخ: المقصود أن الحكمة من الخير الكثير، يعني: من أعطاه الله الحكمة فقد أعطاه خيراً كثيراً، وتعبير القرآن بأنه خير كثير بمعنى توفيق عظيم للصالحات من الأعمال، وبخيري الدنيا والآخرة.

стр. 154

أساليب اكتساب المرأة للحكمة المقدم: ما هي أساليب اكتساب المرأة للحكمة؟ الشيخ: المرأة في هذا مثل الرجل، وهذا بيناه في الأول.

стр. 155

كيفية التعامل مع المصائب المقدم: ثم سألت عن استقبال المصائب وكأنها هدية من الله. الشيخ: يتعامل الإنسان مع المصائب تعامل من يفتقر إلى الله، فلا يوجد أحد يفرح بالمصيبة، فالنبي ﷺ أصيب بمقتل حمزة فحزن، وأصيب بموت إبراهيم فحزن، ودمعت عينه، وحزن قلبه، لكنه أسلم نفسه لله، وأما إنسان يضحك إن جاءته مصيبة فهذا لا يعقل، ولا يسمى هذا من الحكمة، وكونه هدية من الله قد يقولها قائل لأحد يسلي عنه، لكن الإنسان يتعامل مع ما يأتيه من المصائب باحتساب، وإذا كانت المصائب لا تحزن ولا تؤثر في القلب فعلى ماذا يؤجر؟! لكن لما كان لها أثر في القلب كان الثواب والأجر مع الصبر والاحتساب. ثم إن الإنسان رغم ذلك الحزن الذي يصيبه يصبر ويحتسب ويرضى بقضاء الله جل وعلا وقدره، والرضا منزلة عظيمة هنا، وبعد ذلك يؤجر عليها، وأما أن الإنسان يأخذها كنوع من العبث فهذا ليس من الحكمة ولا من العقل في شيء.

стр. 156

أهم الكتب التي ذكرت الحكمة المقدم: أخت تسأل عن أهم الكتب التي ذكرت فيها مشاهير أقوال الحكماء؟ الشيخ: القرآن والسنة ذكرت فيهما الحكمة، وأما من الكتب الأدبية فلو رجعت إلى الكامل للمبرد فإنك تجد فيه كثيراً من أقوال الحكماء.

стр. 157

العمر الذي تكتمل فيه الحكمة المقدم: يقول بعض الإخوة: إن الحكمة لا تأتي إلا بعد الأربعين. الشيخ: هي تكتمل في ذلك السن، ومن الصعب أن يكون الإنسان حكيماً وهو صغير، فقد يكون فيه شيء من الحكمة، لكن التجارب كما قلنا لها دور، والتجارب لابد لها من طول زمان، فإذا وجدت تجارب وخبرات، وكبرت سن المرء، وكان ذا وعي وإدراك رزق الحكمة بكمالها وتمامها، وقد قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف:١٥].

стр. 158

ذكر بعض الحكماء الملقي: إن المتتبع للتاريخ يجد أسماء كبيرة جداً فيما يتعلق بالحكمة، ووصفت بهذه الحكمة، والنماذج كثيرة، ولعل الوقت يسمح بعرض أهمها. الشيخ: نبدأ بلقمان ﵇، قال الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان:١٢]، وقد اختلف في نبوته، والأشهر أنه عبد صالح وليس من الأنبياء على الأظهر والأصح، والعلم عند الله. ولقمان ذكر لله جل علا نتفاً من وصاياه؛ حتى يبين لنا كيف حكم على لقمان بأنه حكيم، فترتيب الأولويات من دلائل الحكمة، وكيف يوصي الإنسان ابنه من دلائل الحكمة. فالله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فبدأ بأعظم الوصايا وهي النهي عن الشرك، فلا يوجد مفسدة أعظم من الشرك، فنهى لقمان ابنه عن أعظم المفاسد وحذره منها وهي الشرك بالله، والله جل وعلا لما ذكر الحكمة في كتابه العظيم قرنها بالبعد عن الشرك، وقد قلنا: إن المراغي رحمه لله قال: إن التوحيد رأس الدين ورأس الحكمة. فالله جل وعلا أيها المبارك! في سورة الإسراء تمهيداً لهجرة نبيه حذرهم من الشرك، فقال في آيتين بينهما بعض الآيات، قال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]. فالقعود في لغة القرآن وصف للعجز، فالله يقول: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور:٦٠]، عجز جمع عجوز إن صح الجمع، ويقول: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] لماذا قاعدون؟ لأن فيهم عجز عن الجهاد، فالله يقول لنبيه تحذيراً دنيوياً: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]، ثم قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، وأتى بعدة وصايا، ثم قال: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء:٣٩] أي: تلك الآداب التي علمناك إياها. ثم قال: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]، فالآن ذكر العقاب الأخروي، نذكر في الأول العقاب الدنيوي: (مذموماً مخذولاً) وفي الآخر ذكر العقاب الأخروي: (ملوماً مدحوراً)، وهذه الأربع كلها ناجمة عن الشرك بالله الذي جعله لقمان في مقدمة وصاياه يوم قال لابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. ثم تدرج لقمان في وصاياه: فذكر الصلاة، وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر كوارث الدنيا فقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]، ودعاه إلى التودد للناس والتحبب إليهم وعدم التعالي عليهم: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان:١٨]، فبين له كل هذه الطرائق، وتلاحظ عدم الإغراق في الجزئيات، وإنما بدأ بما يتعلق بالله، ثم انتهى إلى الأمور التي هي أقل شأناً وهي الحديث مع الناس وألا يكون فيه رفع صوت. فترتيب تلك الوصايا يدل على ما أوتيه لقمان ﵇ من الحكمة. وقد ذكرنا عدد من الصفات: مذموماً، مخذولا، ملوماً، مدحوراً، وقد ذكرها الله في سورة الإسراء، فالتفريق بين هذه الصفات كالآتي: يقول الله: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢] فالمذموم هو من يقال له: ما فعلته قبيح، أي: يخبر بعد فعله أن ما فعلته قبيح، والمخذول هو الضعيف الذي لا ناصر له، وإذا تخلى الله عن أحد فهو مخذول, وأما الملوم: فهو الذي يقال له: لم فعلت كذا؟ وأما المدحور: فهو المطرود المبعد.

