← Акыда

Акыда · id 37776

شرح الحموية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (264 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الوجه الثالث أن يقال: إضافة الأدلة إلى هذين القسمين ليس سديداً؛ فإن الدليل النقلي السمعي هو الدليل الشرعي، والدليل الشرعي يقابله الدليل البدعي، أما أن يقال: إن الدليل الشرعي يقابله الدليل العقلي فهذا غلط مبني على أن دلائل القرآن دلائل تسليمية محضة، وليس فيها ما هو من مخاطبة العقول؛ وهذا بسبب أن هذا القانون مبني على قول غلاة المتكلمين الذين يقولون: إن الدلائل القرآنية دلائل خبرية محضة مبنية على صدق المخبر. والحق: أن القرآن فيه دلائل خبرية محضة كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وفيه دلائل عقلية، الخطاب فيها للعقول، ولهذا يخاطب بها حتى الكفار، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٨] ولهذا كان من دلائل أهل السنة على أن الله متصف بالكلام أن الله أبطل ألوهية العجل وقبوله للعبودية -أي: لكونه محلاً للعبودية- بكونه لا يتكلم، ولو كان الإله الحق كما تزعم الجهمية ومن وافقها -تعالى الله عما يقولون- لا يوصف بالكلام لكان هذا نقصاً فيه، أو كان الاستدلال على بطلان ألوهية العجل بهذا ليس صحيحاً، ومثله قول إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم:٤٢] فلو كان الإله الحق لا يسمع لكان هذا دليلاً على إبراهيم وليس له. ومن هنا حكم السلف على أدلة المخالفين العقلية الكلامية بأنها دلائل بدعية، وأن أصحابها قوم مبتدعة. فهذا قانون افتتن به كثير من المتكلمين والطوائف، وإن كان يعلم بطلانه بضرورة العقل، فضلاً عن ضرورة النقل. ثم إنهم اعتذروا عن تقديم النقل على العقل بأن قالوا: إن أصل قبول النقل هو العقل. ورتبوا ذلك على مسألة النبوة، وهو أن نبوة النبي ﷺ عرفت بالمعجزة والمعجزة آية عقلية. وهذا ليس بشيء؛ لأن نبوة النبي ﵌ وإن ثبتت بالمعجزة إلا أنها تثبت بغيرها أيضاً، فإنه ليس كل من أسلم بين يدي النبي ﷺ أو بلغته دعوته فآمن به لم يؤمنوا إلا لما علموا ما معه من المعجزات، سواء كان ذلك من المشركين عبدة الأوثان أو كان من أهل الكتاب، فإن جمهور من أسلم لم يسلموا لكونهم رأوا آية -التي هي المعجزة- وإنما أسلموا لما سمعوا القرآن، ولا شك أن القرآن أعظم آيات النبي ﷺ ، لكن إذا قصدنا بالآيات هنا ما تزعمها المعتزلة وأمثالها وهي الخوارق الحسية للعادات كتكثير الماء وأمثال ذلك. وهذا هرقل -كما ثبت في الصحيحين في حديث ابن عباس - لما جاءه كتاب النبي ﷺ ، أرسل إلى ركب من قريش كانوا في الشام، وكان معهم أبو سفيان، وهو إذ ذاك مشرك، فلما دخلوا على هرقل وهو كتابي عالم بكتابه سأل أبا سفيان عن مسائل، هذه المسائل لم تكن عن المعجزات، فإن هرقل لم يسأله: هل لديه معجزة أم ليس لديه معجزة؟ بل سأله: من يتبعه؟ هل كان من آبائه من ملك؟ أيكذب؟ .. إلخ، ولما انتهى من هذه السؤالات قال: ماذا يؤمركم؟ قال: ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة .. فماذا قال هرقل؟ قال: إن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم، فقطع بثبوت نبوة النبي ﷺ وجزم بها لمثل هذا. إذاً: زعمهم أن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة .. ليس سديداً، بل تثبت بها وبغيرها؛ فإن آيات الأنبياء لا تختص بخوارق العادات. ثم لو فرض أن هذا صحيح .. فإن الدليل الذي عارض آيات الصفات ليس هو الدليل العقلي الذي ثبتت به المعجزة، إذاً لا يلتفت إليه .. وهلم جرا من الأوجه.

стр. 107

الرد إلى غير الكتاب والسنة يوجب الاختلاف [ومضمونه: أن كتاب الله لا يهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة -وهم المشركون- والمجوس وبعض الصابئين، وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة]. وإن كان هذا الرد أي: الرد إلى غير الكتاب والسنة، إما إلى العقل أو المقالات الفلسفية أو غيرها؛ الرد إلى هذه الأمور لا يزيد الأمر إلا شدة؛ لأنه يوجب كثرة الاختلاف، ولهذا لما استعمل هؤلاء هذه الدلائل كثر اختلافهم وافترقت طوائفهم افتراقاً مشهوراً. [ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم، وقد أمروا أن يكفروا بهم، وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ [النساء:٦٠ - ٦٢] فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول - والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته - أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علماً وعملاً بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية. ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم]. قوله: إنما تقلدوا أكثرها لأنه قد يقع لهم دلائل يحصلونها بنظم عقلي مقرر ليس مولداً من مقالات فلسفية، لكن الدلائل التي هي أصول في هذه المذاهب لابد أن تكون فيها مادة فلسفية، وهذا قد تقدم الإشارة إليه. [مثل فلان وفلان، أو عمن قال كقولهم لتشابه قلوبهم، قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٣] الآية، ولازم هذه المقالة: ألا يكون الكتاب هدى]. لازم هذه المقالة أي: مقالة التعطيل، سواء كان تعطيلاً لسائر الصفات أو لما هو منها. [ألا يكون الكتاب هدى للناس ولا بياناً ولا شفاء لما في الصدور، ولا نوراً ولا مرداً عند التنازع؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون أنه الحق الذي يجب اعتقاده؛ لم يدل عليه الكتاب والسنة، لا نصاً ولا ظاهراً]. وأهل الكلام يسلمون بأن القرآن لم يدل على ما فصلوه في مذهبهم في صفات الله، وإنما غاية الذي يستدل منهم بالقرآن إنما يستدل بنصوص مجملة على ما نفاه مما خالف فيه القرآن. [وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السماوات ونحو ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] لقد أبعد النجعة؟]. هذا لو لم يرد دليل الإثبات في الاستواء، لما كان هذا بياناً ظاهراً، كيف ودليل الاستواء متواتر في القرآن؟! [وهو إما ملغز وإما مدلس لم يخاطبهم بلسان عربي مبين، ولازم هذه المقالة: أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيراً لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد]. لأن الرد هنا اعتبر بالدليل العقلي، والعقل موجود قبل الرسالة وبعدها، بل الرسالة على هذه المذاهب الكلامية زادت الأمر إشكالاً؛ لأن الرسالة خاطبت المخاطبين في نصوصها القرآنية والنبوية بما يعارض الدليل العقلي الذي هو حق في ظن هؤلاء. [وإنما الرسالة زادتهم عمىً وضلالاً، يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول يوماً من الدهر]. أي: كيف وسع النبي ﷺ أنه لم يقل يوماً من الدهر، ولم يفصح يوماً من الدهر بنفي صفة من هذه الصفات المثبتة في القرآن؟ كيف وسع النبي ﷺ أنه لم يذكر يوماً واحداً أن في القرآن ما يحتاج إلى تأويل أو أن هذا القرآن ليس على ظاهره؟ هل يعقل أن كل من يسمع القرآن في زمنه ﷺ كانوا يفقهون أنه مؤول؟ وإذا ورد هذا السؤال على المخالفين من المعتزلة والأشاعرة فإن الفاضل منهم يقول: إن القوم زمن النبي ﷺ من الصحابة كانوا يعلمون أن هذه النصوص ليست على ظاهرها، وإنما احتاج التصريح بتأويلها فيما بعد لما ظن من ظن من المشبهة أنها على ظاهرها .. وهذا تكلف؛ لأنه لو كان ظاهرها يدل على التشبيه -مع أنه لا يدل عليه- هل يعقل أن كل من في زمن النبوة حتى حدثاء العهد بإسلام وحتى الأعراب، بل وحتى الكفار الذين يسمعون القرآن لا يتبادر إلى ذهن واحد منهم أن في القرآن ما هو من التشبيه؟ ثم يأتي من بعدهم من أئمة العلم الذين تحقق لهم العلم كأئمة السنة والجماعة فلا يفهمون منها إلا التشبيه ويجمعون عليه ويطبقون عليه، وهم لم يأخذوا إلا من مشكاة الصحابة ﵃؟؟ لا شك أن هذا ممتنع بالعقل امتناعاً صريحاً. [ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم أو اعتقدوا كذا وكذا؛ فإنه الحق، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، أو انظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاقبلوه، وما لا فتوقفوا فيه أو انفوه]. وهذا وجه آخر من استدلال المصنف ﵀ على صحة مذهب السلف. [ثم رسول الله ﷺ قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله) وروي عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). حديث الافتراق هذا مخرج في السنن والمساند وغيرها من حديث أنس وعبد الله بن عمر وأبي هريرة، وقد تكلم فيه بعض الحفاظ، والأكثر على تقويته، وكما تقدم أنه إن قيل بضعفه فإن هذا لا يعني شيئاً كثيراً؛ لأنه تواتر في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ أخبر أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، فهذا دليل على ثبوت هذا الافتراق، وأن قوماً يختصون بالحق الذي بعث به. [فهلا قال: من تمسك بالقرآن أو بدلالة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن في باب الاعتقادات فهو ضال. وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة في هذه المقالة، وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين].

стр. 108

شرح الحموية [٧] مقالة التعطيل مقالة مأخوذة عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، وأول من قال بها هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وقد انقسم المعطلون لصفات الله إلى ثلاثة طبقات: من نفوا الأسماء والصفات، وهم الجهمية، ومن أثبت الأسماء في الجملة ونفى الصفات، وهم المعتزلة، ومن أثبت الأسماء وبعض الصفات، وهم الأشاعرة ومن وافقهم.

стр. 109

بيان إسناد مقالة التعطيل

стр. 110

أول من قال بالتعطيل في الإسلام قال المصنف ﵀: [ثم أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل للصفات- إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام -أعني: أن الله ليس على العرش حقيقةً، وأن معنى استوى بمعنى: استولى، ونحو ذلك- هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن إبان بن سمعان، وأخذها إبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ ]. بدأ المصنف ﵀ هنا ببيان إسناد مقالة التعطيل بعد أن بين إسناد مقالة أهل السنة والجماعة. وحديث سحر النبي ﷺ متفق عليه من حديث عائشة، والأئمة على قبوله، وإنما طعن فيه بعض المتأخرين بما ليس من أوجه الطعن، وما وقع له ﷺ من السحر لا ينافي مقام النبوة والرسالة. [وكان الجعد بن درهم هذا -فيما قيل- من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم). قوله: الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم يشير به إلى محمد بن عمر الرازي الذي صنف كتاب السر المكتوم. [ونمرود هو ملك الصابئة الكلدانيين المشركين، كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك مصر، والنجاشي ملك الحبشة، وبطليموس ملك اليونان، وقيصر ملك الروم، فهو اسم جنس ليس اسم علم، فكانت الصابئة إلا قيلاً منهم إذ ذاك على الشرك]. اتصال الإسناد الذي بعد الجعد بن درهم من جهة اليهود أو غير ذلك وكونه أخذ هذا من طالوت إلخ محتمل، وقد ذكره بعض أهل الأخبار والسير وبعض أهل العلم، لكن المتحقق أن أول من تكلم بهذه المقالة هو الجعد بن درهم، ثم أخذها وأظهرها الجهم بن صفوان، ولو فرض جدلاً أن قبل الجعد رجلاً أو ثلاثة أو عشرة أو مائة أو أنه مع الجعد رجال .. إلخ فإن كل هذه الفروضات لا تقدم كثيراً ولا تؤخر، إنما الاعتبار بأن هذه المقالة مقالة ليس عليها صبغة الشريعة ولا عليها صبغة اللغة؛ ولهذا ترى أنها في تقريرها ومقدماتها وتنظيمها لا تستعمل الأحرف الشرعية ولا الأحرف العربية المعروفة في لسان العرب، بل يستعملون الأعراض والجوهر الفرد والجوهر المركب، والتركيب والإمكان .. وهلم جرا، وإن كان لهذه معان في اللسان في كثير من الموارد إلا أنها من جهة اصطلاحهم على غير ما هو معروف في لسان العرب، فمن ترتيبها وتنظيمها يعلم أنها مقالة محصلة منقولة. [وعلماؤهم هم الفلاسفة، وإن كان الصابئ قد لا يكون مشركاً بل مؤمناً بالله واليوم الآخر كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة:٦٩] لكن كثيراً منهم أو أكثرهم كانوا كفاراً أو مشركين، كما أن كثيراً من اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا كفاراً أو مشركين، فأولئك الصابئون الذين كانوا إذ ذاك كانوا كفاراً أو مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل]. عني المصنف ﵀ بذكر الصابئين الذين أئمتهم الفلاسفة؛ لأن التحقيق -كما يذكر ذلك في كتبه الكبار- أن مقالة التعطيل هي مقالة فلسفية، أي: هذا التعطيل الذي قاله الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، ثم دخل على المعتزلة بصورة مقربة، ثم استعمل شيء كثير منه في كلام متكلمة الصفاتية أصل مقالته مقالة فلسفية؛ فإن الجعد بن درهم والجهم بن صفوان كانوا قبل ظهور المتفلسفة الذين يسمون بفلاسفة الإسلام، لكن لما ظهر فلاسفة الإسلام بعد هؤلاء وظهر الحسين بن عبد الله بن سينا قرر المذهب الذي قرره وأضافه إلى أرسطو، وهو يقارب كثيراً المذهب الذي كان عليه الجعد والجهم، بل يكاد يكون ينتهي إليه في الجملة، وإن كان هناك بعض الفرق في الترتيب والإطلاقات والاصطلاحات، لكن من حيث نفي الأسماء والصفات فإن المذهب واحد بين ابن سينا مع تأخره وبين الجعد والجهم، لكن ابن سينا صرح بأن هذه فلسفة، وأنه نقل ذلك عن الفلاسفة، وصرح بأنه من الممتنع أن يدل القرآن على هذا، وأنه ليس فيه إشارة أو تصريح بهذا، وأن القرآن لا يمكن تأويله، وأن المجاز غلط .. وهذه كلها مسالك فلسفية؛ لأنه ليس من مقصود المتفلسفة هؤلاء كـ ابن سينا وأمثاله التوفيق بين فلسفتهم والقرآن؛ لأنهم يرون أن للقرآن اختصاصاً وأن لفلسفتهم اختصاصاً، فالقرآن في الجمهور، وفلسفتهم في الخاصة والحكماء. إذاً: الناظر في كلام ابن سينا مع تأخره عن متقدمي المتكلمين يجد أن مذهبه في الصفات هو بعينه المذهب الذي قرره الجهم بن صفوان والجعد بن درهم، مما يدل على أنه مذهب منقول، لكن المتكلمين لم يصرحوا بأنه مذهب فلسفي، بل ظهر لهم في كثير من الأحوال -كما هو شأن أئمة المعتزلة- رد على الفلاسفة القائلين بقدم العالم، في حين أن ابن سينا صرح بأنه فلسفة؛ ولهذا هذا مذهب منقول بالقطع. [ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب: أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما]. أي: مذهب النفاة من الفلاسفة، وهذا هو الأسلوب الذي يستعمله ابن سينا، وهو أن الرب ليس له إلا صفات سلبية. والسلب: هو النفي. أو إضافية: كقولهم: إنه مبدأ الأشياء، وكقولهم: إنه علة الأشياء. وقد كان أرسطو أصلاً لا يتكلم إلا في مسألة العلة والمعلول، فجاء ابن سينا وتكلم في مسألة الواجب والممكن وقرب فلسفة أرسطو، وقرب المتكلمون هذا وتكلموا في المحدَث والمحدِث، ولا شك أن الله محدث للعالم، لكنهم قصدوا بأن المحدَث -الذي هو العالم- يفارق المحدِث -الذي هو الخالق بأن هذا المحدَث يتصف بالصفات كما تقول المعتزلة، أو أنه يتصف بالحوادث ولا يخلو منها كما تقول الأشاعرة. قوله: (أو مركبة منهما) أي: كقولهم: إنه عاقل ومعقول وعقل، وعاشق ومعشوق .. وهلم جرا. فهذه هي المركبات في اصطلاح المتفلسفة، ولهذا كقاعدة: لا تفسر اصطلاحات المتفلسفة أو حتى المتكلمين بحسب ما يتبادر من اللفظ أو السياق من جهة اللسان العربي، فإن كلمة مركبة لا يدل عليها بالضرورة مثل هذا الإطلاق فيها كقولهم: إنه عاقل ومعقول. ومثله الإضافية كقولهم: إنه مبدأ على معنى المتضايفين الذي يذكرونه في منطقهم.

