Полный текст (295 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الأسئلة
стр. 107
حكم حلق اللحية من أجل الوظيفة
السؤال
رجل أتت إليه وظيفة في مكان لا بأس به، ولكن يريدون منه أن يحلق اللحية، فهل يجوز له حلقها، مع العلم أن هذه الرجل يشكو إلى الله الفقر، أرجو الإفادة؟
الجواب
لا يجوز قولاً واحداً، ولا تطلب وظيفة بمعصية الله، فمن طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وسأضرب لك مثلاً حتى تطمئن: الرزاق هو الله، جاءت بعثة إلى إحدى دول أوروبا للعاملين في التربية والتعليم، فكان لي صديق مدرس ملتح، فرشح لهذه البعثة، فقال: يا شيخ! أنا سأحلق اللحية؛ لأن أحد شروط البعثة حلق اللحية، فنهيته، فأبى وحلقها، ثم ذهب بعد الفجر متستراً إلى السفارة لينهي الإجراءات ويسافر، فإذا به يفاجأ: أننا نعتذر عن السفر هذا العام، فعاد يجر ذيل الهزيمة، وظل شهراً في بيته متستراً بعمامته ولم يخرج حياءً من الناس.
فلا تطلب الرزق بسخط الله، ولا يجوز يا عبد الله أن تقبل وظيفة يكون هذا أحد شروطها، فالأئمة الأربعة ذهبوا إلى أن حلق اللحية حرام، وحالقها عاص وآثم، وعد الذهبي حلقها في الكبائر، ولا تكن كمن يقول ما لا يعرف: اللحية سنة، من أعفاها أثيب، ومن حلقها فليس عليه شيء، فإن كلمة السنة لها معنى عند المحدثين، ولها معنى عند الفقهاء، ومن التدليس الخلط بين المعنيين، أما عند الفقهاء فتحمل الأحكام التكليفية الخمسة على السنة، يعني: من السنة ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو محرم، ومنها ما هو مباح، خمسة أحكام تكليفية، فمثلاً لبس الذهب للرجال حرام بالسنة وليس بالقرآن.
إذاً: السنة تحرم، والسنة تبيح، والسنة تقرر، يعني: أن السنة مصدر تشريع، وليس معنى السنة أن من فعلها أثيب ومن لم يفعلها فليس عليه شيء، فهذا خلط بين المسائل.
стр. 108
حكم من عليه قضاء صيام خمس سنوات ماضية بسبب المرض
السؤال
زوجة عليها صيام خمس سنوات قديمة مع العلم أنها مريضة فماذا تعمل؟
الجواب
إذا كان على المرأة قضاء أيام من رمضان بسبب النفاس أو الحيض أو المرض فيجب عليها القضاء؛ لأن عائشة تقول: (أمرنا بقضاء الصيام ولم نؤمر بقضاء الصلاة) فإذا حاضت المرأة أو نفست تفطر ثم تقضي، لكنها إذا حاضت وأفطرت ومرت سنة كاملة دون قضاء وجاء عليها رمضان الآخر ولم تقض، يقول العلماء: عليها قضاء وكفارة بعد رمضان الثاني، القضاء شرعاً والكفارة تعزيراً؛ لأنها فرطت وأهملت، فإن كان عليك أيام من رمضان خمس سنوات بسبب المرض، فإن كان مرضاً مزمناً فعليك أن تطعمي عن كل يوم مسكيناً، وإن كان مرضاً يرجى شفاؤه فانتظري حتى يتم لك الشفاء ثم اقضي بعد ذلك فقط؛ لأن الله قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
стр. 109
حكم الصلاة أمام الإمام للضرورة
السؤال
قلت: إنه يجوز أن تصلي أمام الإمام للضرورة، فما هي الضرورة؟
الجواب
الضرورة أن يضيق المكان، فإذا كان المكان ضيقاً وليس هناك مكان على الإطلاق إلا أمام الإمام ففي هذه الحالة قال العلماء: يجوز أن يقف أمامه للضرورة، فالمشقة تجلب التيسير، قال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، والله تعالى أعلم.
стр. 110
حكم الصلاة للميت
السؤال
هل يجوز وهب صلاة لوالدي المتوفى؟
الجواب
لا يجوز أن تهب الصلاة للميت، فما يصل إلى الميت لا بد أن يكون عليه دليل، كالحج، وكالصيام، كما قال ﷺ : (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)، وكالزكاة إذا كانت في رقبته، وكالصدقة الجارية، أما الصلاة فلا يجوز أن تصلي لميت.
стр. 111
حكم الاستنجاء من الريح
السؤال
هل يجب الاستنجاء قبل الوضوء إذا خرج مني ريح؟
الجواب
لا؛ لأن الاستنجاء في حالة التبول والتغوط فقط، أما خروج الريح فلا يجب له الاستنجاء.
стр. 112
حكم لبس الرجل للدبلة والخاتم
السؤال
هل ورد عن رسول الله ﷺ لبس دبلة أو خاتم للرجل من غير الذهب؟
الجواب
نعم، كان له ﵊ خاتم، والحديث عند البخاري في كتاب العلم: (أنه كان يتخذ خاتماً نقشه (محمد رسول الله)، محمد في سطر، ورسول في سطر، والله في سطر)، وقال للصحابي: (التمس ولو خاتماً من حديد)، فلبس الخاتم ليس فيه شيء.
أما الدبلة فهي عادة نصرانية ليس لها أصل في شريعتنا.
والذهب حرام على الرجال قولاً واحداً، أما الدبلة للمرأة فتقليد نصراني؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الدبلة تتصل بعرق في القلب، ويعتقدون أنه كلما كانت الدبلة في اليد يكون عرق المحبة موصول، وخلع الدبلة خلع لعرق المحبة، فالدبلة لا أصل لها في الشرع، والإسلام أباح للرجل أن يتزوج أربعاً؛ إذن تلبس أربع دبل، فيا عبد الله! هذا كله من التقليد الذي ليس عليه دليل.
стр. 113
شروط التوبة النصوح
السؤال
شاب يعصي الله ويتوب ثم يعصي ويتوب، ويقول: إنه يريد أن يتوب توبة نصوحاً دون عودة إلى المعاصي فماذا يفعل؟
الجواب
التوبة لها شروط: الإقلاع، والندم، والعزم على عدم العودة، إنما أن تتوب وأنت عازم على أن تفعل المعصية فهذا لا يجوز، فإن تبت وقد ندمت، وأقلعت، وعزمت ثم عدت فتب فلك توبة، شريطة أن يكون عندك عزم على عدم العودة، فإن عدت إلى الذنب مع عزمك على التوبة فاعلم أن الله يغفر الذنوب جميعاً، فلا تقنط من رحمة الله .
стр. 114
حكم فوائد البنوك للقاصر الذي وضع ماله فيها دون رضاه
السؤال
حصلت زوجتي على ميراث من والدها، وهو مبلغ من المال، فوضع في أحد البنوك؛ لأنها كانت قاصرة، وعند سحب هذا المبلغ كان قد زيد عليه الفوائد، وأنا مدين بمبلغ وليس لدي المقدرة على سداد الدين، فهل يجوز أن آخذ هذه الفوائد وأسدد بها ديوني؟
الجواب
يجوز؛ لأن المبلغ وضع وهي قاصرة، ومن شروط التكليف أن يختار المكلف الفعل، وإنما هذا وضع بغير إرادتها، ففي أصول الفقه يقولون: شروط التكليف أن يكون المكلف مختاراً، يعني: أنك لا تحاسب على شيء أنت لم تختاره، فلابد من الاختيار، لكن طالما أكره عليه وجاءت أموال وهو لا يريدها، فنستطيع أن نقول: خذ الفوائد وسدد بها الديون.
стр. 115
حكم إعفاء اللحية مع عدم رضا الوالدين بذلك
السؤال
ما حكم إعفاء اللحية إذا كان ذلك يؤدي إلى خلاف مع الوالدين؟
الجواب
أعف اللحية، وحاول أن تكون باراً بهما، وأن تكون رفيقاً في الأمر، فلا طاعة لهما في هذا الأمر.
стр. 116
حكم الزواج
السؤال
هل الزواج واجب؟ ومن امتنع عن الزواج هل يأثم؟
الجواب
الزواج يأخذ الأحكام التكليفية الخمسة، فأحياناً يكون الزواج واجباً؛ وذلك إذا كان المكلف لا يستطيع أن يتحكم في شهوته فلابد له من الزواج.
وأحياناً يكون الزواج محرماً؛ وذلك في حق رجل لا يستطيع مجامعة النساء، كالعنين، أو كان لا يملك مقومات الزواج، فإن جاء بامرأة فقد يظلمها، وهذا لا يجوز، أو يكون عنده مرض يقعده عن أمر الزواج.
وأحياناً يكون الزواج مستحباً.
وأحياناً يكون مباحاً يستوي فعله مع تركه، وابن تيمية لم يتزوج، والنووي لم يتزوج، وهناك كتاب اسمه: (العلماء العزاب) الذين آثروا العلم على الزواج، لكن هذه ليست سنة، فلا تقل: أنا سأكون مثل ابن تيمية، فإن الأصل هو الزواج، قال ﷺ (فمن رغب عن سنتي فليس مني).
