← Акыда

Акыда · id 37776

شرح الحموية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (264 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أهل التخييل [أهل التخييل]. أهل التخييل سموا بذلك لأنهم زعموا أن القرآن وخطاب الرسول ﵌ -وعموماً يرون ذلك مطرداً في الكتب السماوية والشرائع النبوية- تخييل للجمهور، وليست هي الحقائق العلمية في نفس الأمر، وهذا هو مذهب المتفلسفة، وقد انتسب إليه في الإسلام قوم من هؤلاء، وهؤلاء كان ظهورهم بعد ظهور المتكلمين وبعد انقراض القرون الثلاثة الفاضلة في الجملة، وإن كان أصلهم نبغ في آخر القرن الثالث، لكن انتشار هذا المذهب كمذهب معروف كان بعد القرون الثلاثة الفاضلة في المائة الرابعة وما بعدها. ومن أخص أئمة هؤلاء الذين ينتحلون هذا المذهب من الذين انتسبوا للإسلام أبو نصر الفارابي وابن سينا، وهم من المشارقة، وأبو الوليد بن رشد من المغاربة. [وأهل التأويل، وأهل التجهيل. فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف]. ومن سلك سبيلهم أي: تأثر بهم، من متكلم -كما هو شأن طائفة من غلاة المتكلمين الذين نقلوا المقالات الصريحة من الفلسفة واعتبروها، أو استدلوا بصريح كلام الفلاسفة، وإن كان المتكلمون في الجملة ولدوا كلامهم من كلام المتفلسفة، لكن منهم -أي: من غفلاتهم- من ينقل بالتصريح. ومتصوف لأن نوعاً من الصوفية هم صوفية في الإطلاق، ولكنهم في نفس الأمر متفلسفة وهم الباطنية. والباطنية صنفان: إما باطنية متشيعة، كما هو شأن الإسماعيلية والقرامطة وأمثالهم، ومن أئمتهم الذين صنفوا في هذا الباب على طريقة المتفلسفة أبو يعقوب السجستاني صاحب الأقاليد الملكوتية، وهو ممن يقول برفع النقيضين -كما يقرر المصنف في كتبه الكبار-. متصوفة أو باطنية، وهم الذين شاعوا كثيراً، وهم الذين عرفوا عند العامة بأنهم متعبدة متصوفة، وهم في الحقيقة متفلسفة باطنية كـ ابن عربي وابن سبعين والتلمساني -الذين يسمونه العفيف، ويسميه كثير من علماء السنة الفاجر التلمساني - وابن الفارض وأمثال هؤلاء. ومتفقه يشير إلى أبي الوليد بن رشد، وبعض المغاربة المتفلسفة الذين عنوا بدراسة مذهب مالك؛ فإن لـ أبي الوليد بن رشد كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد، صنفه في الفقه المقارن، وهو كتاب -في الجملة- ملخص من كتاب أبي عمر بن عبد البر التمهيد، والكتاب له اختصاص يسير، وليس فيه تحقيق كثير حتى فيما اختص به، وهو سبب الخلاف؛ فإن هذه ميزة في الكتاب، لكن في الغالب أن ما سماه سبب الخلاف في المسألة المعينة لا يكون في نفس الأمر هو السبب الموجب للخلاف، وإن كان في أكثر الموارد يكون سبباً يؤثر في الخلاف. فإنه إذا ذكر المسألة قال: وسبب الخلاف أنه جاء ظاهر قوله تعالى مع قول النبي كذا، أو ورود حديثين بينهما في الظاهر تعارض، وهلم جرا .. فهذه الأسباب التي عينها ابن رشد -وهي التي جعلت كثيراً من طلبة العلم يثنون على الكتاب- ليست -في الغالب- هي الموجبة للخلاف في نفس الأمر، أي: من جهة أن أصل الخلاف انبنى عليها بين قدماء الأئمة، وإن كان لها نفسها شيء من التأثير، حيث إن السبب -في الغالب- لا يختص بمورد واحد، فهي شيء من السبب وليست هي السبب في نفس الأمر. وثمرة هذا التفريق تظهر بهذا المثال: في مسألة مس الذكر أهو ناقض للوضوء أو ليس ناقضاً للوضوء؟ إذا قيل: إن سبب الخلاف هو التعارض بين حديث بسرة بنت صفوان وحديث طلق بن علي، ثم ضعف حديث طلق بن علي وقيل: إن الصواب من جهة الصحة هو حديث بسرة، ففي الغالب في النتيجة الفقهية أن يكون الخلاف انتهى إلى الرجحان، فإذا تحقق أن هذا هو السبب فإن الترجيح هنا سيكون مناسباً. لكن إذا كان السبب عند الأئمة أخص من هذا أي: أن هذا الاستدلال الذي جعله ابن رشد سبباً إنما استدل به بعض أصحاب المذاهب، فهنا لا يكون الترجيح مناسباً، ومثال هذا: هل القصاص والقود يكون بالسيف وحده أو بما قتل به القاتل؟ قيل: إن في هذا تعارضاً بين ظاهر قوله ﷺ : (لا قود إلا بالسيف) وما جاء في القرآن: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] فإن رددت وقلت: هذا الحديث ضعيف ترجح عندك مباشرةً القول الثاني، لكن إذا فرضت أن سبب الخلاف ليس هو التعارض بين هذا الذي قيل فيه: إنه حديث مرفوع، وبين ظاهر القرآن لا يبقى أن الترجيح بالضرورة يلزم أن يكون مناسباً؛ ولهذا كان الإمام أحمد يعتبر هذا المذهب -الذي هو أن القود يكون بالسيف- بدلائل أخرى غير هذا الحديث. [إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح به الحقائق. ثم هم على قسمين: منهم من يقول: إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه، ويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها]. كما هو طريقة المبشر بن فاتك، وهذا قول غلاة الملاحدة. [وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة أو الأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين .. وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة وباطنية الصوفية]. لأن الباطنية على هذين الصنفين في الجملة. [ومنهم من يقول: بل الرسول علمها لكن لم يبينها، وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فهم ما يناقضها؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق]. وهذا مذهب الجمهور من المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام كـ ابن سينا وابن رشد وأمثالهما. [ويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل. قالوا: لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريقة التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد .. فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر. وأما الأعمال فمنهم من يقر بها]. وأما الأعمال أي: الأعمال الظاهرة. منهم من يقر بها وغلاتهم من باطنية الصوفية وباطنية الشيعة يأولونها كما تأولوا نصوص المعاد ونصوص الصفات. [ومنهم من يجريها هذا المجرى، ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر به العامة دون الخاصة، فهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم]. هذا هو الصنف الأول: أهل التخييل. وهؤلاء ليس في شأنهم اشتباه، ولا ينبغي كثرة الاشتغال بالرد عليهم؛ لأنهم زنادقة في الجملة، وأصل مقالتهم مقالة منقولة نقلاً صريحاً عن الطوائف الفلسفية المتقدمة، ولهذا اتفق المسلمون -حتى أهل الكلام وجمهور طوائف المتصوفة وغير هؤلاء- على ذم هؤلاء، وبيان أنهم مارقون عن دين الإسلام. وأما الشأن الذي وقع فيه الاشتباه: فهم أهل التأويل، وهم أهل الكلام، أو أهل التجهيل وهم طوائف من المنتسبين للسنة والسلف.

стр. 142

أهل التأويل [وأما أهل التأويل فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته. وهذا قول المتكلمة الجهمية والمعتزلة، ومن دخل معهم في شيء من ذلك]. هذا الصنف الثاني من المنحرفين عن طريق السلف في هذا الباب وما دخل فيه، والفرق بين قول أهل التخييل وأهل التأويل، أن أهل التخييل يقولون: إن هذه النصوص القرآنية والنبوية لم تتضمن الحقيقة في نفس الأمر لا من جهة ظاهرها ولا من جهة تأويلها، ولهذا لا يرون تأويل القرآن؛ لأن القرآن عندهم إنما هو خطاب للجمهور كما يذكر ذلك المتفلسفة ومن سار على طريقتهم ممن انتسبوا للتصوف أو التشيع من الباطنية. أما الصنف الثاني -وهم الذين عني المصنف بذكرهم والرد عليهم-: وهم أهل التأويل الذين قالوا: إن هذه النصوص القرآنية والنبوية تضمنت الحقيقة في نفس الأمر، لكن الحقيقة في نفس الأمر ليست هي الظاهر من هذه النصوص، وإنما هي المعاني التي يصل إليها الناظر من أهل التأويل، وهذا التأويل يتحصل عندهم بدلائل عقلية هي الدلائل الكلامية، وهذه هي التسمية الصحيحة لها: أنها دلائل كلامية وليست دلائل عقلية يشترك في صحتها أو في قبولها سائر الأقوام. وهذا قول المتكلمة والجهمية. لأنهم الأصل في هذه الطريقة. ومن دخل معهم في شيء من ذلك إشارة إلى متأخري المتكلمين الذين يضافون إلى متكلمة الصفاتية، فإن الأصل في هذه الطريقة -أعني: طريقة التأويل- هم الجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك من متكلمة الصفاتية، كالكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكالأشعرية أتباع أبي الحسن الأشعري، وكالماتريدية أتباع أبي منصور الماتريدي الحنفي وأمثالهم، فهذا الصنف يختلفون عن المتفلسفة؛ ولهذا صار جنس أهل التأويل أقرب إلى الشريعة والحق من أهل التخييل؛ وإن كان يقع في هذا الصنف -أعني: صنف المتكلمين- من الغلاة فيه ما يكون قول بعض المنتسبين إلى الفلسفة في بعض الموارد أقرب إلى الشريعة من قولهم. حتى إن شيخ الإسلام ﵀ لما ذكر أبا الوليد بن رشد -وهو من المتفلسفة، ومن أهل الطريقة الأولى في الجملة- قال: ومع ذلك فإن ابن رشد وأمثاله من مقتصدة المتفلسفة خير من الجهم بن صفوان وأمثاله من غلاة المتكلمة في باب الأسماء والصفات. إذاً: قد يقرب بعض أعيان المتفلسفة في بعض الموارد إلى درجة يكون فيها خيراً من بعض غلاة المتكلمين، لكن من حيث الجملة أهل التخييل أبعد عن مقاصد الإسلام ومراداته من أهل التأويل. هذا هو الصنف الثاني، وهو الذي شاع الإشكال فيه، ولا سيما عند المتأخرين. [والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء، إذ كان نفور الناس عن الأولين مشهوراً، بخلاف هؤلاء؛ فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة، وهم - في الحقيقة- لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا]. ذكر المصنف قبل هذا أن أخص هذا الصنف هم الجهمية والمعتزلة، والجهمية والمعتزلة ليس لهم انتصار لطريقة السنة، وإنما مقصوده: أن اغلاة هذا الصنف انتصاراً معروفاً لبعض مسائل أصول الإسلام التي خالفوا فيها المتفلسفة، كالقول بحدوث العالم، والرد على المتفلسفة الذين قالوا بقدم العالم، وكقولهم بإثبات النبوة على التحقيق رداً على المتفلسفة الذين جعلوا النبوة مكتسبة، وجعلوها ثلاث قوى -على ما يذكره ابن سينا وأمثاله-: قوة التخييل، وقوة التعبير، وقوة التصوير. فالمعتزلة لهم ردود في هذا الباب في مثل هذا النوع من المسائل، وهي: مسائل أصول النبوات، وأصول الشرائع، وتحقيق الأمر والنهي أنه حقاً على حقيقته، وتحقيق مسألة المعاد وأنها حقاً على حقيقتها. ويستدل المعتزلة فيها على هذا الصنف من المتفلسفة بدلائل الشريعة أو الدلائل العقلية، فهم لهم نصر للإسلام أو للسنة من هذا الوجه. وإذا وقع المقصود في الصنف الثاني من هذا النوع -وهم المتأخرون من المتكلمين كالأشعرية وأمثالهم- فإن لهم بعض العناية بنصر السنة -أي: ما ظنوه قول أهل السنة والجماعة- وهذا تارةً يقعون فيه على شيء من التحقيق، وتارةً يقعون فيه على شيء من الوهم والغلط، فيكون غلطهم من جهة ما ظنوه قولاً لأهل السنة وليس قولاً لهم. أما ما وقعوا فيه من التحقيق فمن أخص مثالاته: استدلال الأشاعرة على ثبوت الصفات من حيث الأصل -أي: معارضة طريقة المعتزلة التي تقول بأن الرب لا يقوم بذاته شيء من الصفات- فصار الأصل عند الأشعرية أن الرب متصف بالصفات .. فهذا أصل كلي، وأما عند التفصيل فإنهم ينازعون في كثير من تفاصيل الصفات -أعني الأشعرية- فهذا من الحق الذي وصلوا إليه، وإن كانت طرقهم في إثبات الصفات ليست هي الطرق الفاضلة في الجملة، بمعنى: أن في طرق إثبات الصفات في كلام أئمة السلف من الطرق الشرعية والعقلية ما هو خير من الطرق التي يذكرها أئمة المتكلمين من متكلمة الصفاتية في مقابلة قول المعتزلة والجهمية. وربما قرروا -في مقابلة قول الجهمية والمعتزلة- من المقالات التي هي وهم على السلف. إذاً: ما ترد به طائفة على طائفة وقعت فيما هو من الضلال تارة يكون محققاً، وتارةً يكون قاصراً، وتارةً يكون غلطاً؛ أي: أنهم يردون البدعة ببدعة أخرى، ولكنها في الجملة تكون أخف منها. فالمعتزلة لم يتحصل لهم القول بحدوث العالم إلا بنفي الصفات، فهم يرون أن ثمة تلازماً بين إثبات قبول الرب للصفات وبين القول بقدم العالم، وهذا التلازم وهم عند المعتزلة، وهذا الذي جعل شيخ الإسلام ﵀ يقول كثيراً عن هؤلاء المتكلمين من المعتزلة وغيرهم: وهم لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا. لأنهم بنوا القول بحدوث العالم على القول بنفي الصفات، فجعلوه لا يتحصل في العقل إثبات حدوث العالم إلا بإثبات أن الرب لا يتصف بشيء من الصفات .. ولا شك أن هذا الامتناع غلط؛ لأن العلم باتصاف الرب بالصفات أمر مستقر في العقل والشرع والفطرة، فلو فرض جدلاً أن هذا -الذي هو ثابت بالعقل والشرع والفطرة- يدل على القول بقدم العالم لكان هذا من التناقض الذي جاءت به الرسل أو فطرت عليه العقول والنفوس. المقصود: أن هؤلاء المتكلمين -في الغالب- لا يحققون بعض الحق إلا بالتزام شيء من الباطل، بل ربما صار الباطل الذي التزموه وأقروا به شراً من الخطأ في الحق الذي قصدوا تحقيقه، وهذا لا يطرد، لكنه يقع في بعض المسائل، وليس المقصود هنا القول في تفصيله. وربما صارت أدلتهم في ردهم على المتفلسفة أدلةً قاصرة يستطيع المحقق من المتفلسفة أو الحاذق منهم أن يجيب عن هذه الأسئلة، كاستدلال كثير من أئمة الكلام على القول بإثبات المعاد على حقيقته، وردهم على المتفلسفة في ذلك بأن فرض المعاد على الحقيقة لا يلزم من فرضه محال. وهذه الطريقة التي استعملها الكثير من متكلمي المعتزلة والأشاعرة ليست طريقة محققة في العقل؛ لأن مبنية على عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع ليس علماً بعدم الامتناع؛ بخلاف الطرق المذكورة في القرآن والسنة وكلام السلف في إثبات المعاد؛ فإنها مبنية على العلم بلزوم ثبوت هذا من حيث قياس الأولى الذي يقر به سائر العقلاء، وتجد أن المثال الذي وقع عليه القياس مستقر في سائر عقول بني آدم حتى الكفار .. وهلم جرا. وهذا يحصل منه نتيجة أخيرة وهي: أن هؤلاء وإن كان لهم اشتغال بالرد على المتفلسفة وأمثالهم -أعني: المتكلمين- إلا أنهم في الجملة لم يحققوا، وإن كان لهم مقام حمد من حيث الجملة في هذه العناية، ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام ﵀ المتفلسفة قال: وقد صنف نظار المسلمين في الرد عليهم والطعن عليهم. ثم ذكر بعض مصنفات المعتزلة وبعض مصنفات الأشاعرة، فهذا مما يحمدون فيه؛ من حيث أنهم قصدوا رد ما هو مخالف لدين الإسلام، لكن من حيث الحقيقة التي استعملوها في هذا الرد والطرق التي سلكوها والمعاني التي التزموها هذا هو الذي يقع لهم فيه كثير من التأخر والقصور.

