Полный текст (295 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الرد على من قال: إن النقاب عادة وليس عبادة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه.
وبعد: فقد دفع لي أحد الإخوة المقال الذي أشرت إليه: (النقاب عادة وليس عبادة)، وكاتب المقال كاتب ومفكر إسلامي، وهم يحسبون على الإسلام خطأً، يعني: ينسبون كلمة كاتب ومفكر إلى الإسلام من باب الخطأ.
يقول: بدأت عادة النقاب تظهر بكثرة في شوارع مصر هذه الأيام، وخاصة في الأحياء الشعبية حيث يغلب الفقر والأمية.
يعني: لا تنتقب إلا الفقيرة والأمية والجاهلة، أما المثقفة المتنورة لا تلبس نقاباً، لكن ترقص، هذا هو التطور في نظره، ومن المضحكات والمبكيات أنهم يسألون راقصة: لماذا ترقصين دون أن تغني؟ قالت: لأن صوت المرأة عورة.
وأنت أيها الكاتب! إن لم تستح فقل ما شئت، وإن لم تستح فاكتب ما شئت؛ لأن الحياء من الإيمان، تقول: (حيث يغلب الفقر والأمية).
لكن يوجد عندنا نساء لا فقر عندهن ولا أمية، وهن منتقبات والحمد لله رب العالمين، وهذا سؤال فيه إزعاج لكم: أتعرفون الممثلات التائبات؟ ألم يطرقن باب الغنى والشهرة؟ سلوهن لماذا تركن هذا الباب، إن لم يكن النقاب هو المكرمة، وهو سربال المرأة وعفافها.
ثم يقول: والنقاب عادة وليس عبادة؛ وهو تقاليد موروثة انتقلت إلينا مؤخراً من بعض البلاد الإسلامية والعربية التي ما زال المجتمع فيها يعيش بتقاليد البادية، وليس بأوامر الدين.
انظروا يا إخواني! ماذا يكتب هذا المفكر الإسلامي، ثم أخذ يتيه في المقال، ويعلق الشماعة على طالبان، وما هذا إلا لوجود مرض في قلبه؛ لأنه لا يملك قراراً على أهل بيته، فابنته مبنطلة (١٠٠%)، والعائلة أيضاً مبنطلة، ولا يملك أن يقول: يا بنت! احتجبي، فإنها ستقول له: هذه حرية، وليس لك حكم علي، فهو يريد من الجميع أن يكونوا هكذا، وأنا لا أدري: هل المعاصي انتهت عندنا حتى نتوجه إلى الحرب على النقاب.
لِمَ لا تكتب عن الفاجرات؟ لِمَ لا تكتب عن السافرات؟ لِمَ لا تكتب عن ظاهرة الزنا المقنن عندنا الآن؟ لِمَ لا تواجه هذه الظواهر؟ ضاق بك القلم حتى لم يعد إلا النقاب تسخر منه وتجرح فيه؟! لكننا لا نقول إلا قول النبي ﷺ : (هم من جلدتنا ويتحدثون بألسنتنا، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها).
стр. 142
الأسئلة
стр. 143
حكم حضانة الأم المطلقة لطفلها
السؤال
أخت مطلقة من سبعة أعوام ومعها ثمانية أولاد، تزوج اثنان وبقي ستة أولاد، منهم طفل، فهل لأبيه حق أن يأخذ الطفل؟
الجواب
قانون الحضانة في المحاكم الشرعية معمول به من الشريعة الإسلامية، فللولد مدة حضانة الأم له وللبنت كذلك، وبعد الحضانة يخير الولد، فيا أختي الفاضلة! تستطيعين أن ترفعي أمرك إلى القضاء، إن كان له حق فإنه سيأخذ حقه، ولا يجوز للزوج أبداً أن يأخذ منك الأبناء قبل انتهاء سن الحضانة.
стр. 144
حكم ميراث الزوجة التي توفيت قبل قسمة تركة زوجها
السؤال
توفي رجل عن زوجتين وعدد من الأبناء، وبعد وفاته بفترة توفيت إحدى زوجتيه هاتين، وبعد وفاة زوجته هذا ظهر أن له ميراثاً شرعياً يساوي مبلغاً كبيراً من المال، هل تأخذ الزوجة الموجودة على قيد الحياة ثمن حق الزوج المتوفى بالكامل، أم يكون هذا الثمن مناصفة بين الزوجة الموجودة والزوجة الثانية التي توفيت؟
الجواب
طالما أن الزوجة الثانية كانت على قيد الحياة بعد وفاته فهي تستحق الميراث مع الأولى، فالاثنتان يأخذان الثمن، أي: يوزع الثمن على الزوجتين، ونصيب الزوجة التي ماتت يوزع على أبنائها بعد ذلك، فالمسألة تأخذ هذا الشكل، والله تعالى أعلم.
стр. 145
العلوم الشرعية التي يجب على كل مسلم أن يتعلمها
السؤال
ما هي العلوم الشرعية التي يجب على كل مسلم أن يتعلمها؟
الجواب
أول فروض العين أن تصحح العقيدة: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]؛ لذلك من نواقض الوضوء الردة، مثال ذلك: رجل توضأ وبعد أن توضأ ارتد، فالردة من نواقض الوضوء؛ لأن الوضوء عمل، والله يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، فالمشرك لا صلاة له، ولا حج له.
إذاً: أول فرض عليك أن تصحح العقيدة.
ثانياً: أن تصحح العبادة؛ لأن الله لا يقبل العبادة إلا بشرطين.
الأول: أن تكون خالصة.
الثاني: أن تكون على هدي النبي ﷺ موافقةً للسنة: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه.
ثالثاً: أن تتلقى علوم الأصول، كعلم أصول الفقه، وعلوم الحديث، وعلوم القرآن، فمن حرم الأصول حرم الوصول.
رابعاً: أن تتعلم تلك العلوم على يد شيخ، فلا تأخذ العلم من مصحف، ولا القرآن من مصحفي، ومن دخل إلى العلم وحده خرج من العلم وحده، ومن كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه، ولذلك لابد أن تأخذ العلم على يد شيخ.
стр. 146
تعريف اللباس الشرعي وذكر شروطه وحكم لبس البنطال والقميص
السؤال
هل يجوز ترك بعض السنن الظاهرة في اللباس كترك العمامة، ولبس القميص والبنطال بدلاً من الثوب وغيره؛ بحجة أنها ملفتة للنظر؛ وبحجة البعد عن البلاء وعدم التعرض للفتن؟
الجواب
لا، أنت مخطئ في سؤالك، اللبس من العادات وليس من العبادات، فقد روى البخاري أن النبي ﷺ لبس السراويل، ولبس الملابس التي ليست من عادات بني جنسه، فطالما أن الملابس تستوفي الشروط فلا بأس، والشروط هي: الأول: ستر العورة.
الثاني: أن يكون سميكاً لا يصف، فبعض الإخوة يلبس قميص زبدة، وهذه الزبدة تبين من تحتها العورة، فلا يجوز أبداً لبس هذا القميص.
الثالث: ألا يكون واصفاً، فقد يقال: البنطال واسع.
فأقول: البنطال كالسروال، فإن كان البنطال فضفاضاً وعليه جاكت طويل أو قميص يستر العورة فلا شيء فيه، فإن قيل: عندما يسجد تتحدد العورة.
أقول: وأنت تلبس القميص عندما تسجد ستتحدد العورة، وهذا مما يصعب التحرز منه، لذلك حينما نقول: الصلاة في البنطال لا تجوز يشق ذلك على الناس، ونضيق عليهم واسعاً؛ ولذلك نقول: تجوز الصلاة في البنطال بضوابط: أن يكون فضفاضاً ساتراً للعورة.
الرابع: ألا يكون مسبلاً، يعني: لا يجاوز الكعبين، شخص يلبس بدلة صيفية فضفاضة، ويرتدي جاكت يصل إلى حد الركبة.
تقول عنه: صلاته غير صحيحة، نعم، هناك بناطيل لا تجوز الصلاة فيها فعلاً، كأن يكون بنطلوناً ضيقاً جداً، وعندما يسجد تكاد العورة تقفز من البنطلون قفزاً، فهذا لا يجوز، فالأمر يحتاج إلى بيان وتفصيل.
