Полный текст (264 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أقوال بعض أئمة أهل السنة في إثبات صفات الله وإثبات صفة العلو له سبحانه
[وروى أيضا ابن أبي حاتم: أن هشام بن عبيد الله الرازي - صاحب محمد بن الحسن - قاضي الري حبس رجلا في التجهم فتاب; فجيء به إلى هشام ليطلقه فقال: الحمد لله على التوبة; فامتحنه هشام ; فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه; ولا أدري ما بائن من خلقه.
فقال: ردوه إلى الحبس؛ فإنه لم يتب.
وروي أيضاً عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش بائن من الخلق وقد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا; لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل وهالك مرتاب يمزج الله بخلقه ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان.
وروي أيضا عن ابن المديني لما سئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية والكلام وأن الله فوق السموات على العرش استوى; فسئل عن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة:٧].
وروي أيضا عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش كما وصف في كتابه; وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان.
وروي عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن تفسير قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال: تفسيره كما يقرأ هو على العرش وعلمه في كل مكان; ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله].
ذكر شيخ الإسلام ﵀ بعض النقولات عن بعض أئمة السلف الكبار، فروى عن ابن المديني، وعن أبي زرعة الرازي، وعن أبي عيسى الترمذي ..
وهذه النقولات عن أعيان أئمة السلف وأهل الحديث الكبار موجودة في كتب السنة المسندة مفصلةً.
стр. 177
قول محمد بن الحسن الشيباني في إثبات صفات الله
ثم قال: [وروى أبو القاسم اللالكائي الحافظ الطبري ; صاحب أبي حامد الإسفرائيني في كتابه المشهور في أصول السنة بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قال: اتفق الفقهاء كلهم -من المشرق إلى المغرب- على الإيمان بالقرآن والأحاديث; التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب : من غير تفسير; ولا وصف ولا تشبيه; فمن فسر اليوم شيئا منها فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة; فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا; ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا; فمن قال: بقول جهم فقد فارق الجماعة لأنه قد وصفه بصفة لا شيء.
محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء.
وقد حكى هذا الإجماع وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالباً أو دائماً.
وقوله من غير تفسير: أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الأثبات].
الإمام اللالكائي هو صاحب كتاب: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وهو من أخص كتب أهل السنة الموجودة اليوم، وينبغي لطالب العلم ألا يغفل عن النظر فيه، فإنه كتاب فاضل جامع لآثار السلف بطريقة محققة.
стр. 178
قول الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام في إثبات صفات الله
[وروى البيهقي وغيره بإسناد صحيح عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: هذه الأحاديث التي يقول فيها: (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره) ..
(وإن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك فيها قدمه) ..
(والكرسي موضع القدمين) وهذه الأحاديث في الرؤية هي عندنا حق حملها الثقات بعضهم عن بعض; غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها وما أدركنا أحدا يفسرها.
أبو عبيد أحد الأئمة الأربعة: الذين هم الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد ; وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يوصف وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء وقد أخبر أنه ما أدرك أحدا من العلماء يفسرها: أي تفسير الجهمية.].
أبو عبيد القاسم بن سلام من أعيان الأئمة الكبار، له تصنيف في أصول الدين، وهو كتاب الإيمان، وله غيره، وهو من المحققين ولا سيما في مسألة الإيمان، ورسالته في الإيمان من أجمع الرسائل في تقرير مذهب السلف والرد على المرجئة.
стр. 179
شرح الحموية [١٤]
وردت عن الأئمة رحمهم الله تعالى روايات كثيرة تدل على أن مذهب السلف هو إثبات الصفات على الحقيقة على الوجه اللائق بالله تعالى، وممن ورد عنهم ذلك من أقوالهم -تمثيلاً لا حصراً-: عبد الله بن المبارك، وحماد بن زيد، وسعيد بن عامر الضبعي -إمام البصرة وعالمها- وإمام الأئمة ابن خزيمة، وعباد بن العوام الواسطي، وعبد الرحمن بن مهدي، والأصمعي، وعاصم بن علي بن عاصم، ومالك بن أنس، والشافعي، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وابن أبي زمنين المالكي، والخطابي، وأبو نعيم الأصبهاني، ومعمر بن أحمد الأصبهاني، والفضيل بن عياض، والحارث المحاسبي .. وغيرهم رحمهم الله تعالى.
стр. 180
من أقوال الأئمة في إثبات صفات الله
قال المصنف ﵀: [وروى اللالكائي والبيهقي بإسنادهما عن عبد الله بن المبارك: أن رجلاً قال له يا أبا عبد الرحمن! إني أكره الصفة -عنى صفة الرب- فقال له عبد الله بن المبارك: وأنا أشد الناس كراهية لذلك ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه ونحو هذا.
أراد ابن المبارك: أنا نكره أن نبتدئ بوصف الله من تلقاء أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار.
وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقول كما تقول الجهمية إنه ههنا في الأرض - وهكذا قال الإمام أحمد وغيره.
وروي بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية.
فقال: إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء.
وروى ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي -إمام أهل البصرة علما ودينا من شيوخ الإمام أحمد - أنه ذكر عنده الجهمية فقال: أشر قولا من اليهود والنصارى وقد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش وهم قالوا: ليس على شيء.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقل: إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة.
ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن عباد بن العوام -الواسطي إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد - قال: كلمت بشر المريسي وأصحاب بشر ; فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا: ليس في السماء شيء.
وعن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور أنه قال: ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا.
وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: إن الله لم يكلم موسى ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء وإن الله ليس على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا.
وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فنزلت بالدباغين فقال رجل عندها: الله على عرشه.
فقالت: محدود على محدود فقال الأصمعي: كفرت بهذه المقالة.
وعن عاصم بن علي بن عاصم - شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما- قال: ناظرت جهمياً; فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء رباً.
وروى الإمام أحمد بن حنبل الشيباني قال: أخبرنا سريج بن النعمان قال: سمعت عبد الله بن نافع الصائغ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: الله في السماء وعلمه في كل مكان; لا يخلو من علمه مكان.
وقال الشافعي: خلافة أبي بكر الصديق حق قضاه الله في السماء وجمع عليه قلوب عباده.
وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات.
وهذا مثل قول الشافعي.
وقصة أبي يوسف -صاحب أبي حنيفة - مشهورة في استتابة بشر المريسي حتى هرب منه لما أنكر أن يكون الله فوق عرشه قد ذكرها ابن أبي حاتم وغيره].
стр. 181
قول ابن أبي زمنين في إثبات صفات الله
[وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين الإمام المشهور من أئمة المالكية في كتابه الذي صنفه في أصول السنة قال فيه:
باب الإيمان بالعرش
قال: ومن قول أهل السنة أن الله خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ [الحديد:٤] الآية.
فسبحان من بعد وقرب بعلمه فسمع النجوى.
وذكر حديث أبي رزين العقيلي ; قلت: (يا رسول الله أين ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء) قال محمد: العماء السحاب الكثيف المطبق -فيما ذكره الخليل - وذكر آثارا أخر.
ثم قال:
باب: الإيمان بالكرسي:
قال محمد بن عبد الله: ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش وأنه موضع القدمين.
ثم ذكر حديث أنس الذي فيه التجلي يوم الجمعة في الآخرة وفيه: (فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين على كرسيه ثم يحف الكرسي على منابر من ذهب مكللة بالجواهر; ثم يجيء النبيون فيجلسون عليها).
وذكر ما ذكره: يحيى بن سالم صاحب التفسير المشهور: حدثني العلاء بن هلال عن عمار الدهني ; عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: إن الكرسي الذي وسع السموات والأرض لموضع القدمين; ولا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه.
وذكر من حديث أسد بن موسى ; ثنا حماد بن سلمة عن زر عن ابن مسعود قال: ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي والماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه.
ثم قال في باب الإيمان بالحجب قال: ومن قول أهل السنة إن الله بائن من خلقه يحتجب عنهم بالحجب فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ [الكهف:٥] وذكر آثاراً في الحجب.
ثم قال في باب الإيمان بالنزول قال: ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حدا وذكر الحديث من طريق مالك وغيره.
إلى أن قال: وأخبرني وهب عن ابن وضاح عن الزهري عن ابن عباد.
قال: ومن أدركت من المشايخ مالك وسفيان وفضيل بن عياض وعيسى بن المبارك ووكيع: كانوا يقولون: إن النزول حق.
قال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدي عن النزول قال: نعم أومن به ولا أحد فيه حدا وسألت عنه ابن معين فقال: نعم أقر به ولا أحد فيه حدا.
قال محمد: وهذا الحديث يبين أن الله على العرش في السماء دون الأرض وهو أيضا بين في كتاب الله وفي غير حديث عن رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الملك:١٦ - ١٧] وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] يرفعه وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨] وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨].
وذكر من طريق مالك: قول النبي ﷺ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.
قال: فأعتقها).
قال: والأحاديث مثل هذا كثيرة جدا فسبحان من علمه بما في السماء كعلمه بما في الأرض لا إله إلا هو العلي العظيم.
وقال قبل ذلك في الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه قال: واعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علما والعجز عن ما لم يدع إليه إيمانا وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه على لسان نبيه.
وقد قال -وهو أصدق القائلين- ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] وقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩] وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] وقال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٩] وقال: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] وقال: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] وقال: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر:٦٧] الآية.
وقال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] الآية وقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] الآية.
وقال: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] ومثل هذا في القرآن كثير.
فهو ﵎ نور السموات والأرض كما أخبر عن نفسه وله وجه ونفس وغير ذلك مما وصف به نفسه ويسمع ويرى ويتكلم هو الأول لا شيء قبله والآخر الباقي إلى غير نهاية ولا شيء بعده والظاهر العالي فوق كل شيء والباطن بطن علمه بخلقه فقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] قيوم حي لا تأخذه سنة ولا نوم.
وذكر: أحاديث الصفات ثم قال: فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لم تره العيون فتحده كيف هو؟ ولكن رأته القلوب في حقائق الإيمان. اهـ].
стр. 182
قول الخطابي في إثبات صفات الله
[وكلام الأئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن تسع هذه الفتيا عشره.
وكذلك كلام الناقلين لمذهبهم.
مثل ما ذكره أبو سليمان الخطابي في رسالته المشهورة في الغنية عن الكلام وأهله قال: فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمقصر عنه.
والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله.
فإذا كان معلوما أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.
فإذا قلنا يد وسمع وبصر وما أشبهها فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه; ولسنا نقول: إن معنى اليد القوة أو النعمة ولا معنى السمع والبصر العلم; ولا نقول إنها جوارح ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل ونقول: إن القول إنما وجب بإثبات الصفات; لأن التوقيف ورد بها; ووجب نفي التشبيه عنها لأن الله ليس كمثله شيء; وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات هذا كله كلام الخطابي.
وهكذا قاله أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة له أخبر فيها أن مذهب السلف على ذلك.
وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي قد نقل نحوا منه من العلماء من لا يحصى عددهم مثل أبي بكر الإسماعيلي والإمام يحيى بن عمار السجزي وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين وذم الكلام وهو أشهر من أن يوصف وشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني وأبي عمر بن عبد البر النمري إمام المغرب وغيرهم].
الخطابي ﵀ من كبار أهل العلم المعتبرين المعروفين، لكنه وإن كان مائلاً عن علم الكلام -وهو كـ البيهقي في هذا- فلم يتقلده، بل إن له ذماً فيه، إلا أنه تارةً يوافق بعض أئمة المتكلمين وبخاصة الأشعري ومن هو على شاكلته في بعض الموارد، ولهذا صار الخطابي -وكذلك البيهقي - عند طائفة من الناظرين يضاف إلى الأشعرية على مثل هذا المعنى، من جهة أنهم لم يصححوا العلم الكلامي، ولهم امتداح مفصل لمذهب السلف لا يقع عند كثير من متكلمة الأشاعرة بل عند عامتهم، لكنهم يوافقون الأشعري في بعض الموارد وبخاصة في مسائل الصفات الفعلية.
стр. 183
قول بعض من نسبوا إلى التصوف في إثبات صفات الله
[وقال أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية في عقيدة له قال في أولها: طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب والسنة وإجماع الأمة; قال فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله يقولون بها; ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه: لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه.
وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه محجة الواثقين ومدرجة الوامقين تأليفه: وأجمعوا أن الله فوق سمواته عال على عرشه مستو عليه لا مستول عليه كما تقول الجهمية إنه بكل مكان; خلافا لما نزل في كتابه: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] له العرش المستوي عليه والكرسي الذي وسع السموات والأرض وهو قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وكرسيه جسم والأرضون السبع والسموات السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة; وليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية; بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه; كما قاله النبي ﷺ وأنه - تعالى وتقدس- يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفا صفا; كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] وزاد النبي ﷺ : وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده فيغفر لمن يشاء من مذنبي الموحدين ويعذب من يشاء.
كما قال تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٢٩].
وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني -شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده- قال: أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وموعظة من الحكمة; وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر بلا كيف وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين قال فيها: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف فيه مجهول.
وأنه مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق منه بائنون; بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة; لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد الغني عن الخلق.
وإن الله سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء: فيقول: (هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر) ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل.
فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال وسائر الصفوة من العارفين على هذا.
اهـ.
وقال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال في كتاب السنة ثنا أبو بكر الأثرم ثنا إبراهيم بن الحارث يعني العبادي حدثنا الليث بن يحيى قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث -قال أبو بكر: هو صاحب الفضيل - قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه.
وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع; كما يشاء أن ينزل وكما يشاء أن يباهي وكما يشاء أن يضحك وكما يشاء أن يطلع.
فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف؟.
فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه.
فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء.
ونقل هذا عن الفضيل جماعة منهم البخاري في أفعال العباد.
ونقل شيخ الإسلام بإسناده في كتابه الفاروق فقال: ثنا يحيى بن عمار ثنا أبي ثنا يوسف بن يعقوب ثنا حرمي بن علي البخاري وهانئ بن النضر عن الفضيل.
وقال عمرو بن عثمان المكي في كتابه الذي سماه التعرف بأحوال العباد والمتعبدين قال: باب ما يجيء به الشيطان للتائبين وذكر أنه يوقعهم في القنوط ثم في الغرور وطول الأمل ثم في التوحيد.
