Полный текст (295 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
حكم صلاة الأولاد الصغار في الصفوف الأولى
السؤال
ما حكم صلاة الأطفال الصغار في الصفوف الأولى؟
الجواب
في هذا خلاف، والشيخ الألباني يرى: أنه لا بأس أن يقف الولد بجوار أبيه.
стр. 177
تفسير سورة القلم [١٢]
تناولت الآيات في ختام سورة القلم بيان ما كان عليه المشركون من الإيذاء للنبي محمد ﷺ وأصحابه، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل؛ وذلك حتى يعلم المسلم أن طريق أصحاب الدعوات لابد فيه من الإيذاء والابتلاء، وعلى المسلم أن يراجع نفسه إن لم يحصل له ابتلاء.
стр. 178
تفسير قوله تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك)
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، خلقنا من عدم، وأطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وهدانا من ضلال، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، وهو مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه، يقلبها كيف شاء وحسبما أراد.
فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا زلنا مع تفسير سورة القلم، ولقاؤنا اليوم مع قول ربنا سبحانه: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم:٥١ - ٥٢].
إن هذه الآيات تتحدث عن الإيذاء للنبي ﷺ ، والمتأمل في مرحلة الإيذاء في الدعوة سواء في العهد المكي أو المدني يجد أن وسائل الإيذاء متعددة ومتطابقة، ولغة الظلم واحدة، فالآية قد جمعت بين نوعين من الإيذاء: الإيذاء البصري بالعين، والإيذاء القولي باللسان، يقول الله تعالى: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم:٥١]، فهذا إيذاء بالبصر، ويقول تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم:٥١]، وهذا إيذاء باللسان.
стр. 179
صور من إيذاء المشركين للرسول ﷺ
تعالوا بنا لنعيش مع بعض أنواع الإيذاء في مكة والإيذاء في المدينة لأصحاب الدعوات؛ لأن البعض ممن يسلك هذا الطريق يظن أنه طريق ممهد بالورود، كلا! إن لم تبتل وتؤذ فصحح الطريق فإنك قد أخطأت، لأن طريق أصحاب الدعوات لابد فيه من الإيذاء، وإلا لما أوذي سيد الأنام محمد ﷺ ، وانظروا إلى مرحلة الإيذاء في مكة: إيذاء باليد، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة: (أن النبي ﷺ سجد عند حجر الكعبة -ساجد يسبح بحمد ربه- فدفعوا عليه أشقاهم فخنقه بثوبه وهو ساجد، ووضع مخلفات الجزور ظهره، فجاء أبو بكر وهم يخنقونه، فقال لهم: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟! فتركوا النبي ﷺ واستداروا على أبي بكر ضرباً حتى أغشي عليه- أغمي عليه-، فحمل إلى بيته في حالة إغماء، فكان أول ما قال بعد أن عاد إلى رشده: أخبروني عن حال رسول الله ﷺ .
وكذلك في الطائف عندما ذهب النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وكيف أنهم استقبلوه بالحجارة تتساقط على جسده ﷺ ، فيا قوم! ما قوبلنا بحجارة والحمد لله، وما خنقنا من ثيابنا ونحن سجود والحمد لله، وإنما الذي تعرض لهذا هو سيد البشر محمد ﷺ ، أسوتنا وقدوتنا ومعلمنا، حجارة تتراشق عليه من الصبية والنساء والغلمان، لكن كان معه خادمه زيد بن حارثة، فكان يتلقى كل حجر برأسه دفاعاً عن رسول الله ﷺ ، ولم تصل الحجارة إلا إلى قدمه الشريفة ﷺ .
ثم عاد ﵊ حزيناً على إعراض القوم، وفي أثناء الطريق رفع يده قائلاً: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين! أنت ربي وأنت رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى ضعيف ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)، ضعفه الألباني رحمه الله تعالى، وصححه الذهبي وقال: لا أرى إلا أنها خرجت من مشكاة النبوة.
وأما الإيذاء باللسان فقد قالوا عنه ﵊: مجنون، شاعر، أبتر، أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً، قول بشر، يريد جاهاً، يطلب ملكاً، يبحث عن مال، ومن ذلك ما نسمعه الآن من اتهامات مبسترة ومعلبة وجاهزة ومعدة: إرهابي، وأصولي، ورجعي، ومتحجر، يريدون منا أن نرجع إلى عهود الظلام، هؤلاء حفنة خارجة عن الشرعية، عصابة تريد أن تقلب الأنظمة، وعبارات قد عفا عليها الدهر: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦]، ففي مجتمع المعاصي والمنكرات تصبح الطهارة تهمة، ويصبح الحجاب والنقاب رذيلة، ولبس البنطال والسقوط والتبرج فضيلة، ونزاهة اليد وطهارتها شذوذاً، والرشوة والسرقة علواً ورفعة! اختلال في المعايير كما أخبر بذلك الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ حينما قال: (إن من علامات الساعة أن يوسد الأمر إلى غير أهله)، حتى العلم الشرعي يوسد إلى غير أهله، وستعلمون كلاماً عجباً ما قال به أحد من أئمة العلم أبداً، ولا أدري هل سولت له نفسه أن يفتري على دين الله ؟! فلا ينظر إلى قول مالك، ولا أبي حنيفة، ولا الشافعي، ولا أحمد، ولا الأوزاعي، ولا البخاري، ولا كل سلف هذه الأمة، أخطأ ثم جاء ذلك المجتهد وأراد أن يطعننا في مقتل بكلمة: النقاب ليس له أصل في الإسلام، وإنما هو حرام شرعاً.
الله أكبر! سكت دهراً ونطق كفراً، والذي نفسي بيده يا ليته سكت فقط، وسنقرأ في اللقاء الثاني حججاً أوهن من خيوط العنكبوت لو كانوا يعقلون، فلصالح من؟ ولحساب من؟ ولمصلحة من يقول هذا الكلام؟! في زمن عمت فيه الفوضى، وانتشرت فيه الفاحشة، وعم فيه البلاء، وبدلاً من أن نواجه الفاحشة والرذيلة وكل ما يغضب ربنا نشن حرباً على العفاف والطهارة، فيا قوم أليس منكم رجل رشيد؟ أليس منكم رجل يتقي الله في نفسه، ويقولها ويرفع شعاره: إن قلتها مت، وإن لم تقلها مت، فقلها ومت، ففي الحالتين أنت ميت، فعش عزيزاً يا عبد الله، ولكن ماذا نقول في زمن تصدر فيه الفتوى حسب الطلب والمقاس، إنها صناعة محكمة.
стр. 180
الإيذاء بالعين والحسد
أما الإيذاء بالعين فتوضحه الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم:٥١]، أي: ينظرون إليك تغيظاً وحقداً وحسداً، لماذا؟ ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم:٥١]، أي: عند سماعهم للقرآن، وهذا يجرنا للحديث عن العين، فقد قال النبي ﷺ كما عند الإمام مسلم: (العين حق، ولو كان شيء يسبق القدر لكانت العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا)، وفي الرواية الأخرى: (العين حق، أدخلت الرجل القبر، والجمل القدر)، أي: أن العين إذا نفذت فربما تدخل الرجل القبر بقدر الله، وتدخل الجمل القدر بقدر الله، لذلك يقولون: إنه كان هناك قبيلة فيها هذه الصفة الذميمة، فإذا مرت بهم ناقة واشتاقوا إلى أكل اللحم، قال أحدهم: ما أجمل هذه الناقة، ما أروعها، فلا تعدو خُطاً حتى تسقط في الحال، وربما أعدوا سكيناً لها قبل أن يتكلم فتنفذ عينه في الحال! ولذلك كان نبينا ﵊ يرقي الحسن والحسين فيقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة ومن كل عين سامة، ويقول: كان إبراهيم يعوذ بها إسماعيل وإسحاق).
وينزل جبريل ليرقي النبي ﵊ فيقول: (بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن كل حاسد وعين الله يشفيك).
وفي الحديث عند الإمام أحمد وابن ماجه والحديث صحيح: (أن سهل بن حنيف خلع ملابسه ليغتسل يوماً، فرآه عامر بن ربيعة - وكان سهل أبيض البشرة - فقال كلمة حسداً منه، فنفذت عين عامر إلى سهل، فسقط من طوله، وظل يضرب الأرض بقدمه ويتخبط، فحملوه إلى النبي ﷺ فقال: من تتهمون فيه؟ قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة يا رسول الله، قال: ائتوني به، ثم قال ﷺ -بعد أن أمر عامراً أن يتوضأ- مستنكراً على عامر علام يقتل أحدكم أخاه؟! هلا إذا نظرت إليه وأعجبك بركته -أي قلت: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله- ثم اغتسل -أي: توضأ عامر - فغسل ركبتيه وأطراف قدميه وداخل حقويه، -أي: داخل الإزار- ثم أمر ﷺ بالماء فسكب على سهل من خلف ظهره، فقام سليماً معافى بإذن الله)، ولذلك يقول النبي ﷺ : (فإذا استغسلتم فاغسلوا).
ومن أسباب دفع العين أن يغتسل وأن يتوضأ الحاسد العائن ليغتسل بفضل مائه المحسود المعيون، وهذا أيضاً ثبت عن أصحاب النبي ﵊، والحسد من أمراض القلوب الفتاكة، وقلما تجد قلباً يخلوا من الحسد، والحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير وهذا المرض هو الذي دفع بعض العلماء ليكتب عن تحاسد العلماء، وأحياناً قد تجد القرناء يتصارعون حسداً فيما بينهم، وهذا لا ينبغي أن يكون، لكن الغبطة موجودة، ولذلك ما الذي دفع إخوة يوسف ليأخذوه وهو غلام بلا عطف ولا رحمة ويلقوه في الجب وحيداً؟! إنه الحسد، يقول الله تعالى مصوراً ذلك: ﴿قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨ - ٩]، فانظر ماذا صنع الحسد؟ فقد يقتل الأخ أخاه حسداً.