стр. 143

إلزام الفلاسفة للمتكلمين في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات [لكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات. فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان. وقد علمنا فساد الشبه المانعة منه. وأهل السنة يقولون لهم: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد]. وأهل السنة يقولون للمتكلمين -أي: أهل التأويل-: إنكم أقررتم بنصوص المعاد، وفي ردكم على المتفلسفة في مسألة المعاد قلتم: إنه قد علم مجيء الرسل بهذا ضرورة، فيقال أيضاً: وقد علم مجيء الرسل بمسائل الصفات ضرورةً .. فهذا من باب قياس الأولى.

стр. 144

الاستدلال بإنكار مشركي العرب نصوص المعاد بخلاف نصوص الصفات على قبول العقل للصفات [ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد. وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه، بخلاف الصفات فإنه لم ينكر شيئاً منها أحد من العرب]. وهذا قياس فاضل؛ فإن العرب في جاهليتهم نازعوا في مسألة المعاد، وغيرهم من طوائف المشركين -الذين بعث فيهم الرسل- كانوا ينازعون في مسألة المعاد؛ لكن مسألة الصفات لم يقع فيها نزاع؛ ولهذا قال الله عنهم: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧] وقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] وقال: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء:٤٩] وهلم جرا، لكنه في مسائل الصفات لم يعترض أحد من المشركين على ثبوت صفة مضافة إلى الله. [فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات]. هذا الحرف من كلام المصنف فيه بعض التردد، ولعل فيه إما تصحيفاً أو غلطاً من النساخ أو أنه يحمل على مقصود ما؛ وذلك لأنه قال: وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات. وكان الافتراض المبدئي أنه يكون العكس، أي: أن إنكار الصفات أعظم من إنكار المعاد. فإن فرضنا أن السياق من حيث اللفظ على وجهه وهذا محتمل، فإنه يفسر بمعنى يناسبه، وهو أن معنى العبارة: أن إنكار المعاد أقرب إلى الفرض العقلي من إنكار الصفات؛ ولهذا المشركون عقولهم فرضت إنكار المعاد ولم تفرض إنكار الصفات. إذاً قوله: أن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات. لا يفهم منه أنه أعظم في الشرع أو في العقل .. ولكنه يحمل على -إن سلمت العبارة من التصحيف- معنى أي: أظهر في الفرض العقلي من إنكار الصفات، ولهذا المشركون فرضت عقولهم إنكار المعاد ولم تفرض إنكار الصفات. [فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به؟ وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟!]. وهذا من باب قياس الأولى.

стр. 145

صفات الله في التوراة [وأيضاً: فقد علم أنه ﵌ قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا منما حرِّف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم أولى]. أي: أن اليهود مع انشغالهم بتحريف كتابهم لم ينكر اشتغالهم بتحريف آيات الصفات مع أنها قطعاً مذكورة في التوراة؛ ولهذا ترى أن بعض اليهود الذين أدركوا النبي ﵌ كانوا يسألونه في تفاصيل بعض الصفات التي هي ليست من الصفات المعلومة بمحض العقل، كالصفات السمعية المحضة، كإثبات صفة الأصابع وأمثال ذلك، ولم ينكر أن اليهود كانوا يشتغلون بتحريف ما جاء في التوراة من الصفات، مع أنهم محرفة لكتابهم بالاتفاق. [فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجباً منهم وتصديقاً لها؟! ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة أهل الإثبات، مثل لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك، بل عابهم بقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] وقولهم: إنه استراح لما خلق السماوات والأرض فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن، فإذا جاز أن تتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل، فالأول أولى بالبطلان]. هذا أيضاً يحتاج إلى تأمل؛ لأن فيه بعض التردد من حيث الظاهر فيه، فيحمل على مقصود مناسب. فإن قوله: والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. يفيد أن المعاد مذكور في التوراة كما أنه مذكور في القرآن، فمن باب أولى أن الصفات مذكورة في التوراة كما أنها مذكورة في القرآن، ولكن تصريح التوراة بالمعاد ليس كتصريحها بالصفات. ثم بعد ذلك يقول: فإذا جاز أن تتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما. وهذا الحرف مشكل من حيث هذا السياق، فإنه إن كان الانفراد من جهة أن ذكر المعاد في التوراة لم يصرح به كما صرح به في القرآن فأيضاً هذا يرد حتى على مسألة الصفات؛ فإن تفصيل الصفات في القرآن ليس كتفصيلها في أي كتاب قبله. وإن قصد أن المعاد في التوراة لم يصرح به كما صرح بالصفات فأيضاً المعاد في القرآن لم يصرح به ويفصل كما فصلت الصفات؛ فإن تفصيل الصفات في القرآن أكثر من تفصيل المعاد؛ ولهذا ما وجه هذا الانفراد؟ هذا الحرف مشكل في كلام المصنف، وإذا كان مشكلاً فإنه يحتاج إلى تأمل إن وقع على معنىً مناسب، وإلا ربما كان فيه بعض الوهم من النساخ في سياقه وترتيبه. وبعبارة أخرى نقول: إن قول المصنف: والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث .. لا إشكال فيه، والمطابقة هنا التي يذكرها المصنف ليس مطابقة محضة قطعاً، بل هي مطابقة في الجملة، بمعنى أن الصفات مفصلة في التوراة كما أنها مفصلة في القرآن، فليس معناه أن كل ما ذكر في القرآن والسنة فإنه مذكور في التوراة، هذا ليس بلازم وإن تحقق العلم به يتعذر كله. ثم قال: وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. فإن قصد أن المعاد صرح به في التوراة لكن درجة التصريح في القرآن أظهر فهذا لا إشكال فيه، وهذا هو مراد شيخ الإسلام ﵀ من حيث الأصل، ولهذا لا يمكن أن نحمل قوله: وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن فنقول: إن مقصود المصنف أن المعاد لم يذكر في التوراة صريحاً وإنما ذكر خفياً، لأننا لو فسرنا الكلام بهذا المعنى للناسب فإن النتيجة الأخيرة وهي قوله: فإذا جاز أن تتأول الصفة التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما. أي: انفرد أحدهما وهو القرآن بالتصريح به والتوراة لم تصرح به، وهذا غلط، لأن هذا يستلزم نتيجة، وهي أن المعاد لم يصرح به في التوراة، وهذا لا يمكن أن يقال، ولا المصنف ﵀ يلتزمه، ومن أضافه إلى شيخ الإسلام فقد غلط عليه؛ لأن المعاد من أصول الإيمان وهو الإيمان باليوم الآخر، وهذا مذكور في سائر الكتب السماوية. وأما إن قصد أن التصريح بالمعاد ليس بدرجة التصريح الذي وقع في القرآن فهذا صحيح، لكنه يرد على مسألة الصفات، ومن هنا كان هذا الحرف يمكن أن يمضى على أن المعاد لم يصرح به في التوراة فتكون النتيجة أن المعاد انفرد به أحدهما ويصير القياس سليماً؛ لكن هذا يستلزم الإقرار بمقدمة وهي: أن المعاد لم يصرح به في التوراة، وإنما ذكر خفياً. أما إذا قيل: لم يصرح به. أي: كالتصريح القرآني، فهذا أيضاً يرد في مسألة الصفات، فلا يتحقق القياس على الوجه الصحيح، فهذا الحرف يحتاج إلى نظر.

стр. 146

شرح الحموية [١١] من المخالفين لمذهب السلف في باب الصفات: أهل التجهيل، وهم الذين يزعمون أن جبريل ﵇ والنبي ﷺ والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان كانوا يجهلون معاني آيات الصفات، وهذا المذهب مردود ببداهة العقول، فضلاً عن نصوص الكتاب والسنة.

стр. 147

الصنف الثالث من أصناف المخالفين لمذهب السلف: أهل التجهيل قال المصنف ﵀: [وأما الصنف الثالث وهم: أهل التجهيل. فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف يقولون: إن الرسول ﵌ لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك. وكذلك قولهم في أحاديث الصفات]. هؤلاء هم أهل التجهيل، وأهل التخييل وأهل التأويل لهم مدارس مختصة عرفت بهم كمدرسة الفلاسفة باختلاف طرقها الباطنية والنظرية وغير ذلك، وكمدرسة المعتزلة والأشاعرة والماتريدية. أما أهل التجهيل فهو -إن صح التعبير- رأي شاع في كثير من الطوائف، وليس له طائفة مختصة تعرف بأنها طائفة أهل التجهيل أو طائفة أهل التفويض أو أهل التوقف، أي: ليس هناك طائفة مختصة تلتزم هذا المذهب باطراد، كما أنك تقول: المعتزلة، الأشاعرة .. إلخ، إنما هي نظرية -أعني التجهيل أو التفويض أو التوقف- شاعت في كثير من الطوائف. والمصنف هنا يشير إلى أن أخص من اعتنى به -أي: بمسلك التجهيل أو بعبارة أشهر وهي: مسلك التفويض- هم قوم من المنتسبين إلى السنة والأئمة الذين لم يحققوا مذهب السلف، وهو في الغالب يقع عند طائفة من فقهاء المذاهب الأربعة الذين عندهم ميل إلى صحة الطرق الكلامية ولكنهم ليسوا حذاقاً في العلم الكلامي، وإنما عندهم ميل وأثر من أثر المتكلمين من أصحاب أبي الحسن أو أصحاب أبي منصور الماتريدي، بسبب الصحبة الفقهية، حيث إن هذا المتكلم شافعي وهذا الفقيه شافعي، وكما هو معلوم كثير من المتكلمين فقهاء كـ الرازي، والغزالي، والجويني، وبعض أصحابهم الفقهاء الذين يشاركونهم في الفقه وفي أصول الفقه أو يشاركونهم في التمذهب على مذهب الشافعي أو مالك أو نحو ذلك ولم يشتغلوا بالعلم الكلامي تجد في الغالب أنهم يميلون لهذه الطريقة لا سيما وأن أئمتهم المتكلمين قرروا أن هذه الطريقة هي طريقة السلف، أو بعبارة أقرب أيضاً: هي طريقة الأئمة الذين ينتحلون مذهبهم ك الشافعي ومالك وأمثالهما. إذاً: هذا صنف اشتغلوا بطريقة التفويض الذي يسميها المصنف طريقة التجهيل، وهم خلط من الفقهاء الذين تأثروا بأصحابهم من المتكلمين لما يجمعهم من الجوامع الفقهية والمذهبية في مسائل الشريعة. الصنف الثاني: وهم قوم من المتكلمين من متكلمة الصفاتية، وهؤلاء طائفتان: الأولى: تشتغل بالتأويل وتشتغل بالتفويض، أو تجوز التأويل وتجوز التفويض، وهذا هو الغالب على أصحاب أبي الحسن الأشعري. الثانية: لم تر التفويض، وكانت تذم التفويض، لكن فيما بعد لما تبين لهم قصور طريقة التأويل سلكوا مسلك التفويض؛ لأنهم قصدوا الرجوع إلى مذهب السلف ولم يكن في علمهم أن مذهب السلف ليس هو التفويض، وهذا هو الذي تراه في كلام أبي المعالي الجويني في الرسالة النظامية، فإنه لما رجع عن طريقته التي قررها في الشامل والإرشاد، وذكر تحريم التأويل ومنعه، مال إلى طريقة ظنها مسلك السلف، وهي طريقة التفويض، ولهذا لو قيل: هل رجع الجويني إلى مذهب السلف وأهل السنة؟ قيل: من حيث الانتساب قصد ذلك، فقد تبين له أن طريقته الأولى فيها أغلاط شديدة، لكنه لم يصب المذهب من حيث التحقيق، وإن كان ينتسب إليه في الجملة. ويدخل في الصنف الأول -الفقهاء- بعض المنشغلين بشروح الأحاديث ونحوه. الصنف الثالث: وهم قوم من الصوفية الذين أعرضوا عن طرق الصوفية الباطنية، وعن طرق متكلمة الصوفية، وإن كان المتكلمون في الصوفية قليلين، لكن يقع لهم بعض ذلك، كما هي طريقة القشيري صاحب الرسالة، وكما هي طريقة أبي حامد الغزالي، فإن القشيري والغزالي من أعيان المتكلمين، وهم أيضاً من أعيان المتصوفة، لكن ثمة صنف من المتكلمين عادةً من الصوفية ليسوا باطنيةً كما هي طريقة المتفلسفة منهم، وليسوا مائلين إلى الطريقة الكلامية كـ القشيري والغزالي، وإنما هم بين هذا وهذا، فلديهم تأثر بأصحابهم أصحاب هذه الطرق، ففضلوا هذه الطريقة التي انضبط عند كثير من المتأخرين أنها طريقة السلف فاشتغلوا بها، وموجب الاشتغال: ما شاع عند كثير من أصحابهم وغيرهم أنها طريقة السلف، فهذا موجب. وثمة موجب آخر: وهي أن علومهم الصوفية الأحوالية الإرادية تناسب هذه الطريقة؛ فإنهم ليسوا من أرباب النظر، وطريقة التأويل طريقة نظرية بخلاف طريقة التفويض؛ فإنها تناسب أرباب الأحوال والإرادات الذين لا يستعملون الطرق النظرية وإنما يستعملون الطرق -كما يسمى- الرياضية أو نحوه. هذا هو الصنف الثالث الذين شاعت فيهم هذه الطريقة، وهم خلق من المتصوفة. وقد شاعت هذه الطريقة -ولا سيما في هذا العصر- في نوع ممن اشتغل بالعمل للإسلام من وجه عام في بعض الطوائف والجماعات الإسلامية الذين قصدوا مذهب السلف ولكنهم ليسوا من أهل العلم، وتوهموا كما توهم من قبلهم خلق من الفقهاء وغيرهم أن طريقة السلف هي طريقة التفويض، فتقلدوا هذه الطريقة وهم ينتسبون إلى السلف ظانين أنها هي طريقة السلف مما فاتهم من العلم والاختصاص بمعرفة هذا الباب.

