← Акыда

Акыда · id 37783

شرح الواسطية - يوسف الغفيص

يوسف الغفيص

Полный текст (214 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

شرح العقيدة الواسطية [١٢] الأمة المحمدية هي الأمة الوسط بين الأمم، ومعلوم أن أحق طوائف المسلمين وأعدلهم بتحقيق شريعة النبي ﷺ هم أهل السنة والجماعة، إذ هم أوسط طوائف أهل القبلة، فهم عدول في أقوالهم وحكمهم وشهادتهم.

стр. 107

وسطية أهل السنة قال المصنف رحمه الله تعالى: [بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم]. ومقصود المصنف بوسطية أهل السنة أنهم عدول خيار في أقوالهم، وفي حكمهم وشهادتهم. وأما أن هذه الأمة وهي أمة النبي ﷺ وسط بين الأمم، فهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] ثم قال سبحانه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، فالوسطية التي وصفت بها هذه الأمة هي عدلها وعدل شريعتها، وعدل قيام أهلها بالشريعة، فلا توجد شريعة أعدل ولا أتم ولا أكمل من شريعة محمد ﷺ ، ولا يوجد أصحاب وأتباع حققوا شريعة نبي كتحقيق أصحاب محمد ﷺ لشريعة نبيهم، وقد قال ﷺ : (لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق). ولهذا فليس غريباً أن يقول المصنف: (بل هم الوسط في فرق هذه الأمة) لأن هذه الأمة وهي أمة النبي ﷺ لما كانت وسطاً بين الأمم، فإنما وسطيتها هو بعدلها، وإقامتها لشريعة الرسول ﵌، ومعلوم أن أحق طوائف المسلمين وأعدلهم بتحقيق شريعة النبي ﷺ هم أهل السنة والجماعة، الذين مبتدؤهم أصحاب رسول الله ﷺ ثم التابعون لهم بإحسان إلى أن تقوم الساعة؛ لقوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله) أو (حتى تقوم الساعة) على تعدد الرواية. وهي الطائفة الناجية المنصورة التي ابتدأ المصنف بذكرها في مقدم رسالته، بقوله: (أما بعد، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة). ولما وصف الله هذه الأمة بأنها وسط، أمكن أن يقال: إن هذه الطائفة الناجية المنصورة أهل السنة والجماعة، فهم وسط بنص القرآن، ووجه النص من القرآن هو نفس قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] لأن المقصود بالأمة هنا أمة النبي ﷺ ، وأحق الأمة في هذه الوسطية هم من اقتفى أثره ﵊، وهم أصحابه، ثم التابعون لهم، وإن كان هذا لا يمنع أن يدخل في الوسطية العامة التي وصفت بها هذه الأمة من عنده نقص في مقام التحقيق للسنة، فإن الوسطية العامة أخص من جهة أنها شهادة، بخلاف الوسطية الخاصة، التي وصفت بها الطائفة الناجية المنصورة، وهم أهل السنة والجماعة، فهي أعم من جهة متعلقاتها. من هذا الوجه يكون إجماع أهل السنة والجماعة واجباً على سائر المسلمين أن يتبعوه، ويعنى بذلك إجماع الصحابة ﵃، وهذا الإجماع إجماع معروف ومنضبط.

стр. 108

حجية الإجماع والرد على من استشكل ذلك استشكل كثير من النظار مسألة الإجماع باعتبار ما كتبه الأصوليون في تصوير الإجماع، فإن حد الإجماع في كتب الأصوليين يعطيه نوعاً من الامتناع من حيث التطبيق؛ حيث يقولون: إنه اتفاق مجتهدي عصرٍ من العصور على مسألة شرعية، ثم يعلقون على مسألة الاتفاق: كيف يضبط اتفاقهم وقد اختلفت أمصارهم؟ ومن الذي ضبط ولعل البعض سكت؟ وربما يحتجون بكلمةٍ قالها بعض الأئمة كالإمام أحمد لما قال: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك؟! لعلهم اختلفوا! ولكن قل: لا أعلم فيه خلافاً. وهذه الكلمة ليست من أصول كلام الإمام أحمد (أي: من مقاصد كلامه) وإنما هي كلمة قالها لما رأى توسع الناس في بعض مسائل التشريع وبعض مسائل الخلاف الفقهي، وبدؤوا يكثرون من ذكر الإجماع فيها، فقال هذا القول من باب الورع، ولهذا تجد أن الموفق ابن قدامة ﵀ في كتابه المغني تمثل كلمة الإمام أحمد كثيراً، وإذا قارنت بين كتاب المغني وبين كتاب المجموع في الفقه المقارن، وجدت أن النووي يغلب عليه أنه ينص على الإجماع، حتى في مسائل لم تنضبط أنها إجماع قطعي، أي: الإجماع الضروري المنضبط عند السلف، بخلاف الموفق؛ فإنه غلب على كلامه أنه يقول: لا أعلم فيه خلافاً، وهذا من باب التقيد بنوع من الهدي المأثور عن الأئمة. ولا شك أن الإمام أحمد لم يرد بهذه الكلمة أنه لا إجماع في مسائل أصول الدين، ولا إجماع في مسائل الدين عموماً، أو لا ينضبط الإجماع؛ فإن الإمام أحمد نفسه حكى الإجماع في مسائل ليست من مسائل الأصول، بل في مسائل قد يقبل فيها منازعة غيره له، فإن الإمام أحمد مثلاً قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] قال: أجمعوا على أنها نزلت في الصلاة، مع أن هذا الإجماع يمكن منازعته، فالإمام أحمد في الجملة حكى إجماعات يمكن منازعتها، فضلاً عن كونه صدق إجماعات السلف في مسائل القدر والصفات والشفاعة وغيرها. فالمقصود أن قوله: (من ادعى الإجماع فقد كذب) كلمة أراد بها وجهاً من أوجه اختلاف الناس الذي قد يحكى فيه إجماع. والمقصود أن ما يذكره كثير من الأصوليين في كتبهم في حد الإجماع، قد يجعله ممتنعاً. والمعتبر عند السلف في معنى الإجماع: أن ما كان من المعاني صريحاً في الكتاب والسنة من جهة تواتر معناه وصراحته من حيث المدلول (دلالة اللغة)، ثم استقر الأمر عليه: إما عملاً إن كانت المسألة عملية، وإما تصديقاً وإيماناً إن كانت المسألة تصديقية، فهو يعد من الإجماع القطعي، وإن لم ينقل بالأسانيد أن فلاناً وفلاناً من المجتهدين نصوا على هذا العمل، أو نصوا على هذه المسألة، فإنك لو اشترطت هذا التنادي أو التصريح؛ بمعنى أن عندك الأسانيد التي نصت على أنهم قالوا هذا القول، لما بقي في الدين مسألة واحدة فيها إجماع، حتى الصلوات خمس، فليس عندنا أسانيد متصلة عن كل واحد من الصحابة، أنه قال: إن الصلوات خمس، ولا توجد مسألة في الإسلام، عندنا فيها إسناد إلى كل صحابي. فهذا نوع من الافتراضات النظرية التي اعتبرها الأصوليين، ولا قيمة لها. إذاً: كل المعاني التي انضبطت من صريح الكتاب والسنة متواترةً في حروفها وصريحةً في دلالتها على وفق كلام العرب، ثم استقر عليها العمل أو العلم، فهي مسائل الإجماع. هذا هو الإجماع في مسائل السلف، وأما أن يفهم من الإجماع أنه تنادي أصحاب الاجتهاد بأسانيد تنضبط إليهم، وإذا انقطعت الأسانيد أو لم نجد الأسانيد شككنا في الإجماع، فهذا ليس بصحيح، هذه جهة. وقد يقول قائل: إن أكثر ما يقال أنه إجماع لم ينطق الصحابة بمسألته أصلاً، فإنه لو قيل: إن الصحابة أجمعوا أن الصلوات خمس، وأجمعوا على كذا وأجمعوا على كذا. لكان صحيحاً، لكن ما وجه أن يقال: إن الصحابة أجمعوا على أن القرآن ليس مخلوقاً، مع أن مسألة خلق القرآن حدثت بعد عصر الصحابة؟! هذا إشكال يورده كثيرون ممن يترددون في مسألة إجماع السلف أو إجماع الصحابة على ذلك. يرد البعض فيقول: إن الإجماع الذي نحكيه هنا هو إجماع السلف بعد الصحابة، أي: إجماع التابعين أو إجماع تابعي التابعين، وأن إجماع هؤلاء حجة؛ لأنه إجماع علماء الأمة المعتبرين في زمنهم. فيرد عليه إشكال وهو أن في ذلك القرن كان هناك من خالف ذلك من الفرق، ويجاب: أن مخالفة هؤلاء غير معتبرة. والمقصود: أن هذه الطريقة في تحصيل الإجماع طريقة ضعيفة. والصواب: أن القول بأن القرآن ليس مخلوقاً -مثلاً- هو من إجماعات الصحابة، ووجه كونه إجماعاً للصحابة أن الإجماع عند الصحابة ﵃ على إثبات الصفات بين، فإذا كان كذلك، فكل قول ناقض هذا المعنى البين أو نافاه، فإنه يكون معلوم البطلان بالضرورة. إذاً لو قلنا: إن ظاهر النصوص وصريحها إثبات علو الله ، وأن الله في السماء، وأن الصحابة درجوا على ذلك، وتلقوه عن القرآن وعن رسول الله ﷺ ، وعن صريح حديثه ومفصل حديثه، فجاء من جاء وقال: إن الله ليس له مكان، أو أن الله في كل مكان أو لا داخل العالم ولا خارجه أو ما إلى ذلك، لأمكن أن يقال: إن هذه الحروف من حيث هي حروف -بغض النظر عن معانيها- هي حروف مخالفة لإجماع الصحابة، لأن أصحابها لما نطقوا بها قصدوا ألا يقال: إن الله في السماء، ومنعوا المذهب الذي سمعوه عن الأئمة أن الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه. فلما كانت الجملة الأولى معلومة الانضباط بصريح النصوص، حيث ذكر الاستواء في سبع مواضع من القرآن وذكر علو الله في مواضع كثيرة من القرآن وفي كلام الرسول ﵊؛ فلما انضبط هذا المعنى وصح لنا بالعقل والإدراك، أن نقول: إنه إجماع للصحابة، عُلم أن كل معنىً جاء لينافيه: إنه خلاف الإجماع؛ لأن الجمع بين المتنافيين أو بين المتناقضين أو بين المتضادين لا يكون. نعم هذه الجملة ما نطق بها الصحابة، ولكن الصحابة اعتبروا ظاهر القرآن وصريحه: أن القرآن منزل وأنه كلام الله وأنه من علم الله، وهذا المعنى ينافي القول بخلقه، فعُلِم أن المنافي منفي بالإجماع. هذه هي طريقة تحصيل الإجماع في مسائل العقائد التي نازع فيها المبتدعة. وهو كذلك إجماع للأئمة، لكن لا نقول: إنه ليس إجماعاً للصحابة، لأننا إذا قلنا: إن هذه المسائل فيها إجماع للأئمة التابعين وتابعيهم، ولم نقل: إنها إجماع للصحابة؛ ورد هنا سؤال من العقل: لما لا نقول: إنها إجماع للصحابة؟ هل أجمع الصحابة على وفقها، أو على ضدها، أو سكتوا؟ إن كانوا أجمعوا على وفقها فلنقل: إنه إجماع للصحابة، وإن كانوا أجمعوا على ضدها، فهذا يلزم أن التابعين ناقضوا إجماع الصحابة، وإن كانوا سكتوا فما معنى السكوت؟ هل معناه أن الصحابة ليس لهم فيها قول؟ إذا لم يكن للصحابة فيها قول، علم أنها ليست من الدين. وهذا الطريق في التشكيك بالإجماع هو الذي استعمله ابن أبي دؤاد في مناظرة خلق القرآن؛ فقد قال للإمام أحمد: (القرآن ليس مخلوقاً) أهذا من الدين؟ فإذا قيل له: أجمع عليه أصحابنا وأئمتنا أعني: شيوخ الإمام أحمد أو طبقته، فسوف يعترض على ذلك، وهذا اعتراض صحيح، وحتى لو قلت: إنه إجماع لطبقة الإمام أحمد، لقيل: أين الصحابة عن هذا الإجماع؟ فسكوتهم إن لم يدل على النفي، فهو يدل على أنهم لا يعتبرون المسألة من الأصول. فـ ابن أبي دؤاد قال للإمام أحمد: (القرآن ليس مخلوقاً) أهو من الدين؟ قال: نعم، قال: عرفه النبي والخلفاء الأربعة، قال: نعم، قال: أين هو في كلامهم؟ قال الإمام أحمد: يسكتون فسكت؛ يعني أن الصحابة مجمعون على إثبات معنى، وهو أن القرآن كلام الله أنزله على عبده ورسوله. فالمعنى الذي ذكر هنا أنه ليس مخلوقاً هو نفي لطارئ، وقد علم الإجماع على نفي الطارئ، وامتنع الجمع بين الطارئ -وهو أن القرآن مخلوق- وبين المعنى الذي هو صريح النصوص. وعليه نقول: إن كل مسألة نطق بها السلف من بعد الصحابة -أعني طبقة التابعين وتابعيهم- فهو إجماع للصحابة ﵃. وفي الغالب أن ما يذكره الأصوليون يريدون به الإجماع في مسائل التشريع، ولهذا يقولون: الإجماع هو اتفاق مجتهدي علماء الأمة، فهم يحصرونه بطبقة الاجتهاد.

стр. 109

وسطية أهل السنة في صفات الله قال المصنف ﵀: [فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة]. ما من بدعة ظهرت في الإسلام، إلا وظهرت بدعة أخرى تناقضها، وهذا الأمر إذا تأمله العارف عرف أن الحق لا يُعرف بالمقابلة، وهذه مع الأسف طريقة استعملها كثيرون الآن، سواء في مسألة الدعوة أو الجهاد أو غيرها؛ فقد صار هناك نوع من التقابل، أو ما يسمى بالمصطلح المعاصر: (ردة الفعل)، والحق لا يعرف بردود الأفعال، ولهذا نقول: ما من بدعة ظهرت في الإسلام، إلا وظهر ما يسمى بردة الفعل، وهي الطرف الآخر المناقض، ودائماً الحق لا يكون طرفاً مناقضاً من كل وجه في مثل هذه المسائل، بمعنى أنه إذا كان القول إفراطاً فإن الحق لا يمكن أن يكون تفريطاً، وإذا كان القول تفريطاً، فإن الحق لا يمكن أن يكون إفراطاً. إذ لا يجوز أن يكون تحقيق الحق في مسألة ما إنما كان بعد ظهور الباطل؛ لأن الحق سابق. ومن يبني أقواله على ظهور شيء من الباطل، فيكون تقريره لمسألة الحق متحصلاً من هذا الباطل الذي طرأ، لا يكون حكيماً. والسلف ما زادهم ظهور هذه البدع أي شيء في أقوالهم، هذه هي طريقة المتقدمين من السلف، لكن كثيراً من المتأخرين من أهل السنة والجماعة إذا اشتغل أحدهم بالرد على بدعة، زاد بسببها في قدر الحق الذي معه، فمن علم بذم علم الكلام وذم المتكلمين، لم يكن عنده سبيل إلى إغلاق هذا العلم إلا بتكفير أصحابه، فيعمد إلى تكفيرهم حتى يقطع مادة هذا العلم، لأنه يرى بعقله ونظره أن هؤلاء المتكلمين -مثلاً- أو المعتزلة، أيهما أحسم لمادتهم عن المسلمين: إذا قيل أنهم أهل بدعة أو إذا قيل أنهم كفار؟ مادة التكفير، فيعمد لا بسوء قصد وإنما بحسن قصد إلى تكفيرهم، خاصةً أن أقوالهم تستلزم الكفر تارة وتتضمن الكفر تارةً أخرى، فيعمد إلى تحقيق الأقوال على أصحابها، فإذا ما كفرهم، انحسمت مادتهم. وهذا من الطرق المستعملة عند من يقل عقله أو يقل علمه، وهي كثيرة اليوم في صفوف كثير من الشباب، حتى بعض طلاب العلم؛ فمن لم يتسع عقله، أو قل علمه وبصره بالشرع، فإنه يستعمل مثل هذه الطريقة. والحق أن الحق سابق للباطل في هذه المسائل، فإن مذهب السلف بجميع مسائله موجود زمن الرسول ﵊، وزمن أبي بكر قبل أن تحدث في الإسلام بدعة واحدة. إذاً لا يمكن أن تزيد هذه البدع في قدر الحق، وإنما قد تستعمل أوجه من الحق في دفع هذه البدع لم تستعمل في زمن أبي بكر؛ لأن البدعة لم تظهر. فهذه مسألة يجب على طالب العلم أن ينتبه لها؛ فردود الأفعال في تعريف الحق غلط، وإنما الحق يعتبر بقدره. فنقول: ما مِن بدعة حدثت إلا وحدث ما يناقضها أو ما يضادها، فلما حدثت بدعة نفاة الصفات في أوائل المائة الثانية وبعد عصر الصحابة ﵃ على يد جماعة من النظار من الموالي، كـ الجعد والجهم -وهم أول من أظهر هذه المقالة، وهي منقولة عن بعض مقالات اليونان وفلسفة اليونان، وغيرهم من الملاحدة والكفار الذي تُرجم قولهم إلى المسلمين- فأنكروا صفات الله ، وتقلد هذا المذهب أصحاب الاعتزال الذين كانوا يتكلمون في مسائل القدر والشفاعة والكبائر، فظهرت مقالة نفي الصفات على يد الجهمية -نسبة للجهم بن صفوان وهو الذي أظهر وأشاع المقالة- وصار عند السلف كل من نفى الصفات أو ما هو منها، وصف بالتجهم، نسبةً لهذا الرجل، وليس بالضرورة أن من وصف بالتجهم أو سمي جهمياً أنه يصدق أقوال جهم بن صفوان في سائر مواردها، فإن من ناظر في فتنة خلق القرآن سماهم السلف جهمية، مع أن أساطينهم الذين باشروا المناظرة هم المعتزلة، ونحن نعلم أن المعتزلة تخالف الجهم بن صفوان في أكثر آرائه، فهي تخالفه في مسألة الإرجاء، حيث هو غالٍ في الإرجاء وهم على النقيض من ذلك، ويخالفونه في باب القدر هو جبري وهم قدرية. بل لا عجب أن في كتب المعتزلة تكفيراً للجهم بن صفوان، وهذا نطقت به بعض كتب المعتزلة، أن أئمتهم يذهبون إلى تكفيره لمسائل قالها في بعض أصول الدين. ومراد السلف بالتجهم هو نفي الصفات، وليس الشخص نفسه، وإذا ذكروا التجهم يقصدون به نفي الصفات، وليس التقلد المطلق لسائر ما نُقل عن جهم بن صفوان من الآراء أو المقالات والبدع. وقابلهم المشبهة، والتشبيه لم يقع له أثر في الأمة كما وقع لمذهب التعطيل، فإن التعطيل استعمل تحت جملة التأويل، ولهذا درج عند غلاة المعطلة كالجهمية وأئمة المعتزلة، ثم شاع لما جاءت مدارس متكلمة الصفاتية، وهي التي أشاعت مادة من التعطيل باسم التأويل، وهم أصحاب ابن كلاب والأشعري والماتريدي وأمثال هؤلاء. فتشبيه صفات الخالق بصفات المخلوقين لم يقع له أثر كما وقع لمذهب التعطيل والتأويل، وذلك لأن ظهور بطلانه وتعذر استقامته من جهة التأويل بينة، ولهذا أصبح نفور عامة المسلمين عنه مشهوراً معروفاً، وإنما وجد في الأول عند بعض أئمة الشيعة الإمامية، كـ هشام بن الحكم وأمثاله، ثم عدلت عنه الشيعة الإمامية إلى طريقة المعتزلة، أو طريقة البغداديين من المعتزلة على وجه التحديد، ثم ظهر مذهب التشبيه على يد أحد المتأخرين المنتسبين للسنة من المتكلمين، وهو محمد بن كرام السجستاني، وهو من المرجئة الكرامية المنتسبين للسنة والجماعة كانتساب الأشعري، ولكنه استعمل مادة من التشبيه ليس كتشبيه الشيعة الأولى، وإنما وقع في مادة منه. فأهل السنة والجماعة وسط في صفات الله، يثبتون الصفات على ما يليق به ، دون إفراط على طريقة المشبهة، ودون تفريط يستلزم التعطيل على طريقة المعطلة والمحرفة.