وكذلك ما الذي دفع ابن آدم ليقتل آخاه كما في سورة المائدة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة:٢٧]؟ لماذا؟ ما ذنبه؟ إنه لم يرتكب إثماً، لكن تجد دائماً من وفقه الله في عمل ما محسوداً، بل دائماً وأبداً تجد عيوناً تتبع، وتقذف، وتعقد، وتشيع، وتحطم حسداً، ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ [المائدة:٢٧ - ٣٠] الخبيثة والحاسدة، ﴿قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة:٣٠]، الله أكبر! فالحسد يدفع للقتل.
وما الذي دفع إبليس بأن يرفض السجود لآدم؟ إنه الحسد، قال تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
وما الذي جعل بني إسرائيل يرفضون ملك طالوت؟ إنه الحسد، قال تعالى: ﴿
стр. 181
تفسير سورة الحاقة [١]
استعرضت الآيات في بداية سورة الحاقة أمر القيامة وأهوالها، وذكر بعض الأمم السابقة المكذبة برسل ربها، وما حل بها من الهلاك بسبب تكذيبها؛ حتى لا يسلك مسلكهم من يجيء بعدهم، فيلقى ما لقي أولئك من الهلاك والدمار.
стр. 182
تفسير قوله تعالى: (الحاقة)
سورة الحاقة هي سورة مكية، ومعنى قولنا: مكية، أي: أنها نزلت على النبي ﷺ قبل الهجرة، فمعيار الزمان هو الضابط في المكي والمدني، وهو أولى المعايير عند كثير من العلماء، فما نزل قبل الهجرة فمكي، وما نزل بعد الهجرة فمدني وإن نزل في مكة، لأنه لا عبرة بالمكان وإنما العبرة بالزمان.
وسورة الحاقة من السور المهمة التي ينبغي أن نقف عندها طويلاً لنستخلص منها الدروس والعبر، يقول ربنا سبحانه: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٣] (الحاقة) اسم من أسماء يوم القيامة، والشيء كلما عظم تعددت أسماؤه، وقد جمع القرطبي وابن حجر وابن كثير أسماء القيامة من القرآن والسنة، وكل اسم له علاقة بالمسمى، لذلك فأنت مأمور بأن تختار لابنك الاسم الحسن؛ لأن هناك علاقة بين الاسم والمسمى، فإن سميته كريماً فربما يكون كريماً، لكن البعض يصر على أن يخرج عن هذا النطاق ويسمون أبناءهم أسماء لا تنبغي، إما محرمة، وإما مكروهة، وإما لا تنبغي أن تكون أبداً للمسلمين، مثل: عبد النبي، وعبد الرسول؛ لأن العبودية لا تكون إلا لله تعالى، وكذلك أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، والآخر قد يسمي ابنه اسماً أجنبياً من أسماء المشركين والكفار، مثل: رونالدو! فخابت الأسماء حين تسمى بهذه الأسماء، فيا عبد الله! اتق الله في نفسك.
والبعض أحياناً قد يخرج عن الشرع إلى تسمية يحاكي فيها أهل الكتاب؛ لذلك جاء رجل إلى عمر ﵁ فقال له: ما اسمك؟ قال: شهاب، قال: من أي البلاد يا شهاب؟ قال: من ذات لظى، قال: من أي القبائل؟ قال: من جمرة، فكل الإجابات لها علاقة بالنار، فقال عمر: اذهب فقد احترق بيتك.
وبالفعل وجده قد احترق، لأن هناك علاقة بين الاسم والمسمى، فلابد أن تكون الأسماء حسنة، والنبي ﷺ قد غير أسماء لبعض الناس، وهناك فتوى مهمة للجنة الدائمة، مفادها: إذا أسلم الرجل من أهل الكتاب يغير اسمه ولا يغير اسم أبيه، قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، يعني: إن كان اسمه: (نتنياهو) ثم أسلم نغير هذا الاسم الخبيث ثم ننسبه إلى أبيه، ولا ينبغي أن ننسبه إلى غير أبيه، وفي الحديث: (أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فسألها عن اسمها، فقالت: عاصية، فغير اسمها النبي ﵊.
وكذلك غير النبي ﷺ اسم جد سعيد بن المسيب من حزن إلى سهل، لأن اسمه يشعر بالحزن، لكن الرجل رفض وقال: لا أغير اسماً سمانيه أبي! يقول سعيد: فلا تزال الحزونة فينا.
أي: امتدت الحزون في كل العائلة؛ لأنه أبى أن يغير اسماً سماه له النبي ﵊.
وعلى كل فالحاقة اسم من أسماء يوم القيامة؛ وسميت بذلك لأن الوعد والوعيد يحقان فيها، فما وعدنا الله من جنة وما توعدنا به من نار يكون عين اليقين، فهي حق الوقوع وحق ما فيها، ثم قال الله سبحانه معظماً شأنها: ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:٢]، تعظيماً لأمرها، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:٣]، يقول ابن عباس: إن قال الله: (ما أدراك) سيدريك، وإن قال: (ما يدريك) استأثر الله بعلمه، فالأول يأتي الجواب بعدها حالاً، مثل: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٣]، ثم كان
الجواب
﴿ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤]، وهنا قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٣]، ثم كان الجواب: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة:٤]، وأما الثاني الذي استأثر الله بعلمه، فمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣]، أي: لا أحد يعلم متى الساعة.
стр. 183
تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود وعاد بالقارعة)
يقول الله : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة:٤]، وثمود هم قوم صالح، وعاد هم قوم هود، ويا ليت القوم يتعظون ويعتبرون! فالله يقص علينا في القرآن قصص السابقين؛ لنعتبر، وحتى لا يأخذنا بعذاب بسبب فعل العصاة، وثمود جاءهم نبيهم صالح فطلبوا منه معجزة، بل وحددوا له المعجزة.
والمعجزة: هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، يؤيد الله بذلك أنبياءه ورسله؛ ويدلل بذلك على صدق دعواهم.
وأما أدعياء النبوة فإنهم دائماً يضحكون على الناس، وقد قلنا قبل ذلك: إن المأمون جاء إليه رجل يدعي النبوة! فقال له: وما علامة نبوتك؟ فقال: علامة نبوتي أني أعلم ما في أنفسكم! قال: فما في أنفسنا، قال: في أنفسكم أنكم تقولون عني: إني كذاب.
وآخر يقول للمعتصم: بأنه موسى بن عمران! فقال له المعتصم: يا موسى ألق عصاك حتى تصبح ثعباناً، فقال له الرجل: قبل أن أفعل أنا ذلك، قل أنت أولاً: أنا ربكم الأعلى، فضحك الخليفة منه وعلم أنه متهم في عقله.
ولذلك كثرت القضايا المطروحة الآن في أدعياء النبوة، وبلا فخر في مصرنا يظهر كل سنة أو سنتين نبي، ويكون له أتباع وأصحاب من نساء ورجال.
جيء بامرأة في عهد الخلافة العباسية فقال لها الخليفة: من أنتِ؟ قالت: أنا نبية! قال: أما علمت أن النبي ﷺ قال: (لا نبي بعدي)، فقالت: نعم، لكنه لم يقل: لا نبية بعدي، فأنا نبية ولست بنبي! فهذا يدل على حماقة الفكر وسطحية الرأي؛ ولذا فأقول للمسئولين في الدولة: من ادعى النبوة قبل أن تدفعوا به إلى النيابة أو المحكمة ادفعوا به إلى مستشفى الأمراض العقلية؛ لأنه حتماً ويقيناً عنده خلل في عقله.
إذاً: الأنبياء يؤيدهم الله بمعجزات لتدل على صدقهم، كما أنه ما من نبي يرسله الله إلا كان من جنس قومه، وهذا إشارة إلى أن الداعي كلما كان على صلة بالمدعو تكون الإجابة أسرع؛ لأنه يعرفه، قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣]، أي: من جنسهم، يعرفون نسبه وصدقه وأمانته؛ فتكون الإجابة أسرع.
وعندما سأل صالح ربه أن يستجيب له فيما يطلبون أخرج الله لهم ناقة تحمل في بطنها، وخرجت هذه الناقة من جبل أصم بإذن رب العالمين، وقال الله لهم: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٧٣].
وقال: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥]، أي: تشربون يوماً وتشرب يوماً.
ويقول ربنا : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس:١١ - ١٢]، أي: أحيمر ثمود، الذي هو من أشقى الناس، واسمه: قدار بن سالف، وما قتلها وما عقرها إلا بعد أن أخذ الرأي العام من النساء والأطفال والرجال، فكان الجزاء عاماً، لأن الله يقول: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، فالقائل واحد، لكنه قال وهم صدقوا ما قال ووافقوا، فنسب القول إليهم جميعاً، لذلك حينما نقر بالمعاصي حين يرتكبها أفراد نكون معهم سواء في الجزاء، قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف:٧٧]، أرسل الله عليهم صيحة فجعلتهم كهشيم المحتظر، وأنت إن كنت من أهل الأرياف تعرف هذا النبات بعد أن ييبس، يكون كهشيم المحتظر إذا أرسل الله عليه الريح فتذروه.
стр. 184
تفسير قوله تعالى: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية)
﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة:٦]، أي: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة:٦] أي: شديدة الهبوب، ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٧]، أي: متتابعة، ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾ [الحاقة:٧]، قال ابن كثير: كانت الريح ترفع الرجل إلى أعلى ثم تقلبه على رأسه، فيصطدم رأسه بالأرض فيصبح جسده كجذع النخلة التي ليس لها رأس، لذلك ربنا يقول: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧]، أي: جذع نخل خالٍ نتن.
