← Джавами‘

Джавами‘ · id 37793

دروس الشيخ حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (802 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

عدة الحامل السؤال هل تنقضي عدة الحامل بوضع الحمل ولو بعد الطلاق بأيام؟ الجواب أي نعم، تقدم أن المرأة إذا طلقت طلاقاً بائناً أو طلاقاً رجعياً فعدتها إذا وضعت حملها، حتى لو ما بقي لوضعها إلا ليلة واحدة.

стр. 352

اختيار الابن بين الأبوين لا يعد عقوقاً السؤال هل الاختيار بين الأبوين يدخل الابن أو الابنة في العقوق؟ الجواب لو اختار أمه على أبيه فلا يدخل هذا في العقوق، وليس للأب أن يظلمه لأنه اختار أمه، بل يتعامل معه على أنه طفل. أما أن يختار الابن الأم وعند ذلك يقول له الأب: إني غير راض عنك، فهذا غلط وهو من الجهل، فإذا اختار أمه قال له الأب: هذا عقوق وغضب، وربما بعضهم يتبرأ منه وبعضهم يحرمه النفقة، وهذا كله من الظلم.

стр. 353

حكم من حلف بالطلاق لا يطأ امرأته قبل أربعة أشهر ثم وطئها السؤال إذا حلف الرجل بالطلاق أن لا يطأ زوجته قبل أربعة أشهر فوطئها قبل هذه الأشهر الأربعة، فهل يقع الطلاق دون إيلاء وما هو الواجب عليه؟ الجواب إذا كانت نيته منع نفسه فقط ولا يريد الطلاق فقال: والله لا أطؤك قبل أربعة أشهر فإن وطئتك قبل أربعة أشهر فأنت طالق، فهذا عليه كفارة يمين فقط إذا وطئها، وأما إذا كان يريد عذراً للطلاق يقول: أنت تجملت أمامي فإن وطئتك الليلة فأنت طالق ثم بعد ذلك وطئها فهذا يقع طلاقه.

стр. 354

حكم من حلف بالطلاق كاذباً السؤال قوله: (رجل حلف بالطلاق وأراد الكذب وقع الطلاق حكماً ودين عند الله)، فهل يقع الطلاق عند الله؟ الجواب إذا كان الله يعلم أنه كاذب فإن الطلاق لا يقع، وهذا معنى أنه يدين، فإذا قال: أنا حلفت عليك بالطلاق وأراد الكذب، فهو يعلم أنه كاذب وأنه لم يحلف، فلا يقع طلاقه فيما بينه وبين الله، وأما عند القاضي فتقدم أنه يحكم بذلك لأن القاضي يحكم بالظاهر، وأما الله جل وعلا فيحكم بالسرائر لأنه يعلم الباطن، وإذا كان الباطن مؤثراً كما في هذه المسألة فإن الله جل وعلا يحكم به. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 355

دليل الطالب_كتاب الجنايات [١] أعظم الأمور حرمة بعد الشرك بالله الدماء، وقد عقد الفقهاء في كتب الفقه أبواباً وفصولاً تبين أحكام الجنايات، وفي هذه الأبواب يذكرون أقسام القتل وما يترتب على كل قسم من جزاء دنيوي أو أخروي.

стр. 356

القسم الأول من أقسام القتل: العمد العدوان إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فأشكر -أولاً- القائمين على هذه الدورة في إدارة الدعوة والإرشاد في دولة قطر على هذا الجهد المبارك في التنظيم، وأسأل الله أن يجعل هذا في ميزان حسناتهم، وأن يزيدهم براً وخيراً إنه مجيب الدعاء. وبين أيدينا كتاب الدليل للشيخ مرعي رحمه الله تعالى، وكنا قد تدارسنا في دورات سابقة هذا الكتاب، وقد وقفنا عند كتاب الجنايات. والجنايات: جمع جناية، وهي في اللغة: التعدي على البدن أو المال أو العرض، فالسرقة جناية، والزنا جناية، هذا في اللغة. وأما في الاصطلاح فهي كما قال المؤلف: [وهي التعدي على البدن بما يوجب قصاصاً أو مالاً]. فالذي يوجب القصاص أو يوجب المال مما هو من قبيل التعدي على البدن فهو الجناية، هذا في اصطلاح الفقهاء. إذاً: هذا الكتاب يجمع المسائل التي توجب القصاص أو توجب المال مما هي من التعدي على البدن.