стр. 110

وسطية أهل السنة في أفعال العباد قال المصنف ﵀: [وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم]. أفعال الله لم يقع بين المسلمين في الجملة خلاف في تقريرها، وإنما مسألة النزاع الكبرى في هذا الباب، هي ما يتعلق بأفعال العباد، فهل العباد مجبرون على أفعالهم، ولا إرادة لهم ولا مشيئة لهم، أم أن العباد مستقلون بإرادتهم ومشيئتهم وخلقهم لأفعالهم والله لم يخلق أفعالهم ولم يردها ولم يشأها؟ هذان المذهبان في مسألة الأفعال مذهبان متناقضان كما ترى، تقلد الأول الجبرية، نسبة للقول بالجبر، وهو أن العبد مجبور على فعله، ولا إرادة وله ولا مشيئة له على الحقيقة، وأن الله جبر العبد على الفعل. وأخص من تقلد الجبر الجهم بن صفوان، وكثيرون من الجبرية ولا سيما في الشام، وتقلد نفي القدر القدرية الذين قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يردها ولم يشأها، بل العبد مستقل بإرادته ومشيئته، وتقلد هذا المذهب المعتزلة وكثير غيرهم، وهم المسمون بالقدرية. وكان من القدرية طائفة من الغلاة أنكروا علم الرب بأفعال العباد إلا عند كونها، ولكن هؤلاء من الزنادقة الذين انقطع أثر مذهبهم، والذين انتشر مذهبهم وبقي هم القدرية الذين يؤمنون أن الله يعلم ما كان وما سيكون، وإنما يقولون: إنه لم يرد أفعال العباد ولم يخلقها، وهذا ما يسمى بمذهب القدرية، وهو شائع في المعتزلة والشيعة وطوائف أخرى. فأهل السنة والجماعة وسط في أفعال الله بين هؤلاء وهؤلاء، حيث يقولون: إن الله -كما وصف نفسه في كتابه- هو الفعال لما يريد، وأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، وأنه لا يقع شيء في الكون من أفعال العباد وغيرها إلا بإرادته ومشيئته، وأنه الخالق لكل شيء، فقد دخل في عموم خلقه أفعال العباد وغير أفعال العباد؛ مع الإيمان بأن العباد لهم مشيئة وإرادة، وأنهم ليسوا مجبورين على أفعالهم. وسيأتي تفصيل هذا

стр. 111

قاعدة مهمة في الخلاف العقدي ما من باب حدث فيه نزاع بين أهل القبلة إلا ومنه ما هو محل اتفاق. فمن خرج عن موارد الاتفاق عند السلف، قيل: خرج من السنة إلى البدعة، وقد تكون هذه البدعة بدعة كفرية، لكن من خرج عن مورد اتفاق أهل القبلة، قيل: خرج من الإسلام إلى الكفر. هذه قاعدة لا بد أن يعرفها طالب العلم. قد يقول قائل: ما محل الاتفاق في الصفات؟ فأقول: من موارد اتفاقهم -أعني أهل القبلة: جميع المسلمين من أهل السنة وغير أهل السنة- في باب الصفات أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص. قد يقول قائل: كيف أجمعوا على ذلك مع أن المعتزلة تنفي الصفات، ونفي الصفات نقص؟! فأقول: إن أهل القبلة من المسلمين سنيهم وبدعيهم اتفقوا على أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص، وإنما اختلفوا في تحقيق المناط؛ أي: ما هو الكمال وما هو النقص، المعتزلة قالوا قولتهم، وهي في نظرهم كمال لا نقص، والأشاعرة يرون أن مذهبهم هو كمال الرب، والماتريدية يرون مذهبهم كذلك، والكرامية يرون مذهبهم كذلك، والشيعة يرون مذهبهم كذلك. وأيُّ طائفة تقول قولاً وهي تعلم أنه نقص فهي طائفة غير مسلمة، لأنها خرجت عن اتفاق أهل القبلة من أن الله مستحق للكمال، منزه عن النقص. إذاً: ما من أصل من أصول الدين إلا وفيه قدرٌ كلي مشترك بين سائر أهل القبلة، فمن خرج عن هذا الاتفاق فقد كفر، ثم يبقى فيه قدر من النزاع بين أهل السنة وغيرهم، فمن خرج عن اتفاق أهل القبلة خرج من الإسلام إلى الكفر، ومن خرج عن اتفاق أهل السنة خرج من السنة إلى البدعة. وحين نقول: خرج من السنة إلى البدعة لا يعني ذلك أن البدعة لا تكون بدعة كفرية؛ بل قد تكون بدعةً كفرية وقد تكون دون ذلك، وإذا كانت بدعة كفرية، فلا يلزم أن قائلها يكون كافراً، بل هذا معتبرٌ بشرطه وانتفاء مانعه.

стр. 112

وسطية أهل السنة في الوعد والوعيد قال المصنف ﵀: [وفي باب وعيد الله بين المرجئة وبين الوعيدية من القدرية وغيرهم]. الطوائف في تسميتها أحياناً تنسب لشخص كالجهمية، فهي من حيث اللفظ نسبة إلى الجهم بن صفوان، ولكن مراد السلف المعنى، وهو نفي الصفات. والمرجئة ليست نسبة لشخص، وإنما هي نسبة لمعنى، وهذا المعنى مشترك، بمعنى أن الإرجاء ليس وجهاً واحداً، بل كما ذكر الأشعري في المقالات أن المرجئة ثنتا عشرة طائفة؛ فيهم الغلاة كـ جهم بن صفوان، وقد نطق جملة من أئمة السلف كـ أحمد ووكيع وابن مهدي أن قوله في الإرجاء كفر، وفي المرجئة قوم من الصالحين والعلماء المعروفين، وهم من يسمون بمرجئة الفقهاء كـ حماد وأبي حنيفة وأمثال هؤلاء. ولكن في باب الوعيد يغلب على المرجئة التفريط. أما الوعيدية من المعتزلة أو من القدرية -ويقصد بالقدرية هنا المعتزلة، إذ ليس كل قدري وعيدياً، فإنه زل في مسألة القدر أقوام ليسوا من أهل القول بالوعيد على طريقة المعتزلة والخوارج- فإنهم يرون أن أصحاب الكبائر مخلدون في النار، وهذا مذهب المعتزلة والخوارج، كما هو معروف، وقلدهم طائفة من الشيعة. والمرجئة ليس لهم مذهب منضبط في هذا، وإنما يقال: إنهم في الجملة عندهم تفريط في باب الوعيد، فليس ثمة تقابل بين البدعتين من كل وجه، بمعنى أنه لما قالت الوعيدية من الخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة مخلد في النار، فلا يفهم من هذا أن المرجئة تقول أنه لا يعذب في النار أبداً، بل هذا المذهب لم يصح عن أحد من المرجئة بعينه من الأكابر المعروفين، وهي جملة: (لا يضر مع الإيمان ذنب). فهذه الجملة -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لم تنضبط عن قائل بعينه من المعروفين بالعلم والمقالات، ونسبها الأشعري في مقالاته وابن حزم في الفصل إلى مقاتل بن سليمان، ونص ابن تيمية في منهاج السنة أنها لا تصح عنه، وهي قد تكون جملة لغلاة من القدرية كانوا يذهبون إلى هذا المذهب، فليس هناك مانع أن ثمة طائفة تذهب إلى أنه لا أحد يعذب من أهل الكبائر. والمقصود: أن هذا القول ليس مذهباً متحققاً من حيث النقل التاريخي، لكن لا يمتنع أن يقول به قائل من غلاة المرجئة.

стр. 113

وسطية أهل السنة في باب أسماء الإيمان قال المصنف ﵀: [وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية]. أسماء الإيمان والدين يقصد بها تسمية العبد بالإيمان أو الإسلام أو الكفر أو الفسق، أو ما إلى ذلك. ويقصد بالحرورية الخوارج، وهي نسبة إلى مكان اجتمعت فيه الخوارج، عند نقضهم خلافة علي بن أبي طالب ﵁. وقد ذكر المصنف المعتزلة لأنهم أيضاً غلاة في هذا الباب؛ فالخوارج تسمي مرتكب الكبيرة: كافراً، وجمهورهم يقولون: إنه كافر كفر ملة، وعبد الله بن إباض يقول: إنه كافر كفر نعمة. والمعتزلة تقول: إنه فاسق، لكنه فسق مطلق لا يجتمع معه شيء من الإيمان، بخلاف الفسق الذي يعتبره أهل السنة في مرتكب الكبيرة، فهو فسق يجامع أصل الإيمان، هذا هو الفرق بين تسمية أهل السنة لمرتكب الكبيرة بأنه فاسق، وتسمية المعتزلة صاحب الكبيرة بأنه فاسق. إذاً: ليس عند المعتزلة إلا اسم واحد في الخارج، إما المؤمن وإما الكافر وإما الفاسق. فالكافر عندهم: من كفر بأصل الدين، كاليهود. والفاسق عندهم: من ارتكب الكبائر. والمؤمن عندهم: من سلم من الكبائر، ولا يجتمع اسمان لمسمى واحد. ولا شك أن هذا مخالف لصريح النصوص، فإن الإيمان شعب، والفسق شعب، والكفر شعب، كما قال ﵊ في حديث أبي هريرة في الصحيح: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت)، وكما في قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم)، وكما في حديث أبي ذر في الصحيح: (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)، فإذا قال شخص لشخص: (يا كافر) وهو يعرف أنه مسلم، لكن سبه بقوله: (يا كافر) لأنه فعل فعلاً مشيناً أو فعل فعلاً من أفعال الكفار، أو ترك أخلاق المسلمين إلى أخلاق الكفار، لا يكون أحدهما كافراً وخارجاً من الملة، ولا يخرج القائل من الملة، إلا إذا سماه كافراً بما هو من الإسلام، لأنه كفر بالإسلام، وأما إذا قال شخص لشخص يا كافر، لأنه اشتبه عليه أنه كافر، فهذا تأويل. وكذلك إذا قالها من باب السب لكون هذا الفاعل فعل ما هو من أفعال الكفار وأخلاقهم، كما كان بعض الصحابة ﵃ يقول أحياناً: دعني أضرب عنق هذا المنافق، مع أنه يعرف أنه من الصحابة، لكنه فعل فعلاً ليس من أفعال المؤمنين، والأشبه أنه من أفعال المنافقين فيسميه به في حاله، فهذا ليس هو المقصود في قول النبي ﷺ ، وإن كان لا يفهم من هذا: التسويغُ للسب بالكفر أو النفاق، فإن هذا لا يجوز، حتى لو فعل الفاعل خلقاً من أخلاق الكفار، كالغدر والسرقة والكذب وهي من أفعال المنافقين، أو الطعن في النسب، وهذه من خصال الكفر، فلا يجوز أن يُسب بالكفر. هذه الطريقة ليست هي الطريقة العلمية الراجحة، ولهذا لم يستعملها أبو بكر في حياته مرةً واحدة، وهي قول: (نافق فلان، أو دعني أضرب عنق هذا المنافق، أو إنك منافق تجادل عن المنافقين)، صحيح أنها وقعت لبعض الصحابة في حالٍ معينة، حميةً لله ورسوله، ولكنها ليست من الطرق الراجحة في العلم، ولهذا ما استعملها الرسول ﵊ ولا أبو بكر ﵁. لو كان هذا مما يسمى به لسمى به، كما قال لـ أبي ذر: (إنك امرؤٌ فيك جاهلية) فالصحابة يجب أن يُقتدى بهم فيما هو من سننهم البينة، لا في بعض الاجتهادات التي قد تكون مرجوحة، ولا يظن أحد: أن الرسول أقرها، لأن الإنكار للشيء لا يلزم ومنه أن الرسول ﷺ بصريح الكلام ويقول: أخطأت وكذبت، فأحياناً من أحيانه ﷺ يُعْرَف أنه لا يريد هذا التعبير من انصرافه عن تصديقه، والرسول ﵊، في غالب الأحوال ينصرف عن تصديق هذا الكلام، أي: لا يؤيد أن هذا الرجل منافق، لكن لما قيل له: (دعني أضرب عنق هذا المنافق)، في قصة عبد الله بن أبي، صدق الكلام، لكنه اعتذر، وهذا من حكمته ﵊، ففي قصة ابن أبي صدق أن الرجل منافق، ولكنه اعتذر بقوله: (لا يتحدث الناس، أن محمداً يقتل أصحابه)، ولما قيلت هذه الكلمة لرجل من السابقين ومن أهل بدر؛ حيث قال عمر ﵁: (دعني أضرب عنق هذا المنافق)، في قصة حاطب في الصحيح، قال ﷺ : (إنه شهد بدراً) فهذا اعتذار عن تصديق الكلمة، (وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، فهذا الحديث منه هو نفي لكلمة عمر، وأن أهل بدر لا منافق فيهم. وأحياناً يقع منه ﷺ أنه لا ينصرف إلى تصديقها، ولا ينصرف إلى ردها، وإنما يعرض عنها، كأنه لم يسمعها، فهذا أيضاً فيه جمع بين المصلحتين: بين مصلحة حمد هذا المتكلم لغضبه وحميته لله ورسوله، حتى لا يقال: إنه أسقط غضبه أو رد فضله وديانته وحميته إلى غير ذلك، وفيه ترك للكلمة من حيث هي كلمة. إذاً هذه الطريقة ليست طريقة يسلكها الرسول ﵊ ولا أبو بكر ولا عمر، حتى عمر قالها في مواضع فقط، ولم يقلها في كل موضع، وقالها ﵁ في مواضع اجتهاداً، بعضها كان في محله كقوله عن عبد الله بن أبي، وكقوله عن ذي الخويصرة التميمي الذي قال: (إنك لم تعدل يا محمد) وأحياناً يجتهد عمر في مقام، فيعذره النبي ﷺ من وجه، ويبين له المراد في الوجه الآخر. قال المصنف ﵀: [وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية]. المرجئة فرطوا في هذا الباب، وسموا أصحاب الكبائر بالمؤمنين، وهذا مما استقر عليه كلام المرجئة، أنهم يرون أن أصحاب الكبائر يسمون مؤمنين بالإطلاق، والجهمية هم وجه من أوجه المرجئة ولكنهم غلاة المرجئة.

стр. 114

وسطية أهل السنة في الصحابة قال المصنف ﵀: [وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة وبين الخوارج]. قوله: (وفي أصحاب رسول الله) أي: في حق الصحابة وعدالتهم وديانتهم. (بين الرافضة) وهم الذين سبوا أصحاب النبي ﷺ ، وتولوا علي بن أبي طالب ومن معه من آل البيت، ولهم مذاهب شتى في هذا الباب، ولعل المصنف لو قال: (الشيعة) لكان أظهر من جهة السعة، فإن عامة طوائف الشيعة تقع في الصحابة وإن كانوا على درجات في هذا الباب. (وبين الخوارج) وهم من قابل الشيعة في هذا الباب، حيث كفروا علي بن أبي طالب ﵁. وليس هناك مذهب متقابل على الإطلاق، فلا يفهم أن ثمة مكفراً للصحابة وغالياً في الصحابة، إنما يوجد وجه من الغلو في قوم وتكفير كما عند الشيعة، فهم يغلون في علي ويسبون آخرين، والخوارج تكفر علياً وربما تحمد آخرين وهلم جراً.

стр. 115

شرح العقيدة الواسطية [١٣] مسألة علو الله تعالى على خلقه من المسائل الأصول في باب الأسماء والصفات؛ لأن إثباتها يستلزم إثبات جملة من الصفات، وقد أثبت أهل السنة والجماعة هذه الصفة بدليل العقل والفطرة فضلاً عن الأدلة الشرعية.