اللهم يا رب العالمين نسألك أن ترسل على اليهود ريحاً، اللهم أرسل عليهم ريحاً تجعلهم كأعجاز نخل منقعر، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ، وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ.
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
وبعد: قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ﴾ [الحاقة:٦]، أي: قوم هود، ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة:٦]، والريح يمكن أن تكون ريح رحمة، ويمكن أن تكون ريح عذاب، وانظر في كتاب بدء الوحي عند البخاري من قول ابن عباس: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة في رمضان)، فما وجه الشبه بين جود رسول الله وبين الريح المرسلة؟ قال الحافظ ابن حجر: الريح المرسلة خيرها يعم، فلا يفرق بين أرض وأرض، وكذلك جود النبي محمد ﷺ في رمضان لم يكن يفرق بين غني وفقير، فكان يعطي الجميع ﵊، ولذلك ربنا يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف:٥٧]، أي: مبشرات، فتأتي بالغيث، وهناك ريح مدمرة، وريح عاصفة، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
ثم يقول الله : ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٨]، أي: لم ينج منهم أحد، فكلهم قد أهلكوا؛ لذلك من سجن ابن تيمية وعذبه في القلعة لا أحد يعرفه؛ لأن الذي يحارب العلم والعلماء لا بد أن تكون له خاتمة سيئة، وأن يندثر فلا يكون له ذكر بين الناس، لكن لا أحد يجهل ابن تيمية، وكذلك لا أحد يعرف الذي جلد ابن حنبل في بغداد، لكن ابن حنبل يوم أن مات شيع جنازته ألف ألف رجل، يعني: مليون، حتى عجزت حمامات مساجد بغداد أن تكفي الناس، ففتح الناس بيوتهم ليتوضأ الجميع، حتى ينالوا شرف الصلاة على ابن حنبل، وهؤلاء هم العلماء، أما الظلمة فقد أراحوا واستراحوا؛ ولذلك قال لهم قبل موته: بيننا وبينكم الجنائز.
وهذا القول هو للظالمين في عصره.
стр. 185
وجوب النقاب
قبل أن أنتهي من هذا اللقاء الطيب، اسمعوا هذه الأقوال دون تعليق: اثني عشر دليلاً من القرآن والسنة على أن النقاب حرام، والنقاب جريمة في حق الإسلام، علماء الإسلام يقولون: لا يوجد دليل واحد في الإسلام على وجود النقاب!! الله أكبر! أين ذهبتم بالأدلة الواضحة كالشمس؟! إنه الجهل والعناد، ولذا فهذه بعض الأدلة الواضحة والدالة على النقاب: الدليل الأول: ذهبت صفية زوجة النبي محمد ﷺ إليه وهو معتكف، فخرج معها حتى يقلبها إلى بيتها، وهذا يشير إلى عدم جواز أن تسير المرأة بمفردها في الليل، فخرج النبي ﷺ من اعتكافه ليقلب زوجته إلى بيتها، ثم في الطريق رآه بعض الصحابة فانحرفوا عن طريقه، فقال: على رسلكم إنها زوجتي صفية، فقالوا: يا رسول الله! أنشك فيك؟ فقال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكم شيئاً)، وهنا محل الشاهد: فلو أن الصحابة نظروا إلى وجه صفية لعرفوها، ولما قال لهم النبي ﷺ ذلك الكلام، لكن عندما كانت منتقبة لم يعرفها أحد.
الدليل الثاني: حديث الإفك، وذلك أن صفوان بن المعطل جاء خلف الركب في غزوة المريسيع فوجد عائشة زوجة النبي ﷺ قد تخلفت عن الركب، ووجدها نائمة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة النبي محمد بمفردها، ثم قال صفوان: وكنت أعرفها قبل نزول آية الحجاب، أي: كان يعرفها بطولها وعرضها، أما الآن فما رآها؛ لأنها تلبس لباساً أسود، ولذلك قالت عائشة ﵂: رحم الله الأنصار لما نزلت آية الحجاب عمدن إلى مروطهن فشققنه ووضعنه على رءوسهن، وكأن على رءوسهن الغربان.
الدليل الثالث: قول عائشة ﵂: كنا نطوف فنرفع النقاب، فإذا التقينا بالرجال أسدلنا على وجوهنا.
قد يقول بعض المنتسبين إلى العلم: في هذا دليل على حرمة النقاب.
وهذا يدل على جهله؛ لأن مفهوم المخالفة: وإن لم تكن المرأة محرمة فتنتقب، لأن المحرمة لا تنتقب.
وقد يخرج جهبذ آخر من أصحاب العقول المستنيرة فيقول: أنت الآن تستدل بنصوص خاصة بزوجات رسول الله، ونحن نريد أدلة عامة! فنقول: يا عبد الله إن كان هذا في حق زوجات رسول الله وهن أطهر النساء، فمن باب أولى في حق غيرهن من نساء المؤمنين، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وأيضاً هناك ما يسمى في علم الأصول: خاص أريد به العموم، وعام أريد به الخصوص.
فيا قوم اتقوا الله في أنفسكم، وانظروا إلى تفسير القرآن العظيم في قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]، كيف فهم ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، والتابعون من بعدهم هذه الآية؟ وكيف كان حال النساء في زمن النبي ﵊؟ فالشبهات التي أوردتموها مردودة عليكم، لكنني أقول: نعم، هناك خلاف بين العلماء في وجوب النقاب من عدمه، فمنهم من يرى أنه واجب، ومنهم من يرى أنه مستحب، لكن ما سمعنا أحداً يقول: إنه حرام، وإنه ليس من الإسلام، فهذا دين جديد، فمن أين جئتم به؟! وقد يستدل بعضهم برأي الشيخ الألباني في أنه ليس بواجب، لكنه يقول: إنه فضيلة، وأرى الوجوب في زمن الفتنة، وزوجاتي منتقبات.
وما قال الرجل: إنه حرام، فاتقوا الله في أنفسكم وكفاكم قلباً للحقائق، وهل انتهت الفواحش والمنكرات والأموال الضائعة والزواج العرفي، والزنا الذي عم حتى تفرغتم للحرب على النقاب؟! اللهم طهر قلوبنا من النفاق.
اللهم استر عورتنا، وآمن روعاتنا، ونسألك رضاك والجنة، نعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم حجب نساءنا، وعليك بأصحاب القلوب المريضة فإنهم لا يعجزونك.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا.
اللهم بلغنا رمضان، اللهم يسر لنا قيامه، ويسر لنا صيامه، ويسر لنا فيه فعل الخيرات.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ظلموا، ولا تجعلنا جسوراً يعبر بها إلى جهنم.
آمين، آمين، آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 186
تفسير سورة الحاقة [٢]
يخبر سبحانه عن سنته في الظلمة، وذلك أنه يملي لهم، حتى إذا أراد هلاكهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، كما أخبر الله عن امتنانه على عباده بأن أنجاهم من الغرق في زمن نوح ﵇، ثم استعرضت الآيات مشاهد قبل وبعد قيام الساعة، وذلك حتى يعود العباد إلى ربهم .
стр. 187
تفسير قوله تعالى: (وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة)
الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، مستوٍ على عرشه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فنواصل الحديث مع القرآن لاسيما وأننا في شهر القرآن، الشهر الذي كان ينزل فيه جبريل على النبي ﷺ فيدارسه القرآن.
وكنا قد بدأنا مع سورة الحاقة في مطلعها، وتوقفنا عند قول الله سبحانه: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:٩ - ١٨].
ما المراد بـ (فرعون)، هل هو لقب أو اسم؟ فرعون لقب لحاكم مصر، كما أن النجاشي لقب لحاكم الحبشة، وقيصر لقب لحاكم الروم، وكسرى لقب لحاكم الفرس.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٤]، أي: طغى في الأرض، وبغى وأكثر فيها الفساد، وحتى يستتب له الأمر قسم البلاد إلى مراكز ومحافظات ونجود، وجعل على كل إقليم فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص:٤]، وهذه سياسة اللامركزية في الإدارة الفرعونية، فيستضعف طائفة منهم وهم بنو إسرائيل: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص:٤].
ويقول ربنا سبحانه في سورة النازعات: ﴿وهَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات:١٥ - ١٧].
وتأمل! فكل نبي كان الله يرسله إلى قومه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف:٨٥].
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣]، إلا موسى أمره الله أن يذهب إلى فرعون؛ لأن الرعية أصبحت هملاً تسبح بحمده وتعبده من دون الله، فهو رأس الأفعى، ولا تصلح الرعية إلا بصلاح فرعون، ومن هنا أمر الله موسى أن يذهب إلى فرعون ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] أي: تجاوز الحد.
وربنا حينما أرسل موسى وهارون قال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، وهنا نتذكر رجلاً دخل على الخليفة العباسي هارون الرشيد وأغلظ له القول وعنف له النصيحة، فقال له: يا رجل! لقد أرسل الله من هو أفضل منك إلى من هو شر مني، أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون، فقال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
ومع وضوح الآيات والبراهين إلا أن فرعون ركب رأسه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤].
وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا
стр. 188
تفسير قوله تعالى: (فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية)
قال تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ [الحاقة:١٠]، أي: أن لكل أمة رسولاً، وكل رسول سيشهد على أمته، ولذلك من قواعد الحساب والجزاء في الآخرة خمس قواعد مهمة: القاعدة الأولى: العدل التام، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧].
وقال: ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧].