стр. 111

أصل مقالة التعطيل مأخوذ عن الصابئة والفلاسفة [وهم الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل ﷺ ، فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة والفلاسفة]. وهذا من قوة ربط المصنف، وبهذا يتبين أن هؤلاء المتفلسفة الذين بعث إبراهيم في قومهم كانوا منحرفين في شيء من توحيد الربوبية، وهذا الانحراف ليس واقعاً في المشركين عبدة الأوثان الذين بعث فيهم محمد ﵌، ولهذا لم يخاصم محمد ﷺ قومه كثيراً في مسألة الربوبية إلا أنه يقع ذكرها في القرآن؛ لأن القوم -أعني: مشركي العرب- يسلمون بها، ومن يسلم بالربوبية يلزم أن يسلم بالألوهية، أما في قوم إبراهيم فالأمر ليس كذلك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٥ - ٧٨] فكان قوم إبراهيم -والذين كان الفلاسفة أئمتهم- منحرفين في توحيد الربوبية، كما أنهم منحرفون في توحيد الإلهية. [وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران، وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته]. أبو نصر الفارابي ليس من المتكلمين، بل هو من المتفلسفة الذين يضافون للإسلاميين، وهو قبل الحسين بن عبد الله بن سينا، وهو يعد أشهر المتفلسفة؛ وهم يلقبونه بالمعلم الثاني؛ لكونه رتب المنطق وقربه إلى أهل الإسلام، ويعنون بالمعلم الأول أرسطو طاليس، وقد جاء ابن سينا بعده، لكنه غلبه في الشهرة وكثرة التصنيف. [وأخذها الجهم أيضاً -فيما ذكره الإمام أحمد وغيره-]. ذكر هذا الإمام أحمد في رسالته الرد على الزنادقة، وهي رسالة مشهورة لطيفة ليست بالطويلة، وقد تكلم بعض أهل العلم في صحتها، وذكر الذهبي شيئاً من ذلك عن طائفة، لكن شيخ الإسلام ﵀ يعتبرها ويعتمدها ويجزم بصحتها إليه، ولهذا نشرها في كتبه وعلق عليها كثيراً، وخاصة في كتبه الكبار. [لما ناظر السمنية بعض فلاسفة الهند -وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات- فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة، والضالون هم إما من الصابئين وإما من المشركين. ثم لما عربت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء من جنس ما ألقوه في قلوب أشباههم]. شاعت هذه المقالة خاصة لما تقلدها المعتزلة؛ لأن الجهم بن صفوان لم يتحصل له أتباع، أي: أنه لم يشكل مدرسة متكاملة لها تنظيمها وترتيبها وأتباعها باطراد، بل كان -إن صح التعبير- صاحب نظرية، لم يكن لها حظها إذ ذاك حتى عند السلاطين في بني أمية، وهو كذلك كان معارضاً لهم مارقاً على خلافتهم، لكن لما تقلد هذه المقالة المعتزلة؛ وخاصة أن المعتزلة مع أنهم أخذوا مقالة الجهم بن صفوان إلا أنهم ذموه في كتبهم؛ لأنهم يختلفون معه في مسألة الإيمان، ومسألة القدر، حتى في الصفات لهم بعض الاختلاف الصوري معه، وإن كانت حقيقة المذهب واحدة. ولهذا كان من فقه السلف ﵏ أنهم سموا كل من نفى الصفات جهمياً وإن كان معتزلياً، ولهذا قالوا: فتنة الجهمية مع الإمام أحمد. مع أن أئمة المناظرة كانوا من المعتزلة، وإن كان ينبه إلى -كما قرر ذلك شيخ الإسلام - أن الذين اشتركوا في فتنة خلق القرآن ليسوا معتزلة محضة في سائر الأحوال، بل منهم معتزلة ومنهم من هو جهمي يميل إلى الإرجاء في مسائل الإيمان وغير ذلك.

стр. 112

طبقات مقالة التعطيل ومواقفها من بعضها البعض [ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية؛ بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وكلام الأئمة مثل مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم كثير في ذمهم وتضليلهم]. إذاً: عندنا ثلاث طبقات:

стр. 113

طبقة الجهمية الغلاة الطبقة الأولى: طبقة الجهمية الأولى الغلاة، نفاة الأسماء والصفات .. ومذهب هؤلاء ليس مشتبهاً، فإن بطلانه معلوم عند أهل السنة، بل وحتى المعتزلة يصرحون ببطلان طريقة جهم بن صفوان المحضة، وكذلك متكلمة الصفاتية كالكلابية والأشعرية والماتريدية. فالطبقة الأولى -إذاً- هي التي أسست مقالة التعطيل، وهؤلاء مقالتهم من جنس مقالة ابن سينا وأمثاله المتفلسفة.

стр. 114

طبقة المعتزلة الطبقة الثانية: وهي طبقة المعتزلة، وهم الذين يطلقون إثبات الأسماء في الجملة وينفون قيام الصفات بالذات، ولا يعني قولنا: يثبتون الأسماء في الجملة؛ أنهم يثبتون أسماء الرب سبحانه كما يثبتها أهل السنة، ولكنهم يثبتون منها ما يرون قبول الرب له، فقد اتفقوا على أنه حي عليم قدير، وقال البصريون منهم: إنه سميع بصير. لكنهم لا يثبتون صفةً هي السمع والعلم .. إلخ. وقد حصل في هذه الطبقة بعض الاشتباه، ومن أخص أسباب اشتباهها: تبني سلطان في دولة بني العباس لها، فقد تبناها المأمون بن هارون الرشيد، ودافع عنها واستعمل السيف فيها، ثم جاء المعتصم والواثق على ذلك؛ فكان هذا من أسباب دخولها. ومن أسباب اشتباهها: انتساب كثير من المعتزلة لـ أبي حنيفة في الفقه وخاصة متأخريهم، فتأثر كثير من الأحناف بمثل هذه المقالة. ولكن -أيضاً- هذه المقالة عند أهل السنة والمنتسبين إليها ليست محل اشتباه، فإن السلف أجمعوا على ذم مقالة المعتزلة، وكلام الأئمة -كما أشار المصنف ﵀ في ذمهم كثير، والسلف إذ ذاك كانوا يسمونهم جهمية، وهو الغالب، وإن كانوا أحياناً يصرحون باسم المعتزلة. وكذلك المنتسبون إلى السنة كالأشعرية والكلابية والماتريدية وجماهير الفقهاء أيضاً يتفقون على بطلان مذهب المعتزلة. إذاً: هاتان الطبقتان ليس فيهما اشتباه عند أهل السنة، والمنتسبين إليها من الفقهاء والمتكلمة الذين ينتسبون للسنة، وهم ثلاث طوائف على وجه الاشتهار: الكلابية والأشعرية والماتريدية، ويوجد طوائف أخرى، لكن هذه الثلاث أشهرها، وكذلك المتصوفة الذين مالوا عن طريقة السلف وانتسبوا للسنة.

стр. 115

طبقة متكلمة الصفاتية الطبقة الثالثة: وهم من انتسب إلى أهل السنة من بعد القرون الثلاثة الفاضلة، لكنه غلط في ضبط مذهب السلف، ويدخل في هؤلاء المتكلمة والمتصوفة والمتفقهة .. فقد حصل الاشتباه في الطريقة الحادثة التي أحدثها المتأخرون من المتكلمين ووافقهم عليها من وافقهم من المتصوفة والفقهاء ولهذا بعد أن بين المصنف أن السلف الذين تسلِّم الأشاعرة في الجملة بإمامتهم أجمعوا على ذم الجهمية، وحتى المعتزلة الذين ناظروا أئمة السلف وحصل بينهم طعن ورد. يبين المصنف أن هذه المذاهب الكلامية التالية -التي تسمى مذاهب متكلمة الصفاتية- تركب من مادتين: الأولى: حق أخذوه من السلف، وهذا يتفاضلون فيه. الثانية: نفي أخذوه من المعتزلة والجهمية. ولهذا يقول بعد ذلك في مقام الربط بين مذهب الأشعرية والمتأخرين بعامة، وبين مذهب الجهمية والمعتزلة والمتقدمين من المتكلمين بعامة، قوله: وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس .. وهذا هو أخص مقصود للمصنف يريد أن يصل إليه، وهو أن الأشاعرة كما أنهم يذمون المعتزلة فإنهم هم قد وقعوا في شيء من هذا الذي ذم لأجله السلف المعتزلة.