стр. 148

هل علم النبي ﵊ معاني آيات الصفات ؟ [وكذلك قولههم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله. مع أن الرسول تكلم بها ابتداءً، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه، وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]. إذاً: طريقة التفويض طريقة باطلة قطعاً؛ لأنه إذا قيل: إن المعنى مفوض، فهنا يقع السؤال: هل هو مفوض والنبي ﵌ يعلمه أو لا يعلمه؟ فهنا لهم طريقان: إما أن يقولوا إن النبي ﷺ لا يعلم المعاني. وهذا لا شك أنه نقص في مقام النبوة؛ ويكون القرآن قد جاء باحتياطات لا يعرف معناها حتى النبي ﷺ ، ويكون القرآن على هذا جاء بظاهر لا يليق بالله ولا يستطيع أحد أن يعرف المقصود به حتى الأنبياء، وهكذا في غير القرآن والكتب السماوية. أو يقولوا: إن النبي يعرف المعنى. فهنا يقال: فإن كان هذا المعنى الذي عرفه النبي ﵌ هو الحق إما أن يكون بينه أو لم يبينه، فإن لم يبينه فقد كتم الحق، وإن كان بينه فإن البيان وقع في أصحابه ومن بعدهم ممن أخذ عن الصحابة.

стр. 149

تناقض الأشاعرة في دعواهم أن مذهب السلف هو التفويض مع دعواهم تعارض العقل والنقل وبهذا يتبين أن طريقة التفويض هذه طريقة ممتنعة في العقل، والدليل على امتناعها في العقل: أن الناس قبل ظهور هذه الطريقة في زمن القرون الثلاثة الفاضلة في الجملة -حتى الذين انحرفوا عن طريقة السلف من المعتزلة والجهمية والمشبهة- لم يشتغل أحد منهم بطريقة التفويض؛ لأنها طريقة ممتنعة ببداهة العقول، وإن كان افتتن بها خلق ممن انتسب إلى السنة والأئمة ممن لم يحقق طريقتهم. ومتكلمة الأشاعرة الذين يجوزونها ويرون أنها طريقة السلف حتى لا يكون مذهبهم مناقضاً لمذهب السلف بنوها على معنىً متناقض؛ لأنهم قرروا تعارض العقل والنقل -أعني علماء الأشاعرة ولا سيما بعد طبقة أبي المعالي - والتعارض الذي قصدوه تعارض في الدلالة -أي: الدلالة النقلية المعارضة للدلالة العقلية- هكذا يقررها أبو المعالي ومن بعده ممن تكلم في الأشاعرة. فهنا السؤال: إذا كان الأشعرية ولا سيما بعد طبقة أبي المعالي يقرون بتعارض الدلالة النقلية مع الدلالة العقلية أليس العلم بالتعارض فرعاً عن العلم بمعنى الدلالتين؟ الجواب: بلى، لأنك إن فرضت أن الدلالة النقلية ليست معلومة فكيف تقول: إن الدلالة النقلية عارضت الدلالة العقلية؟ وإذا كانت الدلالة النقلية مجهولة مفوضة، ومتوقف فيها، أي: لا يعرف معناها، فكيف فرضت أنها معارضة للدلالة العقلية؟! لأنه قد يكون في نفس الأمر أنها لا تعارضه، وهذا هو الأصل حتى عند المتكلمين: أن النقل يجب أن يؤول إلى موافقة العقل. إذاً على كل حال: طريقة متكلمة الأشاعرة طريقة ساذجة، ولهذا لما قرر المعتزلة قبلهم تعارض العقل والنقل لم يفرضوا صحة مسألة التفويض؛ لأن هذا مناقض لأصل التقرير البدهي: كونك تقول أن الدلائل النقلية معارضة للدلائل العقلية. حسناً: هو التعارض بين الثبوت أو بين الدلالة؟ لا شك أنهم لا يقولون: الثبوت؛ لأن القرآن ثبوته قطعي، وإذا كان ثبوت القرآن قطعياً -وهذه بديهة عند المسلمين- ثم فرض التعارض في الثبوت وليس في الدلالة فبالضرورة أن العقل ليس قطعياً؛ لأن القول بأنه قطعي يؤدي إلى التعارض بين قطعيين في الثبوت .. وهذا لا يمكن. إذاً يرجع التعارض إلى الدلالة، وإذا رجع التعارض إلى الدلالة فمن شرط القول بأن الدلالتين بينهما تعارض العلم بمعنى الدلالتين؛ أي: أن هذه الدلالة تدل على معنى كذا وهذه الدلالة تدل على معنى كذا وبهذا العلم يقع العلم بالتعارض، أما إذا لم يعرف معنى الدلالتين أو أحدهما فإنه لا يمكن القول بأن التعارض قد وقع بينهما. ومن هنا كان هذا القول ممتنعاً عند أرباب العقل من حذاق النظار من المعتزلة وأمثالهم، أي: أن المعتزلة أرعى لهذه القواعد العقلية في هذا المورد من الأشاعرة، وإن كان الأشاعرة أقرب إلى السنة والجماعة منهم، كما أن المصنف قبل ذلك قال: وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس .. قال: هي بعينها تأويلات بشر. ثم قال: بكلام إذا طالعه العاقل والذكي الذي عرف أن بشر المريسي وأمثاله أقعد بها من هؤلاء -يعني المتأخرين-.

стр. 150

أثر استخدام الألفاظ المجملة [وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] فإن وقف أكثر السلف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] وهو وقف صحيح، ثم فرقوا بين معنى الكلام وتفسيره، وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمه، وظنوا أن التأويل في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين، وغلطوا في ذلك]. هذه قاعدة مهمة: وهي أن كثيراً من الغلط في هذا الباب موجبه الألفاظ المجملة، سواء كانت هذه الألفاظ مجملة من حيث الأصل أم مجملة من حيث الاستعمال، أي: استعمال المستعملين لها. ومن أمثلة الإجمال من حيث الاستعمال: أن النفاة للعلو لما ذكروا العلوا نفوه بحجة تنزيه الله عن الجهة، وهذا اللفظ حادث لم يذكر لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة إثباتاً ولا نفياً، فهذا الإجمال هو الذي أوقع الوهم فيه. ولهذا الطريقة الفاضلة في هذا المقام أن يقال لمن نفى الجهة: أخبرنا عن العلو والفوقية، أو أخبرنا هل الله في السماء، أو هل هو بائن عن الخلق. فتستخدم الألفاظ: إما القرآنية أو التي ليس فيها إجمال، مثل أنه بائن عن خلقه، فمن نفى الجهة يقال: أخبرنا هل تقول أن الله بذاته فوق العالم أو فوق السموات أو أنه بذاته فوق العرش أم لا؟ فإذا أجرى هذا على لفظ الجهة -أي: نفاهما معاً- فقد تحقق ظهور الغلط فيه. المقصود: أن الألفاظ المجملة الحادثة هي من أخص موجبات الوهم والغلط. ولفظ التأويل ليس لفظاً مجملاً من حيث الأصل ولا لفظاً حادثاً، فهو ليس حادثاً لأنه مذكور في الكتاب والسنة، وأما أنه ليس مجملاً من حيث الأصل لأن معناه من حيث الأصل مفصل، ولكن لاستعمال المستعملين له من المتكلمين وأمثالهم صار فيه الإجمال، حيث أحدثوا معنىً ثالثاً أضافوه للتأويل وسموه تأويلاً هو المستعمل عندهم في مقام الصفات، فإذا رأوا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] امتدحوا طريقة التأويل بأن الراسخين في العلم يعرفون التأويل، ويقصدون هنا بالتأويل: التأويل الذي اصطلحوا عليه. وإذا أرادوا تصحيح طريقة التفويض وقفوا عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ولا شك أن هذا غلط من جهتين: من جهة أن التأويل المذكور في القرآن سواء وقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] أو وقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] ليس هو التأويل الذي اصطلح عليه أهل الكلام. ومن وجه آخر: أن تصحيح الوقفين يستلزم أن يكون التأويل معناه متعدداً وليس واحداً؛ لأنك إن جعلت المعنى المقصود بالتأويل في السياق الواحد لزم أن تجعل الوقف على موضع واحد، ولهذا ترى أن أهل السنة صححوا الوقف في الموضعين، ولكنهم فسروا التأويل في موضع الوقف على قوله: إلا الله بغير التأويل الذي يقع عند الوقف على قوله: والراسخون في العلم. أما على طريقة المتكلمين فليس لهم في تفسيره إلا معنىً واحد، وهو صرف الكلام عن ظاهره إلى مجازه، فإن وقفت على قوله: إلا الله أفسدت طريقة التأويل، وإن وقفت على قوله: والراسخون في العلم وصمت السلف الذين وقفوا على هذا بالجهل. ولهذا هذه الآية لا تفيدهم شيئاً -أعني: أهل الكلام الذين فسروا التأويل بأنه صرف اللفظ عن ظاهره إلى المجاز .. إلخ-. وهذا دونه خرط القتاد من جهات كثيرة، وهذه الجهات معروفة، وهو مبني على ثبوت المجاز وقد تقدم الطعن فيه، ومبني على مسائل كثيرة، ولهذا هذا التأويل لا يفيدهم شيئاً.

стр. 151

معاني التأويل

стр. 152

المعنى الأول [والتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح دليل يقترن بذلك]. وقد يقولون: صرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز. [فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة تأويلاً على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلاً يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله أو يعلمه المتأولون. ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجرى على ظاهرها. فظاهرها مراد مع قولهم: إن لها تأويلاً بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله. وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم]. كذلك لفظ الظاهر لفظ فيه إجمال من جهة نصه وإن كان من حيث النوع ليس مجملاً، فقد ذكر في القرآن لفظ الظاهر، لكنه لم يذكر في موطن الصفات، إنما جاء في مثل قوله: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] فإذا قيل: هل ظاهر النصوص مراد أو ليس مراداً؟ قيل: هذا بحسب المراد من لفظ الظاهر، فإن قصد بالظاهر المعاني اللائقة بالله سبحانه فهو مراد، وإن قصد بالظاهر التشبيه كما هو مقصود جمهور المتكلمين فإن الله منزه عن ذلك، وتنزه نصوص القرآن أيضاً أن يكون ظاهرها التشبيه.

стр. 153

المعنى الثاني [والمعنى الثاني: أن التأويل هو تفسير الكلام، سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه، وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم]. التأويل: بمعنى التفصيل. [وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم، وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] كما نقل ذلك عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن إسحاق وابن قتيبة وغيرهم، وكلا القولين حق باعتبار كما قد بسطناه في موضع آخر]. قوله: وكلا القولين لا يقصد به معاني التأويل التي قدمها آنفاً، وإنما يقصد الوقف على قوله: (إِلاَّ اللَّهُ) والوقف على قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) فالوقف على قوله: (إِلاَّ اللَّهُ) يتخرج على المعنى الثالث للتأويل وهو الحقيقي، والوقف على قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) يتخرج على المعنى الثاني. [كما بسطناه في موضع آخر؛ ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا، وكلاهما حق].