وقال: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء:١٢٤]، أتدري ما هو الفتيل والنقير؟ الفتيل: هو الخيط الرفيع الذي في وسط النواة، وانظر إلى حجمه، والنقير: هو الحفرة التي في ظهرها.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة:٧]، والذرة هي: الهباءة التي ترى في شعاع الشمس.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢].
وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦].
وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧].
القاعدة الثانية: إقامة الشهود على العباد، ورب العالمين سبحانه يقول: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء:٤١]، أي: رسولهم يشهد عليهم، ثم قال: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١]، أي: جاء بمحمد ﷺ ، ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢].
ومن الشهود أيضاً: الجوارح، والجلود، والسمع، والبصر، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١].
ومن الشهود كذلك: القرين الجني، أي: الشيطان الذي أضل العباد: ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ [ق:٢٧] في حوار ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ [ق:٢٧]، أي: لم أكن سبباً في ضلاله وطغيانه، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق:٢٧]، أي: هو الضال، ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٨ - ٢٩].
وكذلك الأرض تشهد، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٤ - ٥]، ما أخبار الأرض؟ تأتي يوم القيامة وتقول: يا رب عبدك فلان عصاك على ظهري يوم كذا وكذا، لذلك يا مسلم كل شيء يشهد عليك يوم القيامة، فانتبه وعُدْ إلى ربك .
القاعدة الثالثة: مضاعفة الحسنات، وعدم مضاعفة السيئات، وهذا من فضل الله علينا أن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها، ولذلك ربنا يحاسبنا بفضله في جانب الحسنات، ويعاملنا بعدله في جانب السيئات، قال ﷺ : (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)، فمن فضل الله علينا أن الحسنات تضاعف، يقول ابن القيم ﵀: فهلاك لعبد تغلبت آحاده على عشراته.
أرأيتم إلى الآحاد تغلب العشرات؟! يستحيل ذلك، إلا إذا كان الرجل كله سيئاً.
القاعدة الرابعة: اطلاع العبد على صحيفته، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤].
ويقولون عندما ينظرون في كتبهم: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
القاعدة الخامسة: أنه لا يؤخذ أحد بجريرة غيره، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، فالمسئولية شخصية، عنك وعمن ستسأل عنه بين يدي الله .
ولا بد أن نعلم قاعدة مهمة في العقيدة، ألا وهي أن تكذيب رسول واحد يعني: تكذيب بكل الرسل، واسمع إلى قول الله ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، فهل كذبوا نوحاً فقط أم كذبوا كل المرسلين؟ كذبوا نوحاً فقط، لكن الله في تكذيبهم لنبيهم أخبر أنهم كذبوا كل الرسل؛ وكذلك من آمن بكل الرسل ولم يؤمن بنبينا محمد فهو كافر، وهذا لا يختلف فيه اثنان، وأيضاً من آمن بكل الرسل ولم يؤمن بعيسى فهو ك
стр. 189
تفسير قوله تعالى: (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية)
قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١]، يمتن الله سبحانه على عباده بما كان في زمن نوح؛ لأن كل العباد على الأرض نسبهم يعود إلى نوح وإبراهيم ﵉، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد:٢٦].
قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى﴾ [الحاقة:١١]، يعني: تجاوز الحد.
وذلك عندما دعا نوح على قومه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠]، دعاء صغيراً ومختصراً، وهذا هو الهدي في الدعاء، فإذا سألت الله فأجمل في الطلب: (اتقوا الله وأجملوا في الطلب)، لذلك كان الغلام صاحب الأخدود كما في حديث مسلم فقيهاً، فيوم أن ركب السفينة مع الطغاة وأراد أن يدعو عليهم قال: اللهم اكفنيهم بما شئت وكيف شئت، إنك على كل شيء قدير! أما نحن فنمط في الدعاء مطاً، لأجل الطرب وإرضاء الجماهير، ونأتي بالسجع والتكرار، وهذا كله ليس من السنة أبداً، يعني: لو أن واحداً منا كان في السفينة لقال: اللهم اقلبها، ودمرها، ومزقها، وحطمها، وأغرقها، وكلها ألفاظ مترادفة، ولربما قال المسلم: اللهم أدخلني الجنة، واسقني من خمرها، واكسني من ثيابها، وزوجني بالحور العين فيها! وهذا أمر عجيب؛ لأنك إن دخلت الجنة فستلبس وستشرب، فلماذا هذا السجع؟! وكذلك قول بعضهم: اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، واقض عنا القرض، واحم لنا الأرض، وكله أض أض!! فلماذا هذا السجع؟! لإرضاء الجماهير الغفيرة، نسأل الله العافية.
وانظروا إلى ابن مسعود وهو يدعو: اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه عبدك ونبيك محمد، وأعوذ بك من كل شر استعاذ منه عبدك ونبيك محمد إجمال.
وكل خير في اتباع من سلف، ولا داعي لهذا الإطناب الشديد، والساعات الطويلة في القنوت؛ لأن ذلك ليس من هدي السلف أبداً، وحالنا اليوم في الدعاء مخالف لما عليه السنة النبوية، فقد يدعو أحدنا قائلاً: اللهم دمر اليهود، خرب بيوتهم، جمد الدم في عروقهم، زلزل الأرض من تحت أقدامهم.
وكأنك تحدد لربك ماذا يصنع؟! وكان يكفي أن يقول: اللهم دمرهم.
فيدمرهم بما شاء وكيف شاء.
وهذه كلها من الأمور المحدثة والبدعية، وكما يحدث في بعض البلاد بعد الركعتين الأوليين في التراويح من قول: الصلاة والسلام عليك يا أول خلق الله.
أي: سنبدأ.
وفي آخر ركعتين: الصلاة والسلام عليك يا خاتم رسل الله، أي: سنختم، فإذا جاءت ركعتي الوتر والقنوت يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت.
فانظروا إلى هذا التأليف والابتداع في دين رب العالمين، ثم من قال لك: إن النبي ﷺ هو أول الخلق، وبأي دليل؟ أول خلق الله هو آدم أبو البشر خلقه الله من غير أب ولا أم، ونبينا له أب وله أم، فكيف يكون أول الخلق؟! أقسم لكم بالله أنهم يهرفون بما لا يعرفون! ونظرية أول الخلق هذه تعود إلى فكر ابن عربي؛ لأنه لم يميز بين الوجود العيني والوجود العلمي، وفرق كبير بين أن يوجد الشيء عيناً وبين أن يوجد في العلم، لذلك ابن عربي يقول: إن المعدوم شيء.
أي: نحن لنا صورة هنا، وصورة كانت في الأزل مخلوقة قبل أن يوجدنا الله على الأرض.
ونظرية الحلول والاتحاد في فكر ابن عربي الذي الآن يثنى عليه، وأفكاره في كتبه تحمل كفراً لا شبهة فيه، فحينما يقول ابن عربي مثلاً في أحد كتبه: إن أهل النار إذا دخلوها يتلذذون بعذابها!! وحينما يقول الحلاج: مثل الذين يطوفون ببيت الله في الحج كمثل البهائم تدور في رحاها.
أليس هذا كفراً؟ هذا كفر واضح وبين، لكن القوم يقولون لنا: أنتم لم تفهموا، فهم يتحدثون بالرموز، وكل كلمة لها رمز، وأنتم عقولكم لا تدرك ذلك، وحينما يقول: ما في الجبة إلا الله.
أي: أنا الله والله أنا تعالى الله عما يقولون.
وحينما يقول أبو يزيد البسطامي: ضربت خيمتي بإزاء عرش الرحمن جل وعلا.
ما هذا يا قوم؟ أقول: رب العزة ﵎ تعبدنا بشرعه، ومن استحسن فقد شرع، واتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم.
قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١]، يمتن الله على عبادة بأنه أنجى المؤمنين مع نوح في السفينة، وذلك لما طغى الماء على وجه الأرض، وحينما دعا نوح: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠]، دعاء مجملاً قال: (مغلوب فانتصر) ولم يحدد، ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١١ - ١٤]، أي: أن السفينة تجري بأمر الله س
стр. 190
تفسير قوله تعالى: (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية)
قال الله : ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا﴾ [الحاقة:١٢]، أي: لتفهمها، وتحفظها، وتدركها: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٢]، أذن تعي ما يقال لها، وتعي العبر والدروس وتتعظ.
قال الله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة:١٣]، من الذي ينفخ؟ وما هو الصور؟ وكم مرة ينفخ فيه؟ وماذا يحدث بعد النفخ؟ ذلك هو موضوع اللقاء الثاني.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 191
تفسير قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيقول ربنا سبحانه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة:١٣]، كم مرة ينفخ في الصور؟ اختلف العلماء في ذلك: فـ ابن كثير يقول: ثلاث، وهي: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث.
وابن تيمية يرى أن عدد النفخات: نفختان: نفخة الصعق، ونفخة البعث، ومع كل نفخة فزع، صعق مع فزع، وبعث مع فزع.
إذاً: الفزع ليس نفخة مستقلة، وإنما فزع عند الصعق، وفزع عند البعث، وربنا يقول: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، والقرآن جاء بالنفختين في أكثر من موضع، في سورة ياسين النفخة الأولى، وسماها صيحة، قال تعالى: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس:٤٩]، فتأتي عليهم وهم يشترون ويبيعون ويتعاملون، ويتخاصمون في أمورهم الدنيوية.
ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ [يس:٥١] أي: من القبور ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١]، وهذه النفخة الثانية.
وفي سورة النازعات: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات:٦]، أي: النفخة الأولى، ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات:٧] أي: النفخة الثانية.
إذاً: النفخة الأولى: نفخة الصعق، والنفخة الثانية: نفخة البعث.
