Полный текст (295 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
حكم إقامة الجمعة في المسجد الجامع القائم على البدعة
السؤال
ما حكم إقامة الجمعة في المسجد الجامع القائم على غير السنة؟
الجواب
الجواب يحتاج إلى تفصيل، فإن كان فيه بدع شركية فلا يجوز، كأن يوجد به قبر، أو أن يطلب المدد فيه من غير الله، وإن كانت فيه بدع تعبدية فيجوز؛ لأن منهج أهل السنة الصلاة خلف المبتدع، كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى.
стр. 212
وجوب الصبر على أذى الوالدين
السؤال
أمي ألقت علي الشتائم وحرضت والدي على ضربي بدون أي سبب، وقد فكرت أن أغادر المنزل وأذهب إلى بلدة أخرى، كما أنني قد عزمت على أن أضرب أمي، ولكن خوفاً من الله لم أفعل ذلك، وقد تحولت للطب النفسي بسبب هذه المشاكل، فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
أسأل الله أن يجزيك، وإياك إياك يا عبد الله أن تمد يدك على أمك أو أبيك، فهذه كبيرة أسأل الله أن يجنبك إياها، وإن فعلت الأم ما فعلت، فلابد أن تقابل الإساءة بالحسنى، يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤]، فلا يجوز أبداً في حال من الأحوال أن يدور في ذهنك هذا الأمر الشيطاني.
стр. 213
حكم إخراج زكاة الفطر قيمة
السؤال
ما حكم إخراج زكاة الفطر قيمة، وأرجو ذكر بعض الأدلة لإبلاغ السائلين؟
الجواب
جاء في حديث ابن عمر عند البخاري: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج زكاة الفطر أو صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من أرز، أو صاعاً من أقط)، إلى آخر الحديث، والسؤال هنا: هل كان في زمن النبي ﷺ عملة أم لا؟ نعم، كان هناك عملة؛ لكن لم يخرجها عملة، لأن الشرع هو الذي يعلم مصلحة الفقير، وهذا هو رأي جمهور العلماء من أنها لا بد أن تخرج عيناً، بخلاف الأحناف الذين يقولون بجواز إخراج القيمة، وقولهم هذا مرجوح؛ لأن استدلالهم بالقياس، ولا قياس مع وجود نص، وهذه كمسألة: إن ماتت الزوجة فلا يجوز لزوجها أن يغسلها عند الأحناف؛ لأن عقد الزوجية قد انتهى، وهذا كلام باطل، وقياس فاسد؛ لأنه صادم نصوصاً، ومنها: أن عائشة قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ إلا زوجاته، وأيضاً فقد غسل بعض الصحابة زوجته والعكس، ومن ذلك: أسماء بنت عميس مع أبي بكر وعلي مع فاطمة، وفعل الصحابة حجة، لأنه في حكم الرفع، بينما لو أعطي الفقير مالاً فلربما أخذ بها سجائر، فهل أنت ضامن لذلك؟ فنحن نريدها طعمة للفقير في يوم العيد: (أغنوهم عن ذل المسألة)، وهو يذهب ليشتري شيئاً يضره! وهناك زكاة المال والصدقة تخرج مالاً، ثم إن المتأمل في حال الأمة يجد أن هناك عدم رشد في الإنفاق، فيبيت جائعاً ونائماً على الحصير في الأرض ومعلق دش، أو أتى بتلفاز ملون! ولذا فتمكين الفقير من المبلغ قد يكون سبباً في إنفاقه في غير ما يرضي الله .
стр. 214
إخراج زكاة الفطر من غالب قوت البلد
السؤال
إذا أردنا أن نخرج زكاة الفطر، فهل نخرجها من تمر أم من بر أم من ماذا؟
الجواب
تخرج زكاة الفطر من غالب قوت أهل البلد، وإن أردت أن تخرجها نقداً فوكل الفقير، أي: تقول له: هذه صدقة فطر وهي إطعام، وأنت وكيلي، فتشترط عليه.
وتخرج من أي طعام يقتات، من تمر مكرونة أرز لبن جاف لحم وغير ذلك مما يقتات.
وممكن للمقيمين على المسجد أن يتولوا جمع الزكاة ويوزعونها هم على الفقراء.
стр. 215
ورود الرجم في الشريعة الإسلامية
السؤال
يدعي بعض من يظهر في القنوات الفضائية أن القرآن لم يرد فيه ولا آية واحدة تأمر برجم الزاني المحصن، فما قولكم؟
الجواب
لقد رجم رسول الله ﷺ ماعزاً والغامدية، ورجم أبو بكر ورجم عمر، وإجماع علماء الأمة على وجود الرجم، خلافاً للخوارج، وكان في القرآن آية ثم نسخت تلاوة لا حكماً، كما قال عمر، وهناك أيضاً أحاديث في الصحيحين، لكن المشكلة أن هؤلاء لا يقولون: إن السنة مصدر من مصادر التشريع، وإنما القرآن فقط، لكن قد يقال لهم: إن السنة وحي، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
ويمكن أيضاً أن نسأل هؤلاء فنقول: إن صلاة الظهر أربع ركعات، فهل وردت آية في القرآن بذلك؟ سيقول لك: أنا لا أصلي! إذاً هو ليس بعلماني فقط، بل هو علماني خبيث، والطامة الكبرى أن يظهر من مثل هؤلاء في القنوات الفضائية، ويلقون بمثل هذه الشبهة، والأعجب ألا تجد العلماء الراسخين في العلم يظهرون في مثل هذه القنوات؛ لأنه لا يُسمح لهم، بل يتصدر الناسَ أناس جهلاء ممن ينتسبون إلى الطرق الصوفية وغيرها من الطرق المنحرفة، كالطريقة الأحمدية، والخلوتية والشاذلية والبرهانية وغيرها، وهذه قصة تبين جهل وانحراف أصحاب هذه الطرق: فعندما دخلت فرنسا إلى الجزائر قيل للشيخ التيجاني كبير الطريقة هناك: يا شيخ! الاستعمار على باب البلاد، فهيا لنجاهد، قال: اتركوهم يدخلوها، والحمد لله فلقد رأيت جنرال فرنسا بالأمس في الرؤيا وأنا آخذ بفرسه، وكان أمر الله قدراً، تفضلوا وافتحوا لهم البلاد.
إن الذي ضيع البلاد أمثال هؤلاء الذين يمسخون من الدين فريضة الجهاد، والجهاد عندهم إنما هو جهاد على المسبحة، سبحان الله ثلاثة آلاف، الله أكبر عشرة آلاف، باسم الله خمسين ألفاً، فهذا هو الجهاد عندهم، وكذلك في حلقات الرقص التي يسمونها بحلقات الذكر فقط، فهؤلاء هم الذين تتاح لهم كل الإمكانيات لتتكلم، والناس تسمع ولا حرج، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 216
حكم الموسيقى وإنكار وجود الجنة والنار والبعث
السؤال
قال لي أستاذ دكتور في كلية الدعوة الإسلامية وأستاذ تفسير وعلوم قرآن: الغناء بالموسيقى الهادئة حلال، فما رأيكم؟
الجواب
موسيقى هادئة!! ما هذا؟ ودكتور آخر في كلية الآداب جامعة الزقازيق قسم اللغة العربية يدخل المدرج ويقول لطلابه: يا أولاد! هل تظنون أن الجنة والنار موجودتان بعد؟! وهل هناك بعث؟ الجنة يا أبنائي! مثل ما تكون أنت نائم وتأكل أشياء حلوة.
فهذا ينكر البعث للأجساد، وينكر وجود الجنة والنار، ويقول: إنما هي رؤيا منامية، يعني: أن العذاب والنعيم في المنام بعد الموت هو كالنائم الذي يرى ويطلق له الحبل ويقول ما شاء، وهؤلاء الأساتذة يقولون هذا الكلام ولا رقيب عليهم، ولا تثريب عليهم، ولا لوم عليهم، إنما اللوم على أصحاب المنهج الصحيح، الذين يقال عنهم: رجعيون، متخلفون، متحجرون، متزمتون، يريدون أن يعودوا إلى عصور الظلام.
فيا أخي الفاضل! هذا الرجل لا يناقش؛ لأنه عرف الحق وجحده.
стр. 217
حكم صيام المغتاب والكذاب
السؤال
ما قولكم في رجل يصوم وفي أثناء صومه يغتاب ويكذب؟
الجواب
ليس الصيام الامتناع عن الأكل والشرب فقط وإنما الصيام من جميع المفطرات، الحسية والمعنوية، وفي الحديث: (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش).
стр. 218
حكم شركة بزناس
السؤال
ما قولكم في موقع في الإنترنت يسمى بـ (شركة بزناس)؟
الجواب
هذه الشركة تسمى بزناس، وهي نوع من المقامرة التي لا تجوز، وكيفيتها: أن أحد الإخوة يشتري موقعاً في الإنترنت بخمسمائة وخمسين جنيهاً، ثم إن هذا المشتري يقنع اثنين تحته بأن يشتروا موقعاً، وهذان الاثنان يقنعان اثنين حتى يصل العدد إلى تسعة، وعند ذلك يأخذ خمساً وخمسين دولاراً.
стр. 219
أصح صيغ التشهد
السؤال
هناك صيغ عدة للتشهد، فما هي أصح وأوثق صيغ التشهد؟
الجواب
صيغة التشهد الصحيحة وردت في حديث ابن مسعود ﵁، يقول ابن مسعود ﵁: (أخذت التشهد من النبي ﷺ وكفي بين كفيه -يعني: بين يديه- قال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، وهذه الصيغة أصح وأوثق من الصيغة التي وردت في حديث ابن عباس وكعب بن عجرة، يقول ابن حنبل: وهي أوثق الصيغ في مذهبي، لأن ابن مسعود أخذها من فم النبي ﷺ مباشرة، حيث قال: (أخذتها وكفي بين كفيه)، وكل الصيغ جائزة في الصلاة.
стр. 220
حكم السواك للصائم
السؤال
هل يجوز السواك للصائم؟
الجواب
الراجح أن السواك يجوز ما لم يكن معطراً؛ لأن النبي ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ولم يفرق بين صائم ومفطر، بل في كل الأوقات.