стр. 154

المعنى الثالث [والمعنى الثالث: أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها]. على هذا المعنى يوقف على قوله: (إِلاَّ اللَّهُ)، ويكون المعنى، أي: حقائق الصفات، ويمكن إذا رجعنا إلى القواعد المشتهرة في كلام السلف نقول: المعنى والكيفية، فإن قصد الكيفية فإنه يوقف على قوله: (إِلاَّ اللَّهُ)، وإن قصد المعنى من حيث هو فإنه يوقف على قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ).

стр. 155

هل آيات الصفات من المتشابه ؟ [وإن وافقت ظاهره فتأويل ما أخبر الله به في الجنة]. هنا مسألة: هذا التقرير مفروض على أن هيئات الصفات تدخل بوجه ما في المتشابه، فهنا طريقتان: الأولى: أن يقال: إن آيات الصفات ليست من المتشابه. الثانية: أن يقال: إنه إذا قصد التشابه هنا فإن المقصود أنها لا تعلم من حيث الكيفية، أي: أن إطلاق القول بأن آيات الصفات من المتشابه غلط؛ ولهذا لم يطلقه أحد من السلف، وإن كان السلف أجمعوا على أن كيفية الصفات لا يعلمها إلا الله. فهذا مقام، والقول بأن آيات الصفات من المتشابه مقام آخر. [فتأويل ما أخبر الله به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك هو الحقائق الموجودة أنفسها لا ما يتصور من معانيها في الأذهان، ويعبر عنه باللسان، وهذا هو التأويل في لغة القرآن كما قال تعالى عن يوسف أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ [يوسف:١٠٠] وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله. وتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله تعالى بعلمها، وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف -كـ مالك وغيره-: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. فالاستواء معلوم يعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة أخرى، وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، وأما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. وقد روي عن ابن عباس ما ذكره عبد الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير لا يعلمه إلا الله ، فمن ادعى علمه فهو كاذب. وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] وقال النبي ﵌: (يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) وكذلك علم وقت الساعة ونحو ذلك، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى]. إذاً: قال النبي ﷺ في هذا الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) مع أن المعاني في هذا الثواب معلومة، وهذا متفق عليه بين أهل السنة والمتكلمين، فالماء المذكور في الجنة والخمرة المذكورة في الجنة والنعيم المذكور في الجنة هو من حيث المعنى معروف، وإن كان من حيث الماهية والحقيقة لم يتصور؛ ولهذا قال النبي ﵌ فيه هذا. أما أن يكون بعض النعيم لم يحدث به الناس؛ حيث إن من نعيم الجنة ما لم يذكر أصلاً؛ ولهذا قال النبي ﵌ فيما رواه عن ربه: (ولا أذن سمعت) ومن النعيم ما حدث به، أي جاء ذكره في الكتاب أو في السنة لكنه لا يتحقق تصوره في القلب أو في العقل؛ لأن ماهيته تناسب ذاك المقام. وهذا النعيم الأخروي الذي يقر به عند أهل السنة والمتكلمين دليل على أن صفات الباري صفات تليق به وإن وقع الاشتراك بينها وبين صفات المخلوقين في بعض الموارد من حيث الاسم المطلق، فتقول: رحمة الله ورحمة زيد. فلفظ الرحمة لفظ مشترك مطلق، وإذا أضيف وخصص فلكل موصوف ما يناسبه، كما يقال: ماء ثم يقال: ماء الدنيا وماء الآخرة. فلكل ما يليق به، وكذلك خمر الدنيا وخمر الآخرة. فلكل ما يليق به. وترى أن خمر الآخرة يمتنع ببداهة العقول وضرورة العقول أن تكون كخمر الدنيا، مع أن هناك نسبة -في الجملة- مشتركة يفهم بها الخطاب؛ ولهذا يمتنع أن يكون نعيم الآخرة مع نعيم الدنيا أو مع المواد التي في الدنيا مقروناً بالاشتراك اللفظي.

стр. 156

الأمر بتدبر القرآن كله [وكذلك علم وقت الساعة ونحو ذلك، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به، ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه كما قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨] فأمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه]. هذا وجه في الاستدلال لمذهب أهل السنة: أن الله أمر في غير آية بتدبر القرآن، بل ذم سبحانه من لم يتدبر القرآن، ولو كان الحق في آيات الصفات في سائر مواردها هو التفويض أو أنه لا يفقه معناها إلا باستعمال الدلائل الكلامية لكان هذا الأمر -الذي من الله بتدبر سائر القرآن- ليس في محله، ولا شك أن هذا ممتنع بضرورة العقل والشرع، فهذا الأمر الإلهي بتدبر القرآن كله دليل على أن سائر آياته تقبل التدبر، ودليل على أن سائر آياته من حيث المعنى تقبل التدبر، أي: تقبل الفهم والعقل، وإلا لو كانت لا تفهم ولا تعقل فكيف يؤمر بتدبر القرآن لا سيما أن آيات الصفات ليست يسيرةً في القرآن، بل هي كثيرة ولا تكاد تخلو سورة من سور القرآن من ذكر أو إشارة إلى هذا الباب؟! فإن قال قائل: إن هذا قد يعترض عليه؛ لأنه قد أمر بتدبر سائر القرآن مع أن في مطلع كثير من السور حم الم ص، فكيف يقال: إن الأمر بتدبر القرآن على عمومه مع وجود هذه الحروف المقطعة؟ قيل: هذا درس في التدبر، فإنك إذا قرأت هذه الآيات ولو وقف الفهم والعقل -كما هو طريقة طائفة من أهل العلم أن الله أعلم بمراده منها، وهذا وجه حسن جيد- فإن هذا لا ينافي التدبر؛ لامتناع العلم بمعنى مناسب لهذه؛ لأنه ليس لها معنى في اللغة، حيث إنك إذا بحثت في سائر كلام العرب لا تجد أن العرب تطلق حم على شيء منها؛ فهو اختصاص قرآني، والوقوف عنده بهذا التدبر والتسليم هو من تدبره المناسب له، لكن في آيات الصفات المعاني معلومة في لسان العرب، فمن جعل آيات الصفات بمنزلة قوله تعالى: (حم) وأمثالها فقد سوى بين المختلفين تماماً، فمثل هذه الآيات لا يشكل ذكرها على هذه القاعدة، لهذا يقال: إن القرآن جميعه يتدبر، حتى مطلع هذه السور كقوله: حم وأمثالها؛ فإنها تتدبر على ما يناسبها من التدبر.

стр. 157

تدبر السلف لكتاب الله سبحانه كاملاً [وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﵌ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم العمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً. وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس ﵄ من فاتحته إلى خاتمته أقف عن كل آية وأسأله عنها]. مثل هذه الآثار كثير، وقد ذكر المصنف طرفاً يسيراً منها، وهي كثيرة في كلام السلف في المصنفات وكتب التفسير المسندة، يتحصل منها أنه كان شائعاً عند السلف أن كل القرآن يتدبر، وأن معناه في سائر موارده -سواء موارد الصفات أو غيرها- معلوم؛ مما يدل على أن طريقة التفويض طريقة باطلة، فضلاً عن بطلان كونها مضافة إلى السلف ﵏. [وقال الشعبي: ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها. وقال مسروق: ما سأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصُر عنه. وهذا باب واسع قد بسط في موضعه. والمقصود هنا: التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول ﵌، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات ولم يجعل القرآن هدى ولا بياناً للناس]. وهذا لازم لطريقة التفويض الذي نسبه كثير من المتأخرين للسلف، فإنه إذا كان الله أعلم بالمعنى فما فائدة الخطاب بها، ولا سيما أن الذين يقرون بطريقة التفويض يلتزمون قولاً واحداً، وهو أن الظاهر ليس مراداً، بل هو على طريقتهم تشبيه لا يليق بالله، وتشبيه الباري كفر، فإذا كان كذلك فما الحكمة من مجيء هذا الظاهر الذي هو كفر ليخاطب به العقلاء ليدخلوا في دين الإسلام؟! فإن من أخص الموجبات لدخول المشركين في الإسلام آيات الصفات؛ ولهذا تأخر نزول كثير من الشرائع، لكن لم يتأخر نزول آيات الصفات والتوحيد؛ لأن الاقتضاء العقلي والفطري يناسبها ابتداءً، بخلاف كثير من الشرائع فهي وإن كانت على مقتضى العقل والفطرة إلا أن ما يتعلق بالنفس من الشهوات ونحوها قد يكون مانعاً من قبولها.

стр. 158

كل قول أضيف إلى جميع السلف يلزم إضافته إلى النبي ﵊ [ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول وأمته في باب معرفة الله لا علوماً عقلية ولا سمعية؛ وهم قد شاركوا الملاحدة من وجوه متعددة، وهم مخطئون في ما نسبوه إلى الرسول ﵌ وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف، والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة]. إذاً: يلزم من قولهم: إن الخلف اشتغلوا بالعلوم العقلية فحصلوا التأويل والسلف لم يشتغلوا ففوضوا. أن يكون السلف لم يعرفوا المعنى لا من جهته شرعياً؛ لأنه مجهول على طريقتهم، ولا من جهته عقلياً؛ لأنهم لم يشتغلوا بالتأويل، فيجرد السلف بهذا من العلوم الشرعية والعلوم العقلية في باب الصفات، وتكون النتيجة: أن السلف في باب الصفات ليس لديهم علم عقلي ولا علم شرعي. وهنا قاعدة: أن كل قول أضيف لسائر السلف -أي: هو إجماع للسلف- فإنه يلزم أن يكون مضافاً إلى النبي ﵌. فنقول: إن الأشاعرة يحكون في كتبهم أن السلف أجمعوا على عدم التأويل .. وهذا صحيح، لكنهم يقولون: إنهم وقعوا في التفويض. فإذا وقعوا في التفويض والأشعرية تمتدح طريقة التأويل وتقصد أنها هي الطريقة العقلية والعلم العقلي الفاضل فإن معنى هذا أن السلف لم يكن لديهم علم عقلي وليس معهم علم شرعي؛ لأن المعاني مجهولة، لكن السلف وهم الأئمة أخذوها عمن قبلهم من الأئمة من التابعين، والتابعون أخذوها عن الصحابة .. وهلم جرا. وهنا يرد السؤال: الصحابة ماذا كان شأنهم؟ هل كالأئمة الذين أدركوا زمن الخلافة أم على خلافهم؟ هل الصحابة عندهم علم بتأويلها أو ليس لديهم علم؟ وهلم جرا. إذاً: بهذه الطريقة يتسلسل الأمر إلى الصحابة والصحابة تلقوا عن نبيهم ﵌. ويصبح أن يقال بعبارة أخرى: هذه النصوص هل يمكن العلم بمعناها أو لا يمكن؟ فإن قالوا: لا يمكن. قيل: إذاً كيف اشتغلوا بتأويلها. وإن قالوا: يمكن. نقول: لِم لَمْ يبين النبي ﵌ هذا لأمته؟ إلا إن التزموا أن النبي كان محتاجاً إلى العلوم الفلسفية كاحتياجنا. إذاً لماذا النبي ﵌ لم يبين هذا الممكن؟ إن قالوا: إن البيان يتوقف على الدليل العقلي الكلامي للزم من هذا أن النبي ﵌ لم يتحقق دينه إلا بمعرفته ﵌ للمقالات الفلسفية .. وهذا شطط! ولهذا ترى أن السلف ﵏ بموقفهم من هؤلاء الذين ضلوا طريقهم وطريقة الصحابة، وما تراه من إغلاظ السلف على الجهمية وطعنهم فيهم هو ليس كثيراً، هو واقع على التحقيق، ومقالاتهم مقالات كفرية محضة وإن كان السلف ﵏ عدلاً منهم لم يشتغلوا بتكفير أعيانهم؛ لأنه اختلط هذا القول في قوم من الزنادقة مع قوم ممن أرادوا الحق وقصدوه ولكنهم غلطوا فيه، وإن كان هؤلاء الذين غلطوا في معرفة الحق ممن لم يكونوا من أهل الزندقة والإلحاد -في الجملة- مقصرين في طلب الحق.

стр. 159

شرح الحموية [١٢] هناك نقولات كثيرة عن السلف والأئمة ﵏ تدل على أن مذهبهم هو إثبات الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه، من غير تحريف ولا تأويل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وما نقل عنهم من قولهم: أمروها كما جاءت بلا كيف، مع قولهم: الاستواء معلوم .. يدل على أنهم إنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة.