стр. 357

تعريف القتل العمد العدوان وبيان اختصاص القصاص به قال المصنف ﵀: [والقتل ثلاثة أقسام: أحدها: العمد العدوان، ويختص القصاص به، أو الدية، فالولي مخير، وهو أن يقصد الجاني من يعلمه آدمياً معصوماً، فيقتله بما يغلب على الظن موته به]. ذكر المصنف ﵀ أن القتل على ثلاثة أقسام: القسم الأول: العمد العدوان، وهذا القسم الأول هو الذي يختص به القصاص، فلا قود في غير العمد العدوان. ومتى يكون القتل عمداً عدواناً موجباً للقصاص؟ قال المؤلف: [وهو أن يقصد الجاني من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به] أي: أن يقصد الجاني من يعلمه آدميا لا حيواناً كصيد، معصوماً لا حربياً. إذاً: العمد هو قصد الجاني من يعلم أنه آدمي، وأنه معصوم الدم، بما يقتل غالباً، لا بما لا يقتل غالباً. وما يقتل غالباً هو كالسكين أو البندقية، أو أن يخنقه، أو أن يرميه في البحر بحيث لا يقدر أن يخلص نفسه، أو أن يرميه في نار، أو أن يسحره بما يقتل غالباً، أو أن يرميه بمثقل كحجر كبير، فهذا كله مما يقتل غالباً. نعم قد يسلم المرء إذا رمي بالمسدس، أو رمي بالحجر الكبير، أو خنق، أو إذا رمي في البحر، لكن الغالب عدم السلامة وأن هذه الأشياء تقتل. إذاً: الضابط أنه يقتل في الغالب.

стр. 358

ضابط القتل العمد العدوان وعلى ذلك يكون عندنا أمران في قتل العمد (العدوان): الأمر الأول: أن يقصد الجاني من يعلمه آدمياً معصوماً، وعلى ذلك فلو قصد صيداً أو قصد هدفاً يتعلم به الرماية، أو قصد آدمياً لكن هذا الآدمي ليس بمعصوم، فهذا القتل ليس بعمد، وعلى ذلك فلا يوجب القصاص. الأمر الثاني: أن يكون ذلك بما يقتل في الغالب، وعلى ذلك فلو ضربه بيده في غير مقتل، أو ضربه بعصاً، أو رماه بحجرٍ صغيرة لا تقتل غالباً، فلا يكون ذلك عمداً عدواناً، وإن مات به. هذا هو قتل العمد، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢] إلى أن قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]. وفي الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً وستر الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له). وهذا الحديث المتفق عليه يدل على أن قاتل النفس تقبل توبته وإن كان القتل عمداً، ولا خلاف بين السلف في هذا، ولذا قال: (ومن أصاب من ذلك شيئاً وستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) فدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].

стр. 359

الحقوق المتعلقة بالقتل واعلم أن القتل تتعلق به حقوق ثلاثة: الحق الأول: حق الله جل وعلا، فهذا القاتل قد تعدى حدود الله بإتيانه ما نهى الله عنه من قتل النفس المعصومة، وهذا الحق يزول بالتوبة أو المغفرة؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فهو غافر الذنب وقابل التوب، أي: غافر الذنب وإن لم يتب صاحبه. وقابل التوب، فمن تاب ولو كان مشركاً فإن الله يقبل توبته، وكونه غافر الذنب يعني: أنه يغفر الذنب الذي يكون دون الشرك، وإن لم يتب صاحبه؛ لأن ذلك تحت المشيئة إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، هذا هو الحق الأول. الحق الثاني: حق المقتول، وحق المقتول إذا تاب القاتل يكون برفعة درجته في الآخرة، فيرفع الله درجة هذا القتيل، ويكفر عنه سيئاته. وإذا لم يتب القاتل فإن المقتول يأخذ من حسناته، أو يضع هذا القتيل من سيئاته إلى سيئات هذا القاتل. الحق الثالث: وهو حق الأولياء، وحقهم يكون بالقود أو الدية، قال ﵊ كما ثبت في الصحيحين: (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يعطى أو يقاد) يعني: إما أن يعطى الدية أو يقاد له من القاتل، فيكون له القصاص، فهو بخير النظرين، إن شاء أخذ الدية، وإن شاء اقتص من قاتل وليه. هذه الحقوق الثلاثة كلها تترتب على قتل النفس التي حرم الله.