واللباس يا أخي الفاضل! من العادات وليس من العبادات، وأنت تقول: القميص والعمامة، فلو افترضنا أن أستاذاً في الجامعة يلبس القميص والعمامة، دخل إلى الجامعة، فقيل له عند الباب: نأسف يا مولانا! الدخول ممنوع، فهل من المعقول أن يخرج من الجامعة لأجل القميص والعمامة؟! مثال آخر: رجل يعمل بهيئة الكهرباء، أو بوزارة الاقتصاد، أو أي مكان آخر، وعند ذهابه للعمل لم يلبس البدلة الخاصة بعمله، وإنما لبس بدلة صوفية طويلة، فقالوا له: محظور أن تدخل إلا بزي العمل، فهل يقول: لا، افصلوني؟! فيا أخي الفاضل! إن يسر الله لك أن تلبس القميص والعمامة دون حرج فالحمد لله رب العالمين، ولا تلزم الناس بهذا؛ لأن اللباس من العادات وليس من العبادات، والله تعالى أعلم.
стр. 147
التحذير ممن ينتقصون من شأن الله وشأن رسوله ﷺ بأقوال كفرية
السؤال
شخص يقال: إنه من العلماء، يقول: لو كان النبي ﷺ موجوداً بيننا للبس (الكرفته) و (الجاكت) والبنطلون؟
الجواب
أنا لا أريد أن أقول كلمة فيها سوء أدب، هل يقال عن رسول الله ﷺ : لو كان موجوداً للبس (كرفته)؟! فيا صاحب (الكرفته) من الذي صنع (الكرفته)؟ وما وظيفتها لستر العورة؟ ومن الذي صدرها لنا؟ هؤلاء يا أخي في الله! يسمون أنفسهم: الموديل الجديد، آخر صيحة لمواكبة التطور، المسرح الإسلامي، والسينما الإسلامية، والرقص الإسلامي، وحمام السباحة الإسلامي، بل هناك (مايوه) إسلامي، وكل شيء إسلامي وإسلامي، فتراه لابساً (كرفته) مشجرة، ويضع هنا منديلاً وهنا دبوساً، فأين أنت من رسول الله؟ لو كان شخصاً يمشي في الشارع ملمعاً ويلبس (الكرفته) وجواره رجل من أهل الكتاب ما الفرق بين هذا وذاك؟ هل تستطيع أن تميز؟! كلاهما سواء، فالمسلم له سمت إذا نظرت إليه عرفت أنه مسلم، والإسلام ظاهر وباطن، ولا يغني أحدهما عن الآخر.
يلبس (جاكتاً) آخر صيحة، ويستخدم منديلاً ليتنخم فيه، ويضع دبوساً و (كرفتة) مشجرة، نقول له: يا عبد الله! اتق الله في نفسك، هل كان من صحابة رسول ﷺ أحد هكذا؟ إن النبي ﷺ لم يقل للصحابة: قريش اضطهدتنا وضيقت علينا الحصار، اخلعوا القميص والبسوا الجنز واحلقوا اللحى خالطوهم، لم يقل هذا رغم أن قريشاً أكثر بكثير منهم، ولم يقل لأصحابه: تحللوا من الواجبات، والذي نفسي بيده إنما كانوا يعذبون ويقولون: أحد أحد، ولم يترخصوا هذه الرخص.
وهناك كلام آخر، قال بعضهم: إن هذا الكلام منسوب إليه والله أعلم بصحته، والشيخ ابن عثيمين أجاب عليه.
قال: لو أن الله نزل من السماء في الانتخابات لن يأخذ (٩٩%)، ما هذه العبارات الكفرية يا من تنسب إلى العلم، بل يقولون عنك: إنك من أعلم أهل الأرض؟! هذه عبارات لا تقبل بحال، وقولهم: لو كان النبي ﷺ معنا للبس (الكرفته) والبدلة.
معناها: أنه سيترخص، وهل تقبلون أن نبيكم يحاكي ويساير موضات أهل الكتاب؟! بل ما كان يراهم في شيء إلا فعل النقيض، وهذا لا يدخل في باب الإكراه، وإلا فـ عمار أكرهه المشركون على أن ينطق كلمة الكفر، فباب الإكراه باب كبير لا يعرفونه، ويقول العلماء: الإكراه في القول وليس في العمل، وابن عباس يقول: الإكراه في القول، فـ عمار لم يسجد لصنم ولم يأت بفعل كفري، وإنما قال بلسانه، فالإكراه يكون باللسان وليس بالفعل، يعني: لو أكرهت على أن تسجد لصنم لا تفعل، ولو أكرهت على أن تقول باللسان فقل، قال رسول الله ﷺ : (فإن عادوا فعد)، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] فيا إخوان! لابد أن نعرف هذه النصوص، فإنهم يحملونها ما لا تحتمل.
стр. 148
حكم الطلاق عن طريق الهاتف
السؤال
قال لي زوجي: أنت طالق في الهاتف، وهذه ثالث مرة وهو يقول لي: إن الطلاق في الهاتف غير محسوب؟
الجواب
اذهبي إلى أصحاب الإسلام الجدد ربما عندهم فتوى جديدة نسأل الله العافية، الطلاق واقع طالما أن الزوج تلفظ به ووصل إلى سمعك هاتفاً أو كتابة، فلو كتب لك الآن: أنت طالق، طلقت؛ لأنه تلفظ بالقول أو كتب، والله تعالى أعلم.
стр. 149
الضوابط التي يلتزم بها سائق التاكسي
السؤال
نريد أن نعلم ما هي ضوابط العمل لسائق (التاكسي)؟
الجواب
الأمر الأول: يا سائق (التاكسي) بارك الله فيك! لا تختل بامرأة لا تحل لك، وهذا كثير، إذا أشارت واحدة بمفردها احذر أن تقف لها؛ لأنها في مقام الخلوة؛ ولأنها ليس معها محرم، حتى وإن كانت منتقبة، فقد رأيت أختاً منتقبةً تركب (تاكسي) بمفردها، وهذه مصيبة، لا بد لها أن تتعلم الشرع فضلاً عن المتبرجة.
إذاً: الأمر الأول: إياك أن تختلي بامرأة لا تحل لك.
الأمر الثاني: إياك إياك وتشغيل الأشرطة الهابطة في سيارتك، استخدم أشرطة قرآن أو مواعظ فقط، وأنصحك أن تفرج كرب مكروب مضطر، فقد يركب معك رجل كبير في السن، وحالته فقيرة ليس معه إلا جنيهان، والأجرة خمسة عشر جنيهاً، فلا تقل له: أعطني خمسة عشر جنيهاً وإلا سآخذك إلى قسم الشرطة! يا أخي! تصدق.
الأمر الثالث: اجعل (للتاكسي) نصيباً في عمل الخير، فقد يكون أحد مضطراً وليس معه شيء، فقل له: اركب، ولا بأس أن تتصدق يا عبد الله! الأمر الرابع: في أوقات الليل المتأخرة لابد أن تراعي الحذر؛ لأنك ربما تجد امرأة تقف بمفردها في الليل المظلم ولا تجد أحداً، تقول: هذه مصلحة، وهناك مفسدة، فماذا أصنع؟ نقول: لك: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وهكذا الضوابط الشرعية بارك الله فيك.
كذلك إذا كان معك ركاب، وأذن المؤذن للصلاة، فعند أقرب مسجد قف، تقول: يا جماعة! لو سمحتم سأصلي فقط، إلا إذا كان عندهم ظروف كضرورة مريض، أو شخص يريد أن يحضر الاختبار، واختباره يبدأ من الساعة الثالثة، فإنك ستضيع عليه اختباره، إذا قلت له: فقط نصف ساعة حتى أصلي العصر، أجل الوقت؛ لأن هذا يضر به، وهناك شيء اسمه: التزاحم، فإن تيسر الوقت وليس عندهم ضرورة فلا مانع، وأما إن كان هناك ضيق في الوقت لابد أن تراعي هذا.