فقال: من أعظم ما يوسوس في التوحيد بالتشكل أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه أو بالجحد لها والتعطيل.
فقال بعد ذكر حديث الوسوسة:- واعلم رحمك الله أن كل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء أو ضياء أو إشراق أو جمال أو سنح مسائل أو شخص متمثل: فالله تعالى بغير ذلك; بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر ألا تسمع لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] أي لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل أولم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته؟ وشامخ سلطانه؟ فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك: كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك.
فرد بما بين الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه والمثل والنظير والكفؤ.
فإن اعتصمت بها وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب -تعالى وتقدس- في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ فقال لك: إذا كان موصوفا بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه; لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى.
واعلم -رحمك الله تعالى- أن الله تعالى واحد لا كالآحاد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد -إلى أن قال- خلصت له الأسماء السنية فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليا واسما كان منه بريا ﵎; فكان هاديا سيهدي وخالقا سيخلق ورازقا سيرزق وغافرا سيغفر وفاعلا سيفعل ولم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل فهو يسمى به في جملة فعله.
كذلك قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] بمعنى أنه سيجيء; فلم يستحدث الاسم بالمجيء وتخلف الفعل لوقت المجيء فهو جاء سيجيء ويكون المجيء منه موجودا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه لأن ذلك فعل الربوبية فيستحسر العقل وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود فلا تذهب في أحد الجانبين; لا معطلا ولا مشبها وارض لله بما رضي به لنفسه وقف عند خبره لنفسه مسلما مستسلما مصدقا; بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير.
إلى أن قال: فهو ﵎ القائل: أنا الله لا الشجرة الجائي قبل أن يكون جائياً; لا أمره المتجلي لأوليائه في المعاد; فتبيض به وجوههم وتفلج به على الجاحدين حجتهم المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان ﵎ الذي كلم موسى تكليما.
وأراه من آياته فسمع موسى كلام الله؟ لأنه قربه نجيا.
تقدس أن يكون كلامه مخلوقا أو محدثا أو مربوبا الوارث بخلقه لخلقه السميع لأصواتهم الناظر بعينه إلى أجسامهم يداه مبسوطتان وهما غير نعمته خلق آدم ونفخ فيه من روحه -وهو أمره- تعالى وتقدس أن يحل بجسم أو يمازج بجسم أو يلاصق به تعالى عن ذلك علواً كبيراً الشائي له المشيئة العالم له العلم الباسط يديه بالرحمة النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب إليه خلقه بالعبادة وليرغبوا إليه بالوسيلة القريب في قربه من حبل الوريد البعيد في علوه من كل مكان بعيد ولا يشبه بالناس.
إلى أن قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] القائل: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الملك:١٦ - ١٧] تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء جل عن ذلك علواً كبيراً اهـ].
هذه النقولات عن الصوفية، وإن كان في بعض الأحرف كلام لا يوافقون عليه على التمام والتفصيل، لكن غرض المصنف بها: أن يبين أن هذا الإثبات الذي ذكره في رسالته وفي كتبه مفصلاً هو مذهب معروف حتى عند المتصوفة.
والإشكال في الصوفية أنهم طوائف متباينة تماماً، فمن الصوفية من أضيفوا إلى التصوف، وهم أئمة معتبرون من كبار أهل السنة والجماعة، كـ الفضيل بن عياض وأمثاله، فإن هذا وإن لم يسم نفسه صوفياً إلا أن جمهور كتب الصوفية يضيفونه إليهم.
وصنف آخر من الصوفية: وهو من وقع في بدع عملية، أي: قد يكون عنده زيادة في التعبد أو بعض التكلف أو ما يشاكل ذلك، ولكنه من حيث الأصول -أصول الديانة- مستقر على قول أهل السنة والجماعة.
وطائفة من الصوفية: يميلون إلى الطرق الكلامية ويركبون عليها الطرق الصوفية كما هي حال القشيري صاحب الرسالة.
وطائفة من الصوفية: ينتحلون الطريقة الكلامية والطريقة الصوفية، ويرون الفرق بينهما، لكنهم يجعلون هذا خطاباً وهذا خطاباً، كما هي الطريقة التي انتهى إليها أبو حامد الغزالي صاحب الإحياء، فإنه انتهى إلى طريقتين، بل إلى ثلاث طرق كما ذكر ذلك في كتابه ميزان العمل، فهو يمتدح طريقة المتكلمين باعتبار أنها طريقة جدلية ينازل بها الخصوم؛ ولهذا استعملها في رده على المتفلسفة، ولكنه من حيث التحقيق والمعرفة واليقين كما يقول: فإن اليقين هنا يقع في طريقة الصوفية ..
.
وطائفة من الصوفية: الصوفية المتفلسفة الذين وقعوا فيما يقارب الطرق الإلحادية، بل في مقالات إلحادية محضة من مقالات الزنادقة من الفلاسفة وغيرهم، كما هي طريقة ابن عربي وابن سبعين والتلمساني
стр. 184
قول الحارث المحاسبي في إثبات الصفات
[وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمى فهم القرآن قال في كلامه على الناسخ والمنسوخ:
وأن النسخ لا يجوز في الأخبار قال: لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وصفاته ولا أسماءه يجوز أن ينسخ منها شيء.
إلى أن قال: وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عليا أن يخبر بذلك أنها دنية سفلى فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب وأنه لا يبصر ما قد كان ولا يسمع الأصوات ولا قدرة له ولا يتكلم ولا كلام كان منه وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك.
فإذا عرفت ذلك واستيقنته: علمت ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره كقوله عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس:٩٠] الآيات وقال: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] وقال: قد تأول قوم: أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار لأنه آمن عند الغرق وقال: إنما ذكر الله أن قوم فرعون يدخلون النار دونه وقال: ﴿فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] وقال: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥] ولم يقل بفرعون.
قال: وهكذا الكذب على الله; لأن الله تعالى يقول: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات:٢٥] كذلك قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت:٣] فأقر التلاوة على استئناف العلم من الله عن أن يستأنف علما بشيء لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه لم يقدر أن يصنعه -نجده ضرورة- قال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] قال: وإنما قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ﴾ [محمد:٣١] إنما يريد حتى نراه فيكون معلوما موجودا; لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدوما من قبل أن يكون; ويعلمه موجودا كان قد كان; فيعلم في وقت واحد معدوما موجودا وإن لم يكن وهذا محال.
وذكر كلاما في هذا في الإرادة.
إلى أن قال: وكذلك قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] ليس معناه أن يحدث له سمعا ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم وقد ذهب قوم من أهل السنة أن الله استماعا في ذاته فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قول; لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقل فهم عما أدركته أذنه من الصوت، وكذلك قوله: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥] لا يتحدث بصرا محدثا في ذاته وإنما يحدث الشيء فيراه مكونا كما لم يزل يعلمه قبل كونه.
إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] وقال: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران:٥٥] الآية وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف:٢٠٦] وذكر الآلهة: أن لو كان آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا حيث هو فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٢] أي: طلبه، وقال: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال أبو عبد الله: فلن ينسخ ذلك لهذا أبداً.
كذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣] وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] الآية فليس هذا بناسخ لهذا ولا هذا ضد لذلك.
واعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته فيكون في أسفل الأشياء أو ينتقل فيها لانتقالها ويتبعض فيها على أقدارها ويزول عنها عند فنائها جل وعز عن ذلك وقد نزع بذلك بعض أهل الضلال; فزعموا أن الله تعالى في كل مكان بنفسه كائنا كما هو على العرش; لا فرقان بين ذلك ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه; لأن كل من يثبت شيئا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه واحتجوا بهذه الآيات أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنا ثم نفوا معنى ما أثبتوه فقالوا: لا كالشيء في الشيء.
قال أبو عبد الله: لنا قوله:
﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد:٣١] ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ﴾ [التوبة:١٠٥] ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] فإنما معناه حتى يكون الموجود فيعلمه موجودا ويسمعه مسموعا ويبصره مبصرا لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر.
وأما قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا﴾ [الإسراء:١٦] إذا جاء وقت كون المراد فيه.
وإن قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] الآية ..
﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ﴿إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٢] فهذا وغيره مثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش فوق الأشياء كلها منزه عن الدخول في خلقه لا يخفى عليه منهم خافية; لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده; لأنه قال:
﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] يعني: فوق العرش والعرش على السماء; لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء في السماء وقد قال مثل ذلك في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة:٢] يعني على الأرض; لا يريد الدخول في جوفها وكذلك قوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٢٦] يعني: على الأرض; لا يريد الدخول في جوفها وكذلك قوله: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] يعني فوقها عليها.
وقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ثم فصل فقال: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] ولم يصل فلم يكن لذلك معنى -إذا فصل قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ثم استأنف التخويف بالخسف - إلا أنه على عرشه فوق السماء.
وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] فبين عروج الأمر وعروج الملائكة ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه فقال: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] فقال: صعودها إليه وفصله من قوله إليه كقول القائل: أصعد إلى فلان في ليلة أو يوم وذلك أنه في العلو وإن صعودك إليه في يوم فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله وإن كانوا لم يروه ولم يساووه في الارتفاع في علوه فإنهم صعدوا من الأرض وعرجوا بالأمر إلى العلو قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ولم يقل عنده.
وقال فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧] ثم استأنف الكلام فقال: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٧] فيما قال لي إن إلهه فوق السموات.
فبين الله أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال: وعمد لطلبه حيث قاله مع الظن بموسى أنه كاذب ولو أن موسى قال: إنه في كل مكان بذاته لطلبه في بيته أو في بدنه أو حشه.
فتعالى الله عن ذلك ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح.
قال أبو عبد الله: وأما الآي التي يزعمون أنها قد وصلها - ولم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه - فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة:٧] فأخبر بالعلم ثم أخبر أنه مع كل مناج ثم ختم الآية بالعلم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] فبدأ بالعلم وختم بالعلم: فبين أنه أراد أنه يعلمهم حيث كانوا; لا يخفون عليه ولا يخفى عليه مناجاتهم.
ولو اجتمع القوم في أسفل وناظر إليهم في العلو.
فقال: إني لم أزل أراكم وأعلم مناجاتكم لكان صادقا - ولله المثل الأعلى أن يشبه الخلق - فإن أبوا إلا ظاهر التلاوة وقالوا: هذا منكم دعوى خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة; لأن من هو مع الاثنين فأكثر; هو معهم لا فيهم ومن كان مع شيء خلا جسمه وهذا
стр. 185
شرح الحموية [١٥]
للإمام أبي عبد الله محمد بن خفيف رحمه الله تعالى كلام طويل في بيان أن عقيدة السلف هي إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له نبيه ﷺ من الصفات، على الوجه اللائق به ، ومثله قال القاضي أبو يعلى الحنبلي ﵀، وكذلك الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀، وهذا دليل قاطع على أن مذهب السلف هو إثبات الصفات على الوجه اللائق بالله تعالى.
стр. 186
قول ابن خفيف في إثبات الصفات
قال المصنف ﵀: [وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذي سماه اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات قال في آخر خطبته:
فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه قولا واحدا وشرعا ظاهرا وهم الذين نقلوا عن رسول الله ﷺ ذلك حتى قال: (عليكم بسنتي) وذكر الحديث وحديث (لعن الله من أحدث حدثا) قال: فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف - وهم الذين أمرنا بالأخذ عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين من الأسماء والصفات كما اختلفوا في الفروع ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل إلينا; كما نقل سائر الاختلاف - فاستقر صحة ذلك عند خاصتهم وعامتهم; حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين; حتى نقلوا ذلك قرنا بعد قرن; لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر ولله المنة.
ثم إني قائل -وبالله أقول- إنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد وذكر الأسماء والصفات على خلاف منهج المتقدمين من الصحابة والتابعين فخاضوا في ذلك من لم يعرفوا بعلم الآثار ولم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار وصار معولهم على أحكام هوى حسن النفس المستخرجة من سوء الظن به على مخالفة السنة والتعلق منهم بآيات لم يسعدهم فيها ما وافق النفوس فتأولوا على ما وافق هواهم وصححوا بذلك مذهبهم: احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين ومأخذ المؤمنين ومنهاج الأولين; خوفا من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حذر رسول الله ﷺ أمته ومنع المستجيبين له حتى حذرهم.
ثم ذكر أبو عبد الله: خروج النبي ﷺ وهم يتنازعون في القدر وغضبه وحديث: (لا ألفين أحدكم) وحديث: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) فإن الناجية ما كان عليه هو وأصحابه; ثم قال: فلزم الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة ولم يكن الوصول إليه إلا من جهة التابعين لهم بإحسان; المعروفين بنقل الأخبار ممن لا يقبل المذاهب المحدثة.
فيتصل ذلك قرنا بعد قرن ممن عرفوا بالعدالة والأمانة الحافظين على الأمة ما لهم وما عليهم من إثبات السنة.
إلى أن قال: فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها ذكر أسماء الله في كتابه وما بين ﷺ من صفاته في سنته وما وصف به مما سنذكر قول القائلين بذلك مما لا يجوز لنا في ذلك أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك ومما قد أمرنا بالاستسلام له -إلى أن قال: - ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية والإقرار بالألوهية: أن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق بما بدأ من أسمائه وصفاته وأكد ﵇ بقوله فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله لا إله إلا الله.
إلى أن قال بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل.
فقال لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] ولصحة ذلك واستقرار ما جاء به المسيح ﵇ فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] وقال : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] وأكد ﵇ صحة إثبات ذلك في سنته فقال: (يقول الله : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) وقال: (كتب كتابا بيده على نفسه: إن رحمتي غلبت غضبي) وقال: (سبحان الله رضا نفسه) وقال في محاجة آدم لموسى: (أنت الذي اصطفاك الله واصطنعك لنفسه) فقد صرح بظاهر قوله: أنه أثبت لنفسه نفسا وأثبت له الرسول ذلك فعلى من صدق الله ورسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه ويكون ذلك مبنيا على ظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
ثم قال: فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه ﵇ بنقل العدل عن العدل حتى يتصل به ﷺ وإن مما قضى الله علينا في كتابه ووصف به نفسه ووردت السنة بصحة ذلك أن قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥].