стр. 116

ارتباط الطبقة الثالثة بالطبقة الأولى [وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات]. أبو بكر بن فورك متكلم أشعري، وهو يعتبر من متقدمي الأشاعرة، وهو في الجملة من فضلائهم، أي: ليس هو بمنزلة الجويني والرازي وأمثالهما، وإن كان الباقلاني خيراً منه في هذا، والأشعري خيراً من الباقلاني، فـ ابن فورك يقارب طريقة الباقلاني وإن كان ليس عليها؛ لأن الباقلاني أقرب إلى الإثبات من أبي بكر بن فورك، وإن كان لـ ابن فورك اشتغال بالآثار مشهور أكثر من اشتغال القاضي الباقلاني. وله كتاب التأويلات، وقد رد عليه القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتابه إبطال التأويلات، وكتاب أبي يعلى مطبوع. [وذكرها أبو عبد الله بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه تأسيس التقديس]. هذا من أخص كتب الرازي، وهو ليس طويلاً، وقد رد عليه شيخ الإسلام في كتابه نقض التأسيس الذي طبع جزء منه، وحقق الآن كاملاً، ويكاد يطبع إن شاء الله قريباً. [ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي]. أبو علي الجبائي معتزلي، والمصنف ﵀ يريد أن يربط هذه المذاهب المتأخرة حتى ولو لم يكونوا أشاعرة. [وعبد الجبار بن أحمد الهمداني]. هو عمدة المتأخرين المصنفين في مذهب الاعتزال، له كتاب المغني -مطول- وشرح الأصول الخمسة، والمحيط بالتكليف، والمختصر في أصول الدين، وكتب في أصول الفقه، وهو متكلم معتزلي من كبار متأخريهم. وفي الجملة أن من يدافعون عن مذهب المعتزلة في هذا العصر، أو يمتدحون بعض طرقهم ومقاماتهم ومقدماتهم إنما هم عيال على كتب عبد الجبار بن أحمد، وخاصة المغني وشرح الأصول. [وأبي الحسين البصري]. أبو الحسين البصري من المعتزلة الحنفية، لكنه أقرب من عبد الجبار بن أحمد، وهو صاحب المعتمد في أصول الفقه، وقد خلط في هذا الكتاب الأصول الفقهية بكثير من الأصول الكلامية العقدية. [وأبي الوفاء بن عقيل]. أبو الوفاء بن عقيل حنبلي، وليس له انتماء كلامي؛ فإن الحنابلة -في الجملة- حتى إذا غلطوا لا ينتمون للمذاهب الكلامية، وإن كان ابن عقيل ﵀ قد درس في أول أمره على أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التباني المعتزليين، وكان من أصحاب أبي الحسين البصري المعتزلي، حتى إنه مال إلى شيء من كلام المعتزلة، وتأثر بكثير من كلام الكلابية وبخاصة في الصفات الفعلية، وصنف في هذا كتباً، وامتدح التأويل في بعضها، لكنه في آخر أمره رجع في الجملة إلى طريقة مقاربة لطريقة أهل السنة المحضة. [وأبي حامد الغزالي وغيرهم]. أبو حامد الغزالي من فقهاء الشافعية، ومن أهل أصول الفقه الكبار، له المستصفى في أصول الفقه، وهو أشعري متكلم متصوف، وهو حسن الكلام في السلوك لولا ما خلط في سلوكه من المواد الثلاث: الأحاديث الموضوعة، وترهات الصوفية، والمادة الفلسفية التي تكلم فيها في التصوف. وهذا لا يستغرب؛ فإن كثيراً من الفلسفة على طريقة التصوف العرفاني والإشراقي؛ ولهذا لما تكلم أبو حامد عن مقامات العارفين في كتبه -هذه المقامات التي ذكرها وامتدحها- نقلها من كلام الحسين بن عبد الله بن سينا في كتابه الإشارات والتنبيهات، بل يلخص نفس الكلام الذي قال ابن سينا، وهو يذكره في إحيائه وغيره، ولكن مع ذلك فالإحياء غالبه -كما قال شيخ الإسلام - جيد، أي أن فيه كلاماً حسناً في تقرير مسائل القلوب وغيرها، ولكن فيه أغلاط شديدة. [وهي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه، وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضاً]. أي: أنهم ليسوا على طريقة الجهمية المحضة، ولا على طريقة غلاة المعتزلة المحضة، بل لهم كلام حسن في أشياء، وإنما محل ذمهم ليس فيما وافقوا فيه السنة؛ فإن هذا مما يمتدحون به ولكن في مواضع التأويل؛ فإن التأويل مادته واحدة، وهي المادة الجهمية. [ولهم كلام حسن في أشياء، فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي، ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري. صنف كتاباً سماه رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد في ما افترى على الله في التوحيد حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها]. أقعد بها أي: أعلم بقواعدها. [وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته ومن جهة غيره]. من جهته وجهة غيره، ومن الجهات التي دخلت على بعض هؤلاء -كـ الرازي مثلاً- الجهة الفلسفية التي نقلها عن ابن سينا. [ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم وضعف حجة من خالفه ثم إذا رأى الأئمة -أئمة الهدى- قد أجمعوا على ذم المريسية، وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم]. هذا هو الربط. إذاً: المصنف في هذا المقام يبين أن أصل مقالة التعطيل ظهرت في أواخر عصر التابعين على يد الجعد بن درهم، ثم أظهرها الجهم بن صفوان، وأن هذه الطبقة لا إشكال فيها؛ فإنه حتى المعتزلة عند التحقيق يذمونها، وإن كانوا يتفقون معهم في حقيقة المذهب، لكن الموقف النظري عند المعتزلة هو التصريح ببطلان مذهب الجهم. والطبقة الثانية: وهي طبقة المعتزلة الأولى، وهذه أيضاً اتفق السلف على ذمها، وليست محل اشتباه. فأراد المصنف ذكر الربط في الطبقة الثالثة، وهم المتأخرون وبخاصة متكلمة الصفاتية أو حتى المعتزلة المتأخرة الذين انتسبوا لبعض الفقهاء الكبار كـ أبي حنيفة. فيقول: أن العاقل وطالب الحق إذا رأى أئمة الهدى قد ذموا المريسية أو ذموا الجهمية أو ذموا المعتزلة الأولى علم أن هذا الذم يطرد في هذا التأويل الذي استعمله المتأخرون ولو كان أكثرهم ينتسبون للسنة والجماعة، وأن محض الانتساب لا يكفي إذا لم يكن المذهب موافقاً لهذا الانتساب. [وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي تبين الهدى لمن يريد الله هدايته، ولا حولا ولا قوة إلا بالله]. قوله: وعلم أن هذا القول الساري أي: إذا علم أن القول الذي انتشر وشاع في هؤلاء المتأخرين هو مذهب بشر بن غياث وأمثاله من أئمة الجهمية الأولى أو المعتزلة الذين كانوا معطلةً للصفات، علم أن الحق يختص بما ذكره السلف، وأن المادة في التأويل واحدة. [والفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب، وإنما أشير إشارةً إلى مبادئ الأمور، والعاقل يسير وينظر، وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة، لا يمكن أن نذكر هاهنا إلا قليلاً منه: مثل كتاب السنن للالكائي، والإبانة لـ ابن بطة، والسنة لـ أبي ذر الهروي، والأصول لـ أبي عمر الطلمنكي، وكلام أبي عمر بن عبد البر، والأسماء والصفات للبيهقي، وقبل ذلك السنة للطبراني، ولـ أبي الشيخ الأصبهاني، ولـ أبي عبد الله بن مندة، ولـ أبي أحمد العسال الأصبهانيين، وقبل ذلك السنة للخلال، والتوحيد لـ ابن خزيمة، وكلام أبي العباس بن سريج، والرد على الجهمية لجماعة مثل البخاري، وشيخه عبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفي، وقبل ذلك السنة لـ عبد الله بن أحمد، والسنة لـ أبي بكر الأثرم، والسنة لـ حنبل، وللمروزي ولـ أبي داود السجستاني، ولـ ابن أبي شيبة، والسنة لـ أبي بكر بن أبي عاصم، وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري، وكتاب الرد على الجهمية لـ عثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم في الرد على الجهمية، وكلام نعيم بن محمد الخزاعي، وكلام غيرهم، وكلام الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن سعيد، ويحيى بن يحيى النيسابوري وأمثالهم، وقبل: لـ عبد الله بن المبارك وأمثاله، وأشياء كثيرة]. ومن طالع هذه الكتب التي أشار إليها المصنف وما ماثلها من كتب السلف علم أن هذا القول الذي وقع في المتأخرين من المتكلمين فضلاً عن قول المعتزلة والجهمية مناقض لمذهب السلف ﵏.

стр. 117

مذهب السلف مبني على الدلائل السمعية والعقلية [وعندنا من الدلائل السمعية والعقلية ما لا يتسع هذا الموضع لذكرها]. قوله: وعندنا من الدلائل السمعية والعقلية يتبين به أن مذهب السلف مذهب مبني على الدلائل السمعية وكذلك على الدلائل العقلية، وإن كان العقل عند السلف ليس مصدراً للتلقي، فهو وإن صح دليلاً في بعض الموارد إلا أنه ليس مصدراً للتلقي؛ ولهذا لا ترى أن مسألةً واحدة لا في الشريعة فضلاً عن أصول الدين يكون معتبر القول فيها عند السلف هو الدليل العقلي، وإن كان الدليل العقلي يقارن كثيراً من الدلائل الشرعية السمعية، وهذا مقام آخر. ولهذا لو قيل: هل يُستدل بالعقل عند السلف؟ قيل: إما باعتبار كونه مصدراً للتلقي، أي أن المسألة المعينة سواء كانت في مسائل أصول الدين أو الشريعة تثبت بهذا الدليل من جهته مع عدم دلالة السمع فإن هذا لا يكون، ولكن العقل يقارن كثيراً من الدلائل السمعية، ولهذا يكون مصححاً، هذا إذا قصد بالدليل العقلي الذي يحصله أعيان الناظرين، أما إذا قصد بالدليل العقلي الدليل القرآني الذي مقدماته عقلية فهذا مقام آخر.

стр. 118

مدى ارتباط الطبقة الثالثة بالطبقة الأولى [وأنا أعلم أن المتكلمين النفاة لهم شبهات موجودة، ولكن لا يمكن ذكرها في الفتوى، فمن نظر فيها وأراد إبانة ما ذكروه من الشبه فإنه يسير. فإذا كان أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل والتأويل- مأخوذاً عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود]. لأن أول من تكلما بها وهما الجعد والجهم ليس لهم مقام صدق وفضل في الأمة، حتى عند جمهور مبتدعة الأمة كالمعتزلة؛ فإنهم لا يمتدحون الجعد والجهم، فإذا كان جمهور الأمة حتى من وقع منهم في البدع بل من طوائف أهل البدع الكبار كالمعتزلة يذمون الجعد والجهم علم أن أصل هذه المقالة التي أسسوها ونشروها مقالة باطلة. [فكيف تطيب نفس مؤمن بل نفس عاقل أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟!!]. والشأن: هو أن يفقه طالب العلم الاتصال بين الطبقة الثانية -وهي طبقة المعتزلة وأمثالها- والطبقة الثالثة -وهي طبقة المتأخرين ممن انتسب للسنة والأئمة من متكلمة الصفاتية وأمثالهم- وحينما يقال: أن يفقه الاتصال. فإن هذا الاتصال لا شك أنه ليس على جهة التطابق، فإن الأشاعرة يخالفون المعتزلة في مسائل كثيرة مخالفةً حقيقية، ولكنهم يتفقون معهم في كثير من المسائل في الصفات، وإن كان الأشعرية يظنون في كثير من الموارد أنهم برآء من مذهب المعتزلة. ففقه هذا المقام هو الذي يحصل به زوال الإشكال؛ لأن مذهب المعتزلة لم يندفع إليه في الجملة أئمة الفقه -أعني: المتأخرين منهم- ومن اشتهر بالعلم، إنما الذي شاع وأشكل وتأثر به أو انتحله خلق من فضلاء أهل العلم الكبار هو مذهب أبي الحسن الأشعري، فإن كثيراً من أصحاب مالك والشافعي ممن لهم مقام في العلم، وتحصيل معروف، وإمامة عند المسلمين -سواء في الفقه أو في أصول الفقه أو في الحديث، أو في مقامات الأحوال والتعبد- كانوا يسلكون هذا المسلك الذي يظنونه بريئاً من البدعة، وهو في نفس الأمر من مقامات ومذاهب أهل البدع، لكنهم لم يتفطنوا في الجملة لهذا.

стр. 119

شرح الحموية [٨] أهل السنة والجماعة هم الوسط بين الفرق في أسماء الله وصفاته، فإنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف، ويؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته.

стр. 120

مذهب السلف في صفات الله قال المصنف ﵀: [فصل: ثم القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون لا يتجاوز القرآن والحديث. قال الإمام أحمد ﵁: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث. ومذهب السلف: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد]. بعد أن ذكر المصنف ﵀ المقدمة التي ذكر فيها أوجهاً يستدل بها على صحة مذهب السلف وبطلان مذاهب المخالفين، وذلك بأنه صوب مذهب السلف بالدلائل السمعية والعقلية فعُلم بذلك أن المذهب المخالف مذهب باطل، وهذا ليس من باب طريقة السبر والتقسيم التي تقدم ذمها من بعض الأوجه، فإن المصنف لما ذكر مذهب السلف وذكر المخالفين -سواءً كان المخالف يضاف إلى مذهب الكلاميين أو غيره- لم يستعمل الطريقة التي يستعملونها، بل استعمل الأدلة الشرعية والعقلية الدالة على صحة مذهب السلف، وهذا استدلال مفصل، ومعلوم أن هذه المذاهب تضاد هذا المذهب الذي دل الدليل على صوابه، فإذا كانت مضادةً له فإن الدليل العقلي القاطع يقضي بأن الضدين لا يجتمعان. وهذه الطريقة طريقة محكمة في العقل: وهي الاستدلال على القول الحق بالدلائل الشرعية والدلائل العقلية المناسبة له، فإذا تحققت الدلائل الشرعية والعقلية على صحة مذهب السلف، ومعلوم أن المذاهب المخالفة في هذا الباب هي من باب الأضداد لهذا المذهب فإنه بإجماع العقلاء لا يمكن الجمع بين الضدين. بعد هذا التقعيد، وبيان إسناد السلف وإسناد المخالفين، وبيان اتصال متأخري المتكلمين كالأشعرية وغيرهم بمتقدميهم، والاتصال بين متأخري المعتزلة كـ أبي الحسين البصري وأمثاله وبين قدماء أصحابه، وإن كان المتأخرون -كما يشير المصنف- لهم بعض الصوابات التي يفارقون بها قول الغلاة من المتكلمين. بعد ذلك دخل المصنف في هذا الفصل ليقرر جملة قول السلف ﵏ في باب الأسماء والصفات بشيء من التقعيد والتفصيل، فذكر القاعدة التي التزمها سائر أئمة السلف، وهي أن الله موصوف بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﵌ لا يتجاوز القرآن والحديث. وهذا يقع في باب الإثبات، ويمكن أن نقول: أنه يقع في باب النفي باعتبار الدلائل التي أقرها الدليل الشرعي؛ ذلك أن الطريقة القرآنية النبوية التي عليها السلف ﵏ أنهم في ذكر صفات الله -في الغالب- يذكرون الصفات المثبتة على التفصيل، وأما باب النفي فإنه يذكر مجملاً .. هذا هو الغالب على الطريقة القرآنية النبوية: التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي. ولكن مع ذلك فإنه يقع في الطريقة القرآنية والنبوية إجمال في الإثبات وتفصيل في النفي. أما الإجمال في الإثبات في الأسماء فهو في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] فهذا إثبات مجمل للأسماء. وأما الإجمال المثبت في الصفات فهو في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] والمثل الأعلى هو الوصف الأكمل، أي: صفات الكمال، وهذا هو الذي يسميه من يسميه من متأخري أهل السنة بقياس الأولى، وتراهم يقولون: أنه يستعمل في حق الله قياس الأولى على هذا المعنى من القرآن، ولكن التسمية الأولى الشرعية أن يقال: أنه له المثل الأعلى، أما تسميته قياساً فالأصل عدمها، ولكن إذا ذكرت من باب بيان قول أهل السنة في مسألة القياس أو من باب استعمال اصطلاح للمصطلحين فإن هذا -في الجملة- ليس به بأس. وأما النفي المفصل فهو المذكور في مثل قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] فهذا نفي مفصل، ولكن كل نفي مفصل في القرآن فإنه يتضمن ثبوت كمال الضد، والظلم ضده العدل، فهو لا يظلم أحداً سبحانه لكمال عدله .. وهلم جرا. ومثله: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهو لا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته وقيوميته. والكمال المقصود يقارن النفي المفصل عند ذكره أحياناً، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لكمال حياته وقيوميته، أو لا يقارنه بالتصريح ولكن السياق والقواعد والأصول تدل عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] أي: لكمال عدله. إذاً: القاعدة تقول: كل نفي مفصل في القرآن أو في السنة فإنه يتضمن أمراً ثبوتياً، وهو ما يقابله من الصفة التي هي صفة الكمال، وهي الصفة الثبوتية. فهذه القاعدة هي المستعملة من حيث الأصل في مذهب أهل السنة والجماعة، بخلاف طريقة المخالفين، فإنهم في الجملة يجملون في الإثبات ويفصلون في النفي، والنفي الذي يستعملونه لا يتضمن أمراً ثبوتياً من الصفات، بل يكون نفياً محضاً. وهنا يستعمل المصنف في تقرير مذهب السلف أنهم يصفون الله من غير تكييف ومن غير تمثيل، ويقصد بهذا رد مذهب المشبهة والمجسمة. وهذا المذهب -مذهب التشبيه والتجسيم- لم يكن فيه إشكال عند جماهير طوائف المسلمين لظهور فساده، ولهذا تقلده في مبدأ الأمر قوم من غلاة الشيعة الإمامية الرافضة كـ هشام بن الحكم وغيره، ثم إن الشيعة فيما بعد -في الجملة- تركوا هذا المذهب، وأصبحوا وجمهور الزيدية على مذهب المعتزلة. وقد تأثر بهذا المذهب -أعني: مذهب التشبيه- محمد بن كرام وأتباعه. لكن المذهب الذي أشكل هو مذهب النفي، ولا سيما بعد تقلد أبي الحسن الأشعري وجماعة من متكلمة الصفاتية له.

