Полный текст (327 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الكلام على آية الراسخين في العلم
стр. 247
موضع الوقف في الآية
الملقي: هل نقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، أو نصل فنقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران:٧]؟ الشيخ: هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم والأئمة رحمة الله تعالى عليهم أحياء وأمواتاً من قبل، يقول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧].
أنا أقول: إنه يجب أن نحرر معنى كلمة (تأويل)، لأنه لا سبيل إلى معرفة مكان الوقف في الآية حتى نعرف معنى كلمة (تأويل)، وأنا سأسرد أقوال العلماء: قال بعض العلماء وهو قول ينسب إلى الجمهور: إن الوقوف على لفظ الجلالة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، والواو بعد ذلك استئنافية، أي: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧].
وقال مجاهد وبعض أئمة التفسير: إن الواو عاطفة فيقرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، فيكون قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧]، جملة حالية من الراسخين.
والصواب عندي والعلم عند الله أن الحق يعرف بعد معرفة معنى كلمة تأويل، وكلمة (تأويل) في القرآن وردت بمعنيين: وردت بمعنى تفسير، ووردت بمعنى حقيقة الشيء وكنهه ومآله.
فإذا عبرناها بأنها حقيقة الشيء وكنهه ومآله وجب الوقف على لفظ الجلالة؛ لأن هذا لا يمكن أن يعلمه إلا الله، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف:٥٢ - ٥٣]، أي: يأتي مآله، فهذا لا يمكن أن يعلمه إلا الله.
أما إذا قلنا: (تأويل) هنا بمعنى التفسير وبيانه للناس بياناً لا يصل إلى معرفة حقيقته وكنهه، فهنا الصواب عندي أن يوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، يصبح الراسخون في العلم يعلمون تفسيره للناس، الفخر الرازي ﵀ وعفا عنه لا يرى الوقف على الراسخون في العلم ويرى الوقف على لفظ الجلالة، فيقول: لو كان الراسخون في العلم يعلمون تأويله لما بقيت لهم مزية؛ لأن المحكم والمتشابه صار عندهم شيئاً واحداً، فانتفى الأمر القلبي؛ لأنهم أصلاً عرفوا تأويلها بالعلم، هذا رأيه، وعندي أن هذا القول حجة عليه لا حجة له؛ لأن الله لو أراد القضية القلبية لقال: والراسخون في الدين، في الإيمان، في اليقين يقولون آمنا به، لكن الله قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧].
أعني لأن الثناء بالإيمان القلبي يأتي في الأمور التي يسلم الإنسان فيها، ولا يعرف حكمتها، أما الإيمان العلمي فيأتي في الأشياء التي يعرف الإنسان حقيقتها ويعرف المراد منها.
فأقول: إذا كان المقصود بالتأويل هو إدراك حقيقة الشيء وكنهه فهذا لا يعلمه إلا الله، ونقف على لفظ الجلالة، وإذا كان التأويل تفسيره وبيانه للناس فهذا يوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، وأظن أن الآية إلى الثاني أقرب، والعلم عند الله.
الملقي: لكن بالنسبة للقارئ هل يختار أن يحمل المعنى على ما يريد ويقف في الموقف الذي يراه؟ الشيخ: بالنسبة للقارئ فإنه يقف حسب ما يعتقده؛ لكن كما قلت إنه ممكن أن يقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، ثم يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧] يصير كأنه جمع بين القولين.
стр. 248
الحكمة من ورود المتشابه في القرآن
الملقي: ما الحكمة من ورود الآيات المتشابهات، وكيفية التعامل مع هذه الآيات؟ الشيخ: الحكمة منها أولاً: لو كان القرآن كله محكماً لصار حال الناس في التسليم واحداً؛ لكن المتشابه يقصد منه في المقام الأول أن المؤمن يؤمن به فيعلن بذلك استسلامه لربه ﵎ وخضوع قلبه لخالقه، قال الله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، أي: المحكم والمتشابه، فأول حكمة من إيجاد المتشابه أن تخضع القلوب لعلام الغيوب ﷻ .
الأمر الثاني: الله جل وعلا كرم الإنسان بالعقل، والعقل إذا لم يعمل مات، فعندما يكون في القرآن متشابه يكون مضماراً تجري في أقدام العلماء فيبحثون في القرآن، والعلماء لا يزالون يستنبطون منه ويأخذون ويقتبسون من سناه، فدراسة المتشابه وكيفية رده للمحكم مجال عظيم لأهل العلم، وهذا المجال العظيم فيه إذكاء لعقولهم، فعندما يكون إذكاء لعقولهم يكون معناه أن الرب جل وعلا كرَّم عقل المؤمن بهذا.
الأمر الثالث: أن القرآن عربي، كلام العرب جاء على ضربين: كلام موجز يفهمه كل أحد، وكلام يحمل كنايات وإشارات وتلويحات لا تدل على المعنى المراد مباشرة، فالقرآن جاء بطريقتهم وأسلوبهم، فجاء بالمحكم وجاء بالمتشابه، فالمحكم يوافق كلامهم الموجز الذي لا يختلف عليه اثنان، والمتشابه يوافق كلامهم الذي يحمل عدة معان؛ فكأن الله جل وعلا يتحداهم بجنس كلامهم، أي أن الله يقول لهم: جئتكم بقرآن يحمل الضربين اللذين تتفوقون فيهما، أي: فأنتم لا تقدرون على مجاراة محكمه ولا على مجاراة متشابهه.
فهو إمعان في التحدي وإمعان في الإعجاز اللغوي.
стр. 249
الأذكار التي تقال في الركوع والسجود
السؤال
سائل يسأل عن صفة صلاة النبي ﷺ سواء في الركوع والسجود هل يجب على الإمام أن يلتزم بجميع الأذكار الواردة؟
الجواب
النبي ﷺ خير من صلى وصام وأفطر، شافع مشفع في عرصات يوم المحشر، وقد نقلت عنه ﷺ أذكار، هذه الأذكار تنقسم إلى قسمين في الركوع والسجود: فأذكار لابد من الإتيان بها، وهي قول: سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود.
فما زاد على ذلك كقوله ﷺ في الركوع: (خشع سمعي وبصري وعظمي وما استقلت به قدمي لله رب العالمين، سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك، لا يغفر الذنوب إلا أنت)، وأضرابها فهذا يقال حيناً ويترك أحياناً، ويفرق الإنسان ما بين حاله وهو إمام وما بين حاله وهو منفرد.
فإن كان مأموماً فلا شك أنه تبع لإمامه، لكنه إن كان إماماً يتحرى عدم الإطالة، وكذلك لا يتوخى التقصير المخل، وإنما لابد أن يكون هناك طمأنينة في الركوع والسجود ولا تكون هناك إطالة تجعل الناس ينفردون.
ومعلوم حديث معاذ في القضية، إلا أنني أود أن أعطي فائدة، وهي أن معاذاً كان يصلي بقومه فكان يصلي وراءه شاب فالشاب عندما كان معاذ يطيل ترك الصلاة وانصرف، فغضب معاذ وتفرس فيه أنه منافق فذهبا إلى النبي ﷺ فكلاهما قال ما عنده، هذا يشتكي معاذاً أنه يطيل ومعاذ يشتكي أن هذا يترك الصلاة ويخرج، فقال ﷺ : (أفتان أنت يا معاذ؟)، قال هذا الشاب: وسيعلم معاذ إذا قيل أقبل العدو من الذي يثبت؟ فحدثت غزوة بعدها فتقدم الشاب الصفوف ومات شهيداً، فقابل النبي ﷺ معاذاً ومعاذ ﵁ وأرضاه من أجلاء الصحابة فقال له ﷺ : (ما فعل صاحبك أو ما فعل خصمك؟ قال: يا رسول الله! صدق الله وكذبت!)، معاذ يقول: (كذبت) بمعنى أخطأت، وليست كذبت بمعنى أني قلت خلاف ما أعتقد، وهذا وارد من كلام السلف.
وأيضاً: الرجل صدق الله في نيته فصدقه الله، فعندما كان يقول: سيعلم معاذ إذا أقبل العدو من الذي يثبت؟ كان صادقاً في دعواه، فهنا انظر إلى فقه رجل لم يتحمل الإطالة ومع ذلك ثبت في مواطن عظيمة جليلة.
стр. 250
تعليق على قوله: (فما ظنكم برب العالمين)
السؤال
سائل يطلب تعليقاً منك على قوله تعالى: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٨٧]؟
الجواب
هذا من محاورة نبي الله لقومه، والمقصود من كلام الله هنا جملة تسفيه آراء القوم كيف أنهم يعظمون أصناماً ويعبدون أوثاناً ثم يغفلون عن تعظيم رب العالمين ﷻ .
стр. 251
الصفات السلوكية للراسخين في العلم
الملقي: ما هي الصفات التي لابد أن تتحقق في الراسخين في العلم، فإن طلبة العلم والعلماء كثر لكن من هو الذي نقول: هذا راسخ في العلم؟ الشيخ: يقولون عن مالك ﵀: كان إذا حدث بالحديث يتوضأ ويعتدل في جلسته، وإذا تكلم في الفقه ﵀ قعد كيفما اتفق.
الكلام في الراسخين في العلم كلام مهيب مخيف وأرجو أن أكون أهلاً لأن أتكلم فيه وأنقله للناس، فيعرف الراسخ في العلم بأربعة أشياء سلوكية: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الناس، والزهد في الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه.
وتحرير ذلك: أنه لا يمكن أن نصف أحداً بأنه عالم راسخ في العلم وقلبه خال من التقوى لا في السر ولا في العلانية، ولا يمكن أن يوصف هذا بأنه عالم أصلاً؛ لكن التقوى درجات، فينبغي أن يكون الراسخ في العلم في أعلى درجات التقوى بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، أن ينظر الناس إليه كقدوة فلا يجدون فيه إلا تقوى الله، وليس الأمر بالتمني والتحلي ولكنه تطبيق عملي، وهذا مضمار أو شرف كل يدعيه والناجون فيه قليل، والحاصلون عليه أقل.
فينبغي للعالم الحق الراسخ في العلم أن يكون تقياً، وهذا أشرف المواطن وما بعده مندرج فيه.
فإذا قلنا التواضع بينه وبين الناس فمن أخطائنا أن الشيطان يغلبنا أحياناً فيجعل تلقينا للعلم لينظر إلينا الناس، لنتصدر في المجالس، وهذه أمور تبقى في النفس سيأتي الحديث عنها، وعندما يشاهده الناس عالماً مبجلاً، إذا وجد هذا التبجيل تبعاً فلا يمكن للإنسان أن يمنع الناس منه إلا إذا رآهم يغالون، ولا يضره عندما لا يكون مطلوباً له، وكيف يعرف أنه غير مطلوب له؟ يعرفه حين لا يبقى في قلبه شيء على من لم يبجله، ولا يسعى لمكان يرى أنه يبجل فيه ويترك مكاناً لا يبجل فيه، اللهم إلا مكاناً لا يريد منه الناس أن يتكلم فيه، فهذه مسألة أخرى.
فهذا الأمر الفاصل في قضية أن الإنسان يكون فيه تواضع مع المسلمين، والنبي ﷺ سيد العلماء كما هو سيد الأنبياء، والقدوة في تواضعه.
أما إذا كان العالم يترفع على الناس بعلمه ويطلب من الناس ثمن علمه اجتماعياً بأن يتكبر عليهم ويرى أن له الحق عليهم والتقدير والتبجيل فهذا قد يقال إنه أخذ حقه في الدنيا، فلا يأتي يوم القيامة وهو يؤمل أن يجد شيئاً عند الله، والله جل وعلا كلما عظمت محبته لعبد عظم ما ادخره له.
ولهذا أقول والعلم عند الله: لأمر ما قال الله عن خليله إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنِ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، وذلك حتى لا يفهم أحد أن إبراهيم عندما أخذ أجره في الدنيا ليس له شيء يوم القيامة، أعني: أن الأصل أن من أخذ أجره وافياً في الدنيا ليس له شيء يوم القيامة، فيقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف:٢٠]، لكن لأن إبراهيم كان لا يريد بعلمه ودعوته إلا الله وفاه الله أجره في الدنيا وقال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنِ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت:٢٧].
