Полный текст (327 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
سبب التلازم في ذكر هارون وموسى في القرآن
المقدم: سائلة من الكويت تسأل عن علة التلازم في القرآن الكريم بين موسى وهارون ﵉؟
الجواب
هذا للأخوة التي بينهما، ولكونهما بعثا في وقت واحد، وإلى ملأ واحد وهم فرعون وملائه، ولهذا جرى التلازم بينهما في القرآن.
стр. 177
كتب التفسير للمبتدئين
المقدم: وكذلك تسأل عن كتب تفسير لطلاب العلم المبتدئين.
الجواب
كتاب التسهيل لـ ابن جزي الكلبي فهذا جيد للمبتدئين.
стр. 178
متى يكون دعاء الجماع عند التلقيح خارج رحم المرأة
المقدم: أخ يسأل كيف يدعو في مسألة أطفال الأنابيب الدعاء الذي قبل الجماع؟
الجواب
قبل العملية نفسها لا بأس، طيب.
стр. 179
عدم تنافي الدعوة إلى المسارعة إلى الخير والنهي عن الحسد وبيان الفرق بين الحسد والغبطة
المقدم: سائل يسأل عن قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، و ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] كيف الجمع بين ذلك مع نزع لعملية الحسد.
الجواب
هو طبعاً الحسد مركب في كل جسد يقيناً، لكن الله جل وعلا قيد قال: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥]، وأما إذا تغلب الإنسان على حسده بالتقوى فقد أصبح وكل اعتصم بالله وتوكل عليه، وعلم أن الفضل بيده نجاه الله جل وعلا من أن يتلبس بالحسد؟ ويسأل عن الفرق بين الغبطة والحسد؟ الجواب: الغبط والحسد تأتي على عدة معاني أو طرائق على النحو التالي: إذا تمنى الإنسان زوال النعمة أو تمناها لنفسه مع زوالها عن أخيه فهذا حسد، وإذا تمناها لنفسه مع عدم تمني أن تزال عن أخيه أو عن أخته فهذه غبطة، لكن هل تكون غبطة مذمومة، أو تكون غبطة محمودة، أو مندوبة، هذا يكون حسب الأمر المغبوط عليه، فمثلاً: هناك شخص ذو مال وثري، وآخر غير ثري، فهذه مسألة دنيوية، فكوني أتمنى لنفسي مالاً مثل الذي عندك هذا ما نقول إنه محمود، وإنما هو مباح.
وإذا كنت على مستوىً عالٍ من الفضل والتقوى، فتمنيت أن أكون مثلك دون أن تنزع منك، فهذه غبطة محمودة مندوبة؛ لأنها داخلة في المسابقة للخيرات، والمنافسة في الطاعات، وأما الأولى فهي دنيوية محضة، فنقول عنها: إنها مباحة.
стр. 180
الوسطية في كل شيء محمودة
المقدم: من الثنايا يا شيخ الإفراط والتفريط، فهناك سائل يسأل ويقول: كيف يكون الإنسان وسطياً وحددها بمسألة الشجاعة والكرم؟
الجواب
قال الشاعر: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني كلا طرفي الأمور ذميم، فالإنسان إذا كان الصنيع الذي يصنعه يجتز الأمر من أصله، فهو مذموم لا يسمى شجاعة، ولا يسمى كرماً؛ لأنه لابد من عوده، وإذا كان لا يحقق المراد أبداً ويقصر عنه فهو مذموم، لكن الإنسان يحاول أن يحقق المراد دون أن يجتز الأصل.
فلا يعقل أن تعطي ضيفك كل ما عندك؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩]، ولا يعقل أن ترده؛ لأن الله قال: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، لكن إذا أرضيت ضيفك دون أن تضيع أهلك كان ذلك وسطاً، كما قال ﷺ : (إياك والحلوب)، فهو إذن له أن يذبح دون أن يذبح شاة فيها نفع لأهله، فلا يجتز الأصل، وإنما يصل إلى النفع.
وكذلك في الشجاعة ونحوها، فهذا النبي ﷺ قاتل وتقدم الصفوف، لكنه كان يلبس في بعض حروبه درعين، ولهذا مر معنا أن الأعشى عندما مدح بعضهم فقال: كنت المقدم غير لابس لمة بالسيف تضرب معلماً أبطالها فلما قال مادحاً أنه غير لابس لمة ذمته العرب على هذا المدح؛ لأن كونه لا يلبس درعاً في الحرب هذا تهور، لكن الشجاع يتقدم الصفوف ويحتاط لنفسه.
стр. 181
من أخبار ثنائي النقائض جرير الفرزدق
المقدم: ندخل أيضاً يا شيخ في عالم الأدب، ولعل مشاهدي الكريم وأيضاً الإخوة في الموقع بمجرد ما نقول ثنائيات في الأدب والشعر، فأول ما يرد إلى الذهن التلازم والواضح بين جرير والفرزدق، فلنعرض شيئاً من أخبارهم، وبعض الأشياء التي وردت في أشعارهم.
الشيخ: الشعر صناعة دنيوية، وأعقب على رسالة وصلتني بالجوال بعد الحلقة الماضية، أحد الزملاء ذكر اسمه وهذا يدل على فضله، ولم أجد وقتاً حتى أجيبه، فقد ذكر عندما قلت: إن المتنبي لم يحقق الحكمة في نفسه، فلم يصل إلى مقصوده وإن قالها في شعره، فبعث أحد الفضلاء رسالة يعاتب ويقول: إن هذا غير صواب في معنى كلامه، وحجته: شهرة المتنبي، وقال: إن الله علم صدق نيته، وحصل له هذا القبول.
وهذا خطأ في الفهم؛ لأن لا يقال في الصناعة الدنيوية: إن فيها صدق نية، وإنما هي أسباب، فالشعر صناعة دنيوية وليست صناعة أخروية حتى يقال فيها: صدق مع الله فصدقه الله، إنما هذا في العبادات وفي وسائل القرب، وأما الشعر في أصله فليس من وسائل القرب.
فـ المتنبي عرف كشاعر مجيد، ولم يعرف كعدل رشيد، وهذه قضية مهمة جداً، فمثلاً المشاهير من اللاعبين الذين يلعبون الكرة والمغنيين، والمشاهير من الفنانين، الناس كلها تعرفهم، لكن لا يعني هذا أن هناك قبولاً لهم طرح في الأرض، أبداً، إنما هي صناعة دنيوية يفتن الله بها من يفتن، فأخذوا بأسبابها، فنالوا مرادها، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨].
لكن هذا لا يسمى قبولاً، وقلنا مراراً أنه لابد أن يفرق الناس بين القبول وبين الشهرة، فمثلاً: إستالين، أكثر الناس على الأقل في زمانه كانوا يعرفون إستالين، وهو مذموم عند الله؛ لصنيعه، فهو شيوعي ملحد قتل ملايين المسلمين وله جرائم هائلة، فهذا لا يسمى قبولاً، فلابد أن يفرق بين القبول وبين الشهرة.
نعود إلى الفرزدق وجرير، فقد ظهرا في عصر بني أمية، وكلاهما من بني تميم، فـ جرير كان سلس العبارة، والفرزدق كان ثخن العبارة، ويقال في حقه: لولا الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، عرف بمجونه أكثر من جرير كان جرير فيه شيء من الورع حصل بنيهما سمي في الأدب العربي جملة بالنقائب كلاهما له أبيات فرادى، تغنى الناس بها، صارت بها الركبان، حفلت بها كتب الأدب، ومن ذلك قول جرير: بان الخليط ولو طوعت ما بانا وقطعوا من حبال الوصل أقرانا حيَّ المنازل إذ لا نبتغي بدلاً بالدار داراً ولا الجيران جيرانا يا أم عمرو جزاك الله مكرمة ردي علي فؤادي كالذي كانا لو تعلمين الذي نلقى أويتِ لنا أو تسمعين إلى ذي العرش شكوانا يا حبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا وحبذا نفحات من يمانية تأتيك من قبل الريان أحياناً إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا فنجد في قصيدته سلاسة العبارة، في حين أن الفرزدق إذا مدح وأراد أن يهب ممدوحه ترى جزالة اللفظ وقوته، فاضفى على تلك القصيدة قوة جعلها تبقى، حيث قال: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرمُ هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه اثنان حسن الخلق والشيم ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم عم البرية بالإحسان فانقشعت عنها الغياهب والإملاق والعدم ينمى إلى ذروة العز التي قصرت عن ليلها عرب الإسلام والعجم هذا ابن فاطمة إن كنت تجهله بجده أنبياء الله قد ختموا ويذكرون من طرائف أخبارهما: أن جريراً كان له رواية يكتب شعره اسمه: مربع، فتشاجر ذات يوم مع والد الفرزدق، فأراد الفرزدق أن يدافع عن أبيه فدفعه مربع فسقط الوالد، فلما سقط والد الفرزدق هدد الفرزدق مربعاً بأنه سيقتله في حالة موت أبيه، وهذه معناها: عجز، فقال جرير متهكماً بـ الفرزدق البيت المشهور: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع وأصبح الشطر الثاني من البيت يجري مجرى المثل والحكمة بين الناس.