стр. 121

من طرق استدلال أهل السنة: الاستدلال بالمتفق على المختلف [وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله]. يذكر المصنف أن الله سبحانه مع اتصافه بصفات الكمال المفصلة في القرآن والحديث ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله، ثم ذكر هذا الدليل، وهو من أخص القواعد التي يذكرها المصنف في كتبه، قال: فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة فلذلك له صفات حقيقة. وهذا استدلال بالمسلمات، وهذه من طرق القرآن في الاستدلال، وهي: الاستدلال على المختلف بالمؤتلف، أو الاستدلال على ما كان متشابهاً بالمحكم. وقد يقول قائل: هل باب الصفات من المتشابه؟ نقول: لا، ليس هو من المتشابه، لكن لما زعم المخالفون كالمعتزلة وغيرهم أن آيات الصفات من المتشابه. قيل: هب أنها من المتشابه؛ فإنه يستدل بالمحكم في هذا الباب -باب المعرفة الإلهية- على ما زعموا أنه متشابه وهو آيات الصفات، وإلا فإن الحق أن آيات الصفات من المحكمات وليست من المتشابهات، لكن القاعدة المستعملة كثيراً في القرآن، وهي قاعدة عقلية مستعملة عند العقلاء وذكرها حتى غير الإسلاميين من الفلاسفة، هي الاستدلال بالمؤتلف على المختلف أو على المتشابه بالمحكم.

стр. 122

القول في الصفات كالقول في الذات يكون الاستدلال بهذه القاعدة على ثبوت الصفات بهذه الطريقة: اتفق أهل القبلة على أن الله له ذات حقيقة لا تشابه الذوات، وأنه موجود قائم بنفسه غني عن خلقه .. فكما أن له ذاتاً حقيقة فكذلك له صفات حقيقة، والقول في الصفات فرع عن القول في الذات. فمن قال: إن إثبات الصفات يستلزم أن تكون كصفات المخلوقين. قيل له: إن الصفات تابعة للذات، فكما أن الذات لا تشابه ذوات المخلوقين والمحدثات فإن الصفات كذلك؛ ولهذا اتفق المسلمون بل وجماهير بني آدم -إلا من غلا وألحد في الربوبية إلحاداً يختص به- على أن الله موجود، وهذا حكم بدهي، وببداهة العقول فإن المخلوقات موجودة؛ وقد عني شيخ الإسلام بتقرير مسألة الوجود في كتبه الكبار؛ لأنها أصل في هذا الباب في الرد على المخالف، وهي ترجع إلى قاعدة: أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص. وتطبيق هذه القاعدة -وهي قاعدة فاضلة- هو: أنه ببداهة العقول أن الباري موجود، وأن المخلوقات موجودة. فترى أنه صار اشتراك في الاسم المطلق بين الخالق والمخلوق، وهو اسم الوجود المجرد عن الإضافة والتخصيص، فإذا قيل وجود الله فهم منه لائق به سبحانه ليس كوجود خلقه، وإذا قيل وجود المخلوقات فهم منه وجود ناقص قاصر ليس كوجود الخالق؛ ولهذا كان وجوده باتفاق المسلمين -بل وعامة بني آدم- واجباً، وسائر المخلوقات ممكناً. فهل أوجب الاتفاق في الاسم المطلق في الوجود أن يكون الوجود كالوجود؟ الجواب بالبداهة العقلية: لا. فإذا كان كذلك فما الغرض هنا؟ هل المخالف يناقش في مسألة الوجود؟ الجواب: لا، ولكنا نستدل بالمؤتلف أو المتفق على ما زعموه مختلفاً أو متشابهاً، فيقال: القول في السمع والبصر مع المعتزلة كالقول في الوجود، فكما أن له وجوداً يليق به وللمخلوق وجوداً يليق به فله سمع وبصر يليق به وحياة وعلم وقدرة وكلام وهلم جراً من صفات الكمال تليق به، وللمخلوق من هذه الصفات ما يليق به، والاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص، فإن زعموه مستلزماً قيل: يلزمكم هذا في اسم الوجود. ولهم على هذا بعض الجوابات المتكلفة التي -كما قال المصنف- لا تزيد الأمر إلا سوءاً، فمنهم من قال: إن الوجود مقول بالاشتراك اللفظي .. وهذا ليس بجواب؛ لأنه لو صح هذا الجواب -والذي زعم الرازي أنه قول لـ أبي الحسن وهو غلط عليه، فإنه ليس من أقواله- للزم أن وجود الله لا يعرف؛ لأن المشترك اشتراكاً لفظياً لا يفقه معنىً بنسبة أخرى من المعنى المقابل كما تقول: المشتري -المقابل للبائع- وتقول المشتري الكوكب، وتقول سهيل بن عمرو وسهيل الكوكب .. وهلم جراً. ففي الحقيقة ليس لهم للتخلص من هذا الاستدلال إلا مقالات تزيد الأمر شدة وضلالاً عندهم.

стр. 123

قاعدة الاستدلال بالمتفق على المختلف ومن أمثلة الاستدلال بهذه القاعدة في القرآن: الاستدلال بمسألة الربوبية على مسألة الألوهية؛ وذلك لأن المشركين كانوا يقرون بالربوبية في الجملة ويخالفون في الألوهية، والقاعدة: أن المخالف يخاطب بأصول يقر بها تستلزم التسليم بما ينازع فيه. ولهذا لو قيل: هل هذه القاعدة تطرد؟ قيل: نعم، فما من طائفة من طوائف أهل البدع سواء كان ذلك في مسائل النظر أو في مسائل الإرادات والأحوال والتصوف، بل ولا طائفة من طوائف المشركين من أهل الكتاب أو غيرهم إلا ويقرون بما هو من المقدمات التي تستلزم الإقرار بما جاء في القرآن والسنة. ولهذا لما كتب النبي ﵌ إلى هرقل استدل في كتابته بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] وهكذا كل قوم في مناظرتهم أو مخاطبتهم يخاطبون بأصل يسلمون به، وهذا الأصل تجده يستلزم التسليم بما يخالفون فيه. وهذه قاعدة فاضلة مطردة مع سائر المخالفين من أهل البدع أو حتى من طوائف الكفار، قد يقول قائل: قد يكون الخطاب مع المجوس أو مع المشركين .. وهلم جرا. فيقال: وهكذا يكون؛ فإن الإقرار بوجود الله يستلزم الإقرار بالربوبية والأفعال، والإقرار بالربوبية والأفعال يستلزم الإقرار بالألوهية، والإقرار بالألوهية يستلزم الإقرار بالشرائع والنبوات .. وهلم جرا. وهذا هو المشهور كثيراً في القرآن في مسألة الاستدلال، مثله قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] بمعنى أن الذي قال من الكفار: من يحيي العظام وهي رميم؟ يقر بأن الله هو الذي أنشأها أول مرة، فإذا كان يقر بأنها أنشئت من العدم على غير مثال سابق لها فكذلك من باب الأولى أن تعاد إذا كانت رميماً وقد بقي أصل مادتها. إذاً: الاستدلال بالمؤتلف على المختلف عند المخالف -وإن كان في نفس الشريعة ليس مختلفاً- يحصل هذا التحصيل، بل هو في كثير من الموارد يحصله بطريقة الأولى، أي: أن الذي خالف فيه عند التحقيق أولى في الثبوت مما وافق فيه، أي: أن الذي خالف فيه كمخالفة الكفار الذين قالوا: من يحيي العظام وهي رميم. فإن إثبات الإعادة لهذه العظام أولى في الظهور العقلي من إثبات النشأة الأولى، وهم يقرون بالنشأة الأولى. فهذا الاستدلال أحياناً يحصل الحكم بطريق الأولى وأحياناً بطريق التساوي، ولا يكون قاصراً في حال من الأحوال. هذه القاعدة الفاضلة يستعملها المصنف كثيراً، وقد استعمل في الرسالة التدمرية هذه القاعدة بأصلين، فقال: الأصل الأول أن القول في الصفات كالقول في الذات، وهو يخاطب به الجهمية والمعتزلة الذين ينفون سائر الصفات؛ لأن الجهمية والمعتزلة يثبتون لله ذاتاً تليق به لا تشابه ذوات المخلوقين. فقال: يلزم أن تثبت له صفات تليق به لا تشابه صفات المخلوقين. الأصل الثاني قوله: إن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر وهو يخاطب بهذا من يسلم ببعض الصفات كالأشاعرة الذين سلموا بالحياة والكلام والبصر والسمع والإرادة والعلم والقدرة، وسلم قدماؤهم وأئمتهم بغير ذلك من الصفات الخبرية وأمثالها، فهذا الذي اتفق الأشعرية فيه مع أهل السنة يدل بنفسه على ثبوت ما نازعوا فيه. فقوله: القول في بعض الصفات أي: القول فيما أثبتم كالقول فيما نفيتم. إن قلتم: أن هذه الصفات السبع التي اتفق عليها الأشاعرة وقررها المتأخرون قد ثبتت بالسمع، فقد أثبت السمع غيرها، وإن قلتم ثبتت بالعقل قيل: العقل دليل، وعدم الدليل المعين ليس دليلاً على العدم، فعندنا دليل آخر وهو السمع. إلا إن قالوا: إن القرآن ليس دليلاً. فهذا مقام آخر يدل على زيغ وزندقة. وأيضاً: فإن العقل يدل على غير هذه الصفات السبع، فقد كان الأشعري -وهو إمام المذهب- يثبت العلو بالعقل، وأثبت الرؤية بالعقل .. وهلم جرا، فالعقل لا يقتصر على هذه الصفات السبع، بل إن دلالة العقل على بعض الصفات أظهر من دلالته على بعض هذه الصفات السبع. فغالب القواعد عند شيخ الإسلام ترجع إلى هذه القاعدة، وهي قاعدة عقلية مقررة عند العقلاء: وهي الاستدلال بالمؤتلف أو المتفق على المختلف. وهي قاعدة مطردة في دين الإسلام من مسائل أصول الدين: أن كل من نازع في أصل من أصول الدين من الكفار أو غلط فيه من طوائف أهل القبلة، وإن كان الكافر يكفر بالإسلام جملة، لكن قد يكون اختصاصه بتعيين شيء ما، فإن مشركي العرب وهم كفار آمنوا بأصل الربوبية لكنهم قالوا كما قال الله عنهم: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧] وقال سهيل بن عمرو: (أما الرحمن فلا أدري ما هو ..) وهلم جرا. فيقال: كل من نازع فيما جاءت به الرسل من أصول الديانة فإن في المسلمات الضرورية والفطرية والعقلية ما يدل على ثبوت هذا الذي نازع فيه، وهكذا من غلط في شيء من ذلك من طوائف أهل البدع. [وكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه]. قوله: ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم هذا أخص درجات الاستدلال العقلي، وهو أنه منزه عن الحدوث؛ لأن الحدوث يستلزم سابقة العدم، والرب يمتنع عليه العدم.

стр. 124

ضرورة التزام الألفاظ الشرعية في مقام تقرير اعتقاد أهل السنة [واستلزام الحدوث سابقة العدم، ولافتقار المحدَث إلى محدِث، ولوجب وجوده بنفسه ]. التعبير بوجوب الوجود في الأصل ليس تعبيراً شرعياً، وإنما استعمله الفلاسفة الذين انتسبوا للإسلام كـ ابن سينا وأمثاله، فإنهم إذا قسموا الأشياء قالوا: الشيء إما أن يكون واجب الوجود، أو ممكن الوجود، أو ممتنع الوجود. والله سبحانه واجب الوجود من جهة أنه هو الأول؛ ولهذا لا يعبر بهذا الاصطلاح كتقرير لاعتقاد أهل السنة، وإن كان إذا عرض في باب الرد على المخالف يكون صواباً، لكن في تقرير قول أهل السنة يقال: إن الله هو الأول ليس قبله شيء كما جاء في القرآن: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء).