стр. 360

حق التخيير بين القصاص والدية في القتل العمد واستحباب العفو إذاً: العمد كما تقدم يكون بأن يقصد الجاني آدمياً معصوماً بما يقتله غالباً، وهو يوجب القصاص، وقد ذكر هنا أن الولي مخير؛ للحديث المتقدم، وظاهره أن الخيار للولي ولو اختار المقتول قبل موته القصاص، واختار شيخ الإسلام تحتم القصاص إذا اختاره المقتول، وهو قوي، فهذا رجل قتل، وقبل أن تخرج روحه قال: أنا لا أرخص في قبول الدية، ولا أقبل إلا القصاص من قاتلي، فيتحتم على ذلك القتل؛ وذلك لأنه أولى بحقه من أوليائه. قال: [وعفوه مجاناً أفضل]، أي: إن عفا الولي عفواً مطلقاً فقال: لا قصاص ولا دية، فهذا هو الأفضل، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة:٢٣٧]. وقد روى الخمسة إلا الترمذي: (أن النبي ﵊ ما أتي بشيء من القصاص إلا أمر فيه بالعفو). فالعفو أفضل، ولكن ليس كل عفو في القود، أو في قتل النفس أفضل، إنما يكون أفضل كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إذا كان متضمناً للعدل؛ لأنه لا يكون إحساناً إلا مع العدل، فإذا ترتب عليه ظلم وترتب عليه ضرر فإن العفو لا يكون من الإحسان بل هو من الإساءة فلا يؤمر به. هذا رجل قد صارت النفوس عنده رخيصة، وقد قتل سابقاً، ثم إنه اعتدى الآن وقتل نفساً أخرى، فإذا عفي عنه فقد يعتدي مرة ثالثة ويقتل، فهذا الأفضل ألا يعفى عنه، وليس من الإحسان، ولا من العدل أن يعفى عنه. كذلك: إذا ترتب على ذلك ظلم في المجتمع، كما يحصل في بعض القبائل، فيقولون: إنا إذا عفونا فإنا نقطع أن من أبنائنا من لا يرضى بهذا العفو، وقد يعتدي بالقتل ويزيد، ويقولون: إن حقنا لا يحفظ إلا بذلك، فإذا علم ذلك ورأينا المصلحة في ترك العفو، فإن العفو حينئذ لا يكون مستحباً ولا يكون مأموراً به. إذاً: إنما يكون العفو مستحباً تبعاً للمصلحة؛ لأنه لا يكون إحساناً إلا مع العدل، لكن إذا ترتب عليه ظلم ورخصت معه الدماء وكثر الاعتداء، وقد يؤدي إلى حروب بين القبائل أو نحوها؛ فإن هذا لا يؤمر به.

стр. 361

قتل الجماعة بالواحد

стр. 362

شرط قتل الجماعة بالواحد قال المصنف ﵀: [فلو تعمد جماعة قتل واحدٍ قتلوا جميعاً إن صلح فعل كل واحد منهم للقتل]. أي: لو اجتمع زيد وعمرو وبكر على قتل فلان؛ فإنهم يقتلون به جميعاً ولو كانوا مائة، وذلك في حالتين: الحالة الأولى: أن يصلح فعل كل واحدٍ منهم للقتل، يعني: إذا نظرنا إلى فعل زيدٍ منفرداً رأيناه صالحاً للقتل، وإذا نظرنا إلى فعل عمرو وحده منفرداً رأينا أنه يكفي في القتل العمد العدوان، وإذا نظرنا إلى فعل بكر وحده رأيناه كذلك، فهذا يوجب القصاص على الثلاثة. اجتمع ثلاثة ومعهم سلاح فرموه، هذا رماه في رأسه، وهذا رماه في قلبه، وهذا رماه في بطنه، فهنا نجد أن فعل كل واحدٍ منهم يصلح للقتل لو انفرد، وعلى ذلك فيقتلون جميعاً. فإن كان فعل كل واحدٍ منهم لا يصلح للقتل لم يقتل أحدٌ منهم، كما لو اجتمعوا عليه بالسياط، هذا ضربه سوطاً وهذا سوطين، وهذا ثلاثة، وهذا أربعة؛ حتى جلدوه ألوف السياط حتى مات، فهنا فعل كل واحد منهم لا يصلح للقتل، فلا يقتل أحد منهم به. وإن كان فعل بعضهم يصلح قتل به، كما لو أن أحدهم قطع يديه، والآخر أجهز عليه فقتله، فيقتل به الآخر، وأما الأول فإن في فعله الدية. الحالة الثانية: أن يكون فعل كل واحد منهم منفرداً لا يصلح للقتل، لكن كان هناك تمالؤ على قتله، بأن كانوا قاصدين بهذا الفعل القتل، فإنهم يقتلون به، وهذا لا يعرف إلا ببينة أو إقرار. فمثلاً: اجتمع عشرة رجال فقالوا: نحن نريد قتل فلان، ولو قتلناه بسيوفنا لقتلنا به، إذاً: ماذا نفعل؟ قالوا: نقتله بأحجار صغيرة، فكل واحد منا يأخذ كذا من الأحجار التي لا تصلح بمفردها للقتل، أي أنه إذا نظر القاضي إلى فعله منفرداً فإنه لا يحكم عليه بالقتل، ولكنهم يريدون قتل الرجل، فقد تمالئوا على ذلك، فإنهم يقتلون به، وإنما يعرف ذلك بإقرارهم أو ببينة. ونحن نقول هنا بالقصاص؛ لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى رد ودفع القصاص. وقد جاء في البخاري: أن عمر ﵁ قتل سبعة من أهل صنعاء برجل، قال ﵁: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به). أما الدية فهي واحدة، إذا عفا الولي، ولا نوجب على كل واحد منهم دية، وإنما هي دية واحدة. لكن إن قال: لا أعفو حتى يدفع لي كل واحد من الجناة دية، وتراضوا على ذلك، فهذا صلح عن الدم، والصلح عن الدم يجوز لو بأكثر من الدية. فلو قتل زيد عمراً وثبت القصاص، ثم إن الولي قال: أنا لا أعفو إلا بكذا وكذا من المال، وذكر أضعاف الدية، ورضي القاتل، فلا بأس بذلك، وهو صلح عن الدم، وهو جائز. وأما قتل الخطأ فالدية فيه محددة من الشرع كما سيأتي تقريره، فلا يزاد فيها.