فالزواج يرجع إلى حال المكلف، فبعض الناس يستوي عنده الزواج مع عدم الزواج، سواء تزوج أم لم يتزوج فالأمر عنده واحد، لكن في زمننا هذا انتشرت فيه البناطيل، والاختلاط، والتبرج، والفتن، ماذا يفعل الشاب؟ لذلك أشكر الأب الذي يزوج أبناءه مبكراً، وعندنا أخ زوج أولاده الاثنين وأعمارهما: سبعة عشر عاماً وتسعة عشر عاماً، ولنا أيضاًَ زميل داعية زوج ابنه وعمره ثماني عشرة سنة.
стр. 117
تفسير سورة القلم [٩]
الدعوة إلى الله لابد فيها، فمن اللين والرفق مع المدعو؛ إذ إن الغلظة والقسوة تؤدي إلى النفور والإعراض، ولا تأتي بخير مطلقاً، ومع أن الأصل في الدعوة اللين إلا أن الشدة قد تكون مطلوبة أحياناً، ولكن بقدر، وفي ظروف معينة؛ وذلك للحفاظ على شعائر الدين وسننه.
стр. 118
كلمة عن وفاة الشيخ محمد صفوت نور الدين
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقنا من عدم، وأطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وهدانا من ضلال، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدنا الله، وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، ولا شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! قبل أن نبدأ في موضوع لقائنا اليوم أجد أنه من الواجب علي وعلى كل داعية إلى التوحيد في ربوع العالم الإسلامي أن يتكلم بكلمة عن عالم من علمائنا، أراد الله ﵎ له حسن الخاتمة؛ ليخفف آلام المصيبة والصدمة، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري في صحيحه في كتاب العلم من حديث أنس: (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، وأن يفشو الجهل، وأن يفشو الزنا، وأن تشرب الخمر، وأن يقل عدد الرجال، وأن يزيد عدد النساء حتى يكون للخمسين امرأة القيم الواحد).
وفي كتاب العلم أيضاً: باب كيف يقبض العلم؟ يقول ﷺ : (إن الله لا ينتزع العلم من الصدور انتزاعاً، ولكن ينتزع العلم بموت العلماء، فإذا مات العلماء اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
وظاهرة موت العلماء في السنوات الأخيرة لا تخفى على أحد.
وهذا العالم هو شيخنا محمد صفوت نور الدين ﵀، فقد خرج من مصر يقصد بلد الله الحرام لأداء العمرة، وبعد أن طاف ببيت الله واغتسل وصلى الجمعة مع المسلمين خرج من بيت الله الحرام ليأتيه ملك الموت وهو على باب الفندق، وقبل موته شهق شهقة وهو يقول: لا إله إلا الله، وهي الكلمة التي كان يدعو إليها، وسارت جماعته على نهجها، وهي دعوة الأنبياء والرسل، فهي دعوة التوحيد التي من حاد عنها ضل.
والله سبحانه قد جعل لحسن الخاتمة علامات، منها: أن يقبض العبد على طاعة، وقد مات شيخنا على طاعة الطواف بالبيت وأداء الصلاة، والموت ببلد الله .
ونحن أبناؤه، تعلمنا الدعوة منه، وكنا حوله يوم أن كنا صغاراً، وهو يغرس فينا عقيدة التوحيد، وحرب الشرك والمشركين، وجماعات البدع والأهواء، ودعوة السلف التي هي دعوة كل من أراد النجاة لنفسه.
أسأل الله سبحانه في هذا اليوم الكريم وفي هذا الجمع الكريم أن يغفر له ويرحمه، اللهم اغفر له وارحمه، اللهم اغفر له وارحمه.
اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته، اللهم أبدله داراً خيراً من داره، اللهم نقه من خطاياه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسله من خطاياه بالماء والثلج والبرد، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا .
стр. 119
اللين والرفق والشدة في الدعوة
أيها الإخوة الكرام! موضوع هذا اللقاء: اللين والرفق والشدة في سيرة سيد المرسلين ﷺ ، وهو استكمال لقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
فاللين والرفق يقابلهما الشدة، والبعض يسير في جانب اللين على طول الطريق، مع أن الأمر قد يستدعي الشدة في بعض الأحيان، وحتى نوازن بين الأمرين، فسنبين النصوص الشرعية، ونذكر مواقف من سيرة النبي ﵊، وصدق الله سبحانه القائل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
وهذا الكلام لسيد البشر ﵊، فلا شك أن من هو دونه أولى بهذا.
فما هو اللين؟ وما هو الرفق؟ وما هي الشدة؟ وما هي المواقف التي ينبغي أن يستخدم فيها اللين؟ والمواقف التي ينبغي أن يستخدم فيها الشدة؟ النفس البشرية بطبيعتها تميل إلى من يعاملها بلين وتقبل منه، وتأبى وترفض من يعاملها بعنف ويغلظ عليها بالقول، ولا شك في ذلك، فاللين والرفق هما: لين الجانب وتحمل الأذى وحسن الخلق وعدم العنف في المعاملة.
وقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تبين هذا المعنى.
أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون فقال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
وقد دخل رجل على المأمون في زمن الدولة العباسية فأغلظ له في القول وعنفه، فقال له: يا رجل! لقد أرسل الله من هو أفضل منك إلى من هو شر مني، أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون فقال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
هناك فرق وخط فاصل بين المداراة والمداهنة، وأرجو الانتباه إليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩].
فالمداراة كما قال علماء التفسير: أن تضحي بالدنيا لأجل الدين، وأما المداهنة فهي: أن تضحي بالدين لأجل الدنيا.
فالمداراة هي استخدام الألفاظ اللينة وعدم قبول المنكر أو إقرار صاحبه.
واللين في الدعوة ليس معناه مشاركة العاصي وعدم الأخذ على يده وتركه ومجاملته؛ حفاظاً على المودة بينكما، فهذه مداهنة، ولا ينبغي أن تكون أبداً، وإنما المقصود بالمداراة: استخدام اللفظ الطيب، وخفض الجناح في النصيحة، وقد جاءت النصوص الشرعية تبين هذا المعنى، فرب العزة ﵎ يقول للنبي ﷺ : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [العنكبوت:٤٦].
وهذا قيد مهم.
وانظر إلى حوار فرعون وموسى، والنمرود وإبراهيم، وصاحب الجنتين مع أخيه، وقارون مع قومه فستجد الحوار أحياناً يأخذ جانب اللين وأحياناً يأخذ جانب الشدة.
فنوح يقول لقومه: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف:٢٣].
بعد أن استخدم معهم اللين، وإبراهيم قال لقومه: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:٦٧].
فالحوار في القرآن واضح المعالم.
يقول النبي ﷺ : (ما كان اللين في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه).
ولما أرسل ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن قال لهما: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا).
وكان يوصي أصحابه ﷺ بالرفق في تعليم الجاهل.
وكان يقول: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف).
وقد دعا وقال: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به).
стр. 120
من مواقف النبي ﷺ في اللين والرفق
هيا بنا ننظر في سيرة النبي ﵊ في مواقفه في جانب اللين ومواقفه في جانب الشدة.
أولاً: جاء في الحديث: (مر ﷺ على قبر فوجد عنده امرأة تبكي، فقال لها: اصبري واحتسبي، فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي).
(وإليك عني) كلمة زجر وردع، (فتركها النبي ﷺ ، فلما أخبرت المرأة أن الذي حدثها هو النبي ﵊ جاءها مثل الموت وأصيبت بدهشة، وأسرعت إلى بيت النبي ﵊، فلم تجد بوابين على باب داره).
فلم يكن يمنع نفسه ﵊ عن الناس؛ حتى يظهر تحقيق الشخصية، ويقف من يريد ساعة، وبعد الساعة يستأذن ثم يدخل، (فلما أخبرته أنها ما عرفته، قال لها: إنما الصبر عند الصدمة الأولى).
ففي هذا النص استخدم النبي ﷺ اللين في معاملة المرأة.
ثانياً: في حديث الرجل الذي وقع على امرأته في نهار رمضان وهو صائم، فذهب إلى قومه وقال: هلكت، فاذهبوا معي إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا له: اذهب وحدك؛ فإنا نخشى أن ينزل فينا قرآن يفضحنا، وأبوا أن يذهبوا معه، فذهب الرجل إلى النبي ﵊ وأخبره بما عمل، فقال له النبي ﷺ : (اعتق رقبة، فأمسك الرجل برقبته وقال: ليس لي إلا هذه يا رسول الله! قال: صم شهرين متتابعين، قال: يا رسول الله! وهل فعل بي ذلك إلا الصوم)، أي: إني لم أطق أن أبعد عن زوجتي يوماً، فكيف أبتعد عنها شهرين متتابعين؟ (قال له: أطعم ستين مسكيناً، قال: ليس في بيوت المدينة من هو أفقر مني، فأمره أن يذهب إلى قومه، وأن يقبل منهم الصدقة، وأن يطعمها أهله وزوجته).