стр. 125

كل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل [ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصف به رسوله؛ فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى، ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته]. ويلحدوا في أسماء الله وآياته أي: يميلوا بها عن الحق الذي قصد بها. [وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل: فهو جامع بين التعطيل والتمثيل]. هذه قاعدة عند المصنف: أن كل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل؛ وذلك لأن نفاة الصفات الذين هم المعطلة سواء كانوا نفاة للصفات نفياً محضاً كالجهمية وأئمة المعتزلة أو نفوا ما هو من الصفات كالصفات الفعلية عند الأشاعرة، يقال: إنهم لم ينفوا هذا النوع من الصفات بتقريرهم هم إلا لأنهم ظنوا -بل أوجبوا- أن إثباتها يستلزم التشبيه، أي: امتنع عندهم ثبوت هذه الصفات إلا مشابهةً للمخلوقين، فهم شبهوا أولاً وعطلوا آخراً، وإلا لو فقهوا أن هذه الصفات اتصف الرب بها، وببداهة العقول يعلم امتناع أن يكون الباري مشابهاً لشيء من المحدثات، فإن من عرف الله حق معرفته، وعرف أنه ليس كمثله شيء، وأنه لا يحاط به علماً عرف أن هذه الصفات لا يمكن لأحد أن يدرك كيفيتها. ويمكن أن توضح هذه القاعدة عند المصنف بتقرير آخر، وهي أن يقال: إن المخالفين ظنوا أن العلم بالصفة من جهة معناها يستلزم العلم بها من جهة كيفيتها، أي: أنهم رأوا أن بين العلمين تلازماً في هذا الباب، وهذا التلازم الذي ظنوه هو محل الوهم عندهم، وإلا لو حققوا الفرق بين العلم بالمعنى والعلم بالكيفية -كما عليه السلف ﵏ لما تحصل لهم هذا الإشكال. إذاً: دعوى أن هذا الإثبات تشبيه يدل على أن الكيفية معلومة، فمن قال: إن إثبات الصفة يدل على التشبيه أو يستلزم التشبيه، قيل: هذا الحكم فرع عن إمكان العلم بالكيفية، والعلم بالكيفية علم ممتنع، فلا بد من التفريق بين العلم بالمعنى والعلم بالكيفية، ولهذا ترى أن مالكاً ﵀ صار قوله قاعدةً في هذا لما قال: الاستواء معلوم فهذا علم بالمعنى، قال: والكيف مجهول هذا نفي للعلم بالكيفية، فهذا التفريق هو الذي التزمه أئمة السلف وهو مما يظهر حذقهم العقلي والشرعي في هذا التقرير، أما أنه حذق شرعي فلأن الله أخبرنا بهذه الصفات ولم يخبرنا بكيفيتها، وكيفيته لا يحاط بها ولا يعلمها أحد من الخلق لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. فإن قال قائل: وهل أخبرنا الله بمعانيها؟ الجواب: نعم؛ لأنه لو لم يكن ذكرها في القرآن مضافةً إلى الله يقصد به المعاني المعروفة من جهة الإشراك العام لما كان لهذا الخطاب في القرآن معنى؛ ومما يدل على هذا أن كل صفة جاءت في القرآن إنما جاءت في سياق يناسبها، فإذا ذكر الله من كفر به وقتل الأنبياء قال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦] وإذا ذكر توبة المؤمنين قال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١١٧] فيذكر سبحانه من أسمائه وصفاته ما يناسب المقام؛ مما يدل على أن هذه الصفات على معانيها الظاهرة في القرآن، وإذا قيل: على معانيها الظاهرة فلا يعنى بذلك المعاني التي تضاف إلى المخلوقين، فإن هذه المعاني تليق بالمخلوق. إذاً هذه القاعدة قاعدة شريفة: أن المعطل مثّل أولاً، أي: لم يفهم من الصفات إلا اللائق بالمخلوق فذهب ينفيه. أما الممثل فهو معطل؛ لأنه لما مثل صفات الخالق بصفات المخلوق عطلها عن معناها اللائق بها.

стр. 126

استلزام مقالة التعطيل للتعطيل والتمثيل [أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات؛ فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، مثلوا أولاً وعطلوا آخراً، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله ]. فلهذا وجدت نزعة التشبيه عند المعتزلة في باب الصفات من جهة أنهم لم يفهموا من الصفات إلا التشبيه، ولهذا كان من قواعد المعتزلة الكلامية: أن الأجسام متماثلة، وأن كل من اتصف بصفة فإنه يكون جسماً والأجسام متماثلة. وهذه قاعدة ليس لها اعتبار، والإشكال أنهم لم يعتبروا الأشياء إلا بما عرفوه في قانونهم الأرضي، ومن المعلوم أن هذا القانون الذي يشاهدونه ليس لازماً في عالم الممكنات، ومن باب أولى ألا يكون لازماً بين الخالق والمخلوق، كما ذكر شيخ الإسلام في التدمرية المثلين لما قال: نعيم الجنة ونعيم الدنيا، فقد اشتركت في الأسماء ولم يلزم من ذلك الاشتراك في الحقائق أو الماهيات في نفس الأمر. فهذا القانون الذي وعوه هو قانون انحداد ما يعرفونه من الممكنات، ومن هنا جاءوا اللوازم التي ادعوا أنها تلزم من إثبات الصفات، ومثال ذلك أنهم يقولون: إن الغضب غليان دم القلب -كما ذكر المصنف عن طائفة من الأشاعرة- فهذه اللوازم والتفسيرات للغضب أو لغيره من الصفات مبنية على مشاهدة المخلوقات، وهذا اللازم هو لازم لما يناسبه من المخلوقات، وإلا ليس هو قانوناً عقلياً. فإنه إذا قيل: العقل يستلزم أن يكون الغضب غليان دم القلب .. إلخ، وهذا لا يليق بالله، قيل: اللازم ليس عقلياً، إنما لازم حسي مشاهد. ولهذا لو أخذنا الجسم وقيل: إن هذا الجسم إذا أطلق يستقر، ولا يسقط إلى أسفل. لقال قائل: إن هذا مخالف للعقل. وهو -في حقيقته- ليس مخالفاً للعقل، لأن الضابط العقلي عند الناس الآن أن هذا الجسم إذا أطلق سقط إلى الأسفل، لكن هذا ليس لازماً عقلياً، إنما هو لازم حسي مشاهد، ولهذا إذا تجاوز هذا الجسم بعض المحيطات الأرضية التي يثبت فيها هذا النوع من الحركة ثم أطلق فإنه قد يصعد أو قد يذهب يميناً أو شمالاً أو قد يثبت في مكانه. وهذه من القواعد التي عني بها شيخ الإسلام ﵀، وهو: أن العقل لا يعارض النقل، وأن الشبهات التي رأوها لوازم هي لوازم حسية، ومن هنا يقول: إن المعطلة ممثلة؛ لأن اللوازم التي يدعون أنها لوازم عقلية إنما هي لوازم مثالية حسية مشاهدة. إذاً: فرق بين الضرورة العقلية والضرورة الحسية، فإن الضرورية الحسية لا قيمة لها؛ لأنها عبارة عن قانون داخل محيط الحس، وقد يكون هناك محيط حسي آخر لا يثبت فيه ما يراه الإنسان ضرورةً. ومن الأمثلة التي توضح هذا أكثر: أنه لو أخذت إنساناً وغمرته في الماء؛ فإنه يموت، وسبب موته هو انقطاع النفس، لكن لو أخرجت سمكاً من الماء وتركته ساعة لمات، وسبب موته انقطاع النفس، فالإنسان داخل الماء ينقطع نفسه والسمك العكس. وبهذا يتبين أن الإنسان قد يتصور بعض الاطرادات التي يظنها عقلية وهي -في حقيقتها- حسية. وكفائدة عامة هنا: حتى الشبهات التي يذكرها الملاحدة تجاه دين الإسلام ككون الإنسان في قبره يعذب، فيقولون: كيف يعذب وهو مطمور بالطين والتراب .. إلخ؟ كيف يكون حياً يعذب .. إلخ؟ هذا كله راجع إلى قانون حسي شاهدوه، وهو أن الإنسان لابد أن يأكل ويشرب حتى لا يموت، لكن هذا ليس لازماً عقلياً؛ بل هو قانون حسي مشاهد، ولهذا الملائكة -كما يقول شيخ الإسلام ﵀: صمط لا يأكلون ولا يشربون. فهذا المعنى ينبغي لطالب العلم أن ينتبه له في الرد على أصناف المخالفين حتى الكفار، وهو: أن الضرورة العقلية ليست هي الضرورة الحسية، فإن الضرورة الحسية يمكن أن تتغير في محيط حسي آخر، فضلاً عن غير ذلك. [فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساوياً، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام، فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم]. أي: إلا ما يعرفه مما يسميه ضرورة عقلية، وهو في نفس الأمر ضرورة حسية، فهو يقول: لو كان فوق العرش لكان مساوياً، أو لكان محتاجاً .. إلخ؛ لأنه يشاهد حال الإنسان وهو على السرير أو الدابة أو السفينة أو غير ذلك، فهو يعتبر الشواهد الحسية ويريد أن يمثل صفات الله بها، هذا هو معنى قول شيخ الإسلام أن المعطل ممثل. [كان على أي جسم كان. وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم]. وهذا اللازم -أي: هذا اللازم الحسي- الذي زعم المخالفون أنه لازم عقلي، هو لازم حسي وليس لازماً عقلياً. [أما استواء يليق بجلال الله تعالى ويختص به؛ فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يلزم من سائر الأجسام، وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع. فإما أن يكون جوهراً أو عرضاً .. وكلاهما محال، إذ لا يعقل موجود إلا هذان. أو قوله: إذا كان مستوياً على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك، إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فإن كليهما مثَّل، وكليهما عطل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز الأول بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين]. وهذه فائدة، وهي: أن ما صح من اللوازم التي يزعمون أنها لوازم فهو لازم حسي، وهذا معنى قول شيخ الإسلام ﵀: إن كل معطل ممثل؛ لأنه استدعى لوازم حسية مثالية جسمانية محدثة، وأوجب أن تكون مطردة في الصفات التي أثبتها.

стр. 127

شرح الحموية [٩] من القواعد التي يذكرها العلماء في باب الصفات: أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فمن أثبت لله تعالى السمع والبصر ونحوهما فيلزمه أن يثبت باقي الصفات كالعلو والاستواء ونحوها، وإلا فإنه متناقض فيما يثبته وينفيه، وإن زعم أن العقل يدل على ما ذهب إليه، فإن العقل الصريح موافق للنقل الصحيح، وليس فيهما ما يوجب مخالفة العقيدة السلفية أصلاً، وإن نفوا الصفات بحجة التأويل فإنها حجة باطلة داحضة، معلومة الفساد من أوجه كثيرة.

стр. 128

القول الحق هو ما عليه الأمة الوسط قال المصنف ﵀: [والقول الفاصل: هو ما عليه الأمة الوسط: من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك]. يستعمل المصنف ﵀ هذه الصفات لأن الرسالة موجهة -في الغالب- لمتأخري الأشاعرة؛ لأن متأخري الأشاعرة يقرون بهذه الصفات: العلم والقدرة والسمع والبصر. فيقول لهم: كما أنكم أقررتم بهذه الصفات ولم يلزم من الإقرار بها أن تكون كصفات المخلوق فكذلك القول في الاستواء وبقية الصفات.

стр. 129

العقل قوة غريزية لها حد [ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرهم، وكذلك هو سبحانه فوق العرش، ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمها. واعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلاً]. هذا معنىً فاضل: أنه إذا قال قائل: الدليل العقلي يكون كذا. نقول: العقل لا يعارض النقل، والتعبد إنما هو بالنقل وليس بالعقل، ولكن إذا قلنا: التعبد بالنقل وليس بالعقل؛ فلا يعني هذا أن العقل فيه دلائل يتعذر على السالك مسلك النقل أن يجيب عنها، وإن كانت بعض ما جاءت به الشريعة يتعذر على العقل أن يدركه على التفصيل، وهذا لا إشكال فيه، ولهذا قال شيخ الإسلام: الرسل قد تخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول. ومعنى قوله: محارات العقول أي ما يتحير العقل في إدراك تفصيله، ومعنى قوله: بمحالات العقول أي: ما يستحيل في العقل أو يمنعه. وليس غريباً أن يقال: إن العقل قد يتحير أو يعجز عن إدراك التفصيل؛ لأن العقل قوة بشرية خاصة وقوة غريزية في الإنسان له حد، كما أن السمع في الإنسان له حد، والبصر في الإنسان له حد، والذوق في الإنسان له حد، والشم في الإنسان له حد، فكل قوة في الإنسان لها حد، فكذلك هذه القوة الباطنة وهي قوة الإدراك والعقل هي أيضاً قوة لها حد، لكن بحكم أنها غير مشاهدة -أي: ليست حسية- قد يصعب إدراك هذا. فأنت تعرف أن لبصرك حداً؛ لأنك تبصر به، ولهذا لا يوجد شخص عنده شبهة في أنه يبصر وهو لا يبصر، أي: لا تكون عند شخص شبهة يقول: أنا أبصر. فنقول: لا، أنت لا تبصر؛ لأن هناك أدلة متناقضة ومتعارضة على أنه يبصر أو لا يبصر؛ لأنها قضية حسية، لكن لأن العقل ليس قضية حسية يقع الوهم عند الكثيرين أنهم يدركون بعقولهم، مع أن العقل في نفس الأمر واقف عما يتكلمون في إدراكه، سواء من يدعي ذلك في مسائل الصفات وغيرها أو حتى من يدعي ذلك في مسائل التشريعات؛ حيث يدعي البعض أن الحكم الشرعي الفلاني لا يناسب العقل، أو أن الحد الفلاني لا يناسب العقل. فهذه الحدود الشرعية التي قد يراها كثير من الناظرين أنها قوة على الإنسان أو شدة على الإنسان، أو كما يصنفها الكفار بأنها غير مناسبة للإنسانية نجد أنها في القرآن تذكر على أنها هي الموافقة للطبيعة البشرية؛ لأن البشر لو لم يحدوا بهذه الحدود لحصل بينهم من الفساد والتعدي ما لا ينبغي، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩] وكان قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧] ثم قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨] حتى بالحدود يخفف عنهم فقال: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨] فترى أن هذه الحدود -التي هي كفارات كما وصفها النبي ﵌ هي تخفيف على الإنسان، وضبط لميزان الإنسانية والبشرية؛ ولهذا إذا خلا منها مجتمع من المجتمعات يحصل فيه من العدوان والضلال والبغي ما لا ينبغي.