وعُمِّرا ما شاء الله لهما أن يعمرا ومات الفرزدق قبل جرير، وأخطأ جرير عندما قال: مات الفرزدق بعدما جدعته ليت الفرزدق كان عاش طويلاً ثم إنه ندم على بيته هذا وقال أبياتاً يرثي فيها الفرزدق.
ودخل معهما الراعي النميري والأخطل، وكانا في صف الفرزدق فهذا ما دفع جريراً إلى أن يقول في لاميته: لما وضعت على الفرزدق ميسمي وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل فأراد أن يجمعهما كليهما في سياق واحد.
هذه أيها المبارك بعض أخبارهما ونتف من أشعارهما.
стр. 182
ذكر شيء من أخبار شوقي وحافظ
المقدم: ننتقل يا فضيلة الشيخ إلى ما يتعلق بأميري الشعر شوقي وحافظ.
الشيخ: شوقي وحافظ يقول الناس: إنني أكثر الكلام عنه، والحق أني واحد من المعجبين به، وقد يكون هذا صواباً، وقد يكون خطأً.
وشوقي وحافظ من شعراء العصر الحديث، وقد مات حافظ قبل شوقي، فندم شوقي وتمنى لو أن حافظاً مات بعده؛ حتى يرثيه، والدنيا دول.
قال حافظ مبايعاً شوقي: أمير القوافي قد أتيت مبايعاً وهذي وفود الشرق قد بايعت معي فرد عليه شوقي وحفظ له الود والكلمة الطيبة هذه بعد وفاته قال: يا حافظ الفصحى وحارس مجدها وإمام من نجبت من البلغاء ولكل منهما قصائد حافلة، لكن شوقي بلا شك أفضل من حافظ بكثير، ومن درر قول حافظ ما قاله في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في قصيدة عرفت بالعمرية، وقد ذكرناها كثيراً، ومنها قوله في أولها: حسب القوافي وحسبي حين ألقيها أني إلى ساحة الفاروق أهديها لا همّ هب لي بياناً أستعين به على قضاء حقوق نام قاضيها ثم قال يصور وفود وفادة رسول كسرى إلى عمر: وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها فهان في عينه ما كان يكبره من الأكاسر والدنيا بأيديها وقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها ومما يحفظ له: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق وفي قصيدة يتكلم فيها عن مصر: كم ذا يكابد عاشق ويلاقي في حب مصر كثيرة العشاق وأما شوقي فله درر أكثر، ومنها بيته المشهور: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني وله في مدح النبي ﷺ أبياتاً لا حاجة لإعادتها؛ فقد أكثرنا من قولها، ومن جيد أبياته قوله على حال المرأة في جاهلية مصر، ففي العصور القديمة التي حكمت مصر أيام الفراعنة كانوا يؤهلون النيل، فيختارون امرأة من أجمل النساء، ويقدمونها إلى النهر قرباناً، والحمد لله على نعمة الإسلام، ثم إن هذه المرأة تتأنق تتزين وتفرح أنها ستزف إلى النيل، فتلبس جيد ثيابها وفاخر ملابسها، ويزفها أترابها وهم يحسدونها على هذا المقام، ثم تلقى في النيل لتموت، وتظن أنها قد أصبحت زوجة له، يقول شوقي: خلعت عليك حياءها وحياتها أأعز من هذين شيء ينفق؟! وهذا بيت من حيث السبك الشعري في القمة.
وقد قلنا: إن لـ شوقي درراً أخرى من أبيات الشعر.
стр. 183
الزهروان من القرآن وسبب تسميتهما بذلك
المقدم: وردت بعض التساؤلات على الموقع عن الزهراوين، حبذا لو تحدثنا عنها قليلاً؟ الشيخ: الزهروان هما البقرة وآل عمران، وهما سورتان كريمتان من سور القرآن الكريم، والقرآن كله كريم؛ لأنه منزل من لدن حكيم عليم، قال ﷺ : (اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران؛ فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان فرقان من طير صواف، يحجان عن أصحابهما).
فأما البقرة فهي سنام القرآن وفسطاطه، وقد ضمنها الله جل وعلا أخباراً ومواعظ وأحكاماً شتى، فهي من أوائل ما أنزل في المدينة، ولهذا نودي على الأنصار في يوم حنين يا أصحاب البقرة؛ لأنهم كانوا يفتخرون بها؛ لأنها من أول ما نزل في المدينة.
وسورة آل عمران تحدث الله فيها عن بيوت صالحة، وهي بيوت آل عمران.
قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣].
وتضمنت سورة البقرة أعظم آية في كتاب الله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وهي آية الكرسي، وتضمنت خاتمتها آيتين عظيمتن نزلتا من تحت العرش، وهاتان الآيتان من قرأهما في ليلة كفتاه، كما قال ﷺ : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥].
وفي سورة آل عمران تلك الآية العظيمة التي تنزل لها الجبال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧].
وفي هذه السورة كما بينا ذكر الله جل وعلا أخباراً عن غزوة أحد، فذكر الله جل وعلا فيها ما أصاب المسلمين في يوم أحد من الكرب، ومن الغم، ومن الجوع، فهاتان السورتان عظيمتان.
ولماذا سميتا بالزهراوين؟ للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: القول الأول: لما يزهر لصاحبهما، أي: لقارئهما جميعاً من المعاني العظيمة، ويضيء له في قلبه.
وقيل: إنما سميت الزهراوين لأنهما تضمنتا اسم الله الأعظم كما وردت بذلك الآثار، فهذان قولان شهيران للعلماء في سبب تسمية سورة البقرة وسورة آل عمران بالزهراوين.
هذا ما يمكن أن يقال عنهما، وفي قراءتهما نفع عظيم، وهناك خير وافر في كل القرآن فكيف بهاتين السورتين العظيمتين اللتين أثنى عليهما الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 184
الكلام عن فضل الصلاة والصبر
المقدم: أيضاً: يا شيخ! من الأسئلة التي وردت في القرآن الكريم الأسئلة عن تلازم الصلاة والزكاة، فنتجاوزهما إلى ما يتعلق بالصبر والصلاة؟ الشيخ: لا مطية في حال السراء إلا الشكر، ولا مطية في حال الضراء إلا الصبر، والإنسان ضعيف لابد له أن يستعين، ولا استعانة حقاً إلا بالله جل وعلا، والاستعانة الحق بالله جل وعلا أرشد الله إليها أن مفتاحها الأعظم هو الصلاة؛ لأن الصلاة تقرب العبد من ربه ﵎، والله لما أعطى آل داود ما أعطى قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، قال بعض العلماء: إنها لم تخلوا ساعة من نهار إلا وواحد من آل داود قائم يصلي، وهذه منقبة عظيمة، ويحسن بكل أهل بيت ألا يفتروا عن الصلاة والصيام، وأن يحاول الأبناء والبنات أن يعينوا آباءهم وأمهاتهم على الطاعة.
والبيت إذا كان الناس يتداولون فيه الطاعة، فهذا صائم، وهذا قائم، وفي الليل يتناوب أهل البيت فهذا يصلي في أول الليل، وهذا يصلي في آخر الليل، واليوم الأم صائمة، وغداً الوالد صائم، إذا كان البيت على هذا المنوال دل ذلك على قربهم من ربهم ﵎.