стр. 159

الحكماء في الأدب والشعر والسياسة الملقي: ننتقل يا شيخ إلى ما يتعلق بالشعر والأدب، فالتاريخ مليء بكثير من الحكماء منهم، حتى إن بعض الأبيات أصبحت حكماً مشهورة بين الناس، ومن هؤلاء المعري والمتنبي وأسماء أخرى لعلك ستذكرها. الشيخ: كما ذكرتم المعري والمتنبي قامتان أدبيتان رفيعتان أدبياً، وليسا قدوة، فالتجارب حنكتهما، فـ المعري سمي نفسه رهين المحبسين، ويقصد حبسه نفسه في بيته مع العمى، فقد أصيب بالجدري على ما يذكرون فعمي، ثم رحل إلى مواطن العلم آنذاك حتى وصل إليها، فجمع علماً ثم عاد إلى مقره في المعرة وإليها ينسب، وهناك أخذ يدرس ويملي، وله كتب شهيرة منها: سقط الزند، ومنها: معجز أحمد، هو شرح لديوان المتنبي. والمتنبي قبله زمناً، وقد كان طالب سياسة وطالب كرسي بتعبير أصح، ولم ينله، وقد خاض تجارب عدة صقلت حياته، لكنه رغم ما أعطاه الناس من أبيات حملت معنى الحكمة إلا أنه لو كان حكيماً موفقاً لنال مقصوده، لكنني أقول بوضوح: المتنبي على كثرة حب الناس له لم يعط الحكمة في نفسه وإن كان قد قالها، فنعم قد قال أبياتاً جرت مجرى المثل بين الناس، كقوله: أنا الغريق فما خوفي من البلل وله أبيات عديدة لا تحصى في قضية الحكمة، وكذلك المعري يقول: خفف الوطء ما أظن الـ أرض من هذه الأحساد سر إن اسطعت في الهواء رويداً لا اختيالاً على رفات العباد في قصيدة مشهورة أولها: غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شادي والعجز فيما يظهر لي في المشترك بينهما هو الذي أعطاهما الحكمة. فـ المتنبي لا يعقل إن أحداً يطلب ملكاً وأمارة وجاهاً وهو رافع الرأس؛ لأن الرأس إذا رفع قلم، فهو أراد أن ينافس سيف الدولة ولا ينشد عنده إلا وهو قاعد ولا يقوم كما يقوم الشعراء، ويقول بين يدي سيف الدولة: الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم وهو نفسه يقول لـ سيف الدولة ينصحه: ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده تصيده الضرغام فيما تصيدا يعني: لا يوجد عاقل يستعمل رجلاً قوياً أقوى منه؛ لأنه سينقلب عليه، فالله عليك تسدي إليه نصيحة كهذه وتريد منه أن يعطيك أمارة! فهذا لا يعقل. ثم لما ذهب إلى كافور مدح كافوراً وأثنى عليه وأخذ يبجله، وكافور كان موفقاً يقولون: كان فيه كثير من الصلاح، فقال: هذا وهو شاعر فكيف لو أخذ إمارة!! فلم يكن المتنبي يعرف الطريقة المثلى ليحقق مقصودة. وأما المقصود الأخروي فما ذكروا عنه ديناً، وإنما ذكروا عنه ولعه بالدنيا، وها هو لم يستطع أن يحصل منه شيئاً، رغم أن الناس حصلوا من تجربة المتنبي التي ضمنها شعره على فوائد كثيرة. والمعري أضر به كونه كفيفاً، فانقلب حاله إلى نظرة تشاؤمية، وأبى أن يتزوج، وهذا ضعف، ويقولون: إنه أوصى أن يكتب على قبره: هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد ويقولون: إنه تجنب أن يأكل اللحوم وما أشبه ذلك، وهذا سبب نظراته التشاؤمية رغم أنه له أبيات شهيرة في الحكمة، وعلى العموم فالتاريخ أدبياً وسياسياً عرف أناساً حكماء. وقد قرأت مرة في سيرة السادات الرئيس المصري رحمة الله عليه، وهذا من دلائل الحكمة فمن ترجموا له وعاصروه يقولون: إنه كان إذا جاءه الريح أو الإعصار يطرق لها رأسه، وهذا من العقل؛ لأن الإنسان إذا واجه الإعصار كسر، وهلله الإعصار وانتهى، لكن إذا أطرق رأسه مر الإعصار، ثم يقوم الإنسان من جديد فيستمر، والنبي ﷺ يقول: (لأن تهدم الكعبة أهون عند الله من قتل مسلم) رغم أن الكعبة بيت الله؛ لأن الكعبة لو هدمت فإنها تبنى، لكن المسلم إذا قتل فلا سبيل إلى إعادة جسده، فعندما يكون الإعصار أو الشدائد قوية فلا بأس أن ننحني مادام أنه ليس انحناء عقدياً، حتى نقوم بعد ذلك ونكمل المسير، وهذا من الحكمة. الملقي: هذا الانحناء يا شيخ ليس على إطلاقه، وإنما يكون في بعض المواقف. الشيخ: هو أصلاً لا يسمى انحناء بالمعنى الحرفي، لكن الإنسان الحماسي يسميه انحناء ويقول: هذا خوف وهذا جبن، لا هذا ليس خوفاً ولا جبناً، وإنما هذا من الحكمة، ولذلك فالأمر كما قال المتنبي: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني وسيد الخلق المعصوم من أذى الناس بنى خندقاً؛ حتى يتقي به شر الكفرة، فلا يأتينا أحد يجازف بالأمة في المهالك، ولبس درعين ﷺ يوم أحد.

стр. 160

الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها الملقي: يا شيخ الحكمة ضالة المؤمن، فأنى وجدها فهو أحق بها، فبماذا تعلق على هذا؟ الشيخ: هذا الأثر من دلائل حكمة التشريع، فعلى الإنسان أن يربي في أتباعه الوصول إلى الكمال، ومن تربية الناس على الوصول إلى الكمال ألا يأنفوا أن يأخذوا الفائدة من أي أحد ما دام لا ينجم عن ذلك ضرر في عقيدته، ولهذا شرع الله لنا أن نقرأ وننظر في أخبار الغابرين وأوائل الناس رغم أنهم كفرة، وأن نستقي كل خبر طيب، والله جل وعلا أثبت هذا في كتابه، قال الله جل وعلا على لسان بلقيس: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤] فصدقها الله بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤]، وقال الله جل وعلا عن كفار قريش وهم عبده أصنام ويعكفون على الأوثان قال عنهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨] فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨]، فقبل الله منهم قولهم: وجدوا عليها آباءنا؛ لأنهم في قولهم ذلك كانوا صادقين، فقبل الله جل وعلا قولهم. والمقصود أن العاقل لا يجعل بينه وبين المعرفة حجاباً، ويبحث عنها أينما وجدها فهو أحق بها؛ لأنه أفضل وأقرب من الدنو إلى الكمال.