стр. 130

لا يمكن أن يكون العقل مصدراً للتلقي [لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق. فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير. ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة -من المتأولين لهذا الباب- في أمر مريج، فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها]. بدأ المصنف هنا يضرب أمثلةً، وهي أنهم يقولون: تعارض العقل والنقل. فيقول: إن العقل الذي يزعمونه معارضاً للنقل يضطربون فيه، فالمعتزلة يقولون: إن العقل يحيل الرؤية. في حين أن جمهور الأشاعرة يقولون: العقل يدل على ثبوت الرؤية .. وهلم جرا. [وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علماً وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: أن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل]. بمعنى أنه لا يمكن أن يكون العقل مصدراً للتلقي؛ لأنه لا يمكن أن ينضبط، والدليل على ذلك: أن من هؤلاء الطوائف الذين استعملوا العقل من يثبت شيئاً بالعقل ويزعم الآخر أن العقل ينفيه، فالأشاعرة -مثلاً- تقول: الحياة والكلام والبصر والسمع والإرادة والعلم والقدرة صفات تثبت بالضرورة العقلية .. لكن المعتزلة تقول: إن هذه الصفات منتفية بالضرورة العقلية. ويقول المتكلمون: نعيم الجنة يثبت بضرورة العقل، لكن المتفلسفة تقول: هذا النعيم لا يثبت بضرورة العقل، بل العقل يدل على نفيه .. وهلم جرا. إذاً: الدليل على أن العقل ليس دليلاً ومصدراً للمعرفة الحقة أن من شرط الدليل الحق -وهذا قاعدة-: أن يكون قابلاً للاطراد إذا أُحسن النظر فيه، والعقل لا يمكن أن يكون قابلاً للاطراد مهما وقع النظر فيه على جهة من الحسن؛ لأن العقل يغلب عليه إشكالان: الأول: أنه يغلط فيه من يغلط. الثاني: أنه لا يمكن أن يطرد؛ لأن العقل قوة قاصرة. إذاً: يمتنع أن يكون دليلاً؛ لأنه لا يقبل الاطراد من جهة قصوره ومن جهة اختلاف الناظرين فيه، حتى لو افترضنا جدلاً أن الناظرين يتفقون في العقل فنقول: يمتنع أن يكون دليلاً مطرداً؛ لأنه لا يقبل الاطراد؛ وذلك لأن العقل قوة قاصرة، كما أن البصر قوة قاصرة، فلا يمكن للإنسان أن يبصر ببصره كل شيء؛ فكذلك العقل لا يمكن أن يدرك به كل شيء. [ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل. ويكفيك دليلاً على فساد قول هؤلاء: أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل]. وهذا دليل قاطع: أنه إذا تناقض المخالف تحت القاعدة الواحدة أو تحت الدليل الذي يزعمه دليلاً -وهو الدليل العقلي- وتناقضوا فيه دل على أن هذا الدليل الذي زعموه ليس دليلاً حقاً. [بل منهم من يزعم أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله .. فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟!]. أي: هب أن القرآن يحتاج إلى تأويل عقلي، فبأي عقل هذا التأويل؟ هل هو بعقل الأشاعرة أو بعقل المعتزلة أو بعقل الماتريدية أو بعقل المتفلسفة أو بعقل الكرامية أو بعقل المشبهة .. وهلم جرا من الطوائف؟ وهذا يدل على أنه يمتنع أن يرد الله المعرفة إلى عقول متناقضة مختلفة، أو إلى عقول تلقت معقولها من قوم هم من أعظم من ناقض الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم المتفلسفة الذين بعث فيهم إبراهيم ﵊. وقد أسلفنا أن أجوبة السلف ﵏ في هذا الباب هي أسد الأجوبة، ولهذا من يقول: إن علماء السلف لم يشتغلوا بالردود العقلية. نقول: هم لم يشتغلوا بالردود العقلية حسب التنظيمات العقلية الاصطلاحية، لكن أن تكون جوابات السلف ليس فيها جوابات عقلية .. فهذا غلط على السلف، فقد تقدم معنا أن في جواب الإمام أحمد في مسألة العلو ومسألة القرآن أجوبة عقلية، وإن كان قد لا يستعمل فيها الاصطلاحات العقلية. والإشكال أن بعض طلبة العلم وبعض الشباب كما أن هذا وقع فيه بعض النظار: ظنوا أن الدليل العقلي هو الدليل الذي ينظم باصطلاحات الفلسفة أو المنطق أو علم الكلام، فإذا لم يستعمل ضمن الدليل كلمة الجوهر والعرض والهيولى .. إلخ ظن أن الدليل ليس دليلاً عقلياً، مع أن الأمر ليس كذلك، ولهذا يقول شيخ الإسلام ﵀: الدلائل العقلية معتبرة بمعانيها التي يقبلها العقل، وليس بترتيبها واصطلاحها، فإن التركيب والاصطلاح يختلف فيه الناس، أما الترتيب فلأن العقول تختلف، وأما الاصطلاح فلأنه عبارة عن لسان، واللسان بين بني آدم يختلف، بخلاف المعنى المدرك؛ فإنه لا يختلف بين بني آدم.

стр. 131

الانشغال بمسائل الجدل والمناظرات لا ينبغي أن يكون شأناً لطالب العلم [فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء]. وهذه القاعدة التي قالها مالك ﵀ قاعدة فاضلة لطالب العلم، وهي أن مسألة الظهور بشيء من الشبهة عند بعض الناس لا يعني في نفس الأمر أن الحق الذي معك انقلب إلى باطل، ولكن يبقى أن الشخص بحكم ضعفه قد لا يستطيع دفع هذا الباطل؛ ولهذا قال: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء. وغالباً أن الجدل يقع إذا ترك الأثر، وقد جاء في حديث -لكن فيه ضعف - في السنن: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) فالاشتغال دائماً بمسائل الجدل والنقاشات هذا لا ينبغي أن يكون شأناً لطالب العلم؛ لأنه ينبغي أن يكون له شأن في تقرير الاتفاق وتقرير الإجماعات إلخ. وربما ترى بعض الشباب قد يشغل نفسه أو يشغل من حوله، وربما أشغل بعض العامة في مسائل يسيرة قد اختلف فيها الأئمة الكبار، والخلاف فيها ليس شديداً، مع أنه كان الخليق والأخلق به أن يشتغل بعبادات أجمع عليها الرسل. وهذا -سبحان الله! - من قلة الفقه. وهب أن النزاع فيها له قدر وأهمية فإن كونها لها أهمية ينبغي أن يقدر ذلك بقدره، فإن غيرها من المسائل لها أهمية، وبالقطع والضرورة أنها ليست هي أهم المسائل، فإن أهم المسائل هو توحيد الله وهذا مستقر. فكون طالب العلم دائماً يكون اصطحابه لمثل هذه المسائل، ويشغل بها نفسه، ويحدث بها الخاصة والعامة ويؤدبهم بها .. هذا ليس من أدب الشرع، فإن الناس أحوج ما يحتاجون إلى أن يؤدبوا بالعلم البين، وهو: العلم بالله وأسمائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، هذا هو الإيمان الذي وصفه النبي ﷺ في حديث جبريل، وقال الله تعالى لنبيه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] ويؤدب بالعمل الصالح وبخاصة الأعمال التي هي أصول في الشرائع السماوية كلها، كالصلاة والصيام والإحسان إلى الخلق، وإتيان العبادات الخاصة، وحج بيت الله الحرام وأمثال ذلك.

стр. 132

الرد على أهل التأويل [وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر، وهو من وجوه:]

стр. 133

الوجه الأول [أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك]. قوله: أن العقل لا يحيل ذلك أي: ليس في العقل الدلالة على نفي شيء جاءت به النصوص .. وهذه قاعدة.

стр. 134

الوجه الثاني [والثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل]. قوله: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل يمكن أن نقول بعبارة أخرى: أن النصوص الواردة يمتنع فيها التأويل. ونضرب لهذا مثالين: في قوله ﷺ كما في الصحيحين: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له. فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر) والمخالفون من المعتزلة والأشاعرة لا يثبتون هذا النزول لائقاً بجلال الله ، بل يتأولونه. فمنهم من يقول: ينزل ملك من ملائكته. نقول: إن النبي ﷺ قال: (ينزل ربنا) فمن أين جاء المؤول بقوله: ينزل ملك؟؟ إن قال: لأن الله يمتنع عليه النزول. قيل: الله ليس كذلك؛ لأنه نزوله ليس كنزول المخلوق. ثم لو فرض جدلاً هذا فهل يعني امتناع النزول في حق الباري تعيين أن الذي ينزل ملك أو عدمه؟ الجواب: عدم التعيين؛ لأنه قد لا يكون في نفس الأمر، فقد يكون الذي ينزل ملكان أو جمع من الملائكة، فمن الذي قال: إنه ملك؟! وكذلك نقول لمن قال: تنزل رحمته أو أمره. إذاً: التأويلات التي تفرض متعددة وهي مختلفة، ففرق بين قول من يقول: ينزل جبريل أو ينزل ملك، أو ينزل جملة من الملائكة، وبين قول من يقول: ينزل أمره، أو تنزل رحمته .. فمن الذي عين واحداً منها؟ أي: هب جدلاً أن النزول ممتنع فمن الذي عين واحداً منها؟ وبأي دليل؟ ومن قال بأنه ينزل ملك وهو لا يدري هذا كذب؛ لأن الملك لا ينزل إلا بأمر الله. إذاً: فكما أن تأويلاتهم ممتنعة هي في حقيقتها كذب -وهذا مطرد في كل التأويلات ولكن هذا مثال- لأن التأويل ليس هو الذي جاء بالنص، أي: أن المعنى الذي أول إليه النص ليس هو المعنى الذي ذكره النص، فإن النص ذكر نزول الله والتأويل ذكر نزول الملك، ونزول الله غير نزول الملك، والقرآن ذكر استواء الله والتأويل ذكر استيلاء الباري، والاستيلاء هو الملك، وليس معنى الاستواء هو معنى الاستيلاء، وهكذا بقية التأويلات. إذاً: لما كان المعنى الذي يؤول إليه النص -وهذا باتفاق حتى المعتزلة ومن يوافقهم- هو في نفسه معنى غير المعنى الذي ذكره النص مضافاً إلى الله، أصبح عندنا معنيان: المعنى الذي أضيف إلى الله والمعنى الذي أول إليه النص عند المخالف، سواء كان هذا المؤول -الذي أول إليه النص- معنىً واحداً كاستولى، أو كان متعدداً كقولهم: نزول الملك، أو نزول الرحمة. فيقال: إن المؤول كذب؛ لأن هذه النصوص نصوص خبرية تدور بين النفي والإثبات، فمن نفى المعنى الأول الظاهر في القرآن قيل له: هب أنه كذلك فمن أين أتيت بالمعنى الثاني في هذا السياق؟ ولهذا يكون المعنى الثاني كذب من حيث أن السياق القرآني أريد به، وإن كانت بعض المعاني هي من حيث هي صواب؛ فمن يقول: إن معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: استولى، أي: ملك، أي: أن هذا بيان لملكه سبحانه للعرش فما دونه، يقال: ملكه للعرش وما دونه حق، لكن تفسير النص به في هذا المقام غلط على النص. كذلك نزول الملك، فإن الملائكة تنزل من عند الله، لكن تفسير النص النبوي المعين به هو الذي يقال: إنه كذب في هذا السياق، فإذا قلنا: إنه كذب فلا يعني بالضرورة أن كل المؤولات هي في نفسها باطلة؛ فإنهم إذا قالوا: تنزل رحمته. فإن الله أنزل رحمته كما جاء في الصحيح عن النبي ﷺ : (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمةً واحدة في الأرض، وأبقى تسعاً وتسعين يرحم بها عباده يوم القيامة). فمثل هذه المعاني -أعني: معاني التأويل- بعضها قد يكون حقاً نطقت به النصوص، لكن تفسير سياقات معينة به هو الذي يقال: إنه كذب وغلط على النص.

стр. 135

الوجه الثالث [والثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ﷺ جاء بها بالاضطرار، كما أنه جاء بالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان]. هذا هو الوجه الثالث، وهو يرجع إلى قاعدة الاستدلال بما هو متفق على ما زعموه مختلفاً، فإن المتكلمين اتفقوا على الصلوات الخمس، وأن النبي ﷺ جاء بها، فيقال: من باب الأولى أنه جاء بمسائل الأسماء والصفات. [فالتأويل الذي يحيلها عن هذه بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات]. فإذا كان المتكلمون يطعنون على أهل الباطنية الذين يأولون أوامر النهي أو يطعنون على جنس المتفلسفة الذين يأولون المعاد فإنه يقال في تأويلهم للصفات ما قالوه في تأويلات هؤلاء.

стр. 136

الوجه الرابع [الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك تفصيله]. حينما يقول المصنف: إن العقل يوافق ما جاء في النقل .. فإن هذه قاعدة مطردة، لكن إذا قيل: إنه يوافق؛ فإن هذا لا يعني أن العقل يدرك كل ما جاء في النص، بل يوافقه أي: لا يعارضه، ثم يبقى أنه تارةً يدركه تفصيلاً وتارةً يقر به وهو لا يفقه تفصيله. [وإنما عقله مجملاً إلى غير ذلك من الوجوه]. من الوجوه أي: من أوجه الرد والتقرير.

стр. 137

اعتراف أساطين الكلام بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية [على أن الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية]. على أن الأساطين أي: الكبار من أئمة هؤلاء. وممن صرح بأن هذا الباب -الباب الإلهي- ليس فيه يقين من الفلاسفة المتقدمين أفلاطون، وقد صرح شيخ الإسلام في درء التعارض وغيره بهذا، يقول: وذكر أفلاطون وغيره أن هذا الباب الإلهي ليس فيه يقين عندهم. فهذا الباب الإلهي لا شك أن فيه يقيناً، لكن هؤلاء الفلاسفة -لأن تلقيهم من العقل والنظر أو من الرياضة والتجريد- لا يمكن أن يصلوا فيه إلى يقين، وقد ذكر محمد بن عمر الرازي في أول المطالب العالية هذا القول عن أفلاطون، بعدما عقد فصلاً: هل هذا الباب مدرك بالعقل أو ليس مدركاً. وقد ذكر أرسطو ما يقارب ذلك؛ ولهذا نقل الرازي عن أرسطو أنه قال: من أراد الدخول في هذا فليشرع لنفسه مشرعةً أخرى. أي: ليشرع لعقله وتصوره تصوراً آخر؛ مما يدل على أن هذا الباب ليس مدركاً عندهم تماماً بالعقل، وإذا كان كذلك علم أن هذا الباب باب لا بد فيه من السمع، الذي هو الوحي المنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. [وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه]. يعني: إذا شهد أئمة هؤلاء بأن العقل لا يدل على هذا الباب باليقين كما يذكره أرسطو وأفلاطون -وهم أخص من استفاد منهم هؤلاء الذين خالفوا السلف من أهل القبلة- فإن ذلك يدل على أن هذا الباب يتلقى من جهة النبوات.