ثم قال عقيب ذلك: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] وبذلك دعاه ﷺ : (أنت نور السموات والأرض) ثم ذكر حديث أبي موسى: (حجابه النور - أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وقال: سبحات وجهه جلاله ونوره.
نقله عن الخليل وأبي عبيد وقال: قال عبد الله بن مسعود: نور السموات نور وجهه.
ثم قال: ومما ورد به النص أنه حي وذكر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] والحديث: (يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث) قال: ومما تعرف الله إلى عباده أن وصف نفسه أن له وجها موصوفا بالجلال والإكرام فأثبت لنفسه وجها - وذكر الآيات.
ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم فقال في هذا الحديث من أوصاف الله لا ينام موافق لظاهر الكتاب: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] وأن له وجها موصوفاً بالأنوار وأن له بصراً كما علمنا في كتابه أنه سميع بصير.
ثم ذكر الأحاديث في إثبات الوجه وفي إثبات السمع والبصر والآيات الدالة على ذلك.
ثم قال: ثم إن الله تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين أن قال: له يدان قد بسطهما بالرحمة وذكر الأحاديث في ذلك ثم ذكر شعر أمية بن أبي الصلت.
ثم ذكر حديث: (يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رجله) وهي رواية البخاري وفي رواية أخرى يضع عليها قدمه.
ثم ما رواه مسلم البطين عن ابن عباس: أن الكرسي موضع القدمين وأن العرش لا يقدر قدره إلا الله.
وذكر قول مسلم البطين نفسه وقول السدي وقول وهب بن منبه وأبي مالك وبعضهم يقول: موضع قدميه وبعضهم يقول واضع رجليه عليه.
ثم قال: فهذه الروايات قد رويت عن هؤلاء من صدر هذه الأمة موافقة لقول النبي ﷺ متداولة في الأقوال ومحفوظة في الصدر ولا ينكر خلف عن السلف ولا ينكر عليهم أحد من نظرائهم نقلتها الخاصة والعامة مدونة في كتبهم إلى أن حدث في آخر الأمة من قلل الله عددهم ممن حذرنا رسول الله ﷺ عن مجالستهم ومكالمتهم وأمرنا أن لا نعود مرضاهم ولا نشيع جنائزهم فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات فضربوها بالتشبيه وعمدوا إلى الأخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام المقاييس وكفر المتقدمين وأنكروا على الصحابة والتابعين; وردوا على الأئمة الراشدين فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل.
ثم ذكر: المأثور عن ابن عباس وجوابه لـ نجدة الحروري ; ثم حديث الصورة وذكر أنه صنف فيه كتابا مفردا واختلاف الناس في تأويله.
ثم قال: وسنذكر أصول السنة وما ورد من الاختلاف فيما نعتقده مما خالفنا فيه أهل الزيغ وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة -إن شاء الله-.
ثم ذكر الخلاف في الإمامة واحتج عليها وذكر اتفاق المهاجرين والأنصار على تقديم الصديق وأنه أفضل الأمة.
ثم قال: وكان الاختلاف في خلق الأفعال هل هي مقدرة أم لا؟ قال: وقولنا فيها أن أفعال العباد مقدرة معلومة وذكر إثبات القدر.
ثم ذكر الخلاف في أهل الكبائر ومسألة الأسماء والأحكام وقال: قولنا فيها إنهم مؤمنون على الإطلاق وأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم.
وقال: أصل الإيمان موهبة يتولد منها أفعال العباد فيكون أصل التصديق والإقرار والأعمال وذكر الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه.
وقال: قولنا: إنه يزيد وينقص.
قال: ثم كان الاختلاف في القرآن مخلوقا وغير مخلوق فقولنا وقول أئمتنا إن القرآن كلام الله غير مخلوق وإنه صفة الله منه بدأ قولا وإليه يعود حكما.
ثم ذكر الخلاف في الرؤية وقال: قولنا وقول أئمتنا فيما نعتقد أن الله يرى في القيامة وذكر الحجة.
ثم قال: اعلم رحمك الله أني ذكرت أحكام الاختلاف على ما ورد من ترتيب المحدثين في كل الأزمنة وقد بدأت أن أذكر أحكام الجمل من العقود.
فنقول: ونعتقد: أن الله له عرش وهو على عرشه فوق سبع سمواته بكل أسمائه وصفاته; كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ [السجدة:٥] ولا نقول إنه في الأرض كما هو في السماء على عرشه لأنه عالم بما يجري على عباده ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] إلى أن قال: ونعتقد أن الله تعالى خلق الجنة والنار وإنهما مخلوقتان للبقاء; لا للفناء.
إلى أن قال: ونعتقد أن النبي ﷺ عرج بنفسه إلى سدرة المنتهى.
إلى أن قال: ونعتقد أن الله قبض قبضتين فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار.
ونعتقد أن للرسول ﷺ حوضاً ونعتقد أنه أول شافع وأول مشفع وذكر الصراط والميزان والموت وأن المقتول قتل بأجله واستوفى رزقه.
إلى أن قال:
ومما نعتقد أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر; فيبسط يده فيقول: ألا هل من سائل الحديث وليلة النصف من شعبان وعشية عرفة وذكر الحديث في ذلك.
قال: ونعتقد أن الله تعالى كلم موسى تكليماً.
واتخذ إبراهيم خليلا وأن الخلة غير الفقر; لا كما قال أهل البدع.
ونعتقد أن الله تعالى خص محمدا ﷺ بالرؤية.
واتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلاً.
ونعتقد أن الله تعالى اختص بمفتاح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤] الآية.
و
стр. 187
قول القاضي أبي يعلى الحنبلي في إثبات الصفات
[وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها والواجب حملها على ظاهرها وأنها صفات الله لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق; ولا يعتقد التشبيه فيها; لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة.
وذكر بعض كلام الزهري ومكحول ومالك والثوري والأوزاعي والليث وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة والفضيل بن عياض ووكيع وعبد الرحمن بن مهدي والأسود بن سالم وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم في هذا الباب.
وفي حكاية ألفاظهم طول.
إلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها; ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفوها عن ظاهرها; فلو كان التأويل سائغاً لكانوا أسبق إليه; لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة.].
ننبه هنا إلى أن المتقدمين قبل هذا العصر كانوا يتوسعون في نقل اسم الكتاب، ومن أمثلة ذلك: أن شيخ الإسلام حينما يذكر كتابه درء تعارض العقل والنقل يسميه في كتبه بأسماء متقاربة، فتارةً يقول: وقد ذكرنا في درء تعارض العقل والنقل، وتارة يقول: وقد ذكرنا فيما صنفناه في موافق المنقول للمعقول
أو نحو هذه العبارات.
وهنا يقول: إبطال التأويل، وقد طبع هذا الكتاب باسم إبطال التأويلات وهو للقاضي أبي يعلى الحنبلي، من أئمة الحنابلة الكبار، وهو على مذهب أهل السنة والجماعة، المائلين عن علم الكلام وأهله، لكنه ﵀ وافق كثيراً من المقالات التي عليها أصحاب أبي الحسن الكبار في مسائل الصفات الفعلية، وإن كان رجع عن كثير من ذلك، وإن لم يستتم الرجوع، لكن لا شك أن حاله المتأخرة والأخيرة ليست كحاله الأولى، ففي حاله الأولى كان موافقاً موافقةً ظاهرة للكلابية وفضلاء الأشعرية، لكنه فيما بعد رجع عن كثير من ذلك.
فهو في الجملة إمام محقق، وقد صنف كتابه إبطال التأويلات رداً على كتاب تأويل الأخبار لـ أبي بكر بن فورك الأشعري، وقد تقدم ذكر هذا الكتاب في قول المصنف: وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي يذكرها أبو بكر بن فورك.
وفي زمن القاضي أبي يعلى حصل نزاع مشهور في زمن الدولة السلجوقية بين الأشعرية والحنبلية، وكان ذلك في زمن أيضاً يقارب زمن أبي القاسم القشيري، حيث صنف القشيري رسالة الشكاية، فحصل بين الأشاعرة والحنابلة بعض الاختلاف الشديد، وكان السلطان إذ ذاك مائلاً إلى الحنابلة في الجملة.
وهذا الخلاف مشهور عند أهل التاريخ والأخبار، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ طرفاً منه.
ولـ أبي يعلى كذلك تصنيف فاضل في الإيمان، وهو باسم كتاب الإيمان، وهو مطبوع أيضاً.
стр. 188
قول أبي الحسن الأشعري في صفات الله
стр. 189
قول أبي الحسن الأشعري في كتابه اختلاف المصلين
[وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم، صاحب الطريقة المنسوبة إليه في الكلام في كتابه الذي صنفه اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين.
وذكر فرق الروافض والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرهم.
ثم قال: مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث، جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله تعالى; وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون شيئا من ذلك وأن الله واحد أحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] وأن له عينين بلا كيف كما قال ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] وأن له وجها كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] وأن أسماء الله تعالى لا يقال: إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج.
وأقروا أن لله علماً كما قال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦] وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ﴾ [فاطر:١١] وأثبتوا له السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة وأثبتوا لله القوة كما قال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وذكر مذهبهم في القدر، إلى أن قال: ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في اللفظ والوقف من قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق ويقرون أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون; لأنهم عن الله محجوبون قال : ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] وذكر قولهم في الإسلام والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء.
إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار.
إلى أن قال: وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من دينهم ويسلمون الروايات الصحيحة كما جاءت به الآثار الصحيحة التي جاءت بها الثقات عدل عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ; لا يقولون: كيف ولا لم؛ لأن ذلك بدعة عندهم.
إلى أن قال: ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء; كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] إلى أن قال: ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار والنظر في الآثار; والنظر في الفقه مع الاستكانة والتواضع; وحسن الخلق مع بذل المعروف; وكف الأذى وترك الغيبة والنميمة والشكاية وتفقد المآكل والمشارب.
قال: فهذه جملة ما يأمرون به ويستسلمون إليه ويرونه وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب; وما توفيقنا إلا بالله وهو المستعان.
وقال الأشعري أيضاً في اختلاف أهل القبلة في العرش فقال:
قال أهل السنة وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم; ولا يشبه الأشياء وإنه استوى على العرش; كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ولا نتقدم بين يدي الله في القول; بل نقول استوى بلا كيف وإن له وجها كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] وأن له يدين كما قال ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وأن له عينين كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث ولم يقولوا شيئا إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ .
وقالت المعتزلة: إن الله استوى على العرش بمعنى استولى وذكر مقالات أخرى.].
هذه الجملة يحصل بها المصنف مقاصد كثيرة، وخاصة مع من يرد عليهم من الأشاعرة، منها: أن الأشعري امتدح مقالة أهل السنة امتداحاً محضاً؛ فإذا كان كذلك فكل ما ثبت أنه للسلف ولأهل السنة المتقدمين فإنه يجب أن يصار إليه حتى من قبل الأشاعرة من أصحابه؛ لأن إمامهم صرح بالتزام مذهب السلف، وإذا كان هو خفي عليه بعض المقاصد والألفاظ والأحرف والمسائل في مذهب السلف؛ فإن من بان له ذلك بعده لا يجوز له أن يخالف، حتى على طريقة ومذهب أبي الحسن الأشعري.
وفي كلام أبي الحسن بعض المسائل التي صرح الأشعرية المتأخرون بخلافها، فهم مخالفون للسلف ومخالفون من وجه آخر لـ أبي الحسن نفسه، وبخاصة في مسألة الصفات الخبرية: فقد قرر الأشعري في كتبه ثبوت الصفات الخبرية في الجملة لكن لما جاء أبو المعالي الجويني -وإن كان البغدادي يشير إلى شيء من هذا- نفى كثيراً من ذلك، ومن بعده أصبح الأشاعرة من نفاة الصفات الخبرية.
стр. 190
قول أبي الحسن الأشعري في كتابه الإبانة
[وقال أيضاً أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه الإبانة في أصول الديانة، وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون عليه في الذب عنه عندما يطعن عليه -فقال:-
فصل
في إبانة قول أهل الحق والسنة
فإن قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة; فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون.
قيل له:
قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون ولما خالف قوله مخالفون; لأنه الإمام الفاضل; والرئيس الكامل; الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال; وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين; فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم وكبير مفهم.
وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءوا به من عند الله وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا نرد من ذلك شيئا; وأن الله واحد لا إله إلا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا; وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية وأن الله يبعث من في القبور.
وأن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وأن له وجها كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وكما قال: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]- وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا وذكر نحوا مما ذكر في الفرق.
إلى أن قال: ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيمانا وندين بأن الله يقلب القلوب بين إصبعين من أصابع الله وأنه يضع السموات على أصبع والأرضين على أصبع كما جاءت الرواية الصحيحة عن رسول الله ﷺ .
إلى أن قال:
وإن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدلا عن عدل حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي أثبتها أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيا وأن الرب يقول: (هل من سائل؟ هل من مستغفر؟) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قال أهل الزيغ والتضليل: ونعول فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به ولا نقول على الله ما لا نعلم.
ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] وإن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨ - ٩].
إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مما لم نذكره بابا بابا.
ثم تكلم على أن الله يرى واستدل على ذلك; ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق واستدل على ذلك ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال لا أقول: إنه مخلوق ولا غير مخلوق ورد عليه.
ثم قال: باب ذكر الاستواء على العرش فقال إن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] وقال تعالى ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٥٨] وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] وقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٢٦ - ٣٧] كذب موسى في قوله إن الله فوق السموات، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات قال ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] لأنه مستو على العرش الذي هو فوق السموات وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السموات وليس إذا قال ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] يعني: جميع السموات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ألا ترى أن الله ذكر السموات فقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح:١٦] ولم يرد أن القمر يملؤهن وأنه فيهن جميعا ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء: لأن الله على عرشه الذي هو فوق السموات فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض.
ثم قال:
فصل
وقد قال القائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أنه استولى وقهر وملك وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة; لأن الله قادر على كل شيء والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء -وهو مستول على الأشياء كلها- لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار; لأنه قادر على الأشياء مستول عليها وإذا كان قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء كلها.
وذكر دلالات من القرآن والحديث والإجماع والعقل.
ثم قال:
باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين وذكر الآيات في ذلك.