ولم يعنفه في القول.
ثالثاً: في حديث آخر: (دخل عليه شاب وقال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا).
ولو جاء أحد الشباب إلى علمائنا اليوم أو إلى طلبة العلم وقال له: هل لي رخصة أن أزني؟ فماذا ستكون الإجابة؟ فانظروا إلى لين ورفق النبي محمد ﷺ ، أجلس الشاب، ثم خاطبه بلغة الشرع والعقل، وقال له: (أترضاه لأمك؟ قال: لا، قال: وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم، أترضاه لأختك؟ لخالتك؟ لعمتك؟ ثم مسح على صدره ودعا له ﷺ ، يقول الشاب: فخرجت من عند رسول الله وأبغض شيء إلى قلبي هو الزنا).
هذه هي معاملة اللين والرفق، (ما كان اللين في شيء إلا زانه).
والدعوة بالعنف لا تولد شيئاً نافعاً.
رابعاًً: حديث الأعرابي كما في سنن أبي داود يدل على أنه ينبغي أن نرفق بالجاهل عند تعلمه، ففي الحديث: (أن أعرابياً بال في زاوية من زوايا المسجد).
فقد ترك المكان المعد للتبول وبال في زاوية من زوايا المسجد، قلت في نفسي: لو وقع هذا في أحد مساجدنا لضرب من فعله بالنعال، وقد يحمل إلى المقبرة، أما النبي ﷺ فقال: (دعوه، لا تقطعوا عليه البول، ثم أريقوا عليه ذنوباً من ماء، أو سجلاً من ماء).
يقول ابن حجر في فتح الباري عند شرحه لهذا الحديث: انظروا إلى رفق رسول الله ﷺ ، ولو قطع الصحابة على الرجل بوله لجرى أمامهم وسعى، فبدلاً من أن يصيب موضع واحد بالنجاسة لأصاب كل المسجد، ولو حبس البول في داخله لأصيب هو بالأذى.
وجاء في بعض الروايات: (أن الرجل خرج إلى خارج المسجد وهو يقول: اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد سوانا، فقال له النبي ﷺ : لقد حجرت واسعاً).
خامساً: حديث عمر بن أبي سلمة: (أنه كان يأكل مع رسول الله ﵊ فطاشت يده في الصحفة -أي: أنه كان يأكل من جوانب الصحفة الأربع- فنظر إليه النبي ﷺ وقال: يا غلام! ادنه، وكل وسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك، يقول عمر: فما زالت تلك طعمتي بعد).
سادساً: في فتح مكة قال ﷺ : (ما تظنون أني فاعل بكم، قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء).
سابعاً: حديث معاوية بن الحكم كما عند مسلم: لما كان يصلي خلف النبي ﵊ فعطس رجل بجواره فقال له: يرحمك الله، فلم يجبه الرجل، ونظر الصحابة إليه يكادون يسطون عليه سطواً، ثم بعد الصلاة قربه النبي ﷺ ، يقول معاوية ﵁: (والله ما وجدت معلماً كرسول الله ﵊، والله ما كهرني -أي: ما قهرني- وما سبني، وما شتمني، وما غلظ لي في القول، وإنما قال لي: تلك صلاة لا يصلح فيها إلا ذكر الله وكذا وكذا).
علمه برفق وهكذا كانت حياة النبي ﷺ حينما يرسل أصحابه يأمرهم بالرفق بالجاهل، واستخدام اللين في موضعه.
ولذلك جاء في الأثر: أن
стр. 121
مواطن الشدة في الدعوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فالمتأمل في نصوص القرآن الكريم يجد أن كل رسول كان من جنس قومه، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ﴾ [الأعراف:٨٥]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ﴾ [الأعراف:٧٣].
لأن القوم حينما يعرفون من يدعوهم يكون ذلك أرحم بهم، وكانت لغة التلطف في الحوار هي لغة الأنبياء مع أقوامهم في بداية الأمر، فإذا انتهكت حرمات الله واستهزئ بحدوده واستخف بأوامره غضبوا، فاللين في جانب الدعوة برفق وتلطف واستخدام أفضل الوسائل في الدعوة، وأما إذا انتهكت الحدود فلا تسكت، وأدنى درجات الإيمان الإنكار بالقلب، أما أن تشارك حتى يرضى عنك الآخرون، ولا تصطدم معهم ولا تبدي لهم أي نفور أو عدم قبول فهذه مداهنة، وهذا مثل ما عمل مفكرنا الإسلامي وأستاذنا العظيم عندما تقدم باقتراح إلى مجمع البحوث يطلب فيه استتابة المرتد مدى الحياة وعدم قتله، وهذا فيه إهدار للنصوص الشرعية، ولا أدري ماذا يعمل مع ما جاء في البخاري من أن معاذاً جاء إلى أبي موسى وكان رسول الله ﷺ قد ولى كلاً منهما في مكان من أرض اليمن، فوجد رجلاً مربوطاً فقال لـ أبي موسى: من هذا؟ قال له: مرتد، وقد استتبناه ثلاثاً، قال: لا أنزل من على دابتي حتى يقتل، قال: وهل أتينا به إلا لقتله، قال: لا أنزل حتى يقتل، وأبى معاذ أن ينزل حتى قتل المرتد؟ وماذا يقول مع ما جاء عند البخاري: (من بدل دينه فاقتلوه)؟ أي: بعد استتابته ثلاثاً كما ذهب إليه جمهور العلماء من السلف وغيرهم.
ولما ذهب أبو أيوب إلى سالم بن عبد الله بن عمر في عرسه ليهنئه على زواجه، وجد على جدران سالم ستائر، وقد نهى النبي ﷺ عن أن تغطى الجدران بالستائر، وعن كسوتها، فقال أبو أيوب: تكسون الجدران بالأقمشة وقد سمعتم النبي ﷺ ينهى عن ذلك؟ فقال ابن عمر: غلبنا عليه النساء يا أبا أيوب! فأبى أبو أيوب أن يجلس ورجع.
وابن عمر لما خرج في جنازة وجدهم يسيرون ببطء، ومن السنة في الجنازة الرمل، كما كانت سنة النبي ﵊، فقال: إن لم تسرعوا بها فسأعود حالاً، ولم يقبل أن يسير في مخالفة السنة.
هذه نصوص شرعية واضحة بينة في أن الشدة تكون في حال ارتكاب مخالفة، شريطة أن تكون ليناً في جانب اللين.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعتنا.
اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذكراً.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همومنا وغمومنا، ونور أبصارنا.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً، ونسألك رضاك والجنة.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، واغننا بفضلك عمن سواك.
اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر دينك في ربوع الأرض يا رب العالمين! اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بشر فاجعل كيده في نحره، وأهلكه كما أهلكت عاداً وثمود وفرعون.
اللهم أحسن خاتمتنا، اللهم أحسن خاتمتنا.
آمين.
آمين.
آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 122
الأسئلة
стр. 123
حكم الطعن في العلماء
السؤال
ما حكم الطعن في العلماء، فبعض الناس يقول عن فلان: إنه مرجئ، وعن آخر: إنه من الخوارج، وهكذا؟
الجواب
لقد عمت الفتنة والبلوى، وخاض الأصاغر في الأكابر، فنسأل الله العافية، فهذه فتنة ينبغي أن نطهر ألسنتنا منها، وعلماؤنا إن شاء الله على خير، وإن كان لأحدهم زلة فندعو له بالتوفيق وأن يعود إلى رشده، ومن منا ليست له زلة؟ لكن أهل الأهواء والأمراض ينشرون اختلاف العلماء بين الناس، وقد قال العلماء: خلاف الأقران يطوى ولا يروى، والأقران هم العلماء الذي يعيشون في زمن واحد، ولا شك أنهم يقع بينهم غبطة أو تنافس في الخير، وهكذا كان دأب العلماء قاطبة في أزمنتهم، فصراع الأقران يطوى ولا يروى، فقد كان أحدهم يقول عن الآخر كذا، والآخر يقول عنه كذا، والآن هناك أختام مصنوعة لتمييز الناس، فهذا من فرقة كذا، وهذا من عصابة كذا، وهذا من كذا وهكذا، حتى أصبح ولاؤنا وبراؤنا ليس للتوحيد ولا لدين الله، وإنما لمن أسمع منه وأتلقى منه، والأخ يسأل الآن ويقول: ماذا تقول في أخ يقول عن العالم الفلاني: إنه مرجئ، وعن فلان: إنه من الخوارج؟ أقول: ليتق الله في نفسه؛ فما خاض أحد في لحوم العلماء إلا أذله الله، وكانت خاتمته خاتمة سوء، وانظر في كتب التراجم ماذا صنع الله بمن عذب شيخ الإسلام ابن تيمية وسجنه؟ وماذا صنع الله بمن عذب الإمام أحمد بن حنبل في بغداد، وامتحنه في محنة خلق القرآن وجلده؟ فأسماؤهم لا نعرفها، وأما ابن حنبل فلا يجهله أحد، فهؤلاء غابت عنا حتى أسماؤهم، وعليهم من الله ما يستحقون، وأما علماء الأمة فكلما ذكرناهم قلنا: ﵏، ونترضى عليهم، فلحوم العلماء مسمومة، فمن وقع فيهم فإنما يتجرع السم، وعادة الله في هتك منتقص قدرهم معلومة، ومن وقع في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، وهذا كلام مهم، وبدلاً من أن نعلم الناس اليوم التوحيد والشرع، ونحذرهم من البدع التي انتشرت الآن وظفنا أنفسنا في الكلام في العلماء، ونحن نريد الآن أن نتصدى لهذه الظاهرة ونمنعها ونقول للناس: هذا لا يجوز، ولا نشغل أنفسنا بأن فلاناً مرجئ أو خارجي أو حلولي أو اتحادي، فيا عبد الله! اتق الله، فلا يقع في علماء الأمة إلا سيء الأدب، ولم يسلم من الألسنة حتى الشيخ ابن باز والشيخ الألباني وهما مجددا العصر باعتراف أهل العلم، فالشيخ ابن باز والشيخ الألباني جددا لهذه الأمة دينها، (ويبعث الله على رأس كل مائة سنة للناس من يجدد لها دينها).