стр. 160

أقوال الأئمة في صفات الله سبحانه قال المصنف ﵀: [ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها وألفاظ من نقل مذهبهم]. المصنف يذكر من كلام السلف ومن أعيان السلف ما يبين أنهم برآء من الطرق الثلاث، أما براءتهم من طريقة التخييل الفلسفية فظاهر، ليس فيه إشكال، فإنه لم يتكلم أحد أن السلف كانوا من أهل التخييل، إلا ما وقع من أبي الوليد بن رشد الفيلسوف المتفقه على مذهب مالك؛ فإنه زعم أن بعض الصحابة كانوا يمتحلون هذه الطريقة، وتشبث ببعض الأحرف الثابتة عن بعض الصحابة كقول علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ وما جاء عن ابن مسعود أيضاً: إن أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان ببعض الفتنة. وقد ذكر بعض الأفاضل أنها لا تصح، فزعم بهذا أن طريقته كانت معلومة عند بعض أئمة الصحابة. وهذا سفه من أبي الوليد بن رشد لم يتقلده أحد من أصحابه ك ابن سينا وأمثاله الذين قرروا أن طريقتهم ليست مذكورةً في كتب الأنبياء وما نزل عليهم من الوحي. والطريقة الثانية -وهي طريقة التأويل- في الجملة يعلم براءة السلف منها، إلا ما وقع عند بعض متكلمة الصفاتية ك الشهرستاني، حيث زعم أن بعض السلف كانوا يشتغلون بالتأويل، وما زعمه أبو محمد بن حزم من أن داود بن علي -الذي هو إمام الظاهرية- والشافعي كانوا يشتغلون بشيء من التأويل، وهذا غلط من ابن حزم؛ فإن الشافعي ﵀ أظهر من أن يتكلم في براءته من هذا العلم -أعني: علم الكلام- أو في براءته من التأويل بعامة ولو بغير الطريقة الكلامية. وأما داود بن علي ﵀ فهو أيضاً بريء من طريقة ابن حزم الذي ذكرها في الفصل وغيره، فقد كان محل الخلاف بين داود بن علي وبين جمهور علماء عصره في الطريقة الظاهرية التي التزمها في الفقه، أما في أصول الدين فإنه على طريقة سائر أئمة السلف، وإن كان أخذ عليه بعض الأحرف اليسيرة التي هي من مقامات النزاع الكبار، كاشتغاله ببعض الجدل مع المخالفين في زمن كان الأئمة يفضلون فيه ترك الاستطراد، كما ذكر ذلك أبو حاتم. وقد منعه الإمام أحمد ﵀ من الدخول عليه بعد ذهابه إلى بلاد ما وراء النهر والرجوع منها؛ لأنه ذكر في تلك البلاد أن القرآن محدث، وقد كانت هذه اللفظة يستعملها إذ ذاك طائفة من الجهمية يقصدون بها أن القرآن مخلوق، وكان الإمام أحمد ينهى عنها، وكان داود يصححها لما جاء في قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢] فأجاز هذا الإطلاق، وكان الإمام أحمد يمنعه إلا بسياق القرآن على التصريح، أي: تساق الآية على وجهها، ولا تذكر مستقلة. فقد كان الإمام أحمد يدرأ شبه وتلبيس الجهمية، ولهذا عندما كُتب إليه ﵀ وهو في بغداد أن داود بن علي أظهر هذه المقالة في تلك البلاد، ثم رجع داود وكان معه صحبة لـ صالح ابن الإمام أحمد، فقال له: تلطف على أبي عبد الله وقل: هذا داود يستأذنك ولا تسمني. فدخل على أبيه وقال له، فقال: داود ابن من؟ فقال: هو ابن علي. قال: من أصبهان؟ قال: نعم؟ قال: لا يدخل، فإنه حدثني فلان عن فلان أنه قال ذلك. وأنكر ذلك داود وتلطف، فقال الإمام أحمد: إن من حدثني أوثق عندي منه. فكان هذا من تعزير الإمام أحمد ﵀ بمقامه في السنة وتأديبه لمن حوله حتى لا يقع الاختلاط في المعتقد، بمعنى الابتعاد عن الألفاظ التي صارت مجملةً بالاستعمال، وتركها إلى اللفظ الصريح.

стр. 161

قول الأوزاعي ﵀ [إلى غير ذلك من الوجوه بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم. روى أبو بكر البيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا -والتابعون متوافرون- نقول: إن الله -تعالى ذكره- فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته، فقد حكى الأوزاعي -وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين: الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق- حكى شهرة القول في زمان التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش، وبصفاته السمعية. وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف كان بخلاف هذا. وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقال: أمروها كما جاءت. وروى أيضاً عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي: عن الأخبار التي جاءت في الصفات. فقالوا: أمروها كما جاءت. وفي رواية: فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. فقولهم ﵃: أمروها كما جاءت. رد على المعطلة، وقولهم: بلا كيف. رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ومن طبقتهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة وأمثالهما]. إذاً: الطريقة التي اشتبه على الكثير أنها طريقة السلف هي: طريقة التفويض، أما طريقة التأويل فمتحقق أن السلف برآء منها، ومن باب أولى طريقة التخييل. وهذه الأحرف التي يذكرها المصنف تبين أن السلف مخالفون لطريقة التفويض. فإن هذه الأحرف صريحة في الطعن على طريقة التأويل وطريقة التفويض. أما استدلال من يصحح طريقة التفويض؛ بأن من أعيان السلف من قال: أمروها كما جاءت وهذا هو التفويض!! فيقال: الأمر ليس كذلك؛ لأن المفوض يقول: أن المعنى الظاهر ليس مراداً. فإذا كان الظاهر ليس مراداً فهل المفوض أمرها كما جاءت؟ الجواب: لا. وأما أن السلف ﵏ كانوا يقصدون بقولهم في العبارة الثانية: أمروها كما جاءت بلا كيف البراءة من هذا فهو ظاهر، أما براءتهم من التشبيه والتمثيل فهذا ليس محلاً للاشتغال به، لكن قول السلف: أمروها كما جاءت بلا كيف. إنما نفى العلم بالكيفية، وهذا دليل على العلم بأصل المعنى، وإلا لو كان أصل المعنى ليس معلوماً لما احتاجوا إلى نفي العلم بالكيفية؛ فإن العلم بالكيف قدر زائد عن العلم بأصل المعنى، ونفي القدر الزائد بالتصريح يستلزم العلم بما دونه.

стр. 162

قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس رحمهما الله [وروى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﵌ وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله ليس لأحد من خلق الله تعالى تغييرها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً. وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق. وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن من غير وجه. منها: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء! ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ وما أراك إلا مبتدعاً. فأمر به أن يُخرَج]. هذا القاعدة التي ذكرها مالك ﵀ وغيره مطردة، ويظهر فيها أن السلف ﵏ لا يتكلمون في التأويل ولا يتكلمون في التشبيه ولا يتكلمون في التفويض الذي هو التجهيل، وهذا صريح بقول مالك: الاستواء غير مجهول. فلو كان مفوضاً فإن التفويض إما أن يكون في الكيفية أو يكون في المعنى، ولو كان الجميع مفوضاً -كما يقول المفوضة- لما خص مالك الجهل بمسألة الكيفية، فإنه قال: الكيف غير معقول. فلو أن مالكاً فقط قال: الكيف غير معقول. لأخذنا من هذا الحرف أن المعنى من حيث هو معلوم؛ لأنه خص القدر الزائد بالنفي فدل على إثبات ما دونه، إذاً: كيف ومالك فصّل فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول؟ فهذا التفصيل تفصيل قاطع، ولهذا من يذكر جملة مالك ﵀ هذه، ويستدل بها على طريقة التفويض فهذا تأخر في العقل، فأين حرف التوقف فيها؟؟ إذاً: قول مالك ﵀: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول يدل على أن المعنى من حيث هو معلوم، وهو معنى لائق بجلال الله .

стр. 163

السلف إنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة [فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه -على ما يليق بالله- لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حرف المعجم. وأيضاً: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى؛ وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضاً: فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف. فمن قال: إن الله ليس على العرش. لا يحتاج أن يقول: بلا كيف]. أي: أن الشيء إذا كان ممتنعاً من أصله لا تحتاج في العقل والخطاب -أياً كان المخاطب- إلى التصريح بنفي القدر الزائد. ولنفرض لذلك مثالاً مناسباً قريباً، من أراد أن يقول: إن زيداً ليس في المسجد، لا يحتاج إلى أن يقول: إن زيداً ليس قائماً في المسجد؛ لأنه من الأصل ليس موجوداً، فإذا خصص النفي بنفي قدر معين زائد على أصل الوجود أو أصل المعنى أو أصل الثبوت دل على أن ما دونه ثابت. إذاً السلف لما صرحوا بنفي العلم بالكيفية دل على أن ما دون الكيفية -وهو العلم بأصل المعنى- معلوم اللفظ. [فلو كان من مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف]. سبحان الله هي فطرة! لكن التأويل يلحقها، ولهذا ترى أن المتكلم ممن ينفي غضب الله إذا دعا على اليهود قال: اللهم أنزل عليهم غضبك. فترى أن الفطرة تقرر هذه المعاني من الصفات، وإذا سأل الله لنفسه أو للمسلمين قال: اللهم إني أسألك رحمتك .. وهلم جرا، فترى أن الفطرة تستقر على هذا، ولهذا ما ترك العامة من المسلمين على ظاهر القرآن إلا ولم يتأثروا فيه، ولهذا يضاف عوام المسلمين بأمصارهم إلى أهل السنة والجماعة، ولو كان يختص بهذا المصر من هم من علماء المعتزلة أو الأشاعرة .. إلى غير ذلك. وبهذا يتبين أن ما يردده البعض أحياناً من أن علماء الأشاعرة هم جمهور علماء الأمة، أو أن الأشاعرة هم جمهور الأمة، ويقصد بذلك استنكار القول عنهم: أنهم مبتدعة أو ضلال وقعوا في ضلال عن الحق .. باطل وخطأ، وإن كان الأشاعرة أصابوا في مسائل كثيرة ووافقوا السنة في مسائل كثيرة، لكنهم ليسوا موافقين للسنة موافقةً محضة، فهم كما قال شيخ الإسلام: أقرب الطوائف الكلامية إلى مذهب أهل السنة والجماعة. وذلك لأن علماء الأمة -وأخصهم الصحابة ﵃، وعنهم انتشر العلم في الأرض، وأئمة التابعين ومن بعدهم أهل القرون الثلاثة الفاضلة- ليس فيهم أشعري، بل هؤلاء ظهروا قبول ظهور مدرسة أبي الحسن الأشعري، كذلك سواد المسلمين في عصورهم من العامة وأمثالهم يضافون إلى أهل السنة والجماعة؛ إلا من تلبس من العامة ببدع الأئمة كما يوجد في بعض الطوائف، ولا سيما من الطوائف المتشيعة وأمثالها. [وأيضاً: فإن من ينفى الصفات الخبرية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان من مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف. وأيضاً فقولهم: أمروها كما جاءت. يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظها دالة على معاني؛ فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا ألفاظها. مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا ألفاظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ بلا كيف؛ إذ نفي الكيف عن ما ليس بثابت لغو من القول]. نفي الكيف عما ليس بثابت من جهة نصه أو معناه لغو من القول؛ لأنه تخصيص للقدر الزائد بالنفي في أمر منتف من أصله، هذا لا يكون، بل هو لون منه.

стр. 164

أصناف النقولات المنقولة في العقيدة الحموية النقولات التي نقلها المصنف يمكن تقسيمها على أصناف: ١ - صنف منها عن السلف. ٢ - صنف منها عن بعض علماء الكلام الكبار. ٣ - صنف منها عن كبار الفقهاء في المذاهب الأربعة -كبار أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغير ذلك- ٤ - صنف منها عن قوم من متأخري المتكلمين، تبين لهم غلط طريقتهم الأولى كـ الجويني. والمصنف هنا لا يريد أن يقرر عقيدة أهل السنة بهذه النقولات كلها، حيث إن من أصحاب هذه النقولات من لا يعتبر في تقرير اعتقاد السلف، لكن مقصوده منها أن يبين أن الطريقة التي حققها هو وقررها هو ومن قبله من علماء أهل السنة ليست كما قال كثير من متأخري الأشاعرة أنها مختصة بالحنابلة، بل هي طريقة شائعة في كلام السلف -الذين هم المعتبر في هذا الباب- كذلك شائعة في كلام بعض أئمة الكلام. وهو ينقل عن بعض الصوفية ليبين أن هذا شائع حتى في المتصوفة، خلافاً لطريقة أبي القاسم القشيري وأبي حامد الغزالي. كذلك ينقل عن الفقهاء ليبين أن هذا ليس اختصاصاً حنبلياً بل هو مشهور عند كبار المالكية، والحنابلة، وأن المحققين من أصحاب الأئمة الأربعة كأئمة أصحاب مالك وأصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة فضلاً عن أصحاب أحمد هم على هذا الاعتقاد، وإن كان الغلط الذي وقع فيه بعض الشافعية والمالكية والحنفية ليس خاصاً بهم، بل من حتى الحنابلة من وقعوا في هذا الغلط. إذاً الصواب ليس مختصاً بالحنابلة، والغلط ليس مختصاً بالحنابلة، بل فيهم صواب وغلط، وإن كان مذهب الصواب فيهم أكثر من غيرهم. ومما يشار إليه هنا: أنه في مناظرة الواسطية قال بعض كبار القضاة من فقهاء الشافعية والمالكية للسلطان: ليقل -يعنون شيخ الإسلام - أن هذا معتقد أحمد بن حنبل أو معتقد الحنابلة. وقد كان شيخ الإسلام استفتح الواسطية بقوله: أما بعد .. فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة. لذلك طرحوا عليه سؤالاً وقالوا: على هذا يكون اعتقاد أئمة الأشعرية الذين ماتوا قبله ليسوا من أهل الفرقة الناجية ولا المنصورة وأنهم في النار؛ لأن النبي ﵌ قال: (كلها في النار إلا واحدة).