وبين النفختين أربعون.
قيل لـ أبي هريرة: أربعون سنة؟ قال: أبيت، أربعون يوماً؟ قال: أبيت.
أي: لا أدري؛ لأن النبي ﷺ قال: (بين النفختين أربعون) وما أبان ما المراد بالأربعين، وهذا ما بين النفخة الأولى والثانية.
وأما النفخة التي معنا في هذه الآية فهي نفخة البعث كما قال ابن كثير؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الحاقة:١٣]، من الذي ينفخ فيه؟ إسرافيل الملك الموكل بالنفخ في الصور، وميكائيل الموكل بنزول الغيث من السماء، وجبريل الملك الموكل بنزول الوحي على الرسل، لذلك قال العلامة ابن القيم في فهم عميق، وبصيرة فريدة: كان ﷺ إذا قام يصلي بليل في التهجد، كان يفتتح الصلاة بدعاء استفتاح بخلاف الصلاة الأخرى، فيقول: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، فما السر في الجمع بين الثلاثة؟ وما وجه الشبه بين جبريل وميكائيل وإسرافيل؟ قال ابن القيم: بهم جميعاً مادة الحياة، فجبريل لحياة الأرواح بالوحي، وميكائيل لحياة الأرض بالنبات، وإسرافيل لحياة الأموات بعد الموت، فجميعاً تربطهم علاقة شبه وهي الحياة.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٨ - ١٠]، نقر في الناقور: نفخ في الصور، والنفخة هنا واحدة، لأن أمر الله لا يكرر، بينما العبد يكرر الفعل إذا كان في أول الأمر يفعله ببطء، لكن أمر الله مرة واحدة، فيكفي نفخة واحدة؛ لأن الذي يدمر الكون هو الله، نفخة واحدة فإذا السماء تنشق، والأرض تدك، والجبال تنسف، والبحار تشتعل نيراناً، والنجوم تتناثر، والموءودة تسأل، والوحوش تحشر، إنه انقلاب هائل: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨]، أي: برزوا لله ليحاسبوا عما صنعوا.
стр. 192
تفسير قوله تعالى: (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة)
قال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [الحاقة:١٤].
وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥].
وقوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ:٢٠].
وقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٥].
وقوله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢١ - ٢٣]، تأتي جهنم ولها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٣ - ٢٤].
﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧]، أين الصلاة؟ أين الحجاب؟ أين الالتزام بشرع الله؟ أين السير على سنة النبي محمد ﷺ ؟ ستحاسب يا مسلم غداً: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ﴾ [الحاقة:١٣ - ١٧]، أي: الملائكة، ﴿عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة:١٧]، أي: على أطرافها، على جوانبها: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، فحملة العرش في الآخرة ثمانية، قال ﷺ : (أذن لي أن أتحدث عن ملك من حملة العرش، المسافة بين شحمة أذنه وعاتقيه مسيرة خمسمائة عام)، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩]، فيا من تبطن خلاف ما تظهر ربك سيخرج ما في باطنك فاحذره.
اللهم إنا نسألك يا ربنا أن تجعل باطننا كسرائرنا، اللهم تقبل صيامنا، وتقبل صلاتنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، نسألك يا رب رضاك والجنة.
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم يسر لنا تلاوة القرآن في هذا الشهر الكريم، أعنا فيه على ذكرك، وشكرك وحسن عبادتك.
اقض عنا ديوننا، فرج عنا الكرب والهم، بدلنا من بعد خوفنا أمناً، ومن بعد ضيقنا فرجاً، ومن بعد عسرنا يسراً.
اللهم اغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
أسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً.
يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
اللهم استر عورتنا وآمن روعتنا.
نسألك رضاك والجنة، نعوذ بك من سخطك والنار.
ارزقنا قبل الموت توبة وعند الموت شهادة وبعد الموت جنة ونعيماً.
نسألك الخير كله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله ما علمنا منه وما لم نعلم.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
اللهم اجعلنا من العتقاء من النار في هذا الشهر، اللهم أعتق رقابنا من النار، اللهم أعتق رقابنا من النار.
اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً، ووسع يا رب على من وسع على فقراء المسلمين وعلى يتامى المسلمين.
اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم انزع الغل والحسد من صدورنا.
اللهم أصلح ذات بيننا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم اربط على قلوب المجاهدين، اللهم سدد رميهم، ووفق جمعهم، واجعل الدائرة على عدوهم.
اللهم عليك باليهود ومن والاهم، أرنا فيهم آية فإنهم لا يعجزونك، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
آمين، آمين، آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 193
تفسير سورة الحاقة [٣]
استعرضت الآيات الكريمات حال الناس وانقسامهم يوم القيامة إلى صنفين: صنف آخذ كتابه بيمينه فهو من الفائزين، وصنف آخذ كتابه بشماله فهو من الهالكين والمعذبين والعياذ بالله، فعليك بالتزام شرعه سبحانه، بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
стр. 194
تفسير قوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه)
الحمد لله رب العالمين، القائل: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٧ - ٩]، والقائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣]، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٤ - ١٦].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيفما شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك، وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا زلنا في تفسير سورة الحاقة، مع القرآن في شهر القرآن، لاسيما أننا على مقربة من العشر الأواخر، (كان النبي ﵊ إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان شد مئزره -إشارة إلى اعتزاله النساء-، وأيقظ أهله، وأحيا ليله)؛ التماساً لليلة القدر، فالمحروم من حرم خير هذه الليلة، ومن ثم أورد البخاري في صحيحه: (أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأوائل من رمضان وخرج من المسجد، فنزل عليه جبريل قائلاً له: إن الذي تتطلب أمامك، وكان يطلب ليلة القدر، فعاد هو والصحابة فاعتكف العشر الأواسط منه، فنزل جبريل وقال: إن الذي تطلب أمامك، فنادى منادٍ: من كان قد اعتكف مع رسول الله ﷺ فليعد فإنها في العشر الأواخر، ثم قال ﷺ : التمسوها في العشر الأواخر من رمضان)، انظر إلى التعبير اللطيف (التمسوها)، أي: ترقبوها، وتحفزوا لها، وابحثوا عنها.
والمتأمل في حال الأمة يجد أن الأمور قد تحولت، فهمة عالية في أول الشهر، وفتور وكسل في آخره، وهذا ليس من صنيع عاقل أبداً، وإنما لا بد في هذه الأيام المباركة من أن تضاعف العبادة، فقد كان السلف يختمون القرآن في رمضان في كل ثلاث، فإذا جاءت العشر الأواخر ختموا كل يوم ختمة، همة تضاعفت، والعكس هو الموجود الآن بين إخواننا.
يقول ربنا سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:١٩ - ٣٧].
يخبر ربنا سبحانه في هذا الآيا
стр. 195
تفسير قوله تعالى: (إني ظننت أني ملاق حسابيه)
قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠]، والظن هنا بمعنى: اليقين، والظن له معان عدة في القرآن فلننتبه، وهذه يسميها العلماء باللفظ المشترك في القرآن، والمقصود أنه قد يكون هناك لفظ واحد له عدة معان مختلفة، كلفظ: (أمة) جاء بأكثر من معنى في القرآن الكريم، يقول الله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠]، أي: إماماً، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤].
وفي سورة يوسف يقول الله تعالى في حق أحد صاحبي يوسف الذي خرج من السجن: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:٤٥]، أي: تذكر بعد فترة زمنية، فأمة هنا بمعنى: فترة زمنية، وليس بمعنى الإمام.
ويقول الله : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢]، وفي سورة القصص: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ [القصص:٢٣]، يعني: جماعة من الرجال، فاللفظ واحد لكن معناه متعدد.
وكذلك كلفظ (النكاح)، وعدم فهم مدلول اللفظ يوقع صاحبه في مشكلة في الفهم، وهذا ما صنعه منكر الشفاعة يوم أن خرج علينا بدين جديد، إذ يقول: إن الإسلام لا يعرف حد الرجم؛ لأن القرآن ما جاء بالرجم وإنما جاء بالجلد، ثم استدل بآية في سورة النساء بشأن الأمة -أي: المملوكة-، فاستدل بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء:٢٥]، فقال الجهبذ: والرجم لا ينصف؛ فإذاً لم يجئ الإسلام بالرجم فهذا لأنه فهم فهماً خطأً لمعنى كلمة: (أحصن)، إذ فسرها بمعنى تزوجن، ولهذا كان فهم المدلول اللفظي للكلمة مهماً جداً، فمثلاً: كلمة (النكاح) تأتي في القرآن بمعان عدة، يقول ربنا سبحانه: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢]، يعني: نكاح زوجة الأب، لكن متى تحرم؟ هل بالدخول أم بالعقد؟ بمجرد أن يعقد الأب على امرأة دون أن يدخل بها تصبح محرمة على ولده حرمة أبدية؛ فإن تزوجها كان ﴿فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢].
يقول ابن كثير: فنكاح زوجة الأب أشد حرمة عند الله من الزنا؛ لأنه قال في حق الزنا: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، وهنا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢]، فالنكاح هنا بمعنى العقد.
والنكاح في سورة البقرة جاء بمعنى الدخول، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة:٢٣٠]، أي: الطلقة الثالثة، ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]، ما المقصود بالنكاح هنا؟ البناء، فلا بد أن (يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته)، يعني: لا بد من الجماع والعقد لا يكفي.
وجاء لفظ النكاح في سورة النساء بمعنى بلوغ الرشد: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦]، أي: بلغوا الرشد.
إذاً: معرفة اللفظ المشترك المتعدد المعاني في القرآن الكريم مهم جداً، وهنا يقول ربنا: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠]، فالظن هنا بمعنى اليقين.