стр. 116

علو الله على خلقه ومعيته لهم بعلمه والأدلة على ذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه عليٌّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤].]. بعد أن أجمل المصنف ﵀ أصول السلف أهل السنة والجماعة دخل بعد ذلك في ذكر مفصل جملة من مسائلها، فقال: (وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله ﵌. قوله: (قد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله) هذا عود على مقدمة المصنف في أول رسالته، فحين قال: (أما بعد .. فهذا اعتقاد الفرقة الناجية الطائفة المنصور إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة)، قال: (وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)، فجعل المسائل التي عرض لتفصيلها بعد ذلك متضمنة في الأصول الأولى التي أجملها، وهي الأصول التي ذكرها النبي ﵌. وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وفي الجملة: أن عامة المسائل التي يفصلها المصنف من هذه الجملة إلى آخر الرسالة، لك أن تقول أنها داخل في الإيمان بالله، ولك أن تقول: إنها داخلة في الإيمان بالرسل، ولك تقول: إنها داخلة في الإيمان بالكتب إلى غير ذلك، وهذا باعتبار الدلالات المعروفة في الكلام، وهي ثلاث: (دلالة مطابقة، أو دلالة تضمن، أو دلالة التلازم). فالإيمان بالعلو يُقال: (دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله) لأنه صفة من صفاته، وهو كذلك إيمان بالكتب، لأنه مذكور في الكتب السماوية، وهو كذلك إيمان بالرسل، لأن الرسل حدثوا قومهم بأن الله في السماء. ولك أن تقول: وهو إيمان بالملائكة من جهة اللزوم، من جهة أن الوحي إنما جاء به ملك، فمن لزوم الإيمان بالملك الإيمان بتصديقه، وأن من تصديقه الإيمان بصدق ما أوحاه إلى النبي ﷺ من رب العالمين ، فهذا باب واسع. ولهذا لا عجب أن المصنف في مسألة يقول: (وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله) وفي مسألة بعدها يقول: (وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله وملائكته ورسله)، فهذا كله مبني على مسألة الدلالات، وفيها سعة عند اعتبارها، ولا سيما إذا اعتبرت دلالة التناسب. وأول مسألة ذكرها المصنف هنا هي مسألة العلو، وهذا باعتبار أن هذا الأصل -وهو صفات الله هو أشرف الأصول التي ذكرها في رسالته، فإنه ذكر في رسالته جملة من الأصول، كأنه أجملها في قوله: (وهم وسط في باب صفات الله ...)، (وهم وسط في باب أفعال الله ...) فأشرف الأصول التي ذكرها ما يتعلق بالصفات، وقد درج كثير من السلف -بل وكثير من متكلمة أهل الإثبات- على العناية بتقرير مسألة العلو، وأعني بمتكلمة أهل الإثبات من يثبت العلو من متكلمة الصفاتية، كـ عبد الله ابن كلاب والأشعري وأمثالهم. وإنما درجوا على ذلك، لأن هذه المسألة -أعني مسألة علو الله تعد أصلاً في هذا الباب عند سائر الطوائف، فبثبوتها يلزم ثبوت جملة من الصفات، عند أهل الإثبات من السلف، وفضلاء متكلمة الصفاتية، كـ ابن كلاب والأشعري، وبنفيها عند النفاة كالجهمية والمعتزلة ومتأخري الأشاعرة، نفوا جملاً كثيرة من الصفات. ولهذا تعد مسألة العلو أصلاً، باعتبار أن إثباتها يستلزم إثبات جملة من الصفات، وأن نفيها عند من نفاها يستلزم نفي جملة من الصفات، ولهذا هي موجبة طرداً وعكساً، حسب المذاهب التي ظهرت عند طوائف من أهل القبلة في هذا الباب، ولهذا عُني السلف بها من هذا الوجه. ومن جهة أخرى: قدم المصنف هذه المسألة لما لها من الشرف في كتاب الله من جهة تفصيلها، فإن علو الله فصل في القرآن تارةً بأنه في السماء، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وتارةً بذكر فوقيته تعالى كقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] وتارةً بذكر علوه كقوله سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وتارةً بصعود الأشياء إليه أو بعروجها إليه أو بالنزول منه إلى غير ذلك. وهذا المذهب هو الذي تقتضيه الفطرة والعقل والشرع، فنقول: إن مسألة العلو -ومحصلها أن الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه- دليلها وشاهدها الفطرة والعقل والشرع، واعتبار الدلالات العلمية، وهي من أهم المسائل التي حصل فيها غلط. ولك أن تقول: إن أكثر غلط المتكلمين في مسائل الإلهيات والمعرفة عموماً هو فرع أو لازمٌ عن غلطهم في فقه الدلالات، ولهذا يجب التنبيه على هذا النوع من الدلالات، خاصة أن الغلط فيها لم يقتصر على المتكلمين أو قدماء المتكلمين، بل دخل على متكلمة أهل الإثبات، وبعض المتأخرين من أصحاب السنة.

стр. 117

أدلة علو الله على خلقه الأدلة التي تشهد لمسألة العلو: الفطرة والعقل والشرع.

стр. 118

دليل العقل العقل: دلالة العقل: إما من حيث الضرورة أو المقتضى العقلي، وهو تقسيم معروف عند النظار من أهل المنطق، وإن كان فيه قدر من النزاع، لكنه هو المحصل من جهة الصواب، فثمة دلالة العقل الضروري ودلالة العقل النظري. وعليه يمكن أن تقول: إن الأدلة باعتبار الإضافة تكون أربعة: إما أن يكون الدليل فطرياً، وإما أن يكون الدليل على مسألة ما عقلاً ضرورياً، وإما أن يكون الدليل عقلاً نظرياً، وإما أن يكون الدليل نقلياً أي شرعياً. والأفضل أن لا يُقال شرعي، إنما يقال نقلي؛ لأن العقل متضمن في الشرع، ولكن العقل ليس نقلاً، إنما هو اقتضاء إدراكي، قد يكون هذا الإدراك ضرورياً، وقد يكون هذا الإدراك نظرياً. ولا يسمى العقل في الحالين نقلاً، وإذا وردت بعض صور العقل في خطاب الشارع سمي خطاباً عقلياً باعتبار، وسمي خطاباً شرعيا باعتبار كونه آيةً أو حديثاً عن رسول الله ﵌.

стр. 119

دليل الفطرة الفطرة: دلالة الفطرة هي معنىً من القوة يكون مع الإنسان عند وجوده، ولهذا دلالة الفطرة سابقة لدلالة العقل، يقول الرسول ﵊ كما في الصحيحين: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، يولد على الفطرة: أي على الإقرار بالتوحيد، وهنا يقول أهل العلم: إن توحيد الربوبية -مثلاً- فطري، لأن الرسول ﵊ قال: (كل مولود يولد على الفطرة ..) مع أن المولود عند ولادته لا يتمتع لا بالعقل الضروري ولا بالعقل النظري، لأن قوة العقل لم تتكون عنده، فدل الحديث على أن الفطرة قوة من المعنى الوجودي ثابت في النفس عند الخلق، فكما أن الإنسان يولد وله يد، فهو يولد وفيه فطرة. قد لا يستطيع العقل أن يفقه عن مدرك الفطرة أكثر من هذا، لكنها شيء قائم، ولهذا قال ﵊: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) مع أنه عند تهوده وتنصره أو تمجسه، يكون قد شهد مدرك العقل، ولهذا لا يمكن أن الأبوين يهودان الصبي إلا عندما يكون عنده التمييز العقلي، حتى يفقه أن هذا مسلم وأن هذا يهودي .. إلخ.

стр. 120

الفطرة تدل على عامة الأصول الشرعية أو تقتضيها عامة الأصول الشرعية: إما أن تدل عليها الفطرة أو تقتضيها، وفرق بين الجهتين: الجهة الأولى: أن تكون الفطرة دلت على طلب هذا الأصل. الجهة الثانية: أن تكون الفطرة دلت على قبوله عند طلب الشارع له؛ بمعنى أن الفطرة تقتضيه. ولهذا عامة التشريع تقتضي الفطرة طلبه ابتداءً أو تقتضي قبوله عند طلبه، ولا تنافيه، لكن الفطرة ابتداء لا تعين تفصيل مسائل الشريعة، فالفطرة لا يمكن أن تعين أن الصلوات خمس، وأن صلاة الضحى ركعتان إلى ثمان، وأن الظهر أربع .. إلخ. الفطرة تقتضي وتطلب التعبد لله كجملة، الخضوع لله كجملة، العدل كجملة، لكن تفاصيل مسائل العدل المالية لا تتوصل إليها الفطرة قبل ورود الشرع. إذاً الفطرة هي معاني كلية من هذا الوجه، إما أنها تقتضي الطلب، كاقتضاء الفطرة للتوحيد، وكل الأصول الكلية من الدين كالتوحيد تدل عليها الفطرة طلباً، أي أن الفطرة ترغب في تحصيلها، وهذا معنى قوله ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة) وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، وقد تكون الفطرة دون درجة الطلب، ولكنها تقتضي الموافقة عند وجود الشيء تشريعاً أو خبراً. هذا ما يتعلق بذات الفطرة، وعليه ندرك أن التوحيد -توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات- تدل عليه الفطرة، ولا يصح أن يقال: إن الفطرة لا تدل إلا على توحيد الربوبية، فهذا الكلام غلط شديد، بل الفطرة تدل على توحيد الله، وتوحيد الله سبحانه -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معرفته وعبادته، فإن قيل: التوحيد هو العبادة، قيل: هذا ممتنع؛ لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة، ولا يمكن أن يعبد شخص ما لا يعرفه، حتى الذين يعبدون الأصنام يعرفونها كأصنام، ومن يعبد رجلاً صالحاً عنده عنه معرفة، وقد تكون هذه المعرفة فيها غلط، لكن عنده معرفة معينة، عنده إدراك معين، حتى من يعبد عيسى ﵊ عنده معرفة معينة، قد تكون هذه المعرفة فيها ضلال، ادعى أن فيه ألوهية أو ما إلى ذلك، لكن لديه مدركاً عن معبوده؛ بمعنى أن عبادة غير المدرك ممتنعة عقلاً، لا يمكن أن يعبد أحد من لا يعرف، لكن إما أن تكون المعرفة صحيحة أو غير صحيحة، ناقصة أو غير ناقصة، فهذه مسألة أخرى. فتوحيد الله هو معنىً كلي واحد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (توحيد الله معرفته وعبادته)، وإنما قسم أهل العلم ﵏ التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاثة، أو إلى توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الإرادة والقصد من باب التراتيب العلمية. ولهذا يقال: إن توحيد الله -سواء كان جهة ربوبيته أو جهة ألوهيته أو جهة أسمائه وصفاته- هو من حيث أصله الكلي ثابت بالفطرة. ولا يجوز أن يقال: إن توحيد الربوبية وحده فطري، وتوحيد الألوهية والعبادة تشريعي. وأحياناً يستشكل البعض هذا، ويقول: إن الرسل بعثوا بتوحيد الألوهية. فأقول: نعم، حتى لو بعثوا بتوحيد الألوهية، لا يمنع ذلك أن أصله فطري؛ فإن الرسل بعثوا مع كون أصل الألوهية فطرياً من أجل أمرين: الأمر الأول: درء الشرك الذي طرأ على التوحيد، أي: إبعاد الناس عن عبادة غير الله، ولهذا أول الرسل إلى الأرض نوح ﵊، ولم يحتج الناس قبل نوح إلى رسول، كما قال ابن عباس ﵄: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون على التوحيد) لأن ثمة إقراراً وإفراداً لله بالعبادة. الأمر الثاني: من أجل تفصيل التوحيد؛ لأنا لا نقول: إن توحيد الألوهية بمفصله فطري، فقد تقدم أن الفطرة لا تدرك المفصلات، وإنما المفصل يدرك من الوحي، قال الله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] الصلوات الخمس من توحيد الألوهية، لأنها قيام لله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] ولأنها سجود لله، ولأنها ركوع لله، ولأنها دعاء لله .. إلخ. والرسول ﵊ أو غيره لا يمكن بفطرته أن يدرك الصلوات الخمس: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى:١٣]، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى:٢١] من ادعى تشريعاً قبل الوحي فهو مدعٍ على الله . إذاً تفصيل الألوهية شرعي، بخلاف أصلها الكلي فهو فطري، هذا هو الحق، كذلك الربوبية، وإن كان الإدراك الفطري في مقاماتها أكثر من الألوهية، إلا أن بعض مقامات الربوبية شرعي، فعندنا من ربوبية الله أنه ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، وفي هذا معنى من ربوبيته. وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله يقولون: توحيد المعرفة، وتوحيد الطلب، فيجعلون الربوبية والأسماء والصفات جهة واحدة، وجاء من بعدهم أو من قبلهم فقسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام، لأن الجهة التي حصل فيها شقاق من بعض أهل البدع -وهي من ربوبية الله- هي مسألة الأسماء والصفات، وخصوها لاختصاصها عند السلف، وهذا كله ترتيب علمي لا بأس به، لكن لا ينبغي أن يعطى أكثر من حقه. إذاً: نزول الله إلى السماء الدنيا الذي حدث به الرسول ﵊ -كما في المتفق عليه عن أبي هريرة - هو من معاني ربوبية الله، وهو أمر لم ندركه بالفطرة، بل أخبر به الرسول، ولما أخبر به قبلته الفطرة؛ لأنه كمال من كمال الله، والفطرة أصلها مبني على الإقرار بكمال الله كأصل كلي. وحتى لو رجعنا إلى التقسيم الثلاثي، وأخذنا موضوع الربوبية على معناه الخاص، فهناك مسائل هي داخلة في الربوبية، كتفاصيل أفعال الله وقضاء الله وقدر الله، ومع ذلك لا تعرف إلا بإخبار الرسل، ولا يستطيع أحد أن يعرف قبل إخبار الرسول ﵊ أن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات بخمسين ألف سنة، فهذا مما لا تعلمه الفطرة، بل الكتابة ليست أصلاً ضرورياً لكمال الله لولا أن الرسل حدثت بها، بخلاف علمه ؛ فإن معرفة أن الله سبحانه بكل شيء عليم تدركه الفطرة، لكنها لا تدرك تفاصيل الكتابة أن الله كتب وأنه يرسل الملك، الفطرة تقبلها نعم، ولا تعارض شيئاً مما جاءت به الشرائع، لا خبراً ولا تشريعاً. والمقصود أن التوحيد -سواء كان جهة الربوبية أو الأسماء والصفات أو الألوهية- كله فطري من حيث أصوله، وإن كان مقام الربوبية أظهر في تفصيل الفطرة من مقام الألوهية عند عامة الخلق، ليس في نفسه، وإنما عند عامة الخلق، لأن ضلال الناس في باب الألوهية أكثر من ضلالهم في باب الربوبية، وهذا أمر لا جدل حوله، فمشركو العرب جهة ضلالهم أكثر في الألوهية، ولهذا بعث الله الرسل يدعون إلى توحيده أي إفراده بالعبادة، لأن أصل الربوبية مُسلّم عند عامة الناس، لكن لا يفهم من هذا أن مشركي العرب أو غيرهم كانوا محققين للربوبية. ليس هناك أمة مشركة تحقق ربوبية الله أبداً، هذا ممتنع عقلاً وشرعاً؛ لأن كل من يعبد الأصنام، كمشركي العرب أو قوم هود أو قوم صالح، وكل من يعبدون غير الله ، كل هؤلاء يعتقدون في معبوداتهم أنها تجلب كشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنها تنفع وأنها تضر، وهم يستسقون بها، ويستشفون بها، ويسألونها رد الغائب وشفاء المريض، مع أن مسألة رد الغائب، وشفاء المريض وكشف الكربة وقضاء الحاجة. واعتقاد النفع والضر هي من معاني ربوبية الله . إذاً هم صرفوا قدراً من ربوبية الله لغيره، لكن في باب آخر، وهو المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] لا شك أنهم في هذا الأصل يقرون، أن الله هو الخالق وأنه الرازق. إذا قال قائل: إنهم لا يعتقدون في معبوداتهم أنها تنفع وتضر بذاتها، وإنما هي وسيلة، قيل: وحتى في عبادتها، فإنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فحتى في باب الألوهية، يشركونها مع الله: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) ولهذا كان المشركون في طوافهم يقولون: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك). وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ أن مسألة الربوبية عامة بني آدم يقرون بها، لظهورها من جهة الفطرة عند المسلمين وغير المسلمين، لكن الإقرار ليس هو التحقيق، بل التحقيق: أن من حقق الربوبية أقر بالألوهية، وهذه هي طريقة القرآن، والله ما أخبر عن المشركين، بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) من باب امتداحهم، إنما من باب إلزامهم، أن هذا الحق المجمل الذي عندكم -وهو الإيمان بأن الله هو الخالق- يستلزم التحقيق. وتحقيق هذا الإيمان المجمل في الربوبية يكون بتقرير الألوهية، ولهذا لا ترى أحداً حقق ربوبية الله تحقيقاً تاماً إلا ولزمه أن يؤمن بألوهيته . وأحياناً يخطئ بعض طلبة العلم فيقول: إن توحيد الربوبية وحده هو الفطري، بخلاف توحيد الألوهية، ولذلك بعثت له الرسل. نعم بعثت الرسل لتوحيد الألوهية، لكن لا يعني هذا أن أصله ليس فطرياً، قال ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة). ألسنا نقول الآن: إن عامة الأمم تقر بالربوبية، وقد قال الرسول ﵊: (فأبواه يهودانه)، إذا نقلاه عن الفطرة باليهوديه، مع أن اليهودي يقرون بالربوبية، فالرسول ﵊ يقول: (فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، وفي لفظ: (أو يشركانه) أي: يقودانه إلى الشرك، وهو كذلك، حتى