стр. 161

تفسير حديث: (الإيمان يمان والحكمة يمانية) أحد الإخوة أرسل قبل الحلقة ويتساءل عن تفسير حديث: (الإيمان يمان، والحكمة يمانية). الشيخ: إيه النبي ﷺ أثنى على أهل اليمن وقال (الإيمان يمان والحكمة يمانية، أتاكم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً)، (والحكمة يمانية) يقصد ﵊ أن الحكمة فيهم ظاهرة، وأن ثمة أناساً منهم عرفوا بالحكمة وحسن التصرف، وهذه شهادة نبوية لا نستطيع أن ندفعها، بل ينبغي أن نقرها فهي من الإيمان بالله ورسوله ﷺ ، وقد بالغ بعض العلماء في هذا مثل الشوكاني لكنه استدرك. فالذي يعنينا أن هذه البلاد بارك الله فيها، وسمي الركنان اليمانيان بهذا الاسم لتوجهما إلى اليمن، والنبي ﷺ كان له أصحاب من اليمن أرق أفئدة، وألين قلوباً كـ أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه.

стр. 162

الحكمة التي تمثلها الشيخ المغامسي في حياته الملقي: لعلي أختم يا شيخ بسؤال ورد إلى فريق العمل تقول السائلة: ما هي الحكمة التي تمثلها الشيخ صالح في حياته؟ الشيخ: كل خير لا يطلب إلا من الله، وكل نقمة لا تدفع إلا بالله، أسأل الله أن يحييني على هذا ويميتني عليه. لا يسعني في نهاية المطاف إلا أن أشكر الله أن هيأ لنا هذا اللقاء، كما أسأله تعالى أن يرزقنا جميعاً الحكمة، ثم أشكر فضيلة الشيخ على مشاركته، وعلى تكبده عناء السفر فجزاكم الله خيراً شيخ صالح. والشكر موصول لكم أيها الأحبة: أولاً الإخوة الذين تابعونا على موقع البث الإسلامي، وموقع المسك. فأشكركم على طيب متابعتكم، وتحية طيبة من فريق العمل. وأيضاً أشكر الإخوة الذين أعلنوا في موقع صيد الفوائد عن هذه الحلقة. والشكر لجميع المشاهدين والمشاهدات الذين أكرمونا بهذه المتابعة الغالية من وقتهم، وأسأل الله أن يحقق لنا جميعاً الفائدة والمتعة من هذا اللقاء.

стр. 163

سلسلة القطوف الدانية - ثنائيات ورد ذكرها في الكتاب والسنة كان أول من شرع القتل وسنه قابيل ابن آدم ﵇، فقد دب الحسد في قلبه لأخيه هابيل فقتله، فبعث الله إليه غراباً من الفواسق؛ ليعلمه كيفية دفن أخيه، وليعلمه كذلك أنه دخل في مرتبة الفسق، وقد أخبر النبي ﷺ : بأن كل نفس تقتل فعلى قابيل كفل منها، وقد تطرق الشيخ إلى مسائل الثنائيات القرآنية، وذكر بعض اللطائف الشائعة في القرآن الكريم.

стр. 164

جريمة القتل الأولى في تاريخ الأرض الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا معبود سواه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فنستعين بالله جل وعلا وهو المستعان ونقول: إن الله جل وعلا قال لنبيه في سورة المائدة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] إلى آخر الآيات. قوله: ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ [المائدة:٢٧] كما أخبر الله جل وعلا في ظاهر القرآن الذي عليه جماهير أهل العلم: أنهما أبناء آدم لصلبه، وفي رواية عن الحسن: أنهما من بني إسرائيل وهذا بعيد؛ لأنه بعيد أن يكون الناس قد امتد بهم الدهر إلى بني إسرائيل، ولا يعرف أحدهم كيف يفعل بأخيه إذا قتله، أو أن يجهلوا أمر قبره. فعلى هذا الذي عليه الكافة: أنهما أبناء آدم من صلبه، والله جل وعلا أراد لأبينا آدم أن يكون أباً للبشر، وحتى يكون أباً للبشر لابد أن تتناسل الذرية، وحتى يكون هناك تناسل في الذرية لابد من التزاوج، فكانت حواء تحمل في كل بطن ذكراً وأنثى على ما قاله أهل التفسير، فكان يزوج الذكر من الأنثى من البطن الآخر، وهكذا. وظاهر الأمر: أن قابيل لم يرض بأن يتزوج هابيل من أخته التي معه في بطنه، ويتزوج هو أخت هابيل التي معه في نفس البطن وفي نفس الحمل، فكأن الأمر بينهما وصل إلى نزاع واختصام، فأشار عليهما أبوهما أن يقدم كل منهما قرباناً، ولعل هذا بأمر من الله، فكان أحدهما صاحب زرع وهو قابيل، فاختار أردى شيء من ذلك، وكان أحدهما صاحب غنم، فاختار كبشاً من أحسن كباشه، وهو هابيل، والخلاف في أيهما صاحب الزرع، وأيهما صاحب الضان لا يقدم ولا يؤخر في الكل، فالمهم هو النفس الطيبة عند تقديم القربان لله جل وعلا، وقد كانت الآية في قبول القربان: أن تأتي النار فتأكل القربان المتقبل، فجاءت النار فأكلت قربان هابيل علامة على قبوله، ولم تأكل قربان قابيل علامة على رده. وهنا: دب الحسد في قلب قابيل فجاء إلى أخيه وقال: لأقتلنك، فأجابه الأخ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] أي: أن معيار التقوى هو المعيار عند الله جل وعلا، فليس بين الله وبين أحد من خلقه واسطة، وليس المقام مقام تكذيب. ثم ما زال البغي والحسد في قلب قابيل حتى قال لأخيه: لأقتلنك، فقال له مجيباً: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة:٢٩] وقال قبلها: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨]. قال بعض العلماء: إن هابيل كان أشد قوة من قابيل، لكن خوفه من مقام الله منعه، ويؤيد ذلك قول الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٨] على لسان هابيل. ثم كان من الأمر أن سولت تلك النفس لقابيل أن يقتل أخاه فقتله، فلما قتله وكان هذا أول قتل يكون في الأرض -قال ﷺ : (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها) - لم يدر كيف يصنع به: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣١]، قيل: إن الغرابين اقتتلا أمامه، هذا الوارد، لكن القرآن لم ينص عليه، والمهم منه: أن الغراب قبر الغراب الآخر، فقال قابيل: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة:٣١]. هذا مجمل ما ذكره الله جل وعلا من خبر ابني آدم، وهو خبر بالحق كما قال إلهنا الحق ﷻ .