стр. 150
حكم استمناء الزوج بسبب أن امرأته لديها برود جنسي
السؤال
امرأتي لديها برود جنسي وأنا فقير لا أستطيع الزواج، فهل يحل لي الاستمناء، وأنا في مكان بعيد عن زوجتي؛ لأنها ليس لها حاجة إلى الجماع، ولا تريد الإقبال عليه، أجبنا يرحمك الله؟
الجواب
وأنت يرحمك الله وبارك الله فيك! أقول لك سراً: (٧٠%) على شاكلتك يعاني من ذلك، لكنهم ساكتون، أما أنت فجريء، وغير راضٍ بقدره وساكت، أقول: قد يكون الزوج والزوجة مختلفين، هو يقول لها: لا تغسلي الأواني، ولا تأتي، يقول ذلك؛ لأنه يقصد الموضوع الآخر، فتراه يلف ويدور، وهي تقول: لا يأتي بمصروف، ويكون في صدرها شيء، فلا بد أن تتكلما بوضوح حتى نستطيع الحل، لكنهما يحومان حول الموضوع ولا يفصحان.
وهذا من عدم الفقه؛ لأننا لا ندرس الفقه بناتنا وزوجاتنا، لا ندرسهم فقه معاملة الزوج وفقه العروسين وفقه الفراش، فللفراش فقه، ولكننا نجهل هذا الفقه، والأمر الذي يدفع الزوج إلى أن يبحث أحياناً عما فقده على الفراش يكون بسبب الزوجة، فهي لا تعطيه حقه، أو هي جاهلة بحق الزوج، وهو كذلك جاهل بحقها لاسيما في فقه الفراش أو فقه المداعبة، فلابد أن تجعل بينك وبينها رسولاً قبل أن تجامع، هذا الرسول هو الكلام الطيب والمداعبة الطيبة، وهي ليست وظيفة، كما أن الكلام في هذا الباب يستحيي منه البعض، لكنه فقه، وبسبب عدم فهم هذا الفقه تخربت بيوت كثيرة.
فإذا كانت الزوجة عندها برود جنسي، لابد أن تدفعها إلى طبيبة مسلمة لتحدد هذا البرود وأسبابه، ربما يكون مرضاً وله علاج، فإن كان ليس له علاج ففي هذه الحالة من حقك أيها الزوج! أن تعدد ولا حرج، بل هو الأولى في حقك، بل الواجب؛ لأنك تقول: أريد أن أستمني، وأيهما أولى الزواج أم الاستمناء؟ وإن كنت فقيراً فإن الله سيكرمك بأخت فقيرة كذلك، وليس هناك مشكلة، أخونا الشيخ صالح عبد الجواد زوج ابنه في المنصورة بثلاثة آلاف جنيه فقط، ولم يزد على ذلك، وزوجه ببنت منتقبة عمرها ست عشرة سنة، واشترى غرفة نوم قديمة بخمسمائة جنيه طلاها بلون فأصبحت جميلة، وأخذ مكسراً من مصنع البلاط ودبر حاله، وليس لديه ثلاجة، وإنما لديه جرة قديمة ويعيشان الآن عيشة سعيدة، فنحن الذين نضيق على أنفسنا، شددنا فشدد الله علينا.
فالزواج في حقك يا أخي! واجب، وإن كنت لا تستطيع الزواج فعليك بالصيام، وآخر حل أن تجامعها دون إيلاج حتى تنزل بدلاً من الاستمناء، يعني: إذا كانت الزوجة لا تحب الجماع باشر أنت من الخارج حتى تنزل، لكن حين أقول لك: استمن وأنت متزوج ما هذا يا عبد الله؟! لا ينبغي أن يكون هذا بارك الله فيك.
стр. 151
حكم قراءة الإمام في صلاة فجر يوم الجمعة بأي سورة فيها سجدة تلاوة
السؤال
هل يجوز للإمام أن يقرأ في صلاة فجر يوم الجمعة بأي سورة بها سجدة تلاوة؟
الجواب
لا يجوز؛ فإن سورة السجدة لم تقرأ في فجر يوم الجمعة لأن فيها سجدة، إنما جاءت السجدة عرضاً، فانتبه إلى هذا المعنى، والصلاة صحيحة، لكن البدعة فيها واضحة.
إن قراءة الإمام لسورة السجدة يوم الجمعة سنة، من فعلها أثيب، ومن لم يفعلها ليس عليه شيء، بل قال ابن القيم: ومن السنة أن يتركها أحياناً؛ ليبين للناس أنها سنة.
стр. 152
حكم العصمة والطلاق بيد المرأة
السؤال
هل العصمة بيد الزوجة من شرائع الإسلام، وهل يجوز للزوجة أن تطلق الزوج، بمعنى إذا قالت: إن فعلت كذا أكون طالقاً؟
الجواب
إن موضوع العصمة هذا موضوع مهم ومن أخطر الموضوعات الفقهية، وفيه بحوث.
نقول: نعم، يمكن أن تكون العصمة بيد الزوجة، لكن كيف؟ للزوج أن يوكل غيره في طلاق زوجته، أي: يتنازل عن حق الطلاق لأحد الناس، لكنه لا يفقد هو الحق، بل ما زال الحق معه، فله أن يوكل زوجته في طلاق نفسها، فيقول لها في القسيمة: وأمرك في يدك إذا شئت، يعني: إذا أرادت أن تطلق نفسها تقول له: طلقني، فهو يقول لها: أنت طالق ولا يستطيع أن يمتنع؛ لأنه جعل لها العصمة.
ومعنى العصمة: أن تطلب الطلاق متى تشاء، ولا يحل له أن يمنعها؛ لأنه تنازل عن حقه، لكن عندنا في الأفلام: يا محمد! اخرج أنت طالق، الزوجة تطلق زوجها، وهذا جهل منهم، الزوجة لا يمكن أن تقول للزوج: أنت طالق، إنما تقول له: سرحني، طلقني، وعليه أن يكتب هذا في القسيمة والقانون، وإن لم يكن في القسيمة مكان فليكتب في ورقة مرفقة، وقد قام بذلك دار الإفتاء والمحاكم الشرعية، وهي فتوى مجمع عليها إلا من شذ من أهل الظاهر، وهو أن يكتب ورقة يقول فيها: إنني وافقت أن أطلق زوجتي متى شاءت مرة واحدة أو مرتين أو ثلاثاً.
يحدد عدد المرات، واستدل جمهور العلماء بقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨]، فجعل لهن طلب الطلاق، فإن قلن: طلقنا قال الله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨]، والآية دليل على ذلك عند الجمهور، لكن لا يجوز للزوجة أن تقول له: أنت طالق، هذا كلام غير صحيح.
стр. 153
حكم التبرع بالدم للمستشفيات
السؤال
هل يجوز أن تكون الصدقة بالتبرع بالدم لأحد المستشفيات؟
الجواب
التبرع بالدم يجوز شريطة ألا يكون بمقابل، لا تأخذ مقابلاً مطلقاً، لكن يجوز أن يعطى المتبرع عصيراً أو كتباً، فهذا ليس مقابلاً، بل هذا تشجيع، يعني: إذا كان الشيء تشجيعاً رمزياً ليس مقابلاً فلا بأس، كعصير تعوض به الدم الذي خرج من جسمك، أو غذاء تتناوله، هذا ليس مقابلاً.
стр. 154
تفسير سورة القلم [١١]
لقد وعد الله المؤمنين بأن يدخلهم الجنة، كما وعد الكافرين أن يدخلهم النار، وقد فرق بين الفريقين في الدنيا والآخرة، فإنهما لا يجتمعان أبداً ولا يسوى بينهما، ولكن يجب على المؤمن أن يصبر على أقدار الله المؤلمة، ويعلم أن الله ناصره لا محالة، وأن العسر يتبعه اليسر، وعلى المؤمن أن يتفكر فيما حصل لنبينا ﷺ وأصحابه من البلاء، وما حصل للأنبياء قبله أيضاً؛ فإن في ذلك تسلية له على مصابه.