стр. 121

الجمع بين مقامي العلو والمعية قال المصنف ﵀: [وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق]. نهى السلف عن التأويل الذي استعمله أهل البدع، وقد استشكل بعض المتكلمين المتأخرين ذلك وقالوا: إن السلف وقع في كلامهم مادة من التأويل، وذلك في مسألة المعية، حيث قالوا في آيات المعية العامة: إن الله مع الخلق بعلمه، وفي مثل قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] أن هذا من باب المعية الخاصة، ومقتضاها النصر والتأييد، فقالوا: إن الأولى معناها العلم والإحاطة، والثانية معناها النصر. فظن المتكلمون أن هذا من باب التأويل، والأمر ليس كذلك؛ لأن التأويل باصطلاح أصحابه خروج عن المعنى الظاهر إلى المعنى الخفي لقرينة، أو خروج من حقيقة الكلام إلى مجازه، وآيات المعية ليس فيها خروج عن الحقيقة إلى المجاز ولا عن الظاهر إلى الخفي. ولهذا من قال: إن قول السلف في معية الله العامة، أن الله معنا بعلمه، من قال: إن هذا تأويل، يرد عليه بعدة ردود. ومن أخص الردود البينة القوية أن يقال: إذا كان هذا هو التأويل، فما هو الأصل؟ لأن المعتزلة حين قالوا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] استولى، قلنا: هذا تأويل، سيقول لك قائل: إذا سميت الاستيلاء تأويلاً، فما هو الحقيقة والأصل؟ تقول له: الحقيقة والأصل: العلو، فمعنى (استوى): علا على العرش. إذاً: إذا قال أهل البدع: إن السلف أولوا المعية، فقالوا: إن الله معنا بعلمه، قلنا لهم: إذا سميتم هذا تأويلاً كان ذلك التأويل هو المعنى المجازي للسياق، باصطلاح أهل التأويل، فما هو المعنى الحقيقي للسياق الذي خرجنا عنه؟ فباتفاق الناس من أهل التأويل وأهل البدع أو من أهل السنة أن التأويل يستلزم أو يقتضي ثبوت أحد معنيين أحدهما الحقيقة أو الأصل أو الظاهر، وهو المتبادر، والثاني: إما أن يسمى مجازاً أو خفياً أو خارجاً عن الأصل، لقرينة. إذا قال المعترض: إن قول السلف في المعية: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] أنها معية بنصره، هو من التأويل، قيل له: إذا سميته تأويلاً فمعناه أنه معنىً مجازي، فأين حقيقة السياق؟ وأين ظاهر السياق؟ وأين أصل السياق من جهة المعنى؟ هنا لا مكان عنده إلا أن يقول: إن ظاهر السياق أن الله مع أبي بكر ورسوله بذاته، قلنا: هذا لا يمكن أن يكون ظاهر السياق، لأن ظاهر السياق هو المعنى المتبادر ابتداء من جهة اللغة. ومن جهة العقل، ولا يتبادر لغة ولا عقلاً، أن الله بذاته مع الرسول وصاحبه، بل هذا ممتنع عقلاً، فلما كان ممتنعاً عقلاً، امتنع أن يسمى حقيقةً، بل المتبادر عقلاً والممكن عقلاً -وهو الواجب عقلاً- أن الله مطلع وحافظ وناصر لنبيه، ولهذا كل معية خاصة فهي تتضمن معنى المعية العامة ولا عكس، فقوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] معية خاصة، تتضمن الحفظ والنصر وتتضمن أيضاً العلم والإدراك والإحاطة، فليس هذا من باب التأويل، هذه جهة. الجهة الثانية: أن هذا ليس من باب التناقض أن الله سبحانه فوق سماواته، وأنه مع الخلق، لأن معيته بعلمه وفوقيته بذاته، وهناك فرق بين معنى الذات وبين معنى العلم، والمصنف هنا قال: لا توجبه اللغة؛ بمعنى أن كلمة (مع) في لسان العرب تقتضي مطلق المشاركة والمصاحبة بين الشيئين، ثم تكون هذه المصاحبة: إما بمعنى الذاتية، أو بمعنى العلم، أو بمعنى الإبصار، لا أحد يستطيع أن يحدد، إنما يقال: إن هذا بحسب ما يوجبه السياق، ولهذا لا يتعجب من بعض أهل البدع في ردهم على أهل السلف، يقولون: وظاهر آيات المعية أن الله بذاته مع الخلق، ثم يأتيك بقول من أقوال العرب في ذكر المعية الذاتية، وهذا غير ممتنع في لسان العرب، لكن السياق العربي يختلف. ولهذا نجد في سياق كلام العرب ذكر المعية، ومعناها الإبصار، لا العلم ولا المخالطة الذاتية، مثل قولهم: (ما زلنا نسير والقمر معنا)، فهذه المعية ليست معية علمية ولا حفظاً ولا نصراً ولا هي معية ذاتية، إنما معناها الإبصار. ونجد في كلام العرب ذكراً لحرف المعية، ويراد به الحفظ، أو النصر، أو العلم، أو المخالطة الذاتية، ولسنا نقول: إنه لا يوجد في لسان العرب مخالطة ذاتية، بل يوجد ذلك، لكن هذا مما يوجبه السياق، والمعية التي أضيفت إلى الله يمتنع أن يَرِد في مقامها مسألة الاختلاط والحلول، لأن الله منزه عن هذا. هذه جهة أن تقول: إن الله منزه، ولك أن تقول: إنها جهة سمعية عقلية. ومن جهةٍ عقلية أخرى: لأنه منزه عن الحلول والاختلاط وتقدس عن ذلك، لأنه ممتنع، فهو ليس منفياً بخبر الشارع، هو منفي بخبر الشارع، ولكنه أيضاً ممتنع عقلاً. قال المصنف ﵀: [بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر، أينما كان، وهو سبحانه فوق عرشه، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع عليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة]. يعني المصنف ﵀ بذلك يعبر عن معاني صفاته في العلو وغيره بحروف القرآن والحديث، إلا أن يكون المخاطب يحتاج إلى تفصيل، فيعبر له بجمل من فصيح الكلام الذي ليس فيه إحداث وابتداع وليس فيه إجمال. ولا تذكر الألفاظ المجملة الحادثة، في مقام صفاته ، وإذا كان اللفظ مجملاً حادثاً، فهو يعرض عنه في تقرير عقيدة السلف. ولهذا ينبغي الإعراض عن كلمة (ذاته) في المعية. وأحياناً يقع السؤال: هل نقول: إن الله معنا (بذاته) معيةً علمية، فنذكر كلمة (ذاته) هذه على وفق قواعد السلف وقواعد الشرع والعقل؟ فأقول: إن معرفته سبحانه يعبر عنها بأحرف الكتاب والسنة، وقد يبين المعنى المراد المذكور في الكتاب والسنة بحروف من فصيح الكلام الذي استعمله الأئمة، أو بفصيح الكلام الذي لم يستعملوه؛ بشرط ألا يكون هذا الحرف الذي لم يرد في الكتاب ولا في السنة مجملاً حادثاً. فإن الألفاظ المجملة الحادثة محل ذم عند السلف، فلا يجوزون استعمالها في أفعال الله وصفاته. وإذا رجعنا لكلمة (ذاته) نجدها مكونة من كلمتين: كلمة (ذات) مضافة إلى الله على معنى الصفة أو الفعل أو الوجود نفسه، وهي بهذا المعنى لا أصل لها في القرآن ولا في السنة، فهي إذن حادثة. الثاني منع استعمالها، والذي نهى السلف عن التعبير به هو اللفظ الذي جمع أمرين: الإجمال والحدوث، أما إذا كان حادثاً لكنه مفصل، فهذا لا بأس به، مثل قولهم: بائن من خلقه، فهذه الكلمة لم يقلها الرسول وليست في القرآن، لكنها من مفصل الكلام، فلا بأس بالتعبير بها، وكل لفظ مجمل حادث يمتنع التعبير به، فكلمة (ذاته) حادثة، وإن كانت وردت عن أبي هريرة في الصحيح: (لم يكذب إبراهيم النبي إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله) فهذه لها معنى آخر، أي: في طاعة الله ونصرة دينه .. إلخ. أما كلمة (ذات) بمعنى الصفة أو الوجود نفسه فإنها لم ترد، فهي حادثة، لكن هل هي مجملة أم ليست مجملة؟ الإجمال: إما أن يكون من أصل الوضع، وإما أن يكون بحسب الاستعمال وطروء الأقوال التي توجب إجمال حرف من الحروف. فكلمة (ذاته) إذا استعملت في مقام لا يحتمل الإجمال، كقولك: الله بذاته فوق سماواته، كان هذا استعمالاً صحيحاً، وإن كان لفظ (ذات) حادثاً إلا أنه في هذا السياق مفصل، لا يحتمل باطلاً، بل أريد به تصريح بالحق؛ فإن المخالف قد يقول: الله في العلو، ولكن هذا العلو ليس علو الذات، فيحتاج أن يقال: (بذاته) أما إذا استعملت كلمة (بذاته) في سياق المعية، فإنها تكون مجملة، لأن أصحاب الحلول والاتحاد يقولون: إن الله معنا بذاته، فكلمة (ذاته) توهم حلولاً، فأصبحت من هذا الوجه في هذا السياق المعين مجملة، وهي -كما قلنا- حادثة، ففي سياق المعية ينطبق على كلمة (بذاته) أنها مجملة حادثة، فهي إذن مما لا يعبر به. وإن كانت المعية يمكن أن تفصل بمعنىً من الحق، فهذا باب آخر، ونحن نقصد هنا الحروف والألفاظ. ولهذا يقال: لا يجوز التعبير بهذه الكلمة في سياق المعية؛ لأنها ليست من أصل النص ولا نطق بها القرآن ولا الحديث، ولما توهمه من الإجمال والإشكال. قال المصنف ﵀: [مثل أن يظن أن ظاهر قوله: (في السماء) أن السماء تظله أو تقله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان]. بإجماع أهل العلم والإيمان وبإجماع العقلاء المؤمنين بحقه أن الله يمتنع أن يكون محتاجاً لشيء من مخلوقاته. قال المصنف ﵀: [فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره]. محصل مسألة العلو هو أن الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، وهو مع خلقه أينما كانوا مدركاً وعليماً ومحيطاً وحافظاً وناصراً لأوليائه المؤمنين، وأن المخالفين لهذا هم الجهمية ومن سلك سبيلهم من طوائف أهل البدع، وعباراتهم وألفاظهم في هذا شتى، منهم من يعبر فيقول: ليس له مكان، ومنهم من يعبر فيقول: لا داخل العالم ولا خارجه، وهذا تعبير ابن سينا ومنهم من يقول: لا يقال: إنه داخل العالم ولا يقال: إنه خارجه، وهذا تعبير مقلدة ابن سينا كـ الرازي، وفرق بين التعبيرين، ابن سينا وأمثاله يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه، والرازي جاء وعدل في العبارة فقال: لا يقال: إنه لا داخل العالم ولا يقال: إنه خارجه، كإثبات نوع من الفرق بين قوله وقول الفلاسفة، وإلا فقوله في الأصل هو من جنس قول الفلاسفة. وقابل مذهب النفاة من أهل التعطيل مذهب أهل وحدة الوجود وأهل الحلول من غلاة الصوفية المتفل

стр. 122

إثبات أن الله قريب من المؤمنين قال المصنف ﵀: [فصل: وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه ومجيب كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦].]. من فقه المصنف أنه ذكر مسألة القرب بعد مسألة المعية، من باب ترتيب المعاني العلمية، والفرق بين قربه وبين معيته أن الله ذكر معيته عامة وخاصة، وأما القرب فإنه لم يرد في الكتاب أو في السنة إلا على وجه من الاختصاص بالمؤمنين، ولم يذكر مضافاً إلى سائر الخلق، ولهذا تقول: الله مع سائر خلقه، لكن لا تقول: إن الله قريب من سائر خلقه، وذلك لأن النصوص فرقت بين المقامين، فإن لفظ القرب يقتضي قدراً من الرضى والقبول، ولهذا ما ذكر عن الله في القرآن إلا في حق أهل الإيمان: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]. قال المصنف ﵀: [وقوله ﷺ : (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)]. القرب هنا من هذا الوجه هو قرب خاص. ويأتي ذكر القرب في القرآن، ويراد به قرب الملائكة كقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] فهذا فيه نزاع بين أهل العلم، منهم من يقول: قرب الله، ومنهم من يقول: إنه قرب الملائكة، وهذا هو الصحيح، لأن المقام هنا مقام عام، وهو انتزاع الروح، وهذا ما عُني شيخ الإسلام ﵀ بتقريره وأنه لا يصح هنا أن يقال: إنه قرب الله، بل القرب هنا قرب الملائكة، وهذا هو الذي يقتضيه الأصل في هذه الصفة ويقتضيه السياق.

стр. 123

إثبات القرب والمعية لا ينافي إثبات العلو والفوقية قال المصنف ﵀: [وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليم في دنوه، قريب في علوه]. فمن حقق الإيمان بهذه الجملة الشرعية العقلية أنه سبحانه ليس كمثله شيء، ذهب عنه جميع اللوازم التي تعرض لعقول من ضعف إيمانهم. والله لم يأمر الخلق أجمعين بالنظر، وإنما أمر بالنظر من استدعت حالته ذلك، بمعنى أنه اعترى فطرته وعقله الضروري قدر من الفساد، فهنا يؤمر باستعمال العقل النظري، لأن العقل النظري يستعمل فيه القياس الوسط، بخلاف الفطرة والعقل إذ ليس فيهما مادة من القياس، فقوله تعالى مثلاً: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] لا يعني أنهم ينظرون في شيء لا يدرك إلا بالنظر، كما فهمت المعتزلة، فإن الشيء الذي نبهوا إليه مدرك بأصل الفطرة، وبدليل العقل الضروري. ولكن من اختلت فطرته أو مدرك العقل الضروري عنده، فإنه يؤمر بالنظر. ولهذا غلط الأئمة طريقة المعتزلة لأنهم قالوا: أول واجب على المكلف النظر، قالوا: لأنه تحصيل للحاصل، وتحصيل الحاصل ممتنع. فإن قالت المعتزلة: إن الله أمر بالنظر، قيل: أمر بالنظر في حق من سقط عنده مقام العقل الضروري ومقام الفطرة، وإلا فأصل مدرك العقل الضروري ومدرك الفطرة: أن الله له الربوبية وله الألوهية، وله الكمال.

стр. 124

شرح العقيدة الواسطية [١٤] من صفات الله تعالى صفة الكلام، وهي صفة ثابتة بالعقل والشرع، فهو سبحانه يتكلم متى شاء، كيف شاء، وبما شاء، بحرف وصوت مسموع، والقرآن كلام الله، أنزله على نبيه محمد ﵊، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة.

стр. 125

القرآن كلام الله غير مخلوق قال المصنف ﵀: [ومن الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق]. قال: (من الإيمان بالله وكتبه) ولك أن تقول: ورسله، لأن الرسول بعث بهذا القرآن، ولك أن تقول: وملائكته .. الخ. [ومن الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقةً لا كلام غيره]. قوله: (وأن القرآن كلام الله) هذا هو صريح قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦].

стр. 126

الأدلة على اتصاف الله سبحانه بالكلام وهو موصوف بالكلام، وهذه من صفاته الثابتة بالعقل والشرع، ولهذا أبطل الله ألوهية العجل بأنه لا يتكلم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف:١٤٨]، فدل عقلاً على أن الإله الحق المعبود لابد أن يكون متكلماً. فقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ دليل على أن الإله الحق يتكلم، وهذا من دلالة العقل. ومن أدلة إثبات كلام الله : قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] فكلامه سبحانه صفة من صفاته اللائقة به، وهو على الحقيقة، يتكلم سبحانه متى شاء كيف شاء إذا شاء، بحرف وصوت مسموع، وكلامه منزه عن مشابهة كلام الخلق كسائر الصفات. ومن كلامه سبحانه هذا القرآن؛ كما يدل على ذلك صريح الآية: ﴿يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فالقرآن كلام الله منزل -أي: أنزله الله على نبيه محمد ﷺ غير مخلوق، كما ادعت الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، وهذا باطل لأن القرآن من علم الله، وعلمه يمتنع أن يكون مخلوقاً، وهذا من جوابات الأئمة كالإمام أحمد على المعتزلة: أن القرآن هو من علم الله، وعلمه يمتنع أن يكون مخلوقاً، والقرآن علم، فهو تشريع وأخبار سابقة، وهذا كله علم، ولا يمكن أن يكون علمه مخلوقاً.

стр. 127

الرد على القائلين ببدعة الكلام النفسي [ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً، لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً، وهو كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف]. ولا يجوز إطلاق القول أنه - أي القرآن- حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه. فالسلف ﵏ كانوا يقولون: القرآن كلام الله، وهذه هي طريقة الصحابة، وما كان الصحابة ينطقون بكلمة (غير مخلوق)، لأن هذه البدعة لم تحدث في زمنهم. ولما ظهر الجهمية وقالوا: إنه مخلوق، قال السلف والأئمة الذين أدركوا هذه البدعة في أواخر المائة الثانية: إنه غير مخلوق، فصار الناس على أحد طريقتين: - عامة المسلمين على مذهب سلف الأمة أن القرآن كلام الله ليس مخلوقاً. - الجهمية ومن وافقهم من أهل البدع على أن القرآن مخلوق. وفي آخر عصر الأئمة لما جاء عبد الله بن سعيد بن كلاب وأمثاله ممن يسمون متكلمة أهل الإثبات الذين ينتسبون للسنة والجماعة، أحدثوا في مسألة القرآن قولاً ثالثاً، ملفقاً من كلام المعتزلة والجهمية وكلام أهل السنة، فقالوا: (القرآن ليس مخلوقاً) هذا من كلام أهل السنة، ولكنهم لم يقولوا: إنه كلام الله فيتمموا الحق، بل قالوا: (حكاية عن كلام الله أو عبارة عن كلام الله)؟ قالوا: لأن كلام الله عندهم ليس بحرف وصوت، بل هو معنى يقوم في النفس. هذه الطريقة أحدثها ابن كلاب والأشعري وأمثالهما، وهي طريقة متعذرة عقلاً ونقلاً. ويكفي في إسقاطها: أن المسلمين سنيهم وبدعيهم قبل ظهور ابن كلاب والأشعري وأمثالهما ما كانوا يرون أنه يمكن في هذا الباب إلا أن يقال: القرآن كلام الله بحرف وصوت، أو يقال: إنه مخلوق على قول الجهمية والمعتزلة، ولما عُلِم فساد قول الجهمية والمعتزلة عقلاً ونقلاً، عُلم أن الحق الممكن واحد. بمعنى آخر: أنه يكفي لفساد قول ابن كلاب والأشعري: أنه قد مرت القرون الثلاثة حتى كاد القرن الثالث ينصرم، ولم يوجد أحد يقول: إنه حكاية أو عبارة عن كلام الله وأن كلام الله معنى وليس حرفاً .. إلخ. ما كان الناس يفقهون، لا من أهل السنة ولا من أهل البدعة، إلا أن الكلام يكون بحرف وصوت، فجاءت المعتزلة ونفته، وبقي أهل السنة على أصلهم في إثباته. إذاً: يكفي لإبطال مذهب الأشعرية أنه مذهب حادث، ولو كان هو الحق، للزم أن المسلمين بشتى طوائفهم لم يعرفوا الحق قبل وجود ابن كلاب والأشعري وأمثالهم، وهذا ممتنع عقلاً.