وأما الصبر فلابد منه، لكن لابد أن يكون الصبر لله ﵎؛ رجاء ما عنده، والإنسان ينبغي أن يعلم أنه مهما تعلق بأشياء حوله في الدنيا فالنسيان سهل مع مرور الأيام، يقول أحدهم وإن كان قد لا يحسن الاستشهاد به لكن يبين لك أن الدنيا سهلة، يقول: قد كنت أرحم نفسي من تذكرها واليوم أرحمها من فرط نسيانِ أرقام هاتفكم ما عدت أذكرها وضاع عنوانكم في ألف عنوان فإذا كان هذا في محفل صغير في علاقة ما بين رجل وامرأة، لكن في الحياة عموماً النسيان سهل إذا أردنا، لكننا لا نريد أن تكون مسألة عادة، مسألة تأسي بأقوال الشعراء، نريدها احتساب وطلب الأجر من الله جل وعلا؛ وأن قدر الله ماضٍ ماضٍ صبر الإنسان أم جزع، لكن المؤمن يصبر، وينتظر من الله الفرج، وينتظر من الله جل وعلا المثوبة والأجر، فالله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
فيجب أن يعلم أن الله جل وعلا لم يجعل الدنيا ثواباً للمؤمن، ولم يجعلها سجناً للكافر، وهذا يدل على حقارتها عند ربها ﵎، والله يقول: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
ويجب أن يعلم كل أحد أن الأمور ثلاثة: الأول: لا يقع، وهو ما لا يكون بالله، والمعنى: ما لا يكون بالله فلا يكون، فشيء لم يكتبه الله، ولم يقدره الله، ولم يعلمه الله فلا يمكن أن يقع.
والأمر الثاني: شيء يكون بالله قدراً، ويكون لغير الله شرعاً، فهذا لا يثبت ولا يدوم، كمن يعمل عملاً لغير الله.
والثالث: وهو الذي يجعله المؤمن بين عينه، فيكون بالله ولله، فهذا وإن ذهب في الدنيا عينه بقي في الآخرة أثره، ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢٢].
стр. 185
تعزية لبعض المصابين
المقدم: يا شيخ صالح: قبل أن أخرج من موضوع الصبر تعلم ويعلم المشاهد الكريم ما قد آلمنا كثيراً والله، وهو نبأ الحادث الذي تعرض له الأستاذ ياسر شعبان، فنعزيه نيابة عن فريق العمل: أصالة عن نفسي؛ باعتبار أنني أحد التلاميذ الذين تتلمذوا عليه في مجال العالم، وأنقل لك أخي الكريم أيضاً: تعازي الإخوة والأخوات على منتدى القطوف الدانية، وأترك المجال لكم أيضاً يا شيخ صالح إن كنتم تريدون أن تقولوا شيئاً.
الشيخ: للتعريف الأستاذ ياسر شعبان هو أحد المخرجين الفضلاء في هذه القناة المباركة، وقد عملت معه -وفقه الله وشافاه وعافاه- في برنامج مجمع البحرين وغيرها من البرامج، وقد ابتلي بفقد زوجته وابنته، وقد دفنتا عندنا في المدينة في بقيع الغرقد، ولعل هذا من رحمة الله جل وعلا بهما، ذلك أن الدفن في المدينة له منقبة؛ من وجه أن أهل بقيع الغرقد هم أول من تنشق عنهم القبور بعد نبينا ﷺ وصاحبيه.
والأستاذ ياسر الآن في المستشفى وفق ما علمت من الأستاذ وليد والإخوة الفضلاء الذين وقفوا معه وقفة مشرفة سواءً من زملائه في القناة هنا، أو من إدارة القناة عموماً.
والذي يعنينا أن نقول لأخينا الكريم: نبلغك تعازينا وتعازي كل محب، ثم لا نستطيع أن نقول لك: إلا أن تصبر وتحتسب، والله جل وعلا إذا أراد بعبد خيراً أصاب منه، كما صح بذلك الخبر، وما عجل الله جل وعلا للصابرين لا يمكن أن يتصوره أحد، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
وعند ملاقاته جل وعلا يجد الإنسان تلك العطايا الربانية، والمنح الإلهية، وأشد الناس بؤساً في الدنيا إذا غمس غمسة واحدة في الجنة يقول: لم أر بؤساً قط، فالحمد لله على ما مضى من عافية، والحمد لله على من استقبل من عطاء، والحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار.
ونحن إخوتك يا أستاذ ياسر وزملاؤك؛ إخوتك في الإسلام، وأخوتك في العمل ومحبوك، نسأل الله جل وعلا أن يعينك ويرزقك الصبر، ويمن عليك بالشفاء، ويغفر لزوجتك، وأن يجعل ابنتك فرطاً لك في الجنة؛ كونها ماتت صغيرة، والله خير من يعين على الصبر، ويثيب عليه.
المقدم: وأيضاً: وصلت الآن وخلال بث الحلقة قصيدة من الأخ محمود الشنقيطي يهديها نيابة عن كل أعضاء الموقع، وعن مقدمي البرنامج وعن أسرة العمل كاملة، يقول في أبياتها: يا ياسراً لست الوحيد الحزن كدر صافيه لكنّ حولك إخوة تحت القطوف الدانية ذاقوا كما ذقت الأسى فسل الدموع الجارية فلك التعازي منهم ولك الرضاء والعافية والله نسأل رحمة بحبيبة لك غالية أما الصغار فإنهم طير الجنان العالية والله يعلم أننا من بعد وقع الداهية لعبت بنا الأحزان حتـ ـى لم تذر من باقية لكننا سنقول قولاً لذوي القلوب الراضية فجميعنا ملك الإله والفضل منه عارية فهو الحكيم إذا قضى تلك العقيدة كافية في كل ما هو كائن حكَم لربي خافية ثم الصلاة على الذي زكى النفوس الراضية والآل والأصحاب ما بدت النجوم الزاهية.
إن لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا جميعاً، واخلف لنا خيراً منها.
стр. 186
حكم قراءة سورة الأنبياء لمعرفة العائن
المقدم: أخ يسأل يا شيخ عن قراءة سورة الأنبياء؛ فالبعض يقول: قراءتها مثلاً: سبع ليالٍ أن من شأنها أن من لديه عين أنه يرى العائن في منامه؟ الشيخ: تفصيل هذا على النحو التالي: أما تعبداً فلم يرد في هذا فيما أعلم شيء، ولا يجوز اعتقاداً منه أن لها أجراً معيناً، وأما إذا ذكر أحد من الناس أنه قرأ سورة الأنبياء سبع مرات ثم ظهر له أحد، وثبت بعد ذلك حقاً أنه ممن أصابه بالعين، فانتقل الأمر الآن من كونه تعبدياً إلى كونه بالتجربة، والقرآن أخبر الله أنه شفاء، فما يشترط في العبادة لا يشترط في الطب؛ لأن الطب قائم على التجربة، فلو قرأها وحصل أن رأى العائن فلا نثرب عليه في هذا الباب، لكن لا ننسبه للنبي ﷺ ، ولا نقول بأن هذا من وسائل القرب.
стр. 187
الحسد بين طلبة العلم والفرق بينه وبين الغبطة
المقدم: بعضهم يسأل عن الحسد بين طلبة العلم يقول: لو تبين لنا بعضه، وآخر يقول: (لا حسد إلا في اثنتين)؟ الشيخ: قوله: (لا حسد) أي: لا غبطة، وقد بينا قبل قليل المباح منه والمحمود المندوب، فهذا مندرج في المحمود فالمندوب يكون عندما يحق للإنسان أن يحسد، فيحسد رجلاً يقرأ القرآن وينفع الناس، فهذا الذي تغبطه وتتمنى أن تكون مكانه، ورجل أعطاه الله علماً يعلمه الناس، فهذا من تغطبه وتتمنى أن تكون مثله.
ورجل أعطاه مالاً ينفق منه أناء الليل وأطراف النهار، فهذا الذي تغبطه وتتمنى أن تكون مثله، فهذا فيه الحث على المنافسة في الخيرات.
стр. 188
المراد بالعمل الصالح في قوله تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى)
المقدم: يتساءل بعضهم عن العمل الصالح كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ [النحل:٩٧]؟ الشيخ: العمل الصالح هو كل ما أمر الله به إذا وافق ذلك شريعة نبينا ﷺ ، مع إخلاص العمل لله جل وعلا.
وأما قول الله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] فأفضل ما فسرت به أن الحياة الطيبة هي الرضا بالقدر.