ورد على المتأولين لها بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته: مثل قوله فإن سئلنا أتقولون لله يدان؟ قيل: نقول ذلك وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده) وقد جاء في الخبر المذكور عن النبي ﷺ : (أن الله خلق آدم بيده وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده) وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل عملت كذا بيدي ويريد بها النعمة وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها وكان لا يجوز في خطاب أهل البيان أن يقول القائل: فعلت كذا بيدي ويعني بها النعمة: بطل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] النعمة.
وذكر كلاما طويلا في تقرير هذا ونحوه].
كتاب الإبانة مشهور لـ أبي الحسن الأشعري، والجمهور من الأشاعرة وغيرهم على أنه كتاب صحيح معتبر للأشعري.
وإن كان بعض الناظرين في التصانيف قد تردد في صحة نسبته للأشعري، إلا أن هذا القول ليس بشيء، وإنما أذكره ليعرف غلطه.
وهو أفضل كتب الأشعري على الإطلاق، حتى قال شيخ الإسلام ﵀: ومن قال منهم -أي: الأشاعرة- بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالةً تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب للأشعري بدعة.
إذاً: كتب الأشعري على صنفين:
الأول: كتب مقاربة لطريقة أهل السنة وتصنيفهم، وإن كان فيها بعض التقصير في التفاصيل ككتاب الإبانة.
الثاني: كتب الميل فيها عن مسلك السلف وطريقتهم ظاهر، كما يقع له ﵀ في اللمع والموجز، فقد غلط فيهما غلطاً ظاهراً، وقد استخدم فيهما طريقة كلامية محضة.
ومن المتحقق أن الأشعري لم يكن خبيراً بطريقة السلف؛ لأنه في كتابه مقالات الإسلاميين فصل مقالات الشيعة والخوارج والمعتزلة بتفاصيل مطولة، حتى إنه فصل قول أبي هاشم الجبائي، وقول النظام بتفاصيل مستفيضة، لكنه لما جاء لأهل السنة والجماعة أجمل قولهم إجمالاً، وهذا دليل قاطع على أن الأشعري وإن أعلن انتسابه لأهل السنة والجماعة إلا أنه لم يكن خبيراً بتفاصيل مذهبهم.
أما كتابه الرسالة إلى أهل الثغر، فهو كما قيل في الإبانة، وإن كان البعض قد تردد في نسبته إلى أبي الحسن الأشعري، وهو عبارة عن ذكر جمل وإجماعات أهل السنة، وإن كان أحياناً يذكر فيه بعض الإجماعات الغلط، لكنه في الجملة كتاب فاضل.
إذاً: كتاب الإبانة والرسالة إلى أهل الثغر هما أجود كتب الأشعري، أما اللمع والموجز ففيهما أغلاط بينة.
وهذا التفصيل ينتهي منه البعض -أحياناً- إلى القول الذي قد يشاع تارةً: من
стр. 191
شرح الحموية [١٦]
ممن نقل عنهم الإثبات لصفات الله تعالى: أبو بكر بن الطيب الباقلاني -وهو أفضل المتكلمين المنتسبين للأشعري- فقد ذكر في كتبه كلاماً أثبت فيه لله تعالى الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، كاليد والوجه والعلو والاستواء، ونحوها، وممن نقل عنه ذلك: أبو المعالي الجويني -وهو من أصحاب الأشعري- فقد ذكر أن ما يدين الله به هو اتباع سلف الأمة والدليل السمعي القاطع، وإجماع الأمة، ثم ذكر بطلان التأويل وأنه ليس منهجاً للسلف ولا للأئمة.
стр. 192
قول القاضي الباقلاني في إثبات الصفات
قال المصنف ﵀: [وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم -وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده- قال في كتاب الإبانة تصنيفه:
فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟ قيل له قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فأثبت لنفسه وجهاً ويداً.
فإن قال: فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إن كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟ قلنا لا يجب هذا كما لا يجب إذا لم نعقل حياً عالماً قادراً إلا جسماً أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله وكما لا يجب في كل شيء كان قائما بذاته أن يكون جوهرا; لأنا وإياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك وكذلك الجواب لهم إن قالوا: يجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضا واعتلوا بالوجود.
وقال: فإن قال فهل تقولون إنه في كل مكان؟.
قيل له: معاذ الله بل مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] وقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها; ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان; ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله.
وقال أيضا في هذا الكتاب: صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها: هي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضا.
وقال في كتاب التمهيد كلاماً أكثر من هذا - لكن ليست النسخة حاضرة عندي - وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في مثل هذا الباب كثير لمن يطلبه وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام.
وملاك الأمر أن يهب الله للعبد حكمة وإيمانا بحيث يكون له عقل ودين حتى يفهم ويدين ثم نور الكتاب والسنة يغنيه عن كل شيء; ولكن كثيرا من الناس قد صار منتسبا إلى بعض طوائف المتكلمين ومحسنا للظن بهم دون غيرهم ومتوهما أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم; فلو أتى بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم.
ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم; فلو أنهم أخذوا بالهدى: الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرجي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى ومن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة; ثم لا يتمسك بما جاءت به من الحق: ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١] فإن اليهود قالوا لا نؤمن إلا بما أنزل علينا.
قال الله تعالى لهم ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١] أي إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم يقول لا لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون ولا لما جاءتكم به سائر الأنبياء تتبعون ولكن إنما تتبعون أهواءكم فهذا حال من لم يقبل الحق لا من طائفته ولا من غيرها مع كونه يتعصب لطائفته بلا برهان من الله ولا بيان.].
القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، له تصانيف، منها كتاب الإبانة والرسالة الحرة المعروفة بالإنصاف، ومنها -وهو من أشهر كتبه- التمهيد، وهو أخص من نظم المذهب الأشعري على طريقة كلامية تامة، لكنه من فضلاء الأشعرية، وإذا قيل من فضلاء الأشعرية فباعتبار متأخريهم، فإن الباقلاني كان يثبت الصفات الخبرية في الجملة فضلاً عن كثير من الموافقة لأهل السنة في مسائل أخرى.
ولهذا اعتبر أفضل أصحاب أبي الحسن الأشعري، حيث إن أبا الحسن الأشعري يعتبر هو أفضل أصحاب المذهب باعتبار أصحابه، ثم تأتي درجة الباقلاني ومن شاكله، فهؤلاء هم الطبقة الثانية، وهم أقرب إلى الأشعري، وإن كان الأشعري أقرب منهم إلى السنة والجماعة، ثم تأتي درجة أبي بكر بن فورك وأمثاله، فهؤلاء دون الباقلاني لكنهم أفضل من أبي المعالي وأمثاله، ثم تأتي طبقة أبي المعالي والبغدادي وأبي حامد الغزالي في الجملة، وإن كان للغزالي اختصاص بما له من التصوف، فهذه أيضاً طبقة، ثم تأتي الطبقة المتأخرة وهي طبقة أبي عبد الله الرازي وأبي الحسن الآمدي، فهؤلاء طبقة أيضاً.
وهذا الباب لا يمكن أن يكون مطرداً في الأعيان، بل تارةً يكون كذلك وتارة لا يكون، ولهذا نجد أن الآمدي في بعض المسائل أفضل من أبي المعالي، وأبو المعالي في بعض المسائل أفضل من الآمدي والرازي، والآمدي في الجملة أفضل من الرازي، فإن الرازي من أشد من ضل في هذا المذهب.
стр. 193
قول الجويني في الصفات
[وكذلك قال أبو المعالي الجويني في كتابه الرسالة النظامية].
стр. 194
تأثر الجويني بالمعتزلة وميله بالمذهب الأشعري بسبب ذلك
أبو المعالي الجويني متكلم أشعري من فقهاء الشافعية، وهو ممن مال بالمذهب الأشعري عن طريقة متقدميهم إلى الطريقة الثانية المتأثرة كثيراً بمذهب المعتزلة؛ ولهذا يقول شيخ الإسلام: إن أبا المعالي الجويني شرب كتب الجبائي -يعني: أبا هاشم الجبائي - فأثرت فيه.
ولهذا مال بالمذهب ميلاً واضحاً، سواء من جهة ما يثبت من الصفات، حيث قصر الصفات المثبتة على السبع، أو من جهة طريقة الاستدلال، أو من جهة الجزم ببعض المسائل حتى في مسائل القدر والتعليل ومسائل أخرى، فإنه استطال بهذا المذهب وتأثر بمذهب المعتزلة.
وإذا قلنا: تأثر بمذهب المعتزلة؛ فإن تأثره على طريقتين -وهذا معنىً ينبغي ملاحظته-:
الأولى: تأثر فوافق المعتزلة في بعض المسائل، كموافقته لهم في عدم ثبوت ما عدا الصفات السبع، وبخاصة نفي الصفات الخبرية.
الثانية: وهي تظهر للمتأمل في كتب الجويني كالشامل والإرشاد واللمع، وهي أنه بالغ في الرد على المعتزلة حتى انتقل إلى قول مباين لهم مباينةً شديدة، لكنه ضمن هذه المباينة تباعد عن مذهب أهل السنة، أي: أنه قصد البعد عن المعتزلة فتضمن هذا القصد عنده بعداً أيضاً عن أهل السنة، وهذا هو الذي وقع فيه أبو منصور الماتريدي الحنفي في كتابه التوحيد، فقد كان أخص مقصوده العناية بالرد على المعتزلة وبخاصة الرد على أبي القاسم البلخي الكعبي من المعتزلة، لكنه بالغ في الرد كما وقع للجويني.
وحينما نقول: بالغ في الرد؛ لا يعني أنه ظلم المعتزلة، لكنه تكلف في طريقة الرد حتى التزم مقالات تخالف حتى ما عرف في مذهب أهل السنة، بل تخالف ما عرف في مذهب الأشعري نفسه؛ ولهذا يمكن أن يقال: إن طريقة الجويني تقارب طريقة الماتريدي.
ومن هنا يتبين أن الماتريدية ليسوا كالأشاعرة، فإن الأشاعرة خير من الماتريدية وبخاصة الأشاعرة الأوائل الذين يسميهم شيخ الإسلام فضلاء الأشاعرة، ويقصد بهم: الأشعري وأئمة أصحابه.
إذاً: الماتريدي يقارب طريقة المتأخرين من الأشاعرة، مع أنه معاصر لـ أبي الحسن الأشعري، لكنه أقرب ما يكون إلى طريقة الجويني وأمثاله من متأخرة الأشاعرة، بل الجويني فيما يظهر أقرب من الماتريدي إلى الحق، فإن الماتريدي فيه نزعة فلسفية واضحة، وفيه تقصد في البعد عن مذهب السلف.
وحينما أقول: تقصد.
فليس المقصود نية، لكنه يطعن في المعروف من مذهب أهل السنة بنفس الطريقة التي كان عليها أئمة المعتزلة الكبار، كقوله: هذا مذهب النوابت والمشبهة والمجسمة ..
إلخ، وفضلاء الأشاعرة كـ أبي الحسن والقاضي أبي بكر بن الطيب لا يقاربون الماتريدي فضلاً عن بعض غلاة الماتريدية، وإن كان في الماتريدية من هو خير من أبي منصور الماتريدي، وأقرب إلى السنة والجماعة.
أما الأشاعرة فإذا كانت المقارنة بين الأشعرية المتكلمين الذين عرفوا بالعلم الكلامي واختصوا به فليس فيهم من هو خير من أبي الحسن الأشعري وأقرب منه إلى السنة والجماعة، أما إذا كانت بين الأشعرية الذين أضيفوا إلى الأشعرية وهم فقهاء أو لهم اشتغال بالحديث فهذا مقام آخر.
[اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن].
وهذه طريقة المتكلمين، وهي طريقة الجويني الأولى.
[وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب].
تقدم أنه لا يصح حمل ما وقع من أبي الحسن الأشعري في كتابه الإبانة من المجملات على أنه تصريح بالرجوع عن مفصلات الغلط، وهذه هي طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ فهو يقول: إن الأشعري يقول في الإيمان: إنه التصديق.
ثم قال في بعض المواضع: وإن كان تارةً هو وبعض فضلاء أصحابه يقولون: إنه قول وعمل وقد نص على هذا الأشعري في مقالات الإسلاميين لما ذكر قول أهل السنة فقال: ويرون أن الإيمان قول وعمل، ثم قال: وبكل ما قالوا نقول.
لكن شيخ الإسلام يقول: إن الأشعري وإن أطلق هذا الحرف عن أهل السنة ضمن مجموع كلامه إلا أنه يتأوله.
كذلك لما ذكر الجويني مذهب السلف هنا، قال: ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل -هذا حق- وإجراء الظواهر على مواردها -وهذا أيضاً حق- وتفويض معانيها إلى الرب.
فقوله: وتفويض معانيها إلى الرب مناقض للحرف الذي قبله، وهو قول الجويني أن طريقة السلف هي: إجراء الظواهر على مواردها، فكيف يقول: ويفوضون؛ والإجراء على الظاهر يستلزم الإيمان بأصل المعنى.
كذلك ما الموجب لعدم فهم المعنى حينما يقال: السلف يفوضون المعاني إلى الرب؟ هل الخطاب ليس عربياً؟
هل الخطاب من حيث هو ليس مفهوماً؟
الجواب: لا، الخطاب مفهوم، إذاً لماذا فوضوا؟
إنما قال الجويني وأمثاله من المتكلمين أن السلف فوضوا؛ لأنه هو وأمثاله يعتقدون انتفاء الصفات في نفس الأمر، أي: أنه لا يمكن أن تثبت، فبقي: هل السلف يحددون التأويل أو لا يحددونه ..
هذا محل النزاع، وهذا وهم.
إذاً: يظهر من هذا أن الجويني يتناقض.
وبهذا لا يمكن القول: إن الجويني بقوله هذا: وإجراء الظواهر على مواردها رجع إلى مذهب أهل السنة، إلا إن قصد الرجوع الانتمائي، وهذا لا يهوّن شأنه، فإنه من مقاصد العمل الكبرى، وهو قصد اتباع مذهب السلف، فلا شك أن هناك فرقاً كبيراً بين من ضل عن مذهب السلف وهو يقصد اتباعه، وبين من ضل عنه وهو يدري أنه ضل.