فالمقصود أن التواضع للناس هو السمة العظمى للعلماء.
الصفة الثالثة: الزهد في الدنيا في تعامله، والدنيا لا يكون الزهد فيها في ملبس أو هيئة الإنسان، يعني: لو أني أتيت إلى هذا البرنامج بشماغ مخرق ولا ألبس عباءة سيقول الناس: ما شاء الله، هذا الشيخ زاهد متواضع، هذا الشيخ لا يملك شماغاً، فكأني حصلت على الدنيا من وجه آخر، فثناء الناس من متاع الدنيا، ولو أتيت أرفل في الحرير وفي أمور عظام لقالوا: هذا متكبر على الناس.
لكن يكون الإنسان كما كان النبي ﷺ لما رزق النبوة منع الحرير وقصر الإزار وبقي يلبس كما يلبس قومه فلم يأت بجديد، ولهذا جاء النهي عن لباس الشهرة.
يعيش مع الناس كما يعيشون في حياتهم العادية، فعندما يأتي إنسان يركب سيارة كامبرس وراتبه ١٠٠٠٠ أو ١٢٠٠٠ مثلاً فهناك توافق بين مركوبه وراتبه، فهذا أمر يجري على الناس كلهم، فهذا نوع من الزهد في الدنيا، أحياناً يأتي أناس لا سبيل لهم إلى جمع المال فيظنون أن هذا زهد وهو متشوف في قلبه لأمور عظيمة يريد الوصول إلى تلك الأمور لكن أقعده أنه لا يستطيع الوصول إليها.
إنما الشأن كل الشأن من يستطيع أن يصل إليها ثم لا يأخذ منها إلا الكفاف والقناعة، هذا هو الزاهد في الدنيا حقاً، وهو من كانت الدنيا في يده ولم تكن في قلبه، وهذا أمر يقع فيه خطر عظيم، فأول فتنة وقعت في الأمة فتنة المال وفتنة الدنيا، فالخوارج أول الفرق ظهوراً ورأسهم الذي خرج من ضئضئه الخوارج ذو الخويصرة، لما قسم النبي ﷺ غنائم حنين قال: اعدل! فقال ﷺ : (ويلك! إن لم أعدل فمن يعدل؟ ثم قال: سيخرج من ضئضئ هذا أقوام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم).
ولهذا قال العلماء إن أول فتنة كانت بسبب الدنيا فالدنيا لما ذكر الله زينتها قسمها فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران:١٤]، فأعظم ما يمكن أن يبتلى به طالب العلم قضية النساء، فقد يسرف الإنسان في الدخول في أمور نسوية تقوده عياذاً بالله من حيث لا يشعر وسط فتنة النساء فلا يستطيع الانفكاك منها؛ لأن المرأة غاية مرغوبة وزينة.
وهذا ليس فيه تنقص للنساء؛ لكن من حق الرجل أن يحافظ على دينه.
بعد ذكر النساء الله قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران:١٤]، الإنسان يحب أن يرى الناس أبناءه في أبهى حلة، فيبحث عن المال بأي طريقة ليظهر أبناءه منعمين، وهذا يخالف الرسوخ في العلم.
بعد ذلك جمع المال، وقد جاء في زماننا هذا الانفتاح الإعلامي، والانفتاح الإعلامي الحق أنه شهرة؛ لأن الإنسان يمجد ويبجل ويوسع له الطريق، فلا يجوز لمؤمن ينتسب إلى العلم أن يشتري بعلمه ثمناً قليلاً من الدنيا، لكن ما جاء عرضاً يحاول رده قدر الإمكان، ويقبله إن لم يكن فيه كبر في نفسه ولا ضرر على غيره، أما غير ذلك فلا يجوز لعاقل أن يأخذ حقه قبل أن يلقى الله.
الصفة الرابعة: بعد الزهد في الدنيا مجاهدة النفس: فنحن بشر ضعفاء مركب فينا النقص، مركب فينا الحسد، مركب فينا الحقد، مركب فينا حب المال، مركب فينا حب النساء، مركب فينا حب الظهور؛ هذه أمور لا يمكن أن نسلم منها فيسعى المؤمن الراسخ في العلم حقاً إلى مجاهدة نفسه فمرة يغلب ومرة يغلب، فإذا غلب استغفر الله وآب وتاب، وإذا غلب حمد الله جل وعلا وأثنى على ربه حتى تبقى النعمة.
هذه الأربع صفات سلوكية عظيمة في كل من يدعي رسوخاً في العلم.
стр. 252
الداعيات إلى الله
стр. 253
حياء المرأة في تبليغ الدعوة
الملقي: سائلة تقول: الشخص إذا كان لديه علم لكن لا يستطيع إخراجه إلا لبعض الإخوان إما لحياء أو تهيب من الجمهور، فهل يعتبر هذا من كتمان العلم؟ الشيخ: أرجو ألا يكون من كتمان العلم، لكن تحاول أن تعود نفسها على أن تذهب الهيبة من قلبها، والحياء أمر محمود في النساء خاصة، لكن تجتهد قدر الإمكان فيمن تستطيع أن توصل العلم إليه.
стр. 254
تعليم الكبار أمور العقيدة
الملقي: من له أبوان أميان هل يعلمهم أمور العقيدة؟ الشيخ: لا يدخل في التفاصيل المعروفة فهذه صعبة عليهما، أعني خلافات العلماء وما إلى ذلك وإنما يعلمها معرفة الله وتبجيله وإجلاله، وذكر بعض الأذكار التي تظهر فيها العقيدة الصحيحة بجلاء كالاستعانة بالله وقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأذكار الصباح والمساء وأضراب ذلك.
стр. 255
هيئة المرأة الداعية
الملقي: الأخت سلمى تتكلم عن وضع دور تحفيظ القرآن تقول: بعض الداعيات تتهم بالمنظر سواء من الداعية أو من المتلقية، والبعض تهمل هذا الجانب؟ الشيخ: تلبس ما يلبسه النساء إذا كانت في الدور وجرت العادة فيها، العبرة فيما يقال للنساء ألا يحملن التشديد والغلظة في الإلقاء ولا يكون هناك نوع من التساهل، الدين مضمونه واحد، لكن كيف نبلغه؟ هذا الذي يختلف الناس فيه، فلابد أن نراعي حال من نخاطبه، فمن كان محسناً يحاول أن يزداد، ومن كان مسيئاً نحاول أن نترفق به ونصل به إلى درجة أعلى.
стр. 256
الصفات الأخرى التي يجب تحققها في الراسخين في العلم
الملقي: أعود إلى الأمور الأربعة التي ذكرت أنها يجب أن تتوافر فيمن يكون راسخاً في العلم، لعلك تلاحظ -يا شيخ- أنها كلها أمور سلوكية، فهل يضاف إليها غيرها؟ الشيخ: نعم، هي أمور سلوكية لكنها فيصل عظيم، صحيح لابد من أمور مصاحبة أخر لكن هذه الأربع هي التي تكون فيصلاً في معرفة العالم الحق.
ومما يضاف إليها: أن يعلم أن العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، فهو فضل وفهم يؤتيه الله من يشاء، قال مالك ﵀: ليس العلم بكثرة الرواية ولكنه فهم ونور يؤتيه الله من يشاء.
هذا القول تلقاه أهل العلم بالقبول؛ لأن السنة دلت عليه، فقد دل عليه حديث علي ﵁ كما في البخاري: (هل خصكم النبي ﷺ بشيء؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يؤتيه الله من يشاء بكتابه).
قال الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه في الفتح معلقاً على هذا: وهذا القول يؤيد قول مالك ﵀ أن العلم نور وفهم يؤتيه الله جل وعلا من يشاء، قال بعض المالكية يمدح مالكاً على قوله هذا: ومن قوله المفيد غاية ليس العلم بكثرة الرواية لكنه نور في القلوب يضعه رب السموات لمن يشاء ر فعه البيت قريب من هذا! المقصود أن العلم نور يقذفه الله جل وعلا في قلب من يشاء هذا أمر يجب أن يتنبه الناس إليه عندما يريدون أن يتعاملوا مع العلماء أو أن يسلكوا طلب العلم، وهذا أمر ملحوظ، فكم من إنسان ثنى ركباً وقرأ أوراقاً ولم يبلغ فيه مبلغاً، وكم من إنسان فتح الله عليه بسرعة، ولا يعني ذلك أنه لم يطلب؛ لأن الحقيقية الثانية هي: كثرة الطلب.
فلابد من الطلب، لكن متى يكون الطلب؟ كان بعض العلماء يقول: الطلب دون الأربعين، وبعد الأربعين يتفرغ للعبادة، لكن رد هذا بأنه عرف في الأمة علماء طلبوا العلم بعد الأربعين مثل حسن بن زياد اللؤلؤي أحد علماء الحنفية طلب العلم السبعين وفاق فيه وأصبح مفتياً وهو لم يبدأ الطلب إلا بعد السبعين، وكان أول ذلك كله عابداً.
فكثرة الطلب والعناية الهامة جداً بعلم الآلة؛ لأن الإنسان إذا فقد علم الآلة لا يمكن أن يصل.
وقد يكون وقت البرنامج داهمنا، لكن حتى يستفيد الناس أنصح نصائح عامة من خلال التجربة فأقول: العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء، ولابد أن تستصحب ذلك، فتسأل الله من فضله، ولا تبدأ حياتك العلمية بنقد الكبار ولا بالرد على مسائل اختلفوا فيها؛ لأنك تكشف بذلك عورتك.
لا تطير قبل أن تريش، فليكن قبل الأربعين جمع ثم بعد الأربعين غربلة لذلك الجمع، ولا تبدأ بنقاش الكبار حتى لو أخطئوا؛ لأنك لا تملك الآلة إلى مناقشتهم.
وأيضاً: لابد من الصبر وتقصي الحق في المسائل العلمية.
محمد الأمين الشنقيطي لما جاء يناقش هل الطلاق الثلاث في مجلس واحد يقع وذلك في تفسيره للقرآن ذكر بحثاً مجملاً، ثم قال حتى يبين أنه يلم بشتات القضية: والقضية من حيث المنهج العلمي يمكن مناقشتها من ثلاثة أوجه: النص الصريح القولي أو الفعلي من حيث صناعة الحديث والأصول من حيث أقوال العلماء ثم بعد هذا أخذ يبين رأيه وترجيحه.
المقصود من هذا ليس رأيه وترجيحه، المقصود من هذا أن ننظر كيف جمع النظر في صناعة الحديث وعلم الأصول والنظر في النص الصريح والنص الفعلي والنظر في أقوال العلماء، وهذا كله مفقود.
ويأتيك أحياناً من طلبة العلم من لا يعرف إلا النتيجة ويظن أن الوصول إلى النتيجة هو العلم، والنتيجة قد ينالها الإنسان من فتوى، ولو كان هذا المسلك صحيحاً لكان آباؤنا وأمهاتنا علماء؛ لأنهم يقابلون المذياع ويسمعون فتاوى العلماء لكنهم لا يعلمون على أي أساس ركبت تلك الفتوى، وهؤلاء لا يمكن أن يسموا علماء ولا يمكن أن يسموا مفتين.
وأنت تريد أن تكون عالماً مفتياً، وهذا أمر جداتنا في البيوت يسمعن قول فلان من العلماء أن هذا حرام، فعلمها أنه حرام ينفعها في دينها لكن لا يدل على أنها عالمة؛ لأنها لا تعلم لم حرم ولا تدري الآلة التي توصل بها الشيخ إلى العلم، ولا الطريقة العلمية التي توصل بها الشيخ إلى أن الفتوى صحيحة أو غير صحيحة.
وهنا بعض الناشئة يبدأ بأخذ فتاوى العلماء ثم يأتيك يناقشك بناء على النتيجة، وهو لا يدري كيف وصل الشيخ إلى هذه النتيجة، وهذا كله قصور في الفهم وقصور في الطلب، ولا يمكن أن يكون به إنسان راسخاً في العلم.