стр. 128

شرح العقيدة الواسطية [١٥] من عقيدة أهل السنة والجماعة أن أهل الإيمان يرون ربهم يوم القيامة عياناً بأبصارهم، كما يرون الشمس ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر، فيرونه في عرصات القيامة، ويرونه بعد دخولهم الجنة، وهذه الرؤية تعتبر أعظم نعيم لأهل الجنة.

стр. 129

مسائل الرؤية قال المصنف ﵀: [وقد دخل أيضاً فيما ذكرناه من الإيمان به وكتبه وبملائكته وبرسله: الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عياناً بأبصارهم، كما يرون الشمس صحواً ليس بها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، يرونه سبحانه وهم في عرصات يوم القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى]. من الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله: الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم عياناً بأبصارهم، كما يرون القمر ليلة البدر، وكما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، لا يضامون في رؤيته. هذه الحروف هي من أحرف السنة النبوية، فإن النبي ﷺ ثبت عنه -كما في الصحيحين عن أبي سعيد وأبي هريرة وجاء في غيرهما من أوجه أخرى- أنه قال: (إنكم سترون ربكم، كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، لا تضامون في رؤيته). فالمصنف -وهذا من طريقته في رسالته، وهي طريقة محمودة- استعمل الأحرف النبوية في الجملة في هذا التعبير، وهذا مما يحسن أن يقصد إليه في تقرير العقيدة، أن تستعمل الأحرف المذكورة في كلام الله ورسوله ﵌. فمن صفاته ، أن المؤمنين يرونه في يوم القيامة، كما ذكر المصنف، أي: في عرصات القيامة، وهذا قبل دخولهم الجنة، ويرونه بعد دخولهم الجنة، على ما يشاء الله، أي: على ما يشاء الله من التمكين لهم.

стр. 130

الأدلة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة رؤيته مجمع عليها بين السلف، ونطقت بها النصوص في كتاب والله وسنة نبيه ﷺ ، وهي مذكورة في القرآن في قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، ومذكورة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] وإن كان حرف الزيادة مجملاً إلا أنه بتفسير النبي ﷺ له في الحديث الصحيح صار من صريح أدلة أهل السنة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم؛ فإن النبي ﷺ قال: (فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم، وهو الزيادة، ثم تلا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]). ومن دليل الرؤية في كتاب الله قوله : ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤] فإن السلام إذا قرن بالتحية، وذكر اللقاء فإن اللقاء هنا يتضمن المشاهدة والإبصار، وهذا ما ذكره ثعلب من أئمة اللغة، أنه قال: أجمعوا على أن اللقاء إذا قرن بالتحية والسلام، فإنه يتضمن المشاهدة بالإبصار، ولهذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] هذا في الإنسان عامة، ولا يلزم أن تدل هذه الآية على أن غير المؤمنين يرونه، لأن اللقاء المذكور في عموم الإنسان لم يذكر فيه التحية والسلام. كذلك تواتر ذلك عن النبي ﵌؛ حتى إن عدة من روى حديث الرؤية من الصحابة يبلغ الثلاثين، وهي مخرجة في الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها، وحديث الرؤية متواتر ومتفق على قبوله بين أهل العلم بالحديث، وكذلك بإجماع السلف، وقد حكى الإجماع غير واحد منهم. فهذه المسألة من أصل مسائل الصفات، وأنكرها الجهمية والمعتزلة، فقالوا: إنه لا يرى. وجاء متأخرو الأشعرية، فقالوا: إنه يرى لا في جهة، وهذا قول ثالث، من شذوذ المتأخرين من الأشاعرة عن عامة المسلمين، وإن كان قول المعتزلة والجهمية شراً من قولهم، لكن فيه شذوذاً عن أئمتهم المتقدمين كـ أبي الحسن الأشعري، وعن عامة المسلمين قبلهم، حيث قالوا: يرى لا في جهة، وهذا من باب إثباتهم للرؤية مع نفيهم للعلو؛ فإن المتأخرين من الأشاعرة نفوا العلو وأثبتوا الرؤية فقالوا: يرى لا في جهة. وإن كانت هذه الجملة وهي قولهم: (يرى لا في جهة) قد يعبر بها من لا يقصد معناها من المتأخرين، فقد عبر بها بعض شراح الشافعية وبعض فقهائهم، حيث دخلت عليهم من أصحابهم المتكلمين، ولا يلزم أن يكون من نطق بها -كـ النووي مثلاً في شرحه على مسلم وأمثاله- ممن ينكر علو الله، فإن هذه الجملة استعملها أصحابها الأشاعرة، فظنوا أن تحقيق الإثبات للرؤية مع تنزيه الله لا يكون إلا بهذه الطريقة. إذاً إذا تكلم بهذا الحرف أو بهذه الجملة متكلموهم كـ الرازي وأمثاله، فإنه يريد بها نفي العلو، وإذا تكلم بها فقهاؤهم وبعض حفاظهم المتأخرين، فلا يلزم أنهم يقصدون بها نفي العلو، وإنما ظنوها هي الطريقة المحققة عند أصحابهم. والنووي وأمثاله لم يكن على سعة في الاطلاع على تفاصيل أقوال المتقدمين في مثل هذه المسائل، ولم يتبين الفرق بين طريقة متأخري الأشاعرة ومتقدميهم، فضلاً عن الفرق بين طريقة الأشعرية وطريقة السلف الأول، فهذا القدر ينبغي أن يعنى به في تقرير أقوال أهل العلم من الفقهاء وشراح الحديث الذين وافقوا أصحابهم من المتكلمين الذين يشاركونهم إما في المذهب الفقهي أو في جمل من المذهب العقدي، وإن كانوا لا يقصدون إلى تحقيق أقوالهم في هذا الباب أو ذاك. فهذا ما يتعلق بأصل هذه المسألة وقدرها عند السلف، وأنها إجماع متواتر. وفي باب الرؤية ثلاث مسائل:

стр. 131

رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة هذه المسألة وهي أصلها وأشرفها، وهي: أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عياناً بأبصارهم، كما يرون القمر وكما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، لا يضامون في رؤيته: أي لا يتكاثر بعضهم على بعض لانتزاع الرؤية، وقد مثل النبي -في حديث أبي رزين الذي رواه الإمام أحمد وغيره- برؤية الناس إلى القمر، فإن القمر جميع الناس يراه مخلياً به، ومع ذلك فإن الناس إذا أرادوا رؤية القمر أو رؤية البدر، لا يتدافعون إلى رؤيته مع أنه واحد وهم كثر؛ بل كل يراه على سعة من أمره.

стр. 132

أدلة المعتزلة على نفي الرؤية في كتاب الله آيتان احتجت بهما المعتزلة ونفاة الرؤية، وهما قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وهذه الآية من أشهر حججهم على إنكار الرؤية، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فاحتجوا بهاتين الآيتين على إنكار رؤيته.

стр. 133

الرد على استدلال المعتزلة الصواب: أن الآيتين ليس فيهما دليل على ذلك. وللرد على ذلك نقول: من المعروف في طرق النظر والمنطق: أن الدليل الذي يرد من المعارض إما أن يجاب بمنعه، وإما أن يجاب بنقضه، وإما أن يجاب بقلبه، إلى غير ذلك من الصور، وأقواها القلب، أي: قلب الدليل. وثمة قاعدة: أنه ما من دليل من العقل أو النقل يستدل به المعارض لمذهب أهل السنة والجماعة على قول من أقواله، إلا ويعلم أن هذا الدليل النقلي أو العقلي لا يدل على قوله، والعلم بعدم دلالة الدليل من النقل أو العقل على قول هذا المبتدع أو المخالف علم ضروري، ووجه كونه ضرورياً من جهة كون النقل -الكتاب والسنة- يمتنع أن يدل على الباطل، فإنه لو فرض جدلاً أن الدلالة ممكنة أو صحيحة للزم أن الباطل في هذه المسألة يلزم أن يكون صحيحاً أو على أقل تقدير يمكن أن ينتزع وجهاً من كلام الله أو كلام رسوله. ولهذا -وهذا علم بدهي- كانت سائر الأدلة التي يستدل بها المخالف للحق من الكتاب والسنة لا تدل على كلامه لتعليل عقلي ضروري، وهو أن الحق -وهو النقل- لا يمكن أن يدل على الباطل، ولا يقتضيه، ولا يسوغه ولو على جهة الإمكان العامة. والعقل كذلك، فما من دليل عقلي يستدل به المخالف على قوله، إلا ويعلم أن هذا الدليل إما أن يكون ليس عقلياً، وإذا صح كونه عقلياً امتنع دلالته، فإما أن يفسد كونه عقلياً: أي يُبطل بالعقل، وأن العقل يمنع الدليل من جهة العقل نفسه، بمعنى أنه لا يمكن أن العقل يدل على نقيض الحق؛ فهذا ما يسمى بمنع الدليل، فتكون قاعدته: أنه ما من دليل من العقل أو النقل استدل به مخالف للحق إلا ويعلم عدم دلالته، فالنقل يعلم أنه ليس بدليل، أو أن النقل لا يكون صحيحاً كحديث موضوع يروى وهو ليس بصحيح، أو يكون العقل عقلاً ليس صحيحاً، وإنما هو قياس فاسد أو وهم من أوهام العقل. وتعلم أن الدليل الذي يسمى عقلاً -حتى عند أصحابه- ليس وجهاً واحداً. وهنا جهة أخرى، وهي ما يسمى بقلب الدليل، وابن تيمية ﵀ يقول: إنه ما من دليل من النقل، استدل به المخالف على قوله إلا وهو عند التحقيق يدل على نقيض قوله، وهذه درجة ما يسمى قلب الدليل، وقلب الدليل ليس -عند التحقيق- لازماً، وإنما اللازم أن الدليل لا يدل على الباطل، أما أن الدليل المعين الذي استدل به على الباطل يدل على الحق، فهذا ليس بلازم، كضرورة شرعية أو كضرورة عقلية، وليس بدهي التحصيل، ولهذا ابن تيمية يقول: إنه تحصل له أنه ما من دليل استدل به معارض في مسائل الصفات وغيرها إلا وهو عند التحقيق يدل على نقيض مقصوده، أي: يدل على الحق. واستعمل لهذا كلام المعتزلة في هذا الدليل، فقال: إنهم استدلوا على إنكار الرؤية بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذه الآية جاءت في سياق المدح، وهذا بدهي، قال: والمدح لا يكون بالعدم المحض، إنما يكون بالأوصاف الثبوتية، سواء كان هذا الثبوت ثبوتاً جاء على طريقة الابتداء، أو جاء ثبوتاً متضمناً لنفي، يعني تركب مع نفي، بمعنى أن النفي المحض حقيقته أنه عدم محض، والعدم المحض يقول ابن تيمية: ليس شيئاً، وإذا كان ليس شيئاً امتنع أن يكون مناطاً للكمال؛ لأن مناط الكمال لا بد أن يكون معنىً وجودياً، أو معنىً ثبوتياً، ومن هذه الجهة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الكمال لا يكون بالنفي المحض، بل لا بد أن يتضمن أمراً ثبوتياً. قال: فلما قال سبحانه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لا بد أن يكون تضمن معناً ثبوتياً، ومن هذا الوجه يقرر ابن تيمية ﵀ أن الآية تدل على أن الله لا تدركه الأبصار، وإن كانت تراه. بهذا التحقيق يكون الدليل مُنعت دلالته على طريقة المعتزلة وصار دليلاً للحق، هذه الطريقة التي استعملها شيخ الإسلام، أشاد بها ابن القيم ﵀، وذكر أن الإمام ابن تيمية له هذا الوجه الحسن، وهو وإن كان ذكر هذا، لكنه نقله عن غيره، وقد ذكر هذه الطريقة أبو الحسن الأشعري في إثبات الرؤية، وقال: إن المعتزلة يجاب عليهم بهذه الطريقة، لكن لك أن تقول: إن تقرير شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لهذا الوجه في الآية أجود من تقرير أبي الحسن الأشعري، ولكن أصل التقرير هو لـ أبي الحسن الأشعري، وقد يكون الأشعري نقله عن غيره من علماء أهل السنة والجماعة. فالمقصود: أن الآية نفت الإدراك، والإدراك -كما يقول ابن تيمية - قدر زائد على أصل الرؤية، فلما خص القدر الزائد بالنفي دل على أن ما دونه يكون ثابتاً. الآية قالت: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] والإدراك البصري هو تحقيق الإبصار، وليس مطلق الإبصار، فإنك تقول: رأيت فلاناً، ولا يلزم أنك أدركته، إنسان رأى قادماً من بعيد لا يلزم أنه أدركه، أهو رجل أو امرأة، وإذا كان رجلاً أهو زيد أم عمر، ففرق بين مطلق الإبصار وبين تحقيقه بالإدراك. والآية إنما نفت القدر الزائد على الأصل، قال شيخ الإسلام: فلما خص القدر الزائد بالنفي، وهو الإدراك، دل على أن ما دونه وهو مطلق الإبصار يكون ثابتاً، فصارت الآية دليلاً على إثبات الرؤية، وهذا استدلال متين من جهة العقل والشرع. وكذلك الآية الثانية عند المعتزلة ونفاة الرؤية، وهي قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] قالوا: إن الله نفى رؤيته، و (لن) في لسان العرب تقتضي تأبيد النفي، وهذا محله النظر في كلام العرب، وإذا اعتبرت كلام العرب فالتحقيق أن (لن) وإن كانت تقتضي تأبيد النفي في بعض سياقاتها، إلا أنها لا تستلزم تأبيد النفي، ولهذا ليس من الصواب أن يقال: إن (لن) في كلام العرب لا تقتضي تأبيد النفي، وهذا من أجوبة النقض البسيطة التي ليست صحيحة، بل (لن) تقتضي التأبيد في بعض سياقاتها، وإنما الصواب يقال: إن (لن) لا تستلزم التأبيد، وإن كانت تقتضيه بحسب ما يوجبه السياق، وهذا السياق -وهو قوله: (لَنْ تَرَانِي) لا يقتضي التأبيد؛ لأن المخاطب موسى ﵊، وهو في حالٍ من دنياه وحياته الدنيوية، فهو في هذه الحال لن يرى ربه، أي: في حال حياته ودنياه، ولا يدل هذا على أن موسى ﵊ لن يرى ربه في الآخره، ولا دليل على ذلك من السياق، إنما انتزعته المعتزلة من هذا الحرف في العربية، وهو (لن)، ولو كانت (لن) تستلزم تأبيد النفي، لما جاز تحديد الفعل بعدها، لأن تحديد الفعل يقتضي قطع الغاية إلى منتهى معين، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف:٨٠] فلما جاز تحديد الفعل بعدها في لسان العرب فيما نطق به القرآن، والقرآن نزل بلسانهم، دل على أن (لن) لا تستلزم تأبيد النفي، وإن اقتضته في بعض السياقات، وهذا السياق في قصة موسى ليس منها. هذا ما يسمى بمنع الاستدلال، وهناك وجهٌ آخر وهو ما يسمى بقلب الاستدلال، وهذا أيضاً وجه ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وذكره أبو الحسن الأشعري وغيرهما، وإن كان ذكر شيخ الإسلام أتم له. وهذا من أوجه: من أخصها وأجودها أن موسى سأل ربه أن يراه، ولو كانت رؤيته ممتنعة كما تقول المعتزلة والجهمية منكرة الرؤية، لكان القول برؤيته نقصاً في حقه ، فيلزم أن موسى لم يكن عارفاً بتوحيد الله معرفةً تامة والمعتزلة وجميع منكرة الرؤية لا يقولون: إن الرؤية منفية؛ لأن النصوص لم تنطق بها، بل يقولون: إن الرؤية ممتنعة؛ لأن كمال الله يأبى ويمنع الرؤية. فلو كان الكمال كما يدعون يمنع رؤيته، فنقول: إن مجرد سؤال موسى ﵊ يعد دليلاً صريحاً على الإمكان. والمعتزلة يقولون: من زعم أن الرؤية ممكنة كفر؛ فهم يرون أن هذا من نقص الله، وأن هذه كلمة كفر، ومجرد الزعم أن الله يمكن أن يُرى، حتى لو قال قائل: أنه لن يرى، مجرد تقرير الإمكان يعتبرونه تقريراً لنقص الله. فموسى بسؤاله قرر الإمكان، وإذا تقرر الإمكان، فهذا هو مورد النزاع المحقق بين المعتزلة وأهل السنة، لأن المعتزلة ليس الإشكال عندهم النفي فقط، بل عندهم مقام فوق النفي وهو تقرير الامتناع. ولهذا نقول: إن المعتزلة لا يمكن أن تستدل عند التحقيق بآية من القرآن على قولها، حتى لو سلمنا جدلاً باستدلالهم بقوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) وبقوله: (لَنْ تَرَانِي) فالآيتان لا تدلان على مذهب المعتزلة، فالآيتان نفتا، والمعتزلة لا تنفي، وتسكت عن القول في مسألة الإمكان، وتقول: الله أعلم بالإمكان، بل هم يصرحون بامتناع الرؤية، أي يصرحون بنفي الإمكان، والآية نفت الوقوع ولم تنف الإمكان، بل آية موسى ﵊، فيها تصريح بالإمكان؛ لأن سؤال موسى تقرير للإمكان، ولو كان موسى ﵊ يؤمن بأن الله لا تمكن رؤيته، لما سأل ربه، ولو كان من تحقيق التوحيد امتناع رؤيته، كما تقول المعتزلة، وهذا يجعلونه من أصول التوحيد، ويسمونه باب الصفات، لو كان من توحيد الله أنه لا يرى وأن رؤيته ممتنعة للزم أن موسى بتقريره للإمكان كان جاهلاً بتحقيق التوحيد، وهذا ممتنع. إذاً: سؤال موسى ﵊ هو تقرير للإمكان، وهذا هو أصل مبدأ الإبطال لقول المعتزلة.