стр. 165

خطر الحسد وآثاره الوخيمة والخبر القرآني كما تعلمون ليس المقصود منه فقط: الإثراء المعرفي، وإنما المقصود منه: التماس العبر والعظات حتى يستنير الإنسان في طريقه إلى ربه جل وعلا، فالحسد أحد ثلاثة أمراض هن أصول الخطايا، وقد حررنا هذا من قبل في لقاءات عدة. قال العلماء: إن الكبر والحسد من أعظم أصول الخطايا، فالحسد شيء يدب في القلب، فيسود الإنسان نوع من التغير القلبي أولاً على نعمة يراها في غيره، وأعلى مراتب الحسد: ما يسمى عند بعض أهل العلم: بالحسد المقدر -وكل شيء بقدر الله - لكن يقصدون: أن بعض الناس يبلغ حسده أنه إذا رأى أحداً من الناس خاف أن تصل إليه النعمة قبل أن تصله فيحسده قبل أن تصل إليه النعمة وهذه -والعياذ بالله- منزلة مخيفة. وبعض الناس -وهذا أقل درجة- يحسد إذا وقعت النعمة لغيره، وهو الذي ذكره الله جل وعلا عن حسد قابيل لأخيه هابيل، وهذا موجود في الحياة العامة بعيداً عن الكلام الفلسفي والأمور التنظيرية: فبعض الناس يحسد غيره، ولو كان هذا أقل من قدرة ومالاً، لكنه يجد فيه نوعاً من القبول، أو أحياناً يكون له شهرة، والشهرة هي القبول، وهناك التفاف من الناس حوله، فهو يقول في نفسه: أنا أملك علماً إذا كان في العلم، أو مالاً إذا كان في المال، أو جاهاً إذا كان في الجاه، وهذا له صيت عند الناس، وليس لي صيت، وهذا قياس خاطئ؛ لأن الله ﵎ أعلم بابتلاء عباده، فقد يكون ذلك الغير ليس أقرب من الله منك، لكن الله يبتليك ويبتليه، فلا تقع في المزلق، ويقع منك حسد لأخيك، مثلاً: يدخل أحد الناس إلى تسجيلات إسلامية، فيسمع شريطاً لزيد أو عمرو من الدعاة، فيقول: أنا أفضل منه، أنا أعلم منه، فعلام يقبل الناس عليه؟ قد تكون أعلم منه وأتقى، لكن هذا ليس مبرراً أن تحسده على التفاف الناس حوله، وهذا المثال حاصل في مجتمع الدعاة، وهو حاصل أيضاً عند النساء، فهذا نوع من الحسد الذي يقع عند الناس، ولابد أن الإسلام وضع طرائق لمعالجة هذه الظاهرة: أولها: التحذير من الحسد، فقد جعله الله نعتاً للكفار: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، فقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤]، وقال ﷺ : (لا تحاسدوا)، وقال: (إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)، إلى غير ذلك من الآثار الصحيحة من الكتاب والسنة في هذا الباب. كذلك الإسلام يربي في أصحابه أن يطلبوا الفضل من الله، فلا يكن همنا لماذا أنعم على زيد؟ فمن حق كل إنسان أن يعطى نعمة، وكون الإنسان يطلب النعمة هذا أمر محبوب، لكن ليس الطريق إلى نيل النعم بأن تطلب من الله جل وعلا أن يزيلها من غيرك، أو أن تسعى في ذلك، ثم إن الإنسان بعد ذلك إذا وقع في هذا الداء -عياذاً بالله- يبدأ الصراع النفسي داخله، ويحاول قدر الإمكان أن يقوض بنيان أخيه، والله يقول في كلمة فصل: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:٢]. بل إن الإنسان إذا أكثر من الحديث عمن يحسده يكون ذلك سبباً في علو ذلك المحسود، وعلو مرتبته، وقد قيل: اصبر على مضض الحسود فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله المقصود من هذا كله: أن الحسد قد يؤدي إلى مزالق أعظم كالقتل والبغي وغيره، وقد لا يصل في مجتمع الناس اليوم إلى القتل، لكن قد يقع الإنسان في مزالق لسانية تهوي به في النار سبعين خريفاً، فيشيع عبارات يعلم أنها غير صحيحة عن أخيه؛ تشيعها امرأة عن أختها، أو يلمز الرجل أخاه في مجلس، أو يحمل قولاً له على أسوأ محامله، وكل ذلك ربما يصنع أحياناً باسم الدين، وباسم إنكار المنكر، وهو في الحقيقة إنما يحقق رغبة نفسية مكنونة في قلبه ناجمة عن حسده لذلك الشخص عياذاً بالله من هذا كله.

стр. 166

ذكر بعض من اللطائف المستفادة من قصة ابني آدم وفي قصة ابني آدم لطائف كثيرة لعلنا نذكر بعضاً منها: الله يقول: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة:٣١]، الآن: لو أن شخصاً قتل فبهت قلبه بعد العملية، وعجز فيما يصنع بأخيه المقتول، فأراد الله أن يعينه فبعث غراباً إليه من الفواسق حتى يعلمه؛ لأن القاتل دخل في عالم الفسق، وقد قيل: إذا كان الغراب دليل قوم دلهم على جيف الكلاب فحفر ودفن، فنظر القاتل إلى الغراب فقال: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ [المائدة:٣١]، فنزع عن نفسه ما أكرمه الله به من التقوى، وأصبح أسوأ وأشد فسقاً من الغراب، وذكر ذلك بلسانه: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ [المائدة:٣١]، وكلنا يعلم أنه لا ملزم على الله، وقد كان بالإمكان أن يبعث الله مخلوقاً آخر ليعلمه، سواءً من الطير، أو من الحيوانات، لكن الله -ولا نقول هذا جزماً؛ لأن الله لم يصرح به- بعث غراباً ليبين له مقامه ومكانه بعد أن وصل إلى القتل. إذاً: ينجم عن هذا أن الإنسان -عياذاً بالله- إذا قتل واستحل دم أخيه وقتله، فإنه يصل إلى درجة الفسق؛ ولهذا جاءت النصوص بتحريم الدماء، والقرب منها أياً كان الأمر.