ثم لابد أن يجمع الإنسان إلى هذا النصح لدين الله ولرسوله، فالنصح هو الذي من الله به على أنبيائه ورسله ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:٦٨] من أراد أن يطلب العلم ليظهر جماعة أو حزباً أو ينال مالاً أو يحيي أمراً شخصياً أو ما إلى ذلك فليترك العلم لأهله، وحتى لو وصل لا يمكنه أن يكون في دين الله ذا شأن، ولا يمكن أن يعطى إمامة دينية وفق المنظور الشرعي.
المنظور الشرعي يعطي الإمامة في الدين لمن يستحقها، لمن لا يريد بتعليمه للناس إلا وجه الله، ولا يريد بعلمه ولا بفتواه أن ينتصر لقول زيد أو قول عمرو أو الحزب الفلاني أو الجماعة الفلانية أو السلطان أو العامة، فكل هؤلاء يتجرد منهم.
ثم مما ابتلينا به في زماننا أنه يأتيك النشأ فيقول: أنا أدين الله بهذا.
وهو صادق في كلمة (أنا أدين الله بهذا) لكن
السؤال
هل أنت تملك الأهلية لأن تصل إلى هذا الحكم قبل أن تدين الله فيه؟ فالآن لابد من آلية، ثم الوصول إلى الحكم، ثم الديانة بهذا الحكم تأتي في الأخير، فهو يقرأ كتباً فإذا وصل إلى قول عالم من العلماء قال: هذا ما أدين الله به.
أو يأتي عالم نحرير فيقول بعد كلام طويل: هذا ما أدين الله به، فيأتي هذا الغر في مجلس تعجبه هذه الكلمة فيضع رجلاً على رجل ويقول في مسألة لا يعرف ما الأقوال فيها ولا يعرف الصناعة النحوية ولا الصناعة الحديثية ولا الصناعة الأصولية، ثم يقول لك: هذا ما أدين الله به! أنت صادق في قولك لكن ارفق بنفسك يا بني فليس هذا هو العلم، تعلم كيف وصل هؤلاء الأكابر حتى قالوا هذه الكلمة، ثم قالوا ديانة: هذا ما أدين الله به.
هذا وإن كان في قولنا بعض القسوة؛ لكن فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم إننا لأن يبغضنا الناس خير لنا من أن يحبنا الناس ونحن ننشئ جيلاً غير صحيح، هذه أمة محمد ﷺ والنبي ﷺ يقول: (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم).
فمن حق عامة المسلمين علينا أن يبين لهم الدين، ولذلك أنت ترى الآن القنوات أفرزت أقواماً تصدروا الفتوى وليسوا أهلاً للعلم.
قد يقول إنسان: إن هذه غيبة.
أقول: هذه ليست بغيبة؛ لأن الحفاظ على الدين أهم من الحفاظ على الأشخاص، وحرمة الدين أعظم من حرمة الأفراد، ثم إن القضية تتضح في أنه أحياناً يأتي شيخ يتكلم بالعامية، الكلام بالعامية لا نمنعه حسب حال المخاطب؛ لأن المقصود نشل الناس من الضياع، لكن هناك فرق كبير بين رجل ذي علم جم يدرك المسألة حقاً ثم يريد أن يقرب الأمر للعوام فينزل لهم بلغتهم، هذا لا ضير فيه؛ لكن يأتينا من لا يدرك المسألة ويقولها بالعامية ويظهر من كلامه أنه أصلاً لا يفقه المسألة، فهذه مصيبة على مصيبة، العامية ليست عيباً، لكن يظهر من كلامه أنه لا يفقه المسألة، فينجم عنه أن العوام يحبونه؛ لأن لغته قريبة من لغتهم، لكن حب العوام ليس شهادة على أنه عالم.
وأنا كنت في القاهرة قبل أيام فوضع لي أحد الإخوة في السيارة شريطاً لعالم أعلمه يتكلم باللهجة المصرية؛ لكن الرجل من كلامه ومن محاضرته يظهر لك أنه متمكن علمياً إلى حد كبير، مع أنه كان وقتها يتكلم باللغة العامية، فهذا الرجل العالم هو أبو إسحاق الحويني وفقه الله، وهو محدث كلامه كلام علمي وإن كان يقوله باللهجة المصرية لينفع الناس؛ لكن الرجل يتكلم كلاماً علمياً؛ لكن قد يأتي إنسان من أي بلد كان -سواء من بلادنا أو من غيرها- فيتكلم بالعامية ويسمع فتوى ثم يردد هذه الفتوى متكئاً عليها؛ لأن هذه الفتوى قالها عالم مشهور، وهو ليس له مستند إلا هذه الفتوى.
ثم يدخل مع هذه الفتوى أمور يريد أن يوصلها للناس، ولا يجوز شرعاً أن يتصدر مثل هؤلاء.
وينبغي الاعتناء بحرمة الدين والعلم، وهذا ناجم عما قلنا في الأول إنه لا يوجد تقوى ويوجد حب للدنيا، وهذان كفى بهما هلاكاً.
فحب الدنيا مهلكة، لكن الناس يفهمون أن حب الدنيا ألا تمشي مع السلطان، مع أنه قد يأتي إنسان يمشي مع الأمراء وليس في قلبه من دنياهم شيء إنما يريد النصح لله ورسوله، ويأتي إنسان يمشي مع الضعفاء والبسطاء وهو لا يريد إلا يسلط الأضواء عليه، ثم إذا سلط الأضواء عليها نال من وراء ذلك ما الله به عليم.
فالله جل وعلا أجل من أن يخادع، ويجب الإبقاء على حرمة العلم وحرمة الدين، والنظر الحق في كتب الأئمة من قبل، وإلا فإذا كان العلم أن يأتي الإنسان إلى الشاشات أو ما يسمى بالشبكة العنكبوتية ثم يضع اسماً ثم يفرز الأوراق التي جاءت على هذا الاسم ثم يحفظها ثم يقولها للناس: هذا علم؛ فعلى هذا يكون الناس كلهم علماء.
أنا أغلظت في هذا لكنها والله رحمة بنفسي وبمن يسمعني!
стр. 257
كلمة عن وفاة الشيخ بكر أبو زيد ﵀
الملقي: فقد العلماء الراسخين يعتبر ثلمة في الدين ومصيبة كبيرة، وفي الأيام الماضية فقدنا الشيخ الراسخ في العلم بكر أبو زيد، نختم لقاءنا بكلمة حول هذا.
الشيخ: نسأل الله أولاً أن يغفر له ويرحمه وأن ينور له في قبره، ويكتب له الأجر والمثوبة، وسأقول خصيصتين في هذا الرجل العظيم: الأولى: البحوث العلمية الجادة التي لا يراد بها الدرجة العلمية.
مشكلتنا أن جميع بحوثنا درجات علمية، فلذلك حتى صاحبها يفعلها ويريد أن يترقى بها من أستاذ مساعد إلى أستاذ مشارك، ثم تركها ورماها ولا يعنى بتخريجها؛ لأنه أصلاً حصل بها المقصود، ثم ينتقل إلى درجة أخرى، لكن هذا الرجل رحمة الله تعالى عليه -العلامة بكر أبو زيد - كان يخرج بحوثاً علمية جادة رصينة في فقه النوازل، وبعضها في الأجزاء الحديثية، فينتفع بها الناس وليس المقصود من ورائها الدنيا فلذلك انتشر علمه.
والأمر الثاني: وهو أن الله جل وعلا كان قد آتاه تمكناً لغوياً، ولئن قال الناس عن الفرزدق: إنه لولا الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب فإنني أقول: لولا الله ثم بكر أبو زيد في عصرنا لذهب ثلث لغة العلم.
فلغة العلم القوية الرصينة المتينة حافظ عليها الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في بحوثه العلمية التي تدل على علو كعبه في شأن اللغة.
هاتان خصيصتان عظيمتان كانتا فيه ﵀.
стр. 258
كلمة عن وفاة الشيخ بكر أبو زيد ﵀
الملقي: فقد العلماء الراسخين يعتبر ثلمة في الدين ومصيبة كبيرة، وفي الأيام الماضية فقدنا الشيخ الراسخ في العلم بكر أبو زيد، نختم لقاءنا بكلمة حول هذا.
الشيخ: نسأل الله أولاً أن يغفر له ويرحمه وأن ينور له في قبره، ويكتب له الأجر والمثوبة، وسأقول خصيصتين في هذا الرجل العظيم: الأولى: البحوث العلمية الجادة التي لا يراد بها الدرجة العلمية.
مشكلتنا أن جميع بحوثنا درجات علمية، فلذلك حتى صاحبها يفعلها ويريد أن يترقى بها من أستاذ مساعد إلى أستاذ مشارك، ثم تركها ورماها ولا يعنى بتخريجها؛ لأنه أصلاً حصل بها المقصود، ثم ينتقل إلى درجة أخرى، لكن هذا الرجل رحمة الله تعالى عليه -العلامة بكر أبو زيد - كان يخرج بحوثاً علمية جادة رصينة في فقه النوازل، وبعضها في الأجزاء الحديثية، فينتفع بها الناس وليس المقصود من ورائها الدنيا فلذلك انتشر علمه.
والأمر الثاني: وهو أن الله جل وعلا كان قد آتاه تمكناً لغوياً، ولئن قال الناس عن الفرزدق: إنه لولا الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب فإنني أقول: لولا الله ثم بكر أبو زيد في عصرنا لذهب ثلث لغة العلم.
فلغة العلم القوية الرصينة المتينة حافظ عليها الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في بحوثه العلمية التي تدل على علو كعبه في شأن اللغة.
هاتان خصيصتان عظيمتان كانتا فيه ﵀.
стр. 259
سلسلة القطوف الدانية _الوفاء
الوفاء خلق جميل وأمر ممدوح يأمر به الدين وتدعو إليه الفطرة السليمة، ويتفاخر به الناس من مختلف الاتجاهات، والأدب العربي والواقع الإنساني مليء بالقصص المتعلقة بالوفاء.
стр. 260
معنى الوفاء وأمثلته
стр. 261
تعريف الوفاء
الملقي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
مشاهدي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم إلى حلقة جديدة من برنامجكم الشهري القطوف الدانية.
حديثنا في هذه الحلقة بإذن الله تعالى سيكون عن سمة من سمات الخلق الكريم وصفة من صفات النفوس الأبية، صفة اتصف بها الباري ، ومدح بها خليله إبراهيم وسائر أنبيائه ﵈، كما مدح بها الصالحين من عباده، إذا انتشرت بين الناس ملأت حياتهم صفاء ونقاء وظللتهم بروح المودة والإخاء والمحبة والألفة.
الوفاء كلمة نعد أحرفها وتمتد معانيها لتشمل كل العلاقات والمعاملات مهما تنوعت مشاربها أو اختلفت مآربها، كلمة لها دلالتها العميقة على كرم نفوس أصحابها ونبل مشاعرهم.
فما المراد بالوفاء، ولمن يكون، وما أساليبه وطرقه، وهل يمكن أن يكتسب كغيره من الصفات الحميدة؟ تساؤلات كثيرة أطرحها بين يدي ضيفنا الكريم في هذه الحلقة الكريمة التي أسعد فيها باستضافة فضيلة الشيخ: صالح بن عواد المغامسي، باسمكم جميعاً أرحب بشيخنا، فحياكم اللهم شيخ صالح.
هذه الحلقة سيكون لها طابع خاص بإذن الله ؛ نظراً لأن الوفاء قريب إلى النفس البشرية الأبية، والنفوس التي تنطوي على شيء من الشيم تحرص على أن تحقق هذه الصفة.
وفي التمهيد لهذه الحلقة نتكلم عن خلق الوفاء! الشيخ: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
نسأل الله التوفيق والإعانة، ثم نقول ابتداء: اللقاء اليوم سيأخذ منحى غير الذي كنا قد تعودناه فيما سلف، وقد تكون المواضيع السابقة مصبوغة بالشرع أكثر؛ لكن الوفاء قضية إنسانية، فأحياناً لا تكون محكومة بالشرع، بمعنى أنها تقع بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وتقع حتى ما بين الإنسان والحيوان؛ هذه يحسن التنبيه له في أول الأمر.