стр. 134

مسألة رؤية الكفار والمنافقين لربهم في عرصات القيامة الكافرون والمنافقون في يوم القيامة يلقون ربهم فهل يرونه أو لا يرونه؟ هذه مسألة نزاع بين أهل السنة، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه لم يحفظ عن الصحابة فيها قول، وكأنه يقصد -والله أعلم- أن الصحابة لم يشتهر نزاعهم في المسألة، وإلا فظواهر النصوص تكلمت في هذه المسألة، وعلى كل تقدير فإن بين أهل السنة نزاعاً في هذه المسألة، فمنهم من قال: إن المنافقين وحدهم من الكفار يرون ربهم في عرصات القيامة، ومنهم من قال: إن سائر أجناس الكفار يرون ربهم، ومنهم من قال: إنه يراه المنافقون وغبرات أو بقية من أهل الكتاب، ومنهم من قال: إن سائر الكفار من أهل النفاق وغيرهم لا يرونه. وإذا نظرت في القرآن وجدت أن الله يقول عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] هذا هو الظاهر في هذا المسألة، وهو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إن عليه الأكثر من أصحاب أحمد، وهو ظاهر مذهب المتقدمين من السلف كـ مالك والشافعي وأحمد. وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]. وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فإن اللقاء ليس هو الإبصار، وفرق بين هذه الآية وبين قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤] وابن القيم رحمة الله عليه. استدل على رؤية الكفار لربهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] وقال: إن أهل اللغة مجمعون على أن اللقاء، يستلزم أو يتضمن الإبصار، وهذا ليس بصحيح، فأهل اللغة لم يجمعوا، ولا يعقل أن أهل اللغة يجمعون على هذا المعنى؛ لأنه معنىً ظاهر من الحس، إنما المجمع عليه في كلام العرب أن العرب إذا عبرت بلقاء قرن بالتحية والسلام قصدت أن اللقاء جامع إبصاراً ومشاهدة، وهذا من تعبير العرب، وهو الذي ذكره ثعلب في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤] وابن القيم كأنه فاته هذا الفرق والله أعلم. أما السنة ففي ظاهر بعض النصوص أن المنافقين وغبرات من أهل الكتاب يرونه، والحديث وإن كان في الصحيحين إلا أنه عند التحقيق لا تستتم به الدلالة.

стр. 135

مسألة رؤية النبي ﵊ لربه في ليلة المعراج أجمع المسلمون أنه لا أحد يرى ربه قبل موته، ولهذا كل ما يذكر في كلام الصوفية أو غيرهم، فإنه من الشعوذة والكذب والبهتان، ومما ينزه الله عنه، وإنما اختلف المسلمون فقط في محمد ﷺ لما عُرِج به إلى السماء، فليس ذلك في الأرض، وهذا مما يبين أنه حتى النبي ﷺ في الأرض ما رأى ربه، ولا زعم أحد من أهل العلم أن محمداً رأى ربه وهو في الأرض، إنما لما عرج به ﵊ إلى السماء، هل رأى ربه في معراجه أو لم يره؟ هذه مسألة نزاع بين أهل السنة المتأخرين، وينبه فيها إلى جهتين: الجهة الأولى: أن أكثر المتأخرين من الفقهاء وشراح الحدايث، يذكرون أن جمهور أهل السنة أو عامة أهل السنة على أن النبي ﷺ رأى ربه ببصره ليلة المعراج، هذا الذي يذكره -مثلاً- أمثال القاضي عياض، وعنه نقله الشراح من بعده خاصة شراح مسلم، والقاضي عياض هو من المالكية الكبار. والمقصود أن هذا ليس بصحيح، وليس هذا مذهباً لجمهور أهل السنة، وإنما هو قول لطائفة. وأما تحقيق المسألة: فقد حكى الدارمي وهو من المتقدمين، إجماع الصحابة على أن النبي ﵊ لم ير ربه ببصره ليلة المعراج، وهذا إجماع حكاه الدارمي وهو إمام متقدم، فهل يُقال: إنه إجماع منضبط أو ليس منضبطاً؟. الصواب: أنه لم يحفظ عن أحد من الصحابة منازعة لهذا الإجماع. وإنما الذي حفظ عن ابن عباس وطائفة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنهم قالوا: إن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده، وهناك رواية أخرى عن ابن عباس صحيحة أن النبي رأى ربه، قال شيخ الإسلام: فـ ابن عباس يروى عنه التقييد بالفؤاد والإطلاق، قال: ولم ينقل عن ابن عباس أو غيره من الصحابة إثبات الرؤية مقيدة بالإبصار، بل هذا قول متأخر، ولهذا يميل شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن إجماع الدارمي مستقر، وإن كان القطع بالإجماع ليس ضرورة، لأنه يستلزم التغليظ بالإنكار على من خالف. والمسألة مشهورة النزاع عند المتأخرين من أهل السنة، وإنما يقرر الدليل على أنه قدر من الإجماع السكوتي المستقر كحجة في المسألة، ولا يُقال: إن من قال: إن النبي رأى ربه ليلة المعراج، فهو من أهل البدع، كلا. فالمسألة فيها سعة من الخلاف، وإن كان الأظهر من حيث مذهب الصحابة هو ما ذكره الدارمي، فإن لم يكن إجماعاً فهو مذهب عامة الصحابة، وهذا يبين لك أن ما ذكره القاضي عياض ﵀ وأمثاله ليس محققاً. وأيضاً نقول: إن هذا هو ظاهر القرآن وكأنه صريح السنة، أما أن ظاهر القرآن أن النبي لم ير ربه ببصره، فلأن الله قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] فلو كان الله أراد أن نبيه يراه ببصره لكان امتنانه وإشادته برؤيته أظهر وأعظم وأمن من رؤية الآيات. وأيضاً: فإن الله لما ذكر حال نبيه وما وصل إليه، قال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]، ولو كان ﵊ تحصل له الرؤية البصرية لربه، لكان ذكرها أخص من باب أولى من رؤية الآيات، فتأمل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] فلو كان رأى ربه لذكر ذلك؛ لأنه أمن وأشرف من رؤية الآيات، فهذا ما يسمى ظاهر القرآن. وأما ما يمكن أن يكون صريحاً من السنة فهو حديث أبي ذر الذي رواه مسلم وغيره: أنه قال: (يا رسول الله! رأيت ربك؟ قال: نورٌ أنى أراه). وفي رواية أخرى عن أبي ذر عند مسلم -وكلاهما عن عبد الله بن شقيق - أن النبي ﷺ قال: (رأيت نوراً)، ومن أهل العلم من اعتبر وجهاً محفوظاً والآخر شاذ، كما هي طريقة الإمام أحمد، وعلى طريقة مسلم فكأن الروايتين ليس بينهما قدر من التعارض، فمن حيث المعنى لا تعارض، والمتقدمون لا يعلون بجهة التعارض في المعنى كما يفهم، ليس بالضرورة أن الإمام أحمد أعل أحد الوجهين، لأن بينهما تعارضاً من جهة المعنى، فإن الإعلال يمكن أن يقع على بعض الأحرف، وإن كان يمكن جمعه من جهة المعنى مع الحرف الذي يُقال إنه محفوظ، وإلا فإن قوله: (نورٌ أنى أراه) ليس منافياً لقوله: (رأيت نوراً)، فإن النبي ﷺ قال كما في حديث أبي موسى في الصحيحين: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور)، فكأن النبي -والله أعلم- رأى هذا الحجاب، أو نور الحجاب ولم ير ربه ببصره، هذا هو الأظهر من جهة الدلائل.

стр. 136

شرح العقيدة الواسطية [١٦] من أركان الإيمان الإيمان باليوم الآخر، وبما يكون بعد الموت من فتنة القبر ونعيمه وعذابه، وهذا الباب ليس فيه مخالفة بين طوائف المسلمين، وعقيدة أهل السنة في ذلك أن الموت أول منازل الآخرة، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الله يناجي عباده المؤمنين، كما يعتقدون بحوض النبي في عرصات القيامة، والعبور على الصراط، والوقوف على قنطرة بين الجنة وا لنار، ثم دخول الجنة للمؤمنين بعد أن يستفتح لهم نبينا محمد ﷺ ويكون أول الداخلين.

стр. 137

الإيمان باليوم الآخر وبما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه قال ﵀: [فصل: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت فيؤمنون بفتنة القبر وعذاب القبر ونعيمه]. هذا الباب وهو اليوم الآخر وما يكون من مقدماته، ليس فيه -في الجملة- مخالفة بين طوائف المسلمين، وإن كان كثير من الطوائف يفوتهم الإقرار أو العلم بكثير من مسائل هذا الباب، لما دخل عليهم من شبهة أن خبر الآحاد لا يحتج به في العقائد، فتركوا كثيراً من مفصل الحق، ولم يعتبروه، فضلاً عن كون عامة أهل البدع ليسوا من المعروفين بالرواية والإسناد، فإنك إذا نظرت إلى علماء المعتزلة أو الخوارج، وأمثال هؤلاء، وجدتهم في الغالب ليسوا من أئمة الرواية، والذي كتب السنة وصنفها وأصلها ورواها هم أئمة السنة والحديث، كـ البخاري وأحمد ومسلم وأمثال هؤلاء. وإن كان في بعض الطوائف المتأخرة منهم من الحفاظ، إلا أنهم ليسوا بمقام أئمة الرواية الأوائل، فالمقصود أن هذا الباب في الجملة محل استقرار، وإن كان يفوت بعض الطوائف أو ينقصهم التفاصيل من هذا الوجه في الغالب، وقد يكون من وجه آخر، وهناك مسائل في باب اليوم الآخر، دخلها قدر من التأويل، ولا سيما المتعلقة بمسائل الوعيد وعذاب القبر وفتنته .. إلخ. وفي الغالب أن التأويل لشيء من هذا الباب يقع عند المعتزلة؛ بخلاف غيرهم، فإنهم في الجملة يقرون بكلام أهل السنة في هذا الباب. قال ﵀: [فأما الفتنة، فإن الناس يمتحنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي. وأما المرتاب: فيقول: هاه هاه لا أدري! سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة فيسمعها كل شيء إلا الإنسان، لو سمعها الإنسان لصعق]. والمرتاب المراد به هنا المنافق. وكلام بعض الشراح أن المرتاب هنا العصاة أو من عنده نقص في الإيمان، يفترض ألا يقال أصلاً، لأن المسلم الذي يصدق عليه أنه مسلم مهما كان فاسقاً يعرف أن ربه الله، وأن نبيه محمد ﷺ ، وأن الإسلام هو دينه، وإن كانت المسألة كما هو معروف ليست مسألة وعي علمي، فإنه حتى الكافر قد يحفظ هذه الكلمات، ولكنه لا يستطيع أن يقولها حينما يسأل هذا السؤال. والمقصود هنا من قوله: (المرتاب) هو الكافر الذي لم يؤمن بالله ورسوله ودين الإسلام، وأما المسلمون جميعاً فإن الله يثبتهم على هذا الجواب، وإن كان التثبيت على هذا الجواب لا يعني أن العبد يسلم من العذاب في القبر أو بعد القبر إلى ورود يوم القيامة، فالمقصود أن هذا التفسير لا يمكن أن يعتبر بوجه صحيحاً أبداً. وبعض الأقوال ترى في كلام المتأخرين، إذا تبين أنها مناقضة للحق ومناقضة للصواب فيجب أن تستبعد ولا ينصب الخلاف، لأن هذا مما يشكك نفوس المسلمين. الآن بعض العامة من المسلمين ما عندهم إدراك لفضل الله ، خوفوا بالوعيد وأسمعوا آيات الوعيد التي نزلت في الكفار، وأصبحوا لا يتصورون القبر إلا ناراً أو عذاباً .. إلخ. الناس يجب أن يعلموا فضل الله ، وأن رحمته سبقت غضبه، وأن يعلموا أن قضاءه عدل، وأنه عدل، وأنه لا يظلم مثقال ذرة. فالمقصود أن الله يثبت المؤمنين، أي: المسلمين جميعاً، وهم كل من وافى ربه محققاً للتوحيد، كما قال النبي ﷺ : (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، كما في البخاري لما سأله أبو هريرة. مع أن صاحب المعصية قد نقص تقريره وتحقيقه لعبادة الله بتركه لبعض الواجبات، ومع ذلك قال النبي ﷺ : (إن له حظاً من الشفاعة) والنبي يشفع له، مما يدل على أنه موحد، فكل من وافى ربه بالتوحيد والإسلام، فإنه يمكّن من هذا الجواب بإذن الله تعالى. قال: [ثم بعد هذه الفتنة: إما نعيم وإما عذاب، إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد]. خلافاً لطائفة من المعتزلة زعمت أنه بعد هذا السؤال يبقى الناس في سبات في قبورهم إلى أن تقوم الساعة، فهذا ليس صواباً، والقرآن صريح أن ثمة نعيماً وثمة عذاباً في القبر، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] الآية في حق آل فرعون وكفرة قوم موسى، وإذا كانوا يعرضون على العذاب، فمن باب أولى أن الصالحين المؤمنين يعرضون على النعيم، بل أرواحهم في الجنة، كما ذكر ذلك النبي ﷺ في حق طوائف من المؤمنين كالشهداء وغيرهم.

стр. 138

الإيمان بما يكون في يوم القيامة من بعث ونشور ووزن للأعمال قال المصنف ﵀: [وتقوم القيامة التي أخبر بها الله في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، فتنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣]]. هذه مسألة القيامة، وهي كما ذكر المصنف مجمع عليها بين المسلمين، ولكن ثمة معنى، أنه ما من أصل أجمع المسلمون عليه إلا وترى في كلام أئمة السنة والجماعة -وأخصهم الصحابة ﵃ من الفقه والعلم في هذا الأصل ما لا يقع لغيرهم، فيكون لهم الاختصاص من هذا الوجه، حتى في الأصول المتفق عليها؛ من جهة سعة العلم والفقه في هذه الأصول، وإن كان غيرهم قد يوافقهم عليها، فالقيامة محل إجماع بين سائر طوائف المسلمين، لم يختلف أحد منهم عليها. وذكر المصنف أن الناس يقومون من قبورهم حفاةً عراة، هذا كما وصف الرسول ﷺ . (وتنصب الموازين) والموازين ثابتة بالإجماع: وهي في قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] فالموازنة ثابتة بالإجماع. وأما قوله: (فأما من ثقلت موازينه)، فهذا مذكور في القرآن في غير مقام في سورة القارعة والمؤمنون والأعراف، وهذا المقصود به الإيمان والكفر، وسياقها في القرآن على الإيمان والكفر، ولا يعني هذا أن من كان مسلماً عاصياً لا يكون له موازنة، بل يدخل في عموم الموازنة، وإنما المقصود التنبيه على ما ذكره ابن حزم وابن القيم من أن عصاة الموحدين توزن أعمالهم، وابن القيم ناقل عن ابن حزم في المسألة، يقول ابن حزم: بالنسبة لعصاة الموحدين وأهل الكبائر من المسلمين- من زادت حسناته على سيئاته بواحدة، فهذا لا يعذب، بل يدخل الجنة ابتداءً، ومن زادت سيئاته على حسناته بواحدة، فلا بد أن يعذب بقدر ما يشاء الله من العذاب، قال: ومن تساوت حسناته مع سيئاته، فهذا لا يعذب، ولا يدخل الجنة ابتداءً بل يحبس عن الجنة زمناً ثم يمكن من دخولها. وهذا التفصيل قال عنه الإمام ابن القيم ﵀: إنه مذهب الصحابة والتابعين، وأن خلافه قول المرجئة، والصواب: أنه ليس مذهباً للصحابة والتابعين، بل هو تفصيل لقول مجمل من أقوال الصحابة، وإنما الذي عليه الصحابة والتابعون -وهو صريح القرآن- هو الإيمان بالموازنة كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] أما كيف تكون هذه الموازنة؟ فالكيفية في حق عصاة الموحدين لم تنطق به النصوص المفصلة، إنما نؤمن بأن الله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة، ونؤمن بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] أما أن يقال: إن من زادت سيئاته على حسناته واحدة، من المسلمين فإنه يعذب في النار جزماً، فهذا قول لا أحد يستطيع أن يقوله، ومن الذي أدراك أنه لا بد أن يعذب؟! والله واسع الرحمة وواسع المغفرة، وقد يغفر الله له هذه السيئة الواحدة التي زادت، فكيف تجزم له بالعذاب، فهذا ليس بصحيح؛ أين عفو الله؟ ومن الذي يستطيع أن يجزم بهذا الكلام؟ لو كانت النصوص نطقت به لقلنا: قضاء الله وقدره، والله يقول: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس:١١] أما والنصوص لم تنطق بشيء من ذلك، فهذا لا يجوز الجزم به، وإن ذكره ابن القيم ﵀، فهو نقله عن ابن حزم، ولكن ابن القيم زاده تقريراً، وقال: هذا مذهب الصحابة، وهو عن جابر بن عبد الله وابن مسعود، وابن عباس في تفسير آية الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف:٤٦]. وهذه مسألة أخرى: أن من تساوت حسناته مع سيئاته من أهل الإسلام يحبسون عن الجنة ولا يعذبون، لا يعذبون لأن سيئاتهم لم تزد، ولا يدخلون ابتداءً لأن حسناتهم لم تزد، فقالوا: يحبسون، وما أدراك أنهم يحبسون؟! وأما القول بأنهم ذُكِروا في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦] فالذين في سورة الأعراف ليس في القرآن إلا أنهم رجال، أما ماهيتهم، فقد قال كثير من السلف: إنهم قوم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، ولكن هذا القول لم يصح عن صحابي واحد، وإنما هو مذكور عن التابعين ومن بعدهم، وهو فقه في القرآن ليس صواباً، والأصوب التوقف، وأن يقال: الله أعلم بهم. إنما هم رجال كما قال القرآن رداً لقول أبي مجلز بأنهم ملائكة، وليس صواباً؛ لأن القرآن يقول: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ) فهم رجال، ولهذا من فقه ابن جرير الطبري ﵀ في تفسيره للآية أنه سرد الأقوال، ونقل عن ابن عباس وعن ابن مسعود وعن جابر بن عبد الله: أن أهل الأعراف رجال تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، ولكن الأسانيد المذكورة معلولة من جهة الانقطاع وجهات أخرى، وأنت تعرف أن ابن جرير عنده قاعدة في تفسيره: أنه إذا كانت الآية في تفسيرها خلاف، وللصحابة قول ولمن بعدهم قول، فإنه -كقاعدة مطردة لا تنخرم أبداً عند ابن جرير - يأخذ بمذهب الصحابي، إلا إذا اختلف الصحابة، فـ ابن جرير في هذه المرة مع أنه نقل عن بعض الصحابة أنه تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، ونقل أقوالاً أخرى قد تختلف عنها عن غيرهم، رجع في آخر بحثه للمسألة، وأبطل قول أبي مجلز أنهم ملائكة قال: لأن القرآن يقول رجال، ثم رأى ابن جرير التوقف في المسألة: من هم أصحاب الأعراف؟ الله أعلم. وهذا هو الإيمان، وهذا هو الفقه أن يقال: الله أعلم بهم. وهنا تنبيه: أحكام الله تنقسم إلى قسمين: أخبار وتشريع، فالتشريع يتفقه فيه، لأنها أحكام نوازل المسلمين والحالات الخاصة التي تطرأ. مثلاً: التيمم، ما فيه من حديث لا يصل إلى عشرة أحاديث ربما، وسجود السهو مداره على ستة أو سبعة أحاديث، لكن صور التيمم التي تطرأ لآحاد الناس قد لا تتناهى، كل إنسان عنده صورة، هنا يكون الفقه في هذه النصوص، فنصوص الأمر والنهي يتفقه فيها، فيخرج كثير من الصور من نص عام، لكن نصوص الأخبار تؤخذ على ظاهرها وتتدبر من باب تحقيق الإيمان بها، لا من باب التشقيق منها. إذاً لما قال الله : ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف:٤٦] لماذا تأخروا وهم رجال؟ جاء مورد العقل هنا ومورد التفقه، فقال: لأنهم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، وهذا ليس بلازم، لأنه يمكن عقلاً أن الله جعل ذلك عقوبتهم، لأنهم عصاة ما تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، بل زادت سيئاتهم، ولم يعذبهم في النار، بل حبسهم عن الجنة ألا يمكن هذا؟ يمكن، لكن لا نقول به، إنما نقول: الله أعلم؛ لأن مسألة تسمية الأشياء حكمة الله في عدم التبليغ للناس، الناس يتفقهون في شيء الله سبحانه لم يرد أن يخبرهم به. المنافقون لن تجدوا أن الله سماهم في القرآن، ولا الرسول ﵊ أكثر من تسميتهم، وحتى الرسول ﵊ بعد فضح القرآن لهم، غاب عنه كثيرٌ من أعيانهم وأشخاصهم، وقال الله له: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]، ما سماهم القرآن ولا حتى الرسول يعرفهم، ويعرف طرفاً منهم، ولم يخبر بهم جميع الصحابة، وقد قال الله له في القرآن: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ [محمد:٣٠] ليس أن يعرف فلاناً أنه قد يوجد في بادية كذا، قال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:٣٠] لو شاء الله لأراهم، ولعينهم له بالتسمية، ولدله عليهم، وإنما جعلت ثمة قرائن، حتى لا يتغلغل المنافقون في أهل الإسلام وأهل الإيمان وهم يعرفونهم، قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] ولهذا قال: (آية المنافق ثلاث) وفي حديث أبي هريرة: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)، فدائماً نؤكد أن السلف عليهم رحمة الله، من فقههم ما يرون التشقيق في هذا، ولا يعجب أحد، فيقول: إنه نجد في كلام ما يروى عن بعض الصحابة. أولاً: ما في كتب التفسير كثير من الأسانيد قد لا تنضبط إلى الصحابة، ثم إن بعض الصحابة أخذ عن بني إسرائيل ولا سيما المتأخرين، كـ عبد الله بن عمرو عنده رواية عن بني إسرائيل، واعتبرها بقول الرسول ﵊: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) وبقوله: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) فالقصد أن هذا القول الذي ذكره ابن القيم وابن حزم، لا نقول: إنه باطل، لأننا لا نعلم انتفاءه، وإنما نقول: إنه غلط من جهة كونه تفصيلاً لشيء لم يفصل في النصوص، قد يكون الأمر في نفس الأمر كذلك، لكن الله أعلم بأهل الكبائر، إنما ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] إنما: رحمة الله سبقت غضبه، إلى غير ذلك مما نطق به القرآن