стр. 221
حكم القنوت في صلاة الفجر
السؤال
هل يجوز القنوت في الفجر فقط؟
الجواب
لا يجوز إلا إذا كان الإمام يقنت وأنت تصلي خلفه، قال شيخ الإسلام في الفتاوى: اقنت ولا تحدث فتنة، ويقول أيضاً: إن صليت خلف إمام يقنت فاقنت معه، أما إن كنت إماماً فلا تقنت إلا في الفروض الخمسة، وعلى كلٍ فالخلاف سائغ في هذه المسألة، فعند الشافعي أنه إن لم يقنت يسجد للسهو، ويسع الأمة أن تأخذ بأي قول، ولا يجوز أن نحجر أو ننكر على أي أحد، لكن الأرجح والأولى أن يقنت في الصلوات الخمس، ولا ينبغي إحداث الفتن في المساجد، لأن بعض الناس قد يسمع أن بعض الأشياء بدعة فيذهب إلى مكان آخر أو إلى قريته ويقول: إن ذلك بدعة، وتحدث عند ذلك فتنة، فلابد أن يعرف فقه التغيير، وفقه الأولويات، وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 222
حكم إظهار الأعمال الصالحة للاقتداء
السؤال
ما قولكم فيمن يجهر بصلاته أو أي عبادة أخرى لكي يقتدي به الناس؟
الجواب
كل ذلك يعود على الباعث والقصد والنية، فإن كان قصده شرعياً فيجوز، وإن كان قصده غير شرعي، كأن يرائي بعمله فلا يجوز، والله تعالى أعلم.
стр. 223
تفسير سورة المزمل [١]
من أوائل ما نزل على النبي ﷺ سورة المزمل، وهي سورة تعالج أحوال الأمة؛ فإن صلاح الأمة هو بتمسكها بكتاب ربها وسنة نبيها؛ ولذلك أمر الله نبيه في مطلع السورة بقيام الليل وبقراءة القرآن الكريم وتدبره إذ كان لا يزال بمكة، فدل ذلك على أن المخرج من الأزمات والفتن هو تدبر كلام الله والعمل به، وقيام الليل فيه صلاح للبدن من الأمراض، وهو سبيل عباد الله الصالحين، وهو شرف للعبد، كما أخبر بذلك النبي ﷺ .
стр. 224
بين يدي تفسير سورة المزمل
الحمد لله رب العالمين، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، بيده الخير، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! لقاؤنا اليوم بحول الله وفضله وتوفيقه ينقسم إلى قسمين: في اللقاء الأول نعيش مع مطلع سورة المزمل، وفي اللقاء الثاني نلقي النظر على قضية تعقد لها المؤتمرات، وترصد لها ملايين الدولارات، وتعد فيها الأبحاث من أهل العلم ومن سواهم، وتكثر فيها الآراء إلا وهي: قضية ختان الإناث، وربما يسأل سائل وله أن يسأل: لم لم تطرح قضية ختان الذكور على طاولة البحث والمفاوضات؟
و
الجواب
أن هذا لسبب واحد رئيسي وهو أن الختان للذكور مشروع عند اليهود، فاليهود تختن ذكورها، فلا يجوز لأحد أن يناقش قضية يفعلها اليهود؛ لأنهم هم الذين يحركون لنا القضايا، من آخر الأمر أبحاث علمية سأذكرها لكم فضلاً عن مؤتمر عقد بسويسرا يحمل هذا العنوان: تشويه المرأة جنسياً، يسمون عمليه الختان: تشويهاً، واصطحبت معي كتاباً صغيراً لشيخ الأزهر السابق فضيلة الشيخ: جاد الحق سأقرأ منه نصوصاً؛ حتى ألقم المخالف حجراً في جوفه، وهذه النصوص من مذهب الشافعية، والمالكية، والأحناف، والحنابلة، والظاهرية، ورأي أئمة العلم، وفقهاء الأمة، وماذا قالوا، هل هو مشروع أم ليس له أصل في الشرع؟ والحقيقة أن الأمر في هذه القضية واضح بين، ولكن لها أيد تحركها لمصالح وحسابات، سأذكر طرفاً منها.
أيها الإخوة! وحتى لا نقطع الحديث مع كتاب الله نعود إلى سورة المزمل، ونبدأ مع آياتها الأولى بحول الله وفضله وتوفيقه، يقول ربنا سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا * إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا * فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل:١ - ١٨].
نكتفي بهذا القدر من هذه السورة المباركة سورة المزمل، وهي سورة مكية، باتفاق أهل العلم، نزلت على النبي ﷺ في أول البعثة مع سورة المدثر، فما معنى المزمل؟ هل هو اسم من أسماء النبي ﵊؟ نقول أيها الإخوة الكرام: توسع قوم في أسماء نبينا ﵊، وأسماؤه توقيفية، تتوقف على النص والدليل، وهو القائل: (اسمي محمد وأحمد، والم
стр. 225
تفسير قوله تعالى: (يا أيها المزمل)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل:١ - ٢]، طريقنا إلى تحرير الأقصى قيام الليل، طريقنا إلى إعادة شرع الله قيام الليل؛ لأننا إن لم نستطع أن نجاهد الشهوات والنفوس، فلن نستطيع أن ننتصر على عدونا، أول أمر كان للنبي ﵊ ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل:٢] مجاهدة، ومثابرة، وطاعة، فلما قام النبي ﷺ الليل هو ومن معه من الصحابة كان الأمر بعد ذلك بالأمور والتكاليف الشرعية، ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢]، ولذلك وضع البخاري في كتابه الصحيح كتاباً بعنوان: كتاب التهجد.
وهو أول كتاب في المجلد الثالث، لماذا كتاب التهجد؟ لأن قيام الليل شعار الصالحين، ودأب المتقين، ومن ثم كان النبي ﵊ يثب من على فراشه وثباً ويوقظ أهله، بل ذهب إلى بيت فاطمة ليوقظها بالليل هي وعلياً زوجها قال: (يا علي يا فاطمة لا تزالان نائمان، قوما للصلاة، فقال علي: يا رسول الله إن نفوسنا بيد الله، أخذ بنفسنا الذي يأخذ بنفوس الخلائق، لو شاء الله بعثنا من نومنا، فانطلق النبي ﷺ دون أن يرد عليه وهو يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]).
(واستيقظ ﷺ يوماً وهو يقول: لا إله إلا الله، رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة، من يوقظ صويحبات الحجر)، يعني: زوجات النبي ﵊.
وقال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، لقد فتح من ردم يأجوج ومأجوج هكذا، وحلق بأصبعه السبابة والإبهام، فقالت زينب بنت جحش: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث).
فأصحاب المعاصي سيتسببون في إغراق السفينة، ولن نتركهم سنأخذ على أيديهم، إذا كثر الخبث وعمت الفاحشة فسينهار المجتمع.
وكان النبي ﵊: (يقوم من الليل حتى تفطرت قدماه) أي: تشققت.
وفي البخاري عن حذيفة قال: (صليت بجوار النبي ﵊ بالليل -دون ترتيب ولا دعوة، وإنما عرضاً- فقرأ البقرة كاملة، فقلت: لعله يركع، فقرأ النساء كاملة، فقلت: لعله يركع، فقرأ آل عمران كاملة، فقلت: لعله يركع، وكان ركوعه نحواً من قيامه، وما مر بآية فيها ثناء إلا وأثنى على الله، ولا بآية فيها ذكر الجنة إلا سأل من فضله، ولا بآية فيها ذكر النار إلا استعاذ بالله من النار) ﷺ .
وتقول أمنا عائشة: (تفقدت الفراش يوماً فلم أجد النبي ﷺ بجواري -قام من فراشه دون أن تشعر به الزوجة، هذا دأب الصالحين- فتحسسته بالحجرة فوجدته ساجداً بين يدي ربه وقد ابتلت الأرض من دموعه ﷺ وهو يناجي ربه قائلاً: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، وعند البخاري عنه ﷺ أنه قال: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه).
انظروا إلى واقعنا أيها الإخوة الكرام في صلاة الفجر فقط، ونريد بعد ذلك أن نحرر أرض الإسلام، وأن نجاهد، وأن نقاتل، هذا كذب في الدعوى، فنحن لم نتحرر من شهوات أنفسنا، ولذلك إخوتي الكرام انظروا إلى حال الصحابة لما نزلت هذه الآية، قاموا مع النبي ﷺ سنة كاملة، وما نزل النسخ إلا بعد سنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] أي: طلباً للرزق، ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠]، هنا نسخ قيام الليل من الوجوب إلى الاستحباب، كما يقول البخاري في صحيحه، وكما هو الرأي الراجح عند العلماء.
أيها الإخوة الكرام! الأحاديث في قيام الليل كثيرة، قال عبد الله بن عمر كان الصحابة بعد الفجر يقصون على النبي ﷺ رؤياهم فيفسرها ويؤولها لهم، يقول ابن عمر: (وددت لو أني أرى رؤيا حتى أنال ذلك الشرف، فبينما أنا ن
стр. 226
تفسير قوله تعالى: (أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً)
قال الله تعالى: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤] أي: اقرأ القرآن مرتلاً مترسلاً، على مهل، وتدبر ما تقرأ، فالتعجل بقراءته ليس من السنة، كان النبي ﵊ يقيم الحروف، ويمدها، ولا يكن همك آخر السورة بقدر ما يكون همك هو التدبر والتأمل.
قال : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤]، قال العلماء: والترتيل هو إعطاء كل حرف حقه ومستحقه.
أي: أنك تخرج الحرف من مخرجه، وتقرأ بترتيل وبتدبر، قال ابن الجزري: والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن آثم ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥] (قولاً ثقيلاً) هناك أربعة آراء للعلماء منها: الأول: أن الوحي حينما ينزل على النبي ﷺ كان يتفصد جبينه عرقاً في اليوم الشديد البرودة من ثقل الوحي عليه، يقول زيد بن ثابت: (كنت أجلس بجوار النبي ﷺ ، وقدمه تعلوا قدمي فأنزل الله عليه من سورة النساء: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥]، فقال ابن أم مكتوم -وكان رجلاً أعمى-: يا رسول الله إني أحب أن أجاهد ولا يمنعني من الجهاد إلا أنني أعمى، فكيف لا أستوي مع المجاهد، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] يقول زيد: فكادت قدمي تتحطم من ثقل رسول الله)، هذا من ثقل الوحي الذي ينزل على النبي ﵊.
قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥].
وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]، فما بالنا نسمع القرآن والقلوب لا تتحرك، أصبحت قلوبنا أقسى من الجبال في صلابتها، قلوبنا تجمدت وتحجرت، ماذا حدث للقلوب أيها الإخوة الأحباب؟ لقد قرأ عمر بن الخطاب ﵁ في سورة مريم، فوصل إلى قول الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، فنزل وسجد وسجد الناس معه، فصعد بعد ذلك، فنظر إلى الوجوه فلم يجد أحداً يبكي، فقال: أيها الناس هذا السجود فأين البكاء؟! الله سبحانه يقول: (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) أنتم سجدتم لكن أين البكاء؟ صفتكم ليست هي الصفة المطلوبة، من جمود العين وقسوة القلب، اسمع لـ عبد الله بن الشخير يقول: (دخلت على النبي ﷺ وهو يصلي، فسمعت لصدره أزيزاً كأزيز المرجل من البكاء من خشية الله)، أزيز المرجل: هو الماء الذي يغلي، هكذا كان يسمع لصدر النبي ﵊ من البكاء من خشية الله، لم يبك بصوت مرتفع، إنما كانت الدموع تنحدر على خده عند قراءة القرآن، وهذا شعار المتقين ودأب الصالحين، قال النبي ﷺ لـ ابن مسعود: (اقرأ علي القرآن، قلت: يا رسول الله أقرؤه عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمع القرآن من غيري، فقرأ ابن مسعود من سورة النساء، حتى وصل إلى قول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢] فقال النبي لـ ابن مسعود: حسبك، قال: فنظرت إلى وجهه فإذا عيناه تذرفان الدموع)، والشاهد من النص أن ابن مسعود لم يدر ببكاء النبي ﷺ إلا لما نظر إليها، فلم يسمع صوت بكاءه، إنما نظر إلى وجهه فوجد دموع النبي ﷺ على خده.
القول الثاني للعلماء: أنه ثقيل في أحكامه، في أوامره في نواهيه، ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]، أي: أن أوامر القرآن كبيرة، لكن على العصاة، أما الذين خففها الله عليهم يستقبلون الأوامر في سعة ورحابة صدر وخفة.
القول الثالث للعلماء: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥] أن قيمته ليس ككل الأقوال، وإنما له قيمة عظيمة.
стр. 227
تفسير قوله تعالى: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً)
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [المزمل:٦] أي: قيام الليل أشد موافقة لنفسك وللسانك ولقلبك، فعبادة الليل أفضل من عبادة النهار، فإن الليل تسكن فيه العيون، وتهدأ فيه الأصوات، ويقوم العبد في هدوء الليل وسكونه بين يدي ربه، يقوم طويلاً يناجي ربه ويسبحه، ويسجد ويركع بين يدي ربه ، وهذه نعمة كما قال عنها بعض السلف: نحن في نعمة لو يعلمها الملوك وأبناء الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف.
إنها نعمة الطاعة، ولذة المناجاة، ولذة السجود والركوع والتسبيح والدعاء.
قال الله في حق عباده المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
وقال الله في وصفهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦] خوفاً من ناره، وطمعاً في جنته.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦] أي: أشد إخلاصاً في العبادة، ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:٧] (سبحاً) أي: وقت النهار طويل تستطيع فيه أن تنهي الأعمال، وأن تنام لتتزود لقيام الليل، ولذلك يقول ربنا: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧]، والمعنى: إن فرغت من أعمالك ومن شئونك الدنيوية فانصب إلى عبادة ربك.
فقول الله : ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:٧] في النهار عمل وراحة، فإذا جاء الليل فقل مرحباً بحبيبي الذي أناجي فيه ربي، وأخلو فيه مع نفسي، كان البخاري ﵀ يقسم الليل إلى ثلاثة أقسام: قسم ينام فيه، وقسم يصلي فيه، وقسم يكتب فيه الحديث عن النبي ﵊، وجاء في ترجمته: أنه انطفأ السراج يوماً وهو يكتب الحديث في آخر الليل فجلس حزيناً على ضياع الوقت، فأضاء الله له أصابعه نوراً، فكتب عليها حديث رسول الله.
وأنا أعلم أن معترضاً سيقول: كيف ذلك؟ فأقول: كرامات الأولياء ثابتة، فـ عباد بن بشر وأسيد بن حضير كانا عند النبي ﷺ فخرجا في ظلمة الليل بعد العشاء منطلقين إلى بيتيهما، وكان مع كل واحد عصا فلما خرجا في الظلام أضاء الله عصا أحدهما فأضاءت لهما الطريق، فلما أرادا الانفصال أضاءت العصا الأخرى.
فهذا ليل الصالحين، فكيف ليلنا الآن؟ أين تقضى ساعات هذا الليل؟ تقضى في سهرة حمراء إلى طلوع الفجر، نسأل الله العافية، هذا حال الأمة، حتى إنهم حينما يعرضون المسرحية يقولون: إن بها ألف ضحكة، والنبي ﷺ يقول: (كثرة الضحك تميت القلب)، فهم يدعون إلى موت القلوب، ويتنافسون في إماتة القلوب، إنها حرب بين أهل الحق وأهل الباطل، إنها حرب بين المتقين والمفسدين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١١ - ١٢].
يقول الله : ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨] (تبتل) يعني: انقطع، ولعل معترضاً يقول: النبي ﷺ نهى عثمان بن مظعون عن التبتل، فكيف يأمره الله بالتبتل؟ والجواب: أن التبتل هنا بخلاف التبتل في الحديث، فالجهة منفكة؛ تبتل ابن مظعون عن الزواج، وعن شئون الدنيا المباحة، أما التبتل في الآية: فهو الانقطاع عن عبادة الأوثان والأصنام إلى عبادة الواحد الديان.
فقوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨] أي: اخلص له العبادة وحده لا شريك له؛ لأنه لا يستحق العبادة إلا هو الخالق الرازق، الذي يملك جلب النفع، ودفع الضر، فلا تصرف العبادة إلا له، اجعل العبادات كلها له .
وقوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٨ - ٩] أي: توكل عليه ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل:١٠].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 228
تعريف الختان وبيان أقوال العلماء في مشروعيته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيا أيها الإخوة الكرام! إن الإسلام يعاني من فريقين: الفريق الأول: ينتسبون إليه وهم من جلدتنا، ويتحدثون بألسنتنا، ولكنهم يطعنون في البنيان من الداخل.
الفريق الثاني: هم أعداؤنا، وعداوتهم ظاهرة واضحة: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠].
إن قضية الختان قضية يسيره، بسطها كل الفقهاء في كتبهم، لكننا أحياناً نغض الطرف عما قالوا، وأذكر لكم معنى الختان أولاً، ثم رأي الأئمة الأربعة فيه، ثم أقوال أهل العلم قاطبة، ثم الأدلة على مشروعية الختان في حق الذكور والإناث.
الختان: من ختن، وهو قطع القلفة من الذكر، والخفض عند الأنثى، وهو القطع من الجزء الذي يعلو مجرى البول بقدار عرف الديك، بشرط أن يكون القطع للأنثى يسيراً مهذباً، حتى لا يعرضها لبرود جنسي، لذلك الخفض للمرأة، والقطع للذكر كما قال الفقهاء، هذا هو تعريف الختان.
أما عن أقوال الفقهاء فاسمعوا ماذا قال أئمة الإسلام: قال الشافعي: الختان واجب للذكور والإناث.
وقال أحمد بن حنبل: هو واجب للذكور، ومكرمة في حق الإناث، ورواية أخرى عنه: الوجوب.
وقال مالك وأبو حنيفة: هو سنة للرجال، مكرمة للنساء.
إذاً: نستطيع أن نقول: إن أئمة الإسلام ذهبوا إلى مشروعيته، إنما الخلاف في الحكم، هل هو واجب أم مستحب؟ ولم يقل أحد: إنه غير مشروع أو أنه ليس من الدين.
اسمع إلى هذا الحديث المتفق عليه: (من سنن الفطرة عشر)، والفطرة هنا بمعنى الطريقة أو السنة، ليس بمعناها عند الأصوليين وإنما هي بمعنى الطريقة، يقول النبي ﷺ : (فمن رغب عن سنتي فليس مني).
قال ﷺ : (من سنن الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وحف الشارب، وإعفاء اللحية)، هذه من سنن الفطرة، فالختان من سنن الفطرة، أي: الطريقة التي هي شعيرة من شعائر هذا الدين.
لذلك اسمع إلى ما قال الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر، ومن هنا اتفقت كلمة الفقهاء على أن الختان للرجال والنساء، وأنه من فطر الإسلام وشعائره وأنه أمر محمود، ولم ينقل عن أحد من فقهاء المسلمين -فيما طالعنا من كتبهم- قول بمنع الختان للرجال والنساء، وشيخ الأزهر يقول: لم ينقل عن أحد من فقهاء المسلمين أنهم قالوا بمنع الختان.
واسمع إلى ما نقل من كتاب (الاختيار شرح المختار) في فقه الأحناف: وأشير هنا إلى ما قاله الإمام أبو حنيفة: إنه لو اجتمع أهل مصر -يعني: أهل بلد- على ترك الختان قاتلهم الإمام؛ لأنه من شعائر الإسلام وخصائصه، هذا كلام أحد الأئمة الأربعة، وبعد ذلك تعقد المؤتمرات من السافرات، والعلمانيات والمبنطلات يتحدثن في مشروعيته، ما لكم أنتم، وما لدين الله، دين الله له العلماء والأئمة الأعلام، إن كنتم شافعية عودوا إلى فقه الشافعي إن كنتم مالكية ها هو فقه الإمام مالك، ولكنكم رفضتكم موائد الفقه، أكلتم من موائد إخوان القردة والخنازير.
стр. 229
الضوابط الشرعية في ختان النساء
هناك ضوابط شرعية في ختان الإناث: وهي أنه يجب على ولي الأمر أن يعرض ابنته على طبيبة مسلمة، فإن قررت أن الختان في حقها مكرمة أجرت لها، وإن قررت أنه لا ختان لها، فهذا هو الأولى؛ لأن هناك حالات يشرع لها الختان، وحالات لا يشرع لها الختان، فحينما يزيد البظر عن طول معين فلابد من تهذيبه، لأنه أحضى للزوج، وأنضر للوجه، وتهذيب للشهوة، أما أن تترك البنت هكذا حتى لو كان بظرها طويلاً دون ختان، قال الأطباء المسلمون: إن المرأة غير المختونة عصبية المزاج، حادة الثورة، تثار بأقل فعل للاحتكاك، لذلك قال العلامة ابن تيمية في فتاويه: وكان الرجل يعير قديماً إن لم تكن أمه مختونة، فيقال له: يا بن القلفاء.
يعني: أن أمك تتطلع إلى الرجال أكثر، فإن قال قائل: أحاديث الختان ضعيفة، فأقول: بوب البخاري في كتاب الغسل: باب التقاء الختانين.