أما ما ذكرتموه من تعريف الوفاء، فالوفاء خلق متشعب، بمعنى أن له علاقة بأكثر الصفات الحميدة في الإنسان، فيغلب على تعامل الإنسان مع والديه، تعامل الإنسان في بيعه وشرائه، تعامل الإنسان مع أصدقائه وقرناء عمله، تعامل الإنسان مع كل من حوله حتى مع الجبال الصماء والديار البكماء تتعلق بالوفاء، فالوفاء لا يمكن حصر أوديته، لكنه -كما قلتم في المقدمة- كلمة معدودة الحروف متشعبة المعاني تشعباً كبيراً.
لذلك سنحاول في هذا اللقاء أن نؤصل، ثم نحاول أن نذكر مجالات الوفاء، ثم نحاول أن نذكر غير ذلك مما يغلب على الظن أننا نخدم به من يسمعنا ويشاهدنا، لكنه غني بالأدب أكثر مما هو غني بالنصوص الدينية، فنقول: الله جل وعلا جعل الأنفس مختلفة الطبائع مختلفة المشارب، كما أن القبضة التي قبضها الملك الذي رفع القبضة إلى السماء قبضها من الأرض كلها طيبها وخبيثها، كذلك جاء الناس مختلفي المشاعر مختلفي الطبائع، لما قرره الله جل وعلا قدراً وسبق في علمه أن يكون الناس كذلك.
стр. 262
الغدر خلق ذميم
وضد الوفاء هو الغدر، فهناك نفوس شريفة عفيفة أبية تحب العطاء وتقابله بما هو أحسن، وهناك نفوس طبع عليها الغدر، ولهذا فمن طبع على الغدر وكانت سريرته خبيثة يصعب تغييره.
ومما يستطرف في هذا الجانب ما تحكيه العرب على ألسنة بعضها: أن رجلاً وجد جرو ذئب صغير جداً ليس له إلا يوم أو يومان، فأخذه وألحقه بشياهه بمعزه بأنعامه، ثم إن هذا الذئب رضع من الشياه ونشأ بين الضأن ولم يبصر ذئاباً وهذا الرجل يتعاهده بالطعام كما يتعاهد شياهه.
فلما كبر هذا الذئب بقر الشاة وأخذ يفني في الغنم فقال ذلك الرجل أبياتاً يصور هذه الحالة وكان آخرها: فمن أنبأك أن أباك ذئب هذا التساؤل كان ينبغي ألا يطرح، اللهم إلا إن كان من باب البلاغة الشعرية.
والمقصود أن الذئب طبعه الغدر فلا يستغرب منه، فعلى هذا يقال: إن من كانت هذه سريرته لا يثمر معه معروف ولا يكون متحلياً بالوفاء.
أما الضد للوفاء فالعرب تزعم أن الإنسان يفر قدر الإمكان عمن سجيته الغدر واللؤم، وكلنا يسمع بصدر البيت الشهير: وعند جهينة الخبر اليقين.
يقولون: إن رجلاً يقال له: الأخنس من جهينة خرج ووجد رجلاً يقال له: الحصين كلاهما فار من قبيلته، وكان يعرف عند العرب قديماً من يسمى بفئة الصعاليك، هذه الفئة تخرج للفتك والانتقام للنفس وجمع المال بأي طريقة كانت.
فتلاقيا وكلاهما فاتك غادر، فأخذ كل منهما يتوجس خيفة من أخيه، ثم اتفقا على أن يكون فتكهما سوياً، فمرا على رجل من لخم كان عائداً من عند أحد الملوك يملك غنيمة، فلما سلما عليه رحب بهما وأكرمهما.
فلما أكرمهما ذهب الأخنس لبعض شأنه، فلما عاد وجد صاحبه الحصين قد قتل اللخمي وأخذ ماله، فتعجب وقال: رجل أكرمنا -وكان الأخنس فيه شيء من الوفاء- وأطعمنا وسقانا وتصنع به هذا! قال: اسكت، فإنما لهذا ومثله خرجنا فأخذا يتناولان الطعام سوياً وكل منهما يحذر صاحبه؛ لأن السريرة طبعت على الغدر.
فبينما هما يأكلان أراد هذا الحصين أن يغدر بصاحبه؛ لكن الأخنس كأنه فطن لها فقال له الحصين في جملة حديثهما يريد أن يلهيه: هل أنت زاجر؟ وكلمة (زاجر) كانت العرب إذا رأت ذا ذنب مقطوع أو طائر يطير يمنة أو يسرة يتفاءلون أو يتشاءمون به، فقال الأخنس: وما ذاك؟ قال: هذا العقاب الكاسر قال: وأين هو؟ فرفع الحصين رقبته يريد أن يشير إلى علو العقاب فأخرج الأخنس خنجره ووضعه في نحر صاحبه فمات، فأخذ الغنائم كلها وقدم بهم على ديار جهينة، وفي الطريق مر على بطنين من قيس يقال لهما: مراح وأنمار وقابل امرأة تسأل عن الحصين فقال لها: وما قرابتك منه؟ فقالت: أنا أخته صخرة.
قال: لقد قتلته؛ لكنها احتقرته وقالت: ما مثلك يقتل مثله، فتركها ومضى إلى دياره، ثم وزع الغنائم على قومه، ثم وقف يقول: كصخرة إذ تسائل في مراح وفي جرم وعلمهما ظنون تسائل عن حصين كل ركب وعند جهينة الخبر اليقين والمقصود من هذا أن الغدر لا يكون من طبع الأوفياء، وقد قرر أبو تمام ﵀ هذا إذ قال: إذا جاريت في خلق دنيء فأنت ومن تجاريه سواء رأيت الحر يجتنب المخازي ويحميه عن الغدر الوفاء فجعل الغدر ضداً للوفاء وجعل الوفاء ضد للغدر.
стр. 263
أسباب إدراك الإنسان لصفة الوفاء
الملقي: هل الوفاء صفة جبلية تطبع عليها النفس البشرية، أم أنها صفة مكتسبة، إذا كانت صفة مكتسبة فما هي الأسباب التي تكتسب بها؟ الشيخ: يجتمع فيها الأمران: جبلية ومكتسبة فتكون نبتة ربانية مغروسة في الأسرة التي ينتمي إليها الرجل والديار التي ينشأ فيها، ثم تكتسب من خلال التربية ومن خلال التجارب والتعلم.
أما الأسباب فقد نسميها أسباباً أو فلنقل: مدركات أو نقول: ثمة أشياء حول الإنسان لابد أن يحتاط لها، فإذا عرفها حقق خلق الوفاء.
ينبغي أن يعلم أولاً أن الله جل وعلا يحب معالي الأمور، والنبي ﷺ يقول: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فلما قدم ﷺ كان للعرب خلق كريم وخلق ذميم، فالخلق الكريم لم يزحه النبي ﵊.
والله جل وعلا يقول في سورة النور: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢]، فعبارة (أولو الفضل) تبين أن هناك قوماً لهم مزايا وعطايا وقوماً ذوي خلق نبيل شريف وموقف كريم.
هذه النصوص الشرعية تبين لنا بجلاء أن الله ﵎ يحب معالي الأمور ما الوفاء؟ أحد أعظم معالي الأمور، فإذا أدرك الإنسان هذا أصبح في طريقه لبناء نفسه لابد أن ينطلق من أصل شرعي، فالأفعال أو الصفات أو الخصائص أو النعوت التي يحبها الله جل وعلا ينبغي للمرء أن يتحلى بها.
فإذا كان الإنسان رفيعاً شريفاً يحب تلك الأمور -وهي تحتاج بالطبع إلى تضحيات- يهون عليه الأمر أن الله جل وعلا يحبها، والرب يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، والعلماء يقولون: من صبر على ما يكره وأنفق مما يحب نال البر، ولا ريب أن الوفاء من أعظم خصائص البر؛ هذه الأولى.
الثانية: الإنسان ينبغي أن يعلم أن الأيام دول.
قد يقال: ما علاقة الوفاء بأن الأيام دول؟
و
الجواب
أن الإنسان قد يكون وفياً لمن تغير عليه الأمر.
فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا فلو خلج الكرام إذاً خلجنا ولو بقي الملوك إذاً بقينا فالمقصود أن الإنسان يعلم أن الأيام دول، فمثلاً: الإمام عبد الرحمن الفيصل آل سعود ﵀ نزح إلى الكويت بعد أن سلب الملك، والملك عبد العزيز رحمة الله تعالى عليه مؤسس هذه البلاد انطلق من الكويت، وأميرها آنذاك هو الذي آوى الأسرة، فانطلق منها الملك عبد العزيز وفتح الله على يديه مدائن ووحد الله على يديه بلاداً وجمع الله على يديه الشمل وأقام هذه البلاد المباركة المشهودة.
ثم دارت الأيام فتعرضت الكويت لما تعرضت مما لا يمكن أن يغفل عنه أحد وهو غزو العراق.
ثم قدر أن يقوم الملك فهد رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة برد الجميل لأهل الكويت فتؤوى الأسرة الحاكمة من الكويت في ديارنا، ويدخل أهلها شرفاء أحراراً إلى ديارنا، ثم عادوا ولله الحمد والمنة ومن الله عليهم بما من عليهم، والمقصود من هذا أن الأيام دول.
ومن عرف أن الأيام دول يحاول أن يصطنع المعروف، ثم إنه يبعد تماماً عن الشماتة، لماذا؟ لأنها سنة الله في خلقه، فالدنيا ككرسي الحلاق هذا يصعد وهذا يهبط، وأنت ترى هذا عياناً في سوق الأسهم ففي أيام كان هناك ناس أمسوا ولم يصبحوا.
ولا يخفى أمر البرامكة وما كان لهم من علو كعب في دولة بني العباس؛ لكن ينبغي أن يعلم أن الأيام دول وأن الله يحب معالي الأمور.
الأمر الثالث: أن الحياة مراحل، وعلاقة (الحياة مراحل) بالوفاء أنه لا يوجد عالم شهير عرفه الناس بين عشية وضحاها، ولا يوجد ملك مشهور بالقوة السياسية والعقلية وصل إلى الملك بين عشية وضحاها، ولا يوجد غني أغناه الله بين عشية وضحاها، لكن القضية أن الإنسان يمر في حياته بمراحل، وخلال مراحل حياتنا يكون هناك أناس صفوة.
الشيخ: إذا خذلنا الغير يكون لهم دعم؛ فالأم تعكف على ولدها وتربيه وتتعاهده وترفض أن تتزوج من أجله، وإخوة يساعدون أخاهم يظنون به القدرة على العلم، أصحاب يعينون صديقهم على نوائب الدهر حتى يصل، طلاب يعينون شيخهم حتى يبلغ.
وهكذا في سائر مجالات الحياة، فالحياة مراحل، فإذا وصل الإنسان إلى الغاية يجب عليه أن يبر من سبقت له عليه النعمة واليد كما سيأتي تحريره.
وبعد العلم بأن الحياة مراحل وطن النفس على قضية.
كذلك ينبغي أن يعلم أن الإحسان مما يسترق به رقاب الأحرار، يقول المتنبي: ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا وقد جاء في السيرة العطرة والأيام النضرة لنبينا ﷺ أنه في صلح الحديبية كانت قريش تبعث الرجال ليتناوبوا في المباحثات مع النبي ﵊.
أحد الرجال الذي قدموا كان بذيء اللسان، فلما وقف عند النبي ﵊ كأنه أراد أن يقترب من النبي ﷺ بيده، وكان المغيرة بن شعبة ﵁ واقفاً بالسيف على رأس رسول الله ﷺ فنحى يد الرجل بكعب سيفه، فلما نحى الرجل سأل هذا الرجل وهو بذيء اللسان قال: من أنت؟ يقول للمغيرة، قال: أنا المغيرة، قال: لولا أن يداً لك عندي لأجبتك، فعبر باليد عن النعمة.
ومن باب الفوائد أن العرب تعبر باللسان عن الثناء، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤]، وتعبر بالقدم عن السعي: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس:٢]، أي: سعياً وعملاً صالحاً، وتكني باليد عن النعمة: ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا.