стр. 139

الإيمان بما يكون يوم القيامة من بعث ونشر ووزن للأعمال قال المصنف ﵀: [وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاةً عراةً غرلاً، وتدنو منهم الشمس, ويلجمهم العرق، وتنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون].

стр. 140

اتفاق جميع المسلمين على أكثر مسائل اليوم الآخر بجملتها هذه الجمل السابقة هي من الجمل التي كلياتها متفق عليها بين سائر طوائف المسلمين. ومن صنف في الاعتقاد من علماء السنة والجماعة، فإن هذا التصنيف يكون على أحد وجهين: الوجه الأول: أن يكون المقصود من التصنيف: التقرير لمعتقد المسلمين الذي انضبط عن الصحابة ﵃، وإن لم يشتغل بمسألة التمييز. الوجه الآخر: أن يكون المقصود هو إظهار الامتياز. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه الرسالة -وهي الرسالة الواسطية- قصد فيها إظهار امتياز أهل السنة والجماعة عن غيرهم من الطوائف، وهذا يعني أن المصنف يغلب على تصنيفه ذكر الجمل التي فيها اختصاص عند أهل السنة عن غيرهم، بخلاف الطريقة التي سلكها أبو جعفر الطحاوي في رسالته المعروفة بالعقيدة الطحاوية، فإن الطحاوي غلب على جمله أنها جمل مشتركة بين جمهور طوائف أهل القبلة إلا من شذ من الغلاة؛ بمعنى أنها مشتركة بين جمهور طوائف أهل القبلة المنتسبة للسنة والجماعة، فيدخل في ذلك أصناف الفقهاء في الجملة، ويدخل في ذلك من يسمون متكلمة الصفاتية، كأتباع ابن كلاب ومن تأثر بطريقته، وأتباع الأشعري ومن تأثر بطريقته، وأتباع أبي منصور الماتريدي الحنفي ومن تأثر بطريقته إلى غير ذلك؛ فإن هؤلاء يعرفون بالمنتسبين إلى أهل السنة، أو بمتكلمة أهل الإثبات، وهذا يقع به امتياز عن أهل البدع المغلظة الأولى، كبدعة الجهمية المغلظة، أو بدع المعتزلة المغلظة، أو بدعة الروافض وأمثال هذه البدع. إذاً يتحصل لنا أن من كتب من أهل السنة المحققين لمذهب السلف، يكتبون على وجهين: إما أن يكون الغالب على جملهم ذكر ما يمتاز به أهل السنة عن أهل البدع المغلظة، وإما أن يكون الغالب عليها هو تحقيق مذهب السلف، وبيان ما يخالف هذا المذهب حتى عند متكلمة أهل الإثبات وأمثالهم، ولهذا تجد أن الجمل عند الطحاوي يغلب عليها أنها جمل مشتركة بين جمهور طوائف المسلمين: من جهة ألفاظها وحروفها العامة، أما إذا فصلت هذه الجمل فإنه يتبين بالتفصيل أنها تختص بوجهٍ ما بعقيدة أهل السنة، وبعقيدة السلف. والمقصود أن الخلاف في هذا الباب -أعني باب اليوم الآخر- في الغالب قليل، لأن الأصول التي يتفرع عنها القول في هذا الباب جمهورها متفق عليه بين أهل القبلة، إلا من شذ من غلاة الطوائف المائلين إلى الطرق الباطنية. فمن المعلوم -وهذه قاعدة لا بد لطالب العلم أن يعرفها- أن كل باب من أبواب الاعتقاد له أصول نتج القول في هذا الباب عنها. والأصل الذي تفرع عنه القول في باب اليوم الآخر، جمهوره متفق عليه بين جمهور أهل القبلة، إلا من شذ ممن مال إلى الطرق الباطنية؛ فالمائلون إلى الطرق الباطنية مؤولون في باب اليوم الآخر. وأضرب لك مقارنة في هذا: إذا رجعنا لباب الأسماء والصفات، وجدنا أن الأصل الذي تفرع عنه القول في باب الأسماء والصفات ليس متفقاً عليه بين جمهور أهل القبلة، لأن عامة المتكلمين حتى المنتسبين للسنة كـ الأشعري وأمثاله ينتحلون علم الكلام، والأصول الكلامية في تقرير هذا الباب هي ما يسمى دليل الأعراض أو دليل التخصيص وما إلى ذلك. فالأصل الذي تحصل عنه القول في باب الأسماء والصفات عند جمهور الطوائف ليس أصلاً شرعياً، وهو العلم الكلامي، فإن علم الكلام إنما ابتدأ القول به في مسائل الإلهيات ثم عدَّاه من عدَّاه إلى مسائل أخرى، من مسائل القدر أو مسائل الإيمان أو ما إلى ذلك. ولذلك تجد أن الأشعرية والماتريدية والكلابية ثم أهل البدع المغلظة من المعتزلة ومن أخذ الاعتزال عنهم من أنواع الشيعة إما من الزيدية أو من الرافضة أو غيرهم، وكذلك الجهمية الأولى؛ جميع هؤلاء يتفرع قولهم عن علم الكلام والأصول الكلامية المحصلة من الفلسفة، فهذا باب الأسماء والصفات. أما باب اليوم الآخر فإن الأصل الذي يتفرع عنه القول فيه عند جمهور الطوائف أصلٌ صحيح، من جهة مجمله؛ بمعنى: أن هذا الباب يسميه كثير من الطوائف بباب السمعيات، ويقصدون بذلك أن هذا الباب لا يتكلم فيه على الأصول الكلامية من جهة ابتدائه، وإن كانوا يسعملون الدليل الكلامي في باب اليوم الآخر أو في بعض مسائله، كتقرير وإثبات لما ثبت بالقرآن، وهذا هو الفرق بين استعمال دليل المتكلمين الكلامي في باب اليوم الآخر، وبين استعماله في باب الأسماء والصفات. وتجد أبا حامد الغزالي وهو من علماء الكلام، لما رد على الفلاسفة في كتابه، وذكر بعض مسائل اليوم الآخر، استعمل بعض الطرق الكلامية. فكان الخلاف في هذا الباب أقل من الخلاف في غيره، لأن جمهور الطوائف إلا من مال إلى الطرق الباطنية، يجعلون الأصل في هذا الباب هو الكتاب، فكان الخلاف فيه أكثر اقتصاداً من الخلاف في غيره. ومع ذلك فإن السلف وأتباع السنة المحضة أهل السنة والجماعة لهم اختصاص في هذا الباب؛ من جهة أنهم أكثر علماً بالنصوص المفصلة لهذا الباب ولاسيما النصوص النبوية. فإن أكثر الطوائف غلب عليها التقصير في التحقيق للنصوص النبوية، وذلك لسببين: السبب الأول: عدم اشتغال علمائها بهذا العلم كثيراً. السبب الآخر: ما وضعوه من القواعد الفاسدة في تقريرهم للدلائل النبوية، كقاعدة: أن خبر الآحاد لا يحتج به في العقائد. وعليه: فثمة امتياز لأهل السنة والجماعة في هذا الباب -باب اليوم الآخر- وإن كان الخلاف فيه ليس مشتهراً مع الطوائف؛ لأن الأصل المعتبر عند طوائف جمهور المسلمين هو أصل واحد، وهو: الدليل النصي من الكتاب أو السنة. وانحرف عن هذا الأصل المتفق على قدره الكلي بين جمهور الطوائف من مال إلى الطرق الباطنية. والمائلون إلى الطرق الباطنية هم أحد صنفين: إما من الشيعة، وإما من الصوفية، فإن غلاة الشيعة باطنية، وغلاة الصوفية باطنية. والباطنية إنما نفذت أقوالهم بين بعض سواد المسلمين لأنهم انتحلوا أحد وجهين: إما أنهم انتحلوا التشيع لآل بيت النبي ﵌، وعظموا آل البيت، وإما أنهم انتحلوا التنسك والعبادة والميل إلى تحقيق النسك وما إلى ذلك بأنواع من التصوف. وإن كان يعلم أنه ليس جميع الشيعة باطنية، كما أنه ليس جميع الصوفية باطنية، بل فيهم وفيهم، ولكن الباطنية دخلوا على سواد المسلمين بأحد هذين الوجهين. والباطنية أصولهم في نفس الأمر هي أصول فلسفية، كأمثال إخوان الصفا، فإنهم منتسبون إلى التشيع، ومع ذلك فإن حقيقة أقوالهم حقائق فلسفية محضة. وكذلك ما جاء عن بعض غلاة الصوفية المائلين إلى هذه الطرق، فتجد عندهم من إسقاط الحقائق الشرعية -كالعبادات الأربع- ما هو معروف ومنقول عنهم في كتبهم. والمقصود أن هؤلاء الباطنية من الصوفية أو الشيعة هم المحرفون لباب اليوم الآخر، ولذلك تجد بعض الصوفية -وإن لم يحقق الطريقة الباطنية ويلتزم بها، لكنه أخذ شيئاً من مادتها- يميل إلى شيء من هذه الطرق في بعض أقواله، كـ أبي حامد الغزالي، فإنه ليس باطنياً محضاً، وإن كان أخذ من كلام الباطنية الصوفية شيئاً، ولذلك كان عنده أغلاط في باب اليوم الآخر تأتيه من هذا الوجه.

стр. 141

باب اليوم الآخر يقتصر فيه على ما يطابق النص باب اليوم الآخر وأمثاله باب لا يقال فيه بالتفقه على طريقة الرأي والاجتهاد، وإنما يقتصر فيه على ما طابق النص. وأما البحث في أنواع الدلالات من جنس البحث الفقهي فإن هذا ليس فاضلاً، وإن كان يبدو لبعض طلبة العلم نوعاً من التحقيق في فقه المسألة أو فقه الدليل أو في فقه النص. فمثلاً: إذا جاء عن النبي ﷺ نص مجمل، وتضمن هذا النص المجمل بعض المسائل المفصلة المحتملة لهذا النص، فإنه لو كان هذا النص في باب الأمر والنهي، لكان المشروع التفقه في هذا النص والأخذ بأنواع الدلالات التي جاء تفصيلها في كتب أصول الفقه. أما باب العقائد بعامة، ولاسيما الأبواب السمعية المحضة، فلا ينبغي لأحد أن ينظر فيها بالتفقه على طريقة الرأي والاجتهاد، وهذا باب محكم عند سائر السلف، ولا سيما إذا اعتبرت أن أئمة الحديث كـ أحمد وغيره، كانوا يأخذون على فقهاء الكوفة كثرة الرأي حتى في مسائل الفقه والتشريع، فما بالك بهذا الباب؟! ولذلك إذا رجعت إلى الكتب التي نقلت أقوال السلف كالتوحيد لـ ابن خزيمة أو السنة لـ عبد الله أو للخلال أو أصول السنة والجماعة للالكائي وما إلى ذلك من هذه الكتب، تجد أنهم في باب اليوم الآخر لا يذكرون عن السلف فيه إلا أقوالاً كأنها هي نفس الحروف المكتوبة في القرآن، بمعنى أن القول المأثور عن السلف يكاد أن يكون نفس النص النبوي، أو جزءاً من النص النبوي، أو جزءاً من النص القرآني. وهذا يدل على أن باب اليوم الآخر يؤخذ بطريقة المطابقة، وإن تضمنت هذه الطريقة التي أشير إليها عدم الإجابة على كثير من الأسئلة التي ترد، فإن هذا ليس مشكلاً في نفسه، ولكنه يشكل على البعض، فتجده يقول: إذا قال قائل كذا فماذا نقول؟ وإذا ورد سؤال: هل يلزم من ذلك كذا؟ فماذا نقول؟! هنا يقال: الله أعلم، فما دام النص ليس صريحاً في هذا الخبر، فإن الأصل الوقف فيه؛ لأن باب اليوم الأخر الأصل فيه أنه غيب، والغيب لا يقال فيه بالظن؛ لأن هذا الظن ليس مما شرع الله؛ فإن الله لم يشرع في الغيب ظناً، وكل الغيبيات التي أوجب الله ورسوله على العباد أن يؤمنوا بها هي غيبيات قطعية بينة. إنما الذي يجوز أن يدخله الظن هو مسائل التشريع -مسائل الفقه- لأن أحوال العباد وما يتعلق بهم لا يتناهى من جهة اختلاف أحوالهم وما إلى ذلك، فيكون باب الاجتهاد هنا سائغاً؛ إذ لا يمكن أن تنحصر هذه الأمور بمحض النصوص الضابطة لها. وفي هذا جواب على سؤال قد يرد، وهو: لماذا باب الغيبيات وأصول العقائد مقولة بالنص المحض؟ ولماذا باب التشريع فيه ما هو من النص المحض، وفيه ما هو من الاجتهاد والاحتمال؟ لماذا لم يكن كل القرآن والسنة كذلك؟ ولماذا لم يكن الدين كله كذلك؟ فالجواب: أن يقال: إن الدين في نفس الأمر كله محكم، لكن لو أن الله فصل أمور العباد على طريقة محققة لكان هذا فيه من الحرج في التكليف شيء كثير، ولذلك هذه النصوص التي فيها قدر من الاحتمال، يكون فيها سعة على كثير من الناس، فيما يقع من الاجتهاد وما إلى ذلك، وهذا إذا تأمله طالب العلم تبين له بياناً مفصلاً.