стр. 155
الفوز الحقيقي
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، خلقنا من عدم وأطعمنا من جوع وكسانا من عري وهدانا من ضلال، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وهو مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسب ما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا يزال الحديث عن سورة القلم، ولقاؤنا اليوم مع قول ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ * فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم:٣٤ - ٥٢]، بعد أن قص علينا القرآن قصة أصحاب الجنة الذين جحدوا نعمة الله، وأنكروا فضل الله عليهم، فكان الجزاء من جنس العمل، أبيدت الجنة، وجاء ذكر الجنة الأخروية؛ حتى لا يظن ظان أنها يمكن أن تبيد، أو يمكن أن تفنى كالجنة الأرضية، كلا جنات النعيم لا تفنى ولا تبيد، ولفظ الجنة من الألفاظ المشتركة في الحقل القرآني، ومعنى قولنا لفظ مشترك، أي: أنها كلمة واحدة يراد بها أكثر من معنى، كلفظ: (أمة)، وكلفظ: (الصلاة)، فالجنة تأتي في القرآن بمعنى: الحديقة، يقول ربنا سبحانه: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة:٢٦٥].
ويقول ربنا سبحانه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف:٣٢]، فلفظ الجنة يأتي ويراد به الحديقة المثمرة، ويأتي ويراد به جنة الخلد.
والحقيقة أنه ينبغي أن نكون هنا في الدنيا وأعيننا وقلوبنا معلقة بالجنة، كما كان حال أصحاب النبي ﷺ ، فهي الدار الباقية، وهي دار السرور التي إن دخلها العبد يسعد أيما سعادة، كما قال ربنا سبحانه: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥].
ولا يمكن أن نسمي من يفوز في الدنيا بأنه فائز، فإن الفوز الحقيقي هو أن تفوز بالجنة، الفوز الحقيقي هو أن تقف على رءوس الأشهاد يوم القيامة، ووجهك يشع نوراً، وترفع كتابك بيمينك وتقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] أي: خذوا اقرءوا كتابيه، تصفحوه ففيه صلاة، وفيه قرآن، وفيه صيام، وفيه أمر بالمعروف، وفيه نهي عن المنكر، وفيه صلة رحم، وفيه ذكر وطاعة،
стр. 156
عقيدة أهل السنة والجماعة في الجنة والنار
عقيدة أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان جاهزتان معدتان، إلى أن يأتي يوم القيامة فيؤتى بالجنة، ويؤتى بالنار، عندها ﴿يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٣ - ٢٤].
يقول تعالى مخبراً عمن يأخذ كتابه بشماله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٧ - ٢٩].
стр. 157
وصف الجنة في الكتاب والسنة وذكر ما أعد الله فيها لأهلها
قد جاء وصف الجنة في القرآن وصفة لباس أهلها، وطعامهم، وشربهم، حتى يبين لنا ربنا النعيم الذي أعده لعباده، يقول ربنا سبحانه: ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:١١ - ١٦].
وقال سبحانه: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢١ - ٢٣].
ويقول النبي ﷺ : (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
ونبينا ﷺ يخبرنا أن عدد أبواب الجنة ثمانية: باب الصيام، ويسمى: باب الريان، وباب الصلاة ينادي المصلين، وباب الجهاد ينادي المجاهدين، فقال أبو بكر: (أومن كل الأبواب الثمانية ينادى على أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وأسأل الله أن تكون منهم يا أبا بكر)، قال أبو نعيم صاحب الحلية: الصديق الملقب بـ العتيق رفيق النبي ﷺ في الحضر والأسفار، والذي دفن بجواره بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار، المنزل فيه من عالم الأسرار ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠]، ينادى عليه يوم القيامة أن يدخل من أبواب الجنة الثمانية؛ لأنه جمع خصال الخير، ففي صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ صلى الفجر ثم استدار لأصحابه) والسنة أن يستدير الإمام بعد انقضاء الصلاة، فقد بوب البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان: باب: الإمام يتوجه إلى المأمومين، فلا ينبغي أن يظل مستدبراً، لكن بعد الصلاة يقابلهم بوجهه قال: (إن النبي ﷺ صلى الفجر ثم استدار لأصحابه وقال: من أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا يا رسول الله، قال: من عاد اليوم منكم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا يا رسول الله، وكلما سأل النبي ﷺ قال أبو بكر: أنا، فقال النبي ﷺ : ما اجتمعن في رجل إلا كان من أهل الجنة).
ونبينا ﵊ رأى الجنة ورأى النار، بل دخل الجنة في الإسراء والمعراج، وفي صحيح البخاري (لما كان يصلي صلاة الكسوف: فتقدم قليلاً، فرآه الصحابة فقالوا: يا رسول الله رأيناك تقدم وأنت تصلي قال: دنت مني الجنة)، ربما يقول قائل من أصحاب العقول المستنيرة في زمن الاستنارة: كيف تدنو منه الجنة؟ أليس لكم عقول؟ نقول: عقولنا مع شرع ربنا حيث ثبت، أما أنتم فعقولكم في نعالكم، أسأل الله أن يهديكم؛ لأن الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون.
ونحن نؤمن بهذا، بدون أدنى شك ولا ريب، ونؤمن بقول النبي ﷺ : (دنت مني الجنة ورأيت ثمارها وكدت أن آخذ عنقوداً من عناقيد عنبها، ولو اقتطفته لأصبح طعاماً لأهل الأرض).
وهو القائل لـ بلال: (يا بلال أخبرني بأرجى عمل، فإني دخلت الجنة وسمعت صوت نعليك فيها).
وهو القائل لـ عمر بن الخطاب: (دخلت الجنة فإذا بي أجد قصراً وبجواره جارية، قلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لـ عمر بن الخطاب ﵁، فتذكرت غيرتك يا عمر فما دخلت القصر، فبكى عمر وقال: أو منك أغار يا رسول الله).
لذلك بشر من بشر بالجنة في حال حياته ﷺ ، وهو القائل: (يدخل عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة)، نظر الصحابة إلى الباب لينظروا من الداخل المبشر، فإذا به عبد الله بن سلام ﵁، وفي اليوم التالي قال النبي ﷺ نفس المقولة، وفي اليوم الثالث كذلك، فقال: عبد الله بن عمرو: لابد أن أنظر في عمله، فقال له: إني لاحيت أبي -يعني: حصل لي خلاف مع أبي- وأسألك أن تستضيفني ليالي عندك، فقال له: مرحباً، فنام عنده، ينظر ماذا يصنع؟ فإذا بـ ابن سلام يقوم آخر الليل قبل الفجر ليصلي ركعات، لم يكثر من الصلاة ولا من الصيام، فاستقل ابن عمرو عبادته، فالناس تصلي أكثر منه، فلم تقدم على هؤلاء الناس؟ وقال عنه النبي ﷺ : إنه من أهل الجنة، فلما أحتار في شأنه قال: لقد أخبر النبي ﷺ أنك من أهل الجنة، فما هو العمل الذي جعلك تكون من أهلها، قال: لا شيء، غير أني أبيت لا أحمل في صدري غلاً لمسلم، قال: تلك التي بلغت بك، وتلك التي لا نطيق.
وحينما رأى المرأة السوداء التي
стр. 158
تفسير قوله تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين)
قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥].
أفنجعل أهل التوحيد كأهل الشرك؟ أفنجعل أصحاب عقيدة السلف كفرق الضلال، وفرق الأحزاب، والجماعات الباطلة؟ أفنجعل الخائن كالأمين؟ أفنجعل الذي يشرك بالله كالموحد؟ أفنجعل الطاهرة المحجبة كالمتبرجة السافرة الهابطة؟ قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، أليس لكم عقول؟ كيف تظنون هذا الظن؟ ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم:٣٧]، هل أنزل الله عليكم كتاباً فيه أن المسلم كالمجرم، ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم:٣٨]، هل هذا الكتاب الذي بأيديكم يخبركم أن هؤلاء كهؤلاء؟ ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا﴾ [القلم:٣٩]، عهود ومواثيق عند الله سبحانه مؤكدة يوم القيامة أن المسلم يكون كالمجرم، الله لا يخلف العهد ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٩] أي: هذا الحكم الذي قلتم به، هل عندكم به عهود ومواثيق من الله .