فالمقصود: كما قال الأول: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان الإنسان لا يسترق قلوب الأحرار بأعظم من اليد؛ لأن الحر يحفظ اليد، فحتى لو تبدلت الأيام وتغيرت السنون فأظهره الله أو غيره يستحي، ومن هذا جاء وفاء النبي ﷺ لـ مطعم بن عدي، لأن النبي ﵊ دخل مكة بجوار مطعم بن عدي بعد عودته من الطائف، وكان المطعم كافراً ومات على كفر.
ففي غزوة بدر أظهر الله نبيه فنظر ﵊ للأسرى والقتلى فقال ﵊ وهو المشرع للأمة وهو القدوة: (لو أن المطعم بن عدي كان حياً فكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له)، لماذا ذكر المطعم دون سائر قريش؟ لا لقرابة وإنما ليد كانت لـ مطعم عند رسول الله ﷺ فكانت وفاءً له، فهذا يدل على ما حررناه من قبل.
والمقصود من هذا أن الإنسان إذا أحسن يستجلب رحمة الله، وفي نفس الوقت يسترق قلوب الأحرار، يقولون: إن رجلاً من الخوارج خرج على الحجاج بن يوسف لظلمه، فظفر به الحجاج وعرف فيه الشرف فأعتقه ولم يقتله، فلما تركه ومضت الأيام ذهب الخارجي إلى قومه، فقالوا: هلم بنا نحارب هذا الخبيث مرة أخرى، فقال: هيهات، هذا لا يمكن أن يقع، وكما قيل: أسر يداً معتقها، وملك رقبة مطلقها.
المقصود: أنه لما من عليه الحجاج وأعتقه جعل مانعاً له في حرب الحجاج مرة أخرى.
والأنفس الأبية تعرف معنى الإحسان، ولا يمكن أن يكون الوفاء إلا في أقوام شرفاء عظماء أجلاء، وإن كان ذلك أمراً نسبياً يتفاوت الناس فيه كسائر الأمور؛ لكن المقصود أن هذه الخمس هي أعظم المدركات الذي يحتاجها المرء في الوصول إلى الوفاء.
стр. 264
مجالات الوفاء
стр. 265
ذكر مجالات الوفاء الأربعة
الملقي: بعد التأصيل الذي أصلتموه نرجو منك أن تعدد لنا مجالات الوفاء؟ الشيخ: مجالاته واسعة لكن يمكن أن نحصرها في: الوفاء في التعامل، والوفاء للوطن والحنين إلى الديار، والوفاء لذوي الحقوق، وهذا يشمل الوالدين والزوجة وغيرهما، والوفاء لذوي الأيدي أي: الوفاء لأهل النعم.
стр. 266
الوفاء في التعامل
وبدأنا به لأنه هو الأصل في الوفاء بحسب القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [النحل:٩١].
الإنسان يعيش وسط مجتمع، سواء في مجتمع كافر أو مسلم، وسواء في مجتمع مدني أو قروي، هذه الخلطة بين الناس تدعو إلى الحاجة لأن يتأصل فيهم الوفاء في التعامل.
ألفاظ التعامل يأخذ جوانب متفرقة، ولا نستطيع أن نقول إن له تعريفاً واحداً كما يصنع الفقهاء، لكن نقول: من ذلك الوفاء لمن استودعك وديعة ثم جاء من هو أقدر منك يطلبها.
والعرب تضرب المثل بـ السموءل، وذلك أن امرأ القيس بن حجر، كان شاعراً وكان أبوه ملكاً، وكانت الملوك ترى أن الشعر يخل بالملك فكان الملك ينفي ابنه فانتفى امرؤ القيس عن أبيه وبعد عنه لشاعريته، ثم قتل حجر والد امرئ القيس وجاء الخبر لـ امرئ القيس فقال: ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً، اليوم خمر وغداً أمر، لا صحو اليوم ولا سكر غداً، وأخذ يصنع ما يصنع لاسترداد ملك أبيه حتى دل على قيصر، وكان قيصر في أنقرة في تركيا.
فلما أراد التوجه إليها دل على السموءل الذي كان يملك قصراً في تيماء البلدة المعروفة المباركة في بلادنا، فأخذ أسلحته وأدرعه وسائر أمواله واستودعها السموءل.
ومات امرؤ القيس في تركيا، فجاء ملوك كندة يطالبون بالأدرع والأسلحة التي وضعت عند السموءل، ولكن السموءل اشترط أن يستلمها ورثة امرئ القيس، فطوق القصر ولم يجدوا سبيلاً إلى الوصول للسموءل؛ لكنهم وجدوا ابن السموءل خارج القصر فأخذوه وأبوه ينظر إليه وهددوه بقتله إن لم يسلم لهم المال، فأبى ذلك ووافق على أن ينحر ابنه أمام عينيه فضلاً عن أن يسلم الأدرع والأسلحة، فضربت به العرب مثلاً في الوفاء أي السموءل بن عادياء.
يقول الله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩١]، وكان النبي ﵊ مضرب المثل في الوفاء في بيعه وشرائه وتعامله مع من كان يقرضه مالاً.
وقد احتاج ﵊ فاقترض ثم وفى وزاد في القضاء، فكان إذا أخذ بعيراً أو جملاً وفى بأكرم منه وأفضل، وهذا لا يسمى رباً إذا لم يكن عن شرط، فلا يدخل في الأثر المشهور: كل قرض جر نفعاً فهو ربا.
غاية الأمر أن التعامل بين الناس ضابط في قضايا الوفاء، لكنهم يقولون: ما استوفى قط كريم، بمعنى: أن الكريم لا يأخذ حقه كاملاً إذا استوفى من الغير.
وينبغي أن تفرق بين الوفاء الذي تعطيه لغيرك والوفاء الذي تطلبه من غيرك، والله يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ - ٣]، أي: أنهم في الشيء الذي لهم يستوفون، وفي الشيء الذي عليهم يخسرون، فهذا يندرج تحت مضمون الوفاء.
الغاية من هذا أن التعامل يتجلى فيه خلق الوفاء، كصاحب عمارة عنده أجير، فمعنى الوفاء بينهما في التعامل أن هذا يؤدي الذي عليه وهذا يؤدي الذي عليه، فصاحب العمل يعطي الأجرة كاملة (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) وعلى الأجير أن يعمل مخلصاً لصاحبه، ولا يدخل بنية أن يتجمل سنة ثم يضيع حقوقه، فهذا ليس من الوفاء.
هذا عنوانه العام (الوفاء في التعامل) ولهذا يقول الله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦].
وقدم الأخ لأنك عندما تتعامل مع أخيك وأمك وأبيك وصاحبتك وبنيك جرت العادة أن الإنسان إذا أراد أن يظلم أحداً من هؤلاء فإنه يظلم الأخ قبل أن يظلم أمه وأباه، ثم يوفي مع أمه وأبيه أكثر من وفائه مع أخيه، ثم يوفي مع زوجته وأبنائه؛ لأنه يشعر بالانتماء إليهم أكثر.
قدم الله الأخ وهو لا يتكلم عن نصرة، إنما يتكلم عن مطالبة، والمعنى: إن الإنسان لا يفر عن البعيد؛ لأنه ليس بينه وبينه تعامل، فمثلاً: نحن هنا في الرياض ولنا إخوة في مصر وفي السودان وفي الجزائر، فأنا لا أفر منهم يوم القيامة ولا يفرون مني؛ لأنه ليس بيننا علاقة حتى يطالبوني بحسنة وأطالبهم بحسنة، لكن أفر من أخي لأنني أحتك به، أفر من أمي وأبي؛ لأنني أحتك بهما، أفر من زوجتي وأولادي في المقام الأخير؛ لأن احتكاكي بهما وظلمي لهما وارد لكنه ليس كورود الظلم على الأخ.
هذه قضية الوفاء في التعامل، وأرجو الله أن تكون الصورة قد اتضحت جلية.
стр. 267
الوفاء والحنين إلى الوطن
الملقي: ومن صور الوفاء أيضاً الوفاء للأهل، والوفاء للأوطان كما قيل لأحد الحكماء: كيف تعرف وفاء الرجل؟ قال: بحنينه لأهله.
وإذا كنتم ستتحدثون عن الوفاء للأوطان والديار فأتمنى منكم أن تتعرضوا لما تعرضت له بلادنا وبعض البلدان العربية من الخيانة والغدر، وما لهذه البلاد المباركة التي مدت يد العون من فضل بعد الله ؟ الشيخ: أحياناً تنشأ ثقافات غير شرعية، ومن الثقافات غير الشرعية أن بعض الناس يعتقدون أن حب الوطن ليس من الإيمان، وإذا قلت له حب الوطن من الإيمان قال: حديث ضعيف لم يصح.
نعم لم يصح لفظاً لكن له معنى صحيح، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦]، فقدم الله الديار على الأبناء ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء:٦٦]، فجعل الخروج من الديار كقتل النفس، على هذا يقال: ينبغي أن يؤصل أن حب الأوطان شيء مغروس في قلوب كل شريف.
وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا لكن
السؤال
متى يحن الإنسان لوطنه، ومتى يجب عليه الوفاء؟ يجب عليه الوفاء متى قدر، لكن الحنين إلى الوطن يكون إذا ابتعد الإنسان، فالحنين شيء والوفاء شيء آخر، فالوفاء أن يسعى الإنسان في إثراء بلده، وفي تعريف الناس ببلده وما إلى ذلك من أمور، ومع هذا فالوفاء لا يكون إلا إذا حن إليها، يقولون: إن الصمة القشيري أحد شعراء عصر بني أمية أراد أن يتزوج ابنة عمه فوقع ما بين خذلان أبيه وطمع عمه، فاضطر الشاعر أن يخرج من أرض نجد إلى ديار الشام، فحن إلى محبوبته ريا وحن إلى تلك الديار وتذكر أيام طفولته، وتذكر المصطفاف والمتربع فقال: حننت إلى ريا ونفسك باعدت مزارك من ريا وشعباكما معا تلفت نحو الحي حتى وجدتني تعبت من الإصغاء ليتاً وأخدعا بكت عيني اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا قفا ودعا نجداً ومن حل بالحمى وقل لنجد عندنا أن يودعا فليست عشيات الحمى برواجع عليك ولكن خل عينيك تدمعا هذا ما ذكر في حب الأوطان ولنا فيه استفاضة ستأتي.
стр. 268
الوفاء للأم والأب
الملقي: معلوم أن الوالدين هم أولى الناس، فلنبدأ بالكلام عن الوفاء للوالدة كيف يكون في حال حياتها وأيضاً بعد ذلك.
الشيخ: يقول الله وهو أصدق القائلين: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام:١٥١]، فقرن الله حقهما بحقه جل وعلا، وليس لأحد منة على أحد أكثر من منة الوالدة على ولدها، وقال ﷺ : (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك).
فمن ذكر تجربة شخصية جهد الوالدة معه فهذا أمر محمود يدل على وفائه لوالدته.
الوالدان يملكان من الشفقة ومحبة الخير لأبنائهم ما لا يمكن أن يدركه الأبناء إلا إذا أصبحوا آباء، ولذلك فمن ورث العقوق لوالديه والله لا يمكن أن ينجم عنه خير لغيرهما أبداً ولهذا جعل الله جل وعلا على لسان نبيه أن العقوق مما تعجل به العقوبة في الدنيا.
والتاريخ فيه شواهد على من وفى مع والديه فأكرمه الله، ومن عق فأهانه الله، والنبي ﵊ يقول لـ عمر وللصحابة عن أويس القرني: (سلوه أن يدعو لكم)، وأويس لم يكن صحابياً ولم يشهد بدراً ولا الحديبية ولم يبايع تحت الشجرة؛ لكن أويساً كان باراً بوالدته، فبره بوالدته ووفاؤه معها جعله مستجاب الدعوة، حتى يتبعه رجل في مقام عمر يطلب منه أن يدعو له.
والمقصود من هذا أن الوالدة أحق الناس بالوفاء، ثم الوالد؛ فلا شك أنه لا أحد يحب أن يكون أحد أحسن منه إلا الوالد، فإنه يجب أن يكون ولده أفضل منه.