لكن من حيث الحقائق العلمية: الانتساب ليس هو إصابة المذهب، فلابد عند النظر في مقالات المتأخرين من التفريق بين الجهتين؛ ومن الأمثلة على هذا ما تقدم، وهو أن الأشعري من حين ترك الاعتزال إلى آخر أمره لم يتقلد إلا مذهب أهل السنة، ولم يتقلد مذهب ابن كلاب ألبتة، وليس هناك نقل واحد للأشعري في أي كتاب له يصرح فيه أنه يقول بقول عبد الله بن سعيد بن كلاب.
أما كونه متأثراً به فهذا صحيح، ولهذا نجد أن البغدادي يقول: وقال شيخنا عبد الله بن سعيد بن كلاب.
ثم يقول: وقال شيخنا أبو الحسن الأشعري.
فالأشعرية فضلاً عن الأشعري يعلمون أنهم متأثرون بـ ابن كلاب، لكن أن الأشعري التزم طريقته كانتماء مذهبي ..
فلا، أما كحقيقة علمية في مسائل الصفات فقد وافق الأشعري ابن كلاب؛ والدليل على هذا: أن الأشعري في مقالات الإسلاميين فرق بين مقالة ابن كلاب ومقالة أهل السنة والحديث، فقال: ذكر جملة قول أهل السنة والحديث، وقال: ذكر قول عبد الله بن سعيد بن قطان يعني: ابن كلاب، وذكر في موضع آخر جملة قول أصحاب عبد الله بن سعيد بن كلاب؛ فهو يفرق بين المقالتين وإن كان يتوهم -أعني: الأشعري - أن ابن كلاب يوافق أهل السنة في الجملة إلا في مسائل يسيرة.
стр. 195
رأي الجويني في اتباع السلف وطريقة الخلف
[فقال: والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقيدة: اتباع سلف الأمة والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الأمة وهو حجة متبعة وهو مستند معظم الشريعة.
وقد درج صحب رسول الله على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام والمستقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها - فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما: لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل: كان ذلك هو الوجه المتبع فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى; فليجر آية الاستواء والمجيء.
وقوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه].
هذا ثناء عام على مذهب الصحابة، لكن غلط الجويني ليس من هذا الوجه؛ فإن ثناءه على مذهب الصحابة والسلف حق على ظاهره، لكن خطأه من قوله: إن السلف والصحابة -وهم أئمة السلف- درجوا على ترك التعرض لمعانيها، أي: أنهم كانوا مفوضة، فهذا القول غلط، فإنه لم يكن عليه أحد لا من الصحابة ولا من أئمة السلف.
ومن هنا يتبين أن أشد أسباب الوهم عند جمهور متكلمة الصفاتية، وطوائف من فقهاء المذاهب الأربعة -حتى من الحنابلة- وبعض الصوفية، وبعض المشتغلين بشروح الأحاديث من الحفاظ المتأخرين: أنهم ظنوا أن باب الصفات لا يصح فيه إلا القول بالتأويل، وفي الجملة يعلمون أن ذلك لا يصار إليه باطراد لاختصاص المعتزلة بالاطراد فيه، فربما تأول متكلمة الصفاتية بعض المسائل دون بعض، أو القول فيما لا يمكن إثباته على التفصيل؛ ويجعلونه مذهب السلف، مع أن مذهب السلف ليس هذا ولا هذا.
ففي الرسالة النظامية رجع الجويني عن كثير من جزمه الأول وطريقة التأويل التي تقلدها، لكنه وإن انتسب لأهل السنة إلا أنه لم يحقق مذهبهم في الصفات، ولهذا نقول: إن الجويني رجع إلى التفويض.
أما في القدر فقد ذم الجويني في رسالته النظامية مذهب أصحابه الأشاعرة، والذي كان يقرره في كتبه الأولى، وهو أن للعبد قدرة مسلوبة التأثير، وترك ما كان يعتقده قبل في الشامل والإرشاد، وطعن على المذهب طعناً شديداً.
ثم قصد إلى مذهب يظنه مذهب أهل السنة، فقال بمسائل مفصلة في القدر.
وهذا الرجوع من الجويني ظاهر وجيد، لكن هل أصاب الجويني في مسألة أفعال العباد ومشيئتهم، وما يتعلق بمشيئة الله لأفعال العباد ..
إلخ قول أهل السنة المحض أم لا؟
نقول: أما في مسألة القدر -وبخاصة في مسألة أفعال العباد في الرسالة النظامية - فقد أصاب كثيراً من قول السلف الذي يخالف الأشاعرة، لكنه بقي عليه أثر من مذهبه في تفاصيل بعض المسائل التي تبنى على مسألة أفعال العباد، ودخل عليه أثر من كلام المعتزلة في هذه المسألة، وأثر من كلام المتفلسفة؛ ولهذا يمكن أن نقول: إن مادة الجويني في مسألة أفعال العباد في الرسالة النظامية متأثرة بمادة سنية، ومادة اعتزالية، ومادة أصحابه الأشعرية، ومادة فلسفية.
أما المادة الفلسفية فليست غرواً، فقد صرح بها حتى بعض الأشاعرة، فقالوا: إنه مال إلى طريقة الحكماء في آخر أمره.
يعنون: طريقة المتفلسفة، وحينما نقول: إن فيه مادة فلسفية؛ لا نقوله تبعاً للشهرستاني وأمثاله الذين وصفوه بهذا الوصف؛ فقد بالغ الشهرستاني في وصف مذهب الجويني الأخير بأنه موافق للحكماء، مع أنه لم يكن بنفس الدرجة التي وصفه بها.
وكذلك يقال فيما ذكره الرازي عندما أضاف الجويني إلى طريقة الحكماء، وهذا إنما يتحصل بالنظر في كلام الجويني ومعرفة ما يقرره الفلاسفة في هذا الباب: باب الأسباب والتسلسل في التأثيرات، ونزول الأعلى إلى الأسفل ..
وهلم جرا، أصابه أثر من هذا واضح، وإن كان ظاهر جمله الأساسية في تقريره للقدر في الرسالة النظامية سنياً، لكن من حيث الحقائق العلمية: فإن بعض الحقيقة سنية، وبعضها اعتزالية، وبعضها أثر من المتفلسفة، وبعضها بقية بقيت من مذهبه الأول.
стр. 196
تعليق للمصنف على ما تقدم نقله من نقولات
[قلت: وليعلم السائل أن الغرض من هذا الجواب: ذكر ألفاظ بعض الأئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب، وليس كل من ذكرنا شيئاً من قوله من المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره، ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به، فكان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه الذي رواه أبو داود في سننه: اقبلوا الحق من كل من جاء به وإن كان كافراً -أو قال: فاجراً- واحذروا زيغة الحكيم.
قالوا: وكيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نوراً.
أو قال كلاماً هذا معناه.].
هذا البيان -بيان المصنف- هو تعليق مجمل على نقولاته، مبيناً فيه أنه ليس كل من نقل عنه من المتكلمين وغيرهم -كالصوفية وبعض الفقهاء- يعتبر موافقاً له في سائر ما قاله، أو أن هؤلاء الذين نقل عنهم يوافقون أئمة السلف في سائر الموارد، وإنما من باب أن الحق يؤخذ من كل من جاء به.
والحقيقة: أن المصنف هنا لم يكن غرضه أن بعض كلام هؤلاء فيه من معاني الحق أو تقريره ما لم يقع ذكره في كلام السلف، إنما قصد إلى هذه النقولات عن بعض أعيان المتكلمين من جهة إقامة الحجة على أتباعهم أو من يوافقهم من أصحابهم الذين غلطوا عليهم وعلى السلف سواءً بسواء؛ والغالب أنه يقصد به المتأخرون من الأشاعرة، ولهذا نقل عن الأشعري والقاضي أبي بكر بن الطيب.
وقد تقدم أنه لا يمكن أن تختص طائفة من الطوائف بشيء من الحق لا يقع ذكره في كلام السلف، وقول المصنف: ولو إن كان الحق يقبل من كل من جاء به ..
هذا لا إشكال فيه، لكن يفهم على وجهه وهو: أنه لا يمكن لطائفة من الطوائف المخالفة للسلف أن تختص بشيء من الحق في باب الدلائل أو باب المسائل.
وإذا قيل: اختصاص؛ أي أنهم يختصون بتحقيقه والعلم به وتقريره؛ ولهذا يقول المصنف ﵀ مبيناً حقيقة العقلية الصحيحة التي تقع في كلام المتكلمين في بعض الموارد: والفاضل من أدلتهم التي يذكرونها ترى أن الكتاب والسنة جاء به على أتم وجه.
فيكون أصله مأخوذاً من أدلة الكتاب وأدلة السنة، أو يقع في كلام السلف ﵏ ما هو من جنسه.
إذاً: هم لا يختصون بشيء من الدلائل أو المسائل.
[فأما تقرير ذلك بالدليل، وإماطة من يعرض من الشبه، وتحقيق الأمر على وجه يخلص إلى القلب ما يبرده من اليقين، ويقف على مواقف آراء العباد في هذه المهامه فما تتسع له هذه الفتوى، وقد كتبت شيئاً من ذلك قبل هذا، وخاطبت ببعض ذلك بعض من يجالسنا، وربما أكتب إن شاء الله في ذلك ما يحصل به المقصود.
وجماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منها كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه، وقصد اتباع الحق، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته].
ولهذا كان العذر في هذا الباب إنما يختص بمن حقق قصد الاتباع والاجتهاد، فهذا إذا أخطأ كان خطأه مغفوراً له، لكن لا بد من اجتماع هذه الشروط، وهو: أن يكون قاصداً الحق مجتهداً في طلبه.
وهي القاعدة التي سبق ذكرها في كلام المصنف: أن كل من أراد الحق واجتهد في طلبه من جهة الرسول فأخطأه فإن خطأه مغفور له.
стр. 197
شرح الحموية [١٧]
دلائل الكتاب والسنة في إثبات الصفات دلائل محكمة، ليس بينها تناقض ولا اضطراب، وهي كذلك لا تناقض الدلائل العقلية، فإن النصوص التي تثبت أن الله تعالى فوق عرشه لا تناقض بينها وبين النصوص التي تثبت أن الله تعالى معنا .. ونحو ذلك من الآيات والأحاديث التي تثبت الصفات لله تعالى.
стр. 198
كمال الهدى والعلم في الكتاب والسنة
قال المصنف ﵀: [ولا يحسب الحاسب أن شيئاً من ذلك يناقض بعضه بعضاً البتة].
стр. 199
دعوى التناقض بين دلائل الكتاب والسنة وبين دلائل العقل دعوى كاذبة
يقرر المصنف هنا أن في الكتاب والسنة كمال العلم والهدى، في هذا الباب وغيره، في دلائله ومسائله، فقوله: ولا يحسب الحاسب أن شيئاً من ذلك أي: من دلائل الكتاب والسنة، يناقض بعضه بعضاً ألبتة أي: يخالف شيئاً آخر من الدلائل نفسها، بل ولا يحسب الحاسب أن شيئاً من دلائل الكتاب والسنة يخالف دلائل العقل؛ إلا إذا قصد بالدلائل العقلية الدلائل الفاسدة التي سماها أصحابها عقليات، فهذا لا يتناهى، فإن الخطأ في العقل مشهور في بني آدم.
أما إذا قصد الدلائل العقلية الصحيحة فإنه لا يقع في شيء من هذه الدلائل معارضة لدلائل الكتاب والسنة؛ لأنه من المتحقق أن دلائل الكتاب والسنة دلائل صحيحة، ومن المعلوم أن الحق لا يعارض الحق، فعلم بهذا: أن القرآن والسنة ليس بينهما شيء من التعارض في أدلتهما، فليس هناك دليل قرآني يعارض دليلاً آخر، ولا دليل من السنة يعارض دليلاً آخر، ولا دليل من القرآن يعارض دليلاً من السنة ..
وهلم جرا.
стр. 200
بيان وجه بطلان تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد
فيما يتعلق بأدلة القرآن فإن المنازعين في الجملة ينتهون فيها إلى التأويل، وأما دلائل السنة فإن من الطرق التي شاعت عند المتكلمين هو عدم قبول الخبر من أصله باعتبار أنه آحاد.
وهذه بدعة حدثت في المسلمين بكلام المتكلمين وأمثالهم ومن وافقهم من متأخري الفقهاء وبعض من تكلم في المصطلح فضلاً عن أهل أصول الفقه، بل إن هذا التقسيم بهذا الحد هو تقسيم مبتدع، أما تقسيم الأحاديث النبوية إلى متواتر وآحاد من جهته فليس فيه إشكال.
إذاً: الإشكال هو في الحد، فإنه إذا قيل في حد المتواتر: هو ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس، والآحاد ما دون ذلك ..
فهذا حد مبتدع؛ لأنه تكلف في ثبوت سنة النبي ﷺ ؛ ولهذا ليس لهذا الحد مثال في جمهور السنة، بل كما قال بعض متأخري أهل الحديث: أنه لم يقع له حديث يصل إلى هذا الحد، الذي هو حد المتواتر!
ثم نقول: ما هي ثمرة هذا التقسيم؟
إن كان يُقصد به ضبط مسائل الإسناد فإننا نرى أن أئمة السنة وأئمة الحديث الأوائل لم يستعملوه، ولكن ترى أنه يذكر لمقصد واحد، وهي مسألة الدلالة، وليس لمسألة ثبوت الحديث، ولهذا اتفق أهل الحديث على ثبوت بعض الأحاديث التي هي آحاد، بل على ثبوت بعض الأحاديث التي هي غريبة، فإنه لم ينقل عن إمام من أئمة السنة أنه طعن في حديث عمر: (إنما الأعمال بالنيات) مع أنه غريب.
إذاً هذا الحد ليس له ثمرة من جهة الثبوت، يعني ليس المقصود من وضعه مسألة الثبوت؛ فإن من أكثر الكلام فيه وهم أئمة الكلام أصلاً ليس لهم اختصاص بمعرفة الثابت وغير الثابت من النصوص.
حيث إن أئمة المتكلمين ليسوا من أهل العلم بمسائل الإسناد والرواية والرجال والاتصال والانقطاع والتواتر وعدمه، وإنما قرروا هذا الحد في مسألة الدلالة، وعنه رتبوا مسألة الدلالة القطعية والدلالة الظنية، وعنه قالوا: إن ما يتعلق بالاعتقاد لا يقبل فيه إلا المتواتر.