وقد ترك الرجل كتباً ربما مسجد العزيز لا يتسع لها، وكانت عقيدته سلفية، فأنت تطعن في عالم من علماء الأمة جدد وأحيا وقطع نفسه للدفاع عن سنة النبي ﵊، فاتق الله في نفسك يا عبد الله! وراجع نفسك، وإن كان لفظاً يحتمل الخطأ فاحمله على المحمل الحسن، ورد المتشابه إلى المحكم، فلا تصطاد الأخطاء اصطياداً، وتكتب فيها الكتب وتنشرها على الملأ، فنحن في زمن عمت فيه الفتن والبلايا، وصارت فيه الأعراض رخيصة كما تعلمون، فالإنسان لا يأمن فيه على عرضه، ولا يأمن على ذهاب ابنته إلى الجامعة، فالزواج العرفي أصبح أيسر شيء، فكلما ذهبت البنت إلى مكان كتبوا لها ورقة وتزوجت، وهذا أمر انتشر، فتصدوا لهذه الظاهرة، وبينوا فيها الأحكام، وحذروا الناس منها.
فقد أصبحت أمراضنا متعددة، ويبدو أن الشيطان قد استهوانا وتغلب علينا، فانشغلنا بأمور وجزئيات وتركنا الأولويات، وفقه الأولويات من أهم أنواع الفقه الذي ينبغي أن ننتبه إليها.
стр. 124
الجواب على شبهة كون أحداث مركز التجارة العالمي من معجزات القرآن الكريم
السؤال
هل أحداث مركز التجارة العالمي في (١١/ ٩/٢٠٠١م) إحدى معجزات القرآن الكريم؟
الجواب
ورد في سورة التوبة نفسها يقول تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦].
فالشهور التي عند الله: هي محرم وصفر وربيع أول وربيع ثاني وجمادى الأولى وجمادى الثانية ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة، وليس فيها (سبتمبر)، فكيف نربط أمراً قرآنياً بشهر لا يعرفه الشرع من أصله؟! وعندما قالوا: إن عدد الطوابق (١٠٩) مثل رقم الآية وهي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة:١٠٩] لم يعدو البدروم ولا الدور الأرضي، فقد كان تحت الأرض طابق أيضاً، نسأل الله العافية، ولو تأخرت هذه الواقعة إلى يوم (١٢) سبتمبر فكيف كان سيصبح تفسير الآية؟ فالآية لم ترتبط بحادث، والله لم يخبرنا بذلك في كتابه ولم يخبرنا به النبي ﷺ ، ثم جئت أنت واستنبطت ذلك، وربنا يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].
فهو يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد أخبر النبي ﷺ بما هو كائن إلى قيام الساعة، ولم يقل لنا: إن من علامات الساعة انهيار برج التجارة، وصاحب كتاب هرمجدون يأتينا كل قليل بآخر بيان، ففي (٢٠٠٢م) سيخرج المهدي، وعام (١٩٩٧م) سيخرج الدجال، فانتبهوا، وكتبه تباع منها ملايين النسخ، وبقيتها محجوزة، وحدث ولا حرج.
وكل هذا يدل على أن الناس ليس عندها ثبات، حتى في أمر العقيدة، ولما خرجت كاهنة الإسكندرية الشيخة نادية، كان يحجز الأوتوبيس مدة شهر، حتى كان الناس في الأرياف وفي المراكز يحجزون الميكروباص من أجل أن يذهبوا في الفوج الأول، فيؤخرون إلى الفوج الثاني بسبب أن التأشيرة لم تأت، نسأل الله العافية.
وقد ذهب مدير عام وجلس من الساعة الثانية عشرة مساء في السرادق إلى بعد الفجر، ينتظر خروجها تقرأ عليه في الميكرفون، وتؤجر الكراسي وتباع المثلجات، وتصبح المسألة فوضى، ولم يتحرك المسئولون إلا بعد فترة، وبعد أن وقع ما وقع، والتحرك المبكر مهم لمثل هذه الأشياء.
وهذا يدل على أن أبسط الأمور في العقيدة ليس عندنا فيها ثبات، في حين أن الواجب على المسلم أن يقف ثابتاً على أرض صلبة لا تهزه الرياح والعواصف أبداً، وأن يكون واثقاً متيقناً في أمر الله .
وقد كتبنا ورقة ووزعناها في المسجد يوم الإثنين رداً على وصية الشيخ أحمد حامل المفاتيح، وكان بعض الناس قد صور الورقة خوفاً من أن يفصل من الوظيفة، نسأل الله العافية، وقد يكون عمل هذا شخص عنده آلة تصوير أصابته أزمة فأراد أن يشغل الآلة قليلاً، نسأل الله العافية، والأمة في غفلة، وهذا معناه غياب دور الدعاة الحقيقي.
стр. 125
حكم نشر الردود على من يروج لشبهة كون أحداث مركز التجارة العالمي من معجزات القرآن الكريم
السؤال
يقول السائل: هل نكتب رداً علمياً على هذه الورقة وننشره، حتى نقيم الحجة على من لم يكن يفهم هذا؟
الجواب
لا بأس.
стр. 126
حال من يخطب حول أحداث مركز التجارة العالمي وأنها من معجزات القرآن الكريم، وبيان حال حسن شحاته
السؤال
خطيب مسجد خطب خطبة حول مركز التجارة؟
الجواب
هذا إفلاس عقدي، وهذا الخطيب يروج جهله على الأمة عندما يقيم خطبة كاملة على أحداث مركز التجارة، وأن لها علاقة بسورة التوبة، وإذا كان خطيب القوم هكذا فما بالك بالقوم أنفسهم؟! وفي مسجد آخر خطب طبيب بشري متصوف ينتمي إلى فرقة من فرق التصوف الضالة، وقال للمصلين على المنبر: قال الله سبحانه: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، فهيا بنا نذكر الله، قولوا خلفي: لا إله إلا الله، فارتج المسجد كله، وانقلبت الجمعة إلى حلقة ذكر، وليس فيهم رجل رشيد يقول له: انزل يا جاهل، بل كلهم يكبر.
ولو خرج أحد طلاب العلم من السلف، فإنهم يرونه ناشزاً، ويصبح بينهم غريباً، وهذا يدل على أن الناس في جهل.
والمقصود بـ ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] هنا الصلاة بإجماع المفسرين.
وهذا الرجل يقول هذا الكلام ولا يوجد واحد يرد عليه من خمسة آلاف مصل أو ألفين.
وهناك شخص يدعى حسن شحاتة في مسجد الجيزة في جوار حديقة الحيوانات يسب الصحابة من على المنبر علناً ومن سنوات، وفي برنامج أسماء الله الحسنى لبس نفس العباءة، وهو يحمل مؤهلاً ابتدائياً، وأنا لا أقدح في المؤهل، وإنما ما هو العلم الذي يحمله، فقد صعد على المنبر وقال: اللهم العن أبا بكر وعمر بعدد رمال الأرض، والناس تقول: آمين، ويقول: وهناك صحابي اسمه عثمان، وقد كان أصلاً بواباً، فيقدح في عثمان ﵁، ثم يتجرأ على ابن تيمية ويقول -والشريط موجود-: من أراد أن يعرف منزلة ابن تيمية فليصل لله ركعتين فسيراه ووجهه أسود يتقلب في نار جهنم، ثم يزيد في طغيانه ويقول: أما شيخ الجزيرة ابن باز أعمى البصر والبصيرة، يقول هذا الكلام على المنبر والناس يذهبون إليه ويثقون في علمه سنوات، ثم لما علموا أنه شيعي، ومنظم إلى تنظيم شيعي وقبض عليه أخذ حكماً بالإفراج عنه، ثم رحل إلى دول الخليج، ولم يعرف الذين حوله بأمره إلا بعد سنوات بعد أن عمت بلواه، وله كتاب اسمه: الحق المكتوم، كتب فيه: أن النبي ﷺ يعلم الغيب، ويعلم متى الساعة مكاناً وزماناً ويوماً، وظل يدفع ويهدر النصوص القرآنية، ويطعن في علماء الأمة، وعلماء الأمة قد أحجموا وتركوه عشر سنوات أو يزيد يصلي معه خمسة آلاف مصل، حتى تبين أنه شيعي يأخذ الدولارات والريالات، ويطعن في أصحاب سيد البريات ﷺ .