стр. 363

حكم من جرحوا المقتول جراحات مختلفة قال المصنف ﵀: [وإن جرح واحد منهم جرحاً والآخر مائة فسواء]. يعني: لو أن أحدهما جرحه جرحاً قاتلاً واحداً، والآخر جرحه مائة جرح قاتل، هذا فعله يصلح للقتل، وهذا فعله يصلح للقتل، لكن أحدهما أشد، لأن هذا أخذ السكين فطعنه مرة واحدة، وهذا أخذ السكين وطعنه مائة مرة؛ فإنه لا فرق، هذا عليه القود وهذا عليه القود.

стр. 364

حكم من قطع سلعة خطرة من شخص فمات من ذلك قال المصنف ﵀: [ومن قطع أو بط سلعة خطرة من مكلفٍ بلا إذنه، أو من غير مكلفٍ بلا إذن وليه فمات، فعليه القود]. من قطع أو بط -أي: شرط- سلعة خطرة. يعني: يكون هناك مثل القرحة الظاهرة تجتمع زائدة في موضع، فيأتي شخص ويشرطها، فمثلاً: وجد قطعة متدلية في بطن شخص أو في يده أو نحو ذلك فقطعها فمات، فما الحكم؟ قال هنا: إن كان هذا الميت مكلفاً وقد شرط منه هذا بلا إذنه؛ فإن عليه القود إلا أن يرضى الولي بالدية أو يعفو مجاناً، وإن كان من غير مكلف بلا إذن وليه فكذلك. إذاً: المكلف لا بد من إذنه في شرط هذه، وأما غير المكلف فلا بد من إذن وليه.

стр. 365

القسم الثاني من أقسام القتل: شبه العمد

стр. 366

ضوابط القتل شبه العمد قال المصنف ﵀: [الثاني: شبه العمد، وهو أن يقصده بجناية لا تقتل غالباً، ولم يجرحه بها]. هذا شبه العمد، جاء في سنن أبي داود وغيره: أن النبي ﵊ قال: (ألا إن دية الخطأ شبه العمد قتيل العصا والسوط مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها). وجاء في الصحيحين: (أن امرأتين من هذيل اقتتلتا، فضربت إحداهما الأخرى بحجر في بطنها فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي ﵊ في الجنين بغرة عبد أو وليدة، وقضى أن دية المرأة على العاقلة). هذا شبه عمد، فما هو ضابطه؟ قال المؤلف هنا: [أن يقصده بجناية لا تقتل غالباً]. إذاً: قصد الجناية مشترك بين العمد وشبه العمد، فقد قصد الجناية، ولم يكن قد ظن المجني عليه صيداً أو ظنه هدفاً، بل قصد الاعتداء على هذا الشخص، فهذا محل الاشتراك بين قتل العمد وشبه العمد، لكن هنا ذكر أنه قصده بما لا يقتل غالباً كالعصا والسوط، فإن العصا والسوط لا يقتلان غالباً، أو أن يغرز إبرة في يده، أو أن يلكزه في بطنه بيده، ونحو ذلك، فهذا لا يقتل في الغالب. لكن إن كان هذا الشخص مما يقتله هذا في الغالب، أو كان الموضع موضعاً قاتلاً في الغالب، كما لو ضربه بعصا في مكان من الرأس هو مقتل، فهذا يقتل غالباً، نعم العصا لا يقتل في الغالب، لكن هذا الموضع إذا ضرب بالعصا يقتل في الغالب. لو غرز إبرة في قلبه فذلك يقتل غالباً، مع أن الإبرة في الأصل لا تقتل غالباً لو غرزت في موضع آخر. أما في هذا الموضع فإنها تقتل غالباً. جلد مائة سوط لا يقتل غالباً، لكن لو كان مريضاً شديد المرض فإن هذه تقتله غالباً. إذاً: ننظر إلى الآلة والفعل، وننظر كذلك إلى الموضع أو الشخص، لنعرف هل هذا يقتل غالباً أو لا يقتل غالباً؛ فإذا كان لا يقتل غالباً وقد تعمد الجناية فإن هذا يكون شبه عمدٍ، وقتل شبه العمد كما تقدم لا قصاص فيه، لكن الدية فيه مغلظة أغلظ من قتل الخطأ، ولذا جاء في الحديث: (أن فيه مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها).