стр. 189
أشرطة الشيخ المغامسي في التفسير
المقدم: سائل يسأل إذا كان لكم سلسلة في التفسير أشرطة وكتب؟ الشيخ: لنا تأملات قرآنية نزل منها ما يسمى ألبومان: ألبوم تأملات قرآنية واحد، وتأملات قرآنية اثنان.
стр. 190
منهج الشيخ المغامسي في سلاسله القرآنية
المقدم: هل عندكم منهج معين في هذه السلسلة يا شيخ؟ الشيخ: نختار من كل سورة بعض الآيات، وأما في محاسن التأويل فنأخذ السورة كاملة.
стр. 191
كيفية طلب العلم في المناطق النائية
المقدم: أحد الإخوة يسأل عن طلب العلم ولا سيما في المناطق النائية؟ الشيخ: الذين في المناطق النائية، يأخذون الأشرطة التي فيها شروح، كشروح الشيخ محمد بن عثيمين رحمة الله تعالى عليه، والشيخ ابن باز، والشيخ عبد الله الجبرين، والشيخ صالح الفوزان وأمثالهم من أقطاب العلماء، فيؤخذ أشرطتهم وتفرغ وتقرأ بعد تفريغها وينتفع الإنسان بها، ويستمع أيضاً لبعض طلبة العلم الآخرين.
ولبرامج قناة المجد أو غيرها كقناة المجد العلمية دروس كثيرة فيستفاد منها، فالأكاديمية العلمية بقناة المجد فيها خير عظيم لا يمكن إنكاره، بل تزيد الإنسان علماً إلى علم.
стр. 192
هل نسيان السنة كنسيان القرآن
المقدم: أحدهم يسأل: هل نسيان السنة كنسيان القرآن؟ الشيخ: لا، هذا يحتاج إلى دليل، والدليل قد صرح بالقرآن، لكن لاشك أن تضييع السنة فيه تفريط، لكن لا يصل إلى حد نسيان القرآن.
والنسيان أحياناً قد يكون بسبب عضوي، وأحياناً يكون بسبب المعاصي.
стр. 193
التلازم بين الحسنات والسيئات في الذكر في القرآن
المقدم: أختم يا شيخ بما يتعلق بالأشياء التي وردت في القرآن الكريم وترددت كثيراً، وهنا ما يتعلق بمسألة الحسنات والسيئات، فهي غالباً ما تقرن ببعضهما، فدعنا نتكلم يا شيخ عن أسباب حصول الحسنات والسيئات، ثم كيفية المحافظة على الحسنات، ومحاولة الزيادة منها.
الشيخ: لقد خلق الله جل وعلا الثقلين لأمر عظيم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
ثم كلف عباده بأعمال، فسمى جل وعلا صنيع ما نهى عنه سيئة، وسمى صنيع ما أمر به أو دعاء إليه حسنة، وسمى الأجر المترتب عليها حسنة، وسمى الأجر المترتب على السيئة سيئة، ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس:٢٧].
فالحسنة تطلق على العمل، وتطلق على الجزاء، والسيئة تطلق على العمل، وتطلق على الجزاء، والحسنات والسيئات ضدان، ومن أعظم ما يتقرب إلى الله جل وعلا به: إتيان الحسنات وترك السيئات، ولا حسنة تعدل توحيد الله جل وعلا، وكل الحسنات مندرجة فيها، فهي الحسنة العظمى.
ولا سيئة عياذاً بالله تعدل الشرك، فهي السيئة العظمى المحبطة لكل عمل، وجعل الله جل وعلا جزاء السيئة سيئة مثلها، وجعل جزاء الحسنات الحسنة بعشر أمثالها؛ كرماً منه، وتفضلاً على عباده، ثم يضاعف الله جل وعلا لمن يشاء.
وإذا كان يوم القيامة وزنت حسنات المرء وسيئاته قال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] إلى أن قال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف:٨]، ثم قال بعدها: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف:٩].
وحتى يتحقق فعل الحسنة لابد من أمور: أولها: أن يقع في القلب تعظيم الرب ﵎، ثم يزدلف الإنسان إلى ربه بتلك الحسنات التي أمر بها، وقد بينا أن من أعظم الحسنات، بل الحسنة التي لابد منها حتى يصح ما بعدها هي التوحيد، والسيئة التي لابد من تركها حتى لا تحبط الحسنات هي الشرك، ثم تأتي أعمال، والناس قدراتهم ومشاربهم ومواهبهم وظروفهم تختلف، لكن المهم أن يصنع الإنسان الحسنات التي شرعها الله جل وعلا، منها بر الوالدين، فبر الوالدين من أعظم ما يقرب إلى الله ﵎، وإن القلوب لتدمع عندما يسمع الإنسان ويقرأ في الصحف أن أحداً من الناس قتل أحد أبويه، أو تجرأ عليهما، والله يقول: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤].
وجاء في الأثر: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يشكو إليه كثرة ذنوبه، فقال له ﵊: (ألك والدة) يعني: موجودة حية، (قال: لا.
قال: لك خالة؟ قال: نعم.
قال: فبرها)، فجعل ﷺ بر الخالة ممحاة للذنوب، فكيف إذاً ببر الوالدة! ومن وسائل القرب إلى جل وعلا: صلاة الليل، فإن الإنسان إذا كان يوجد لديه باعث أن يقوم من فراشه ويصلي فهو على خير عظيم، قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٢ - ١١٥].
وهذا من نعم الله أن الله جعل للحسنات سلطاناً على السيئات، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
والمحافظة عليها لا يحمل الإنسان على كاهله هماً أعظم من هم: كيف يفد على الله جل وعلا، فحسن الوفادة على الله يلزم منه الاستمرار على العمل الصالح، والاستمرار على العمل الصالح لا يكون إلا بالله، وكما قلنا من قبل ما لا يكون بالله لا يمكن أن يكون، ومعنى ذلك: أنه ليس أمام الإنسان إلا أن يتضرع، ويتوسل إلى ربه في أن يرزقه عمل الحسنات، ويكفر عنه السيئات، ويعصمه، وأن يثبته على الهدى حتى الممات؛ حتى ينجو، هذا ما يمكن أن يقال جملة عن الحسنات والسيئات.
المقدم: أحسن الله إليكم يا معالي الشيخ، وأتقدم نيابة عن كل المشاهدين بجزيل الشكر، شكر الله لكم يا شيخ صالح.
стр. 194
سؤال هذه الحلقة
المقدم: سؤال الحلقة يا شيخ؟ الشيخ: سؤال الحلقة: يقول ﷺ : (شيبتني هود وأخواتها).
السؤال ما هن أخوات سورة هود؟ المقدم: مشاهدي الكرام! أختم بهذا السؤال وتقبلوا تحية طيبة من فريق العمل من هؤلاء الرجال المخلصين الذين يقفون خلف شاشاتهم لينقلوا لكم هذا البرنامج بقيادة مخرجنا المتميز الأستاذ وليد الطيب.
أسعد الله مساءكم ونلتقي بإذن الله في الحلقة القادمة في الشهر القادم ثاني اثنين إلى ذلكم الحين، ابقوا في حفظ الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 195
سلسلة القطوف الدانية _ الدين المعاملة
لا يقتصر الدين على أمور العبادات، بل يشمل جوانب الحياة المختلفة، ومن ذلك معاملة الآخرين، فهي مجال مهم لمعرفة قوة الإيمان وضعفه.
стр. 196
رمضان والعيد
стр. 197
حديث إيقاد النار ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام
المقدم: هل يصح حديث إيقاد النار ألف سنة ثم ألف سنة ثم ألف سنة؟ الشيخ: حديث إيقاد النار حديث صحيح، وهو أنه: (أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم ألف حتى احمرت، ثم ألف عام حتى اسودت فهي سواد كالجحيم)، والمقصود أن الله أرادها بهذه الكيفية حتى تكون عظيمة الأمر، وهذا لحكمة أرادها الله وهي تخويف العباد، والنبي ﷺ نقل ما وقع، والله جل وعلا يقول: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦]، وقد خلق الله جل وعلا السموات والأرض في ستة أيام مع أنه ﵎ قادر على أن يخلقها في أقل من ذلك؛ لكن قال العلماء: المراد تعليم عباده.