وبهذه الطريقة منعوا قبول جمهور ما جاء في السنة النبوية في مسائل الاعتقاد، فهذا حد متكلف مبتدع، فإن النبي ﷺ كان يبعث الواحد من أصحابه بأصول الدين إلى قوم من أصناف المشركين، كما بعث دحية بن خليفة الكلبي بكتاب إلى هرقل، فترى أن الذي قابل هرقل الكتاب، والكتاب نقله واحد، وهو الذي حمله دحية بن خليفة الكلبي.
إذاً: الحجة كانت تقوم شرعاً في هدي النبي ﷺ بواحد ثقة؛ مما يدل على أن هذا الحد متكلف ومبتدع، فإنه لو كان لا يقبل في الاعتقاد إلا المتواتر لما كانت الحجة قامت على أهل اليمن ببعث معاذ إليهم ..
وهلم جرا في الأقوام الذين بعث إليهم النبي ﷺ واحداً من أصحابه.
ثم إنه ليس في دلائل الشرع ولا دلائل العقل أن الآحاد لا يقبل في الاعتقاد بحسب الحد الذي حدوه في الآحاد، وهو: أنه كل ما قابل المتواتر، بل على هذا الحد: جمهور السنة لا يقبل في العقيدة، بل على طريقة بعض أهل العلم الذي يقول: إنه لم يصلنا شيء من المتواتر اللفظي بحسب الحد الذي شاع عند المتأخرين.
إذاً: كأنه يقال: إن السنة لا تقبل في العقيدة!
ولهذا كان الاعتبار في القبول عند الأئمة ﵏: بمسألة الصحة ومسألة تلقي الأمة له بالقبول، ولهذا كان حديث: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) مجمع على ثبوته باتصال سنده وصحته، ومن جهة أخرى بتلقي أئمة السلف له بالقبول وإنكارهم على من تأوله أو طعن فيه.
وكما أسلفت أنه ليس في دلائل الشرع ولا دلائل العقل دليل على هذا الحد، وحتى اللغة لا تفيده، فإن المتواتر هو ما شاع وتتابع، والتتابع هنا قد يكون تتابعاً في الرواية أو تتابعاً في القبول والعمل ..
إلخ.
وأما الاستدلال بمثل ما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: (لما صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي -كما يذكره بعض المتكلمين، وهذا جهل بحقيقة حدهم هم- فانحرف من ركعتين، فقال له ذو اليدين: يا رسول الله! قصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم أنس ولم تقصر، ثم التفت إلى الناس فقال: ما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: صدق يا رسول الله
إلخ) وفي رواية: (قالوا: صدق يا رسول الله! لم تصل إلا ركعتين) فمن يقول: إن خبر الواحد لا يحتج به مستدلاً أن النبي ﵌ لم يعمل بخبر ذي اليدين لأنه واحد ..
يقال له: هذا ليس صحيحاً؛ لأنه على حدهم حتى مع خبر أبي بكر وعمر يبقى الأمر داخل دائرة الآحاد، لأنه بعد ما روى جماعة عن جماعة ..
وإنما هذا يفيد ما قرره كثير من الفقهاء من الحنابلة وغيرهم: أن الإمام إذا كان عنده يقين في نفسه فإنه لا يرجع إلى قول واحد في الصلاة ولو كان ثقةً ..
وهذا قول قوي، واستدلالهم بحديث أبي هريرة استدلال مناسب.
[مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤].
هذه المسألة أخص المسائل التي استدل بها المتأخرون على أن السلف يستعملون التأويل، فقالوا: لأنهم أثبتوا مسألة العلو والاستواء على العرش مع إثباتهم لمسألة المعية، وقالوا في المعية: إن الله معنا بعلمه في المعية العامة، أو مع أوليائه بنصره وتأييده في المعية الخاصة.
قالوا: فهذا من باب التأويل في المعية.
стр. 201
الكلام على لفظ: (حقيقة)
[وقوله ﷺ : (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه) ونحو ذلك، فإن هذا غلط؛ وذلك أن الله معنا حقيقةً، وهو فوق العرش حقيقةً كما جمع الله بينهما في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الحديد:٤].
لفظة حقيقة هذه لم ترد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة، وإنما وقعت في كلام أهل السنة والجماعة كثيراً لما شاع من يطلق ظواهر الألفاظ ويقول: إنها من باب المجاز.
فقوله: معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة نفي لمجاز المعية ونفي لمجاز العلو، أي: أن المعية والعلو كليهما مقول بالحقيقة، وهما صفتان تليقان بذات الله على معناهما اللائق به؛ ولهذا فرق بين قولك: إن الله معنا حقيقة، وبين ما قد يُطلق فيقول: إن الله معنا بذاته؛ فالمعية الذاتية لم يطلقها أحد من السلف ولا من أهل السنة الكبار كـ شيخ الإسلام وأمثاله، إنما الذي وقع في كلام شيخ الإسلام وبعض علماء السنة أن الله معنا حقيقة، وكلمة حقيقة نفي لطريقة كثير من أهل الكلام أن المعية معية مجازية، فمن هذا الوجه كان هذا الحرف مناسباً.
стр. 202
إثبات صفة المعية لا يستلزم الحلول والمقارنة الذاتية
[﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] فأخبره أنه فوق العرش يعلم كل شيء، فهو معنا أينما كنا كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال: (والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه).
محل الإشكال بين صفة العلو وصفة المعية: أن طائفةً ظنوا أن المعية تستلزم الحلول والمقارنة الذاتية، ومن هنا ظن من ظن من المتكلمين وأتباعهم أنه وقع في كلام السلف شيء من التأويل في صفة المعية، ومن هنا انغلق الجواب عن هذا المقام في كلام كثير، حتى قال من قال منهم: إن المعية مقولة بالمجاز وليست مقولة بالحقيقة.
والصحيح أن مذهب السلف ﵏.
وهو الذي عليه الكبار من أهل السنة والجماعة -أن هذه الصفة مقولة بالحقيقة، وأنها لا تستلزم الحلول والمقارنة الذاتية.
وننبه هنا إلى ضرورة التفريق بين مقامين لمعرفة معنى أي كلمة:
الأول: مقام الإفراد.
الثاني: مقام السياق.
أي: بين اللفظ المفرد وبين اللفظ المركب في سياق معين -أي: مركب مع ألفاظ أخرى-.
فأنت إذا أخذت كلمة مع فهي لفظ مثبت، ومدلول المعية هو المصاحبة والمقارنة، لكن هذه المصاحبة والمقارنة لم تضف ولم تخصص؛ لأن التفسير الآن للفظ المجرد عن الإضافة والتخصيص والتركيب اللفظي.
إما إذا وقعت في سياق فقيل: زيد مع عمر، فهذا السياق يكون بحسبه، قد تكون المعية مصاحبةً ذاتية، وقد تكون مصاحبةً علمية، وقد تكون مصاحبة بالنصر والتأييد، وقد تكون مصاحبة بالنسب ..
وهلم جرا.
فهي مصاحبة لكن المصاحبة متعددة؛ ولهذا إذا قيل: قال السلطان: أنا مع الرعية.
فهذا سياق عربي صحيح، ولا يفهم من ذلك ولا يقع في خلد أحد من عقلاء بني آدم أنه معهم بذاته، ولا أنه معهم حتى بعلمه، وإنما أنه معهم بعنايته ونصره ودفاعه عنهم ..
إلخ.
إذاً: المصاحبة ليست هي المصاحبة الذاتية فقط.
فمن تحقق له هذا المعنى زال عنه الإشكال في مسألة المعية زوالاً تاماً: أنه فرق بين اللفظ المجرداً واللفظ المركب في السياق.
فهل هذه المصاحبة مصاحبة ذاتية أو علمية أو مصاحبة نصر وتأييد ..
إلخ؟
يقال: هذا بحسب السياق، فلما جاءت المعية مضافةً إلى الله امتنع أن تكون معيةً ذاتية حلولية؛ لأن الله بائن عن خلقه؛ ولأن هذا المعنى نقص محض.
إذاً فسر السياق القرآني الذي جاء في ذكر المعية بحسب المعنى المناسب له في سياق العرب وكلامهم، ومن قال: إن هذا من باب التأويل أو أن السلف تأولوا المعية ..
فهذا مبني على أن المعية تستلزم الحلول والذاتية، وهذا إثباته دونه خرط القتاد لغة وشرعاً وعقلاً، فإنه لا يوجد في لسان العرب ولا في الشرع ولا في العقل أن المعية إذا أطلقت لزم منها الحلول والمصاحبة الذاتية.
فإذا كان هذا ليس لازماً بين المخلوقات أنفسها فبين الخالق والمخلوق من باب أولى؛ ولهذا يمتنع أن يقال: ظاهر نصوص المعية أن الله معنا بذاته ولكنا نأولها إلى المعنى اللائق به، بل يقال: ظاهرها أن الله معنا بعلمه أو معنا بنصره وتأييده؛ وليس في ظاهر القرآن ما هو من الباطل الذي يصار إلى نفيه؛ فإن القرآن ظاهره الحق ولا شك، وليس له باطن يخالف الظاهر.
وهذا التقسيم -الظاهر والباطن- في نصوص الصفات تقسيم شائع عند طائفة من المتكلمين، لكنهم لا يقابلون الظاهر بالباطن، وإنما يقابلون الظاهر بالمجاز أو نحوه، فلما جاء الباطنية أطلقوا الظاهر والباطن، وجعلوا ما يقابل الظاهر وهو الباطن؛ ولهذا هو ليس من الاصطلاحات الفاضلة.
стр. 203
معنى كلمة (مع) في اللغة
[وذلك أن كلمة مع في اللغة إذا أطلقت].
إذا أطلقت: أي جردت عن الإضافة والتخصيص فقيل: مع أو: المعية ..
فمعنى هذه الكلمة مطلق المصاحبة والمقارنة.
[فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال].
من غير وجوب يعني: من غير لزوم، وإن كانت المعية تارة يقصد بها: المقارنة الذاتية، كما إذا قيل: عقلي معي.
فهو مقارن لك مقارنة ذاتية حلولية، فقول المصنف هنا: من غير وجوب.
أي: هو نفي للوجوب، ولا يعني نفي الوجوب نفي الإمكان.
[فإذا قيدت بمعنىً من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى].
أي: أنه إذا كانت مجردة ثم أدخلت في سياق، فإن السياق هو الذي يدل على معنى المصاحبة والمقارنة التي تدل عليها المعية، سواء كانت مصاحبة علمية، أو مصاحبة ذاتية، أو مصاحبة نصر وتأييد
أو نحو ذلك؛ ففي المعية العلمية لا بأس أن يقال: معنا بعلمه.
أي أنها مصاحبة علم من حيث التفسير، وإن كان الملتزم هو اللفظ القرآني؛ لأن عندنا قاعدة: أنه لا ينتقل إلى لفظ مرادف ليس فيه غرض إلا المرادفة، ويترك اللفظ الذي عبر به في النص، فخير من قولك: مصاحبة علمية، أن تقول: معية علمية؛ لأن لفظ المعية هو اللفظ الشرعي.
[فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو النجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي].
ما زلنا نسير والقمر معنا هذه معية ومصاحبة إبصار، فالعرب تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا ..
فهل لزم من تلك المعية الحلول والذاتية بينهم وبين القمر؟ الجواب: لا، فهل القضية قضية مصاحبة علمية فهم يعلمون القمر والقمر يعلمهم؟ الجواب: لا، إنما المقصود معية الإبصار، فإذا وقع ذلك بين المخلوقات أنفسها ولم يلزم من ذلك الحلول والذاتية ولم يحتج الكلام إلى التأويل فمن باب أولى إذا كان في كلام الله المضاف إلى نفسه.
أي: أننا في قول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا لم نحتج فيه إلى التأويل، فإنه لا أحد يقول: إن ظاهره أن القمر مع العرب، أي: بين يديهم ومعهم حال فيهم، وأن هذا هو المعنى الظاهر، وهو الحقيقة، وأن المجاز أنهم يبصرونه.
وهذا يدل على أن لفظ المعية ليس له علاقة بمسألة المجاز بوجه من الوجوه.
[ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك؛ وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة].
أي: أنه لا تعارض بين المعنيين، ولو قيل: إن المعية هي الحلول والذاتية؛ قيل: هذا التحصيل حكم لا بد له من موجب، وهذا الموجب إما أن يكون اللغة أو العقل أو الشرع، والعقل والشرع لا يدلان عليه، واللغة كذلك عند التحقيق، فإن العرب تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا.
وهذا بدهي لا يحتاج إلى تأويل.
стр. 204
اختلاف المعية بحسب مواردها
[ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [الحديد:٤].
إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته].
وهذا معنى قول السلف أنه معهم بعلمه؛ لأن هذا هو المناسب للسياق؛ ولهذا ابتدئت الآية بالعلم وختمت بالعلم، فهو معهم بعلمه.
وترى أن لفظ المعية هنا له إفادة خاصة، فالله مع خلقه مطلع عليهم، شهيد عليهم، مهيمن عليهم.
[وكذلك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: (لا تحزن إن الله معنا) كان هذا أيضاً حقاً على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد].
أي: ليست معيةً علمية محضة، بل هي معية علمية ومعية نصر وتأييد؛ ولهذا كل معية خاصة تتضمن المعية العامة وزيادة: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] أي: معنا بعلمه ونصره وتأييده؛ ولهذا كانت مختصة بالنبي ﷺ وأبي بكر، ولم تقع للمشركين، ولو كانت المعية معية علمية لكانت متحققة حتى مع المشركين.
وقوله: ودلت الحال أي: دل السياق والمورد.
[وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
وهذه تفارق المعية العامة، لأنها خصت بالمؤمنين، فدل على أن لها اختصاصاً بهم.
[وكذلك قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].
هذه معية خاصة؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ففي صفة السمع والبصر أطلق ولم يضف، أما في المعية فقال: معكما وذلك لأن السمع والرؤية كما أنه يدخل فيهما موسى وهارون كذلك يدخل فيهما فرعون ومن معه، لكن في المعية لا يدخل فرعون ومن معه، لأن هذه المعية هي معية النصر والتأييد، فتفصيل السياق القرآني يدل على هذا: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ولم يقل سبحانه: أسمعكما وأراكما، بل قال: أسمع وأرى ليشمل هذا ما يقع من فرعون ومن معه كما يقع من موسى وهارون.
стр. 205
الفرق بين التصور والفرض العقلي
[هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن: النصر والتأييد.