стр. 367

حكم الجرح بما لا يقتل غالباً وقول المؤلف: [ولم يجرحه بها] هذا قيد، ومعناه: أنه لو جرحه بما لا يقتل غالباً فإن هذا عمد، فلو أخذ إبرة أو مشرطاً لا يقتل في الغالب، لكن خرج منه دم، ولو كان الجرح يسيراً فمات، فمقتضى المتن أن هذا يكون عمداً. إذاً: الجرح هنا ولو كان يسيراً مؤثراً، واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ أن العبرة بكون فعله لا يقتل غالباً سواء جرح أم لم يجرح، وهذا أصح؛ لأن المؤثر هو كون هذا لا يقتل غالباً، أما كونه يجرح أو لا يجرح فهذا ليس بمؤثر خلافاً للمشهور في المذهب. قال المصنف ﵀: [فإن جرحه ولو جرحاً صغيراً قتل به]. يعني: غرز فيه شيئاً حاداً لا يقتل غالباً فخرج دم ومات فإنه يقتل به؛ لأن هذا وإن كان لا يقتل غالباً لكنه جرح، والراجح كما تقدم: أن الضابط هو كونه لا يقتل غالباً سواء جرح أم لم يجرح.

стр. 368

القسم الثالث من أقسام القتل: القتل الخطأ قال المصنف ﵀: [الثالث: الخطأ، وهو أن يفعل ما يجوز له فعله من دق أو رمي صيد أو نحوه، فيبين آدمياً معصوماً، ففي القسمين الأخيرين الكفارة على القاتل، والدية على عاقلته]. النوع الثالث: قتل الخطأ، وهو: أن يفعل ما له فعله، يعني: ما يجوز له فعله، كأن يرمي صيداً، أو يقصد هدفاً يتمرن به على الرمي، فهو يفعل ما يجوز له فعله، ولم يقصد الجناية. إذاً: الفرق بين هذا القسم والقسمين اللذين قبله هو قصد الجناية، فهنا قاتل الخطأ لم يقصد الجناية، وأما قاتل العمد وقاتل شبه العمد فإنه قد قصد الجناية. فقاتل الخطأ إنما أراد هدفاً أو أراد صيداً ونحو ذلك، أو كان يقود سيارته ولا يقصد الجناية، لكن لو حرف السيارة قاصداً الاعتداء على أحد من المشاة فإن هذا قصد في الجناية. إذاً: قتل الخطأ ليس فيه قصد للجناية، ولذا قال: (أن يفعل ما يجوز له فعله من دق لشيء) أي: يريد أن يدق شيئاً، أو يرمي صيداً ونحو ذلك، أو ينقلب وهو نائم، كالأم تنقلب على وليدها وهي نائمة، فهذا هو قتل الخطأ، وهذا لا قصاص فيه، والدية فيه مخففة. إذاً: ضابط قتل الخطأ هو: أن لا يقصد الجناية، بل يفعل ما يجوز له فعله، لكن فعله هذا يقتل إنساناً. وقول المؤلف هنا: [أن يفعل ما يجوز له فعله] يفهم منه: أنه إذا فعل ما لا يجوز فعله، وإن لم يقصد الجناية؛ فإنه لا يكون قتل خطأ، ويتضح هذا بمثالين: المثال الأول: رجل قصد أن يرمي شاة أو ناقة لمعصوم، فليس له أن يفعل ذلك، فمثلاً هذا رجل له مزرعة، فأتت الإبل لتدخل مزرعته، فأخذ سلاحه ورمى هذه الإبل، فليس له أن يفعل ذلك، ولكنه فعل فأصاب الراعي. المثال الثاني: هذا رجل بينه وبين زيد من الناس مشكلة، فرفع السلاح يريد أن يقتله، ثم إن هذا الذي يراد قتله لم تصبه هذه الرصاصة، وإنما أصابت شخصاً آخر فقتلته. فهو لم يقصد القتل بعينه، وإنما قصد الآخر، لكنه ليس له أن يفعل ذلك. ففي المثالين جميعاً يكون قتله قتل عمدٍ، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد كما في المنتهى. وفي الإقناع أن هذا خطأ في المثالين جميعاً، والذي يترجح لي التفصيل، أما في قصد الحيوان، فالذي يقوى أنه يكون قتل خطأ، وأما في قصد الآدمي فإنه يكون عمداً؛ لأنه قصد قتل نفسٍ فأصاب غيرها، وهذا نظير هذا. وقول المؤلف: [ففي القسمين الأخيرين الكفارة على القاتل، والدية على عاقلته]، معناه أن الكفارة على القاتل في القسمين الأخيرين، يعني: في شبه العمد، وفي قتل الخطأ، وإن كان القاتل صبياً. وعمد الصبي والمجنون يعد خطأً، وعلى ذلك فتكون الكفارة في ماليهما. أما الدية فتكون على العاقلة، ويأتي شرح العاقلة إن شاء الله، فلا يؤخذ من ماله، وإنما يؤخذ من عاقلته، فمن قتل شبه عمدٍ أخذت الدية من عاقلته كما تقدم في قصة الهذليتين، وكذلك من قتل خطأً فلا تؤخذ من ماله، وإنما تؤخذ من عاقلته، وأما من قتل عمداً فإنها تؤخذ من ماله.