وهذا يدل على أن الناس ليس عندها ثبات ولا ثقة ولا يقين على الطريق.
стр. 127
حكم مغادرة الزوجة لمنزل زوجها دون إذنه وعدم طاعته
السؤال
لي زوجة دائماً تترك منزل الزوجية لأتفه الأسباب، وعندما أذهب لأحضرها من منزل والدها يقوم بطردي من البيت وإهانتي، وتكرر ذلك مرات كثيرة، وفي كل مرة أقوم بطاعة زوجتي دون جدوى، حتى مللت الحياة، وحاولت أن أطلق، ولكنهم زادوا في طلب المال أكثر مما هو متفق عليه، فما حكم الدين في عدم طاعة الزوجة لزوجها؟
الجواب
المرأة المسلمة التقية لا تخرج من بيت الزوج إلا بإذنه، وقد قال تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١].
وفي البخاري أن علياً لما غاضب فاطمة بنت النبي ﷺ ترك البيت وذهب إلى المسجد ونام على التراب.
فالذي ترك البيت هو الزوج، وأما المرأة فلا تفارق البيت أبداً بأي حال، فبيتها هو سربالها، وهو حجابها وعفافها، ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣].
والآية نسبت البيوت للنساء، والنسبية هنا ليست نسبية ملك، بل نسبية التصاق ومصاحبة؛ لأن المرأة تلتصق في البيت، فكأن البيت أصبح بيتاً لها، فالمرأة التي تترك بيت الزوجية لأتفه الأسباب لم تترب على شرع الله، ولم تعلم سنة النبي ﷺ ، وعليك أخي في الله أن تأخذ معك أناساً من الصالحين الذين هم على علم شرعي حتى تقيم الحجة على أهلها، وإن أصروا على ذلك فسرحها سراحاً جميلاً، وسيبدلك الله خيراً منها إن شاء الله تعالى.
стр. 128
حكم تلبس الجني بالإنسي وكيفية علاجه
السؤال
هل يتلبس الجني بالإنسي؟ وإذا كان هذا صحيحاً فوضح لنا كيف والإنسان من طين والجن من نار؟
الجواب
لقد استخف بنا الأعداء والصوفية والسفهاء في مسألة الجن، ووقعنا في البدعة، نسأل الله العافية، فأي أحد أصابه صداع أو لم تحمل زوجته أو تأخر في الزواج أو أصابه أي شيء، قال: بسبب الجن، والزوجة التي لا تطيق زوجها والجار الذي لا يحب جاره يقول بسبب الجن، والله يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦] ونحن لم نجعل كيد الشيطان ضعيفاً، فنحن نجعل له جلسة من الليل إلى الفجر، نسأل الله العافية.
ثم يأتينا أحد الصحافيين ويؤلف كتاباً أسماه (حوار صحفي مع جني مسلم) هو يقول والجني يقول، وسجل شريطاً في هذا، ما هذا العلم؟ حوار مع جني، وهكذا باسم الجن راجت الكتب وكثرت الثروات، نسأل الله العافية.
أما الرقية فمشروعة لا بأس بها ما تكن شركاً، والنبي ﷺ أمرنا بالرقية، وقال (ولا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً).
والرقية تكون بالفاتحة وغيرها من السور، وتجد الواحد يحجز العربية إلى الإسكندرية بمائتي جنيه، مع أن الرقية موجودة، والقرآن هو القرآن، والثقة تكون بالله ثم في الرقية لا في الراقي، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، فإذا دعا المضطر دعاه هو لا سواه.
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].
فالمس موجود، قال سبحانه: ﴿لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥].
ونحن نقول بوجود المس، ولكن كيفية علاجه ورقيته أن تضع يدك على مكان الألم، وتدعو كما علمك النبي ﷺ ، أو يدعو لك أحد الإخوة الصالحين وإن كان غير متخصص، ولكنه ورع تقي خفي، وأما هذه الطريقة المنتشرة فلا بد أن ننتبه لها.
والله تعالى أعلم.
стр. 129
علاج السحر، ومتى ينفع
السؤال
هل السحر موجود؟ وكيف يعالج؟
الجواب
السحر موجود ولا شك، وعلاجه موجود، وقد جاء جبريل بعلاج السحر، جاء بالمعوذتين، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١].
وكان كلما قرأ النبي ﷺ آية انحلت عقدة، هكذا فقط، ولكن المشكلة أن السلاح على قدر الرامي، فالأول يرمي الهدف ويصيبه والثاني يخطئ، فالعيب في الرامي وليس في السلاح، وهذه الفاتحة، ولكن أين القارئ؟ ومن الناس من لو أقسم على الله لأبره، ويحكى عن الصالحين العجب والغرابة، وقد كان أبو مسلم الخولاني من الصالحين في أرض اليمن، وكان ولياً بمعنى كلمة الولاية على منهج السلف، ذهب إلى الصلاة، وكان من عادته أنه كلما جاء من صلاة الجماعة كبر في باب الدار، ثم يفتح الباب ويكبر، فترد الزوجة عليه ليعرف مكانها، فجاء يوماً وقال: الله أكبر، فلم ترد المرأة، فبحث عنها حتى وجدها في نهاية الدار، فقال لها: أما سمعت؟ قالت: سمعت، قال: لم لم تجيبي؟ قالت: يا أبا مسلم! أعباء المنزل قد كثرت علي فأريد أن تستجلب لي خادمة، فعلم أبو مسلم أن امرأة قد أفسدت عليه امرأته، فقال: اللهم من أفسد علي زوجتي فأعمي بصره، وكانت المرأة التي أفسدتها بجوار بيته، فأعمى الله بصرها في الحال، فقالت: لقد دعا علي الآن أبو مسلم، فذهبت إليه مع جيرانها تسأله أن يدعو الله لها أن يرد عليها بصرها، فدعا لها فعاد بصرها في الحال.
ويحكى في ترجمة أحمد بن حنبل أنه جاءته امرأة عجوز وقالت: يا ابن حنبل! فلانة أرسلتني إليك لتدعو لها الله؛ لأن بها مرضاً أقعدها، فقال ابن حنبل للعجوز: اخرجي نحن الذين نستحق الدعاء، فقولي لها: تدعو لنا، وهذا من إخلاصه ﵀، فلما خرجت نأى بنفسه ورفع يده إلى السماء وسأل الله أن يشفيها، فعادت السائلة تقول له: لقد دعوت لها يا ابن حنبل! لقد شفاها الله في الحال.
وهذا يدل على صدق الصلة بالله .
стр. 130
المقصود بكلمة (الحوادث) في قولهم: حلول الحوادث
السؤال
ما معنى كلمة (الحوادث) التي تتردد في كتب العقيدة حينما يقولون: أهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث؟
الجواب
الحادث هو التغير من حال إلى حال، وهو ما لم يكن موجوداً ثم حدث، ولذلك أهل السنة ينزهون الله عن الحوادث، يعني: من التغير ، فصفاته كلها غير مخلوقة، وهي أزلية؛ لأنه لو قلنا: إنها مخلوقة، وأنه كان لا يتكلم، ثم تكلم وكان لا يسمع، ثم سمع فهذا تحول، وهذا لا يجوز في حق الله ﵎.
стр. 131
ما يحل للعاقد ممن عقد عليها
السؤال
ماذا يحل للعاقد مع الأدلة، فالسلف يقولون: له كل شيء إلا النكاح؟
الجواب
أنا لا أريد ذكر الأسماء، وأن الشيخ فلاناً قال كذا، وأجبنا بخلاف ما قال الشيخ فإنه في نظر الناس ينزل درجة، وهذا غير مطلوب، وغير مطلوب أن نكشف عورات الشيوخ على الملأ، فإن زل الشيخ صححنا له بيننا وبينه، فلا تقل: قال الشيخ فلان كذا في شريط كذا، وقال الشيخ فلان كذا في شريط كذا.