وقد يدخل على صبي من يخيفه فيبكي فيشرف عليه أبوه من فوق السقف فيقول: لا تخف، أنا معك، أو أنا هنا، أو أنا حاضر
ونحو ذلك، ينبهه على المعية الموجودة بحكم الحال دفع المكروه، ففرقٌ بين معنى المعية وبين مقتضاها].
هذا محصل الجواب في مسألة المعية: أنه كل من تحقق له الفرق بين معنى المعية ومقتضاها فإنه يزول عنه الإشكال، وأن الإشكال فرع عن التسوية بين معنى المعية وبين مقتضاها، فإن المعنى الكلي للفظة المعية في حال التجريد والقطع عن السياق والإضافة هو مطلق المصاحبة والمقارنة.
ومقتضاها: هو مدلولها بحسب السياق، فلكل سياق ما يناسبه، فمن قال: إن المعية هي الحلول والذاتية.
قيل: يلزمك أن كل سياق في كلام العرب ورد فيه حرف مع فإنه يحمل على حلول الذات، وهذا لا يلتزمه عاقل، أو على أقل تقدير أنه يلزم منه أن كل سياق جاء في كلام العرب، واستعمل فيه لفظ مع فإنه يدل بظاهره على الحلول والذاتية ويحتاج إلى تأويل ..
وهذا لا يلتزمه أحد؛ لأنه ليس هذا هو ظاهر الكلام في جمهور موارد المعية، فإن الناس لا يفهمون من قول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا؛ إلا معنىً واحداً، وهو أنهم يبصرون القمر، وإذا فرض في العقل معنىً آخر تبين بالعقل أنه معنىً ممتنع يفرضه العقل ولا يتصوره، ومعلوم أن العقل يفرض المحال، لكنه لا يتصور المحال، والعبرة ليست بفرض العقل وإنما العبرة بتصوره.
وهذه أيضاً قضية عقلية مهمة وهي: التفريق بين فرض العقل وبين تصوره.
فمن قال: إن هذا الشيء ثبت بالعقل؛ لأنه كذا ..
نقول: هذا فرض عقلي، والشيء لا يكون له أثر إلا إذا تصوره العقل تصوراً صحيحاً، أما إذا فرضه العقل فإن العقل يفرض المحال، ودرجة الفرض في العقل سابقة على درجة التصور، حيث إن الفرض هو المبدأ الأول، فالعقل يفرض الشيء أحياناً ثم يدخل دائرة التصور فلا يقبل التصور؛ فيكون محالاً في العقل.
إذاً: فرق بين الفرض العقلي وبين التصور العقلي؛ ولهذا يقولون: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وليس عن فرضه.
والتصور: هو الدرجة الثانية بعد الفرض، وهو دخول المفروض محل القبول العقلي.
أي: كأن الفرض بمنزلة السؤال على العقل والتصور بمنزلة الجواب ونحن نعلم أنه ليس كل سؤال يمكن جوابه، فكذلك هنا.
стр. 206
لفظ المعية بين الاشتراك اللفظي والتواطؤ
[وربما صار مقتضاها من معناها فيختلف باختلاف المواضع.
فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع، يقتضي في كل موضع أموراً لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها -وإن امتاز كل موضع بخاصية- فعلى التقدير ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها].
وكأنه يمكن أن ينتهى إلى نتيجة، وهي: أن لفظ المعية إما أن يكون مقولاً بالاشتراك اللفظي أو مقولاً بالتواطؤ، فإن كان مقولاً بالاشتراك اللفظي فلكل سياق ما يناسبه، وهذا يزيد المسألة تباعداً ولا يوجب التلازم في حكم المعية.
وإن كان مقولاً بالتواطؤ قيل: التواطؤ يقع بقدر واحد كلي، وإنما أوجب ذلك اختلاف السياقات.
فسواء فرضت أن اللفظ مقول بالتواطؤ أو مقول بالاشتراك اللفظي فإنه في كلا الحالين لا يستلزم في سائر موارده الحلول والذاتية.
стр. 207
الأشاعرة جبرية في القدر
[ونظيرها من بعض الوجوه: الربوبية والعبودية، فإنهما وإن اشتركا في أصل الربوبية والعبودية، فلما قال: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢] كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق، فإن من أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره، فقد ربه ورباه ربوبيةً وتربيةً أكمل من غيره، وكذلك قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ [الإنسان:٦] و ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء:١] فإن العبد تارةً يعنى به المعبد].
أي: أن العبودية في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم:٩٣] عبودية عامة، لكن العبودية المضافة إلى الله في مثل قوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٦] وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] لها اختصاص، مع أن ثمة اشتراكاً في أصل العبودية، وهي أنهم طوع لأمر ربهم من جهة أنهم لا يخرجون عن أمره الكوني، ولا يخرجون عن قدره، فإن العباد إنما يمضون بقدر الله، وهو الخالق لأفعالهم المقدر لها.
ولهذا كان أقوى طريق اعترض به الأشعرية على المعتزلة في قولهم: إن الله لم يخلق أفعال العباد: أن هذا من باب النقص في الربوبية ..
وهذا اعتراض صحيح من الأشاعرة، وإن كان الأشاعرة لما تركوا قول المعتزلة في القدر وأبطلوه اتخذوا مذهباً -في الجملة- من جنس مذهب جهم بن صفوان، وإن كانوا من جهة الأحرف والألفاظ يوافقون أهل السنة في الجملة، فقالوا: إن للعبد إرادة وقدرة، ولكنها مسلوبة التأثير.
ولهذا صرح بعض أئمة الأشعرية أن قولهم جبر، حتى قال الرازي: العبد عندنا مجبور في صورة مختار.
وقال الشهرستاني: والجبر نوعان: جبر غال، هو جبر جهم بن صفوان، وجبر متوسط، وهو الذي سلكه أئمة أصحابنا.
وقال الرازي أيضاً: إن العباد ليس لهم في هذا المقام إلا أحد قولين: إما الجبر وإما القدر.
أي: نفي القدر، والقول بأن العبد يخلق فعل نفسه ..
ولا شك أن الأمر ليس كذلك، فإن القول الذي عند سائر الأنبياء والرسل وفي دين محمد ﷺ على أتم وجه هو أن العبد ليس مجبوراً وليس مستقلاً بفعله، بل الخالق سبحانه للعبد ولأفعاله.
وفرق بين قولك: إن الله هو الخالق لأفعال العباد، وبين قولك: إن الله هو الفاعل لأفعال العباد، فالفاعل حقيقةً هو العبد؛ ولهذا وصف في القرآن بالأفعال، سواء أفعال الطاعات أو أفعال المعاصي، ووصف العباد بأنهم يعصون ويكفرون ويفسقون، وبأنهم يطيعون ويصلون ويصومون ..
إلخ، فأضيفت الأفعال من الطاعات والمعاصي إلى العباد، فالعبد هو الفاعل لفعله حقيقة وليس مجازاً كما قال الأشعرية، والله هو الخالق للعبد ولفعله، وخلقه تارةً يقع بمحض أمره وتارة يقع بتوسط السبب المخلوق من جهته سبحانه.
وقد رويت في كتب العقائد والتراجم كثير من القصص التي وقعت بين المعتزلة والأشاعرة حول مسألة القدر، منها: أن الأستاذ أبا إسحاق الاسفرائيني، وهو من علماء الأشاعرة وأساتذتهم الكبار، كان مقرباً من الصاحب بن عباد، الذي كان معتزلياً، وكان بينهما ندامة وصحبة وصداقة؛ ولهذا كانوا يتنادرون في مذهب كل منهم في مسألة القدر، وفي يوم من الأيام كان الصاحب بن عباد في حديقة منزله ومعه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني، فقطع الصاحب بن عباد ثمرةً من إحدى الشجر يريد التندر بعقيدة الأشعرية، فقال لـ أبي إسحاق: يا أبا إسحاق! من قطع الثمرة؟ -لأن الأشعرية يقولون: العبد له قدرة مسلوبة التأثير، وهو يريد أن يثبت له أنه ليس كذلك- فقال: الذي يستطيع أن يعيدها.
أي: الذي يستطيع أن يعيد هذه الثمرة إلى شجرتها، أي: أنت قطعتها لكن لا تستطيع أن ترجعها إلى محلها؛ لأن المعتزلة يقولون: إن القادر هو القادر على الضدين، أي: من يستطيع أن يرفع ويستطيع أن يخفض، يقطع ويعيد، فلما قال له: من قطعها؟ قال: الذي يستطيع أن يعيدها.
ومما وقع بينهما أيضاً أن الصاحب بن عباد كان على مائدته يأكل ومعه الأستاذ الاسفرائيني، فتقصد الصاحب بن عباد شيئاً بجانب الاسفرائيني من الطعام فأخذه، فقال: يا أستاذ! من الذي أكل؟ ففي هذه الأثناء شرق بأكله -أي: غص بأكله- فقال له الاسفرائيني: من الذي غص؟
أي: إن كنت قصدت هذا فأنت أحمق، أي: كيف تقصد إلى شيء قد يقع بسببه موتك؟
وقد دخل القاضي عبد الجبار بن أحمد عليهما يوماً فسلم ثم قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء!
وهو يقصد ذم مذهب الاسفرائيني الذي يقول: إن العبد ليس له أثر في فعله.
أي: إذا جعلتم العبد ليس له أثر في الفعل فالفاعل إذاً هو الله، والله منزه عن الفحشاء التي طائفة من العباد يفعلونها، فقال الاسفرائيني مباشرة: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء! أي: وأنتم قلتم: العبد يخلق فعل نفسه، فصار في ملك الله ما لا يشاء.
стр. 208
الاشتراك أو التواطؤ في اللفظ لا يستلزم التطابق في المعنى في سائر السياقات
[فإن العبد تارة يعنى به المعبد فيعم الخلق كما في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم:٩٣] وتارةً يعنى به العابد فيخص ثم يختلفون، فمن كان أعبد علماً وحالاً كانت عبوديته أكمل، فكانت الإضافة في حقه أكمل، مع أنها حقيقة في جميع المواضع].
مقصود المصنف من هذه الأمثلة: أن الاشتراك أو التواطؤ في اللفظ بقدر لا يستلزم التطابق في المعنى في سائر السياقات، وهذا ما سماه البعض الألفاظ المشككة، وهو ما يكون متواطئاً بقدر ولكنه يكون في بعض المعاني والسياقات أحق، كما تقول: بياض الثلج وبياض الفرس، فنسبة البياض في الثلج ليست كبياض الفرس.
فاللفظ في الموردين لفظ مشكك، هكذا يقولون من جهة أنه في الثلج أتم ثبوتاً، وقد رجح المصنف أن حقيقة المشكك نوع من المتواطئ.
[فمثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس مشكِكةً، لتشكك المستمع فيها هل هي من قبيل الأسماء المتواطئة أو من قبيل المشتركة في اللفظ فقط، والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة، إذ واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدر المشترك، وإن كانت نوعاً مختصاً من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ.
ومن علم أن المعية تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات كإضافة الربوبية مثلاً، وأن الاستواء على الشيء ليس إلا للعرش، وأن الله يوصف بالعلو والفوقية الحقيقية، لا يوصف بالسفول ولا بالتحتية قط لا حقيقةً ولا مجازاً؛ علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف].
أي: أن القرآن على ما هو عليه من غير تأويل في مسألة العلو ومسألة المعية، وقد تقدم أن الفاضل في المناظرة أنه إذا كان النافي ينفي شيئاً من الصفات ألا يسلم له أن يستعمل الألفاظ المجملة المشتركة، فمن ينفي العلو ويقول: إن الله ليس في جهة.
يقال له: أخبرنا عن العلو والفوقية؟ فإن قال: إن الله ليس علياً ولا فوق العالم فإنه يكون أتى على المخالفة الصريحة لما في الكتاب والسنة؛ لأن الله قال: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وقال في كتابه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] وأمثال ذلك؛ ولهذا بعض المتأخرين ممن قصدوا مذهب أهل السنة جمعوا بين إثبات اللفظ الشرعي الثابت فقالوا: إن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق خلقه بائن عنهم، وأنه ليس في جهة.
فقولهم: ليس في جهة، بقية بقيت عليهم من مذهب المخالفين، وحينما نقول: إنها بقية بقيت عليهم من مذهب المخالفين فإننا لا نقصد أن الحق أن يقولوا: إن الله في جهة؛ لأن هذا الحرف باستعمال المستعملين له صار لفظاً مجملاً، وإنما يلتزم اللفظ الشرعي.
أما لفظ الجهة فهو لفظ مجمل حادث يفصل في معناه: فإن كان معنىً صواباً قبل، وإن كان غير صواب رد، واللفظ من حيث هو يتوقف فيه، فلا يطلق إثباتاً ولا نفياً.
стр. 209
ليس معنى أن الله سبحانه في السماء أن السماء تحويه
[ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه].
فهو كاذب إن نقله عن غيره، وبخاصة إن نقله عن السلف.
والمعتزلة والمتأخرون من الأشاعرة جمهور أدلتهم التي استدلوا بها من العقل على نفي ما سموه جهةً إنما يدل على نفي الجهة الوجودية -أي: الجهة المخلوقة- كقولهم: لو كان في جهة لكان معه غيرٌ قديم ..
فهذا دليل على أنهم فهموا من الجهة الجهة المخلوقة، والله منزه عن الجهات المخلوقة، فإنه بائن عن خلقه فوق سماواته مستو على عرشه.
فالمقصود: أنه لو قال قائل: بم نجيب عن أدلة المعتزلة ومتأخري الأشعرية في مسألة العلو؟
قيل: باختصار سائر أدلتهم فرع عن إثبات جهة وجودية مخلوقة -وهي السموات السبع أو جهة مخلوقة أياً كانت هذه الجهة- وأن الله فيها، كما يقال: إن الملائكة في السماء، وإن بني آدم في الأرض ..
وهلم جرا، وهذا المعنى ليس محل نزاع عند أهل السنة؛ فإن أهل السنة يسلمون بذلك، بل يكفرون من زعم أن الله في جهة مخلوقة، ويكفرون من فسر السماء بالسموات السبع، أي: بمعنى أن الله فيها حال كما أن الملائكة فيها.
وأما من فسر السماء بأنها السموات والله فوقها ..
فهذا معنىً معروف.
[وما سمعنا أحداً يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحداً نقله عن واحد، ولو سئل سائل المسلمين: هل تفهمون من قول الله ورسوله إن الله في السماء إن السماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا.