أي: ختان الرجل وختان المرأة، (إذا مس الختان الختان وجب الغسل) قد يقول قائل: هو يقول هذا من باب التغليب والتأدب، فأقول: الحديث واضح سنن الفطرة عشر وذكر منها: (الختان)، والله سبحانه يقول: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
وللعلامة ابن القيم كلام نفيس في كتاب (تحفة المودود بأحكام المولود) نقله عن علمائنا، فأريد أن تعودوا إليه.
والعلماء يبحثون القضية، هل الأمر مشروع أو غير مشروع، والكلام لشيخ الأزهر الأسبق، وقد أصدر كتاباً قدم له الدكتور علي الخطيب بكلمة قال فيها: وكم للقتال من أساليب، ومن أحد أساليب القتال هو إنكار شعيرة من شعائر الدين، ألا وهي الختان ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] وجاء الشيخ بأقوال أئمة المذاهب الأربعة وذهب إلى مشروعيته.
إن قال قائل: هو غير مشروع، فأقول له: اخسأ هل أنت أفقه من الشافعي؟ هل أنت أفقه من مالك؟! هل أنت أفقه من ابن حنبل؟! نحن نفهم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، أم أن فقهاء المذاهب الأربعة لم يفهموا النصوص وفهمتها أنت يا رويبضة، يا لكع، وتريد أن تستنبط من النصوص ما عجز أئمة المذاهب عن استنباطه، والشافعي قال بوجوبه، وأحمد قال باستحبابه أو وجوبه، ومالك وأبو حنيفة قالا باستحبابه، أم أن علماء الأمة كانوا لا يفهمون وأنت الذي تفهم، نسأل الله العافية.
أيها الإخوة الكرام الأحباب الأمر واضح بين، فالذين ينادون بمنع الختان مطلقاً يريدون غير ما نريد، يريدون للفاحشة أن تسود في الأمة.
أسأل الله أن يعيننا على أن ندحض آراء المستشرقين والعلمانيين.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.
اللهم اجعلنا من الراشدين.
اللهم استر عوراتنا، واحفظ فروجنا، وحجب نساءنا، وعليك يا رب بأعدائنا.
اللهم وارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، إنك على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 230
تفسير سورة المزمل [٢]
جعل الله النهار وقتاً لقيام العبد بأعماله الدنيوية؛ حتى يتفرغ لعبادة ربه في الليل؛ وذلك لأن النهار مظنة القيام بأعمال الدنيا؛ لما فيه من الصخب، بخلاف الليل فهو مظنة العبادة؛ لما فيه من الطمأنينة والسكون وهدوء البال، وهذا مناسب لقيام العبد بين يدي ربه سبحانه.
стр. 231
تفسير قوله تعالى: (إن لك في النهار سبحاً طويلاً)
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، بيده الخير وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه، وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! نواصل الحديث مع سورة المزمل، ولقد توقفنا عند قول الله سبحانه: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا * إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا * فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل:٧ - ١٩].
﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:٧]، قال المفسرون: (سَبْحًا) بمعنى: شغلاً، في النهار انطلق إلى أعمالك الدنيوية وحصلها، انطلق إلى معاشك وإلى شئون حياتك، في هذه الفترة النهارية القلب ينشغل قليلاً بالأعمال التي ينشغل بها المرء، ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ﴾ [المزمل:٧] أي: فراغاً طويلاً خذه، ثم بعد أن تنتهي من شئون حياتك، تفرغ لعبادة ربك، ولذلك يقول ربنا: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧] والمعنى: إذا فرغت من شئون عملك فانصب إلى عبادة الله ، وعبادة الليل كما قلنا هي أشد مواطأة للقلب من عبادة النهار؛ لأن القلب بالليل ليس هناك ما يشغله، فيقف الإنسان بين يدي ربه وقد انتهى من شئون حياته ومن أعماله.
قال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨]، يقول الحافظ ابن كثير: أكثر من ذكر ربك، فالذكر يعين العبد على أداء رسالته الدعوية وعلى أعماله الدنيوية، والذكر يعطيك قوة في بدنك، وقوة في قلبك، وقوة على مجابهة عدوك، ولذلك يقول النبي ﵊: (مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت)، فالذي يغفل عن ذكر ربه ميت وإن كان بين الأحياء، وكما قال العلماء: كم من ميت بين الأحياء، وكم من حي بين الأموات، إنسان يأكل، ويشرب، ويعمل، ويتزوج، وينجب، لكنه في واقع الأمر ميت، لابتعاده عن ذكر ربه وعن طاعة ربه: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
ولذلك كان وقود النار الناس والحجارة، ولعلك تسأل نفسك: الناس عقلاء، والحجارة جماد، فلماذا جمع الله بين الناس والحجارة في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] ما علاقة الناس بالحجارة؟
و
الجواب
أنهم ليسوا أناساً، وإنما هم في واقع الأمر حجارة، فقد تجمدت عيونهم عن البكاء من خشية الله فهي كالحجارة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، أي: بل أشد قسوة، هناك أناس كالحجارة ليس فيهم لين، ولا عطف، ولا رحمة، قلوب متحجرة قاسية، بل هي أقسى من الحجارة، فحق لهم أن يكونوا وقوداً للنار مع الحجارة، لذلك أمر الله نبيه ﷺ بذكره، فقال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل:٨]، وينبغي أن تعلم أن الفرق بين المنافق والمؤمن ليس مجرد الذكر، بل هو الذكر الكثير؛ لأن المنافق يذكر الله، ولكن كما قال
стр. 232
تفسير قوله تعالى: (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً)
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨]، ورد حديث في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: (نهانا النبي ﷺ عن التبتل، ولو أذن لـ عثمان بن مظعون به لاختصينا)، والمعنى: أنه نهى عثمان بن مظعون عن التبتل، وهو الانقطاع عن طيبات الدنيا، وحبس النفس على الطاعة دون استمتاع بالأمور التي أباحها الله.
والاختصاء: هو أن يمتنع المرء عن الزواج، وعن الطيبات، وعن الحياة الدنيا، وأن يتبتل وينقطع لعبادة الله، وعثمان بن مظعون أراد أن يختصي ليتفرغ لعبادة ربه ، والآية فيها الأمر بالتبتل وهو: الانقطاع عن كل معبود إلا الله ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨]، فحينما تكون الجهة منفكة فمتعلق الأمر يختلف عن متعلق الناس.
والعجب ممن يقول: الإسلام قد نهى عن تعدد الزوجات؛ لأن الله قال في موضع: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣]، وفي موضع آخر قال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:١٢٩]، وهذه معارضة بين النصين: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا)، (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا)، قلنا: الجهة منفكة، فمتعلق هذه الآية يختلف عن الأخرى، والعدل في الآية الأولى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء:٣] هو في المسكن والملبس، وهذا هو العدل المادي المحسوس، أما قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٢٩] فالمقصود بها: العدل القلبي، فقلبك قد يميل إلى واحدة دون الأخرى، وهذا لن تستطيع أن تعدل فيه.
إذاً: العدل في الأولى يختلف عن العدل في الثانية، ولكن الذين يريدون أن يشرعوا للأمة على حسب أهوائهم ضربوا الآيات بعضها ببعض، وقالوا: ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا))، الأصل ألا تعدد، وهكذا بسوء الفهم ضيعوا الأحكام الشرعية.
стр. 233
تفسير قوله تعالى: (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً)
وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٩]، فهو رب المشرق والمغرب، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧].
وقوله سبحانه: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) أي: لا تلجأ إلا إليه، ولا تستعن إلا به، ولا تطلب المدد والعون إلا منه.
والتوكل على الله من أعمال القلوب وهو ثمرة اليقين، وفي الحديث الذي أورده الإمام النووي في كتابه القيم (رياض الصالحين) الباب السابع: باب اليقين والتوكل، حديث عكاشة بن محصن ﵁ وأرضاه، أن النبي ﷺ قال: (عرضت علي الأمم)، أي: كل الأمم السابقة عرضت على النبي ﵊ (فرأيت النبي ومعه الرهيط -والرهيط يعني ثلاثة- ورأيت النبي ومعه الرجلان، ورأيت النبي ومعه الرجل، ورأيت النبي وليس معه أحد)، فهذا نبي بعثه الله إلى أمة فلم يستحب له أحد، (ثم رأى النبي ﷺ سواداً فظن أنه أمته، فقيل له: هذه أمة موسى، ثم رفع له سواد أعظم من الأول فقيل له: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً)، وفي رواية أخرى: (ومع كل واحد من السبعين ألفاً سبعون ألفاً)، فسبعون ألفاً في سبعين ألفاً تصبح أربعة مليارات وتسعمائة مليون من أمة النبي ﵊، هؤلاء (يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) أنت مغبون إن لم تكن من الأربعة المليار، وليس لك مكان في الأربعة المليار يا عبد الله.
ثم قال: (مع كل واحد من السبعين سبعون ألفاً، فخاض الصحابة فيهم فقال بعضهم: هم السابقون، وقال بعضهم: هم الذين جاهدوا في بدر واختلفوا فيهم، فخرج عليهم النبي ﷺ ووجدهم يختلفون في شأنهم، فقال لهم النبي ﷺ : هم الذين لا يسترقون) (لا يسترقون) أي: لا يطلبون الرقية من غيرهم، وإنما يتوكلون على الله ، ولا يلجئون إلى أحد وإنما يلجئون إلى الله، وليس هذا قدحاً في الأسباب، وإنما هو صدق اللجوء إلى الله، لا يجعل هنا واسطة حتى في الرقية؛ لأن الله يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢].
ثم قال ﷺ : (ولا يتطيرون)، التطير هنا بمعنى التشاؤم، وبعض الناس يتشاءم بيوم الأربعاء، أو يتشاءم بشهر شوال، ويقول: إن تزوجت المرأة في شوال تنكبس، مع أن النبي ﷺ دخل بـ عائشة في شوال، وعقد عليها في شوال.
فعليك أن تتلقى العلم على يد عالم يضبط لك المسألة؛ لأنه ربما يقرأ قارئ: بنى بـ عائشة في شِوال، فكلمة (شوال) لابد أن تشكل، فينبغي أن تتلقى العلم على يد عالم يضبط لك الحروف ويصحح لك النطق.
فالنبي ﷺ عقد عليها في شوال وبنى بها في شوال؛ ليدفع التشاؤم الذي كان عند العرب من هذا الشهر في الزواج والعقد، والبعض إذا دخل على متجره في الصباح رجل إحدى عينيه مصابة بعمى، يقول له: اصطبحنا بوجهك لن نستفتح، اليوم كله هكذا.