стр. 167

ذكر بعض من اللطائف المستفادة من سورة (عبس) وإذا طمعنا في اللطائف فقد لا تكون في نفس السورة؛ لأن القرآن مليء غني باللطائف، يقول الله جل وعلا: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١ - ٣]. الإنسان إذا قرأ هذه الآية يقع في نفسه شيء من الالتباس؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ﴾ [الحجرات:١١] فلماذا عبر القرآن عن عبد الله بن أم مكتوم بالأعمى؟ وكان بالإمكان أن يأتي قائل ويقول: لماذا لم يقل الله مثلاً: أن جاءه صاحبه، أن جاءه عبد الله بن مكتوم، أن جاءه السائل، لماذا قال الله: الأعمى، مع أن الكثير يتضجر إذا ناديناه بالأعمى؟ فلابد أن تكون هناك علة خفية، وهذه مهمة العلماء. العلة الخفية هنا: أن الله أراد أن يمدح عبد الله بن أم مكتوم بهذا الوصف، كيف يكون هذا مدحاً له؟ يكون إذا عرف القارئ أن هذا الذي اقتحم على النبي ﷺ مجلسه وهو يحاول مع صناديد قريش كان كفيف البصر لا يرى فوجد له عذراً، فـ عبد الله بن أم مكتوم الذي جعله يدخل بين النبي ﷺ ، وبين صناديد قريش وهو يدعوهم إلى الإيمان كونه لم ير النبي ﵊، وهو منشغل بأولئك القوم، فكان كونه كفيف البصر عذراً له في أن يقتحم على النبي ﷺ ويسأله ويطلب الإجابة بإلحاح؛ فلهذا عبر الله جل وعلا بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢]؛ لأن الله قرر في كتابه: أنه ليس على الأعمى حرج، فيرتفع الحرج عن الأعمى، فتكون كلمة الأعمى هنا منقبة في ذكرها لـ عبد الله بن أم مكتوم ﵁ وأرضاه.

стр. 168

بيان معاني ألقاب بعض الصحابة ﵃ المقدم: نسأل فضيلة الشيخ عن معنى لقبي عثمان (ذي النورين) وعلي (أبي السبطين)؟ الجواب كان هناك ود عظيم بين النبي ﷺ وآله وأصحابه، ولا خلاف بين العلماء المعتبرين من أهل السنة: أن المجتمع المدني والمكي الأول من المسلمين المهاجرين والأنصار كان يمثل قمة التآخي ما بين النبي ﵊ وآل بيته وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين. فمن ذلك: أن النبي ﷺ زوج رقية ابنته عثمان، فلما توفيت زوجه الأخرى وهي أم كلثوم، وكلاهما -أي: رقية وأم كلثوم - ماتا في حياته ﷺ ، رقية في أيام بدر، وأم كلثوم تقريباً في السنة السادسة، ولم تنجب رقية من عثمان، أما أم كلثوم فقد أنجبت عبد الله ثم مات وهو صغير، فلذلك لم يكن هناك نص للنبي ﷺ من جهة هاتين الابنتين، فلما ظفر عثمان بالزواج من ابنتي نبي -وقد قال العلماء: إنه ليس محفوظاً أن أحداً من الأخيار تزوج ابنتي نبي إلا عثمان ﵁ عدت هذه منقبة كبيرة لـ عثمان فعرف (بذي النورين)؛ لأنه تزوج ابنتي رسول الله ﷺ . أما علي ﵁ تعالى وأرضاه فقد زوجه النبي ﷺ ابنته فاطمة، فأنجب منها الحسن والحسين ومحسن وزينب. والحسن والحسين عاشا حتى كبرا ثم ماتا، أما محسن فمات وهو صغير، والثلاثة سماهم النبي ﷺ ، وزينب -إن لم تخني الذاكرة في اسمها- شقيقة الحسن والحسين أي: جدها رسول الله ﷺ ، وقد زوجها علي من عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكفى بهذا برهاناً ودليلاً على ذلك التآلف العظيم ما بين علي وعمر من وجه خاص، وما بين الصحابة ﵃ وأرضاهم، وآل رسول الله ﷺ طبعاً صحابة، وهذا يدل على صدق ما كان عليه أولئك السادة الأخيار من آل البيت والصحابة في اقتفائهم لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فآل رسول الله ﷺ كان الصحابة ﵃ وأرضاهم يعرفون لهم قدرهم.

стр. 169

قصة تبين مدى حب الصحابة لآل بيت رسول الله ﷺ وقد ورد فيما ذكره الذهبي في السير: أن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان يصعد إليه الحسن أو الحسين -ومعلوم أن النبي ﷺ توفي والحسين صغير، فكان يرى النبي ﵊ على منبره، أي: أن الحسين يرى جده ﷺ على منبره، ثم تولى أبو بكر، ولم يمكث أبو بكر إلا سنتين وبضعة أشهر، فجاء عمر - فكان الحسين أحياناً يصعد إلى المنبر وعليه عمر ويمزح بطفولته وبراءته ويقول: انزل عن منبر جدي، فيضع عمر رأسه على شعر الحسين ويقول: ما أنبت الشعر على رؤوسنا إلا أنتم -أي: أن الإسلام الذي جاء به النبي ﷺ من بني هاشم الذين منهم الحسين هو سبب عز العرب، وعز أهل الإسلام كلهم- هذا مقصود عمر والمقصود: أن هذه الروايات الصحيحة الثابتة في ذلك المجتمع تبين ذلك الإخاء الذي كان بين آل رسول الله ﷺ وبين أصحابه رضوان الله تعالى عليهم.