стр. 196
مراتب العلم
مراتب العلم ستة: علم، جهل مركب، جهل بسيط، ظن، وهم، شك.
مثال: سأل سائل فقال: متى كانت غزوة بدر؟ فأجاب آخر: غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة، فهذا نسميه: علماً؛ لأنه أدرك الشيء على حقيقته.
وقال آخر: غزوة بدر كانت في السنة الثالثة للهجرة، فهذا نسميه: جهلاً مركباً؛ لأنه أدرك الشيء على غير حقيقته، وما أكثر الجهل المركب في زماننا هذا، فتجد من يأتي بفتوى ليس لها أصل في الشرع ولا في دين الله، ويصدرها للناس، والآن نحن في سوق مفتوح للفتوى، يقول من شاء ما شاء بغير ضابط ولا رابط، حتى قال أحدهم لمن يصلون التراويح: يكفيكم أن تقرءوا التشهد في الصلاة إلى (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، ثم تسلمون في كل الركعات.
يا هذا أتريد للمصلين أن يصلوا إحدى عشرة ركعة ولا يصلون فيها على النبي محمد ﷺ ؟! لصالح من هذا؟ يقول ابن قدامة في العدة: ومن ترك واجباً من واجبات الصلاة متعمداً فقد بطلت صلاته، والصلاة على النبي ﷺ واجبة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
وآخر يخرج علينا في زمان الفتن والمحن، في زمان وسد فيه الأمر إلى غير أهله، يخرج في وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة فيقول: لا بأس بفوائد البنوك، ويجوز أن تعمر بها المساجد.
إن المشركين كان عندهم ورع قبل بعثة النبي ﵊، فقد تعاهدوا على ألا يدخلوا في بيت الله مالاً من حرام، ونحن الآن نجد من يفتي بجواز دخول المال الحرام إلى بيوت الله!! ماذا بعد يا قوم؟ وماذا ننتظر بعد ذلك؟ إذاً: الجهل المركب هو: إدراك الشيء على غير حقيقته، وهذا شأن الملأ الذين كانوا مع العزيز في سورة يوسف: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف:٤٣]، أتدري ما قال الملأ؟ لقد أجابوه لكن بجهل مركب، فقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ [يوسف:٤٤]، أي: هذه ليست رؤيا وإنما حلم من الشيطان، فأجابوا خطأً، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف:٤٤]، ولو قالوا له: لا ندري لأفتوه.
وقال آخر: غزوة بدر لا أدري متى وقعت، فهذا نسميه: جهلاً بسيطاً، وثلث العلم (لا أدري)، يقول عمر ﵁: العلم ثلاثة: آية محكمة، سنة ماضية، لا أدري.
ومن ترك (لا أدري) أصيبت مقاتله، لذلك جاء في سيرة الإمام مالك أنه جاءه رجل من أقصى البلاد يحمل مسائل في جعبته، فسأل الإمام عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع، وعن البقية بلا أدري.
وهذا محمد بن واسع من علماء المالكية كان إذا سئل عن الطلاق قال: لا أدري، اذهب إلى غيري، فقيل له: لمَ؟ قال: يا قوم! أخطئ في الفتوى، فيستمتع الرجل بزوجته على الفراش، وأنا أقذف بها في نار جهنم.
فهؤلاء قوم عندهم ورع، فما جعلوا أجسادهم معبراً إلى نار جهنم، أما الآن فنحن نعيش فوضى البعد عن كتاب الله وعدم التأصيل العلمي المنهجي.
والظن أن يقول قائل: غزوة بدر كانت في السنة الثانية للهجرة، واحتمال أن تكون في السنة الثالثة للهجرة، فهو أدرك وقدم الاحتمال الراجح، وأخر الاحتمال المرجوح.
والوهم أن يقول: غزوة بدر كانت في السنة الثالثة للهجرة، واحتمال أن تكون في السنة الثانية للهجرة، فأخر الراجح وقدم المرجوح.
والشك أن يقول: لا أدري، احتمال أن تكون في السنة الثانية أو الثالثة للهجرة، فاستوى عنده الأمران.
стр. 197
مراقبة المؤمنين لربهم في كل أمورهم
قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] أي: أيقنت، ولأنه أيقن عمل للآخرة، ولأنه أيقن عينه هناك إلى الآخرة ليست هنا، كل عمل يقوم به ينظر إليه في الآخرة ما جزاؤه عند الله ؟ وما هو الذي سأحصده من وراء هذا العمل؟ لذلك راقب ربك يا عبد الله! في كل أعمالك، واعلم أنه لا قيمة لصلاتك وقيامك وصيامك وتلاوتك للقرآن إن لم يتقبلها الله، وجزاء ذلك: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
لذلك المؤمن يفعل الطاعة ويخشى عدم القبول من الله ، وقلبه وجل من عدم القبول من الله، ويسعى في الإخلاص، لأن الإخلاص طريق الخلاص، فيبتعد عن أعين الناس وينفرد بنفسه، حتى يخفي العبادة، فقد كان رجل من السلف يصوم الدهر ولا تعلم زوجته بحاله، وهي أقرب الناس إليه، فيأخذ الطعام في الصباح عند خروجه إلى عمله فيتصدق به في الطريق على الفقراء والمساكين، ويعود بالليل فيتناول مع أولاده طعام العشاء، ولا أحد يدري بحاله، لأنه يطلب الأجر من الله .
بينما نحن الآن ربما قد يكون المرء صائماً صيام نافلة، ثم يذهب إلى أخ له، وقبل أن يجلس يقول له: لا تأتي بشيء فإني صائم، فهل هو قال لك: سآتي بشيء؟! ولماذا هذه العجلة؟! يا عبد الله! اجعل عبادتك بينك وبين ربك، (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)، وانظر إلى الإخلاص، فاليد اليسرى لا تعلم ما تفعل اليد اليمنى، وهذا يشير إلى أن يخفي العمل بينه وبين ربه .
وهكذا كان حال نبينا محمد ﷺ ، تقول أمنا عائشة ﵂: (تحسست الفراش في ليلة فلم أجد النبي ﷺ بجواري، فأخذت أبحث عنه بالحجرة) -لأن الحجرة كانت مظلمة، ولو أنه نور كما يقولون لأضاء الحجرة، لكن هو نور معنوي يضيء للأمة الطريق، أما الذين يقولون: إنه نور حسي فيناقضون النصوص الثابتة.
ثم تقول: (فوجدته ساجداً بين يدي ربه، وقد ابتلت الأرض من دموعه، وهو يناجي ربه: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).
стр. 198
تفسير قوله تعالى: (فهو في عيشة راضية)
قال تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢١]، أي: في عيشة مرضية، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢٢]، جاء في الحديث (إن في الجنة مائة درجة، المسافة بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض)، جنة تشتاق إليها النفوس، وهكذا كان أمنية السلف الجنة، وما حديث المرأة السوداء في البخاري إلا دليل على ذلك: (يا رسول الله إني أصرع وأتكشف)، فهي سوداء، فماذا يحدث لو تكشفت السوداء؟ يعني: أنها غير جميلة، لكن الحرة تحفظ عورتها وتخاف على عرضها، ومع ذلك فهذه المرأة السوداء مرفوع عنها القلم؛ لأنها في حالة غياب عن الوعي، (قال لها النبي ﷺ : أأدعو الله لك أم تصبري ولك الجنة؟ فخيرها النبي ﷺ ، قالت: يا رسول الله أصبر على المرض، لكني لا أرضى أن أتكشف)، فاختارت أن تصبر طالما أن المقابل هو الجنة، فيا ليت أن هذا الحديث تسمع به السافرات والهابطات والمتبرجات اللائي يخرجن في نهار رمضان وفي غير رمضان، فتنة لأنفسهن وللشباب المسلمين، (فدعا النبي لها ألا تتكشف)، فأصبحت المرأة تصرع في الطرق ولا تتكشف ببركة دعاء رسول الله ﷺ ، وكان الصحابة يقولون لبعضهم البعض: من أراد أن ينظر إلى امرأة من أهل الجنة فلينظر إلى هذه المرأة.
ويقول النبي ﷺ واصفاً طريق الجنة: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)، أي: أن طريق الجنة ليس طريقاً ميسوراً، فهو طريق قيام الليل، وطريق عدم الغيبة والنميمة، وطريق دفع الشهوات والشبهات، وطريق الالتزام، وطريق البلاء، وطريق الصبر على الأذى، ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠]، ولقد أعدوا مسلسلاً لـ قاسم أمين حتى يمسحوا عقول الشباب، قاسم أمين محرر المرأة من الحجاب والطهارة إلى الوضاعة والخلاعة، وأرادوا منا أن نفتخر بحياته، لكن نحن نحتاج إلى أن يفهم الشباب هذا الرجل، فيا قوم اعرضوه بأمانة، حتى يتبين حاله، لكن من يسمع؟ ومن يرى؟ بل حتى صوروا أي ملتزم على أنه إرهابي، حتى زرعوا في قلوب الأطفال الصغار في قرانا وغيرها كره الرجل الملتحي ولابس الثوب والمحافظ على السنة، فإذا رآه الطفل يجري سريعاً؛ لأنهم قالوا له: إنه إرهابي! فيقول الطفل: لا أريده! فمن الذي صنع هذا الفكر؟ ومن الذي جعل في عقول الأطفال هذا الفكر؟ هم المسئولون عن ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣١].
قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٣]، أي: ثمارها قريبة، وقد جاء في بعض الآثار أنه على سريره والفاكهة فوق رأسه، كلما اشتهى أكل؛ لأن أهل الجنة لا يتبولون، ولا يتغوطون: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤]، أي: بما قدمتم لهذا اليوم.