أما العاقد فإن كتب الفقه تقول: له أن يفعل كل شيء إلا النكاح، ولكن هناك متغيرات تجعل هذا القول صعباً؛ لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وكذلك هناك باب سد الذرائع، فالعاقد إن قبَّل المعقود عليها فليس عليه إثم بلا خلاف، وإن أمسك بيدها فليس عليه إثم، وهذا كلام مفروغ منه، لكننا نقول: لا يجوز له أن يختلي بها؛ لأن الخلوة ربما تجر إلى مفسدة، وهي البناء، فنمنع طريق البناء؛ لأنه إذا اختلى بها وأسدل الستار وأغلق الباب فهذا مظنة الدخول، فإذا اختلى بها فإنه سيفعل كل شيء، ولذلك يقول العلماء: إذا اختلى بها وجب الصداق كاملاً؛ لأنه في حكم الدخول، وربما طلقها قبل البناء وهذا حدث، رجل عقد على امرأة وفعل بها كل شيء حتى البناء دون أن يعلم الناس، ثم اختلفوا على ثلاجة وغرفة نوم فطلقها، فأمام الناس هي مطلقة، وفي حقيقة الأمر هي مدخول بها، فعليها عدة، وبعد أن طلقها جاء آخر وعقد عليها وتزوجها فاختلطت المياه، فنسد كل باب يفضي إلى البناء في مرحلة العقد، ونغلق كل باب يؤدي إليه إلا إذا أشهرناه، وأما أن يمسك العاقد بيد المعقود عليها فلا بأس شريطة أن نأمن البناء، ولتعلم الأخت المسلمة أن العاقد إذا أخذ منها ذهبها بعد أن رأى منها ما أراد أن يراه، فلن يأتيها بالمال وسيهاجر، وقد حدث هذا، فأحدهم لما نال منها ما أراده وقالت له: الزواج، قال لها: انسي الزواج، فلما رأى منها ما أراد زهدها.
وهذه نصيحة لكل أخواتي الفاضلات ألا يمكن العاقد من أنفسهن، ولا تقل: هذا أخ، لا، الأخ ليس شعاراً، الأخ سلوك وشرع والتزام بالمنهج، هذا هو الأصل، والله تعالى أعلم.
стр. 132
حكم وضع الستائر على الجدران
السؤال
ما حكم وضع الستائر على الجدران؟
الجواب
وضع الستائر التي على النوافذ لا بأس بها، إنما الممنوع وضعها على جدار مقفل، فهذا يسمى تزيين الحوائط بالأقمشة لمجرد الزينة فقط.
وأما إغلاق الفتحة بستارة بحيث لا يكشفها الهواء فلا بأس، وأما الجدار المقفول فلا يلزم ستره، فهذا زينة، وقد نهي عن تزيين الجدران بالأقمشة.
هذا حكم الشرع.
وهناك أناس مسرفون، يشتري الواحد منهم متر السراميك بعشرة آلاف دولار، وجاره لا يجد قوت يومه، والنبي ﷺ يقول في حديث مسلم: (إذا طبحت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك).
واليوم إذا ذهبت إلى مدينة في مصر وسألت شخصاً يسكن في شقة في الدور الثاني عن شخص يسكن في الدور الثامن، لقال لك: أنا أسكن في الدور الثاني ولا أعرف اسم الذي أمامي، وليس لي أية علاقة به، فهو في حاله وأنا في حالي، ويفتخر بهذا، وقد قال بعض العلماء: من يسكن معك في المدينة فهو جارك، فأهل القاهرة كلهم أجوار، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠].
فسمى من يقيم في المدينة جار، والأوزاعي يقول: سبعون، وبعضهم يقول: أربعون، فأين حقوق الجار المهدرة؟ وهذا الكلام سنتحدث عنه إن شاء الله تعالى في اللقاءات القادمة.
стр. 133
حكم أخذ أرباح الودائع من البنوك الربوية
السؤال
أعمل في إحدى المصالح العامة التابعة للدولة، وحصلت على ربح من أحد المشاريع فوضعته في البنوك الربوية، فهل يجوز صرف مبلغ من أرباحه؟
الجواب
لا يجوز، فهذا ربا.
стр. 134
حكم تزيين البيوت
السؤال
ما حكم تزيين البيوت؟
الجواب
لا بأس، نحن لا نضيق على الناس، لكن هناك إسراف، فتجد حنفيات الماء مطلية بالذهب، وكل شيء بالأزررة، حتى إن بعض الفقراء إذا دخل إلى حمامات الأغنياء، قال: لا أريد الخروج، فحمام الغني الآن ليس حماماً، والشياطين الآن ليسوا خبثاً وخبائث فقط، بل الشياطين الآن مكيفة، فهناك شيطان مكيف، وشيطان أبيض، وآخر أسود، نسأل الله العافية.
وأنا لا أحرم الزينة، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف:٣٢].
وإنما نقول: لا بد من التواضع وعدم الإسراف.
стр. 135
مقدار الستارة الجائزة
السؤال
ما مقدار طول الستارة على الفتحة؟
الجواب
أن تكون للمكان المفتوح، وليس للصانع سؤال المشتري أين سيضعها؟ وإنما يعمل وينصح، فاستخدام الستائر مشروع على الفتحات والنوافذ، كما أن بعض الإخوة إذا دخل أحد المساجد يسأل الإمام: أين الله؟ وما هي عقيدتك؟ وما تقول في صفة النزول، ويجلس يختبره قبل الصلاة! فلا تسل عن حاله إذا كان مستور الحال، وبعضهم إذا اشترى من جزار جلس يسأله هل تصلي؟! وما هي عقيدتك؟! مع أن الأصل في الناس الإسلام.
وتكون الستارة على قدر الضرورة، أو بزيادة نصف متر في اليمين ونصف متر في اليسار ونصف متر في الأسفل؛ حتى إذا أتى الهواء يكون هناك فاصل يمنعه من الدخول، لا أن يكون الشباك اثنين متر فتجعل الستارة خمسة عشر متراً، أما إذا كان هناك ضرورة فلا بأس.
فالحق واضح في المسألة، وقصة أبي أيوب لما دخل على سالم بن عبد الله بن عمر تدل على هذا، فإنه لما وجد على جدران بيته ستائر أبى أن يجلس وأقام الحجة عليه؛ لأنه ليس هناك ضرورة، والضرورة إنما تكون في بعض الأماكن، كوضع ستارة على النساء، أو في البلكونة، أو على الشباك، أو على غرف البيت، أو على دورة المياه، أو على شباك المطبخ، فالكلام واضح، وهكذا سنخفض مشاكل الزواج، فإن الزوجين كثيراً ما يختلفان على الستائر.
نسأل الله العافية، وبارك الله فيكم، وجزاكم الله خيراً.
стр. 136
تفسير سورة القلم [١٠]
أنعم الله على عباده بنعم كثيرة لا تحصى وأمرهم بشكرها، وحذرهم من اقتفاء صفات المنافقين والمشركين، وذكرهم بقصة أصحاب الجنة، فهي تحمل الدروس والعبر التي لا بد أن يعتبر بها أولو القلوب والأبصار؛ فإن المعاصي سبب زوال النعم.
стр. 137
تفسير آيات من سورة القلم فيها سخرية أهل الباطل بأهل الحق
الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالةٍ من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وهو مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلونا على دينك، واللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! نعود إلى سورة القلم؛ لنستكمل الرحلة مع آيات ربنا سبحانه، لقد توقفنا طويلاً عند قول الله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
يقول ابن عباس: خلق بمعنى: دين، فمن زاد عنك في الخلق زاد عنك في الدين: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فدين بلا خلق لا ثمرة منه، وخلق بغير دين عبث، ومن ثم بين النبي ﷺ هدف الرسالة في قوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
ونستقبل الحديث مع آيات ربنا سبحانه، يقول ربنا: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم:٥ - ١٦].
هذه الآيات تتحدث عن رجل من المشركين، وقبل أن نتحدث عن صفاته يقول رب العالمين: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ [القلم:٥]، أي: فستعلم ويعلمون، فستخبر ويخبرون، ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم:٦]، أي الفريقين هو المجنون؟ أي الفريقين على هدى أو ضلال؟ لأن المشركين -وهذا دأب أهل الباطل- قاموس البذاءات المعروف عندهم: مجنون، ساحر، يعلمه بشر، كل ذلك عن سيد الخلق محمد ﷺ ، فيا أصحاب دعوة الحق! اعلموا دائماً وأبداً أن أصحاب الباطل يسخرون من أصحاب دعوة الحق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠]، إرهابي، رجعي، أصولي، متحجر، يريد أن يعود بنا إلى عصور الظلام، فقهاء التقليد الأعمى، فأهل الباطل يحملون مصطلحات البذاءة المعروفة في قاموس البذاءات؛ ولذلك ربنا يقول عن نوح: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨]، فسلاح السخرية سلاح قديم، وعلامة وجودك على الطريق أن يسخر منك أصحاب الباطل، فإن لم يسخروا فاعلم أنك قد ضللت الطريق، يقول ربنا رداً على المشركين الذين قالوا عن النبي الكريم ﷺ : إنه مجنون: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم:٥ - ٦]، والمفتون: هو من حاد عن الحق وتلبس بالباطل ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم:٧ - ٨]، أنعم الله عليك يا رسول الله! بهذا الشرع القويم وهذا الخلق العظيم؛ من أجل ذلك لا تطع المكذبين، ولا تركن إليهم ولا إلى آله
стр. 138
ذكر بعض الصفات التي يحملها المنافقون والمشركون على حد سواء
قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠]، صفات لرجل من المشركين اختلف المفسرون في اسمه، والاسم لا يقدم ولا يؤخر عندنا.