стр. 170

ذكر بعض من أخبار أبي بكر وعمر والحسن والحسين وأبو بكر وعمر شيخان اثنان بالاتفاق؛ يقول أبو هريرة كما في الصحيح: (إن النبي ﷺ خرج وأبو بكر وعمر). وأكثر الروايات: (أنا وأبو بكر وعمر). وهذا أمر يدل على ذلك التقارب الذي آل به الأمر إلى أن يكونا رفيقي مرقده صلوات الله وسلامه عليه. أما أبو بكر فقد كان معروقاً الأصابع -يعني: ظاهرة جداً- خفيف العارضين، في ظهره انحناء، بخلاف عمر فقد كان جسيماً فيه رضي الله تعالى عنه وأرضاه قوياً، هذا وصف جسديهما تقريباً. أما أوصافهم الإيمانية: فالنبي ﷺ يقول في حق أبي بكر (لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح إيمانه). ويقول في عمر: (ما رآك الشيطان سالكاً فجاً، أو شعباً إلا سلك شعباً آخر). وقال: (اقتدوا باللذين من بعدي) رضوان الله تعالى عليهما، وقد أعز الله بهما دينه بعد وفاة نبيه، فبويع أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه في يوم السقيفة، ووصى من بعده لـ عمر. أما الحسن والحسين فهما سبطا رسول الله ﷺ ، وإليهما ينتهي نسبه ﷺ ، فالناس ينتسبون إليهما، وبهذا نحفظ قول الفرزدق جميعاً في علي زين العابدين: هذا ابن فاطمة إن كنت تجهله بجده أنبياء الله قد ختموا ثم إلى ذروة العز التي قصرت عن ليلها عرب الإسلام والعجم هذا ما يمكن أن يقال عن هؤلاء الكرام من أصحاب رسول الله وآل بيته.

стр. 171

فضل قراءة البقرة وآل عمران المقدم: هل قراءة سورة البقرة في جلسة واحدة سبب في الشفاء؟ الجواب لا يشترط أن تكون في جلسة واحدة، لكن لو فعل ذلك فليس محظوراً، والقرآن أصلاً قال الله فيه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء:٨٢]. وقد جاءت آثار من حيث الجملة تبين فضل سورة البقرة، وفضل الزهراوين.

стр. 172

علاقة ذي النون ﵇ بقوله تعالى في سورة القلم: (ن والقلم) المقدم: هل لذي النون ﵊ علاقة بقول الله في بداية سورة القلم: ﴿ن﴾ [القلم:١]؟ الجواب ذو النون هو: يونس، وقد ورد ذكره في القرآن أربع مرات: قال الله ﵎ في الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء:٨٧]. وقال في القلم: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨] وهو يونس. وقال في يونس: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونس﴾ [يونس:٩٨]. وذكر في سورة الأنعام كذلك يونس ﵊. فهو ﵊ نبي خرج مغاضباً من قومه ثم تاب الله جل وعلا عليه كما هو محرر في موضعه، وقول الله: (ن) هو الحرف المعروف وليس يونس ﵇، لكن ورد ذكره في نفس سورة (نون)، وهو قول الله تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، لكن هذا النفي مقيد بقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم:٤٨].

стр. 173

الكلام على معنى المذاهب الأربعة المقدم: ما المراد بالمذاهب الأربعة أو كلمة: المذاهب؟ الجواب المذهب لغة: مصدر من الذهاب. فهناك أصول في الاعتقاد، وهناك أحكام فقهية اجتهادية، والصحابة ﵃ وقع فيهم الاختلاف في المذاهب الفرعية في الأحكام الفقهية، لكنهم جميعاً كانوا على أصل اعتقادي واحد، والمذاهب الأربعة الفقهية المتبوعة من أهل السنة يجب أن يفهم فيها أمران: الأول: أن دين الله أجل من أن يحصر في أربعة مذاهب، فقد يكون هناك قول لبعض العلماء لم يقل به أحد من الأئمة الأربعة، لكنه باق إلى يومنا هذا، مثل: سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وابن تيمية في بعض أقواله، وابن جرير الطبري وغيرهم، وهذا أمر مهم جداً. الأمر الثاني: أن هذه المذاهب مذاهب في الفقه وليست في الاعتقاد، فمن انحرف عن اعتقاد أهل السنة والجماعة لا يقال في حقه مذهب، وإنما يقال فرق، هذا إذا انتسبت إلى الإسلام عموماً، فبعضها قد يخرج من الإسلام وبعضها لا يخرج من الإسلام، فبعضها قد تنتسب إلى الإسلام لكن هذه تسمى فرقاً، وأما المذاهب فإنها طريقة عامة في الاستنباط، لها أصول معينة صنعها إمام وتبعه على ذلك الصنيع آخرون، فسمي مذهباً. ومذهب أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه أول المذاهب المتبوعة الباقية اليوم ظهوراً، ونحن لا نملك الحكم على أي المذاهب أنه أفضل لا، هذا في كل مسألة بحسب ما ترجح، لكن أول المذاهب ظهوراً هو المذهب الحنفي؛ لأن أبا حنيفة كان أول من ظهر، ثم مالك، ثم الشافعي، ثم أحمد رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.

стр. 174

شيء من سيرة الإمام أبي حنيفة وصاحبيه والإمام أبو حنيفة هو فارسي الأصل، واسمه النعمان بن ثابت، قال الشافعي رحمة الله تعالى عليه: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة. وهذه الشهادة لها اعتبار؛ لأن الشافعي ند لـ أبي حنيفة، وعندما تأتي الشهادة من ند ومن فارس في نفس المضمار فلها اعتبارها أكثر من أي شخص يكون تابعاً لـ أبي حنيفة في مذهبه. وقد قال الذهبي رحمة الله تعالى عليه: إن الإمامة في الفقه مسلمة لهذا الإمام بلا ريب ولاشك، هذا معنى كلامه في الأعلام. والمقصود من هذا أن أبا حنيفة رحمة الله تعالى عليه أول الأئمة ظهوراً، وأكثرهم علماً بدقائق الفقه، وإليه المنتهى في هذا الباب رحمة الله تعالى عليه، وله أصحاب منهم: اللذين ذكرتهما: محمد بن الحسن وأبو يوسف. وأبو يوسف هو: يعقوب بن إبراهيم، وهو أنصاري في أصله، لكنه نشأ في الكوفة وتعلم وعلم في الكوفة، وأصبح قاضي القضاة فيما بعد. ومحمد بن الحسن الشيباني من بني شيبان، وأظن بني شيبان لهم ذكر كثير في التاريخ كما في محمد بن حميد، يقول أبو سلمان: كأن بني شيبان يوم وفاتهم نجوم سماء خر من بينها البدر عليك سلام الله وقتاً فإنني رأيت كريم الحر ليس له عمر ومنهم: معن بن زائدة الشيباني الذي قيل فيه: معن بن زائدة الذي زيدت به شرفاً على شرف بنو شيبان فـ محمد بن الحسن من بني شيبان، وقد مات أبو حنيفة وقد بلغ محمد بن الحسن ثمانية عشر عاماً، وأكثر ما يسمى ظاهر الرواية في المذهب هو من كتب محمد بن حسن رحمة الله تعالى عليهما. ومن خلال دراستهما سيتضح أشياء كثيرة، لكن أبو يوسف لما تولى القضاء وأصبح قاضي القضاة كان الرشيد يجله ويكرمه، ومحمد بن الحسن في هيئته كان سميناً وذكياً، قال الشافعي ﵀: ما رأيت سميناً أذكى منه.