стр. 138

الرسول ﷺ أعلم الأمة وأنصحهم لها [ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأنه بين للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث، كما مع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:٢٧] وقد بين الله على لسان رسوله ﷺ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده وكشف به مراده. ومعلوم للمؤمنين: أن رسول الله ﷺ أعلم من غيره بذلك، وأنصح للأمة من غيره، وأفصح من غيره عبارة وبياناً، بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق للأمة وأفصحهم، فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة]. هذه الصفات النبوية قاطعة بأنه لا بد أن يكون مبيناً للحق على جهة التفصيل وخاصة في مسائل أصول الدين، وهذا يدل على أن هذا الباب هو كما بينه النبي ﷺ لا يحتاج إلى تأويل، وإلا لو كان قوله ﷺ في باب الأسماء والصفات ليس على ظاهره ويحتاج إلى تأويل لما نُسب هذا البيان إليه، بل إلى من أوله بالعقل؛ أي: لو كان بيانه ﷺ وأحاديثه التي حدث بها في صفات الله ليست على ظاهرها بل تحتاج إلى تأويل يستدعي دلائل عقلية، بل يستدعي فلسفة لكان أهل التأويل هم الذين بينوا هذا الباب للأمة، ولا شك أن هذا يستلزم الطعن في مقام النبوة! [ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته كمل كلامه وفعله] يعني أن هذا سؤال آخر: من الذي أمر بتأويل هذا الباب من كلام الله ورسوله؟ لم تكلم النبي ﷺ عنه بظاهر مناقض للحق؛ فقد قال النبي ﷺ : (ينزل ربنا) والمؤول يدعي أن الله يمتنع عليه النزول؟ حتى لو قال: إنه في ظاهره، حتى في ظاهره لم تكلم بنقيض الحق؟ ما الذي جعل النبي ﷺ لا يقول: ينزل ملك من الملائكة حين يبقى ثلث الليل الآخر؟ ما الذي جعل النبي ﷺ لا يقول: تنزل رحمة الله؟ لماذا قال: (ينزل ربنا) وهو لا يقصد بذلك نزول الباري؟ ثم إنه لو لم يقصد بذلك نزول الباري فهل أفاد الأمة شيئاً معيناً؟ لم يفدها شيئاً معيناً؛ لأنه هذا المحتمل الذي تأولوا إليه مختلف متعدد. [وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه، وإما من عجزه عن بيان علمه، وإما لعدم إرادته البيان. والرسول هو الغاية في كمال العلم، والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين، والغاية في قدرته على البلاغ المبين، ومع وجود القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المراد، فعلم قطعاً أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مراده من البيان، وما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه، وعلمه بذلك أكمل العلوم، فكل من ظن أن غير الرسول أعلم بهذا منه أو أكمل بياناً منه أو أحرص على هدى الخلق منه فهو من الملحدين لا من المؤمنين]. فمن وصف النبي ﷺ بهذا الوصف فهو من الملحدين، وهو كافر بعينه، وقد وقع في هذا الذي أشار إليه المصنف قوم من غلاة المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام كـ المبشر بن فاتك وأمثاله الذين وصفوا بأن الفلاسفة أو الحكماء أعلم بهذا من الأنبياء، أي: أن الأنبياء لم يعلموا هذا الباب على وجهه، وأن الفلاسفة أعلم منهم بهذا، فهؤلاء كفار بأعيانهم. ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام قال: وهم صنفان: منهم من يقول أن غير الرسول من أئمتهم وحكمائهم أعلم بها من النبي ﷺ وسائر الأنبياء، كما هي طريقة المبشر بن فاتك وأمثاله، ومنهم من يقول: إن النبي ﷺ كان يعلمها كما هي طريقة ابن سينا وأمثاله، ولكنه كتمها الخلق.

стр. 139

شرح الحموية [١٠] أهل السنة والجماعة من السلف وأتباعهم بإحسان هم أهل العقيدة الصحيحة في أسماء الله تعالى وصفاته، وأما المخالفون فهم على ثلاث طبقات: أهل التخييل، وهم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم، وأهل التأويل، وهم المتكلمة الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وأهل التجهيل.

стр. 140

أصناف المنحرفين عن مذهب السلف قال المصنف ﵀: [والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيل السلف هم في هذا الباب على الاستقامة. وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف]. بدأ المصنف يذكر المنحرفين عن طريقة السلف في هذا الباب، مبيناً أنهم ثلاث طوائف، تحت كل طائفة جملة من الطوائف.

стр. 141

أهل التخييل [أهل التخييل]. أهل التخييل سموا بذلك لأنهم زعموا أن القرآن وخطاب الرسول ﵌ -وعموماً يرون ذلك مطرداً في الكتب السماوية والشرائع النبوية- تخييل للجمهور، وليست هي الحقائق العلمية في نفس الأمر، وهذا هو مذهب المتفلسفة، وقد انتسب إليه في الإسلام قوم من هؤلاء، وهؤلاء كان ظهورهم بعد ظهور المتكلمين وبعد انقراض القرون الثلاثة الفاضلة في الجملة، وإن كان أصلهم نبغ في آخر القرن الثالث، لكن انتشار هذا المذهب كمذهب معروف كان بعد القرون الثلاثة الفاضلة في المائة الرابعة وما بعدها. ومن أخص أئمة هؤلاء الذين ينتحلون هذا المذهب من الذين انتسبوا للإسلام أبو نصر الفارابي وابن سينا، وهم من المشارقة، وأبو الوليد بن رشد من المغاربة. [وأهل التأويل، وأهل التجهيل. فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف]. ومن سلك سبيلهم أي: تأثر بهم، من متكلم -كما هو شأن طائفة من غلاة المتكلمين الذين نقلوا المقالات الصريحة من الفلسفة واعتبروها، أو استدلوا بصريح كلام الفلاسفة، وإن كان المتكلمون في الجملة ولدوا كلامهم من كلام المتفلسفة، لكن منهم -أي: من غفلاتهم- من ينقل بالتصريح. ومتصوف لأن نوعاً من الصوفية هم صوفية في الإطلاق، ولكنهم في نفس الأمر متفلسفة وهم الباطنية. والباطنية صنفان: إما باطنية متشيعة، كما هو شأن الإسماعيلية والقرامطة وأمثالهم، ومن أئمتهم الذين صنفوا في هذا الباب على طريقة المتفلسفة أبو يعقوب السجستاني صاحب الأقاليد الملكوتية، وهو ممن يقول برفع النقيضين -كما يقرر المصنف في كتبه الكبار-. متصوفة أو باطنية، وهم الذين شاعوا كثيراً، وهم الذين عرفوا عند العامة بأنهم متعبدة متصوفة، وهم في الحقيقة متفلسفة باطنية كـ ابن عربي وابن سبعين والتلمساني -الذين يسمونه العفيف، ويسميه كثير من علماء السنة الفاجر التلمساني - وابن الفارض وأمثال هؤلاء. ومتفقه يشير إلى أبي الوليد بن رشد، وبعض المغاربة المتفلسفة الذين عنوا بدراسة مذهب مالك؛ فإن لـ أبي الوليد بن رشد كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد، صنفه في الفقه المقارن، وهو كتاب -في الجملة- ملخص من كتاب أبي عمر بن عبد البر التمهيد، والكتاب له اختصاص يسير، وليس فيه تحقيق كثير حتى فيما اختص به، وهو سبب الخلاف؛ فإن هذه ميزة في الكتاب، لكن في الغالب أن ما سماه سبب الخلاف في المسألة المعينة لا يكون في نفس الأمر هو السبب الموجب للخلاف، وإن كان في أكثر الموارد يكون سبباً يؤثر في الخلاف. فإنه إذا ذكر المسألة قال: وسبب الخلاف أنه جاء ظاهر قوله تعالى مع قول النبي كذا، أو ورود حديثين بينهما في الظاهر تعارض، وهلم جرا .. فهذه الأسباب التي عينها ابن رشد -وهي التي جعلت كثيراً من طلبة العلم يثنون على الكتاب- ليست -في الغالب- هي الموجبة للخلاف في نفس الأمر، أي: من جهة أن أصل الخلاف انبنى عليها بين قدماء الأئمة، وإن كان لها نفسها شيء من التأثير، حيث إن السبب -في الغالب- لا يختص بمورد واحد، فهي شيء من السبب وليست هي السبب في نفس الأمر. وثمرة هذا التفريق تظهر بهذا المثال: في مسألة مس الذكر أهو ناقض للوضوء أو ليس ناقضاً للوضوء؟ إذا قيل: إن سبب الخلاف هو التعارض بين حديث بسرة بنت صفوان وحديث طلق بن علي، ثم ضعف حديث طلق بن علي وقيل: إن الصواب من جهة الصحة هو حديث بسرة، ففي الغالب في النتيجة الفقهية أن يكون الخلاف انتهى إلى الرجحان، فإذا تحقق أن هذا هو السبب فإن الترجيح هنا سيكون مناسباً. لكن إذا كان السبب عند الأئمة أخص من هذا أي: أن هذا الاستدلال الذي جعله ابن رشد سبباً إنما استدل به بعض أصحاب المذاهب، فهنا لا يكون الترجيح مناسباً، ومثال هذا: هل القصاص والقود يكون بالسيف وحده أو بما قتل به القاتل؟ قيل: إن في هذا تعارضاً بين ظاهر قوله ﷺ : (لا قود إلا بالسيف) وما جاء في القرآن: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] فإن رددت وقلت: هذا الحديث ضعيف ترجح عندك مباشرةً القول الثاني، لكن إذا فرضت أن سبب الخلاف ليس هو التعارض بين هذا الذي قيل فيه: إنه حديث مرفوع، وبين ظاهر القرآن لا يبقى أن الترجيح بالضرورة يلزم أن يكون مناسباً؛ ولهذا كان الإمام أحمد يعتبر هذا المذهب -الذي هو أن القود يكون بالسيف- بدلائل أخرى غير هذا الحديث. [إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح به الحقائق. ثم هم على قسمين: منهم من يقول: إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه، ويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها]. كما هو طريقة المبشر بن فاتك، وهذا قول غلاة الملاحدة. [وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة أو الأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين .. وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة وباطنية الصوفية]. لأن الباطنية على هذين الصنفين في الجملة. [ومنهم من يقول: بل الرسول علمها لكن لم يبينها، وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فهم ما يناقضها؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق]. وهذا مذهب الجمهور من المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام كـ ابن سينا وابن رشد وأمثالهما. [ويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل. قالوا: لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريقة التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد .. فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر. وأما الأعمال فمنهم من يقر بها]. وأما الأعمال أي: الأعمال الظاهرة. منهم من يقر بها وغلاتهم من باطنية الصوفية وباطنية الشيعة يأولونها كما تأولوا نصوص المعاد ونصوص الصفات. [ومنهم من يجريها هذا المجرى، ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر به العامة دون الخاصة، فهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم]. هذا هو الصنف الأول: أهل التخييل. وهؤلاء ليس في شأنهم اشتباه، ولا ينبغي كثرة الاشتغال بالرد عليهم؛ لأنهم زنادقة في الجملة، وأصل مقالتهم مقالة منقولة نقلاً صريحاً عن الطوائف الفلسفية المتقدمة، ولهذا اتفق المسلمون -حتى أهل الكلام وجمهور طوائف المتصوفة وغير هؤلاء- على ذم هؤلاء، وبيان أنهم مارقون عن دين الإسلام. وأما الشأن الذي وقع فيه الاشتباه: فهم أهل التأويل، وهم أهل الكلام، أو أهل التجهيل وهم طوائف من المنتسبين للسنة والسلف.