وبعض الناس عنده تفاؤل بالأرقام، يقول: أنا أتفاءل برقم تسعة.
وكان العرب في الصباح يطلقون الطير، فإذا طار إلى اليمين تفاءلوا، وخرجوا إلى العمل، وإذا طار إلى اليسار تشاءموا وجلسوا في البيوت، هذا هو التطير.
ولعل بعض كبار رجال الأعمال اليوم يعتمدون في حظهم على الأبراج، يقول لك: أنا برجي الثور، فيقرأ ثم يصدق، هذا من باب التطير ومن باب التشاؤم الذي لا يجوز أبداً؛ لقوله ﷺ : (ولا يتطيرون)، وأحياناً تجد شاباً من شبابنا يلبس حظاظة وفي أذنه حلق، هل هؤلاء هم الذي سيحررون الأقصى؟ نسأل الله العافية.
ثم قال ﷺ : (ولا يكتوون -أي: بالنار- وعلى ربهم يتوكلون، فقال عكاشة بن محصن ﵁: ادع الله أن أكون منهم يا رسول الله! قال: أنت منهم يا عكاشة، وقام آخر وقال: وأنا يا رسول الله، قال: سبقك بها عكاشة)، انظروا إلى الأدب النبوي، لم يقل له: لست منهم، إنما قال بأدب جم: (سبقك بها عكاشة).
قال العلماء: إما أن يكون الرجل من أهل النفاق، وقد أطلعه الله على ما يبطنه، وإما أنه أراد أن يغلق الباب؛ لأنه لو قال للثاني: أنت منهم لقام الثالث، ثم قام الرابع، فأغلق النبي ﷺ هذا الباب.
لذلك في حديث البخاري: (كان عند النبي ﷺ كثير من الصحابة، فأكثروا السؤال عليه، فقال لهم: سلوا عما شئتم، فقام رجل وقال: يا رسول الله! من أبي؟ فتغير وجه النبي ﷺ وقال: أبوك حذافة، فقام آخر وقال: وأنا يا رسول الله! من أبي؟)، فاشتد عمر غيظاً وجلس على ركبتيه وكبر وسبح حتى
стр. 234
تفسير قوله تعالى: (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً)
قال الله سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل:١٠]، هذه الآية مهمة جداً للداعية، فقد يقال له: ساحر، مجنون، شاعر، إرهابي، عميل، متحجر، لص، رجعي، ولهذا قال الله سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل:١٠]، دع الكلاب تنبح، وأد أنت الرسالة ولا تعاتبهم، ولا تنزل إلى مستواهم في السب والشتم.
إن أفضل الأمور للرد على من أعرض ومن طعن في السنة أو في القرآن هو الإعراض عنه أحياناً، فأعرض عنه الإعراض الجميل، ولا تقم له وزناً، فهو حشرة ليس له ذكر، فأراد أن يكون له ذكر، فقام يطعن في القرآن، حتى يقال: فلان طعن في القرآن، أو فلان طعن في الحجاب، أو فلان طعن في كذا، فيصبح له ذكر بين الناس فيطعن لأجل هذا الغرض، فلا تعطه غرضه واتركه وأهمله ولا تقم له اعتباراً.
يقول ربنا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل:١٠]؛ لأن الله ناصرك، فأنت تتقدم وهم يتأخرون، أنت تفتح البلاد وهم يسلمون، شأنك يعلو وهم يتراجعون، لذلك اترك من يخوض في عرضك، دعه يتكلم، وأنت إلى الأمام دائماً بإذن الله ، لذلك هذه نصيحة لطالب العلم: لا تنشغل بقيل وقال، وكثرة السؤال، وقالوا وقلنا، انطلق وأنتج، وكن مسلماً، أما أن تنشغل بكلام هذا وكلام هذا فلن تتقدم خطوة.
وقال الله سبحانه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل:١٠]، قال المفسرون: الهجر الجميل: هو الهجر الذي ليس فيه عتاب ولا سب ولا أذى.
стр. 235
تفسير قوله تعالى: (إن لدينا أنكالاً وجحيماً)
يقول ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا﴾ [المزمل:١٢] أي: هذا ما أعده الله للمكذبين: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٢ - ١٣].
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل:١٤]، ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل:١١]، في أول الآيات: (ذَرْنِي): اتركني مع أهل التكذيب والإعراض، وانظر حينما يكون الله قد انفرد بهذا الظالم، كما قال الله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٤٤].
قوله: (أُولِي النَّعْمَةِ) أي: أصحاب الترف وأصحاب الفخامة، أمثال: شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأبي جهل، وأمية بن خلف، الأسماء اللامعة في عالم الضلال والكفر، ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل:١١]، أي: موعدهم قريب في يوم بدر، فهو موعدهم جميعاً يوم أن داستهم الأقدام، وسحبوا على وجوههم إلى بئر بدر، ووقف فوق رأسهم النبي ﷺ يخاطبهم: (يا شيبة بن ربيعة، يا عتبة بن ربيعة، يا فرعون الأمة أبا جهل، يا أمية بن خلف، إني وجدت ما وعدني ربي حقاً من النصر والتمكين، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً من الخذلان والتنكيل؟ قال عمر: يا رسول الله أتحدث أجساداً قد ماتت فقال ﷺ : يا عمر والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يجيبون)، هذا مصير كل طاغية، إن الظالم له نهاية، ونهايته كنهاية هؤلاء، فإن دولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥].
يقول ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا﴾ [المزمل:١٢] أي: قيوداً في أقدامهم: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ [المزمل:١٢ - ١٣]، أي: طعاماً كريهاً نتناً يأخذ بالحلق فلا يخرج ولا يدخل إلى المعدة، كالشوك، هذه وجبات أهل النار: الوجبة الأولى: الزقوم، ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٥].
الوجبة الثانية: الضريع، ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧].
الوجبة الثالثة: الغسلين، ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة:٣٦] والغسلين كما قال ابن عباس: هو القيح والدم والصديد المتخلف عن أجساد أهل النار، هذا طعامهم، يقول ربنا سبحانه: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٦ - ١٧].
ويقول سبحانه: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩].
وقال ربنا سبحانه: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٣] أي: شديداً.
стр. 236
تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً)
قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾ [المزمل:١٥] أي: محمداً ﷺ ،: ﴿شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:١٥] أي: على هذه الأمة، وعلى من أعرض، وعلى من استجاب، وعلى من أبى، ومن امتثل.
ثم قال سبحانه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل:١٥]، وهو موسى بن عمران ﵇، جاء إلى فرعون، وحدثت المناظرة الكبرى بين فرعون وموسى، وفرعون لقب لحاكم مصر، دخل عليه موسى يدعوه إلى ربه، فقال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤].
وقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، فأجرى الله الأنهار من فوقه، والجزاء من جنس العمل، وهذا إمهال واستدراج من الله الذي لا يغفل عن أي ظالم أبداً.
قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل:١٥]، قال فرعون لموسى: من ربك يا موسى ويا هارون؟ فقالا: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] فأجابهم فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥١ - ٥٢] هذا حوار بين موسى وفرعون، فماذا قال فرعون بعد ذلك الحوار؟ ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه:٦٣]، وكيف يكون موسى ساحراً وقد تربى في بيتك، وأنت تعلم أمانته، ولكن هذه التهمة كانت جاهزة: (ساحر)، ثم قال فرعون لحاشيته: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه:٦٤]، تولى فرعون وسعى في المدينة وجمع السحرة الأكفاء، وجاءوا وهم يقولون: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤]، يقسمون بعزة فرعون، ثم سألوه: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤١ - ٤٢]، أيضاً ستصبحون من البطانة، هذا الأجر الذي يسعون إليه أن يكونوا من البطانة، ويكون لهم حكم وتمكن وقدرة، فماذا قالوا لموسى؟ ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه:٦٥] أي: نحن واثقون من أنفسنا إما أن تبدأ أو نبدأ نحن، فالنتيجة معروفة مسبقاً، وهذا غرور من السحرة، فأجاب موسى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٦ - ٦٩]، ألقى موسى العصا، فلما رأوا العصا بأعينهم، وهم أرباب المهنة عرفوا الحقيقة، فقال الله عن حالهم: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ [طه:٧٠] الله أكبر! التحول في دقيقة من الكفر إلى الإيمان، فمن صاحب الأمر في تحول القلوب؟ إنه الله ، والقلب ما سمي قلباً إلا لشدة تقلبه.
فماذا قال فرعون؟ ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه:٧١] حتى الإيمان يحتاج إلى إذن من فرعون، كل شيء بإذن، وهكذا حالنا الآن تريد أن تصلي خذ إذناً، تحضر محاضرة خذ إذناً، تقرأ قرآناً خذ إذناً، تصلي الفجر استأذن، حتى العبادات الفردية لابد أن تستأذن فيها، ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه:٧١]، يا كذاب يا ضال أنت الذي جئت بهم، هم أربابك وأتباعك موسى لا يعرفهم، أيكون الذي علمهم السحر موسى؟! يا رجل أما تعقل؟ هذا قلب للحقائق، هذا ارتكاس وانتكاس للأمور عند الفراعنة، وهذا دأبهم وهذا عهدهم، لذلك قال فرعون: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [طه:٧١] هذا ما يملكه فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] قتل، وتنكيل، قطع للأيادي والأرجل من خلاف، إما أن تعودوا إلى الكفر وإما العذاب، ماذا قال السحرة؟ قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] الله أكبر! السحرة في وقت ضئيل تحولوا من قمة الكفر إلى قمة الإيمان والصبر على الأذى، فصاحب الأمر هو الله .
ثم قال سبحانه: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل:١٦] أي: ش
стр. 237
تفسير قوله تعالى: (فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً)
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله أجمعين.