المقصود من هذا أن الوالدين لهما حقهما العظيم، ولا حاجة للإطناب؛ لأنه من جهل هذا الأمر فلا أظنه يعرف شيئاً، فحقوق الوالدين والوفاء معهما من أعظم خصال البر الدالة على كرم النفس، ومن رأى أحداً يحمل جفاء وعقوقاً لوالديه لا يأمنه على شيء.
стр. 269
الوفاء للمعلم
الملقي: أشرتم حفظكم الله إلى أن الحياة مراحل، هذه المراحل يمر على الإنسان فيها شخصيات كثيرة يكون لها تأثير كبير لاسيما في الناحية التعليمة، وكل منا قد مر بتجارب كثيرة مع معلميه، فهذا المعلم يستحق منا الوفاء بالدعاء له والتواصل معه وخدمته بشتى الطرق التي يمكن للإنسان أن يخدمه من خلالها، فما قولكم في ذلك؟ الشيخ: المعلم شخص مر علينا في أيام حياتنا فأعاننا على الوصول إلى ما قد وصلنا إليه، والسلف رحمة الله عليهم قدموا نماذج عظيمة في ذلك، يقول أبو حنيفة: ما مددت قدمي تجاه بيت حماد وإن بيني وبينه سبع سكك إجلالاً له.
وقال: والله ما صليت صلاة منذ أن مات حماد إلا ودعوت له مع والدي؛ براً بشيخي! وكذلك الإمام أحمد مع الشافعي ﵀.
فهذه طريقة وهي الدعاء للمعلم والشيخ.
وهناك طرائق أخر منها طريقة ابتكرها سيبويه، صاحب الكتاب المشهور، وكان من أشد مشايخه وأعظمهم الخليل بن أحمد الفراهيدي، فكان سيبويه إذا قال: (قال وزعم) وجد بالاستقصاء أنه يقصد الخليل بن أحمد فكان لا يذكر اسمه إجلالاً له، فيقول مثلاً: زعم يونس، قال فلان، ويذكر مشايخه الذين أخذ عنهم؛ لكنه إذا ذكر القول دون أن يذكر القائل أو ذكر الزعم دون أن يذكر القائل فإنما يقصد شيخه الخليل بن أحمد، وهذا من وفائه لشيخه، وفي الكتب المعاصرة وجدتها عند الشيخ محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي ابن صاحب أضواء البيان متع الله به، وهو شيخ فاضل في الجامعة الإسلامية في علم الأصول، ففي كتبه ورسالة الدكتوراه التي حققها في الأصول يتعرض لمذكرة أبيه الشيخ محمد الأمين، فالعلاقة بينهما علاقة والد وولد، ثم إن كلاً منهما مؤلف، فكان لا يقول: (قال محمد الأمين) ولا يقول: (قال المؤلف) بل يقول: قال الشيخ محمد الأمين.
وهذه تجمع بين البر الشرعي الذي أمرنا به وبين الوفاء للوالد، وهذه طريقة مكافأة المعلم، وقد نقل عن الأمين والمأمون أنهما قالا: من علمني حرفاً صرت له عبداً، وكانا بارين بالمعلم.
من صور الوفاء للمعلم ذكره وتمجيده في المحافل مواصلته وزيارته وتقبيل رأسه إذا رأيناه بين الناس حتى لو وصلنا إلى مستوى أعلى منه إما بدرجة أكاديمية أو بشهرة وأمثال ذلك، ومن لم يكن له خير مع معلميه فلا خير له مع غيرهما.
على أنه يدخل الحسد في الناس، كإنسان يطلب علماً عند أحد ثم يتعلم فيصيبه حسد على من علمه؛ لكن هذا لؤم لا يقع فيه إلا القليل.
стр. 270
الوفاء للأصحاب
الملقي: من صور الوفاء أيضاً الوفاء مع الأصحاب والإخوان.
الشيخ: الذين نعاشرهم من الأصدقاء الأصحاب الزملاء وقرناء العمل والجيران كلهم يحتاجون إلى وفاء، خاصة من كان بيننا وبينهم حرمة يقولون: إن موسى ﵇ لما التقط التمرة جاء جبريل وجعلها في الجمرة، فكأنه أصاب موسى تشويه جزئي، فصار فرعون لا يريد أن يأكل مع موسى فيقال: إن الله حفظ موسى عن أن يأكل مع فرعون حتى لا تبقى بين موسى وفرعون حرمة مؤاكلة فيكون زوال ملك فرعون على يد موسى أمر لا غرابة فيه شرعاً ولا يتنافى مع خلق الوفاء الذي جعله الله جل وعلا في أنبيائه.
ولهذا لما أضاف إبراهيم الملائكة قال الله عنه: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود:٧٠]؛ لأنه إذا لم تقع مؤاكلة فهذا يشبه الغدر.
نقول: الأصدقاء والخلطاء والأصحاب والجيران لهم حق الوفاء؛ لكن وسائل البر تختلف، فمن بر ذوي العشرة والصحبة ذكر الحميد ومواصلتهم وإعانتهم أيام أفراحهم، ومواساتهم أيام حزنهم.
стр. 271
الوفاء لأصحاب الأيادي البيضاء
الملقي: هنا محور يتعلق بالوفاء لذوي الأيادي البيضاء؟ الشيخ: هذا المحور قد يكون عنصر الوفاء الأول؛ لأن الوالد يكرمنا لأنه والدنا، والوالدة تكرمنا لأنها والدتنا، والزوجة تكرمنا لأنها زوجتنا، والصديق لأنه صديق؛ لكن إذا كانت اليد من شخص ليس بيننا وبينه قرابة، أو بتعبير أصح: ليس بيننا وبينه ما يدفعه لأن يكون له يد علينا؛ فإنه يتأكد الوفاء معه؛ لأنه صاحب يد أولى، ومن كان صاحب يد أولى يستحسن أن نكافئه؛ لأن الذي يضع القلادة العظيمة في عنقك ويسترقك هو من ليس لك عنده حق، ثم ابتدأ بهذا المعروف.
شخص -مثلاً- سمع أن فلاناً انكسر في تجارته فأتاه وليس بينه وبينه صلة فأعطاه مالاً أو أقال عثرته هذا له حق.
طالب علم جاء شيخ فتبنى أن يفقهه وهو ليس طالباً رسمياً في مدرسة أو في جامعة، فهذا يدل على فضله وعلى إحسانه، وهو يستحق المكافأة في المعروف، هؤلاء هم أصحاب الأيدي.
كذلك على العاقل أن يعرف أين يضع معروفه، قال المتنبي: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا لكن ينبغي أن يفرق الإنسان بين الوفاء والمعروف، فالمعروف إذا أردت أن تفعله فافعله في أي أحد: لا يذهب العرف بين الله والناس، أما ما ترجو وفاءه وما تصطنعه لأيامك فلابد أن تختار أناساً أحراراً شرفاء قادرين على أن يعرفوا قدرك إذا مكن الله جل وعلا لهم، ولا يكونون كما قال الأول: أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني
стр. 272
الوفاء مع الله
الملقي: هناك عنصر مهم قصدنا أن يؤخر إلى آخر الحلقة، وهو الوفاء مع الله ، البعض قد يستغرب من المحور يقول: كيف أكون وفياً مع الله ؟ الشيخ: يقول الله جل وعلا وهو أصدق القائلين: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢].
أعظم الأدب هو الأدب مع الله، وأعظم الوفاء ما كان مع الله، وقد جاء في الأثر أن الله جل وعلا قال في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣].
جاء في الآثار أن الله جل وعلا كتب هذا العهد وألقمه الحجر؛ فلهذا ورد في حديث عبد الله بن السائب -وإن كان الحديث في سنده ضعف لكن أهل العلم على العمل به كما حرره ابن قدامة في المغني وغيره- أن الإنسان إذا طاف بالبيت يقول: اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك.
ويقول الله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، لا يحمل الإنسان فوق ظهره ثقلاً أعظم من أنه أنيط به عبادة الله ﵎، والله قال عن أهل الحسرة أنهم يقولون: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦].
فمن أدى الشرع على الوجه الأكمل والنحو الأتم كان قد عرف الوفاء مع ربه ﵎ الذي أوجده من العدم ورباه بالنعم وأكرمه بما أكرمه به، وتعبده بأن يعبده وحده دون سواه، قال الله جل وعلا مثنياً على خليله إبراهيم: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧]، قال قبلها: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] أي: قام بهن على الوجه الأكمل والنحو الأتم.
والإنسان قلب يعتقد وجوارح تعمل على ذلك الاعتقاد، فإذا خلي بين الإنسان وبين قبره جاء الذين أودعوه القبر فحلوا عنه أربطة الكفن، فإذا حلت أربطة الكفن ووضع التراب على ذلك القبر رأى الإنسان بعد أن يسأله الملكان عمله، فإن كان ذلك العمل عملاً صالحاً رآه في هيئة حسنة يبشره برحمة من الله ورضوان، وإن كان غير ذلك -عياذاً بالله- رآه في هيئة سيئة يبشره بعذاب من الله جل وعلا وخذلان.
ثم إن تلك الجوارح تقوم بين يدي الله، فيقول أهل الإشراك يوم القيامة: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، فيقسمون بالله في ذلك الموطن أنهم ما كانوا أهل إشراك، فيختم الله على ألسنتهم، لأنهم كما قال ﷺ في صحيح مسلم: (إن الرجل منهم يقول: يا رب لا أقبل شاهداً على نفسي إلا من نفسي، فإذا قال ذلك ختم على لسانه).
تلك الجوارح كانت تعينه في الدنيا على معصية الله، فإذا رأت جلال الموقف وهيبة الوقوف بين يدي رب العالمين ﷻ ، فهي أول من يتنكر له ويتخلى عنه، فتنطق جوارحه بما كانت تعمل، قال الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥].
وقد اختلف العلماء في السبب الذي من أجله ختم على تلك الأفواه فقيل: السبب أنهم يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣].
وقيل: إن شهادة من لا ينطق أعظم شهادة ما ينطق وهو اللسان.
وأياً كان تعليل العلماء فإن ذلك كله يدل على أن المرء لا ينبغي أن يحسن في الوفاء مع أحد كوفائه مع ربه ﵎.
الله خلق الخلق وهو غني عنهم، وفي الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا.
يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم.
يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم.
يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم.
يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
يتحرر من هذا الحديث القدسي أن الله غني عن طاعة الطائعين ولا تضره جل وعلا معصية العاصين، فأعظم ما يقوم به العبد الوفاء لربه.
ويكون الوفاء بأن يمتلئ القلب محبة لله جل وعلا وإجلالاً وتعظيماً له وإذعاناً، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
ثم الطمع في رحمته، وهذا من حسن الظن برب العالمين ﷻ ، ثم الخوف من عقابه ﵎؛ قال الله عن الصالحين من عباده: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]، ثم ذكر مآلهم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
ثم محبة نبينا ﷺ ، والشهادة بأنه رسول حق أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة، وقام بواجب الدين على أكمل وجه، وشهد له أصحابه، وستشهد أمته ﵊ أنه أدى الأمر على أكمل وجه.
ومن محبته التأسي بخلقه والاقتداء بسيرته والاستنارة بما كان عليه ﵊ من خلق جم وهدي قويم.
ثم بعد ذلك تأتي الأعمال لتترجم تلك المعتقدات، ومن صلح قلبه صلحت جوارحه واستقامت، فالغدو والرواح إلى المساجد وحضور الجمع والجماعات وفاء لأمر الله ﵎ وتلبية لندائه الذي شرعه لعباده.
صيام الهواجر والتقرب إلى الله جل وعلا بذلك الصيام سواء في رمضان وهو فرض أو في غيره من النوافل.
الحج والعمرة، وأداء زكاة المال، وبر الوالدين، والقيام بحقوق الجيران، وكثرة ذكره ﵎ والتسبيح بحمده، وغاية تلك الشريعة السمحاء وما أنزله الله على رسوله من كتاب أو ما جاءت به السنة الصريحة فالأداء لها من الوفاء لرب العالمين.