وإذا كان الأمر هكذا: فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئاً محالاً لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله.
بل عند الناس أن الله في السماء وهو على العرش واحد، إذ السماء إنما يراد به العلو، فالمعنى: أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه وسع السماوات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقاً يحصره ويحويه؟!].
فإذا كان الله أخبر عن كرسيه أنه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] فكيف يتوهم أن الله حال في السموات السبع أو غيرها؟!
[وقد قال سبحانه: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] وقال: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٣٧] بمعنى: على ونحو ذلك].
مقصوده: أن قوله سبحانه: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أنه لن يقال: إن ظاهره الحلول في السموات؛ لأن حروف الجر -كما هو معروف عند أهل اللغة- يدخلها التناوب كثيراً، كما في قوله تعالى: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] فليس المقصود هنا بحرف الجر في الظرفية والحلول وإنما عليها، وهذا تستعمله العرب في كلامها بحسب المقصود، فإنهم تارةً يصرحون بالحرف المناسب لهذا السياق، وتارةً يذكرون حرفاً آخر ليس أصله له ولكن لمعنى يناسب.
وهذا يستخدم كذلك في مسائل التعدية واللزوم، فإن الفعل المتعدي بنفسه قد يعطى حكم الفعل اللازم من حيث اللغة؛ لأنه ضُمِّن معناه؛ ومثال هذا قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣] مع أن الفعل خالف فعل متعد بنفسه، حيث يقال: خالف زيدٌ عمراً، لكن في هذا السياق: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣] عدي الفعل بعن، ولم يقل: فليحذر الذين يخالفون أمره، وذلك لأنه أُعطي حكم الفعل اللازم فعدي تعديته؛ لأنه ضمن معناه؛ وأقرب فعل يناسب السياق هو الفعل أعرض؛ أي أن الفعل خالف ضمن معنى الفعل أعرض ولهذا قال الإمام أحمد ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك؛ لعله إذا رد بعض قول النبي ﷺ أن يقع في قلبه شيء من الزلل فيهلك.
ولهذا: ليس كل من خالف الشرع يستحق هذا الوعيد المذكور في هذا السياق؛ لأن المخالفة قد تقع بطريقة الجهل، وظلم النفس الذي يتوب العبد منه ويستغفر، وإنما هذه الفتنة المتوعد بها في السياق تقع لمن أعرض، قال: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] أي: يعرضون عن أمره.
стр. 210
شرح الحموية [١٨]
من عقيدة أهل السنة والجماعة: أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات القيامة، ويرونه في الجنة، كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، أما الكفار فهناك خلاف هل يرون الله تعالى أم لا؟ ولم يخالف في رؤية المؤمنين لربهم إلا المعتزلة والجهمية، أما الأشاعرة فقد قالوا: يرى لا في جهة؛ وهذا من تناقضهم.
стр. 211
أقوال أهل العلم في مسائل الرؤية
قال المصنف ﵀: [وهو كلام عربي حقيقةً لا مجازاً، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني القرآن، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة، وكذلك قوله ﷺ : (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه، فلا يبصق قبل وجهه
الحديث) حق على ظاهره، فهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء أو يناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت أيضاً قبل وجهه، وقد ضرب النبي ﷺ المثل بذلك، ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق، فقال النبي ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخلياً به)].
في هذه الرؤية من جهة حكمها عند أهل السنة ثلاث مسائل:
стр. 212
الاختلاف في رؤية المؤمنين لربهم في عرصات القيامة وفي الجنة
الأولى: رؤية المؤمنين لربهم في عرصات القيامة وفي الجنة: وهذه مجمع عليها، وفيها نصوص متواترة في الكتاب والسنة، وهي محل النزاع مع الجهمية والمعتزلة، والأشعرية في الجملة -ولا سيما المتأخرين منهم- يقولون: يرى لا في جهة ..
وهذا يقوله من ينفي العلو من الأشعرية ويثبتون الرؤية، مع أن التحقيق أن ثبوت العلو في العقل والشرع أظهر من ثبوت الرؤية؛ ولهذا بنت المعتزلة نفي الرؤية على نفي العلو، وأخذه المتأخرون من الأشاعرة عنهم -أعني: نفي العلو- ولكنهم رأوا أن الأشعري وأئمة أصحابه يصرحون بمسألة الرؤية فتابعوهم، فصار قولهم مركباً من قول أئمتهم وقول المعتزلة.
فالقصد: أن المتأخرين من الأشاعرة يقولون: يرى لا في جهة.
وهذا يقوله بعض شراح الحديث وبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة، وهو قول قاله طائفة من متكلمة الأشاعرة، وحقيقته يرجع إلى قول المعتزلة عند التحقيق كما ذكره أبو حامد الغزالي وغيره.
وهذه المسألة -مسألة رؤية المؤمنين ربهم في عرصات القيامة وفي الجنة- هي مسألة النزاع الكبرى بين السلف والمخالفين، فقد تواترت النصوص وأجمع السلف على أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم لا يضامون في رؤيته في عرصات القيامة وفي الجنة.
стр. 213
الاختلاف في رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة
الثانية: رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة، وهذه المسألة مسألة نزاع بين أهل السنة أنفسهم، وشيخ الإسلام يقول: إنه لم يحفظ عن الصحابة فيها تصريح.
وظواهر النصوص فيها بعض التردد، ولهذا ذهب طائفة من أهل السنة إلى أن الكفار من أهل الكتاب والمنافقين وغيرهم لا يرونه، وهذا هو ظاهر قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]
وطائفة من أهل السنة قالوا: إنه يراه المنافقون وغبرات من أهل الكتاب، كما جاء في ظاهر بعض النصوص في السنة في الصحيح وغيره.
وطائفة قالوا: إنه يراه سائر الكفار، وهذه الرؤية ليست رؤية النعيم التي تقع للمؤمنين.
وطائفة توقفوا.
وعلى كل هذه المسألة النزاع فيها قوي، وإن كان ظاهر مذهب السلف كما قال شيخ الإسلام: ظاهر كلام كثير من أئمة السلف، وهو الذي عليه الجمهور من أصحاب أحمد: أن الكفار لا يرون ربهم بحال.
وكأن شيخ الإسلام يميل إلى هذا القول في الجملة، وإن لم يصرح بنصرته.
стр. 214
الاختلاف في رؤية النبي ﵊ لربه ليلة المعراج
الثالثة: رؤية النبي ﵌ لربه ليلة المعراج ..
هل رأى ربه أو لم يره؟
آثار الصحابة في هذا جاءت على نوعين:
الأول: عن طائفة من الصحابة أن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده كما جاء ذلك صحيحاً عن ابن عباس وأبي ذر وغيرهما ﵃.
وجاء عن بعض الصحابة ذكر الرؤية مطلقة، وهذا جاء حتى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: رآه.
الثاني: عن طائفة من الصحابة كـ عائشة، فقد صرحت كما في الصحيحين من حديث مسروق عن عائشة ﵂ قالت: من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.
ولكن بالقطع: أن الذي كانت عائشة ﵂ تصرح بنفيه هو الرؤية البصرية، والذي صرح ابن عباس ﵄ وطائفة من الصحابة بإثباته هو الرؤية القلبية، ولم -كما نص شيخ الإسلام - يصح عن واحد من الصحابة أنه صرح بإثبات الرؤية البصرية؛ ومن هنا نزع شيخ الإسلام ﵀ إلى أن الصحابة في نفس الأمر ليس بينهم اختلاف، فإن الذي نفته عائشة ﵂ ليس هو الذي أثبته ابن عباس ﵄ ومن معه، فإن عائشة ﵂ نفت الرؤية البصرية؛ ولهذا استدلت بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وابن عباس صرح برؤية الفؤاد فقال: رآه بفؤاده.
والرواية الأخرى المطلقة عن ابن عباس تحمل على المقيدة، وعلى هذه الطريقة يكون مذهب الصحابة منضبطاً أنه لم تقع الرؤية البصرية.
لكن هل يقال: أنه رآه بفؤاده أو لا يقال ذلك؟ هذه مسألة اجتهاد.
لكن طائفة من أهل العلم يرون أن الخلاف بين الصحابة على حقيقته، وأنه ليس من باب الخلاف اللفظي، بل هو خلاف حقيقي، ومعتبر هؤلاء ما جاء من تصريح بعض الصحابة بإطلاق الرؤية.
وقد وردت عن الإمام أحمد ﵀ نصوص في هذا:
فجاء عنه إثبات رؤية الفؤاد، وجاء عنه ذكر الرؤية مطلقاً، وجاء عنه التوقف.
وشيخ الإسلام ﵀ لا ينتصر للمشهور عند متأخري الحنابلة من أن الرواية عن أحمد مختلفة، بل يقول: إن أحمد كـ ابن عباس، أي: أن الرواية عنه ترجع إلى معنىً واحد، فإن التوقف ليس حكماً يصار إليه، وأن الإطلاق يضاف إلى التقييد، فيكون الثابت عن أحمد إثبات رؤية الفؤاد.
والمشهور في كلام المتأخرين من أهل العلم -كما يذكره القاضي عياض وغيره- إثبات رؤية البصر، بل القاضي عياض يقول: إن جمهور أهل السنة على إثبات أن النبي ﷺ رأى ربه ببصره.
وشيخ الإسلام ﵀ يقول: إن أكثر أهل السنة على إثبات رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج لكنه لا يعني بها الرؤية البصرية، فإنه شاع في كلام أئمة السلف إثبات رؤية الفؤاد التي أثبتها ابن عباس ومن معه من الصحابة.
فإذا قيل: إن جمهور أهل السنة على إثبات رؤية الفؤاد ..
قيل: هذا صحيح، أما إذا قيل -كما هي طريقة بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي ومالك -: إن جمهور أهل السنة على إثبات الرؤية البصرية ..
فهذا غلط، فإنه لم يصح عن صحابي هذا التصريح، وكذا جمهور أئمة السلف على هذا المعنى.
أما من حيث الراجح في المسألة: فإن الراجح أن النبي ﷺ لم ير ربه ليلة المعراج ببصره؛ لأن هذه مسألة سمعية الدليل فيها يكون مقصوراً على الدلالة القرآنية والدلالة النبوية كسائر مسائل الشريعة وأصول الدين، وليس في القرآن ما يدل على أن النبي ﷺ رأى ربه ببصره ليلة المعراج، وكذلك ليس في السنة ما يدل على أن النبي ﷺ رأى ربه ببصره ليلة المعراج، وعند عدم الدلالة لا يجوز إثبات شيء لا يعلم، فضلاً عن كون ظاهر القرآن والسنة يدلان على أن النبي ﷺ لم ير ربه.
إذاً لم يدل دليل من القرآن أو السنة على أن النبي ﷺ رأى ربه ببصره، وعند عدم الدليل يلزم عدم إطلاق القول، أي: لا يقال إن النبي ﷺ رأى ربه ببصره، فضلاً عن كون ظاهر الدلالة القرآنية والنبوية تدلان على أن النبي ﵌ لم ير ربه ببصره، بمعنى أن ظاهر النصوص يدل على النفي.
ومن الآيات القرآنية الدالة على هذا النفي، قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] فلو كان النبي ﷺ رأى ربه في معراجه لكان الامتنان والإشادة والثناء بذكر رؤية الباري أولى من ذكر رؤية الآيات ..
ولهذا كانت رؤية الباري في الجنة هي أعظم نعيم أهل الجنة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] قال: (فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجهه الكريم) كما في حديث صهيب في الصحيح.
فإن قال قائل: إن الله تفضل عليه بالزيادة فيما بعد.
قيل: هذا خبر عما سيصير له، وأيضاً هذا تكلف في توجيه الآية، ثم إن مما يدل على عدمه ما جاء في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] وهذا بعد انتهاء الأمر، فإنه لم يذكر سبحانه أنه رأى ربه، بل قال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] فدل على أنه لم يقع له ﷺ أن رأى ربه ببصره في معراجه.
إذاً قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] دليل على أن الذي وقع له هو رؤية الآيات، وهذا هو الذي ورد في السنة كما في حديث أبي ذر وغيره في الصحيحين لما قال النبي ﷺ : (ثم ظهرت لمستوىً أسمع فيه صريف الأقلام) فهذا هو غاية ما وصل إليه ﵌، ولم ير ربه ببصره.
أما أن يقال: رآه بفؤاده ..
فهذا لا إشكال فيه.
وكذلك في السنة ما جاء في الصحيح من حديث أبي ذر، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لـ أبي ذر: (لو رأيت النبي ﷺ لسألته.
قال: عم كنت تسأل؟ قال: هل رأى ربه؟ فقال: أما إني سألته فقال: رأيت نوراً) وجاء في وجه آخر عند مسلم من رواية عبد الله بن شقيق نفسه أن أبا ذر قال: (سألته فقال: نور ..
أنى أراه؟) إذاً مرةً نقل مسلم من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي ذر: (نور ..
أنى أراه؟) ومرةً نقل: (رأيت نوراً)
فقوله: (رأيت نوراً) دليل على أنه لم ير ربه حقيقةً ببصره، وهذا النور -والله أعلم- هو المذكور في حديث أبي موسى الثابت في الصحيح: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فلعل هذا النور -والله أعلم- نور الحجاب.
وأما قوله: (نور ..
أنى أراه؟) فمعناه: أن النور حال دون رؤيته.
ومن أهل العلم من يرى أن الروايتين في صحيح مسلم كلاهما محفوظ، ومن أهل العلم من يرى أن أحدهما ليس محفوظاً، وهذا هو الذي مال إليه الإمام أحمد في بعض أجوبته.
وأما من يستدل بثبوتها بما جاء عن معاذ بن جبل وغيره في المسند وغيره أن النبي ﷺ قال: (رأيت ربي في أحسن صورة ...) فهذه كانت رؤيةً مناميةً، وليس المقصود بها رؤية المعراج.
стр. 215
إثبات الرؤية ليس معارضاً للعقل
[فقال له أبو رزين العقيلي: (كيف يا رسول الله! وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي ﷺ : سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخلياً به وهو آية من آيات الله، فالله أكبر) أو كما قال النبي ﷺ ].
وهذا استدلال عقلي، على أن إثبات الرؤية ليس معارضاً للعقل، فهذا القمر كل الناس يروه، ولا يتزاحمون ولا يتضامون في رؤيته، فالله أعظم.
следующие страницы →