стр. 175

الفوائد المستنبطة من ذكر سير السلف الصالح المقدم: هذه الأخبار وهذه القصص ليست غاية في ذاتها، فما هي الفوائد والثمرة التي يمكن أن تجتنى من وراء هذه القصص؟ الجواب العلم توفيق، لكن من طرائق جمعه والحصول على العلم: صحبة الأكابر، فـ أبو يوسف ومحمد بن الحسن وصلا إلى هذه المنزلة في العلم لصحبتهما لـ أبي حنيفة، ولهذا من الخطأ كما نراه اليوم صحبة الأصاغر، وأنا أتكلم عن الأكابر والأصاغر في العلم، فالأعمار بيد الله، لكن المتقدم في السن من العلماء، والذي تقدم في العلم حري بطالب العلم أن يلزمه، ويتضرر المرء إذا كانت صحبته لأنداده، أو لمن دونه في الزوايا والخفايا، فتلك الأماكن لا يصنع فيها علم، وإنما تصنع فكراً مريباً، لكن العلم إما في الجامعات والمدارس والحلقات المعروفة الظاهرة البينة المكشوفة، أو في المساجد كالحرمين في المقام الأول، ويكون على يدي الأكابر في المقام الأول، أي: الأكابر علمياً، فقد يكون المرء صغير السن، كبير العلم، واسع العقل، لكن مع ذلك أقل شيء أن يكون في سن الأربعين حتى يؤخذ عنه ويلازم؛ لأن التجارب لها دور في صقل المرء، فقد يظهر هو، وينفع دون الأربعين، لكن لزوم الطلاب له لابد أن يكون متأخراً؛ حتى يستفيدوا منه، فـ محمد بن الحسن وأبو يوسف رحمة الله تعالى عليهما حظيا بعلم جم عندما صحبا أبا حنيفة رحمة الله تعالى عليه، هذه الفائدة الأولى. الفائدة الثانية: أن المرء وهو يطلب العلم لابد أن يكون ذكياً، فالذكاء مطلب أساسي في تكويننا لجيل يحمل العلم، وقد نبهنا إلى هذا مراراً، ولهذا قال الشافعي ﵀ في وصف محمد بن الحسن كما مر معنا: ما رأيت سميناً أذكى منه. وكان محمد بن الحسن يتوقد ذكاءً، والإنسان يمرر المسائل على عقله، ويجلس مع أقرانه ويطرح المسائل، ولا تكون كالمسائل التي تطرح اليوم حتى فيما يسمى بالألغاز الشعبية، فأكثرها يجنح إلى الوصف، والوصف يقيس مستواً واحداً في الذكاء ولا تقيس كل شيء، لكن طالب العلم الحق يقيس عدة مستويات في ذكائه، ويمرن نفسه على المسائل العلمية، ويمرن نفسه على مسائل الرياضيات وأشباهها؛ حتى يكون ذكياً، وقد مر معنا قضية علي ﵁ وحكمه في الأرض وغير ذلك، فهذه كلها مطالب أساسية. الأمر الثالث: على الإنسان أن ينوع مناهله، فالإمام أحمد رحمة الله تعالى عليه كان يعرض أحياناً مسائل دقيقة، فقيل له: من أين لك هذه المسائل؟ قال: من كتب محمد بن الحسن، ثم برر وبين وفصل فقال: إن محمد بن الحسن أخذ علم أهل العراق، وأخذ علم أهل المدينة بتتلمذه ومراجعته على مالك؛ لأنه من أهل المدينة، مع تتلمذه كما ذكرت على يد أبي حنيفة، وأخذ فقه الشام عن الأوزاعي، ثم قال كلمة لابد منها: قال ﵀ عن محمد بن الحسن قال: وصقله القضاء؛ فالإنسان إذا مارس عملاً: تدريساً أو قضاءً فهذا يصقله، ولهذا قلنا: إن التجارب وطي السنين لها دور كبير في ملكة الإنسان وتذكيتها وتربيتها. فالمقصود: أن تعدد المناهل يصنع منك أيها الأخ المبارك رجلاً عالماً فذاً، وأما كون الإنسان لا يقرأ إلا لشخص أو شخصين، ولا ينهل إلا من عالم أو عالمين، ويغرق نفسه في دائرة ضيقة، فهذا لا يمكن له أن يتوسع في القول، ولا يستطيع أن يجاري علماء عصره، ولا أن يصدر حتى ينفع الناس في كثير من أحوالهم وقضاياهم. فتعدد المناهل كان عليه السلف في قضية التعلم، والعاقل لا يجعل بينه وبين المعرفة حجاباً، وإنما يأخذ العلم الحق من أي أحد، لكنه في قضايا الاعتقاد -وهذه مسألة مهمة- لا يأخذها إلا ممن عرف عنه سلامة المعتقد. هذا الأمر الثاني. الأمر الثالث: أن التقليد شيء منفر منه، فـ أبو حنيفة رحمة الله تعالى عليه عرض عليه القضاء فأبى، في حين أن أبا يوسف عرض عليه القضاء فقبل، ولم يقل إن أبا حنيفة لم يقبله فلا أقبله، ولهذا فالمصالح تتفاوت، والرجال أنفسهم يتفاوتون، فقد يأتي إنسان معين حري به أن يكون مرافقاً للسلطان مثلاً ويستطيع أن يغير، ويستطيع أن يصنع شيئاً للناس، ويحسن التعامل إذا قرب من أميره وقرب من السلطان، أو قرب من ذوي الجاه، في حين أن غيره لا يحسن، فنقول للآخر: ابتعد، ونقول للأول: اقترب، والعبرة بالمصلحة العامة. فـ أبو حنيفة ربما رأى نفسه أنه ليس ممن يحسن مجارات نفع الناس من خلال مجارات السلطان، في حين أن أبا يوسف يستطيع أن يفعل ذلك، فكان الرشيد يجله، ولا نقدح في أبي يوسف ونجل أبي حنيفة على هذا الطريق، لكن نجل أبا حنيفة ونجل أبا يوسف، ونعتقد فيهما حسن الظن، ونعلم أن كل منهما نظر في مقوماته وقدراته فاستعملها في الحق، فوصل إلى مقصوده. والمناظرات أيها الأخ المبارك والمحاورات العلمية ينجم عنها علم جم، لأن الإنسان إذا اطلع على آراء الغير، وبسطت له المسألة بطريقة أكبر قل إنكاره وقل انفعاله، وقل تشدده، لكن نؤتى من الذي لا يعرف إلا شيئاً واحداً، لكن لما كانت هناك محاورات كان محمد بن الحسن يأتي المدينة يقابل مالكاً فيتناقشان في المسائل، فهذا يعرض قولاً، وهذا يعرض قولاً، ثم يسلم هذا لهذا في شيء، والآخر يسلم له في أشياء، وكذلك كان يحصل بين محمد بن الحسن والأوزاعي وغيرهما، فهذه المناظرات والحال الذي كانوا يعيشونه أدى إلى تلك الرفعة في الفقه الإسلامي على وجه العموم، وهذا نفتقده يسيراً في زماننا، وينبغي أن يعاد إلى ما كان عليه.