ونحن نقول: سواء علمنا الحكمة أو جهلناها فليس لها علاقة بقدرة الله هنا، فالله جل وعلا لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذه من اليقينيات التي لا يختلف عليها اثنان من المسلمين.
стр. 198
معنى حديث (عينان لا تمسهما النار)
السؤال
ذكر الرسول ﷺ : (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، فهل يطلق على كل من بكى من خشية الله أنه لا يدخل النار، وجزاك الله خيراً؟
الجواب
هذا الحديث صحيح: (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، والأصل إمرار الحديث على ظاهره، فمن وفقه الله جل وعلا فبكى من خشية الله وأراد بذلك وجه الله ﵎ فإن الله جل وعلا قد حرمه على النار.
стр. 199
مرافقة الرسول ﷺ في الجنة
المقدم: سائل يسأل عن مرافقة النبي ﷺ في الجنة؟ الشيخ: مرافقة النبي ﷺ من أسمى المطالب، ولهذا وعد النبي ﵊ على بعض الأعمال الصالحة بجواره كما في قوله ﵊: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)، وقوله ﵊: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا).
وربيعة بن كعب الأسلمي كما في الحديث الصحيح قال: (يا ربيعة سلني حاجتك؟ قال: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك يا ربيعة؟ قال: هو ذاك يا رسول الله، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود).
ونحن لم تكتحل أعيننا برؤيته صلوات الله وسلامه عليه؛ لكننا نرجو الله جل وعلا جواره ﵊، ولهذا ينبغي أن يكون هناك محبة له في أول الأمر، ثم يتبع ذلك اتباع لسنته، والتماس لهديه، واقتفاء لأثره ﵊.
وهذا لا يزهد فيه مسلم، ولا يوجد عاقل يزهد في مرافقة النبي ﷺ .
ويوجد حديث في المسند تكلم بعض أهل العلم في سنده، ومعنى الحديث: أن النبي ﵊ يأتي الجنة فيجد امرأة على بابها تزاحمه في دخولها فيقول لها: من أنت؟ فتقول: أنا امرأة مات زوجي عن أطفال لي فرعيتهم، فالحديث من جملة فضائل الأعمال فيستأنس به ويؤخذ به، نسأل الله جل وعلا العون لكل أرملة.
стр. 200
حقيقة العبارة (الدين المعاملة)
الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته قول قائل ولا يجزي بآلائه أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب غيره ولا إله سواه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فعنوان حلقة هذا اليوم (الدين المعاملة)، وهذا قول ذائع مشهور يحمل في طياته هذه الكثير من الصواب لكن نحذر أموراً يجب علينا أن نبينها للغير.
أولها: أن هذا القول ليس حديثاً نبوياً عن النبي ﷺ ، قال العلامة الأثري عبد العزيز بن عبد الله بن باز غفر الله له ورحمه: ليس لهذا اللفظ أصل في الحديث، أي: هذا الحديث ليس له أصل، فهي ليست حديثاً نبوياً، قال رحمة الله تعالى عليه: الأفضل أن يقال: الدين حسن المعاملة، أو يقال: حسن المعاملة من الدين.
لكن الذي نستطيع أن نقوله: إن القرآن والسنة دلا على أن من أعظم ما دل الدين عليه حسن التعامل مع غيرنا من الناس، وهذا مما فرضه الله جل وعلا علينا وأمرنا به على طرائق عدة، قال ربنا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، والأحاديث في هذا الباب كثيرة سيأتي تباعاً بيانها.
إذاً: يتحرر أننا قصدنا من العنوان أن نغير مفهوماً خطأ عند الناس، ونحن نبقي على صحة المعنى إلى حد كبير، لكن لا يمكن نسبة هذا القول إلى النبي ﷺ .
стр. 201
معنى مدارسة القرآن
السؤال
سأقف وقفتين: الأولى: ستكون مع شهر رمضان، والثانية: ستكون مع العيد.
بالنسبة يا شيخ لشهر رمضان دائماً نسمع في وسائل الإعلام من الوعاظ من الدعاة أن جبريل ﵇ كان يدارس النبي ﷺ القرآن في شهر رمضان، كثير من المشاهدين يتشوق إلى معرفة طبيعة هذه المدارسة وحقيقتها.
الجواب
المدارسة ثابتة في الخبر الصحيح، أن جبريل كان يدارس النبي ﷺ القرآن، وأن النبي ﷺ إذا دارسه جبريل القرآن يكون أجود من الريح المرسلة، لكن السؤال كما قلتم: ما معنى المدارسة؟ ونقول: المدارسة لها طريقان الطريق الأول: أن يأتي اثنان أو أكثر فيقرأ أحدهما حزباً أو ربعاً من القرآن ثم الآخر يقرأ الحزب أو الربع الذي بعده.
الطريق الثاني: أن يقرأ أحدهما حزباً أو ربعاً معيناً ثم يعيد الآخر قراءة ما قرأه الأول.
قال المحققون من العلماء: وهذه -أي الثانية- هي مدارسة جبريل للنبي ﷺ وهي أصح الوجهين.
وقد فهم منها العلماء أن الإنسان إذا وجد من يعينه على الطاعة والخير استعان به، فقد كان جبريل ﵇ يدارس النبي ﷺ القرآن، فكان فيه إذكاء لهمة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وهذا الأمر شبه مفقود في زماننا هذا.
نعم توجد حلقات التحفيظ، ولكنهم يقصدون بها التعلم فقط، يعني: لا ينوون بها المدارسة التي يقصد بها التعبد في رمضان، وإنما يصنعون في رمضان وفي غيره من باب الرد على المتعلم.
стр. 202
حكم اجتماع الجمعة والعيد في يوم
السؤال
اجتمع العيد والجمعة هذه السنة، وكثرت التساؤلات عمن صلى صلاة العيد هل يجب عليه أن يصلي صلاة الجمعة؟
الجواب
للعلماء ثلاثة أقوال: القول الأول: يقول بأنه إذا اجتمع عيد مع الجمعة في يوم واحد كما حصل في عامنا هذا فإنه يبقى العيد عيداً مفروضاً على القول بأنه فرض عين أو سنة مؤكدة، والجمعة تبقى كما هي واجبة، وهذا ينسب إلى جمهور العلماء وهو قول الشافعية والمالكية والأحناف.
القول الثاني: أن من شهد صلاة العيد لم تجب عليه صلاة الجمعة، وهذا القول هو قول الحنابلة وبعض السلف.
ودليلهم على هذا حديث إياس بن أبي رملة الشامي أنه قال: (شهدت معاوية ﵁ وأرضاه في الشام يسأل زيد بن أرقم ﵁ وأرضاه عن كيف صنع النبي ﷺ إذا اجتمع عيدان -يقصد عيد الفطر أو الأضحى ويوم الجمعة- فأخبره زيد بن أرقم أن النبي ﷺ صلى العيد ورخص لمن شهد العيد في الجمعة).
من هنا أخذ الفقهاء كما هو مذهب الإمام أحمد ومن تبعه ومن كان قبله أن الإنسان إذا شهد صلاة العيد لا تصبح الجمعة في حقه واجبة إلا الإمام؛ لأن الإمام إذا سقطت عنه لا يتأتى بعد ذلك لغيره أن يصليها.
ولقوله ﷺ كما في حديث ابن ماجة عن أبي هريرة أنه قال: (وإنا مجمعون)، أي: أنه ﷺ صلاها.
القول الثالث: وهو ما نقله أبو داود في سننه عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أنه جمع ما بين العيد والجمعة بكرة ركعتين، ثم لم يخرج للناس إلا مع صلاة العصر أي: أنه لم يصل الظهر.
فروي أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخبر بفعل ابن الزبير هذا فقال ﵁ وأرضاه: أصاب السنة، أي: أن ابن الزبير أصاب السنة، وهذا قول له وجهه وله قوته، لكن الإشكال وهو أنه لم يصل الظهر ولا الجمعة.
هذا الإشكال وجهه الخطابي كما نقله ابن قدامة في المغني أنه محمول على من يرى أن الجمعة تؤدى قبل الزوال فيكون ابن الزبير لم يصل العيد وإنما قدم الجمعة فلما قدم الجمعة سقط الظهر، على خلاف قول الحنابلة الأول في أنه لابد أن يصلي الظهر، فكونه لا تجب الجمعة في حقه لا يعني ذلك سقوط صلاة الظهر عنه.