стр. 142

وزن الأعمال يوم القيامة من مسائل هذا الباب مسألة الموازين، والموازين والموازنة ثابتة بإجماع أهل السنة والجماعة، وهي صريحة في القرآن؛ فإن الله ذكر الموازنة في كتابه في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وكقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣] إلى غير ذلك من النصوص القرآنية، وكذلك من النصوص النبوية. فالموازنة: متفق عليها بين سائر السلف، لكنهم يقولون: الله أعلم بماهية هذه الموازنة وحقيقتها، وإنما الذي دلت عليه النصوص صريحاً هو إثبات الموازين والموازنة، وأن الله لا يظلم العبد شيئاً. وكلام بعض متأخري أهل السنة في تفصيلهم للموازنة ليس له -فيما يظهر بالتتبع والله أعلم- أصل في كلام السلف، ولا في القرآن والسنة، وهذا الكلام أول من قاله هو ابن حزم ﵀. فإن قاعدة السلف في أهل الكبائر من المسلمين أنهم تحت مشيئة الله بدليل قول الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهذه المشيئة المعلقة في القرآن في أهل الكبائر قد ذكر ابن حزم تفصيلاً لها، وقال: إن هذا التفصيل هو التحقيق لأصل الموازنة المذكورة في القرآن، قال: (إن من زادت حسناته على سيئاته من أهل الكبائر واحدة -أي: حسنة واحدة- فهذا يغفر له، وإن من زادت سيئاته على حسناته من الموحدين سيئة واحدة فهذا يعذب في النار)، (فمن لفحة في النار إلى خمسين ألف سنة في النار). قال: (ومن تساوت حسناته مع سيئاته من الموحدين، فهذا يحبس -أي: يوقف- عن الجنة ولا يدخل النار، ثم يدخل الجنة). ثم قال: (وهؤلاء هم أهل الأعراف الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦]). هذا القول ذكره ابن حزم، وإن كان لم يصرح أنه إجماع عند أهل السنة والجماعة، فجاء بعده ابن القيم ﵀ وانتصر لهذا القول انتصاراً مطلقاً، ونقل أن ابن حزم حكى الإجماع عليه، وجزم ابن القيم بأن هذا القول هو قول الصحابة والتابعين، حتى قال ﵀ في كتابه (طريق الهجرتين): (وأما قول الصحابة والتابعين، فإن كثيراً من الناس لا يعرفه، وهو المأثور عن الصحابة ﵃، ثم ذكر التفصيل المنقول عن ابن حزم، فقال: (إن من تساوت حسناته هم أهل الأعراف يحبسون، ومن زادت سيئاته واحدةً يعذب في النار، ومن زادت حسناته واحدةً يغفر له، ويدخل الجنة)، فجزم بهذا القول، وجعله قول الصحابة والتابعين، وقال: (إن خلافه هو قول المرجئة)، وذكر أقوالاً منكرة في هذا الباب، وهي من البدع المعروفة عن المرجئة، ولا شك أنها أقوال غير صحيحة بمعنى أنه إذا قيل: إن قول ابن القيم ليس صحيحاً، فلا يلزم من ذلك أن يكون الصواب هو أحد الأقوال التي ذكرها، فإنه ذكر للناس أقوالاً في هذا ثم قال: (إن هذا ليس إلا قول المرجئة، وأما الصواب المأثور عن الصحابة والتابعين ...) فذكره. والصواب أن يقال: إن كل الأقوال التي ذكرها ابن القيم ليست صحيحة، فيوافق على أن ما ذكره من أقوال الطوائف ليس صواباً من جهة السنة، لكن القول الذي انتصر له إنما أخذه عن ابن حزم. وابن القيم ﵀ إذا انفرد في مسألة فيها غرابة ففي الغالب أن مادته فيها من ابن حزم، سواء في مسائل الاعتقاد التي قد لا تكون أصولاً، أي: محلها القلب، وهي مسائل السمع، أو مسائل التشريع ومسائل الفقه، فإنه قرأ لـ ابن حزم كثيراً كـ ابن تيمية ﵀؛ فإن ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية من أكثر من قرأ لـ أبي محمد ابن حزم، ولكن استفادة ابن تيمية من ابن حزم كانت أحكم، ولذلك لم يدخل معه في أصل مشكل، بخلاف ابن القيم، فإنه قد يأخذ عن ابن حزم بعض الأصول أو المسائل التي ليست محققة، ويستعمل أحياناً طرقاً في الاستدلال ليست منضبطة، كاستعماله لطريقة التضمين والتلازم في المسائل، ونفس ابن حزم في هذا الاستعمال كبير، كاستعماله لطريقة الفهم في أقوال المتقدمين أحياناً، إذا أراد أن ينتصر لقول ما وأن هذا القول هو قول لفلان وفلان من أعيان السلف، فيأخذ من أقوالهم بالفهم، فهذه الطريقة أحياناً ينتحلها ابن القيم، وإن لم يكن كـ ابن حزم فيها. والمقصود: أن هذا القول غلط من جهة الدليل، وليس صواباً، وابن القيم ﵀ مادته في هذه المسألة منقولة عن ابن حزم، فإنه أول من تكلم بهذا. والصواب هنا -طرداً للقاعدة السابقة-: أن يقال: إن هذا مما سكت عنه القرآن والسنة. أما استدلال ابن القيم وابن حزم بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣] وبالمقارنة التي جاءت في سورة الأعراف وفي سورة المؤمنون وفي سورة القارعة، فليس صواباً، لأنك إذا قرأت هذه المواضع في القرآن وجدتها صريحة في سياق المسلمين والكفار، فإن الله يقول في سورة المؤمنون: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٥]. فالآيات صريحة أنها في المسلمين والكفار، فإذاً هذا النوع من الدليل ليس محكماً. وأما قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] استدل بها ابن القيم وابن حزم فقالا: (والقسط هو العدل، والعدل أن من زادت حسناته فهو كذا، ومن زادت سيئاته فهو كذا)، فهذا ليس صواباً، وإنما العدل هو عدم الظلم؛ ولذلك إذا قيل: إن الله : يغفر لمن زادت سيئاته على حسناته سيئة واحدة، لم يكن هذا منافياً للعدل؛ إنما الذي ينافي العدل هو الظلم، كقول المرجئة الواقفة: إن الله قد يعذب الأكثر حسنات ويغفر للأكثر سيئات، فهذا من الظلم الذي لا يمكن أن يكون عدلاً منه ، والقصد أن الاستدلال بالآية ليس له وجه. وأما قول ابن القيم: (هذا هو مذهب الصحابة)، فبناه على آثارٍ منقولة عن طائفة من الصحابة في آيات الأعراف، والآثار عن ابن عباس وابن مسعود وحذيفة بن اليمان. قال ابن مسعود: (أن من زادت حسناته واحدة، فهو إلى الجنة، ومن زادت سيئاته واحدةً فهو إلى النار، ومن استوت حسناته وسيئاته، حبس) هذا الأثر عن ابن مسعود ونحوه عن ابن عباس وحذيفة بن اليمان، رواه ابن جرير في تفسيره، وهي ليست صحيحة من جهة الإسناد عن الصحابة؛ ولذلك أعرض عنها ابن جرير، مع أن قاعدة ابن جرير في تفسيره: أن الصحابة إذا كان لهم قول، ولم ينقل قول مخالف عن الصحابة أنفسهم، وإنما المخالف من التابعين أو من بعدهم، فإن ابن جرير ﵀ ينتصر بقوة لقول الصحابة. وفي تفسير ابن جرير لهذه الآية لم ينقل عن طائفة من الصحابة ما يخالف هذا القول، وإنما نقل عن طائفة من غير الصحابة، ومع ذلك لما انتهى من عرض المسألة رجح ﵀ التوقف في أهل الأعراف، وهذه إشارةٌ منه إلى أن الأسانيد عن الصحابة عنده ليست مقبولة. والأسانيد إذا نظرت إليها وجدتها معلولة من أكثر من جهة، أقربها وأدناها إلى النظر أنها منقطعة. فالمقصود أن كثيراً من المفسرين يرجحون الوقف في أهل الأعراف، وهذا هو المذهب الصحيح، وإنما الذي أخبرنا القرآن به عن أصحاب الأعراف: أنهم رجال، خلافاً لقول أبي مجلز أنهم ملائكة، وهذا غلط، لأن الله قال: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦] ولذلك ابن جرير لم يبطل من الأقوال شيئاً إلا القول المأثور عن أبي مجلز أنهم ملائكة، فقال: إنهم رجال بنص القرآن. وللمفسرين في أهل الأعراف ما يقارب الثمانية أقوال، وعلى قول ابن القيم وابن حزم يلزم أن أهل الأعراف قد أجمع الصحابة وأئمة السلف على تفسيرهم بأنهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهذا ليس فيه إجماع، بل الصواب في أهل الأعراف أنهم الله أعلم بهم. والوقف في هذا النوع من آيات القرآن أو من الدلالات هو المنهج المحقق، وليس الترجيح للتفصيل هو المحقق دائماً. فإن الراجح دائماً والتحقيق دائماً: هو حسن الأخذ لدليل القرآن أو السنة، هذا هو الترجيح الصواب، وهذا هو التحقيق للعلم الشرعي، وهو أن يأخذ الناظر في الأقوال أقرب الأقوال إلى الدليل. فنقول: إن التوقف هو الأقرب إلى الدليل؛ لأن الدليل مجمل من كل جهة، فمهما استعملت فيه من أنواع الدلالات لا تستطيع أن تفك هذا الإجمال، فيبقى هذا الدليل مجملاً، فيكون الراجح في أهل الأعراف الإجمال، والإجمال هنا التوقف في شأنهم. وهناك فرق بين إنكار الموازنة وبين إنكار هذا القول الذي ذكره ابن القيم وابن حزم؛ فالموازنة مجمع عليها، أما هذا الق

стр. 143

صحائف الأعمال قال ﵀: [وتنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه وأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره كما قال : ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]]. هذا في منتهى الحساب؛ فإذا ما حوسب العباد وقرروا بذنوبهم على ما يشاء الله سبحانه تعالى، تنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال، وهي ما انتهت إليه الصحائف بعد موازنة الله ، وما يتبع هذه الموازنة من حكم الله وقضائه، فآخذ كتابه بيمينه وهو الناجي، وآخذ كتابه بشماله وهؤلاء هم أهل النار. ويختلف كثير من المفسرين في ذلك؛ فمنهم من قال: يأخذونه بشمالهم، ومنهم من قال: يأخذونه وراء ظهورهم، ومنهم من قال: هذه في الكفار وهذه في المنافقين، ومنهم من فصل على غير ذلك من التفصيل، والأظهر في هذا أن يقال: الله أعلم. إلا إذا انضبط نص نبوي مفصل لمثل هذا المجمل من القرآن فإنه يقال به، وأما إذا لم ينضبط فيقال: إن الناس يوم القيامة فريق في الجنة وفريق في السعير، وأهل النار يأخذون كتابهم بشمالهم ومن وراء ظهورهم، أما العلم بهذا فليس من العلم اللازم، والله بين لنبيه؛ فما نص عليه كان علماً مشروعاً، وما لم ينص عليه فليس من العلم المشروع. فالعلم بالرسالات وبأسماء الرسل كموسى وعيسى وإبراهيم هو علم مشروع، يزيد الإيمان، ومع ذلك ثمة رسل ما ذكرهم الله في القرآن، قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] فهؤلاء الذين لم يذكر الله شأنهم في القرآن ليس العلم بشأنهم مشروعاً لهذه الأمة، لأن ما يحصل به العلم -وهو الوحي- لم يأت بهم، فلم ينزل فيهم قرآن ولم يحدث بهم النبي ﵊، فتكلف العلم بهم ليس من التكلف المشروع. ولذلك نهى الرسول ﵊ عن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم، فتصديقهم يتضمن الإيمان، فنهى عن تصديقهم في أخبارهم، وما يخبرون به عن الأنبياء، ونهى عن تكذيبهم، إلا إذا كان الذي أخبروا به معارضاً للنصوص معارضةً بينة، فهذا يكذبون به؛ لأنه يعلم حينها أنه من المحرف المكذوب. ويخطئ كثير في فهم قول الرسول ﵊: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ..) وقوله: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) فهذا ليس على إطلاقه، إنما الخطاب فيه لما احتمل فيه من خبر أهل الكتاب. أما ما كان من كلام أهل الكتاب بيناً أنه كذب، كبعض الروايات التي يذكرون فيها عن الرسل والأنبياء ما يعلم أنهم لا يقعون فيه وأن الله نزههم عنه، أو يحكون عن التشريع ما يعلم أنه لا يقع في شرائع الله ، فهذا يجب التكذيب به؛ لأنه من المحرف المكذوب.

стр. 144

مناجاة المؤمن لربه قال المصنف ﵀: [ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة]. هذا ثابت بالسنة: أن الله يخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، وهذا الذي ثبت في السنة الله أعلم بماهيته من جهة التفصيل، وفي الأحاديث غير لفظ كقوله: (يخلو) وكقوله: (فيدنيه الله ويضع عليه كنفه) وإلى غير ذلك من النصوص كحديث ابن مسعود وغيره. فهذه نصوص ثابتة في الصحيح وغيره، ولكن التفصيل فيها لا يزاد عن ظاهر النص.

стр. 145

مسألة محاسبة الكفار قال المصنف ﵀: [وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم]. الكفار لا يوافون ربهم بحسنة، وإن كانوا يعملون أعمالاً حسنة في الدنيا، فإن هذا يجازون به في دار الدنيا، كما في الصحيح عن أنس بن مالك في صحيح مسلم وغيره قال النبي ﵌: (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكفار فيطعم بحسناتٍ ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها)، والصواب في قراءة الحديث: أن تنون كلمة (حسنات)، فتكون (ما) نافية، أي: فيطعم بحسنات لم يعمل بها لله في الدنيا، أي أن هذه الحسنات لم يعمل بها لوجه الله، والأمر كذلك، فإن الكفار وإن كانوا قد يفعلون فعلاً حسناً كبر الوالدين، أو كصلة الرحم، أو كالعتق، أو كصدقات وبر وما إلى ذلك، فإن هذا وإن كان خيراً وحسنة، فإنه ليس المقصود عندهم هو وجه الله ، قال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]، فالقرآن والسنة تبينان أن الكفار يجازون بحسناتهم في الدنيا ولا يوافون ربهم بحسنة. قال المصنف ﵀: [ولكن تعد أعمالهم فتحصى، فيقفون عليها ويقرون بها]. أما مسألة محاسبة الكفار، فإن بعض المتأخرين من أصحاب الأئمة أطلق أنهم يحاسبون، وهذا ذكره المصنف في فتاواه، قال: إن بعض أصحاب أحمد وغيرهم، قال: إنهم يحاسبون، وبعضهم قال: إنهم لا يحاسبون، قال: والصواب: التفصيل، هذه الطريقة التي يستعملها ابن تيمية ﵀ وابن القيم كثيراً، ويستعمل كثير من المتأخرين هذه الطريقة، فتجدهم يقولون: بعضهم قال كذا، وبعضهم قال كذا، ثلاثة أقوال أو أربعة أقوال، ثم يقال: والصواب التفصيل. والصواب هنا هو من حيث اللفظ. بمعنى أنه إذا قيل: الصواب التفصيل، فقد يكون الصواب من حيث المعنى، وقد يكون الصواب من حيث اللفظ، فما الفرق بينهما؟! إذا قلنا أنه صواب من حيث اللفظ، فمعناه أن ابن تيمية يقول: إن الكفار لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناتهم مع سيئاتهم؛ لأنهم لا حسنات لهم، ولا يوافون ربهم بحسنة، فهل من قال من أهل العلم أن الكفار يحاسبون، كان يقصد أنهم توزن حسناتهم مع سيئاتهم، وأنهم يوافون ربهم بالحسنات؟ لا. لا يلزم هذا. ثم يقال: فيقررهم الله بذنوبهم، هل من قال أنهم لا يحاسبون، قال: إنهم لا يقررون؟ لا. فإذاً: كلام شيخ الإسلام أحكم ليس من جهة المعنى، فإن المعنى في الجملة فيه اتفاق, وإنما هو أحكم من جهة اللفظ. ومن أمثلة ذلك ما يتعلق بمسألة غسل الجمعة، فإن شيخ الإسلام قال: إن الأئمة الأربعة يذهبون إلى أن غسل الجمعة ليس واجباً، إنما هو مستحب، ومن أهل العلم من ذهب إلى وجوبه. وفصل ابن تيمية -وانتصر له ابن القيم - فقال: أن من كان فيه رائحة يتأذى منها الناس، فيجب عليه الغسل، ومن لم يكن كذلك لم يجب عليه الغسل. فيأتي البعض ويقول: الصواب التفصيل، فهذا الصواب هو من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، والفرق أنك إذا قلت: الصواب من حيث المعنى، لزم من ذلك أن القول الثالث غير القول الأول وغير القول الثاني، وهو ليس كذلك، لأن القول الذي قال به شيخ الإسلام حقيقته هو قول الأئمة الأربعة الذين يقولون: لا يجب غسل الجمعة، لأنهم حينما قالوا: إن غسل الجمعة ليس واجباً ما أرادوا أنه كذلك حتى ولو كان به رائحة يتأذى بها الناس، فهذه مسألة خارجة، لكونها عارضة، وهم يتكلمون عن أصل الحكم الشرعي؛ ولذا لا يجوز أن نقول: أن الأئمة الأربعة يقولون: لا يجب غسل الجمعة: لا على من به رائحة يتأذى بها الناس، ولا على من ليس به رائحة، وأن ابن تيمية يفصل. ولو كانت الوسطية هنا وسطية المعنى، لزم أن نقول هذا القول. والنتيجة من هذا أن التفصيل لا ينبغي أن يلجأ إليه إلا في التقارير العلمية، ولا يفصل للعامة، بمعنى أن يقال: مسألة غسل الجمعة ليس فيها لأهل العلم إلا أحد قولين: عدم الوجوب، وهو قول الجمهور واختاره ابن تيمية. ولكن شيخ الإسلام نبه إلى مسألة: وهي أن من به رائحة يغتسل، وهذا يوافق الجمهور، مثل ما قلت مذهب الإمام أحمد أن صلاة الجماعة واجبة، إذا شخص خاف فوت رفقته، فجاء شخص وقال: الصواب التفصيل، فمن حصل له الخوف أو مرض لا يجب عليه الجمعة. فنقول: ليس مقصوداً في كلام الإمام أحمد، أن الجماعة واجبة على كل حال. فالمقصود أن كثرة العناية بأن يكون الراجح من الأقوال هو التفصيل الذي فصله متأخر، ليس منهجاً حكيماً، مع أنه -ومع الأسف- يهتم الكثير بذلك، فتجد المسألة في كلام الأوائل الأكابر على قولين مثلاً، ثم يقال: الراجح ما ذكره ابن القيم، وهو التفصيل، وما ذكره ابن القيم ليس خارجاً عن القولين، لأنه لو خرج عن القولين كان القول غلطاً. وإن كان هناك خلاف مع بعض المعتزلة ومن شاركهم في هذا الأصل من الأشاعرة أو الفقهاء، إلا أن الصحيح المنضبط عند السلف أنه إذا انضبطت الأقوال على قولين أو ثلاثة، فلا يجوز لأحد أن يزيد قولاً رابعاً خارجاً عنها. وأكثر ما يقول فيه أعيان المتأخرين: الصواب التفصيل، هو من التفصيل اللفظي، الذي لا ينبغي أن يلجأ إليه إلا عند الاحتياج.
следующие страницы →