стр. 142

أهل التأويل [وأما أهل التأويل فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته. وهذا قول المتكلمة الجهمية والمعتزلة، ومن دخل معهم في شيء من ذلك]. هذا الصنف الثاني من المنحرفين عن طريق السلف في هذا الباب وما دخل فيه، والفرق بين قول أهل التخييل وأهل التأويل، أن أهل التخييل يقولون: إن هذه النصوص القرآنية والنبوية لم تتضمن الحقيقة في نفس الأمر لا من جهة ظاهرها ولا من جهة تأويلها، ولهذا لا يرون تأويل القرآن؛ لأن القرآن عندهم إنما هو خطاب للجمهور كما يذكر ذلك المتفلسفة ومن سار على طريقتهم ممن انتسبوا للتصوف أو التشيع من الباطنية. أما الصنف الثاني -وهم الذين عني المصنف بذكرهم والرد عليهم-: وهم أهل التأويل الذين قالوا: إن هذه النصوص القرآنية والنبوية تضمنت الحقيقة في نفس الأمر، لكن الحقيقة في نفس الأمر ليست هي الظاهر من هذه النصوص، وإنما هي المعاني التي يصل إليها الناظر من أهل التأويل، وهذا التأويل يتحصل عندهم بدلائل عقلية هي الدلائل الكلامية، وهذه هي التسمية الصحيحة لها: أنها دلائل كلامية وليست دلائل عقلية يشترك في صحتها أو في قبولها سائر الأقوام. وهذا قول المتكلمة والجهمية. لأنهم الأصل في هذه الطريقة. ومن دخل معهم في شيء من ذلك إشارة إلى متأخري المتكلمين الذين يضافون إلى متكلمة الصفاتية، فإن الأصل في هذه الطريقة -أعني: طريقة التأويل- هم الجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك من متكلمة الصفاتية، كالكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكالأشعرية أتباع أبي الحسن الأشعري، وكالماتريدية أتباع أبي منصور الماتريدي الحنفي وأمثالهم، فهذا الصنف يختلفون عن المتفلسفة؛ ولهذا صار جنس أهل التأويل أقرب إلى الشريعة والحق من أهل التخييل؛ وإن كان يقع في هذا الصنف -أعني: صنف المتكلمين- من الغلاة فيه ما يكون قول بعض المنتسبين إلى الفلسفة في بعض الموارد أقرب إلى الشريعة من قولهم. حتى إن شيخ الإسلام ﵀ لما ذكر أبا الوليد بن رشد -وهو من المتفلسفة، ومن أهل الطريقة الأولى في الجملة- قال: ومع ذلك فإن ابن رشد وأمثاله من مقتصدة المتفلسفة خير من الجهم بن صفوان وأمثاله من غلاة المتكلمة في باب الأسماء والصفات. إذاً: قد يقرب بعض أعيان المتفلسفة في بعض الموارد إلى درجة يكون فيها خيراً من بعض غلاة المتكلمين، لكن من حيث الجملة أهل التخييل أبعد عن مقاصد الإسلام ومراداته من أهل التأويل. هذا هو الصنف الثاني، وهو الذي شاع الإشكال فيه، ولا سيما عند المتأخرين. [والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء، إذ كان نفور الناس عن الأولين مشهوراً، بخلاف هؤلاء؛ فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة، وهم - في الحقيقة- لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا]. ذكر المصنف قبل هذا أن أخص هذا الصنف هم الجهمية والمعتزلة، والجهمية والمعتزلة ليس لهم انتصار لطريقة السنة، وإنما مقصوده: أن اغلاة هذا الصنف انتصاراً معروفاً لبعض مسائل أصول الإسلام التي خالفوا فيها المتفلسفة، كالقول بحدوث العالم، والرد على المتفلسفة الذين قالوا بقدم العالم، وكقولهم بإثبات النبوة على التحقيق رداً على المتفلسفة الذين جعلوا النبوة مكتسبة، وجعلوها ثلاث قوى -على ما يذكره ابن سينا وأمثاله-: قوة التخييل، وقوة التعبير، وقوة التصوير. فالمعتزلة لهم ردود في هذا الباب في مثل هذا النوع من المسائل، وهي: مسائل أصول النبوات، وأصول الشرائع، وتحقيق الأمر والنهي أنه حقاً على حقيقته، وتحقيق مسألة المعاد وأنها حقاً على حقيقتها. ويستدل المعتزلة فيها على هذا الصنف من المتفلسفة بدلائل الشريعة أو الدلائل العقلية، فهم لهم نصر للإسلام أو للسنة من هذا الوجه. وإذا وقع المقصود في الصنف الثاني من هذا النوع -وهم المتأخرون من المتكلمين كالأشعرية وأمثالهم- فإن لهم بعض العناية بنصر السنة -أي: ما ظنوه قول أهل السنة والجماعة- وهذا تارةً يقعون فيه على شيء من التحقيق، وتارةً يقعون فيه على شيء من الوهم والغلط، فيكون غلطهم من جهة ما ظنوه قولاً لأهل السنة وليس قولاً لهم. أما ما وقعوا فيه من التحقيق فمن أخص مثالاته: استدلال الأشاعرة على ثبوت الصفات من حيث الأصل -أي: معارضة طريقة المعتزلة التي تقول بأن الرب لا يقوم بذاته شيء من الصفات- فصار الأصل عند الأشعرية أن الرب متصف بالصفات .. فهذا أصل كلي، وأما عند التفصيل فإنهم ينازعون في كثير من تفاصيل الصفات -أعني الأشعرية- فهذا من الحق الذي وصلوا إليه، وإن كانت طرقهم في إثبات الصفات ليست هي الطرق الفاضلة في الجملة، بمعنى: أن في طرق إثبات الصفات في كلام أئمة السلف من الطرق الشرعية والعقلية ما هو خير من الطرق التي يذكرها أئمة المتكلمين من متكلمة الصفاتية في مقابلة قول المعتزلة والجهمية. وربما قرروا -في مقابلة قول الجهمية والمعتزلة- من المقالات التي هي وهم على السلف. إذاً: ما ترد به طائفة على طائفة وقعت فيما هو من الضلال تارة يكون محققاً، وتارةً يكون قاصراً، وتارةً يكون غلطاً؛ أي: أنهم يردون البدعة ببدعة أخرى، ولكنها في الجملة تكون أخف منها. فالمعتزلة لم يتحصل لهم القول بحدوث العالم إلا بنفي الصفات، فهم يرون أن ثمة تلازماً بين إثبات قبول الرب للصفات وبين القول بقدم العالم، وهذا التلازم وهم عند المعتزلة، وهذا الذي جعل شيخ الإسلام ﵀ يقول كثيراً عن هؤلاء المتكلمين من المعتزلة وغيرهم: وهم لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا. لأنهم بنوا القول بحدوث العالم على القول بنفي الصفات، فجعلوه لا يتحصل في العقل إثبات حدوث العالم إلا بإثبات أن الرب لا يتصف بشيء من الصفات .. ولا شك أن هذا الامتناع غلط؛ لأن العلم باتصاف الرب بالصفات أمر مستقر في العقل والشرع والفطرة، فلو فرض جدلاً أن هذا -الذي هو ثابت بالعقل والشرع والفطرة- يدل على القول بقدم العالم لكان هذا من التناقض الذي جاءت به الرسل أو فطرت عليه العقول والنفوس. المقصود: أن هؤلاء المتكلمين -في الغالب- لا يحققون بعض الحق إلا بالتزام شيء من الباطل، بل ربما صار الباطل الذي التزموه وأقروا به شراً من الخطأ في الحق الذي قصدوا تحقيقه، وهذا لا يطرد، لكنه يقع في بعض المسائل، وليس المقصود هنا القول في تفصيله. وربما صارت أدلتهم في ردهم على المتفلسفة أدلةً قاصرة يستطيع المحقق من المتفلسفة أو الحاذق منهم أن يجيب عن هذه الأسئلة، كاستدلال كثير من أئمة الكلام على القول بإثبات المعاد على حقيقته، وردهم على المتفلسفة في ذلك بأن فرض المعاد على الحقيقة لا يلزم من فرضه محال. وهذه الطريقة التي استعملها الكثير من متكلمي المعتزلة والأشاعرة ليست طريقة محققة في العقل؛ لأن مبنية على عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع ليس علماً بعدم الامتناع؛ بخلاف الطرق المذكورة في القرآن والسنة وكلام السلف في إثبات المعاد؛ فإنها مبنية على العلم بلزوم ثبوت هذا من حيث قياس الأولى الذي يقر به سائر العقلاء، وتجد أن المثال الذي وقع عليه القياس مستقر في سائر عقول بني آدم حتى الكفار .. وهلم جرا. وهذا يحصل منه نتيجة أخيرة وهي: أن هؤلاء وإن كان لهم اشتغال بالرد على المتفلسفة وأمثالهم -أعني: المتكلمين- إلا أنهم في الجملة لم يحققوا، وإن كان لهم مقام حمد من حيث الجملة في هذه العناية، ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام ﵀ المتفلسفة قال: وقد صنف نظار المسلمين في الرد عليهم والطعن عليهم. ثم ذكر بعض مصنفات المعتزلة وبعض مصنفات الأشاعرة، فهذا مما يحمدون فيه؛ من حيث أنهم قصدوا رد ما هو مخالف لدين الإسلام، لكن من حيث الحقيقة التي استعملوها في هذا الرد والطرق التي سلكوها والمعاني التي التزموها هذا هو الذي يقع لهم فيه كثير من التأخر والقصور.

стр. 143

إلزام الفلاسفة للمتكلمين في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات [لكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات. فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان. وقد علمنا فساد الشبه المانعة منه. وأهل السنة يقولون لهم: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد]. وأهل السنة يقولون للمتكلمين -أي: أهل التأويل-: إنكم أقررتم بنصوص المعاد، وفي ردكم على المتفلسفة في مسألة المعاد قلتم: إنه قد علم مجيء الرسل بهذا ضرورة، فيقال أيضاً: وقد علم مجيء الرسل بمسائل الصفات ضرورةً .. فهذا من باب قياس الأولى.

стр. 144

الاستدلال بإنكار مشركي العرب نصوص المعاد بخلاف نصوص الصفات على قبول العقل للصفات [ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد. وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه، بخلاف الصفات فإنه لم ينكر شيئاً منها أحد من العرب]. وهذا قياس فاضل؛ فإن العرب في جاهليتهم نازعوا في مسألة المعاد، وغيرهم من طوائف المشركين -الذين بعث فيهم الرسل- كانوا ينازعون في مسألة المعاد؛ لكن مسألة الصفات لم يقع فيها نزاع؛ ولهذا قال الله عنهم: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧] وقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] وقال: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء:٤٩] وهلم جرا، لكنه في مسائل الصفات لم يعترض أحد من المشركين على ثبوت صفة مضافة إلى الله. [فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات]. هذا الحرف من كلام المصنف فيه بعض التردد، ولعل فيه إما تصحيفاً أو غلطاً من النساخ أو أنه يحمل على مقصود ما؛ وذلك لأنه قال: وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات. وكان الافتراض المبدئي أنه يكون العكس، أي: أن إنكار الصفات أعظم من إنكار المعاد. فإن فرضنا أن السياق من حيث اللفظ على وجهه وهذا محتمل، فإنه يفسر بمعنى يناسبه، وهو أن معنى العبارة: أن إنكار المعاد أقرب إلى الفرض العقلي من إنكار الصفات؛ ولهذا المشركون عقولهم فرضت إنكار المعاد ولم تفرض إنكار الصفات. إذاً قوله: أن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات. لا يفهم منه أنه أعظم في الشرع أو في العقل .. ولكنه يحمل على -إن سلمت العبارة من التصحيف- معنى أي: أظهر في الفرض العقلي من إنكار الصفات، ولهذا المشركون فرضت عقولهم إنكار المعاد ولم تفرض إنكار الصفات. [فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به؟ وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟!]. وهذا من باب قياس الأولى.

стр. 145

صفات الله في التوراة [وأيضاً: فقد علم أنه ﵌ قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا منما حرِّف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم أولى]. أي: أن اليهود مع انشغالهم بتحريف كتابهم لم ينكر اشتغالهم بتحريف آيات الصفات مع أنها قطعاً مذكورة في التوراة؛ ولهذا ترى أن بعض اليهود الذين أدركوا النبي ﵌ كانوا يسألونه في تفاصيل بعض الصفات التي هي ليست من الصفات المعلومة بمحض العقل، كالصفات السمعية المحضة، كإثبات صفة الأصابع وأمثال ذلك، ولم ينكر أن اليهود كانوا يشتغلون بتحريف ما جاء في التوراة من الصفات، مع أنهم محرفة لكتابهم بالاتفاق. [فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجباً منهم وتصديقاً لها؟! ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة أهل الإثبات، مثل لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك، بل عابهم بقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] وقولهم: إنه استراح لما خلق السماوات والأرض فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن، فإذا جاز أن تتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل، فالأول أولى بالبطلان]. هذا أيضاً يحتاج إلى تأمل؛ لأن فيه بعض التردد من حيث الظاهر فيه، فيحمل على مقصود مناسب. فإن قوله: والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. يفيد أن المعاد مذكور في التوراة كما أنه مذكور في القرآن، فمن باب أولى أن الصفات مذكورة في التوراة كما أنها مذكورة في القرآن، ولكن تصريح التوراة بالمعاد ليس كتصريحها بالصفات. ثم بعد ذلك يقول: فإذا جاز أن تتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما. وهذا الحرف مشكل من حيث هذا السياق، فإنه إن كان الانفراد من جهة أن ذكر المعاد في التوراة لم يصرح به كما صرح به في القرآن فأيضاً هذا يرد حتى على مسألة الصفات؛ فإن تفصيل الصفات في القرآن ليس كتفصيلها في أي كتاب قبله. وإن قصد أن المعاد في التوراة لم يصرح به كما صرح بالصفات فأيضاً المعاد في القرآن لم يصرح به ويفصل كما فصلت الصفات؛ فإن تفصيل الصفات في القرآن أكثر من تفصيل المعاد؛ ولهذا ما وجه هذا الانفراد؟ هذا الحرف مشكل في كلام المصنف، وإذا كان مشكلاً فإنه يحتاج إلى تأمل إن وقع على معنىً مناسب، وإلا ربما كان فيه بعض الوهم من النساخ في سياقه وترتيبه. وبعبارة أخرى نقول: إن قول المصنف: والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث .. لا إشكال فيه، والمطابقة هنا التي يذكرها المصنف ليس مطابقة محضة قطعاً، بل هي مطابقة في الجملة، بمعنى أن الصفات مفصلة في التوراة كما أنها مفصلة في القرآن، فليس معناه أن كل ما ذكر في القرآن والسنة فإنه مذكور في التوراة، هذا ليس بلازم وإن تحقق العلم به يتعذر كله. ثم قال: وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. فإن قصد أن المعاد صرح به في التوراة لكن درجة التصريح في القرآن أظهر فهذا لا إشكال فيه، وهذا هو مراد شيخ الإسلام ﵀ من حيث الأصل، ولهذا لا يمكن أن نحمل قوله: وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن فنقول: إن مقصود المصنف أن المعاد لم يذكر في التوراة صريحاً وإنما ذكر خفياً، لأننا لو فسرنا الكلام بهذا المعنى للناسب فإن النتيجة الأخيرة وهي قوله: فإذا جاز أن تتأول الصفة التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما. أي: انفرد أحدهما وهو القرآن بالتصريح به والتوراة لم تصرح به، وهذا غلط، لأن هذا يستلزم نتيجة، وهي أن المعاد لم يصرح به في التوراة، وهذا لا يمكن أن يقال، ولا المصنف ﵀ يلتزمه، ومن أضافه إلى شيخ الإسلام فقد غلط عليه؛ لأن المعاد من أصول الإيمان وهو الإيمان باليوم الآخر، وهذا مذكور في سائر الكتب السماوية. وأما إن قصد أن التصريح بالمعاد ليس بدرجة التصريح الذي وقع في القرآن فهذا صحيح، لكنه يرد على مسألة الصفات، ومن هنا كان هذا الحرف يمكن أن يمضى على أن المعاد لم يصرح به في التوراة فتكون النتيجة أن المعاد انفرد به أحدهما ويصير القياس سليماً؛ لكن هذا يستلزم الإقرار بمقدمة وهي: أن المعاد لم يصرح به في التوراة، وإنما ذكر خفياً. أما إذا قيل: لم يصرح به. أي: كالتصريح القرآني، فهذا أيضاً يرد في مسألة الصفات، فلا يتحقق القياس على الوجه الصحيح، فهذا الحرف يحتاج إلى نظر.
следующие страницы →