стр. 369

أحكام الآمر والمأمور بالقتل

стр. 370

حكم من أمر غيره بقتله قال المصنف ﵀: [ومن قال لإنسان: اقتلني أو اجرحني فقتله أو جرحه لم يلزمه شيء]. هذا رجل قال لآخر: يا فلان! اقتلني. أو قال: اجرحني، وهناك بينة تشهد بذلك، أو إقرار من المجني عليه قبل موته، كأن قال: أنا الذي أمرته، فهنا يقول: إنه لا يقتل به، كما لو أمره أن يحرق ماله، أو أن يرمي متاعه في البحر؛ فإنه لا يضمن، فكذلك هنا لا يضمن النفس؛ لأن هذا قد أذن له بقتل نفسه، وظاهره: ولا كفارة عليه، وهو المذهب. وقال بعض الفقهاء من الحنابلة: بل عليه الكفارة مع الإثم، وهذا هو الراجح؛ لأنه لا يجوز له أن يطيعه في ذلك، لكن هل يقتل به؟ لا يقتل به. فلو أن رجلاً قال لآخر: اقتلني، أو اجرحني، فلا ضمان عليه؛ لأن هذا قد أذن له، لكنه يأثم؛ لأن الإنسان لا يملك نفسه حتى يأذن بالقتل، ولذا نقول: إن هذا القاتل يأثم وعليه الكفارة، لكن ليس عليه قصاص ولا دية؛ لأن هذا قد أذن له في قتل نفسه.

стр. 371

حكم من دفع لغير مكلف آلة قتل ولم يأمره بالقتل أو أمره قال المصنف ﵀: [وكذا لو دفع لغير مكلف آلة قتل ولم يأمره به]. يقول: لو دفع لغير مكلف آلة قتل كأن يعطيه بندقية، أو يعطيه مسدساً، ولم يأمره بالقتل، كأن حصلت مشاجرة بين أطفال، فأتى الأب وأعطى ابنه المسدس، ولم يقل له: اقتله به. لكن إن كان هناك ما يدل على أنه أراد منه القتل فهذا أمر له في الحقيقة، فكأنه يقول: اقتله به، فهو آمر، لكن إذا أعطاه المسدس ولم تكن هناك قرينة أمر، ولم يأمره بالقتل صراحة؛ فإنه لا يقتل بذلك. أما الصبي فعمده -كما تقدم- خطأ. فإن أمره بالقتل فعليه القصاص، وذلك كما لو قال للصبي: خذ هذا المسدس واقتل فلاناً، فهذا الصبي غير مكلف، وكذلك لو كان مجنوناً، ولا فرق في الصبي بين أن يكون صبياً غير مميز أو صبياً مميزاً دون البلوغ؛ فإن الآمر هو الذي يقتل بذلك، ما دام المأمور غير مكلف؛ لأنه يكون كالآلة. إذاً: إذا دفع لصبي أو لمجنون سلاحاً ولم يأمره بالقتل، ولم تكن هناك قرينة أمر؛ فإنا لا نثبت القود في ذلك، وإن كان أمر هذا الصبي، أو أمر هذا المجنون بالقتل؛ فإنه يقتل بذلك. يعني: يثبت القصاص.

стр. 372

حكم من أمر مكلفاً بالقتل أما إن كان المأمور مكلفاً، فلا يقتل الآمر، ومثال ذلك لو أنه قال لمكلف: يا فلان! اقتل فلاناً، فقتله، فإنه لا يقتل الآمر به، بل يقتل هذا المكلف المأمور؛ لأنه المباشر. لكن إن كان قد أكرهه فقال: إن لم تقتل زيداً قتلتك، فهذا إكراه، فيقتل المكره والمكره جميعاً، هذا هو المشهور في المذهب. أما المكرَه فلأنه ليس له أن يفدي نفسه بقتل غيره؛ لأن هذا قتل، فكيف تريد أن تأمن من القتل وتوقع غيرك به. وأما المكرِه فلأنه متسبب كالمباشر في القوة؛ أي: لأن قوة الإكراه تجعله كالمباشر. إذاً: هناك فرق بين الإكراه وبين الأمر المجرد من الإكراه، فننظر في الأمر: إن كان قد توجه إلى غير مكلفٍ قتلنا الآمر، وإن كان قد توجه إلى مكلفٍ من غير إكراه قتلنا المكلف، وأما الإكراه فنقتل المكره والمكره جميعاً. كذلك: إذا أمر بالقتل من يجهل تحريم القتل، كما لو أمر حديث عهدٍ بالإسلام وهو يجهل تحريم القتل، فيقتل الآمر. كذلك السلطان إذا كان ظالماً فأمر بالقتل، وهذا القاتل يجهل أن السلطان ظالم؛ فإن السلطان يُقتل، وأما إذا كان القاتل لا يجهل، بل يعلم أنه ظالم فإنه يقتل هذا المأمور. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 373

دليل الطالب_كتاب الجنايات [٢] إذا حدث القتل عمداً عدواناً فقد وجب القصاص من الجاني، ولكن لا بد من مراعاة شروط وجوب القصاص، وشروط استيفائه، وآداب ذلك، وما يستحقه من يخالف ذلك أو يفتات على الإمام في إقامة الحد.