стр. 199
تفسير قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه)
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة:٢٥]، أي: من وراء ظهره، كتاب فيه تبرج، وعدم صلاة، وأكل ربا، وانتهاك للحرمات، وطعن في الشريعة، وإلحاد في أسماء الله وصفاته، واستهزاء بالموحدين، وطعن في السنة، وكله سيئات ومعاص، فوجهه أسود، وكتابه أسود، وجهنم سوداء، ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]، ويقول الله : ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧]، فيتمنى أن يموت ولا يبعث، كلا: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦]، لماذا؟ ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠].
﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧].
﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤]، حياة يتمنى فيها الموت.
ثم يقول الله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨]، فيا صاحب المال! مالك عند ربك لا وزن له إن لم تتق الله فيه، ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٩]، فالكل سواء: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]، فضاعت الألقاب، وانحسرت الألفاظ، وضاعت المنازل والرتب، وكلها سواء بين يدي الله .
ثم ينادي الله: ﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠]، يقول الفضيل بن عياض: حينما تسمع الملائكة: ﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠]، يبتدره سبعون ألف ملك، فيجتمعون حوله، وكل واحد يريد أن يبدأ بوضع الأغلال في عنقه وبسحبه على وجهه إلى نار جهنم، ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠]، أي: ضعوا الأغلال في عنقه، ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢]، تدخل من استه وتخرج من فتحة فمه، ثم قيدوه، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، يا من كانت الدنيا تقوم لك أنت الآن تحت الأقدام تسحب إلى نار جهنم، فهل هناك عاقل يعي؟ وهل هناك عاقل يبصر؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة:٣٣ - ٣٤]، أي: لم يؤد حق الله، ولم يؤد حق العباد، وحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، فما أدى ذلك الحق، وما أدى حق العباد من صلة رحم، وما تعاون على البر والتقوى، وأنفق على المساكين، ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة:٣٤ - ٣٥]، أي: لا وساطة، ولا قرابة، ولا شفاعة، ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]، فلا قريب ولا واسطة تتوسط له عند الله، فقد انتهت الوساطات، والمحسوبيات، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، (يا فاطمة اعملي فإني لن أغني عنك من الله شيئاً)، عملك هو مرتبتك ومنزلتك عند الله .
ثم يقول الله : ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة:٣٦]، أتدري ما هو الغسلين؟ يقول المفسرون: لأهل النار وجبات في النار، منها: الغسلين، وهو القيح والدم والصديد الخارج عن أهل النار.
وفي سورة الغاشية: الضريع، وهو الشوك الذي يدخل في الحلق فلا يدخل إلى الجوف ولا يخرج.
وفي موضع آخر: الزقوم: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤]، قال الله في حقها: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤]، ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات:٦٦].
ويستغيث فيغاث، لكن بم يغاث؟ ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩].
وقال: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم:١٦ - ١٧]، فمن منا يطيق هذا العذاب؟ حتى الثياب من نار: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩]، فيلبسونها، وحتى الأسِرّة من نار وينامون عليها.
اللهم إنا نسألك الجنة، ونع
стр. 200
حكم خروج المرأة إلى المسجد لصلاة القيام ورجوعها متأخرة بمفردها بدون محرم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فإن كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، فالدين بالدليل، والعلم قال الله قال رسوله، وما سوى ذاك وسواس الشياطين، اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، ومن استحسن فقد شرع، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فينبغي أن نتمسك بالسنة كما وردت عن نبينا ﷺ .
سألني سائل وقال: زوجتي تخرج من البيت الساعة العاشرة مساء، وتذهب إلى المسجد لأداء صلاة القيام، ثم تعود إلى البيت في الساعة الثانية صباحاً أو الثالثة بمفردها بدون محرم، فما رأي الإسلام في هذا العمل؟ وهل يجوز للمرأة الاعتكاف بمفردها بدون محرم؟ وهل يجوز لها أن تبيت في المسجد حتى الصباح بعد أداء صلاة القيام؟
الجواب
لا يجوز للمرأة أن تخرج لصلاة الجماعة إلا إذا أذن لها الزوج، فإن لم يأذن لها وخرجت فهي آثمة.
وأما بالنسبة لهذه المرأة فكيف تتأخر إلى ساعة متأخرة من الصباح ثم تعود بمفردها؟! إن هذا التصرف لا يمت إلى الشرع بصلة، فلا يجوز للمرأة لاسيما في أيام الفتن أن تخرج في أيام هذا الوقت المتأخر ثم تعود بمفردها بحجة صلاة القيام، لأنه يمكنها أن تؤدي صلاة القيام في بيتها، قال ﷺ : (وصلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في مسجدي هذا)، وهذا في الفريضة، فكيف بالنافلة؟! وكان عمر بن الخطاب ﵁ يأذن لزوجته بالصلاة في المسجد، فقيل له: تأذن لها وأنت تكره ذلك؟ قال: نعم، لأني سمعت النبي ﷺ يقول: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فيجوز للمرأة أن تخرج من بيتها للصلاة، لكن بشروط: أولاً: أن تستأذن من زوجها.
ثانياً: أن يكون معها محرم إن كانت الطريق بعيدة، ولا يجوز لها أن تركب في سيارة بمفردها، لأن ذلك خلوة محرمة، أو أن تدخل بين الرجال في (أوتوبيس) عام.
ثالثاً: ألا تخرج متعطرة.
رابعاً: ألا تختلط بالرجال إلا للضرورة القصوى؛ لأن بعض النساء يتخذن المسجد وسيلة، فتنتهي التراويح -مثلاً- الساعة العاشرة، وتعود الساعة الواحدة، فإذا سُئلت أين كنت؟ أجابت بأنها تؤدي التراويح في المسجد، وأيضاً لا ينبغي للزوجة أن تترك بيت الزوجية بحجة الاعتكاف في المسجد، والله تعالى أعلم.
أما مشاهدة الأفلام المثيرة في نهار رمضان، فقد قال بعض من يدعي العلم: لا بأس بالترويح عن النفس!! الله أكبر!! هذا أمر لا يرضي الله ، فهو معصية وذنب يحرمه الشرع، ثم بماذا يكون الترويح عن النفس، بالحلال أم بالحرام؟! اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا.
اللهم استرنا فوق الأرض واسترنا تحت الأرض ولا تفضحنا يا ربي يوم العرض.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم تقبل صلاتنا وصيامنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وبعد الموت جنة ونعيماً.
اللهم إنا نسألك عيشة رضية وميتة سوية.
اللهم ارزقنا حب القرآن، وارزقنا نور القرآن.
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين.
اللهم واجعلنا للمتقين إماماً.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، ومكن لدينك في الأرض يا رب العالمين، اللهم عليك باليهود ومن والاهم، اللهم أرنا فيهم آية، فإنهم لا يعجزونك، اللهم أرنا فيهم آية، فإنهم لا يعجزونك، اللهم انصر دينك في مشارق الأرض ومغاربها.
يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك.
اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، ومن الذل بعد العز، ونسألك لذة النظر إلى وجهك.
اللهم إنا نعوذ بك من القبر وظلمته، ومن الصراط وزلته، ومن يوم الحشر وكربته، إنك على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
آمين آمين آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 201
الأسئلة
стр. 202
حكم سجود التلاوة في الصلاة وغيرها
السؤال
روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ السجدة في الخطبة فنزل وسجد، وفي الجمعة التالية قرأ السجدة ولم يسجد، وقال: أردت أن أبين لكم أنها سنة.
فما حكم سجود التلاوة؟
الجواب
سجود التلاوة سنة، فإذا تركه الإمام فلا شيء عليه، ولا يجبر بسجود السهو كما قال العلماء، لكن يجوز للإمام في حالة وجود مصلى للنساء، ووجود ساتر بينهن وبين الإمام بحيث لا يرينه أن ينبه عليهن فيقول: إن شاء الله في الركعة الأولى سنسجد سجدة التلاوة، لئلا يحدث اختلاف ومشاكل في الصلاة، والله تعالى أعلم.
стр. 203
حكم سجود التلاوة في حق المستمع
السؤال
هل يستحب لي أن أسجد سجود التلاوة وأنا أستمع إلى قارئ من القراء؟ أو في حالة استماع الأستاذ من الطالب؟
الجواب
ليس عليك سجود التلاوة، وإنما يستحب ذلك للطالب أو القارئ.
стр. 204
صفة سجود التلاوة
السؤال
هل سجود التلاوة سجدتان أم سجدة؟
الجواب
سجدة واحدة.
стр. 205
أحكام سجود التلاوة
السؤال
ما هي أحكام سجود التلاوة؟
الجواب
لسجدة التلاوة أحكام كثيرة، فيشترط لها ما يشترط لصحة الصلاة، من طهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، وهذا على مذهب الجمهور، وأما ابن تيمية فيرى عدم لزوم الطهارة، ومن أحكام سجود التلاوة استقبال القبلة، وستر العورة، وطهارة البدن والثوب والمكان، وينبغي كذلك في سجود التلاوة أن تكبر قبل سجودها، ولا يشترط أن تسلم بعد الانتهاء منها.
стр. 206
حكم تنبيه الإمام المأمومين على سجود التلاوة
السؤال
لو سجد الإمام للتلاوة هل يلزمه أن ينبه الناس قبل أنه يسجد؟
الجواب
لا يلزم، وليس بشرط أن ينبه، بل المفروض أن كل مسلم يعلم مواضع سجود التلاوة، فنحن حينما نقول: في سورة كذا سجدة تلاوة فانتبهوا، هذا جهل، ومعنى هذا أن الناس لا تعرف أين سجدة التلاوة، وحينما يقول قائل: على كل مصل أن يضع حذاءه أمامه، فمعنى هذا أن المسجد كله فيه سرق، وهذه فضيحة، وهذا تنبيه يشير إلى مساوئ ومعايب، فمن المعايب أن نقول: في سورة كذا سجدة تلاوة.