وحل الإشكال من جانب الخطابي رحمة الله تعالى عليه بهذه الطريقة قوي جداً.
هناك تعليق علمي رصين لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، فإنه اختار ابن تيمية الرأي الثاني وهو أنه يرخص في ترك الجمعة لكن لا يترك الظهر، ثم عقب على ذلك بقوله: لأنهما عبادتان من جنس واحد اجتمعتا ودخلت إحداهما في الأخرى ثم قال: وإن إيجاب الجمعة على من صلى العيد فيه تضييق على الناس في يوم عيدهم؛ والأصل في العيد السعة والانبساط والسرور.
السؤال: القول الثاني إذا كان له وجاهته على التوجيه الذي ذكرت، وهو أن من صلى الجمعة قبل الزوال تسقط عنه صلاة الظهر؛ لكن هذه الفتوى هل لها وجاهة في هذا الزمن؟ الجواب: هذا قول الخطابي؛ لكن بعض الفقهاء يقول: إنه إذا صلى العيد أغنت عن الجمعة وبما أنها أغنت عن الجمعة فلا حاجة إلى أن يصلي الظهر؛ باعتبار كأنه صلى الجمعة وإن أخذ به أفراد من العلماء؛ لكن القاعدة العامة أنه تحترم آراء الفقهاء والعلماء، وقد قال بهذا علماء أجلاء سبقونا إلى ربنا، ولكن لا حاجة للتسمية، وأقول دائماً كما قال الشاطبي: وواجب عند اختلاف الفهم إحساننا الظن بأهل العلم
стр. 203
حكم صلاة العيد
السؤال
البعض يقول: بما أن صلاة العيد سنة مؤكدة وصلاة الجمعة واجبة، إذاً سأترك صلاة العيد وأحرص على أداء صلاة الجمعة؟
الجواب
هذا قول للفقهاء إنها سنة مؤكدة، وبعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وشيخنا العلامة ابن عثيمين رحمة الله تعالى عليه كان يرى أنها فرض عين، أو على الأقل كان يميل كثيراً إلى أنها فرض عين، والنبي ﷺ حافظ على صلاة العيد.
стр. 204
معنى حديث (أعددت لعبادي الصالحين)
المقدم: ورد في الحديث القدسي: (قال الله : أعددت للمؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، فكيف يمكن أن نقرب المعنى الوارد في هذا الحديث؟ الشيخ: لقد ورد في القرآن قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]، وورد في الحديث ما ذكر في السؤال.
ونحن نقول: الأعمال التي يصنعها العبد ثلاثة: الأول: عمل قلبي: فأنت أيها المؤمن تحب الله، هذا شيء في قلبك لا يعلمه الناس.
الثاني: عمل يسمع: كما لو كنت عند شخص وأسمعه يقول: سبحان الله، الحمد لله، ولا إله إلا الله، أو يقرأ القرآن.
الثالث: عمل مرئي: أي شيء تراه، فمثلاً: دخلت المسجد فوجدت أحد إخوانك المسلمين يصلي أو صائم رأيته يفطر أمامك، فهذا عبادة مرئية.
فانظر إلى عظمة الرب ﷻ ، فأعمال القلوب يثيب عليها ما لا خطر على قلب بشر، والأعمال التي تسمع يثيب عليها ما لم تسمع أذن، والأعمال المرئية يثيب عليها ما لم تر عين.
ولا يمكن أن تخرج الأعمال عن هذه الثلاث، وعلى هذا قال الله جل وعلا: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت)، مقابل أعمالهم المرئية، (ولا أذن سمعت)، مقابل أعمالهم المسموعة، (ولا خطر على قلب بشر)، مقابل أعمالهم القلبية.
إذاً نحن معشر المسلمين ينبغي أن نعلم أننا أمام رب عظيم جليل كريم، فلا يقصر أحدنا في عمل خوفاً من بخل المعطي، هذا محال، فنحن نتعامل مع أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، من لا تنفذ خزائنه، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
стр. 205
رمضان والعيد
стр. 206
حديث إيقاد النار ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام
المقدم: هل يصح حديث إيقاد النار ألف سنة ثم ألف سنة ثم ألف سنة؟ الشيخ: حديث إيقاد النار حديث صحيح، وهو أنه: (أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم ألف حتى احمرت، ثم ألف عام حتى اسودت فهي سواد كالجحيم)، والمقصود أن الله أرادها بهذه الكيفية حتى تكون عظيمة الأمر، وهذا لحكمة أرادها الله وهي تخويف العباد، والنبي ﷺ نقل ما وقع، والله جل وعلا يقول: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦]، وقد خلق الله جل وعلا السموات والأرض في ستة أيام مع أنه ﵎ قادر على أن يخلقها في أقل من ذلك؛ لكن قال العلماء: المراد تعليم عباده.
ونحن نقول: سواء علمنا الحكمة أو جهلناها فليس لها علاقة بقدرة الله هنا، فالله جل وعلا لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذه من اليقينيات التي لا يختلف عليها اثنان من المسلمين.
стр. 207
معنى حديث (عينان لا تمسهما النار)
السؤال
ذكر الرسول ﷺ : (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، فهل يطلق على كل من بكى من خشية الله أنه لا يدخل النار، وجزاك الله خيراً؟
الجواب
هذا الحديث صحيح: (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، والأصل إمرار الحديث على ظاهره، فمن وفقه الله جل وعلا فبكى من خشية الله وأراد بذلك وجه الله ﵎ فإن الله جل وعلا قد حرمه على النار.
стр. 208
مرافقة الرسول ﷺ في الجنة
المقدم: سائل يسأل عن مرافقة النبي ﷺ في الجنة؟ الشيخ: مرافقة النبي ﷺ من أسمى المطالب، ولهذا وعد النبي ﵊ على بعض الأعمال الصالحة بجواره كما في قوله ﵊: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)، وقوله ﵊: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا).
وربيعة بن كعب الأسلمي كما في الحديث الصحيح قال: (يا ربيعة سلني حاجتك؟ قال: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك يا ربيعة؟ قال: هو ذاك يا رسول الله، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود).
ونحن لم تكتحل أعيننا برؤيته صلوات الله وسلامه عليه؛ لكننا نرجو الله جل وعلا جواره ﵊، ولهذا ينبغي أن يكون هناك محبة له في أول الأمر، ثم يتبع ذلك اتباع لسنته، والتماس لهديه، واقتفاء لأثره ﵊.
وهذا لا يزهد فيه مسلم، ولا يوجد عاقل يزهد في مرافقة النبي ﷺ .
ويوجد حديث في المسند تكلم بعض أهل العلم في سنده، ومعنى الحديث: أن النبي ﵊ يأتي الجنة فيجد امرأة على بابها تزاحمه في دخولها فيقول لها: من أنت؟ فتقول: أنا امرأة مات زوجي عن أطفال لي فرعيتهم، فالحديث من جملة فضائل الأعمال فيستأنس به ويؤخذ به، نسأل الله جل وعلا العون لكل أرملة.
стр. 209
حقيقة العبارة (الدين المعاملة)
الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته قول قائل ولا يجزي بآلائه أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب غيره ولا إله سواه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فعنوان حلقة هذا اليوم (الدين المعاملة)، وهذا قول ذائع مشهور يحمل في طياته هذه الكثير من الصواب لكن نحذر أموراً يجب علينا أن نبينها للغير.
أولها: أن هذا القول ليس حديثاً نبوياً عن النبي ﷺ ، قال العلامة الأثري عبد العزيز بن عبد الله بن باز غفر الله له ورحمه: ليس لهذا اللفظ أصل في الحديث، أي: هذا الحديث ليس له أصل، فهي ليست حديثاً نبوياً، قال رحمة الله تعالى عليه: الأفضل أن يقال: الدين حسن المعاملة، أو يقال: حسن المعاملة من الدين.
لكن الذي نستطيع أن نقوله: إن القرآن والسنة دلا على أن من أعظم ما دل الدين عليه حسن التعامل مع غيرنا من الناس، وهذا مما فرضه الله جل وعلا علينا وأمرنا به على طرائق عدة، قال ربنا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، والأحاديث في هذا الباب كثيرة سيأتي تباعاً بيانها.