стр. 374

شروط وجوب القصاص في النفس

стр. 375

الشرط الأول تكليف القاتل الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: شروط القصاص في النفس. وهي أربعة: أحدها: تكليف القاتل. هذه الشروط هي شروط وجوب القود، فلا بد أن تتوفر هذه الشروط ليجب القصاص]. قال المؤلف ﵀: [أحدها تكليف القاتل، فلا قصاص على صغير ومجنونٍ، بل الكفارة في مالهما والدية على عاقلتهما. الثاني: عصمة المقتول، فلا كفارة ولا دية على قاتل حربي أو مرتد أو زانٍ محصن ولو أنه مثله]. الأول: تكليف القاتل بأن يكون القاتل مكلفاً، فقد جاء في سنن البيهقي وغيره: أن النبي ﵊ قال: (رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم- الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق) وتقدم في الدرس السابق أن أهل العلم قد اتفقوا على أن عمد الصبي والمجنون خطأ، وعلى ذلك فإذا كان القاتل صبياً لم يبلغ، سواء كان مميزاً وهو من تم له سبع سنين، أو كان دون التمييز فلا يقتل. ومثل ذلك أيضاً: من ذهب عقله بأمر مباح كمخدر لعلاج. وأما إذا كان قد سكر فقتل فلا خلاف بين أهل العلم في أنه يقتص منه، فالقود يثبت على السكران بلا خلاف بين أهل العلم. إذاً: لا بد من تكليف القاتل، فإذا كان القاتل غير مكلف لم يقتص منه، ولذا قال الفقهاء عمد الصبي والمجنون خطأ. قال: [بل الكفارة في مالهما]، إذا قتل صبي أو مجنون، أو من ذهب عقله بغير سكر؛ فإن الكفارة في ماله، فعليه أن يحرر رقبة، ويكون هذا في ماله، لا في مال عاقلته. قال: [والدية على عاقلتهما]: ويأتي شرح العاقلة إن شاء الله تعالى. فهذا هو الشرط الأول من شروط وجوب القود.

стр. 376

الشرط الثاني عصمة المقتول [وأما الشرط الثاني: فهو عصمة المقتول]، أي أن المجني عليه المعتدى عليه بالقتل لا بد أن يكون معصوم الدم، لا مهدراً؛ فإذا كان مهدر الدم فإنه لا يقتص في هذه الحال من قاتله. وقد ذكر المؤلف لهذا أمثلة فقال: [فلا كفارة ولا دية على قاتل حربي]. دخل حربي إلى بلدنا بلا أمان من الحاكم، فإذا قتله أحد لم يقتل به؛ لأن هذا الحربي الذي يحاربنا دمه هدر، وهذا واضح. قال: [ومرتد]. فإذا قتل المرتد قبل توبته فإن قاتله لا يقتل به، فلو أن رجلاً سب الله، أو سب رسوله ﵊ فقتله رجل لم يقتل به، لكن ليسلم دمه لا بد أن يأتي ببينة تثبت أن هذا الرجل قد ارتد عن الدين. ومع ذلك لو أتى بالبينة فإن الحاكم يعزره، وذلك لأنه افتأت عليه، لأن إقامة الحدود للإمام، وليس لآحاد الناس أن يقيموا الحدود، ولا أن يقتلوا المرتدين، وعلى ذلك فإنه يعزر بما يراه الحاكم لكنه لا يقتل؛ وذلك لأن المقتول ليس بمعصوم الدم. كذلك: لو قتل زانياً محصناً، ولذا قال المؤلف: [أو زانٍ محصن]: هذا رجل أتى إلى زانٍ محصنٍ فقتله، ثم أتى ببينة تشهد له أن هذا زانٍ محصن، يعني: أتى بشهود أربعة شهدوا أنهم رأوا أن الميل في المكحلة، فلما أُتي بالقاتل إلى القاضي قال: أنا قتلت هذا الزاني المحصن، وعندي بينة، فلا يقتل به، ولكن يعزره الإمام بما يراه، أي: يعاقبه بحبس أو جلد ليرتدع عن هذا الفعل؛ لأن هذا افتيات على حق الإمام، فالإمام أو نائبه هم الذين يقيمون الحدود. لكن لو قتله بعد توبته، مثل رجل قتل آخر وقال: إنه قد زنا وهو محصن، وأتى ببينة تشهد على ذلك، لكن هذا الزنا قد حصل قبل سنة مثلاً، وهذا المقتول قد ظهرت توبته، وعرفت استقامته، والله جل وعلا يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:٣٤]، وهذا قد تاب قبل أن يقدر عليه، وعلى ذلك فهذا يكون قد قتل معصوم الدم؛ لأن هذا الزاني قد ظهرت توبته. قال: [ولو أنه مثله] فلو أن امرأة زنى بها رجل ولما رأت البينة تشهد قتلت هذا الزاني، والبينة شهدت بأنه زان، فلا تقتل به، ولكن إن كانت محصنة وشهدت عليها البينة رجمت، وإن لم تكن محصنة فإنها تجلد حد الزنا، ويأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 377