والإنسان في سيره إلى الله يعلم أنه لابد في عمله من التقصير، وكلنا خطاء وذو تقصير، ونحن لا ندعي كمالاً بل نرجوه، ونقول كما قال الصلحاء من قبلنا: اللهم لسنا برآء فنعتذر ولا أقوياء فننتصر، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله! نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا حتى نقوم بحقه على الوجه الأكمل والنحو الأتم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 273
الأسئلة
стр. 274
من الوفاء للرسول ﷺ نصرته واحترام أهل بيته
السؤال
اذكر بعض الجوانب في الوفاء للرسول ﷺ وآل بيته؟
الجواب
الوفاء للنبي ﷺ تجسد في قضية المقاطعة، لكن نبه السائل إلى مسألة، وهي آل بيت رسول الله ﷺ ، ونحن نمثل بأمر بسيط: فلو أن إنساناً موظف في دائرة حكومية ثم جاءه رجل يحمل ورقة فيها وصية لحامل الورقة.
هذه الوصية نفرض أنها من أبيه أو من أمير البلدة أو من أستاذه أو ممن له حق عليه، فعلى قدر محبة هذا الإداري لكاتب الوصية يكون الإكرام لحاملها.
فإذا لامه زملاؤه في العمل قال: هذا أوصاني به أبي، أو قال: هذا مبتعث من الأمير.
وهذا حق لا ارتياب فيه، فكيف إذا كان الموصى عليهم قد أوصى بهم رسول الله ﷺ ! فآل بيت رسول الله ﷺ لهم حق عظيم لا ينبغي لأحد أن يجحده ولا ينكره، قال ﵊: (والله لن يؤمنوا حتى يحبوكم لإيمانكم وقرابتكم مني)، قال ذلك للعباس عندما شكا إليه جفاء قريش لنبي هاشم.
стр. 275
بر الأم بعد موتها
السؤال
ماذا يجب علي تجاه والدتي وقد ماتت، وكذلك أخي الذي كان لا يبرها في حياتها والآن يريد أن يتوب؟
الجواب
أما ما يجب عليك فقد حصره النبي ﷺ في أمور: أولها: الاستغفار: فأعظم شيء أن تقول: اللهم اغفر لها وارحمها وتدعو لها بما يناسب حالها في قبرها.
الأمر الثاني: الحج أو الاعتمار عنها، وهذا يصل أجره إليها بالإجماع.
والأمر الثالث: أن تكثر من الصدقة عنها.
فهذه من وسائل برها، كذلك تنظر في صواحباتها فتبرهن وتقوم بالسؤال عنهن كما كانت تفعل، وأي أمر غلب على ظنك أن والدتك ستفرح به لو كانت حية فاصنعه بعد وفاتها ما لم يتعارض مع كونها ميتة.
أما بالنسبة لأخيك فالله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، فالتوبة بابها مفتوح، وقد فعل خطأ عظيماً فيما سلف؛ لكن باب التوبة مفتوح، ومن وسائل التكفير أن يفعل ما أرشدناك إلى فعله لكن الحق الذي عليه أكثر لما كان منه من تفريط أيام حياتها، والله الموفق والمسدد لكل خير.
стр. 276
سلسلة القطوف الدانية _ نور القرآن
القرآن الكريم حبل الله المتين ونوره الذي يستضيء به المؤمنون، والذي يقرؤه بتدبر وتفكر يعظم انتفاعه به، والتدبر له وسائل لابد من تحقيقها وتعلمها والعمل بها.
стр. 277
تاريخ مسجد قباء
стр. 278
اسم المسجد وموقعه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فأولاً: من نعم الله علينا جميعاً أن وفقنا لأن نتدبر بعض آيات كتابه، فهذا مطلب عظيم، وموئل كريم، ومنزلة جليلة، فإذا كان هذا التدبر والتدارس يتم في مسجد مبارك -كمسجد قباء- فهذا أعظم منزلة وأرفع درجة، نسأل الله أن يخلص النيات.
أما هذا المسجد فهو مسجد قباء، وقباء في الأصل مكان عرف بهذا الاسم (قباء) لأنها كانت بئراً، ثم عرفت المنطقة باسم البئر فسميت بقُباء، وهذا هو النطق الصحيح لها (بضم القاف).
يقال فيه مسجد قباء، وهي تسمية قرآنية: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة:١٠٨] أي: مسجد قباء، وقال: مسجد بني زريق، كما ورد في الأحاديث.
نقول: جرت عادة الناس أنهم يتبعون أوائلهم، والنبي ﷺ أذن لأصحابه بالهجرة، فالمهاجرون الأولون قدر لهم أن ينزلوا ابتداء في هذه المنطقة المعروفة قديماً بقباء.
كانت هناك داران في قبلة المسجد الآن -وقبلة المسجد جنوبية- دار كلثوم بن الهدم ﵁، ودار سعد بن خيثمة، وكان سعد أعزباً.
وهذه الديار كانت لبني عمرو بن عوف، وجهة الشمال -جهة مسجد الجمعة- كانت ديار بني سالم بن عوف، فمن هاجر من أوائل الصحابة نزل هنا، فكان بدهياً عندما يأتي ﷺ أن ينزل في نفس المكان الذي نزل قبله به أصحابه رضوان الله تعالى عليهم.
والنبي ﷺ على المشهور دخل قباء لثمان خلون من شهر ربيع الأول على غير رواية ابن إسحاق، والأظهر عندنا والعلم عند الله أنه ﷺ ولد لتسع خلون من ربيع الأول، فيكون دخوله قد تم في يوم الإثنين الثامن من ربيع الأول للسنة الأولى من الهجرة، فهو ابن ثلاثة وخمسين عاماً بالتمام، فالقول الراجح عندنا أنه ولد في التاسع من ربيع الأول، ودخل المدينة في الثامن من ربيع الأول.
لما نزل ﷺ كان معه أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، فاستضافه كلثوم بن الهدم، ثم كان ﷺ يستقبل الناس في دار سعد بن خيثمة، من هنا جاء الاضطراب في الروايات التاريخية هل نزل في دار كلثوم أو في دار سعد بن خيثمة.
ثم أسس ﷺ هذا المسجد المبارك لبني عمرو بن عوف.
والصحابة لما هاجروا لم يؤسسوا مسجداً؛ لأنهم ما أرادوا أن يتقدموا بين يدي رسول الله ﷺ فمثل هذه الأمور تسند للإمام الأعظم.
ومن هذه السجادة تقريباً إلى محراب المسجد من توسعة عثمان ﵁ وأرضاه، فإن عثمان رضي الله تعالى عنه وسع في مسجد النبي ﷺ توسعة جنوبية، قال بعض أهل التاريخ والسير: إنه كذلك وسع في مسجد قباء توسعة جنوبية، أي: إلى جهة القبلة، فالمسجد النبوي المؤسس أنا لا أستطيع أن أحدده، فلنقل: إنه إلى هذا العمود أو الخط.
وكانت قبلته جهة الشام؛ لأن القبلة لم تكن قد حولت بعد، فكانت القبلة جهة الشام أي: جهة بيت المقدس، ثم لما نزل قول الله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤] جاء التحويل إلى القبلة الجنوبية.
وقلنا: هذه ديار بني عمرو بن عوف، وديار بني سالم بني عوف كانت في جهة الشمال، فلما خرج النبي ﷺ من هاهنا ومضى أدركته الجمعة في مسجد الجمعة الآن، فصلى بها الجمعة كأول جمعة تقام في الإسلام، وذلك بعد ما أسس المسجد، وقد مكث في المسجد الإثنين والثلاثاء والأربعاء، ووضع أول لبنة، بدأ، فتبعه أبو بكر ثم تبعه عمر، ثم سائر الناس حتى بني المسجد، وكانوا ربما أنشدوا.
قد أفلح من يعالج المساجدا ويذكر القرآن قائماً وقاعداً إلى غيره، وينسب هذا إلى علي ﵁، وينسب إلى عبد الله بن رواحة، وينسب إلى غيرهما، ويقال: هو من حفظهما، وهذا كله أمر واسع، ولا تثريب فيه.
ذكرنا أن هذا المسجد أسسه النبي ﷺ من أول يوم، والآية جاءت منقطعة الإضافة، فالله يقول: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨]، فجاء القرآن بكلمة (يوم) منونة، والتنوين هنا لا خلاف أنه تنوين عوضي، لكن ما اللفظة المحذوفة؟ هذا مختلف فيه، فإذا قلنا: التقدير: (من أول يوم نزلت فيه) مسجد قباء بالاتفاق.
وقيل إن التقدير: (من أول يوم أظهر الله فيه دينه)، وهذا قال به بعض العلماء، وهو الذي اختاره السهيلي في الروض الأنف، وعليه يفهم إنه عندما أسس مسجد قباء أمن الناس، وأن النبي ﷺ لم يكن يقدر على أن يؤسس مسجداً في مكة، لكن لما عزم ﷺ على أن يؤسس مسجداً في المدينة دل ذلك على أن الله أعز الإسلام وأمن الناس، فهذا أول يوم أعز الله فيه الدين إعزازاً ظاهراً.
ومن هنا يعلم القارئ للتاريخ فقه الصحابة ﵃ في أنهم جعلوا التاريخ يبدأ بالهجرة، لعلمهم ﵃ وأرضاهم أن الهجرة كانت فارقاً عظيماً، وبها ظهر إعزاز الدين وانتصاره، وكان ما كان من علو شأن الإسلام.
стр. 279
إتيان النبي ﷺ مسجد قباء
المقدم: ما هو هدي الرسول ﷺ في إتيان مسجد قباء ماشياً وراكباً؟ الشيخ: أتى النبي ﷺ المدينة وأسس المسجد، ولم تكن تقام الجمعة إلا في المسجد النبوي، وكان بنو عمرو بن عوف منهم من يأتي مع النبي ﷺ يصلي الجمعة، ومنهم من لا يقدر، ولما كان النبي ﷺ شفيقاً رءوفاً بأصحابه كان يأتي قباء، فهو يأتي قباء لفضل المسجد، لكن الذي يظهر -والعلم عند الله ولا نجزم به- أنه توخى يوم السبت حتى يتفقد من لم يحضر الجمعة من بني عمرو بن عوف، فيأتي ﵊ يوم السبت يتفقدهم ويسأل عنهم ويرى أحوالهم، مع فضيلة المسجد.
وقد قال ﵊: (من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه ركعتين) وليس المقصود الحصر، وإنما المقصود أن الركعتين هما أقل ما يمكن أن يصليهما المصلي، فهو مجرد ضرب المثل، يعني: أن الصلاة لا تقصد لذاتها، فمن أدرك فريضة، أو لم تبق له إلا ركعة واحدة من الوتر فصلاها هنا دخل في عموم الحديث، أو صلى تحية المسجد، أو صلى العشاء في بيته ثم تطهر وصلى هنا نافلة العشاء، أو المغرب، كل ذلك صحيح إذا أتى المسجد وصلى.
وأما الفضل فما ورد في الصحيح أنه كان يأتي يوم الاثنين، وكان يأتي أحياناً يمشي، ومن يأتيه كذلك يحصل على أجر عمرة بنص كلامه ﷺ ، لكنها لا تغني عن عمرة الإسلام، وقد كان الناس وما زالوا يأتون من بيوتهم إلى مسجد قباء، حتى نساء أهل المدينة قديماً كن يأتين من بيوتهن التي تبنى حول المسجد النبوي، وهناك شعر عن هذا، لكن قدسية المكان لا تسمح لإلقائه.
ومن أتى هذا المسجد خمس مرات وصلى خمس صلوات كتب له لكل صلاة أجر عمرة، وفضل الله أكبر وأوسع.
стр. 280
توسعة مسجد قباء حديثاً
وأريد أن أذكر أن البناء لم يكن بهذه الصورة، إنما كان كما تيسر في تلك العصر، ثم ما زال ملوك الإسلام وخلفاؤه يعتنون بهذا المسجد، حتى وسع عام (١٣٨٨هـ) في عهد الملك فيصل رحمة الله عليه، ثم في عام (١٤٠٥هـ) تقريباً في عهد الملك فهد ﵀ وسع هذه التوسعة التي ترى، وتشرف عليه وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وأنا من هذا المنبر المبارك ومن هذا المسجد أشكرهم شكراً جزيلاً على موافقة الوزارة على أن تبث هذه الحلقة من هذا المسجد، وهذا معدود من رعاية الوزارة وفقها الله للدعاة والعلماء، ونشر الذكر ونشر الخير.