وبعد: فقد نسينا أن نذكر: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل:١٤] هذا من علامات الساعة: تتزلزل الأرض، وترتجف، وتتشقق السماء، وتنتثر نجومها، وينفرط عقدها، ولذلك يقول ربنا: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل:١٨] أي: أن السماء ستتشقق يوم القيامة.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا * فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ [المزمل:١٥ - ١٧] أي: كيف تتقون هذا العذاب؟! ﴿إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ [المزمل:١٧] أي: بعد كفركم وبعد إعراضكم، كيف تتقون: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل:١٧]، الطفل الصغير الرضيع يشيب في هذا اليوم من شدة ما يرى من العذاب: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
يا عبد الله! صدق من قال: إن قلتها مت، وإن لم تقلها مت، فقلها ومت، لقد أرسل المأمون إلى الإمام أحمد لما فتن بفكر الاعتزال، والمأمون هو أحد خلفاء العصر العباسي الأول، دفع عليه الاعتزال علماؤهم حتى أقنعوه أن القرآن مخلوق، فامتحن الناس، وأرسل إلى الإمام أحمد مع محمد بن نوح الذين أبوا أن يقولوا: إن القرآن مخلوق، وحملهم المأمون في بعير كل في ناحية يعني: أحمد في ناحية ومحمد بن نوح في ناحية أخرى على بعير واحد، وقد ذهبوا إلى المأمون فجاءه أحد الناس وقال له: يا أحمد لقد سل المأمون سيفاً لم أر مثله قبل ذلك قط، وعزم على قتلك إن لم تستجب لأمره بأن القرآن مخلوق، فهذا الذي هدده وتوعده: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣].
جاءه أحد من العلماء وهو على البعير وقال: يا أحمد أنت الآن رأس أمة، فإن زللت فستزل الأمة معك، وأنت في الحالتين ميت، فاصبر على إيذائه، فإن قلتها ستموت وإن لم تقلها ستموت، وزلة العالم زلة عالم، فاحذر يا أحمد أن تكون رأساً للفتنة، واصبر على إيذائه، يقول الإمام أحمد: فثبتني بقوله: وطمأن قلبي، وبينما أنا في الطريق إلى المأمون وقد عرفت أنه عزم على قتلنا بالسيف الذي أعد، قلت: يا رب إن كان كلامك غير مخلوق فلا تجمع بيني وبين المأمون في الدنيا بعد اليوم، فأتى الصارخ في ثلث الليل أن المأمون قد قبضه الله، الله أكبر! هؤلاء هم العلماء الربانيون، الذين إذا دعوا الله استجاب لهم، مات المأمون ثم جاء بعده المعتصم ثم ابتلاه أيضاً، وحبسه أكثر من ثمانية وعشرين شهراً، ثم جاء المتوكل بعد الواثق فأطلق سراحه، وقال: أحمد بن حنبل إمام أهل السنة يبلغ ما شاء الله أن يبلغ، ودافع عن منهج السلف، وعاد أحمد ليرفع الرأس، وأذل الله أئمة الكفر، وهذه سنة الله سبحانه في أصحاب الدعوات، لا يمكن بحال أن تكون للظالم دولة أبداً مهما طال، ومهما طال سواد الليل لا بد من طلوع الفجر، وبعد ألم المخاض وضعاً وبعد العسر يسراً، وبعد الضيق فرجاً.
أسأل الله سبحانه أن ينصر الإسلام وأن يعز المسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم ول أمورنا خيرنا.
اللهم آمنا في أوطاننا.
اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك.
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الاحتضار شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.
يا رب لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 238
تفسير سورة المزمل [٣]
خلق الله الإنس والجن لعبادته، وأرسل إليهم رسلاً لتوجيههم وإرشادهم إلى طريق عبادته سبحانه وتوحيده، ولم يتركهم هملاً، وجعل سبحانه مصير المؤمن الصادق إلى الجنة، ومصير الكافر المكذب إلى النار، وأرشد الله عباده إلى فعل الخيرات من صلاة وزكاة واستغفار وإنفاق وجهاد، فإن فعل الخيرات هو السبيل للنجاة من هول الفزع الأكبر يوم القيامة، فعلى العبد أن يلزم طاعة الله واتباع شرعه، وأن يحذر من كل ما يسخط الله من البدع والمحدثات والمعاصي والمنكرات، حتى ينال رضا الله .
стр. 239
الفرق بين الرسول والنبي
الحمد لله رب العالمين، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، بيده الخير وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأشهد أن نبينا ورسولنا وسيدنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنكم لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وإنها جنة أبداً أو نار أبداً.
نواصل الحديث في تفسير سورة المزمل.
قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا * فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل:١٥ - ٢٠].
فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾ [المزمل:١٥] وهو محمد ﷺ ، والرسول من التوجيه والإرسال، وبينه وبين النبوة عموم وخصوص، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، ويعرف علماء العقيدة الرسول بأنه مبعوث من البشر بعثه الله سبحانه، وأوحى إليه بالبلاغ، وأنزل عليه رسالة وأمره بتبليغها.
ذاك هو الرسول، ولا شك أن هناك فرقاً بين الرسول والنبي بأدلة واضحة من القرآن والسنة، قال الله في وصف موسى ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥١]، فأثبت له الرسالة، وأثبت له النبوة، وفي حديث البراء بن عازب الذي رواه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء في باب فضل من بات على وضوء.
أي: من نام على وضوء: أن النبي ﷺ سن عند النوم أن يضطجع المسلم على يمينه، ثم يقول الدعاء الذي علمنا إياه نبينا ﷺ : (اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك، الذي لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فلما وصل البراء إلى هذه الجملة قال: وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي ﷺ : لا، قل: وبنبيك) يقول الحافظ ابن حجر: أراد أن يجمع لنفسه ﷺ بين الوصفين: وصف النبوة ووصف الرسالة؛ لأن هناك رسلاً من غير البشر، وهم الملائكة وليسوا بأنبياء.
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:١٥] فالنبي ﷺ سيشهد على أمته يوم القيامة، وكل نبي سيشهد على أمته، والله يأتي بالأنبياء جميعاً يوم القيامة ويسألهم عن حالهم مع أممهم، كما قال : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ -
стр. 240
مصير الطغاة والمتكبرين والظلمة في كل زمان ومكان
قوله سبحانه: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل:١٦] أي: أخذاً شديداً، وقصة فرعون درس لكل ظالم، أنه مهما طغى ومهما تجبر ومهما علا صوته ومهما ارتفعت رايته فإن له نهاية، فإن دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، يقول ربنا في سورة النازعات: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات:١٧ - ٢٠].
رغم وضوح الآيات البينات بين يدي فرعون إلا أنه كما قال الله عنه: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات:٢١ - ٢٥] أخذه الله بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فأغرقه ودمره هو وأتباعه.
والله جعل فرعون آية لكل ظالم، قال الله سبحانه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٩٢].
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ [المزمل:١٧] أي: كيف تدفعون عن أنفسكم ذلك العذاب يوم القيامة؟ ﴿إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ [المزمل:١٧] لأنكم كفرتم به وكذبتم به، فكيف تتقون ذلك اليوم؟ ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل:١٧] أي: أن الغلام الصغير يشيب من هوله كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، وفي الحديث عند البخاري ومسلم عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (إن الله ينادي يوم القيامة: يا آدم أخرج بعث النار، يقول آدم: وما بعث النار؟ يقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) أي: أن الناجي واحد، فشق ذلك على أصحاب النبي ﷺ فجثوا على ركبهم وعلاهم الخوف والهلع، فقال النبي ﷺ : (أنتم بالنسبة لسائر الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وإني أسأل الله أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبر القوم، فقال: ثلث أهل الجنة، فكبر القوم، فقال: شطر أهل الجنة)، فأمة خير الأنام محمد ﷺ شطر أهل الجنة بهذا الحديث.
стр. 241
تفسير قوله تعالى: (السماء منفطر به كان وعده مفعولاً)
قال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل:١٨]، يوم تنفطر السماء وتشقق، كما قال ربنا سبحانه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١]، وقال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١].
وقوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل:١٨] أي: أن وعد الله لا يتخلف.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ [المزمل:١٩] أي: تلك الآيات التي ذكرتكم بالآخرة، والتي وقعت على قلوبكم لتنبه الغافلين، وتوقظ الراقدين، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل:١٩] فمن شاء اتخذ إلى ربه طريقاً يتزود به للقاء ربه .
стр. 242
تفسير قوله تعالى: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل)
ذكر ربنا سبحانه تلك الآيات التي نسخت فريضة قيام الليل، وبين نزول أول سورة المزمل وآخرها حول كامل، يوم أن قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل:٢] فقام ﷺ هو وأصحابه سنة كاملة، حتى تورمت أقدامهم من طول القيام بين يدي الله سبحانه، وهذا فيه تربية على الامتثال لأمر الله سبحانه، ثم أنزل الله في آخرها نسخاً للوجوب، وأصبح قيام الليل على الاستحباب والندب، ودليل الجمهور أن قيام الليل ليس فرضاً الحديث الذي رواه البخاري: (أن رجلاً أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ وسأله عما فرضه الله عليه من الصلاة، فقال: خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع -أي: إلا أن تزيد من جنسها ما شئت بالضوابط الشرعية- ثم سأله عن الصيام فقال له: صيام رمضان، قال هل علي غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع، فانطلق الرجل وهو يقول: لا أزيد عليها، فقال النبي ﷺ : أفلح إن صدق)، وفي رواية: (أفلح وأبيه إن صدق) والمعنى: أن تلك هي الفروض، وما زاد عليها من جنسها فهو من باب النوافل.
والنسخ لغة: الإزالة، واصطلاحاً: هو رفع حكم شرعي بخطاب شرعي متأخر.
ولا نسخ في القصص، ولا نسخ في العقائد، ولا نسخ في الأخلاق، وإنما يكون النسخ لبعض الأحكام الشرعية، يقول ربنا سبحانه: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، فالنسخ بمعنى إزالة حكم شرعي كان في أول الأمر، ثم زال بخطاب شرعي متأخر عنه في النزول.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل:٢٠] أي: أقرب من ثلثي الليل.
﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل:٢٠] الذي يقدر الأوقات ويعلم حقيقتها هو الله سبحانه.
﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل:٢٠] أي: لن تقدروا على ذلك؛ للمشقة التي اعترتهم، فمنهم المريض، ومنهم الذي يضرب في الأرض طلباً لرزقه وتجارته، والآية فيها صدق نبوة خير الأنام محمد ﷺ ، إذا لم يكن الجهاد فرضاً في مكة، ومع ذلك قال الله: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ﴾ [المزمل:٢٠]، وهذا إخبار بمستقبل كما قال العلماء.
ثم قال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل:٢٠] أي: لن تقدروا على هذا العمل المتصل من قيام الليل؛ ولذلك جاء من حديث عبد الله بن عمرو عند الطبراني ينبغي أن نتمسك به جميعاً، يقول ﷺ : (خلتان -أي: خصلتان- لا يقدر عليهما أحد إلا كان من أهل الجنة يقول في دبر كل صلاة: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر عشراً ثلاثين مرة في خمسة فروض بخمسين ومائة مرة)، هي مائة وخمسون في اللسان، وألف وخمسمائة في الميزان.