وفي أحد المساجد قرأ قارئ بسورة آل عمران وقرأ فيها كلمة (يسجدون) فالبعض سجد والبعض لم يسجد؛ لأنهم لا يعرفون مواضع سجود التلاوة.
стр. 207
مشروعية سجود التلاوة
السؤال
هل من السنة أن يسجد الإمام لسجود التلاوة أم لا؟
الجواب
نعم، من السنة أن يسجد، وذلك حتى يعلم الناس الحكم الشرعي.
стр. 208
من مواضع سجود التلاوة
السؤال
في آخر سورة العلق قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩]، سجدة تلاوة، فهل نسجد؟
الجواب
نعم، ثم نكبر للقيام، ثم نكبر للركوع، أو نقرأ ما شئنا إن أردنا ذلك، ثم نكبر للركوع، فيجوز هذا وذاك.
стр. 209
التكبير عند السجود للتلاوة وعند الرفع منه
السؤال
هناك رأي يقول: بعدم التكبير عند السجود للتلاوة وعند الرفع منه، فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
هذا رأي شاذ في الفقه، والذي عليه الجمهور التكبير عند السجود والرفع.
стр. 210
حكم إقامة الجمعة في المسجد الصغير بجوار المسجد الجامع
السؤال
ما رأيكم في المساجد الصغيرة التي تقام فيها صلاة الجمعة، وبينها وبين المسجد الآخر الكبير مسافة قصيرة، وربما قد تكون أصوات المكبر متداخلة؟
الجواب
في الحقيقة هذا موضوع خطير جداً، وانتشار المساجد تحت العمارات وصلاة الجمعة فيها يخالف مقصود الجمعة، ويشتت كلمة المسلمين، ويحدث الفرقة؛ لأنه لابد من الصلاة للجمعة في مسجد جامع، وعليه فتغلق بقية المساجد في صلاة الجمعة، وهذا هو الدين، أما ما نراه اليوم من أن كل عشرة في مسجد، أو كل ثلاثين في مسجد، أو كل عشر عمارات في مسجد، فهذا تهريج وليس ديناً أبداً، ولعل وزير الأوقاف أصدر قراراً في المديريات يقتضي إغلاق هذه المساجد يوم الجمعة، مع أن القرار لم يطبق بعد، والشرع ألزم بأنه لابد أن تقام الجمعة في مسجد جامع، وبعض الفقهاء يقول: إن كان في المسجد الجامع متسع وصلى البعض في مسجد آخر فصلاتهم باطلة.
والشيخ عبد الرزاق عفيفي في فتاويه في المجلد الأول أشار إلى إن كان المسجد الجامع فيه متسع وصلى البعض في مسجد آخر فصلاة الجمعة باطلة.
стр. 211
حكم إقامة الجمعة في المسجد الجامع القائم على البدعة
السؤال
ما حكم إقامة الجمعة في المسجد الجامع القائم على غير السنة؟
الجواب
الجواب يحتاج إلى تفصيل، فإن كان فيه بدع شركية فلا يجوز، كأن يوجد به قبر، أو أن يطلب المدد فيه من غير الله، وإن كانت فيه بدع تعبدية فيجوز؛ لأن منهج أهل السنة الصلاة خلف المبتدع، كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى.
стр. 212
وجوب الصبر على أذى الوالدين
السؤال
أمي ألقت علي الشتائم وحرضت والدي على ضربي بدون أي سبب، وقد فكرت أن أغادر المنزل وأذهب إلى بلدة أخرى، كما أنني قد عزمت على أن أضرب أمي، ولكن خوفاً من الله لم أفعل ذلك، وقد تحولت للطب النفسي بسبب هذه المشاكل، فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
أسأل الله أن يجزيك، وإياك إياك يا عبد الله أن تمد يدك على أمك أو أبيك، فهذه كبيرة أسأل الله أن يجنبك إياها، وإن فعلت الأم ما فعلت، فلابد أن تقابل الإساءة بالحسنى، يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤]، فلا يجوز أبداً في حال من الأحوال أن يدور في ذهنك هذا الأمر الشيطاني.
стр. 213
حكم إخراج زكاة الفطر قيمة
السؤال
ما حكم إخراج زكاة الفطر قيمة، وأرجو ذكر بعض الأدلة لإبلاغ السائلين؟
الجواب
جاء في حديث ابن عمر عند البخاري: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج زكاة الفطر أو صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من أرز، أو صاعاً من أقط)، إلى آخر الحديث، والسؤال هنا: هل كان في زمن النبي ﷺ عملة أم لا؟ نعم، كان هناك عملة؛ لكن لم يخرجها عملة، لأن الشرع هو الذي يعلم مصلحة الفقير، وهذا هو رأي جمهور العلماء من أنها لا بد أن تخرج عيناً، بخلاف الأحناف الذين يقولون بجواز إخراج القيمة، وقولهم هذا مرجوح؛ لأن استدلالهم بالقياس، ولا قياس مع وجود نص، وهذه كمسألة: إن ماتت الزوجة فلا يجوز لزوجها أن يغسلها عند الأحناف؛ لأن عقد الزوجية قد انتهى، وهذا كلام باطل، وقياس فاسد؛ لأنه صادم نصوصاً، ومنها: أن عائشة قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ إلا زوجاته، وأيضاً فقد غسل بعض الصحابة زوجته والعكس، ومن ذلك: أسماء بنت عميس مع أبي بكر وعلي مع فاطمة، وفعل الصحابة حجة، لأنه في حكم الرفع، بينما لو أعطي الفقير مالاً فلربما أخذ بها سجائر، فهل أنت ضامن لذلك؟ فنحن نريدها طعمة للفقير في يوم العيد: (أغنوهم عن ذل المسألة)، وهو يذهب ليشتري شيئاً يضره! وهناك زكاة المال والصدقة تخرج مالاً، ثم إن المتأمل في حال الأمة يجد أن هناك عدم رشد في الإنفاق، فيبيت جائعاً ونائماً على الحصير في الأرض ومعلق دش، أو أتى بتلفاز ملون! ولذا فتمكين الفقير من المبلغ قد يكون سبباً في إنفاقه في غير ما يرضي الله .
стр. 214
إخراج زكاة الفطر من غالب قوت البلد
السؤال
إذا أردنا أن نخرج زكاة الفطر، فهل نخرجها من تمر أم من بر أم من ماذا؟
الجواب
تخرج زكاة الفطر من غالب قوت أهل البلد، وإن أردت أن تخرجها نقداً فوكل الفقير، أي: تقول له: هذه صدقة فطر وهي إطعام، وأنت وكيلي، فتشترط عليه.
وتخرج من أي طعام يقتات، من تمر مكرونة أرز لبن جاف لحم وغير ذلك مما يقتات.
وممكن للمقيمين على المسجد أن يتولوا جمع الزكاة ويوزعونها هم على الفقراء.
стр. 215
ورود الرجم في الشريعة الإسلامية
السؤال
يدعي بعض من يظهر في القنوات الفضائية أن القرآن لم يرد فيه ولا آية واحدة تأمر برجم الزاني المحصن، فما قولكم؟
الجواب
لقد رجم رسول الله ﷺ ماعزاً والغامدية، ورجم أبو بكر ورجم عمر، وإجماع علماء الأمة على وجود الرجم، خلافاً للخوارج، وكان في القرآن آية ثم نسخت تلاوة لا حكماً، كما قال عمر، وهناك أيضاً أحاديث في الصحيحين، لكن المشكلة أن هؤلاء لا يقولون: إن السنة مصدر من مصادر التشريع، وإنما القرآن فقط، لكن قد يقال لهم: إن السنة وحي، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
ويمكن أيضاً أن نسأل هؤلاء فنقول: إن صلاة الظهر أربع ركعات، فهل وردت آية في القرآن بذلك؟ سيقول لك: أنا لا أصلي! إذاً هو ليس بعلماني فقط، بل هو علماني خبيث، والطامة الكبرى أن يظهر من مثل هؤلاء في القنوات الفضائية، ويلقون بمثل هذه الشبهة، والأعجب ألا تجد العلماء الراسخين في العلم يظهرون في مثل هذه القنوات؛ لأنه لا يُسمح لهم، بل يتصدر الناسَ أناس جهلاء ممن ينتسبون إلى الطرق الصوفية وغيرها من الطرق المنحرفة، كالطريقة الأحمدية، والخلوتية والشاذلية والبرهانية وغيرها، وهذه قصة تبين جهل وانحراف أصحاب هذه الطرق: فعندما دخلت فرنسا إلى الجزائر قيل للشيخ التيجاني كبير الطريقة هناك: يا شيخ! الاستعمار على باب البلاد، فهيا لنجاهد، قال: اتركوهم يدخلوها، والحمد لله فلقد رأيت جنرال فرنسا بالأمس في الرؤيا وأنا آخذ بفرسه، وكان أمر الله قدراً، تفضلوا وافتحوا لهم البلاد.
إن الذي ضيع البلاد أمثال هؤلاء الذين يمسخون من الدين فريضة الجهاد، والجهاد عندهم إنما هو جهاد على المسبحة، سبحان الله ثلاثة آلاف، الله أكبر عشرة آلاف، باسم الله خمسين ألفاً، فهذا هو الجهاد عندهم، وكذلك في حلقات الرقص التي يسمونها بحلقات الذكر فقط، فهؤلاء هم الذين تتاح لهم كل الإمكانيات لتتكلم، والناس تسمع ولا حرج، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
следующие страницы →