﴿سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [القلم:٤٠ - ٤١] والمعنى: هل هناك من يكفل لهم أو يضمن لهم هذا القول الذي يقولون به، أم شركاؤهم قالوا لهم هذا؟ ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤١ - ٤٢]، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (يكشف ربنا عن ساقه يوم القيامة، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة)، وهم الذين كانوا يسجدون في الدنيا، سيسجدون في الآخرة برفق وسهولة، فيأتي الذي كان يسجد رياءً ونفاقاً، ويأتي تارك الصلاة ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً جزاءً لعمله الذي كان يعمله، يقول ربنا سبحانه: ﴿ويُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم:٤٢] أي: إلى الصلاة، ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، أي: في الآخرة، لأنه في الدنيا كان يسمع النداء ويتكاسل ويتباطأ مع استطاعته.
وللحديث بقية إن شاء الله.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 159
تفسير قوله تعالى: (خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: يقول الله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم:٤٣] أي: ذليلة، منكسرة، ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم:٤٣] أي: على وجوههم قترة وسواد،: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم:٤٣] أي: إلى الصلاة،: ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣] أي: ليس هناك عارض يحول بينهم وبين الصلاة.
ولننتبه فالقرآن أحياناً يعبر عن الصلاة بأحد أركانها بالركوع، أو السجود، أو القيام، ولذلك قال بعض العلماء: صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في المسجد، والدليل من القرآن قول الله لمريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣]، فحينما أمرها بالصلاة بمفردها قال لها: (اسْجُدِي)، وحينما أمرها بالصلاة مع المصلين قال لها: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)، أيهما أفضل في الصلاة السجود أم الركوع؟ السجود، فعبر عن صلاتها بأعظم أركان الصلاة، فعلم من الآية أن صلاتها في بيتها أفضل، ولذلك بين ﵊ أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في مسجده، مع قوله: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).
وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ [القلم:٤٤]، أي: دعني ومن يطعن في مشروعية الحجاب، دعني ومن يطعن في عذاب القبر، دعني وهؤلاء الذين يقدحون في أصول الدين الثابتة، الذين يكذبون بالقرآن، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٤٤]، وقد يكون الاستدراج بالمال، أو العقارات، أو السيارات، أو بالمناصب، أو بأن تنفتح عليهم الدنيا، فيظنون أن ذلك من قبيل النعمة، وإنما هو استدراج، قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، فالإمهال والاستدراج للعاصي أن يعطى مع بقائه على المعصية، فيعصي ويفتح عليه، يعصي ويرتقي، فيظن أن ذلك من رضا الله عليه، وإنما هو استدراج، كما قال ﵊: (إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته)، فيا أصحاب المعاصي احذروا، فإن الله يستدرجكم.
وقوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٥] أي: أمهلهم إن مكري بهم عظيم، ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ [القلم:٤٦] والخطاب للنبي ﷺ : هل تسألهم على دعوتك أجراً؟ لذلك كلما كان الداعي لا يأخذ أجراً على دعوته كان أسرع للإجابة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٠٩].
стр. 160
تفسير قوله تعالى: (أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون)
قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [القلم:٤٨] هل الذي تطلبه منهم يعجزون عن أدائه، فأثقلهم ذلك الأجر حتى لا يستطيعوا أن يؤدوه إليك،: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم:٤٧]، ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم:٤٨] أي: اصبر على إيذائهم، اصبر على سخريتهم، اصبر على اضطهادهم، اصبر على حصارك،: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩]، يا أصحاب الدعوات اصبروا، فإن مع العسر يسراً، وإن بعد الضيق فرجاً، وقبل الميلاد لابد من ألم الوضع، ومن أراد الورد لابد أن يصاب بشوك الورد.
يقول النبي ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)، فالابتلاء لابد منه، وطريق الدعوة محفوف بالمكاره، وقال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، وهو يونس بن متى، وقد جاء ذكره في سورة الأنبياء، وفي سورة الصافات، وفي سورة يونس، ولا يظن ظان أنه أفضل من يونس، كما يقول البعض يونس أخطأ في كذا، اعرف قدرك، الزم غرزك، عد إلى رشدك، فأنت تتحدث عن نبي من أنبياء الله، الذين قال الله فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩٠]، لذلك قال ﷺ : (لا يقول أحدكم: أنا أفضل من يونس بن متى ﵇، نعم تعجل الخروج، أرسله الله إلى قومه فلما أعرضوا أراد أن يخرج إلى بلد آخر طمعاً في الدعوة، لكن قبل أن يأذن الله، فلما خرج من بين قومه مغاضباً على إعراضهم، وصل إلى شاطئ البحر فركب سفينة، وبينما هي في وسط البحر جاءها موج وريح عاصف واختل توازنها، فقرر من فيها أن يستهموا حتى يلقوا واحداً منهم في البحر؛ لأجل أن ينقذوا الباقين، وهذا أمر مشروع أن نضحي بالبعض لأجل الكل، قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١]، أقاموا القرعة، والقرعة معتبرة عندنا وفي شرع من قبلنا، فجاءت القرعة على يونس، نظروا إلى وجه به سمت الصالحين، فأعادوا القرعة فخرجت على يونس، ثم أعادوها فخرجت على يونس، فكان لابد أن ينفذ ما قدر الله، فألقي في البحر، وكان على موعد مع حوت بقدر ربه، فابتلعه الحوت وأصبح في ظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت، ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور:٤٠]، سمع يونس تسبيح الحصى في جوف البحر: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]، فنادى بأعلى صوته وهو في بطن الحوت في ظلام الليل: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فخرج التسبيح من يونس، فقالت الملائكة: يا رب صوت معروف من عبد معروف، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات:١٤٣] أي: في حال الرخاء،: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٤]، ونستطيع أن نقول: إن العمل الصالح ينجي صاحبه، والعمل الصالح يفرج الكربات، فإن كنت في ضيق توسل بعملك الصالح.
أوحى الله تعالى إلى الحوت: ألا تأكل له لحماً، ولا تكسر له عظماً، ثم قال الله بعد ذلك: ﴿لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم:٤٩]، فلما خرج إلى شاطئ البحر خرج مريضاً، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، واليقطين: كل شجرة لا ساق لها، يقول ربنا سبحانه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٤٦]، فلما عادت إليه قوته، أوحى الله إليه: أن عد إلى قومك يا يونس مرة أخرى، فعاد إليهم، فآمنوا جميعاً عن بكرة أبيهم، قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧] أي: بل يزيدون، ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٨].
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، اللهم علمنا القرآن وخلقنا به، اللهم ارزقنا حب القرآن، وارزقنا نور القرآن، وارزقنا فهم القرآن، وارزقنا عطاء القرآن، ونور صدورنا بالقرآن، وبارك في أرزاقنا ببركة القرآن، واجعلنا من أهل القرآن.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم بلغنا رمضان، واغفر لنا فيه الذنوب، واستر لنا فيه العيوب.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وأمنا في بلادنا، وبدلنا بعد خوفنا أمناً، وبعد ضيقنا فرجاً، وبعد عسرنا يسراً.
اللهم فرج كرب المكروبين، وارفع الظلم عن المظلومين، واستجب لعبادك الموحدين، فأنت على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً.
ونعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا ي
стр. 161
الأسئلة
стр. 162
توجيه اجتهاد بعض السلف في أداء بعض العبادات
السؤال
أرسل لي أحد الإخوة ورقة جزاه الله خيراً وأرجو أن يكون موجوداً، قال: في الجمعة الماضية قلت: إن سعيد بن المسيب كان يصلي الفجر بوضوء العشاء، وإن عثمان قرأ القرآن كله في ركعة، وإن الشافعي فعل كذا، وهذا يخالف السنة؟
الجواب
لو أن الأخ الفاضل تريث قليلاً وقرأ كلام العلماء لكان أولى، فإن التعجل قبل بحث المسألة من الآفات الكبيرة في طلب العلم، فقد أجاب عن هذا السؤال الإمام النووي في كتابه القيم: التبيان في آداب حملة القرآن، قال: وكيف نقول: إن فلاناً ختم في يوم، والنبي ﷺ نهى عن أن يختم القرآن في أقل من ثلاث.