إذاً: يتحرر أننا قصدنا من العنوان أن نغير مفهوماً خطأ عند الناس، ونحن نبقي على صحة المعنى إلى حد كبير، لكن لا يمكن نسبة هذا القول إلى النبي ﷺ .
стр. 210
معنى مدارسة القرآن
السؤال
سأقف وقفتين: الأولى: ستكون مع شهر رمضان، والثانية: ستكون مع العيد.
بالنسبة يا شيخ لشهر رمضان دائماً نسمع في وسائل الإعلام من الوعاظ من الدعاة أن جبريل ﵇ كان يدارس النبي ﷺ القرآن في شهر رمضان، كثير من المشاهدين يتشوق إلى معرفة طبيعة هذه المدارسة وحقيقتها.
الجواب
المدارسة ثابتة في الخبر الصحيح، أن جبريل كان يدارس النبي ﷺ القرآن، وأن النبي ﷺ إذا دارسه جبريل القرآن يكون أجود من الريح المرسلة، لكن السؤال كما قلتم: ما معنى المدارسة؟ ونقول: المدارسة لها طريقان الطريق الأول: أن يأتي اثنان أو أكثر فيقرأ أحدهما حزباً أو ربعاً من القرآن ثم الآخر يقرأ الحزب أو الربع الذي بعده.
الطريق الثاني: أن يقرأ أحدهما حزباً أو ربعاً معيناً ثم يعيد الآخر قراءة ما قرأه الأول.
قال المحققون من العلماء: وهذه -أي الثانية- هي مدارسة جبريل للنبي ﷺ وهي أصح الوجهين.
وقد فهم منها العلماء أن الإنسان إذا وجد من يعينه على الطاعة والخير استعان به، فقد كان جبريل ﵇ يدارس النبي ﷺ القرآن، فكان فيه إذكاء لهمة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وهذا الأمر شبه مفقود في زماننا هذا.
نعم توجد حلقات التحفيظ، ولكنهم يقصدون بها التعلم فقط، يعني: لا ينوون بها المدارسة التي يقصد بها التعبد في رمضان، وإنما يصنعون في رمضان وفي غيره من باب الرد على المتعلم.
стр. 211
حكم اجتماع الجمعة والعيد في يوم
السؤال
اجتمع العيد والجمعة هذه السنة، وكثرت التساؤلات عمن صلى صلاة العيد هل يجب عليه أن يصلي صلاة الجمعة؟
الجواب
للعلماء ثلاثة أقوال: القول الأول: يقول بأنه إذا اجتمع عيد مع الجمعة في يوم واحد كما حصل في عامنا هذا فإنه يبقى العيد عيداً مفروضاً على القول بأنه فرض عين أو سنة مؤكدة، والجمعة تبقى كما هي واجبة، وهذا ينسب إلى جمهور العلماء وهو قول الشافعية والمالكية والأحناف.
القول الثاني: أن من شهد صلاة العيد لم تجب عليه صلاة الجمعة، وهذا القول هو قول الحنابلة وبعض السلف.
ودليلهم على هذا حديث إياس بن أبي رملة الشامي أنه قال: (شهدت معاوية ﵁ وأرضاه في الشام يسأل زيد بن أرقم ﵁ وأرضاه عن كيف صنع النبي ﷺ إذا اجتمع عيدان -يقصد عيد الفطر أو الأضحى ويوم الجمعة- فأخبره زيد بن أرقم أن النبي ﷺ صلى العيد ورخص لمن شهد العيد في الجمعة).
من هنا أخذ الفقهاء كما هو مذهب الإمام أحمد ومن تبعه ومن كان قبله أن الإنسان إذا شهد صلاة العيد لا تصبح الجمعة في حقه واجبة إلا الإمام؛ لأن الإمام إذا سقطت عنه لا يتأتى بعد ذلك لغيره أن يصليها.
ولقوله ﷺ كما في حديث ابن ماجة عن أبي هريرة أنه قال: (وإنا مجمعون)، أي: أنه ﷺ صلاها.
القول الثالث: وهو ما نقله أبو داود في سننه عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أنه جمع ما بين العيد والجمعة بكرة ركعتين، ثم لم يخرج للناس إلا مع صلاة العصر أي: أنه لم يصل الظهر.
فروي أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخبر بفعل ابن الزبير هذا فقال ﵁ وأرضاه: أصاب السنة، أي: أن ابن الزبير أصاب السنة، وهذا قول له وجهه وله قوته، لكن الإشكال وهو أنه لم يصل الظهر ولا الجمعة.
هذا الإشكال وجهه الخطابي كما نقله ابن قدامة في المغني أنه محمول على من يرى أن الجمعة تؤدى قبل الزوال فيكون ابن الزبير لم يصل العيد وإنما قدم الجمعة فلما قدم الجمعة سقط الظهر، على خلاف قول الحنابلة الأول في أنه لابد أن يصلي الظهر، فكونه لا تجب الجمعة في حقه لا يعني ذلك سقوط صلاة الظهر عنه.
وحل الإشكال من جانب الخطابي رحمة الله تعالى عليه بهذه الطريقة قوي جداً.
هناك تعليق علمي رصين لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، فإنه اختار ابن تيمية الرأي الثاني وهو أنه يرخص في ترك الجمعة لكن لا يترك الظهر، ثم عقب على ذلك بقوله: لأنهما عبادتان من جنس واحد اجتمعتا ودخلت إحداهما في الأخرى ثم قال: وإن إيجاب الجمعة على من صلى العيد فيه تضييق على الناس في يوم عيدهم؛ والأصل في العيد السعة والانبساط والسرور.
السؤال: القول الثاني إذا كان له وجاهته على التوجيه الذي ذكرت، وهو أن من صلى الجمعة قبل الزوال تسقط عنه صلاة الظهر؛ لكن هذه الفتوى هل لها وجاهة في هذا الزمن؟ الجواب: هذا قول الخطابي؛ لكن بعض الفقهاء يقول: إنه إذا صلى العيد أغنت عن الجمعة وبما أنها أغنت عن الجمعة فلا حاجة إلى أن يصلي الظهر؛ باعتبار كأنه صلى الجمعة وإن أخذ به أفراد من العلماء؛ لكن القاعدة العامة أنه تحترم آراء الفقهاء والعلماء، وقد قال بهذا علماء أجلاء سبقونا إلى ربنا، ولكن لا حاجة للتسمية، وأقول دائماً كما قال الشاطبي: وواجب عند اختلاف الفهم إحساننا الظن بأهل العلم
стр. 212
حكم صلاة العيد
السؤال
البعض يقول: بما أن صلاة العيد سنة مؤكدة وصلاة الجمعة واجبة، إذاً سأترك صلاة العيد وأحرص على أداء صلاة الجمعة؟
الجواب
هذا قول للفقهاء إنها سنة مؤكدة، وبعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وشيخنا العلامة ابن عثيمين رحمة الله تعالى عليه كان يرى أنها فرض عين، أو على الأقل كان يميل كثيراً إلى أنها فرض عين، والنبي ﷺ حافظ على صلاة العيد.
стр. 213
معنى حديث (أعددت لعبادي الصالحين)
المقدم: ورد في الحديث القدسي: (قال الله : أعددت للمؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، فكيف يمكن أن نقرب المعنى الوارد في هذا الحديث؟ الشيخ: لقد ورد في القرآن قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]، وورد في الحديث ما ذكر في السؤال.
ونحن نقول: الأعمال التي يصنعها العبد ثلاثة: الأول: عمل قلبي: فأنت أيها المؤمن تحب الله، هذا شيء في قلبك لا يعلمه الناس.
الثاني: عمل يسمع: كما لو كنت عند شخص وأسمعه يقول: سبحان الله، الحمد لله، ولا إله إلا الله، أو يقرأ القرآن.
الثالث: عمل مرئي: أي شيء تراه، فمثلاً: دخلت المسجد فوجدت أحد إخوانك المسلمين يصلي أو صائم رأيته يفطر أمامك، فهذا عبادة مرئية.
فانظر إلى عظمة الرب ﷻ ، فأعمال القلوب يثيب عليها ما لا خطر على قلب بشر، والأعمال التي تسمع يثيب عليها ما لم تسمع أذن، والأعمال المرئية يثيب عليها ما لم تر عين.