стр. 165

ضرورة التفريق بين حكم المقولة وبين حكم قائلها مما ينبه إليه هنا أنه ينبغي لطالب العلم ولا سيما الناظر في مسائل الاعتقاد واختلاف الإسلاميين أن يعي أن تقرير المقالة بقوة وأنها مخالفة للسلف أو مخالفة للكتاب والسنة حتى لو قال: إن المقالة كفرية إذا كانت كذلك في الشرع. فإن هذا لا يعني أن يكون الأخذ بنفس القوة لأصحابها، فإن هناك فرقاً بين المقالة وبين قائلها، فأنت تأخذ المقالة بقوة، لكن إذا جئت إلى صاحبها فكذلك يجب أن تلتزم بلوازم الشرع وتأخذها بقوة، أي: تأخذ بالقوة الشرعية التي هي العدل الشرعي. ولهذا كان جواب شيخ الإسلام على هذا السؤال أن قال: أنا أقول: من اعتقد هذا الاعتقاد -يعني: الذي كتبه في الواسطية- فإنه يكون ناجياً عند الله؛ لأنه الاعتقاد المذكور في القرآن والحديث، وأنا أنذر من خالفه ثلاث سنين أن يأتوا بجملة من الكتاب أو السنة أو كلام أئمة السلف -الأئمة الأربعة أو غيرهم- مخالفة لما ذكرت. ثم قال: وأما من لم يعتقد هذا الاعتقاد وإنما اعتقد في بعضه -غلط في بعض- كما وقع فيه أئمة الأشعرية وغيرهم فإن هذا لا يقال فيه: إنه يكون ممن هم في النار. بل هذا أمره إلى الله. وهذا الحكم يناء على أصل ذكره في درء التعارض وغيره، وهو: أن كل من أراد الحق واجتهد في طلبه من جهة الرسول فأخطأه فإن خطأه مغفور له. فالشرط الأول: أنه أراد الحق. الشرط الثاني: أنه اجتهد في طلبه. الشرط الثالث: من جهة الرسول لا من جهة قائله: فأخطأ فإن خطأه مغفور له. أي: من اجتمعت فيه الشروط الثلاثة. فالشرط الأول: وهو أن يكون مراده الحق. فإذا ترك هذا كان كافراً؛ فإن من أراد الباطل في صفات الله يكون كافراً، وكثير من أهل البدع كما يقول شيخ الإسلام: وأهل القبلة المخالفون للسلف في هذا الباب هم في الجملة مريدون للحق وإن كانت إرادتهم يدخلها شيء من التقصير والقصور. كإرادة نصرة المذهب، والعناية بالانتصار للأصحاب، وهذا نقص في الإخلاص والإرادة. قوله: واجتهد في طلبه. يقول: هم في الجملة مقصرون في الاجتهاد في طلب الحق. فمن أعرض عن أخذ الهدى من القرآن إعراضاً فإنه يكون كافراً، لكن لو قصر في طلبه فإنه يكون ظالماً لنفسه. وقوله: من جهة الرسول أي أن الخطأ يغفر إذا كان الاجتهاد يرجع إلى القرآن والسنة، أما إذا كان أعرض عن الكتاب والسنة واتخذ العلوم الفلسفية منهجاً له -كما هي طريقة أبي يعقوب السجستاني وأمثاله من غلاة الباطنية- فإن هذا لا يصار فيه إلى هذا الكلام. ولهذا لا يتوهم متوهم فيقول -مثلاً-: بعض النصارى الآن يظنون أنهم على الحق. فيقال: لأنهم لم يجتهدوا فيه من جهة النبي ﵌، ولم يريدوا الحق إرادةً صحيحة، بل مقصودهم الانتصار لدينهم، وهم يعرفون ما فيه من الآيات الدالة على تعدد النبوة بعدهم، أي: ليس في دين النصارى ولا في دين اليهود أن دينهم خاتم الأديان، بل فيه تصريح بذكر النبوات بعدهم.

стр. 166

شرح الحموية [١٣] مذهب السلف والأئمة ﵏ هو إثبات الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه، وقد وردت عنهم روايات كثيرة تدل على ذلك، وممن روي عنهم ذلك من أقوالهم -على سبيل المثال لا الحصر-: الإمام ابن الماجشون، والإمام أبو حنيفة، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي، وهشام بن عبد الله الرازي، ويحيى بن معاذ الرازي، وابن المديني، والترمذي، وأبو زرعة الرازي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأبو عبيد القاسم بن سلام .. وغيرهم رحمهم الله تعالى.

стр. 167

قول ابن الماجشون في إثبات صفات الله قال المصنف ﵀: [وروى الأثرم في السنة وأبو عبد الله ابن بطة في الإبانة وأبو عمر الطلمنكي وغيرهم بإسناد صحيح، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون وهو أحد أئمة المدينة الذين هم مالك بن أنس، وابن الماجشون، وابن أبي ذئب. وقد سئل عما جحدت به الجهمية: أما بعد: فقد فهمت ما سألت في ما تتابعت الجهمية ومن خالفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتدبر وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحصرت العقول دون معرفة قدرته وردت عظمته العقول فلم تجد مساغاً فرجعت خاسئة وهي حسيرة. وإنما أمروا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير وإنما يقال كيف لمن لم يكن مرة ثم كان. فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو. وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يموت ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى -يعرفه عارف أو يحد قدره واصف؟ - على أنه الحق المبين لا حق أحق منه ولا شيء أبين منه. الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه لا تكاد تراه صغرا يجول ويزول ولا يرى له سمع ولا بصر; لما يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين وخالقهم وسيد السادة وربهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] اعرف -رحمك الله- غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها; إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تزدجر به عن شيء من معصيته؟ فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا فقد ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام:٧١] فصار يستدل -بزعمه- على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا فعمى عن البين بالخفي فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فقال: لا يراه أحد يوم القيامة فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] قد قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينضرون. إلى أن قال: - وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة; لأنه قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين وكان له جاحدا. وقال المسلمون: (يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب. قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك) وقال رسول الله ﷺ : (لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط وينزوي بعضها إلى بعض) وقال لـ ثابت بن قيس: (لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة) وقال فيما بلغنا: (إن الله تعالى ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم فقال له رجل من العرب: إن ربنا ليضحك؟ قال: نعم. قال: لا نعدم من رب يضحك خيرا) إلى أشباه لهذا مما لا نحصيه. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه وما تحيط به قبضته: إلا صغر نظيرها منهم عندهم إن ذلك الذي ألقي في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله ﷺ سميناه كما سماه ولم نتكلف منه صفة ما سواه -لا هذا ولا هذا- لا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف. اعلم -رحمك الله- أن العصمة في الدين أن تنتهي في الدين حيث انتهى بك ولا تجاوز ما قد حد لك فإن من قوام الدين معرفة المعروف وإنكار المنكر فما بسطت عليه المعرفة وسكنت إليه الأفئدة وذكر أصله في الكتاب والسنة وتوارثت علمه الأمة: فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عيبا; ولا تتكلفن بما وصف لك من ذلك قدرا. وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في حديث عن نبيك -من ذكر صفة ربك- فلا تكلفن علمه بعقلك; ولا تصفه بلسانك; واصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه فإن تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه مثل إنكار ما وصف منها; فكما أعظمت ما جحده الجاحدون مما وصف من نفسه: فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم يصف منها. فقد -والله- عز المسلمون; الذين يعرفون المعروف وبهم يعرف; وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر; يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه وما بلغهم مثله عن نبيه فما مرض من ذكر هذا وتسميته قلب مسلم ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرب مؤمن. وما ذكر عن النبي ﷺ أنه سماه من صفة ربه فهو بمنزلة ما سمي وما وصف الرب تعالى من نفسه. والراسخون في العلم -الواقفون حيث انتهى علمهم الواصفون لربهم بما وصف من نفسه التاركون لما ترك من ذكرها- لا ينكرون صفة ما سمي منها جحدا ولا يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقا; لأن الحق ترك ما ترك وتسمية ما سمى ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا وهب الله لنا ولكم حكما وألحقنا بالصالحين]. هذا النقل عن ابن الماجشون، وهو من كبار أئمة المدينة الذي يبين به أن طريقة أئمة المدينة وغيره من الأئمة مخالفة لطريقة المعتزلة والجهمية التي انتحلوها، وهو مصرح على التفصيل بإثبات صفات الله سبحانه تعالى والبراءة من طريقة التفويض، ومن باب أولى طريقة التشبيه والتعطيل التي يسمونها طريقة التأويل.

стр. 168

قول الإمام أبي حنيفة في إثبات صفات الله [وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة ; الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفرن أحدا بذنب ولا تنف أحدا به من الإيمان; وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر; وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ; ولا توالي أحدا دون أحد; وأن ترد أمر عثمان وعلي إلى الله . قال أبو حنيفة: الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم; ولأن يفقه الرجل كيف يعبد ربه خير له من أن يجمع العلم الكثير. قال أبو مطيع الحكم بن عبد الله: قلت: أخبرني عن أفضل الفقه. قال: تعلم الرجل الإيمان والشرائع والسنن والحدود واختلاف الأئمة. وذكر مسائل الإيمان ثم ذكر مسائل القدر والرد على القدرية بكلام حسن ليس هذا موضعه. ثم قال: قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتبعه على ذلك أناس فيخرج على الجماعة هل ترى ذلك؟ قال لا. قلت: ولم وقد أمر الله ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فريضة واجبة؟ قال هو كذلك; لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام. قال: وذكر الكلام في قتل الخوارج والبغاة. إلى أن قال: قال أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض: فقد كفر لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سموات. قلت: فإن قال إنه على العرش استوى ولكنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر; لأنه أنكر أن يكون في السماء; لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. -وفي لفظ-: سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض. قال: قد كفر. قال: لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سموات قال: فإنه يقول على العرش استوى ولكن لا يدري العرش في الأرض أو في السماء قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه: أنه كفر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض; فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء; أو ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتج على كفره بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال: وعرشه فوق سبع سموات. وبين بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] يبين أن الله فوق السموات فوق العرش وأن الاستواء على العرش دل على أن الله بنفسه فوق العرش. ثم إنه أردف ذلك بتكفير من قال إنه على العرش استوى ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض قال: لأنه أنكر أنه في السماء; لأن الله في أعلى عليين; وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء; واحتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل وقد جاء اللفظ الآخر صريحا عنه بذلك. فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.].

стр. 169

الخلاف في صحة نسبة كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة هذا الكتاب مشهور لـ أبي حنيفة، وإذا قيل: مشهور لـ أبي حنيفة؛ فلا يعني أنه يجزم بأنه صحيح إليه، فهو كتاب مشهور في أصول الدين، وهو يضاف إلى أبي حنيفة على أنه من تصنيفه، أو على أقل تقدير على أنه من إملائه. وقد شرح هذا الكتاب كثير من علماء الحنفية، فشرحه بعض أهل السنة من الحنفية كما يشير إلى ذلك بعض المحققين من الباحثين، وشرحه -وهي الشروح المشهورة أكثر- بعض أعيان الماتريدية، ويذكر أن لـ أبي منصور الماتريدي الحنفي مؤسس المذهب الماتريدي شرحاً على هذا الكتاب. وفي نسبة هذا الكتاب لـ أبي حنيفة خلاف بين أهل العلم، فإن أبا حنيفة ﵀ لم يصح له كتاب بالجزم في مسائل أصول الدين، لا هذا الكتاب، وهو أشهر الكتب المضافة إليه، ولا غيره من الرسائل: كالوصية، والرسالة الجامعة وغيرهما.

стр. 170

قول الإمام أبي حنيفة في الإيمان هناك قدر محفوظ مما يتعلق بالعقائد عن أبي حنيفة، وهو مشتهر بين أهل العلم، وهو قوله ﵀ في مسألة الإيمان، فإن المشهور عن أبي حنيفة أنه يقول بقول حماد بن أبي سليمان في مسمى الإيمان، فيجعل الأعمال الظاهرة ليست داخلةً في مسمى الإيمان. وهذا القول يذكره الأحناف في كتبهم، وكذلك يذكره غيرهم من الطوائف، سواء الفقهية أو الكلامية، والأظهر أنه متحقق عنه، وإن كان بعض أعيان المتكلمين -كـ البغدادي وغيره- يشيرون تارةً إلى التردد في ثبوت هذا عن أبي حنيفة، لكن الأظهر أن هذا معروف عنه. فإن إثبات هذا الأمر عنه عليه جمهور أهل المقالات والمتكلمين والفقهاء من الحنفية وغيرهم، وإن لم يكن هذا الإثبات عن تصنيف معروف لـ أبي حنيفة وإنما بالنقل عنه، وهذا ليس غريباً؛ لأن حماد بن أبي سليمان هو الذي قرر هذه المقالة في مسألة الإيمان. وبعض أهل العلم ينزع إلى أن حماد بن أبي سليمان يميل إلى هذه المقالة في الرد على مقالات الوعيدية، وبخاصة مقالات الخوارج والمعتزلة، فكان من باب الرد على الوعيدية أن قرر هذه المقالة، وهذا ليس غريباً؛ لأن كثيراً من مقالات الإرجاء وقعت رداً على طوائف الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم من الوعيدية. فهؤلاء يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد. أو يقولون: إن الإيمان يكون بالقول والقلب. ولا يجعلون أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان وإن كانوا يوجبونها، حتى إن حماد بن أبي سليمان وأبا حنيفة ومن وافقهم -في الجملة- في مسألة الأحكام -أي: حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة- على مذهب جمهور أهل السنة. والتحقيق في شأن حماد بن أبي سليمان هو أنه من علماء السنة والجماعة، ولا يصح أن يضاف إلى البدع المطلقة، وإن كان قوله بدعة، لكنه إذا ذكر يضاف إلى أهل السنة والجماعة من حيث الإطلاق. وهذا القول هو -باعتبار ما تقدم في كلام أهل العلم- هو أخف المقالات التي نسبت للمرجئة، وهو ما يعرف بمقالة مرجئة الفقهاء، وهؤلاء يتفقون مع جمهور السلف في الحكم وإن كانوا يقولون: العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، ولا يقرون بأن الإيمان يتفاضل، بل الإيمان عندهم واحد، حتى إن الطحاوي ﵀ مع تحقيقه ذكر هذا فقال: والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء. ويجعلون التفاضل بالبر والتقوى.