فكان الأولى أن يقرأ السائل هذا الكتاب، لاسيما أن كثيراً من علماء السنة أوردوا هذه النصوص في كتبهم، والشيخ سيد عفاني في كتابه (صلاح الأمة) أتى بأقوال أكثر من هذه، والدكتور محمد إسماعيل المقدم أتى بأقوال في كتابه (علو الهمة) أكثر من هذه، قال الإمام النووي: ومضاعفة الأعمال الصالحة جائز لشرف المكان والزمان.
المعنى: أنك إذا كنت في شهر رمضان يمكن أن تضاعف الجهد في قراءة القرآن مرات ومرات؛ لأن رمضان لا يكون إلا مرة واحدة في السنة، وإذا كنت في عمرة وستستمر العمرة يومين وقد تعودت ألا تختم القرآن في أقل من ثلاث، فلماذا لا تختم القرآن خلال هذين اليومين لشرف المكان، وفي ليلة القدر لماذا لا تضاعف الجهد حتى تصلي ما شاء الله لك أن تصلي.
فالكلام يا أخي الفاضل الذين نقلناه من الكتب ورأينا رأي العلماء فيه، لم ننقله هكذا دون أن نحقق أقوال العلماء فيه، وفعل بعض الأمة ليس معناه أنه قدوة وأسوة، فإن أسوتنا هو النبي ﷺ ؛ لأنه المشرع لنا، وأفعاله تشريعية، ومن ضمن كلام الأخ أنه يقول: إن النبي ﷺ قال: (وأتزوج النساء، وأنام)، والنووي لم يتزوج.
أقول: هناك من العلماء من كتب كتاباً سماه (العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج)، وليس هذا دعوة إلى أن تكون عازباً لا تتزوج، ولكن ربما ينشغل شخص بالعلم لدرجة أن الزواج بالنسبة له لا يمثل شيئاً؛ فقد تحكم في نفسه.
إذاً: المسألة متعلقة بحالة المكلف، فعلى الأخ السائل الكريم أن يعود إلى أقوال العلماء في هذه النصوص، وعلى أي فهم فهموها، وكيف خرجوها؟ ولكن لابد أن تعلم أنه ليس منا أحد معصوم، وأقسم لك بالله أنا لن نستطيع أن نصل إلى طلب العلم الشرعي إلا إذا كان عندنا جرأة أن نقول: إننا أخطأنا، فالذي يتكبر على التصحيح، هذا كبرّ عليه أربعاً دون ركوع ولا سجود؛ لأنه من الأموات، إن أخطأتُ فلابد أن أقول: أخطأتُ، والصواب كذا، ها هو الشيخ الألباني في كتابه (صفة صلاة النبي ﷺ يكتب في الهامش: وكنت قد كتبت كذا، وأرسل لي أخي العلامة الدكتور بكر أبو زيد بكذا، والحق معه، فأعود عن قولي، هذا هو العلم، وليس معنى هذا أنني لا أريد أن أقول: إني أخطأت إن كان هناك خطأ، لكني أقول: هناك من العلماء من حاول أن يجمع النصوص وأن يوفق بينها، والله تعالى أعلم.
стр. 163
حكم الزواج من المرأة المتهاونة بأمور الدين
السؤال
عقدت على فتاة منذ سنة وثلاثة شهور، والتي عقدت عليها تتهاون في أمور الدين كالصلاة، وقراءة القرآن، والكتاب الإسلامي، وتسمع الغناء، ولا تعرف كيف تعامل الزوج، ولا تتقي ربها في دينها، وأشهد الله أني حاولت كثيراً أن أصلحها، لكن وما أنت بمسمع من في القبور، وقد ولد هذا لها كراهية في قلبي، مع العلم أنني أخاف أن أطلقها؛ لأن أمها ماتت وأبوها فقير، فما هو الحل في هذه المسألة؟
الجواب
عليك أن تنصحها وأن تأمرها؛ لأنك قد عقدت عليها، بشرط أن تكون النصيحة بالحكمة، وأن تسلك معها الأساليب الشرعية.
قال النبي ﷺ : (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، فإن كانت تسمع الغناء، ولا تقرأ القرآن، ولا تصلي، وتتهاون في أمر الصلاة، ولا تريد أن تصحح وضعها، فهذه لا تصلح أن تكون زوجة لك، شريطة ألا تظلمها فتتعجل بالطلاق، لا، لابد أن تأخذ معها الأساليب الشرعية، وتقول لها: إن لم تستقيمي على الحال الذي أريده فلن نصلح لبعضنا البعض، أنا طبيعتي ونظامي على الشرع، فالشرع هو الذي يحكم بيني وبينك، فإن لم تستجب، فعند ذلك استدع أحد أفراد عائلتها الصالحين حتى تقيم الحجة، وتعذر إلى الله، والله تعالى أعلم.
стр. 164
حكم طاعة الأب في طلاق الزوجة
السؤال
إن قال لي أبي أطلق امرأتي أطلقها الآن؟
الجواب
إن كنت أنت عبد الله وأبوك عمر فافعل، لكن ليس أبوك عمر ولست أنت عبد الله بن عمر، ومن المؤكد أن عمر رأى خللاً شرعياً، فإذا قال لك أبوك: يا بني طلق امرأتك؛ لأن دمها ثقيل على قلبي، أو يقول: طلق امرأتك؛ لأنها دخلت ولم تقل: صباح الخير، فهذه أمور تافهة لا ينبغي أن نسمع فيها كلام الأب، ولكن عمر من المؤكد أنه رأى خللاً شرعياً يخشى على ولده منه.
стр. 165
حكم الصلاة بالبنطال الضيق
السؤال
ما حكم لبس الرجل للبنطلون الضيق أثناء الصلاة، علماً أن البنطلون يجسد العورة؟
الجواب
اللباس من العادات وليس من العبادات، والنبي ﷺ لبس لباس قوم آخرين: السروال، القلنسوة، العمامة، وأهدي إليه أنواع من اللباس، لكن اللباس لابد أن تكون له صفات: أن يكون فضفاضاً، ساتراً للعورة، وألا يشف، إن كان البنطلون واسعاً لا يصف العورة، عليه جاكت، غير مسبل، صل ولا حرج، لكن تبطل الصلاة لو كان البنطلون ضيقاً يحجم العورة ويصفها، وكأنه لا يلبس شيئاً، كالبنطال الذي نسميه نحن: (الجنز)، أما البنطال الفضفاض الواسع بغير إسبال، وعليه جاكت واسع فوق الركبة بقليل يواري العورة، فلا أستطيع أن أحكم ببطلان الصلاة، فلا تحجروا واسعاً يرحمكم الله، لاسيما أن هناك من يجبر على لبس البنطال، كأن يكون أستاذاً في جامعة، كيف يدخل إلى ما يسمونه هم بحرم الجامعة؟ ولو دخل بالقميص يفصل، أو كان موظفاً في وزارة الاقتصاد، كيف يدخل؟ فأقول: لا تحجروا واسعاً يرحمكم الله، فلبس البنطال يجوز بشروط: أولاً: أن يكون فضفاضاً.
ثانياً: ألا يكون واصفاً للعورة.
ثالثاً: ألا يكون مسبلاً.
رابعاً: ألا يكون شبيهاً بملابس الكفار.
стр. 166
حكم إسبال البنطال
السؤال
ما حكم الإسبال في البنطلون؟
الجواب
الإسبال في البنطلون حرام.
стр. 167
حكم لبس الكرفته
السؤال
حكم لبس (الكرفته)؟
الجواب
( الكرفته) ليس لها أصل في شرعنا، وهي من صنيع أهل الكتاب، وهي من التشبه؛ لأنه ليس لها وظيفة، لا تدفئ، ولا تستر، والكرفته لها تاريخ، وبعض العلماء قال: بجوازها؛ لأنه لا يختص بها أهل الكتاب إنما يلبسها أهل الكتاب وغيرهم، فإن لم يختصوا بها فلا بأس، لكن الراجح والورع أنها ليست من صنيعنا ولو كان لها تاريخ.