ولا يمكن أن تخرج الأعمال عن هذه الثلاث، وعلى هذا قال الله جل وعلا: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت)، مقابل أعمالهم المرئية، (ولا أذن سمعت)، مقابل أعمالهم المسموعة، (ولا خطر على قلب بشر)، مقابل أعمالهم القلبية.
إذاً نحن معشر المسلمين ينبغي أن نعلم أننا أمام رب عظيم جليل كريم، فلا يقصر أحدنا في عمل خوفاً من بخل المعطي، هذا محال، فنحن نتعامل مع أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، من لا تنفذ خزائنه، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
стр. 214
التعامل مع الله تعالى
السؤال
التعامل مع الله له ضوابط كثيرة، فما أهمها؟
الجواب
التعامل مع الله جل وعلا هو التجارة التي لا تبور، قال الله جل وعلا في وصف عباده الأخيار: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩].
والتعامل مع الله يستصحب المرء فيه أصلين عظيمين: محبته وتعظيمه، ثم يزدلف بعد ذلك إلى بعض المعالم التي من أظهرها الصدق معه ﵎.
فالصدق مع الله جل وعلا أعظم ما يعين المرء على التعامل الحق مع ربه جل وعلا، ومن صدق إلى الله فراره صدق مع الله قراره، والله يقول وقوله الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، وفي خاتمة سورة المائدة قال الله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [المائدة:١١٩].
فأعظم ما ينبغي على المرء صنيعه في تعامله مع ربه أن يكون صادقاً في تعامله مع الله.
الإنسان قد يقدر على أن يخدع ثلة من الناس، بل قد يصل الدهاة إلى خدعة الجماهير كلها، وبعض الناس قد يصل لمرض في نفسه إلى أن يخدع نفسه، لكن الشيء الذي لا يمكن لأحد أن يقدر عليه هو أن يحاول أن يخدع ربه.
فالله جل وعلا لا يمكن أن يخدع، فإن كان محالاً أن يخدع الرب ﵎ أحد من خلقه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وجب بعد ذلك على المنصف العاقل الذي يعرف ما عند الله من الثواب ويعرف ما عند الله من العقاب أن يلجأ إلى الصدق مع الله جل وعلا، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩].
المعلم الثاني: الأدب مع الرب ﵎، والأدب مع الله جل وعلا حررناه سلفاً في لقاءات سابقة؛ لكن نقتبس ما ينفعنا في مقامنا هذا.
من الأدب مع الله أن يعلم العبد أن أي مرغوب لا يتحقق إلا بإحسان من الله وفضل، وأي مرهوب لا يدفع إلا بحول الله جل وعلا وطوله، فبقوته وحوله ﵎ ندفع ما نخاف ونتقي ما نخشى، وبإحسانه جل وعلا وفضله يتحقق لنا ما نؤمل ويحصل لنا ما نريد فإذا صدق المرء بتوكله مع ربه وتأدب مع الله وعلم يقيناً أنه لا يمكن لأحد أن ينفعه إلا ربه ولا يمكن لأحد أن يضره إلا ربه صدق مع الله جل وعلا وتأدب معه في حياته كلها.
ومن الأدب مع الله جل وعلا ألا يأخذ المرء شيئاً لا ينبغي صرفه لله فيعطيه لغير الله جل وعلا، فكما أن الله جل وعلا له ذات لا تشبه جميع الذوات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فكذلك فيما نصرفه نحن من أعمال، فمنها أمور تعبدية محضة صرفها إلى غير الله شرك، وبعضها قد لا يكون شركاً لكن يكون من الأدب مع ربنا ﵎ ألا نصرفه لغيره.
دخل المهدي الخليفة العباسي مسجد رسول الله ﷺ في إحدى رحلاته للحج فإذا فيه الفقيه المدني المعروف ابن أبي ذئب، فقال أحد حاشية أمير المؤمنين لـ ابن أبي ذئب: قم، هذا أمير المؤمنين! فقال ابن أبي ذئب ﵀: إنما يقوم الناس لرب العالمين.
فأراد بعض الحاشية والحرس أن ينهره وكان منهم رجل يقال له زهير، فقال المهدي لـ زهير: اتركه فقد وقف والله شعر رأسي مما قال! ابن أبي ذئب وفق في هذا الصنيع في المسجد؛ لأنه بيت من بيوت الله؛ لكن لو كان هذا الأمر خارج المسجد كان ينبغي إجلال السلطان المسلم وسيأتي هذا، لكن الذي يعنينا أن هذا العبد الصالح فرق وهو في بيت من بيوت الله بين ما يمكن صرفه لله على الإطلاق، وما يمكن تقييد الأمر في فعله مع غيره ﵎ تأدباً مع الله.
والإنسان إذا تأدب مع الله علم أن الأمور تلوح بين الحين والآخر فربما ركن لها قلبه من حيث لا يدري، لكن إذا أراد الله بعبد خيراً كان إقدامه أو إحجامه أو إصراره أو تراجعه لله وحده دون سواه، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].
المعلم الثالث: الحياء مع الله ﵎: ثمة أمور يستحيي العبد أن يراه الله جل وعلا يصنعها، وهي كل ما نهى جل وعلا عنه، لكن من أدمن النظر وتأمل في سير الأخيار من هذه الأمة وجد خصالاً وصفات عظيمة تحلى بها السابقون قبلنا؛ من ذلك أن أبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان إذا اغتسل لا يقيم صلبه حتى يرتدي ملابسه.
وأنت تعلم أن وسائل الاغتسال في ذلك العصر تعتمد على الاغتراف، فكان أبو موسى يغتسل في الغرفة المظلمة ثانياً جذعه حتى يستطيع أن يغرف، فإذا فرغ من الاغتسال لا يقيم صلبه حتى لا تنكشف عورته، وإنما يتناول ثيابه أولاً.
قال أهل التراجم في وصفه: كان ستيراً حيياً من ربه ﵎، وهذه منزلة عالية وإن كان الإنسان غير ملزم بها؛ لكن معلوم أن لله عباداً أصفياء اجتباهم ربهم ﵎ واصطفاهم فإن ساروا أو تحركوا أو قاموا أو قعدوا فعلوا ذلك كله لربهم جل وعلا، ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]، وهذا من جنس ولايتهم لربهم ﵎ ومندرج فيه.
هذه الثلاث إذا صاحبها بعد ذلك سريرة بأن يصنعها العبد بينه وبين ربه؛ ادخرها الله له إلى يوم لقائه جل وعلا.
ومن صدقت نيته وصلحت سريرته وكان له عند الله عمل مقبول فلن يبلغ أحد سعادته إذا لقي الله.
قال الله جل وعلا عن أهل طاعته إنهم يقولون: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩]؛ لأنه فرح مسرور بما فيه فيحب أن يراه الناس، في حين أنه في الدنيا لا يحب أن يرى الناس منه تلك الطاعة؛ لأنه ادخرها ليوم يلقى الله جل وعلا فيه، أحسب فيما أعلم أن هذه الأربعة تحدد معالم التعامل مع رب العزة والجلال.
стр. 215
النصح بين النساء
السؤال
سائلة تشير إلى قصة واقعة تقول: البنات كن ينصحنها عندما كانت بعيدة عن الالتزام ثم بعد ذلك انتكسن؟
الجواب
نحن أولاً نهنئها بأنها عرفت الطريق الحق، ونسأل الله جل وعلا لنا ولها الثبات على دينه ﵎، لكنني أنصحها بأن الأخوات اللاتي كن معها يوماً من الدهر قبل أن يمن الله عليها بالهداية تتجنب نصحهن؛ لأن النفوس في مثل هذه الحالة قلما تقبل، وقد يسخر الله لأولئك الفتيات غير أختنا في نصحهن، فتقبل وتستمر في القراءة حتى تتقدم في السن قليلاً بإذن الله ورحمته، وبعد ذلك تنصرف إلى أخوات جديدات -إن صح التعبير- تعرج عليهن بالموعظة والنصيحة والتذكير، لكن ينبغي أن يكون ذلك بطرائق مقبولة قدر الإمكان، وباتخاذ وسائل معينة ثم تتدرج مع من تريد أن ترتقي بها، أو تخرجها مما هي فيه من الظلمة.
التدرج في الموعظة أمر محمود؛ لأنه الشيء الذي حبك عقدة عقدة لا يمكن حله إلا عقدة عقدة كما قال عمر بن عبد العزيز لأحد أبنائه وهو ينصحه.
следующие страницы →