стр. 171

حقيقة الخلاف بين جمهور أئمة أهل السنة وبين مرجئة الفقهاء إذا قيل: هل الخلاف بين حماد بن أبي سليمان والجمهور خلاف لفظي أو ليس لفظياً؟ قيل: هذا الحرف -وهو قولك: خلاف لفظي- صار فيه إجمال، فإن معنى هذا الحرف في كتب أهل أصول الفقه أي: الخلاف الذي ليس له ثمرة، فإن قصد أنه خلاف لا ثمرة له، وأنه نزاع لفظي محض فهذا ليس صحيحاً؛ لأن حماداً وأبا حنيفة ومن وافقهم مخالفون للكتاب والسنة في أنهم لم يجعلوا العمل إيماناً، وهذه مخالفة شرعية؛ ولهذا بدَّع السلف ﵏ من قال بهذه المقالة، وهم مخالفون كذلك للكتاب والسنة من جهة أنهم لم يروا تفاضل الإيمان، والدلائل متواترة في القرآن والحديث على أن الإيمان يتفاضل، وأنه يزيد وينقص، وإن كان لفظ النقص لم يصرح به في القرآن، ولم يصرح به في السنة في الجملة إلا في مثل قوله ﷺ كما في الصحيح: (وما رأيت من ناقصات عقل ودين). ولهذا كان السلف يستدلون على نقص الإيمان بطريق إثبات الزيادة، فإن كل ما يزيد فإنه ينقص، قال الإمام أحمد لما سئل عن نقص الإيمان: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦] قالوا: بلى. قال: فكل ما يزيد ينقص. وأما الاستدلال بحديث: (وما رأيت من ناقصات عقل ودين) فبعضهم لا يسلم به، معللاً ذلك بأن هذا ليس نقصاً من جهة تقصير العبد حتى يقال: الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وإنما هو أمر قضي على النساء، وهو ما يتعلق بتركها الصوم والصلاة في مسألة الحيض. ولكن التحقيق: أن هذا الحديث دليل على نقص الإيمان؛ لأنه إذا وصف الدين بالنقص -والدين هو الإيمان- بما لا مقصد للعبد ولا أثر له فيه، فمن باب أولى إذا كان بأثره وتفريطه؛ أي: إذا كان الشارع سماه نقصاً مع أنه ليس من جهة العبد وأثره فلأن يكون نقصاً إذا كان من تفريط العبد من باب أولى.

стр. 172

مرجئة الفقهاء لا يكفرون تارك العمل مطلقاً هنا بعض المسائل أيضاً منها: أن حماد بن أبي سليمان ومن معه التزموا أن تارك العمل لا يكفر وبخاصة في مسألة الصلاة، وهم لم يلتزموا هذا من جهة تفصيل الأدلة، كما هي طريقة مالك والشافعي وابن شهاب وأبي ثور ومكحول الشامي وأمثالهم من السلف الذين لا يكفرون تارك الصلاة، فإن هؤلاء لا يكفرونه باعتبار الدلائل التي يستعملونها على التفصيل، بخلاف طريقة حماد وأبي حنيفة؛ فإنهم لا يكفرون تارك الصلاة؛ لأن الصلاة عمل، والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان.

стр. 173

ليس كل من قال بعدم تكفير تارك الصلاة يعتبر من المرجئة لو قيل: هل الذي لا يكفر تارك الصلاة وقع في قول المرجئة؟ نقول: فيه تفصيل، فإن كان معتبره في عدم تكفيره أن الصلاة عمل والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان كما هي طريقة أبي حنيفة وأصحابه، فلا شك أن هذا من مقالات المرجئة، وقد عرف حماد ومن معه بأن قولهم من مقالات المرجئة، وذمهم السلف عليه، وذم السلف لمقالة حماد متواترة، وليس هو قول سائر أهل الكوفة؛ فقد ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام أعيان الناس من الأئمة الكبار الذين صرحوا أن الإيمان قول وعمل، ونقل عن أعيان الكوفيين أكثر مما نقله عن غيرهم؛ لأن القول بالإرجاء عن حماد شاع في بعض الكوفيين، فحتى لا يظن أن علماء الكوفة قد أطبقوا عليه بيّن أبو عبيد وأمثاله من الأئمة الكبار -كالإمام أحمد في كتاب الإيمان - أن هذا قول شائع في الكوفيين، وأن قول حماد ليس قولاً لسائر الكوفيين. أما من يقول: إن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، أو يزيد وينقص، ولا يكفر تارك الصلاة؛ لأنه لم يظهر له أنه كافر بدلائل معينة مفصلة من الدلائل الشرعية، فهذا القول وإن كان مرجوحاً فيما يظهر -والله أعلم- إلا أنه ليس قولاً بدعياً وليس قولاً منكراً ولا قولاً من أقوال المرجئة ولا أثراً من آثارهم. فإنه كيف يقال: إنه قول من أقوال المرجئة، وأثر من آثارهم، أو هم الذين أحدثوه وقد قال به ابن شهاب ومكحول الشامي ومالك بن أنس والشافعي في الصحيح عنه وأبو ثور وجماعة من الكبار؟! وقد كان ابن شهاب ﵀ من أعلم الناس بالسنن والآثار، ومن أشد الناس على المرجئة، فلا يمكن أن يكون قد تأثر بمقالات المرجئة. وإن كان يشكل على هذا بعض الشيء ما ذكره إسحاق بن إبراهيم من أن الإجماع قد انعقد على كفر تارك الصلاة، لكن نقول: إن الإجماع الذي ذكره إسحاق فيه بعض التردد، إلا إن قيل: إنه إجماع سكوتي، فهذا قد يسلم به، أما أنه إجماع قطعي كإجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل .. فليس كذلك. أما إن كان إجماعاً سكوتياً فهذا قد يسلم، ولا إشكال فيه في الجملة باعتبار أن طائفة من الصحابة حفظ عنهم أن ترك الصلاة كفر، ولم يحفظ عن أحد من الصحابة خلاف هذا. إذاً: من أقوى الأدلة بعد الاستدلال بظاهر قوله تعالى في آية براءة: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] والاستدلال بحديث بريدة وجابر بن عبد الله، بعد هذا يقال: أخص دليل بعد ذلك إطباق الصحابة، حيث شاع هذا القول فيهم -أي: أن ترك الصلاة كفر- ولم ينقل عن أحد منهم منازعة في هذا. كذلك يقال في أثر عبد الله بن شقيق: كان أصحاب محمد لا يرون شيئاً من العمل تركه كفراً غير الصلاة. فهو في الجملة على ظاهره، لكن ترى أنه إجماع سكوتي. وكلمة إجماع سكوتي كلمة مصطلحة، قد يناظر أو ينازع في ثبوتها أو في تقريرها من جهة الاصطلاح، لكن من حيث المدلول هي متحققة، أي: أنه يفرق بها بين الإجماع الذي انضبط انضباطاً تاماً وبين الإجماع الذي نقل عن بعض الأعيان ولم يذكر عن غيره خلافه. ونلاحظ من هذا أن الأئمة الكبار ﵏ في استدلالهم أحياناً ينزعون إلى بعض الدلائل من الكتاب أو السنة مع أنه يحفظ لبعض الصحابة قول لم يعرف له مخالف، وإن بعض الأئمة الكبار كذلك -ولا سيما الإمام أحمد وبعض أئمة الحديث- يصيرون إلى الأقوال التي للصحابة ولم يحفظ لهم فيها مخالف. إذاً: المنقول عن الصحابة سواء سمي إجماعاً أو لم يسم إجماعاً هو عند التحقيق دليل قوي على أن تارك الصلاة كافر؛ ولهذا يقال: إنه كافر بظاهر الكتاب والسنة، وظاهر مذهب الصحابة، وهو الذي عليه الجمهور من السلف. وننبه هنا إلى أن الترجيح شيء، والقول بأن تارك الصلاة كافر بالإجماع، وأن المخالفة فيه -أي: القول بأنه ليس كافراً- قول من أقوال المرجئة شيء آخر، بل هو مرتقىً صعب، فإن من يقول: إن الذي لا يكفر تارك الصلاة متأثر بالمرجئة أو دخلت عليه شيء من أقوالهم؛ يلزمه أن يجعل مالكاً وابن شهاب والشافعي ومكحول الشامي، بل الإمام أحمد -كما جاء في رواية عنه قدمها بعض كبار الحنابلة المحققين المعروفين في التحقيق في مذهب السلف، وإن كانت رواية مرجوحة عند التحقيق، والجمهور من الأصحاب ﵏ على أنه كافر- يلزمه أن يجعل هذا مطرداً عليهم. إذاً: إذا كان الإجماع انعقد وتم لزم أن مخالفه يكون ممن ضل سبيل المؤمنين، وأنه مبتدع بمخالفته، سواء أضيف إلى المرجئة أو جعل مبتدعاً بمقالته، وإذا كان كذلك -أي: فرضنا صحة الإجماع- حرم الاجتهاد بخلاف الإجماع، بمعنى أنه لا يجوز تقليد مالك ولا تقليد الشافعي ولا تقليد ابن شهاب .. إلخ، أي: حرم تقليد المخالف ولو كان إماماً، وحرم الاجتهاد في المسألة ولو كان المجتهد له إمام من الكبار .. وهذه كلها مرتقيات صعبة. ولا يمكن الاعتماد على نقل ذكره إسحاق بن إبراهيم ﵀، وإن كان إماماً مجمعاً على إمامته، فإنك إن استدللت بالإجماع الذي يذكره إسحاق بن إبراهيم ﵀ فماذا تفعل بمخالفة ابن شهاب ومالك؟ وابن شهاب بإجماع أهل العلم أوثق وأضبط للسنن والآثار، وأدرى بآثار الصحابة من إسحاق بن إبراهيم، ولو كان الصحابة ﵃ قد انضبط لهم إجماع تام قطعي كإجماعهم في مسألة أن الإيمان قول وعمل وأمثالها لما تجشم ابن شهاب ومالك والشافعي مخالفة الصحابة، خاصة وأن لهم اختصاصاً في ذلك، فإن لـ ابن شهاب اختصاصاً بإجماعات الصحابة وآثارهم، وكذلك الشافعي يعرف مقامه في الإجماع أيضاً وعنايته به .. وهلم جرا. إذاً: هذه مسألة ينبغي العدل فيها، فيقال بأن تارك الصلاة كافر بظاهر الكتاب والسنة وهو مذهب الصحابة، ويقال عن المخالف فيه: إنه خالف الصواب وخالف الراجح، وأن قوله غلط، ولكنه لم يصل إلى أن يكون من أهل الإرجاء أو من أهل البدع أو نحو ذلك. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو من هو في التحقيق يرى أن هذه مسألة فيها نزاع بين الأئمة، وقد ذكر عن الإمام أحمد فيها الرواية المشهورة، وهي أنه كافر، والرواية الأخرى وأثبتها عن أحمد أنه ليس كافراً. إذاً: ينبغي العدل والاعتدال في مسألة تارك الصلاة، وإن كانت حجج المخالفين الذين لا يكفرون تارك الصلاة ضعيفة، وكما قال شيخ الإسلام: ما من دليل يستدلون به إلا وهو يتناول الجاحد كما يتناول التارك.