стр. 168
حكم تشمير البنطال عند الصلاة والإسبال خارج الصلاة
السؤال
يكون البنطلون أسفل من الكعب فإذا أراد الصلاة رفعه فما حكم ذلك؟
الجواب
لابد أن يكون البنطلون غير مسبل، فأنت تقول: البنطلون أسفل الكعب ولما يأتي يصلي يشمره، وبعد الصلاة يرسله، فهذا حرام، والإسبال حرام في الصلاة أو خارج الصلاة، أما أن يسبل خارج الصلاة، وداخل الصلاة لا يسبل فهذا لا يجوز، قال الإمام أحمد بن حنبل وصلاة المسبل باطلة، وقال الجمهور: هي صحيحة مع الإثم.
والإسبال معناه: أن يجاوز الثوب الكعبين سواء كان بنطالاً أم قميصاً فلننتبه إلى خطورة المسألة.
стр. 169
حكم عقد الزواج في رمضان أو بين العيدين
السؤال
هل يحرم عقد الزواج في رمضان أو بين العيدين، كما يقولون في الأرياف لا يجوز العقد بين العيدين، حتى لا تنكبس العروسة؟
الجواب
هذا كلام باطل، وهذه خرافات لا زال البعض يؤمن بها، وفي بعض الأرياف يقولون: (عروسة السابوت يا تطلق يا تموت) يعني: الذي يتزوج يوم السبت، وما زالت بعض البلاد تؤمن بهذه الخرافات، وإن كانت المرأة حاملاً لا تدخل عليها بسمك أو بلحم؛ من أجل ألا تنكبس، وفي بعض القرى يأتون بالزوجة ليلة العرس ويضعونها في طست، ثم تمر من تحت قدم حماتها؛ من أجل حسن الطاعة، ولا يزال هذا إلى الآن في بلادنا، وهذه أمور غير شرعية فإن الزواج يجوز في أي وقت، إلا أن يكون الرجل محرماً أو المرأة محرمة.
стр. 170
حكم بيع التلفاز
السؤال
بعت تلفازاً إلى أخ مسلم ثم حذرته منه فهل علي أثم، مع العلم أني سوف أشتري الكمبيوتر؟
الجواب
اشتر الكمبيوتر، لكن وأنت تبيع التلفاز اكتب عليه التلفاز يعرض برامج شرعية، وبرامج غير شرعية، والغالب عليه الإثم، فتنصح وتعذر إلى الله ؛ لأن التلفاز محرم لوصفه وليس لذاته.
стр. 171
حكم البيانو
السؤال
ما حكم البيانو؟
الجواب
البيانو حرام، يقول لي شخص: أنا أبيع فوانيس في رمضان، تقول: وحوي يا وحوي، حتى الغناء أدخلوه في الفانوس، الغناء حرام، ولا يجوز أن تبيع فانوساً فيه غناء، أنا خائف بعد قليل يسحرونا بـ (الجيتار)، اصح يا نائم، واثنين يعزفون (الجيتار)، نسأل الله العافية.
стр. 172
حكم إصلاح جهاز التلفاز
السؤال
هل يجوز إصلاح التلفاز؟
الجواب
إن كان الذي ستصلحه له يستخدمه في المعصية فلا؛ لأن الله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، وقد قلت لكم: إنه حرام لوصفه، انظر إلى الصفة إن كان حراماً يصبح حراماً، فإن الغايات لها أحكام المقاصد.
стр. 173
حكم بيع التلفاز للكفار
السؤال
ما حكم بيع التلفاز لكافر؟
الجواب
فيه مساعدة على الإثم والعدوان لكافر أو غير كافر، ربما يسلم، القلوب بيد علام الغيوب.
стр. 174
الحكم على كتاب (الفقه الواضح) للشيخ بكر أبو زيد ﵀
السؤال
كتاب (الفقه الواضح) للدكتور بكر؟
الجواب
كتاب طيب، لكنه يميل أحياناً إلى المذهبية، فلنكن على دراية، الدكتور بكر من علمائنا الذين نحبهم.
стр. 175
حكم سفر المرأة في الطائرة بدون محرم
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تسافر في الطائرة ومحرم لها ينتظرها في المطار الذي ستسافر إليه؟
الجواب
لا، لابد أن تسافر مع محرم، فقد تذهب إلى الطائرة وتتعطل الطائرة ساعات، وهذا وارد، نحن مرة جلسنا من الساعة الثامنة صباحاً إلى الخامسة من فجر اليوم الثاني ونحن نائمون على الرصيف، لعطل خارج عن التحكم، ستصل الطائرة بعد بكرة الفجر.
أولاً: أين تذهب هذه المرأة؟ ثانياً: قدر الله وهي تذهب إلى الطائرة تعثرت في حجر، فأصيبت بجرح في قدمها من الذي يأخذ بيدها؟ من الذي سيحملها إلى السلم؟.
تحتاج إلى من يقوم على رعايتها لاشك في هذا، وقد تجلس بجوار رجل مجرم في كرسي الطائرة، فيقول لها: الست هانم إلى أين ذاهبة إن شاء الله؟ هذا كله وارد، أو يقول لها: خذي الحقيبة هذه لما آتي بالحقيبة الأخرى، والحقيبة فيها مصائب، فتدخل المرأة في مشكلة، فسفر المرأة بدون محرم فتنة، فعليك أن تقطع أنت التذكرة، ولو تكلفت ثلاثة آلاف جنيه ذهاب وعودة، فإنه آمن لعرضك، وأتقى لربك.
стр. 176
حكم صلاة الأولاد الصغار في الصفوف الأولى
السؤال
ما حكم صلاة الأطفال الصغار في الصفوف الأولى؟
الجواب
في هذا خلاف، والشيخ الألباني يرى: أنه لا بأس أن يقف الولد بجوار أبيه.
стр. 177
تفسير سورة القلم [١٢]
تناولت الآيات في ختام سورة القلم بيان ما كان عليه المشركون من الإيذاء للنبي محمد ﷺ وأصحابه، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل؛ وذلك حتى يعلم المسلم أن طريق أصحاب الدعوات لابد فيه من الإيذاء والابتلاء، وعلى المسلم أن يراجع نفسه إن لم يحصل له ابتلاء.
стр. 178
تفسير قوله تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك)
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، خلقنا من عدم، وأطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وهدانا من ضلال، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، وهو مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه، يقلبها كيف شاء وحسبما أراد.
فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا زلنا مع تفسير سورة القلم، ولقاؤنا اليوم مع قول ربنا سبحانه: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم:٥١ - ٥٢].
إن هذه الآيات تتحدث عن الإيذاء للنبي ﷺ ، والمتأمل في مرحلة الإيذاء في الدعوة سواء في العهد المكي أو المدني يجد أن وسائل الإيذاء متعددة ومتطابقة، ولغة الظلم واحدة، فالآية قد جمعت بين نوعين من الإيذاء: الإيذاء البصري بالعين، والإيذاء القولي باللسان، يقول الله تعالى: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم:٥١]، فهذا إيذاء بالبصر، ويقول تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم:٥١]، وهذا إيذاء باللسان.
стр. 179
صور من إيذاء المشركين للرسول ﷺ
تعالوا بنا لنعيش مع بعض أنواع الإيذاء في مكة والإيذاء في المدينة لأصحاب الدعوات؛ لأن البعض ممن يسلك هذا الطريق يظن أنه طريق ممهد بالورود، كلا! إن لم تبتل وتؤذ فصحح الطريق فإنك قد أخطأت، لأن طريق أصحاب الدعوات لابد فيه من الإيذاء، وإلا لما أوذي سيد الأنام محمد ﷺ ، وانظروا إلى مرحلة الإيذاء في مكة: إيذاء باليد، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة: (أن النبي ﷺ سجد عند حجر الكعبة -ساجد يسبح بحمد ربه- فدفعوا عليه أشقاهم فخنقه بثوبه وهو ساجد، ووضع مخلفات الجزور ظهره، فجاء أبو بكر وهم يخنقونه، فقال لهم: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟! فتركوا النبي ﷺ واستداروا على أبي بكر ضرباً حتى أغشي عليه- أغمي عليه-، فحمل إلى بيته في حالة إغماء، فكان أول ما قال بعد أن عاد إلى رشده: أخبروني عن حال رسول الله ﷺ .