وأخص بالذكر مقام معالي الوزير الشيخ صالح، وسعادة الأستاذ الدكتور توفيق السديري وكيل الوزارة لشئون المساجد، كما لا أنسى شكر سعادة مدير عام فرع الوزارة بالمدينة الدكتور محمد الأمين الخطري وفقه الله تعالى.
فهؤلاء الصفوة المباركة وأمثالهم من الإداريين من نعرف منهم ومن لم نعرف نشكرهم على الإذن وعلى الرعاية لإقامة هذا اللقاء في هذا المسجد المبارك.
وفي هذا السياق ننوه ونشكر كذلك موقع البث الإسلامي الذي يبث هذه الحلقة صوتاً، وكذلك موقع المسك الذي يبثها صوتاً وصورة، فجزاهم الله خيراً على هذا التعاون.
стр. 281
الحكمة من إتيان مسجد قباء راكباً وماشياً
المقدم: الرسول ﷺ كان يأتي راكباً وماشياً، فهل هناك حكمة من ذلك؟ الشيخ: التنوع في أداء العبادة أمر مطلوب، يبعد السأم، ولو أدام ﷺ القدوم مشياً لظن الناس واجباً، ولو أدام الإتيان راكباً لظن الناس أنه واجب، فتنويع النبي ﷺ فيه طرد للسآمة والملل، وفيه كذلك الرفق بالناس، لأنه ليس كل الناس يستطيعون أن يأتوا راكبين، وليس كل الناس يستطيعون أن يأتوا ماشين، فكل أحد يأتي بما يقدر عليه، وهذه سنة النبي ﷺ .
стр. 282
تناسب أجزاء آية تأسيس مسجد قباء
المقدم: قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة:١٠٨] وفي نهايتها: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] هل هناك مناسبة بين أول الآية وآخرها؟ الشيخ: هذا نزل في وصف أهل قباء من الأنصار رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، لأن بني عمرو بن عوف من الأنصار، وكان ثمة منافقون صنعوا مسجداً آخر غير بعيد عن هذا، وهو مسجد الضرار، فأظهروا شيئاً وأردوا شيئاً آخر، لكن ما أضمروه لا يخفى على علام الغيوب، إذ قال الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٧ - ١٠٨] أي: مسجد الضرار، ثم قال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة:١٠٨] والأشهر هذا، ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨]، ثم ذكر قرينة على أن الإنسان يتوخى المساجد المعمورة بالعباد الصالحين، المعمورة بالركع السجود، خاصة إذا كانت قديمة، وهذا ذكره الحافظ ابن كثير رحمة الله عليه في تفسيره.
قالوا: والقرينة قول الله جل وعلا: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، كان حب الطهارة فيهم جبلة، فكانوا يقضون حوائجهم ثم يغسلون بالماء ويستجمرون بالحجارة، فكان الأمر فيهم جبلة، والطهور شطر الإيمان كما قال صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 283
الحكمة من ابتداء النبي بتأسيس المسجد في المدينة دون غيره
المقدم: نريد أن نختم الكلام على المسجد بذكر فائدة أن النبي ﷺ حينما قدم المدينة بدأ بتأسيس المسجد، ولم يبدأ بتأسيس شيء آخر في الدولة الإسلامية، فهل هناك حكمة من ذلك؟ الشيخ: لا حياة للناس إلا بصلتهم بربهم، والرمز الأعظم لأن يصل الناس حالهم بربهم الصلاة، والرمز الأكبر الذي تؤدى فيه الصلاة المساجد، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
стр. 284
تدبر القرآن
стр. 285
الوسائل المعينة على فهم القرآن
المقدم: الجميع يرغب أن يتدبر معاني القرآن، وقد انتشرت في الفضائيات العربية ظاهرة تفسير القرآن والتدبر، وأن الناس في ذلك ما بين مجتهد مصيب ومخطئ إلى آخره، لكن كيف نستطيع أن نمتلك آليات وأدوات فهم القرآن والتدبر، وتطبيقه في حياتنا، نأخذ منك تأصيلاً علمياً في فهم وتدبر الآيات! الشيخ: فهم القرآن العظيم وتدبر آياته، والاستضاءة بنوره مقصد شرعي عظيم، تطمح إليه كل نفس مؤمنة، وفضل الله واسع، لكن لما كان القرآن بهذه العظمة كان لابد أن يكون هناك مرحلة كبرى جداً للوصول إلى تدبر القرآن، وتدبر القرآن مقصود: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢].
وأعظم تلك المفاتيح يمكن إجمالها في أربع طرائق تعين على تدبر القرآن، أذكرها إجمالاً ثم أفصل: الأول: الابتعاد عن حطام الدنيا.
الثاني: العلم بلغة العرب.
الثالث: التتبع والسير على منهج سلف الأمة.
الرابع: فهم مقاصد القرآن.
هذا من حيث الإجمال.
أما من حيث التفصيل فنقول: الأول: قال سفيان الثوري رحمة الله عليه: لا يجتمع فهم القرآن في قلب اشتغل بحطام الدنيا أبداً.
فلا يمكن أن يجتمع حطام الدنيا مع فهم القرآن، هذا محال، فالاشتغال بحطام الدنيا أمر مهما قال الإنسان فيه إلا أنه ينجم عنه بعد عن تدبر نور القرآن.
نحن لا نقول: إن كل من اشتغل بحطام الدنيا يحرم من فهم القرآن بالكلية، لأن هذا كلام عائم يؤخذ منه ويرد، لكن من تدبر حال الناس وجد أنه كلما كان الإنسان مشتغلاً بحطام الدنيا أكثر كان أشد انصرافاً عن فهم كلام الله جل وعلا.
والله جل وعلا قال لنبيه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر:٨٧ - ٨٨] فبين الله جل وعلا أن حظك من القرآن أيها النبي الكريم يغنيك عن النظر إلى متاع الدنيا.
وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، فعلى هذا فإن تدبر القرآن يوفق له عبد أحجم بنفسه عن جمع حطام الدنيا، ونحن نرى هذا في أنفسنا، كلما شغلنا بشيء من حطام الدنيا نجمعه قل تدبرنا وفهمنا للآيات.
أما الجمع على سبيل جمع المعيشة ولأجل أن يعف نفسه فلا يقال له حطام الدنيا، لأن هذا من المطالب الرئيسة التي لابد منها لإطعام النفس والولد ومن يعول، وهذا لابد منه، لكن المقصود الانغماس فيها والانشغال القلبي، بحيث إن الإنسان يبيت ويصبح ويمسي وهو يحسبها بالدينار والدرهم، والله جل وعلا قال لنبيه في سورة طه: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] بعد أن أمره بالصلاة، قال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
والله جل وعلا تكفل لعباده بالرزق، وأمرهم بالعبادة له، فمن الخطأ العظيم أن ينشغل الإنسان بالرزق ويترك العبادة، فينشغل عما أمر به بشيء تكفل الله به، والله يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وقال جل وعلا: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠]، فهذا يراه الإنسان في نفسه، وليس هناك أحد معصوم، لكن الانشغال بها يحجبك عن الفهم.
لكن لا يفهم منه أن هذا الشرط يؤخذ بمعزل، فيأتي إنسان بكل أحد زاهد ويقول: هذا متدبر للقرآن، فهذا من جملة شروط لا تتوافر فيها جميعاً.
الأمر الثاني: العلم بلغة العرب.
قال مجاهد بن جبر المكي: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في كلام الله حرفاً إلا أن يكون عالماً بلغة العرب.
وقال مالك ﵀: لا أوتى بأحد يقول في القرآن وهو غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالاً.
وهذا أصل دل عليه القرآن؛ لأن الله قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، فمن لم يفقه لغة العرب لا يحل له أن يقدم على أن يقول في القرآن، لأنه يفقد آلة عظيمة في فهم القرآن، وهي العلم بلغة العرب.
من الأمثلة الواقعية على هذا ما ذكره الأئمة الكبار من قبل أن الله قال لنبيه نوح في القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود:٤٠]، فاختلفوا في معنى (التنور)، فمن العلماء من قال: إن التنور من تنور الصبح إذا أضاء، ومنهم من قال: إن التنور إذا انبجس الماء، ومنهم من قال: إن التنور أشرف الأرض وأعلاها، ومنهم من قال: إن التنور المخبز المعروف، ومعلوم في لغة العرب أنه إذا قيل (التنور) إنما ينصرف إلى الموقد الذي يتخبز فيه.
فعلى هذا قال الطبري ﵀ وهو إمام المفسرين المشهور: فيجب هنا صرف كلام الله إلى المشهور من لغة العرب، ولا يوجه الكلام إلا للأشهر والمتعارف عليه من لغة العرب؛ لأن الله قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥].
إذاً: هذا ثاني الشرائط، وهو العلم بلغة العرب.
وقبل أن ندخل في الشرط الثالث نتساءل: ما هي حدود امتلاك الإنسان لفهم اللغة العربية، هل هناك خطوط عامة بحيث إذا استطاع أن يسيطر عليها فهم الكلام العربي؟ يفهم من النحو قواعده الإجمالية، صحيح أن هناك مسائل اختلف فيها الأئمة الكبار كنحاة البصرة ونحاة الكوفة، لكنها ليست مطلوبة، لكن الإجمال والإحاطة العامة ومعرفة مظان الاختلاف أمر مطلوب.
العلم بلغة العرب وبأساليب العرب في كلامهم، لا يتأتى إلا إذا كان الإنسان قد اطلع على شعر العرب، قال عمر ﵁: الشعر ديوان العرب، فالاطلاع على المعلقات والشعر في صدر الإسلام وفي زمن الاحتجاج خاصة أمر مطلوب، حتى يعرف الإنسان طرائق العرب في كلامها، فعلى ذلك يفسر القرآن، ولذلك كان ابن عباس إذا قال في المسألة قولاً يسأله الناس: أوتعرف العرب هذا؟ فيقول: نعم، ثم يأتي بشاهد يدل على أن العرب تعرف هذا المقصد في كلامها.
وزمن الاحتجاج استمر إلى عام (١٢٠هـ) تقريباً، قبل نهاية الدولة الأموية بعشر سنين تقريباً.
الأمر الثالث: الاهتداء بمذهب السلف الصالح، والسؤال الأول: من هم السلف الصالح؟ السلف الصالح صحابة النبي ﷺ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وأعيان التابعين لهم بإحسان، والأئمة العدول ممن ساروا على منهجهم إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة، وبالنسبة لكل أحد فإن من مضى قبله من الأئمة العدول سلف له، لكن ينطبق على أهل القرون المفضلة في المقام الأول، فمنهج الصحابة وأعيان التابعين لهم بإحسان هو الذي ينصرف إليه قولنا وقول الأئمة: السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان.
هؤلاء الأئمة رضوان الله تعالى عليهم لابد للإنسان أن يسير على منهجهم حتى يتدبر القرآن.
ومن سمات منهج السلف الصالح: الأول منها: أنهم يقدمون النقل على العقل في تفسير القرآن عامة، وفي نصوص الأسماء والصفات خاصة.
الأمر الثاني من سمات منهجهم رحمة الله تعالى عليهم: أنهم يجمعون بين القرآن والسنة.
الثالث: من سمات منهج السلف الصالح: رفض ما دونه الفلاسفة والمتكلمون في الأسماء والصفات خاصة.
الرابع: أنهم ينبذون التقليد الأعمى، ولا يتعصبون لمذهب بعينه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه وهو يصف بعض سماتهم: وليس لهم متبوع إلا رسول الله ﷺ ، وهم -أي الصحابة- أعلم الناس بأحواله وأقواله وأعرف الناس بأحاديثه صحيحها وسقيمها رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
فالسير على منهجهم وفق هذه الخطوط وغيرها من طرائق معرفة النصوص تعين على فهم القرآن.
следующие страницы →