فقوله: (حَلَّافٍ): كثير الحلف، وهي صفة من صفات المنافقين، ومن صفات الضعفاء: أنهم يتخذون أيمانهم جنة أي وقاية؛ والضعيف يكثر الحلف بالحق والباطل.
يقسم العلماء اليمين إلى ثلاثة أقسام: يمين لغو، ويمين منعقدة، ويمين غموس.
أما اليمين اللغو فقال الله فيه: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] كقولك: والله لتأكلن، والله لتشربن، فهذه أيمان لغو لا يؤاخذ عليها العبد، أما اليمين المنعقدة: هو ما عقده المرء بقلبه ونطق به اللسان على أن يفعل شيئاً أو يفعل، فإذا حلف بالله سبحانه وأراد أن يحنث في يمينه عليه أن يكفر بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات عند الأحناف، كما عند الجمهور أن الأولى هو التتابع.
أما اليمين الغموس: فهو اليمين الذي يغمس صاحبه في نار جهنم؛ لأنه يحلف بالله كاذباً ويوقن بأنه كاذب.
ومن صفات المنافقين في القرآن الكريم أنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة:١٦]، أي: بسبب ضعفه يجعل الحلف وقاية له.
فقوله: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠] أي: ضعيف، ﴿هَمَّازٍ﴾ [القلم:١١]، والهمز كما قال ابن عباس: هو الغيبة، يذكر الناس في عدم حضورهم بلسانه بسوء، واللماز: هو الذي يشير إليه بأفعاله فاللمز بالفعل والهمز باللسان؛ لذلك يقول ربنا: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١]، وكم من المسلمين اليوم لا يحلو لهم كلام إلا إذا تمضمضوا بأعراض إخوانهم، فإياك إياك والغيبة، فمن أكبر الكبائر، بل من أشد الأمراض على القلوب أن تذكر أخاك بما يكره، قال: (يا رسول الله! إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته).
قال تعالى: ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١]، النميمة: نقل الكلام من جهة إلى جهة بغرض الإيقاع بين الناس، ويقول نبينا ﷺ : (لا يدخل الجنة نمام)، وفي صحيح البخاري: (مر النبي ﷺ على قبرين.
فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله)، وفي رواية: (لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة، فأمر النبي ﷺ بجريدة فشقت إلى نصفين، ووضع على كل قبر نصفاً، وقال: لعل الله يخفف بهما عنهما ما لم ييبسا)، وبعض أهل البدع يأتون بجريد ويضعونه على قبور الموتى؛ بدليل هذا الحديث، وهذا لا يجوز؛ لأن هذه خاصية للنبي ﷺ للأسباب التالية: الأول: أنه اطلع عليهما وهما يعذبان، وما أدراك أنت أن صاحب القبر يعذب؟ ثانياً: أن الله أوحى إليه أنه يخفف بهما عنهما ما لم ييبسا.
ثالثاً: هل فعل النبي ﷺ هذا الفعل مرة أخرى؟ ما فعل، وهل نقل عن الصحابة أنهم كانوا يضعون جريداً على قبورهم؟ ما نقل، وهل نقل عن التابعين؟ ما نقل، فعلم أن المسألة خاصية للنبي ﷺ .
والشاهد في الحديث: (وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة)؛ ولذلك خرج رجل إلى سوق يبيع فيه غلامه، فقال: أيها الناس! غلام جيد يحسن كذا وكذا، إلا أنه نمام ينقل الكلام، فرجل أحمق قال: النميمة ليست عيباً، طالما فيه هذه الميزات، نشتريه ولا مشكلة في ذلك، فاشترى الخادم وعاد به إلى بيته، وانظروا إلى ما صنع، في يوم جاء لسيده، وقال له: إن سيدتي تريد أن تقتلك وأنت نائم فاضطجع على الفراش وتناوم، يعني: اجعل نفسك نائماً، ثم جاء للزوجة وقال لها: سيدي يريد أن يتزوج عليك، وإن أردت ألا يفعل فخذي شعرة من شعرات لحيته وهو نائم، وادفعيها لي حتى أفعل الذي يمنعه، وأنتم تعلمون أن النساء لا يردن أن يكون لهن شريك في الرجل، فجاءت المرأة بالليل تأخذ من لحية زوجها شعرة، وبينما هي تخرج الموسى نظر الزوج إليها فتيقن من كلام غلامه النمام، فأمسك بها وجذب الموسى من يدها، وطعنها فقتلها في الحال، واجتمع أهلها عليه فقتلوه، وقامت الحرب بين العائلتين ثم بين البلدتين بسبب هذا النمام.
فمن قال لك: قال عنك فلان، وبعضنا يستهوي أن يسمع، فلا تأبه لذلك.
جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز وقال: فلان يقول عنك كذا، قال: أيها الرجل إن كنت صادقاً فيما تقول فأنت من الذين قال الله فيهم: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١]، وإن كنت كاذباً فيما تقول: فأنت من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] اخرج.
قال: العفو والصفح يا أمير المؤمنين.
فنحن كلم
стр. 139
قصة أصحاب الجنة وما فيها من دروس وعبر
تتحدث الآيات بعد ذلك عن قصة أصحاب الجنة، قوم ابتلاهم الله بالنعمة، فالنعمة بلاء والفقر بلاء والمرض بلاء والسجن بلاء والولد بلاء، فالبلاءات متعددة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١]، ولابد من البلاء؛ لأننا خلقنا للبلاء، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢].
قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ [القلم:١٧] أي: كفار قريش، أرسلنا إليهم النعمة المسداة والرحمة المهداة، خير الخلق محمد ﷺ ، وجاءتهم هذه النعمة جحدوها، ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم:١٧]، أَصْحَابَ الْجَنَّةِ شباب ورثوا حديقة من أب صالح.
قال بعض المفسرين: وكانت عنباً، والمعنى يتضح بعموم اللفظ وخصوص السبب، فلما ورثوها تعاهدوا فيما بينهم أن يمنعوا المسكين والفقير من حقه، وألا يعطوا أحداً منها شيئاً، أما علموا أن الذي رزقهم هو الله؟ أبداً، ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ [القلم:١٧] أي: تعاهدوا وعزموا وأصروا، ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم:١٧] (يصرمنها) يعني: يحصدونها في الصباح الباكر، ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٨]، المعنى الأول لقوله: (لا يَسْتَثْنُونَ) لم يقولوا: إن شاء الله، والمعنى الآخر: لا يتركون منها شيئاً على الإطلاق، وناموا على تلك النية، جاء في الأثر: (أن العبد يقدر الله له رزقاً، ولا يكون بينه وبين الرزق إلا القليل، فيعصي ربه، فيحرمه الله ذلك الرزق بسبب ذنبه).
قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم:١٩] حصدوا رماداً وتراباً بدلاً من أن يحصدوا ثمراً؛ بسبب سوء نيتهم ومعصيتهم.
﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:٢٠]، أي: كالليل المظلم.
ومعنى (طائف): آفة سلطها الله على الحديقة، فحصدتها فدمرتها، فحولتها إلى سواد مظلم بسبب خبث النية، أيها العاصي! أفق! انتبه! اعلم أن الله يعلم السر وأخفى.
وقاموا في الصباح ﴿فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم:٢١] أي: نادى بعضهم على بعض: هيا بنا! قبل أن يستيقظ أحد، وقبل أن يراكم أحد، فقوله: ﴿أَنِ اغْدُوا﴾ [القلم:٢٢]، من الغدو، ﴿عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ [القلم:٢٢] أي: على زرعكم، ﴿إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ [القلم:٢٢] أي: إن كنتم قد نويتم وعزمتم على أن تحصدوها، ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ [القلم:٢٦]، أي: وصلوا إلى الحديقة، الطريق هو هو، نظروا إليها بالليل خضراء مزهرة يانعة يافعة، وفي الصباح أصبحت رماداً، ما الذي حدث؟ فلما نظروا إليها: ﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ [القلم:٢٦] أي: لقد ضللنا الطريق، لم ندخل في الطريق الصحيح، تحققوا أنها هي قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم:٢٧] أي: لقد حرمنا النعمة بسبب كفرنا: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، فيا من تكفر بنعمة الله! إن تحولت النعمة إلى نقمة فذلك بسبب معصيتك.
يقول ربنا سبحانه: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم:٢٨] أي: أعدلهم وخيرهم وأفضلهم، ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ [القلم:٢٨ - ٢٩] بعد فوات الأوان، ندم بعد مصيبة، وتوبة بعد فوات وقتها.
وفي الآيات درس مهم، وهو إن أمرتَ بمعروف أو نهيت عن منكر ولم يمتثل من تأمره لابد أن تنتهي أنت عن المنكر، فهذا الرجل أوسطهم نصح، ولكنه بعد أن نصح شارك فما قيمة النصيحة؟ قال لهم: (لولا تسبحون) بعد ذلك وقبل ذلك، لكنه سار معهم في الطريق، فالمنكر إما أن تغيره وإما أن تنتهي أنت عنه؛ ولذلك إخوتي الكرام! كانت النتيجة عامة: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم:٣٠]، وهكذا المعصية صاحبها يلوم نفسه بعد وقوعها: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ [القلم:٣٠ - ٣١]، تابوا إلى ربهم وأنابوا إليه، وعلموا أن شكر النعمة هو الذي يبقيها.