стр. 176

سبب التلازم في ذكر هارون وموسى في القرآن المقدم: سائلة من الكويت تسأل عن علة التلازم في القرآن الكريم بين موسى وهارون ﵉؟ الجواب هذا للأخوة التي بينهما، ولكونهما بعثا في وقت واحد، وإلى ملأ واحد وهم فرعون وملائه، ولهذا جرى التلازم بينهما في القرآن.

стр. 177

كتب التفسير للمبتدئين المقدم: وكذلك تسأل عن كتب تفسير لطلاب العلم المبتدئين. الجواب كتاب التسهيل لـ ابن جزي الكلبي فهذا جيد للمبتدئين.

стр. 178

متى يكون دعاء الجماع عند التلقيح خارج رحم المرأة المقدم: أخ يسأل كيف يدعو في مسألة أطفال الأنابيب الدعاء الذي قبل الجماع؟ الجواب قبل العملية نفسها لا بأس، طيب.

стр. 179

عدم تنافي الدعوة إلى المسارعة إلى الخير والنهي عن الحسد وبيان الفرق بين الحسد والغبطة المقدم: سائل يسأل عن قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، و ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] كيف الجمع بين ذلك مع نزع لعملية الحسد. الجواب هو طبعاً الحسد مركب في كل جسد يقيناً، لكن الله جل وعلا قيد قال: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥]، وأما إذا تغلب الإنسان على حسده بالتقوى فقد أصبح وكل اعتصم بالله وتوكل عليه، وعلم أن الفضل بيده نجاه الله جل وعلا من أن يتلبس بالحسد؟ ويسأل عن الفرق بين الغبطة والحسد؟ الجواب: الغبط والحسد تأتي على عدة معاني أو طرائق على النحو التالي: إذا تمنى الإنسان زوال النعمة أو تمناها لنفسه مع زوالها عن أخيه فهذا حسد، وإذا تمناها لنفسه مع عدم تمني أن تزال عن أخيه أو عن أخته فهذه غبطة، لكن هل تكون غبطة مذمومة، أو تكون غبطة محمودة، أو مندوبة، هذا يكون حسب الأمر المغبوط عليه، فمثلاً: هناك شخص ذو مال وثري، وآخر غير ثري، فهذه مسألة دنيوية، فكوني أتمنى لنفسي مالاً مثل الذي عندك هذا ما نقول إنه محمود، وإنما هو مباح. وإذا كنت على مستوىً عالٍ من الفضل والتقوى، فتمنيت أن أكون مثلك دون أن تنزع منك، فهذه غبطة محمودة مندوبة؛ لأنها داخلة في المسابقة للخيرات، والمنافسة في الطاعات، وأما الأولى فهي دنيوية محضة، فنقول عنها: إنها مباحة.

стр. 180

الوسطية في كل شيء محمودة المقدم: من الثنايا يا شيخ الإفراط والتفريط، فهناك سائل يسأل ويقول: كيف يكون الإنسان وسطياً وحددها بمسألة الشجاعة والكرم؟ الجواب قال الشاعر: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني كلا طرفي الأمور ذميم، فالإنسان إذا كان الصنيع الذي يصنعه يجتز الأمر من أصله، فهو مذموم لا يسمى شجاعة، ولا يسمى كرماً؛ لأنه لابد من عوده، وإذا كان لا يحقق المراد أبداً ويقصر عنه فهو مذموم، لكن الإنسان يحاول أن يحقق المراد دون أن يجتز الأصل. فلا يعقل أن تعطي ضيفك كل ما عندك؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩]، ولا يعقل أن ترده؛ لأن الله قال: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، لكن إذا أرضيت ضيفك دون أن تضيع أهلك كان ذلك وسطاً، كما قال ﷺ : (إياك والحلوب)، فهو إذن له أن يذبح دون أن يذبح شاة فيها نفع لأهله، فلا يجتز الأصل، وإنما يصل إلى النفع. وكذلك في الشجاعة ونحوها، فهذا النبي ﷺ قاتل وتقدم الصفوف، لكنه كان يلبس في بعض حروبه درعين، ولهذا مر معنا أن الأعشى عندما مدح بعضهم فقال: كنت المقدم غير لابس لمة بالسيف تضرب معلماً أبطالها فلما قال مادحاً أنه غير لابس لمة ذمته العرب على هذا المدح؛ لأن كونه لا يلبس درعاً في الحرب هذا تهور، لكن الشجاع يتقدم الصفوف ويحتاط لنفسه.
следующие страницы →