стр. 174

حكم تارك الزكاة أما مسألة الزكاة ففيها تفصيل: فإن ترك الزكاة جحداً لوجوبها فهذا بالإجماع كافر، وهذا لا يختص بالزكاة بل كل ما ظهر وجوبه وجحد وجوبه كفر الجاحد. وإن تركها ولم يقاتل عليها كإذا كان شخصاً بمفرده تركها ولم يحتسب عليه أصلاً -يعني: لم يُعلم به أصلاً- فهذا التارك في كفره نزاع بين السلف. أما إن تركها وقاتل عليها كأهل الشوكة والمنعة كما وقع في زمن الصديق ﵁ فهؤلاء كفار مرتدون على الصحيح من قولي العلماء، وهو الذي عليه الجمهور من السلف، بل جزم بعض المحققين من الكبار كـ أبي عبيد وغيره أنه إجماع للصحابة، وشيخ الإسلام يميل إلى هذا، وإنما قلت: في أصح قولي العلماء؛ باعتبار ما ذكره المتأخرون، ومعلوم أن إجماع المتقدمين إذا انعقد لا يلتفت إلى قول المتأخرين. أما جمهور المتأخرين من أصحاب الأئمة الثلاثة فإنهم يرون أن هؤلاء بغاة، وأنهم ليسوا من أهل الكفر والردة، ولكن هذا قول باطل، بل الصواب: أن الذين منعوا الزكاة وقاتلوا على منعها كفار، وهو ظاهر مذهب السلف، ولم ينضبط عن أحد من أعيان السلف التصريح بأنهم ليسوا كفاراً، وقد حكاه أبو عبيد إجماعاً للصحابة. وقد كان مالك بن أنس وبعض الكبار من أئمة المدينة والعراق والشام لعظم فقههم يفرقون بين تارك الزكاة المقاتل عليها والذي تركها باختصاصه ولم يقاتل، فإن مالكاً ﵀ لا يكفر تارك الزكاة، ولكنه إن قاتل عليها كفره .. وهذه النتيجة تفيد أنه لا يسوى بين المسألتين: مسألة الترك وحده، ومسألة الترك مع المقاتلة. إذاً: من ترك وقاتل فهذا كافر في ظاهر مذهب الصحابة والسلف، ولم ينضبط خلاف صحيح فيه. أما إن تركها ولم يقاتل فهذا فيه نزاع مشهور، وعن أحمد ﵀ فيها روايتان محفوظتان، بل قال الإمام أحمد في رواية: ليس شيء من العمل تركه كفر إلا الصلاة وهذا يدل على أنه يميل إلى أن تارك الزكاة ليس كافراً. كذلك أثر عبد الله بن شقيق الذي رواه الترمذي وغيره، وهو العمدة في هذا يدل على هذا؛ لأنه قال: ما كان أصحاب محمد يرون شيئاً من العمل تركه كفر إلا الصلاة مما يدل على أن الزكاة لا إجماع فيها عند الصحابة من جهة تركها، أما إن تركها وقاتل فهذه مسألة أخرى، ومن رام التسوية بينهما فقد خالف طريقة السلف، فإن السلف كانوا يفرقون. وقد كان طائفة من كبار أئمة السلف يكفرون تارك الزكاة مطلقاً، قاتل ولم يقاتل، وهذا قول لا ينكر، وهو رواية معروفة في مذهب أحمد ﵀، ولكن فرق بين أن يقال: إن في المسألة خلافاً، وبين أن يقال: إن في المسألة إجماعاً. إذاً: من يكفر تارك الصوم حتى ولو صلى وزكى، ويكفر تارك الحج حتى ولو صلى وصام وزكى، أي: يرى كفر تارك أي واحد من المباني الأربعة، فقوله هذا قول لا ينكر، فإن عليه طائفة من السلف كما نص عليه شيخ الإسلام، وهو رواية عن أحمد ﵀، وقال به من الكبار الحكم بن عتيبة وأمثاله من أصحاب مالك، ويحكى قولاً لـ سعيد بن جبير، بل روي عن ابن عباس أنه يقول بهذا المذهب، وإن كان تحقيق القول في الصحابة يحتاج إلى تأمل، لكن المتحقق أنه قول مأثور عن طائفة من السلف فلا ينكر، وإن كان من حيث الرجحان ليس راجحاً. فينبغي لطالب العلم: أن يحقق الفرق بين القول الذي يقول: إنه راجح، وبين القول الذي يقول: إنه إجماع. إذاً: الراجح أن تارك الصلاة كافر، وأن تارك الزكاة المقاتل عليها كافر، وهاتان المسألتان عليهما عامة السلف، بل مسألة الزكاة لم يذكر عن كبار أئمة السلف فيها خلاف كمسألة ترك الصلاة، وإن كانت الصلاة بلا خلاف أعظم من الزكاة، لكن بالمقاتلة يختلف الأمر؛ ولهذا إن قتل على ترك الصلاة فإنه يقتل ردةً بالإجماع، وإن كان بعض الشافعية والمالكية حكوا أنه يقتل فاسقاً، بل وذكر هذا بعض الأصحاب من الحنابلة ﵏، لكن لا شك أن هذا غلط، بل هذا ممتنع كما قال شيخ الإسلام؛ ولهذا كان مالك والشافعي -مع أنهم لا يكفرون تارك الصلاة- يرون قتله. فالمقصود: أن تارك الصلاة كافر عند الجماهير من السلف، وهو ظاهر الكتاب والسنة وظاهر مذهب الصحابة، وتارك الزكاة المقاتل عليها كافر في ظاهر مذهب الصحابة أيضاً، وحكاه طائفة من الكبار إجماعاً خلافاً لجمهور المتأخرين، أما تارك الزكاة الذي لم يقاتل عليها ففيه نزاع مشهور بين أعيان أئمة السلف كـ أحمد وغيره، كذلك تارك الصوم والحج فيه نزاع بين السلف، والجمهور على عدم كفره. فهذا هو أخص ما يقال في هذه المسألة التي تارة يقع فيها خفض أو رفع، فترى من يجزم بأن تارك الصلاة لا يكفر، ويقول: إن هذا هو المتحقق من دلائل الكتاب والسنة، أو من يقول: إن تارك الصلاة يكفر، وهذا إجماع قطعي ضروري .. فكلا هذين القولين فيه بعض التقدم. فهذا مما يتعلق بمسألة أبي حنيفة ﵀. وفي تاريخ بغداد وفي السنة لـ عبد الله بن أحمد بعض الكلام في أبي حنيفة، فهذا ينبغي أن نعرض عنه، فإنه لم ينضبط له مذهب مخالف للسلف إلا في مسألة الإيمان، أما ما نقل عنه في مسألة القدر والصفات .. وما نقل عنه في مسألة القرآن ففي الجملة لم ينضبط عنه، وقد صرح شيخ الإسلام ﵀ في بعض المواضع بأن أبا حنيفة في مسألتي الصفات والقدر على المعروف عن السلف. [وفي النقل عن أبي حنيفة تصريح أن من وقف في مسألة العلو فإنه كافر]. وهذا دليل على أن أبا حنيفة ﵀ من كبار الأئمة المحققين في مسائل الصفات.

стр. 175

الكلام عن أبي إسماعيل الهروي [وروى هذا اللفظ بإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب الفاروق]. أبو إسماعيل الأنصاري الهروي المعروف بشيخ الإسلام حنبلي متصوف، من أشد المائلين عن علم الكلام الذامين له، والمكفرين للجهمية، وله تصنيف في هذا مشهور، من كتبه الفاروق كما يشير المصنف هنا، كذلك كتاب ذم الكلام وهو كتاب فاضل، فيه آثار متواترة عن كبار أعيان الأئمة سواء الأئمة الأربعة أو غيرهم في ذم العلم الكلامي. ولكنه -أعني: أبا إسماعيل الأنصاري الهروي ﵀ ممن يزيدون في إثبات بعض الصفات تارة، يقول شيخ الإسلام ﵀ في غير ما موضع من منهاج السنة وغيره: وأبو إسماعيل الأنصاري الهروي من المبالغين في ذم الجهمية وتكفيرهم. ولهذا لما ذكر الهروي الأشعري في كتابه ذم الكلام قال: وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن الحسن الأشعري لا يصلي ولا يتوضأ. وهذه زيادة، وإنما أذكرها حتى ينتبه إليها طالب العلم، فإن أبا الحسن الأشعري قد أثني عليه فيما وافق فيه الحق كثير، حتى من علماء الحنابلة، ولم ينضبط عن أحد من أهل العلم، بل ولا حتى من أهل التاريخ والأخبار أن الأشعري لم يكن يصلي ولا يتوضأ. فينبغي لطالب العلم دائماً ألا يجعل من الحق طريقاً للاستطالة على الخلق -وهذا ليس من باب الوقوف على أخطاء الهروي فالرجل اجتهد، وربما بلغه هذا بإسناد ظنه صحيحاً فقاله، أو بلغه عن بعض من أهل العلم أو شيء من ذلك-. ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مع أنه حنبلي، وممن يثنون على أبي إسماعيل الأنصاري كثيراً، حتى إنه يصفه بشيخ الإسلام -وهو وصف مشهور له عند الحنابلة قبل شيخ الإسلام - إلا أنه تعقب الهروي كثيراً، ووهمه في قوله في الأشعري، بل قال: إن أبا الحسن الأشعري في بعض المسائل أقرب إلى السلف والأئمة من أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ولا سيما في مسألة تعليل الأفعال، فإن أبا إسماعيل الأنصاري الهروي يميل إلى الجبر ولا يميل إلى تعليل الأفعال، على طريقة بعض المتصوفة، والأشعري يقرر قريباً من هذا المذهب بالطريقة الكلامية، فهذا الأشعري يقررها تقريراً كلامياً، والهروي يقررها تقريراً صوفياً، والنتيجة في الجملة واحدة، لكن شيخ الإسلام يقول: وأبو الحسن الأشعري في هذا المقام أقرب إلى قول السلف من أبي إسماعيل الأنصاري الهروي. فالمقصود: أن الهروي نفسه له بعض المسائل التي غلط فيها، بل غلطه فيها أشد من غلط أبي الحسن الأشعري، وإن كان قول الأشعري في الصفات لا شك أنه دون قول أبي إسماعيل الأنصاري، فإن قول أبي إسماعيل الأنصاري الهروي فاضل في الجملة، وإن كان أحياناً قد يزيد، لكنه على كل حال أفضل من قول أبي الحسن الذي عرف عنه عدم إثبات الصفات الفعلية بطريقة محققة. كذلك عنده تصوف، وقد غلط في بعض المسائل غلطاً شديداً، وقد وقع هذا في كتابه منازل السائرين، وإن كان ابن القيم ﵀ يعتذر له كثيراً، لكن عند أغلاط محققة، حتى إن ابن القيم قد صرح بأن في الكتاب بعض الأغلاط المتحققة. فالقصد: أن له بعض الغلط وبعض الصواب، فما كان من صوابه فإنه يقبل، وما كان من خطأه فهو اجتهاد، والله يغفر له.

стр. 176

أقوال بعض أئمة أهل السنة في إثبات صفات الله وإثبات صفة العلو له سبحانه [وروى أيضا ابن أبي حاتم: أن هشام بن عبيد الله الرازي - صاحب محمد بن الحسن - قاضي الري حبس رجلا في التجهم فتاب; فجيء به إلى هشام ليطلقه فقال: الحمد لله على التوبة; فامتحنه هشام ; فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه; ولا أدري ما بائن من خلقه. فقال: ردوه إلى الحبس؛ فإنه لم يتب. وروي أيضاً عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش بائن من الخلق وقد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا; لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل وهالك مرتاب يمزج الله بخلقه ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان. وروي أيضا عن ابن المديني لما سئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية والكلام وأن الله فوق السموات على العرش استوى; فسئل عن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة:٧]. وروي أيضا عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش كما وصف في كتابه; وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان. وروي عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن تفسير قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال: تفسيره كما يقرأ هو على العرش وعلمه في كل مكان; ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله]. ذكر شيخ الإسلام ﵀ بعض النقولات عن بعض أئمة السلف الكبار، فروى عن ابن المديني، وعن أبي زرعة الرازي، وعن أبي عيسى الترمذي .. وهذه النقولات عن أعيان أئمة السلف وأهل الحديث الكبار موجودة في كتب السنة المسندة مفصلةً.

стр. 177

قول محمد بن الحسن الشيباني في إثبات صفات الله ثم قال: [وروى أبو القاسم اللالكائي الحافظ الطبري ; صاحب أبي حامد الإسفرائيني في كتابه المشهور في أصول السنة بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قال: اتفق الفقهاء كلهم -من المشرق إلى المغرب- على الإيمان بالقرآن والأحاديث; التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب : من غير تفسير; ولا وصف ولا تشبيه; فمن فسر اليوم شيئا منها فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة; فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا; ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا; فمن قال: بقول جهم فقد فارق الجماعة لأنه قد وصفه بصفة لا شيء. محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء. وقد حكى هذا الإجماع وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالباً أو دائماً. وقوله من غير تفسير: أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الأثبات]. الإمام اللالكائي هو صاحب كتاب: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وهو من أخص كتب أهل السنة الموجودة اليوم، وينبغي لطالب العلم ألا يغفل عن النظر فيه، فإنه كتاب فاضل جامع لآثار السلف بطريقة محققة.

стр. 178

قول الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام في إثبات صفات الله [وروى البيهقي وغيره بإسناد صحيح عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: هذه الأحاديث التي يقول فيها: (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره) .. (وإن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك فيها قدمه) .. (والكرسي موضع القدمين) وهذه الأحاديث في الرؤية هي عندنا حق حملها الثقات بعضهم عن بعض; غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها وما أدركنا أحدا يفسرها. أبو عبيد أحد الأئمة الأربعة: الذين هم الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد ; وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يوصف وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء وقد أخبر أنه ما أدرك أحدا من العلماء يفسرها: أي تفسير الجهمية.]. أبو عبيد القاسم بن سلام من أعيان الأئمة الكبار، له تصنيف في أصول الدين، وهو كتاب الإيمان، وله غيره، وهو من المحققين ولا سيما في مسألة الإيمان، ورسالته في الإيمان من أجمع الرسائل في تقرير مذهب السلف والرد على المرجئة.

стр. 179

شرح الحموية [١٤] وردت عن الأئمة رحمهم الله تعالى روايات كثيرة تدل على أن مذهب السلف هو إثبات الصفات على الحقيقة على الوجه اللائق بالله تعالى، وممن ورد عنهم ذلك من أقوالهم -تمثيلاً لا حصراً-: عبد الله بن المبارك، وحماد بن زيد، وسعيد بن عامر الضبعي -إمام البصرة وعالمها- وإمام الأئمة ابن خزيمة، وعباد بن العوام الواسطي، وعبد الرحمن بن مهدي، والأصمعي، وعاصم بن علي بن عاصم، ومالك بن أنس، والشافعي، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وابن أبي زمنين المالكي، والخطابي، وأبو نعيم الأصبهاني، ومعمر بن أحمد الأصبهاني، والفضيل بن عياض، والحارث المحاسبي .. وغيرهم رحمهم الله تعالى.

стр. 180

من أقوال الأئمة في إثبات صفات الله قال المصنف ﵀: [وروى اللالكائي والبيهقي بإسنادهما عن عبد الله بن المبارك: أن رجلاً قال له يا أبا عبد الرحمن! إني أكره الصفة -عنى صفة الرب- فقال له عبد الله بن المبارك: وأنا أشد الناس كراهية لذلك ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه ونحو هذا. أراد ابن المبارك: أنا نكره أن نبتدئ بوصف الله من تلقاء أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار. وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقول كما تقول الجهمية إنه ههنا في الأرض - وهكذا قال الإمام أحمد وغيره. وروي بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية. فقال: إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء. وروى ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي -إمام أهل البصرة علما ودينا من شيوخ الإمام أحمد - أنه ذكر عنده الجهمية فقال: أشر قولا من اليهود والنصارى وقد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش وهم قالوا: ليس على شيء. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقل: إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة. ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح. وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن عباد بن العوام -الواسطي إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد - قال: كلمت بشر المريسي وأصحاب بشر ; فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا: ليس في السماء شيء. وعن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور أنه قال: ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا. وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: إن الله لم يكلم موسى ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء وإن الله ليس على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا. وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فنزلت بالدباغين فقال رجل عندها: الله على عرشه. فقالت: محدود على محدود فقال الأصمعي: كفرت بهذه المقالة. وعن عاصم بن علي بن عاصم - شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما- قال: ناظرت جهمياً; فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء رباً. وروى الإمام أحمد بن حنبل الشيباني قال: أخبرنا سريج بن النعمان قال: سمعت عبد الله بن نافع الصائغ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: الله في السماء وعلمه في كل مكان; لا يخلو من علمه مكان. وقال الشافعي: خلافة أبي بكر الصديق حق قضاه الله في السماء وجمع عليه قلوب عباده. وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات. وهذا مثل قول الشافعي. وقصة أبي يوسف -صاحب أبي حنيفة - مشهورة في استتابة بشر المريسي حتى هرب منه لما أنكر أن يكون الله فوق عرشه قد ذكرها ابن أبي حاتم وغيره].
следующие страницы →