стр. 140
صوم شهر شعبان طريق إلى صوم رمضان
أيها الإخوة الكرام الأحباب! ونحن في هذا الشهر المبارك شهر شعبان، وقد ورد فيه حديث عن النبي ﷺ بل أحاديث بعضها ضعيف وبعضها حسن وبعضها صحيح، وأصح ما ورد فيه قوله ﷺ عنه: (ذاك شهر بين رجب ورمضان يغفل عنه كثير من الناس، ترفع فيه الأعمال إلى الله، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) فكان ﷺ يصوم أكثر شعبان، وعندما تريد أن تصلي الفريضة تصلي نافلة تأهباً لدخول الفريضة، هكذا شعبان يؤهبك لدخول رمضان، وبلوغ رمضان نعمة على العبد لابد أن يشكر الله عليها، فإن انتقلنا إلى القبور وسألناهم: ماذا ترغبون أو تتمنون؟ لقالوا: نتمنى أن نخرج لنصوم معكم رمضان.
فرمضان شهر رب العالمين، خصه بصفات وسمات، وجعله محلاً لنزول القرآن ومحلاً للصيام ومحلاً لليلة القدر ومحلاً للعتق من النار، ومحلاً للأعمال الفاضلة، حدث ولا حرج عما في رمضان، وها نحن الآن نستعد لاستقبال هذا الشهر، كان سلفنا إذا صاموا رمضان يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم صيامه، وستة أشهر أن يبلغهم رمضان القادم، وكانوا إذا دخل رمضان أغلقوا كتب العلم وقالوا: جاء شهر القرآن، وقد أثر عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه كان يختم القرآن في كل ثلاثة أيام في رمضان، فإذا جاءت العشر الأواخر كان يختمه في كل يوم مرة فإن قال قائل: كيف هذا؟! هذا عسير وصعب أقول له: يسر على من يسره الله عليه؛ ولذلك صحح بعض العلماء أثراً عن عثمان بن عفان ﵁ أنه دخل إلى حجر الكعبة وكبر تكبيرة الإحرام، وما ركع حتى أتم قراءات القرآن، قد يقول قائل: كيف؟ أقول لك: هذا توفيق من الله، وتوفيق الله لا تسل عن حاله.
يقول سعيد بن المسيب: مكثت أربعين سنة لا أرى خلف مصل يعني: في الصف الأول دائماً.
ثم يقول: ومكثت أربعين سنة أصلي الفجر بوضوء العشاء.
إن قلت: كيف؟ أقول لك: هذا توفيق من الله، وتوفيق الله لا تسل عن حاله؛ ولذلك لما حاصروا بيت عثمان وقتلوه وهو صائم والمصحف بين يديه، وسال دمه على مصحفه قالت زوجته: قتلتموه وإنه ليصلي الليل بالقرآن كاملاً، وفيه أنزل الله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ ربه﴾ [الزمر:٩].
стр. 141
الرد على من قال: إن النقاب عادة وليس عبادة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه.
وبعد: فقد دفع لي أحد الإخوة المقال الذي أشرت إليه: (النقاب عادة وليس عبادة)، وكاتب المقال كاتب ومفكر إسلامي، وهم يحسبون على الإسلام خطأً، يعني: ينسبون كلمة كاتب ومفكر إلى الإسلام من باب الخطأ.
يقول: بدأت عادة النقاب تظهر بكثرة في شوارع مصر هذه الأيام، وخاصة في الأحياء الشعبية حيث يغلب الفقر والأمية.
يعني: لا تنتقب إلا الفقيرة والأمية والجاهلة، أما المثقفة المتنورة لا تلبس نقاباً، لكن ترقص، هذا هو التطور في نظره، ومن المضحكات والمبكيات أنهم يسألون راقصة: لماذا ترقصين دون أن تغني؟ قالت: لأن صوت المرأة عورة.
وأنت أيها الكاتب! إن لم تستح فقل ما شئت، وإن لم تستح فاكتب ما شئت؛ لأن الحياء من الإيمان، تقول: (حيث يغلب الفقر والأمية).
لكن يوجد عندنا نساء لا فقر عندهن ولا أمية، وهن منتقبات والحمد لله رب العالمين، وهذا سؤال فيه إزعاج لكم: أتعرفون الممثلات التائبات؟ ألم يطرقن باب الغنى والشهرة؟ سلوهن لماذا تركن هذا الباب، إن لم يكن النقاب هو المكرمة، وهو سربال المرأة وعفافها.
ثم يقول: والنقاب عادة وليس عبادة؛ وهو تقاليد موروثة انتقلت إلينا مؤخراً من بعض البلاد الإسلامية والعربية التي ما زال المجتمع فيها يعيش بتقاليد البادية، وليس بأوامر الدين.
انظروا يا إخواني! ماذا يكتب هذا المفكر الإسلامي، ثم أخذ يتيه في المقال، ويعلق الشماعة على طالبان، وما هذا إلا لوجود مرض في قلبه؛ لأنه لا يملك قراراً على أهل بيته، فابنته مبنطلة (١٠٠%)، والعائلة أيضاً مبنطلة، ولا يملك أن يقول: يا بنت! احتجبي، فإنها ستقول له: هذه حرية، وليس لك حكم علي، فهو يريد من الجميع أن يكونوا هكذا، وأنا لا أدري: هل المعاصي انتهت عندنا حتى نتوجه إلى الحرب على النقاب.
لِمَ لا تكتب عن الفاجرات؟ لِمَ لا تكتب عن السافرات؟ لِمَ لا تكتب عن ظاهرة الزنا المقنن عندنا الآن؟ لِمَ لا تواجه هذه الظواهر؟ ضاق بك القلم حتى لم يعد إلا النقاب تسخر منه وتجرح فيه؟! لكننا لا نقول إلا قول النبي ﷺ : (هم من جلدتنا ويتحدثون بألسنتنا، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها).
стр. 142
الأسئلة
стр. 143
حكم حضانة الأم المطلقة لطفلها
السؤال
أخت مطلقة من سبعة أعوام ومعها ثمانية أولاد، تزوج اثنان وبقي ستة أولاد، منهم طفل، فهل لأبيه حق أن يأخذ الطفل؟
الجواب
قانون الحضانة في المحاكم الشرعية معمول به من الشريعة الإسلامية، فللولد مدة حضانة الأم له وللبنت كذلك، وبعد الحضانة يخير الولد، فيا أختي الفاضلة! تستطيعين أن ترفعي أمرك إلى القضاء، إن كان له حق فإنه سيأخذ حقه، ولا يجوز للزوج أبداً أن يأخذ منك الأبناء قبل انتهاء سن الحضانة.
стр. 144
حكم ميراث الزوجة التي توفيت قبل قسمة تركة زوجها
السؤال
توفي رجل عن زوجتين وعدد من الأبناء، وبعد وفاته بفترة توفيت إحدى زوجتيه هاتين، وبعد وفاة زوجته هذا ظهر أن له ميراثاً شرعياً يساوي مبلغاً كبيراً من المال، هل تأخذ الزوجة الموجودة على قيد الحياة ثمن حق الزوج المتوفى بالكامل، أم يكون هذا الثمن مناصفة بين الزوجة الموجودة والزوجة الثانية التي توفيت؟
الجواب
طالما أن الزوجة الثانية كانت على قيد الحياة بعد وفاته فهي تستحق الميراث مع الأولى، فالاثنتان يأخذان الثمن، أي: يوزع الثمن على الزوجتين، ونصيب الزوجة التي ماتت يوزع على أبنائها بعد ذلك، فالمسألة تأخذ هذا الشكل، والله تعالى أعلم.
стр. 145
العلوم الشرعية التي يجب على كل مسلم أن يتعلمها
السؤال
ما هي العلوم الشرعية التي يجب على كل مسلم أن يتعلمها؟
الجواب
أول فروض العين أن تصحح العقيدة: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]؛ لذلك من نواقض الوضوء الردة، مثال ذلك: رجل توضأ وبعد أن توضأ ارتد، فالردة من نواقض الوضوء؛ لأن الوضوء عمل، والله يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، فالمشرك لا صلاة له، ولا حج له.
إذاً: أول فرض عليك أن تصحح العقيدة.
ثانياً: أن تصحح العبادة؛ لأن الله لا يقبل العبادة إلا بشرطين.
الأول: أن تكون خالصة.
الثاني: أن تكون على هدي النبي ﷺ موافقةً للسنة: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه.
ثالثاً: أن تتلقى علوم الأصول، كعلم أصول الفقه، وعلوم الحديث، وعلوم القرآن، فمن حرم الأصول حرم الوصول.
رابعاً: أن تتعلم تلك العلوم على يد شيخ، فلا تأخذ العلم من مصحف، ولا القرآن من مصحفي، ومن دخل إلى العلم وحده خرج من العلم وحده، ومن كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه، ولذلك لابد أن تأخذ العلم على يد شيخ.
следующие страницы →