وعند النوم تقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين، فتلك مائة باللسان وألف في الميزان.
إذاً: تسبح بعد كل الصلوات ألفاً وخمسمائة، وتسبح عند النوم ألفاً، والمجموع ألفان وخمسمائة، فهل يعمل أحد في اليوم والليلة ألفان وخمسمائة سيئة؟ لذلك يقول ﷺ : (خلتان لا يقدر عليهما أحد إلا كان من أهل الجنة) لأن الشيطان يأتي العبد في صلاته فلا يزال يذكره بأعماله حتى يسلم؛ من أجل أن يحرمه هذا الأجر، وعند النوم لا يزال خلفه حتى يرقد.
فيا عبد الله واظب عليها بعد كل صلاة وقبل نومك.
والحديث حسن، حسنه الألباني وصححه كثير من أهل العلم.
ثم قال الله سبحانه: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل:٢٠] أي: طلباً للرزق، ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل:٢٠] قال المفسرون: جاء التعبير بالإقراض هنا؛ لأن الذي يعطي الفقير يقرض الله، حتى لا يظن الغني أن له منة على الفقير، إنما للفقير منة على الغني، الفقير هو الذي يمن على الغني بأنه قربه إلى ربه سبحانه، فأنتم عند عطائكم إنما تقرضون الله، وعند الإنفاق في سبيل الله، وعند إخراج الزكاة في مصارفها الثمانية إنما تقرضون الله .
وشروط الإقراض والإنفاق لله ثلاثة: أن يكون من حلال.
وأن يكون خالصاً لله .
وألا يتبع ما أنفق مناً ولا أذى.
ثم قال ربنا سب
стр. 243
الرد على أهل البدع في أدعيتهم المخترعة والأحزاب والأوراد الموضوعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! إن النبي ﷺ قد أخبرنا بتلك الفتن التي تعرض على القلوب يوماً بعد يوم، ففي الحديث الصحيح: (فتن كقطع الليل المظلم، يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح كافراً ويمسي مؤمناً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل)، ولما شكوا إلى أنس بن مالك ظلم الحجاج بن يوسف في عهد الدولة الأموية قال لهم: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه)، سمعته من نبيكم ﷺ .
ومن ملامح الشر في هذا الزمن الذي نعيشه أن يخرج لنا بين الحين والحين من لا علم له ولا خلق بأوراق توزع، وآخرها تلك الورقة التي دفعت لي قبل الصلاة، فأردت أن أحذر منها تحمل عنوان: حزب النصر، وفيها دعاء، وصلاة ركعتين في جوف الليل، وقراءة حسبنا الله ونعم الوكيل (٤٥٠) مرة، قراءة حزب النصر سبع مرات.
فما هو حزب النصر؟!! إنه ألفاظ ما عرفتها السنة، ومن ألفاظه: اللهم لا تمكن الأعداء فينا، ولا تسلطهم علينا بذنوبنا (حم حم حم حم حم)، ثم قال: اللهم أعطنا أمل الرجاء، وطوق الأمل، (يا هو يا هو يا هو)، من قال لك أن تنادي على ربك بلفظ (هو)؟ هذا من صنع أهل التصوف، الذين يؤمنون بالعلم اللدني، وعلم الخرق، والعلم الباطن وأن هذه الأوراد جاء بها الإلهام والوحي إليهم، أما يكفيكم أن النبي ﷺ علمكم كل شيء؟ ما ترك شيئاً حتى آداب دخول الخلاء علمكم، حتى عند النوم والطعام علمكم، أما تتقون الله في شرع الله؟ (هو هو) (حم) سبع مرات من أين جئت بها يا عبد الله؟ وأنا أعرف من أين جاء بها، أقول لك: يقول: قابلت الخضر فعلمني إياها، كنت معه بالأمس في اجتماع الديوان الأسبوعي، أو اجتماع الديوان الشهري، أو اجتماع الديوان السنوي، ورئيسة الديوان هي السيدة زينب ﵂، تلتقي بالأقطاب والأوتاد والأولياء، وفي غار حراء في كل سنة مرة يعرضون أعمال الأمة، ويشرعون لها من جديد، ونحن نردد بما لا نعرف ونسأل الله العافية.
يا عبد الله! إياك ومحدثات الأمور، عليك بهدي نبيك محمد ﷺ ، فهؤلاء يريدون لنا أن نخلع عقولنا، كما يقول الشيخ للمريد: عند دخولك على شيخك اخلع عقلك على عتبة داره، كما تخلع الحذاء من قدمك، ولا تعترض على شيخك مهما قال أو فعل، وكن بين يدي شيخك كالميت بين يدي المغسل.
ولذلك تسمع آناء الليل وأطراف النهار احتفالات الطرق الصوفية، وتنقل الصلاة من مسجد سيدي العارف بالله، ويقرءون الفاتحة، ويأكلون فيها ما لذ وما طاب، نسأل الله العافية، وهؤلاء الجهاد عندهم تمتمة على السبحة، وذكر وتضرع، أما الجهاد في سبيل الله وتغبير القدم، ومعاداة أعداء الله فلا يعرفونه.
يوم أن دخلت فرنسا إلى الجزائر قام شيخهم التيجاني يقول لأوليائه ولأتباعه ورواده: سلموا الجزائر إليهم؛ فقد رأيت في نومي أنني آخذ بخطام فرس جنرال فرنسا، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، علموا الأمة الكسل، ونزعوا منها روح الجهاد، وابتدعوا في دين الله ما ليس منه، وأحدثوا تلك الأذكار التي نسمعها، هل في السنة أصل لهذا الحزب المسمى بحزب النصر؟ ولماذا تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل (٤٥٠) مرة؟ لماذا لم يكن (٥٠٠) مرة؟ من الذي حدد لك العدد؟ من الذي شرع لك هذا؟ إنها بدع محدثة وأمور جاءوا بها من رءوسهم.
أما نحن فنقول: خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وما لم يكن في عهده دين فلن يكون اليوم ديناً، يقول ابن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم.
قال الشافعي ﵀ من استحسن فقد شرع.
فلا يجوز لأحد أن يستحسن عبادة ويشرعها للناس من رأسه، فإن الله أكمل الدين وأتم النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً.
اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعتنا.
اللهم علمنا من القرآن ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا.
اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً.
ونعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وارزقنا عند الاحتضار شهادة، وارزقنا بعد الموت جنة ونعيماً.
اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وخطأنا وعمدنا، وهزلنا، وجدنا، وكل ذلك عندنا، إنك على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونع
стр. 244
تفسير سورة الجن [١]
أمر الله الجن بعبادته كما أمر الإنس بذلك، ورتب على ذلك الجزاء لمن أطاعه والعقاب لمن عصاه، والجن طرائق مختلفة، منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، والإيمان بوجودهم من الإيمان بالغيبيات، وسورة الجن تذكر لنا قصة سماع الجن للقرآن من فم النبي ﷺ ، وإيمانهم وتصديقهم به.
стр. 245
بين يدي تفسير سورة الجن
الحمد لله رب العالمين، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ.
وأشهد أن لا إله إلا الله، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، وهو مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! لقاؤنا اليوم مع سورة الجن! إن من صفات عباد الله المتقين كما وصفهم رب العالمين، أنهم يؤمنون بالغيب، والغيب: هو كل ما غاب عن حواسنا وعن إدراكنا، لكن أخبرنا الله به، أو أخبرنا به النبي محمد ﷺ ، فنحن نؤمن بالغيب إذا ورد في كتاب ربنا أو في سنة نبينا ﷺ ، فالجنة غيب، والنار غيب، وعذاب القبر غيب، والملائكة غيب، وحوض النبي محمد ﷺ غيب، والجن أيضاً غيب؛ لأن الله قال في حقهم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، فالجن يروننا ونحن لا نراهم، لكن هل معنى أننا لا نراهم لا نؤمن بهم؟ هذه السورة تسمى بسورة الجن، فضلاً عن الآيات التي جاء فيها ذكر اسم الجن، وكذلك الأحاديث، يقول ربنا سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
إذاً: كما خلق الله الإنس خلق الجن، وربنا يقول: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧]، فالجن مخلوق بلا شك، وموجود بلا أدنى شك، ومنهم المسلم ومنهم الكافر: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٤ - ١٥].
يقول أستاذنا المطعني: العلمانية -بكسر العين- نسبة إلى العلم الملموس المادي، لا تؤمن إلا بما تحس؛ فإن وجد في إحساسها آمنت به، وإن غاب عن إدراكها كفرت به، فالعلمانية لها وجه قبيح، والأعداء الآن يطلبون من بلاد المسلمين أن تتعلمن، وأن تتقيد بأنظمة العلمانية، فما معنى العلمانية؟ العلمانية لها تصور في العقيدة، ولها تصور في الشريعة: أما تصورها في الاعتقاد: الإيمان بكل محسوس، فما دام أنني لا أحس لا أؤمن، وعدم الإيمان بالغيبيات أحد ركائز العلمانية.
أما في مجال الشريعة: ففصل الدين عن الدولة، والمقصود بالدين: من مساجد، زكاة، صيام، حج، عبادات، أما أنظمة الناس فلا دخل للدين بها: من التقاضي، والخصومات، وزواج، وطلاق، ومواريث وغيرها، كلها تخضع لأنظمة وضعية، وهذا معنى فصل الدين عن الدولة.
هذه العلمانية في أبسط صورها، وهي بدعة أوروبية مستوردة إلى بلاد المسلمين، انفصام بين الدين والحياة في مجال الشريعة؛ لذلك لا تعجب إن قرأت لأحدهم: الجن خرافة، الجن أكذوبة، ليس هناك أمة تسمى بالجن، فإن سألته: لماذا؟ يقول: لأننا لم نر، فهو لا يؤمن إلا بما يرى، وبما أنه لا يرى فإنه لا يؤمن، لكن نحن معاشر المسلمين إيماننا عميق ثابت؛ لأن الإيمان بالجن من ركائز الإيمان بالغيب.