وكذلك في الطائف عندما ذهب النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وكيف أنهم استقبلوه بالحجارة تتساقط على جسده ﷺ ، فيا قوم! ما قوبلنا بحجارة والحمد لله، وما خنقنا من ثيابنا ونحن سجود والحمد لله، وإنما الذي تعرض لهذا هو سيد البشر محمد ﷺ ، أسوتنا وقدوتنا ومعلمنا، حجارة تتراشق عليه من الصبية والنساء والغلمان، لكن كان معه خادمه زيد بن حارثة، فكان يتلقى كل حجر برأسه دفاعاً عن رسول الله ﷺ ، ولم تصل الحجارة إلا إلى قدمه الشريفة ﷺ .
ثم عاد ﵊ حزيناً على إعراض القوم، وفي أثناء الطريق رفع يده قائلاً: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين! أنت ربي وأنت رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى ضعيف ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)، ضعفه الألباني رحمه الله تعالى، وصححه الذهبي وقال: لا أرى إلا أنها خرجت من مشكاة النبوة.
وأما الإيذاء باللسان فقد قالوا عنه ﵊: مجنون، شاعر، أبتر، أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً، قول بشر، يريد جاهاً، يطلب ملكاً، يبحث عن مال، ومن ذلك ما نسمعه الآن من اتهامات مبسترة ومعلبة وجاهزة ومعدة: إرهابي، وأصولي، ورجعي، ومتحجر، يريدون منا أن نرجع إلى عهود الظلام، هؤلاء حفنة خارجة عن الشرعية، عصابة تريد أن تقلب الأنظمة، وعبارات قد عفا عليها الدهر: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦]، ففي مجتمع المعاصي والمنكرات تصبح الطهارة تهمة، ويصبح الحجاب والنقاب رذيلة، ولبس البنطال والسقوط والتبرج فضيلة، ونزاهة اليد وطهارتها شذوذاً، والرشوة والسرقة علواً ورفعة! اختلال في المعايير كما أخبر بذلك الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ حينما قال: (إن من علامات الساعة أن يوسد الأمر إلى غير أهله)، حتى العلم الشرعي يوسد إلى غير أهله، وستعلمون كلاماً عجباً ما قال به أحد من أئمة العلم أبداً، ولا أدري هل سولت له نفسه أن يفتري على دين الله ؟! فلا ينظر إلى قول مالك، ولا أبي حنيفة، ولا الشافعي، ولا أحمد، ولا الأوزاعي، ولا البخاري، ولا كل سلف هذه الأمة، أخطأ ثم جاء ذلك المجتهد وأراد أن يطعننا في مقتل بكلمة: النقاب ليس له أصل في الإسلام، وإنما هو حرام شرعاً.
الله أكبر! سكت دهراً ونطق كفراً، والذي نفسي بيده يا ليته سكت فقط، وسنقرأ في اللقاء الثاني حججاً أوهن من خيوط العنكبوت لو كانوا يعقلون، فلصالح من؟ ولحساب من؟ ولمصلحة من يقول هذا الكلام؟! في زمن عمت فيه الفوضى، وانتشرت فيه الفاحشة، وعم فيه البلاء، وبدلاً من أن نواجه الفاحشة والرذيلة وكل ما يغضب ربنا نشن حرباً على العفاف والطهارة، فيا قوم أليس منكم رجل رشيد؟ أليس منكم رجل يتقي الله في نفسه، ويقولها ويرفع شعاره: إن قلتها مت، وإن لم تقلها مت، فقلها ومت، ففي الحالتين أنت ميت، فعش عزيزاً يا عبد الله، ولكن ماذا نقول في زمن تصدر فيه الفتوى حسب الطلب والمقاس، إنها صناعة محكمة.
стр. 180
الإيذاء بالعين والحسد
أما الإيذاء بالعين فتوضحه الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم:٥١]، أي: ينظرون إليك تغيظاً وحقداً وحسداً، لماذا؟ ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم:٥١]، أي: عند سماعهم للقرآن، وهذا يجرنا للحديث عن العين، فقد قال النبي ﷺ كما عند الإمام مسلم: (العين حق، ولو كان شيء يسبق القدر لكانت العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا)، وفي الرواية الأخرى: (العين حق، أدخلت الرجل القبر، والجمل القدر)، أي: أن العين إذا نفذت فربما تدخل الرجل القبر بقدر الله، وتدخل الجمل القدر بقدر الله، لذلك يقولون: إنه كان هناك قبيلة فيها هذه الصفة الذميمة، فإذا مرت بهم ناقة واشتاقوا إلى أكل اللحم، قال أحدهم: ما أجمل هذه الناقة، ما أروعها، فلا تعدو خُطاً حتى تسقط في الحال، وربما أعدوا سكيناً لها قبل أن يتكلم فتنفذ عينه في الحال! ولذلك كان نبينا ﵊ يرقي الحسن والحسين فيقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة ومن كل عين سامة، ويقول: كان إبراهيم يعوذ بها إسماعيل وإسحاق).
وينزل جبريل ليرقي النبي ﵊ فيقول: (بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن كل حاسد وعين الله يشفيك).
وفي الحديث عند الإمام أحمد وابن ماجه والحديث صحيح: (أن سهل بن حنيف خلع ملابسه ليغتسل يوماً، فرآه عامر بن ربيعة - وكان سهل أبيض البشرة - فقال كلمة حسداً منه، فنفذت عين عامر إلى سهل، فسقط من طوله، وظل يضرب الأرض بقدمه ويتخبط، فحملوه إلى النبي ﷺ فقال: من تتهمون فيه؟ قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة يا رسول الله، قال: ائتوني به، ثم قال ﷺ -بعد أن أمر عامراً أن يتوضأ- مستنكراً على عامر علام يقتل أحدكم أخاه؟! هلا إذا نظرت إليه وأعجبك بركته -أي قلت: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله- ثم اغتسل -أي: توضأ عامر - فغسل ركبتيه وأطراف قدميه وداخل حقويه، -أي: داخل الإزار- ثم أمر ﷺ بالماء فسكب على سهل من خلف ظهره، فقام سليماً معافى بإذن الله)، ولذلك يقول النبي ﷺ : (فإذا استغسلتم فاغسلوا).
ومن أسباب دفع العين أن يغتسل وأن يتوضأ الحاسد العائن ليغتسل بفضل مائه المحسود المعيون، وهذا أيضاً ثبت عن أصحاب النبي ﵊، والحسد من أمراض القلوب الفتاكة، وقلما تجد قلباً يخلوا من الحسد، والحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير وهذا المرض هو الذي دفع بعض العلماء ليكتب عن تحاسد العلماء، وأحياناً قد تجد القرناء يتصارعون حسداً فيما بينهم، وهذا لا ينبغي أن يكون، لكن الغبطة موجودة، ولذلك ما الذي دفع إخوة يوسف ليأخذوه وهو غلام بلا عطف ولا رحمة ويلقوه في الجب وحيداً؟! إنه الحسد، يقول الله تعالى مصوراً ذلك: ﴿قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨ - ٩]، فانظر ماذا صنع الحسد؟ فقد يقتل الأخ أخاه حسداً.
وكذلك ما الذي دفع ابن آدم ليقتل آخاه كما في سورة المائدة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة:٢٧]؟ لماذا؟ ما ذنبه؟ إنه لم يرتكب إثماً، لكن تجد دائماً من وفقه الله في عمل ما محسوداً، بل دائماً وأبداً تجد عيوناً تتبع، وتقذف، وتعقد، وتشيع، وتحطم حسداً، ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ [المائدة:٢٧ - ٣٠] الخبيثة والحاسدة، ﴿قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة:٣٠]، الله أكبر! فالحسد يدفع للقتل.
وما الذي دفع إبليس بأن يرفض السجود لآدم؟ إنه الحسد، قال تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
وما الذي جعل بني إسرائيل يرفضون ملك طالوت؟ إنه الحسد، قال تعالى: ﴿
следующие страницы →