أقول: من أخطر القضايا في عصرنا الحاضر قضية الجن، وتحتاج إلى وقفة؛ لأن البعض باسم الجن يرتكب المحرمات، وباسم الجن يتكسب الأموال الباهظة من المغفلين والسفهاء، إذا تأخر سن زواج البنت هذا جن، وإذا أصيب بصداع هذا جن، وإذا تعثر في تجارة هذا جن، وللأسف يجد من يساعده في هذا الباب، هناك جن بدون أدنى شك، فيقول الساحر: أصبت بسحر، يقول: كيف يا شيخ؟! وكيف أعالجه؟ يقول: تحتاج إلى أعشاب، وإلى زجاجة مسك دم الغزال، هل هناك مسك يسمى دم الغزال؟! أنا أول مرة أعرف مسكاً بهذا الاسم، يقول: والزجاجة بخمسين جنيهاً، ولا توجد إلا معي أنا، الله أكبر! تفضل، ثم تدخل عليه أنثى تشكو من تأخر سن الزواج، فيقول: أنت مصابة بسحر تعطيل، وأنت تريدين العريس، فتقول: كيف يا شيخ! أواجه هذا؟ يقول: بعدد من الجلسات، لكن الجلسة ستكلفك قدراً ضئيلاً من المال، مائة جنيه فقط، فتقول: خذ مائتين لكن أنجز، وكما يقول المثل: (طول ما المغفل موجود النصاب بخير
стр. 246
تفسير قوله تعالى: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن)
قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن:١] الخطاب لسيد البشر محمد ﷺ ، قل للناس جميعاً: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن:١] عن طريق الوحي جبريل ﵇ ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١]، قال العلماء: رآهم النبي ﷺ في واقعة وهم يستمعون، وفي واقعة لم يرهم، وفي هذه السورة لم يرهم بدليل أنه علم عن طريق الوحي، لكن رآهم في واقعة أخرى، ففي حديث ابن مسعود عند مسلم (لما انطلق النبي ﵊، وقام الصحابة يلتمسونه، فما وجدوه، حتى إذا عاد أخبرهم أن داعي الجن أتاه فذهب معه إلى القوم، فتلا عليهم القرآن، ثم يقول ابن مسعود: فأخذنا وأرانا آثار نيرانهم وآثار مكانهم)، هذا الحديث دليل على أنهم استمعوا إليه وهو يعلم، لكن في هذا الموضع في سورة الجن لم يعلم أنهم يستمعون إليه، وكان ذلك في صلاة الفجر وهو يصلي بأصحابه.
وسبب النزول كما أورده المفسرون: أنه لما بعث النبي ﵊ حرست السماء حراسة شديدة بالشهب: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ [الجن:٨] من الملائكة، ﴿وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨] ترصدهم، فلما كانت الجن تسترق السمع قبل بعثة سيد البشر محمد ﷺ وجدت تغيراً في أمر السماء، إما أن عذاباً قد اقترب على أهل الأرض، وإما أن يكون هناك نبي قد بعث حتى قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، أي: لما رأوا السماء محصنة بهذه الطريقة قالوا: لا ندري لعل هذا عذاب لأهل الأرض، ولعل هذا نبي بعثه الله لأهل الأرض.
فلما نزلوا إلى الأرض وأخبر بعضهم بعضاً، قال بعضهم لبعض: انطلقوا في ربوع الأرض فانظروا ماذا حدث؟ فانطلقوا يميناً ويساراً، وشرقاً وغرباً، فأتوا إلى سوق عكاظ، فوجدوا النبي ﵊ يصلي بأصحابه صلاة الفجر؛ فعلموا أن ذلك هو السر، فوقفوا يستمعون القرآن من فم سيد البشر محمد وهو يرتل ويقرأ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن:١]، وفرق بين السماع والاستماع، فالاستماع: أن يقبل بأذنه وجوارحه إصغاء إلى كتاب ربنا سبحانه.
وقال: ﴿نَفَرٌ﴾ [الجن:١] أي: من الثلاثة إلى العشرة ﴿فَقَالُوا﴾ [الجن:١] لقومهم، كما هو واضح في سورة الأحقاف: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ [الأحقاف:٢٩]، فالجن يبلغون أقوامهم: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠].
وقال تعالى هنا مخبراً عنهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] أي: عجيباً في فصاحته، عجيباً في بلاغته، عجيباً في قصصه.
هذه شهادة الجن، والله تعالى أرسل النبي محمداً ﷺ إلى الجن والإنس: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، فهو مبعوث إلى الثقلين ﵊.
قال تعالى: (سَمِعْنَا قُرْآنًا): باعتبار أنه مقروء، وفي سورة الأحقاف قال: (كِتَابًا): باعتبار أنه مكتوب، يقول الدكتور دراز في كتابه القيم (النبأ العظيم): سمي القرآن قرآناً باعتبار أنه يقرأ، وسمي كتاباً باعتباره مكتوباً في المصاحف، وذلك لحكمة عظيمة.
فالذي حفظ القرآن هو الله، فكلما قرأناه حفظناه في الصدور، فإن زال من الصدور فهو ما زال في السطور، ولعلك تلاحظ هذا في قديم الزمان، فقد كان عدد الحفظة كثيراً وكانت المصاحف قليلة، أما الآن فطبعات متعددة على سيديهات وغيرها؛ لأنه خف في الصدور وصار في وسائل الحفظ الأخرى؛ لأن الذي تكفل بحفظه هو الله، حينما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، أما الكتب السابقة للقرآن تعهد بحفظها الأحبار والرهبان، فهل حفظوها؟ أبداً، حرفوا وبدلوا وغيروا، فقال الله في حقهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٩] لماذا؟ ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩].
стр. 247
تفسير قوله تعالى: (يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً)
قال تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن:٢]، أي: يدل إلى طريق الخير والصواب والحق.
قال: ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:٢]، فالجن حينما سمعت القرآن آمنت بربها ، وأثنت على كتاب خالقها فقالت: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١]، وبعضنا يسمع ويعرض كحال المشركين حينما قالوا لبعضهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت:٢٦].
إن القرآن يعالج حالات نفسية، فإن كان عندك توتر عصبي أو مرض نفسي فعليك بالقرآن، فإنه يخاطب ملكة في النفوس لا يعلمها إلا الله، واذكر كيف أسلم عمر بن الخطاب؟ تلت عليه أخته القرآن فاستمع إلى آيات من سورة: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:١ - ٨].
والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، يا ليتنا نعود للقرآن ونتدبره، يقول ربنا في آخر سورة الحشر: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١].
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فالقرآن هو المخرج من الفتنة يا عباد الله!
стр. 248
تفسير قوله تعالى: (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً)
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن:٣]، تنزيه وتعظيم له سبحانه، ففي هذه الآية إشارة إلى العظمة وعلو المكانة وارتفاع الصفات والتنزيه عن النقائص، فقوله: ((جَدُّ)) أي: عظمته سبحانه.
قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الجن:٣] الجن يعلمون غيرهم التوحيد، ويردون على قضية التدليس، ويقولون: إن الله الذي خلق يتنزه عن الزوجة والولد، فأنت تحتاج إلى الزوجة لتأنس بها ولتفضي إليها، ولتكون لك سكناً، فهل ربنا سبحانه يحتاج إلى ذلك؟ تعالى الله عن الزوجة وتعالى عن الصاحبة، وأنت تحتاج إلى الولد ليكون لك قوة، فهل ربنا يحتاج إلى الولد؟ حاشاه سبحانه.
стр. 249
تفسير قوله تعالى: (وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً)
قال ربنا سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ [الجن:٤] أي: جاهلنا إشارة إلى الشيطان، فالجن يقولون عن الشيطان: إنه سفيه، ويقول الله في وصف اليهود: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٢].
فالجن تسمي الشيطان سفيهاً، وسمى الله اليهود سفهاء، فلا فرق بين اليهود والشيطان، يقول ربنا: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤]، والمقصود بقوله: (شياطينهم) اليهود، ولفظ الشيطان لا يطلق إلى على الجني الكافر، ولفظ الجني عام، فكلمة (الشطن) مأخوذة من البعد عن الحق، شطنت الدار أي: بعدت، فالشيطان من الجن؛ لأن الله قال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]، إذاً: هو من الجن بدون أدنى شك، لكنه فسق عن أمر خالقه سبحانه.
فإن قال قائل: كيف ذلك والله يقول: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة:٣٤]، الأمر هنا للملائكة فما دخل إبليس؟ قال ابن عباس: كان معهم في صحبتهم ولم يكن معهم بمادتهم، عند صدور الأمر كان في الصحبة، فلابد أن يطيع أمر الخالق الله ، والسجود لآدم والطاعة لله سبحانه.
هذا قول ابن عباس.
وقوله: ((عَلَى اللَّهِ شَطَطاً)) الشطط: هو القول الذي ينافي الحقيقة، وافتراء الكذب على الله ، يقول ربنا عن أصحاب الكهف في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤] أي: أن هذا القول يبعد عن الحقيقة ويحمل الكذب.
стр. 250
تفسير قوله تعالى: (وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً)
قال تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الجن:٥]، أي: أن الجن كانوا يعتقدون أنه لن يكذب على الله من الإنس أحد، ولن يكذب من الجن أحد، لكن ما أكثر هؤلاء الذين يصدرون الفتوى وهم يعلمون أنهم كاذبون، والذي نفسي بيده يكذبون على ربهم .
الذي أحل البنوك الربوية يكذب على الله، أم لا؟ الذي حرم النقاب يكذب على الله، أم لا؟ الذي حرم ختان الإناث يكذب على الله، أم لا؟ والله إنه يكذب على الله، والله إنه يكذب على خالقه؛ لأنه يعلم ويقرأ في كتب الفقه في المذاهب الأربعة أن ذلك مشروع، فكيف يفتري الكذب على الله، وهناك من يبيح للأمة أن تجلس على طاولة المفاوضات، والطاولة طويلة، فمنذ عام (١٩٤٨م) لازلنا على الطاولة، ولا أدري متى ستنتهي الطاولة؟! وانتقلوا من الطاولة إلى خارطة الطريق، يا قوم! أتكذبون على ربكم؟ أما تعلمون أن هؤلاء لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً؟ أما تعلمون أن هؤلاء يفسدون في الأرض؟ أما تعلمون أن هؤلاء يشتاقون عطشاً إلى دماء الموحدين.
طفل عمره عامان يسمى عليان من أبناء فلسطين المسلمة، يقتل منذ أسبوع، سلوهم بأي ذنب قتلوه؟ ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]، أمعه مدفع؟ أيحمل رشاشاً؟ لماذا يقتل رضيع لا يزال يرضع من ثدي أمه، لماذا تقتله يا هولاكو العصر؟! لكن لا غرو في ذلك، فالأمة تستجيب لك، وتجلس معك على الطاولة، وتنطلق معك إلى خارطة الطريق، أقول كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١].
وأقول كما قال الله سبحانه في سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المجادلة:١٤ - ١٧].
ثم قال سبحانه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩].
следующие страницы →