الشرط الثالث المكافأة قال المؤلف ﵀: [الثالث: المكافأة؛ بأن لا يفضل القاتل المقتول حال الجناية بالإسلام أو الحرية أو الملك، فلا يقتل المسلم ولو عبداً بالكافر ولو حراً، ولا الحر ولو ذمياً بالعبد ولو مسلماً، ولا المكاتب بعبده ولو كان ذا رحم محرمٍ له، ويقتل الحر المسلم ولو ذكراً بالحر المسلم ولو أنثى، والرقيق كذلك، وبمن هو أعلى منه، والذمي كذلك]. هذا هو الشرط الثالث لوجوب القصاص، وهو المكافأة، وعرف المكافأة بقوله: بألا يفضل القاتل المقتول حال الجناية بالإسلام، أو الحرية أو الملك. إذاً: لا بد أن يكون المقتول مكافئاً للقاتل، فلو كان دونه فيما ذكره المؤلف، يعني: في الإسلام، أو في الحرية، أو في الملك؛ فإنه لا يقتل به. إذا كان دونه في الإسلام بأن كان المقتول ذمياً؛ فإنه لا يقتل به هذا المسلم؛ لأنه لا يكافئه، وقد جاء في البخاري في صحيفة علي ﵁ عن النبي ﵊: (لا يقتل مسلم بكافر). وذهب الأحناف إلى أن المسلم يقتل بالكافر الذمي، واستدلوا بما روى الدارقطني أن النبي ﵊ أقاد مسلماً بذمي، وقال: (أنا أحق من وفى بذمته)؛ لكن الحديث مرسل ضعيف، وعلى ذلك فالراجح ما ذهب إليه الجمهور، وأن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي. وقول المؤلف هنا: [حال الجناية]، معناه أن العبرة بحال الجناية، فلو أن ذمياً قتل ذمياً فإنا نقتله به؛ لأنه يكافئه، ولكن لو أن هذا الذمي القاتل أسلم قبل أن يقتص منه، فهل نقول: لا نقتله؛ لأنه حال الاستيفاء مسلم، أو نقول: نقتله؛ لأنه حال الجناية كافر؟ الجواب ننظر إلى حال الجناية، فهو حال الجناية كافر ذمي قتل كافراً ذمياً، وعلى ذلك فيقتل به وإن أسلم بعد ذلك، وذلك لأن العبرة بحال الجناية؛ لأن العقوبة قد وجبت لوجود سببها وهو القتل، فكان العبرة بحال الجناية.

стр. 378

حكم قتل الحر بالعبد وكذلك ألا يكون دونه بالحرية، وعلى ذلك فلا يقتل الحر بالعبد، فلو أن حراً قتل عبداً مملوكاً فإنه لا يقتل به، وفي ذلك الدية كما سيأتي إن شاء الله، لكنه لا يقتل به، واستدلوا بما جاء في مسند أحمد أنه من السنة -أي: من سنة النبي ﵊: (أن الحر لا يقتل بالعبد)، فمن السنة أن لا يقتل الحر بالعبد، والحديث فيه جابر الجعفي وهو ضعيف الحديث. والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الأحناف أن الحر يقتل بالعبد، قالوا: لما جاء في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي أن النبي ﵊ قال: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم)، وهذا مؤمن. وفي سنن الترمذي أن النبي ﵊ قال: (من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه) رواه الترمذي وحسنه، وهو كما قال. ومما استدل به أهل القول الأول قول الله جل وعلا: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة:١٧٨]. والجواب على الاستدلال بهذه الآية الكريمة أن نقول: إن هذه الآية نزلت في قول بعض العرب ترفعاً وكبراً: العبد منا نقتل به الحر من غيرنا، والأنثى منا نقتل بها الذكر من غيرنا، فنزلت: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة:١٧٨]. ويدل على هذا أن أهل العلم قد أجمعوا على أن الذكر يقتل بالأنثى، والله يقول هنا: ﴿وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة:١٧٨]، ولا قائل بأن الذكر لا يقتل بالأنثى، فكذلك الحر بالعبد، وتقدم حديث الترمذي أن النبي ﵊ قال: (من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه).

стр. 379

حكم قتل المكاتب بعبده قال: [والملك]: ما المراد بالملك؟ الملك: هو أن يقتل المكاتب عبده، فالمكاتب عبد، وقتل عبداً، والأصل أن العبد يقتل بالعبد، لكنه هنا يفضله بالملك فلا يقتل به، وإلا فإن المكاتب عبد مثله، ولذا جاء في الحديث: (المكاتب قن وإن بقي عليه درهم). والمراد بالمكاتب هو الذي حصل بينه وبين سيده عقد يدفع هذا العبد بموجبه لسيده أقساطاً سنوية، فإذا اكتملت هذه الأقساط أصبح هذا العبد حراً. يعني: يأتي العبد إلى سيده ويقول: أنا أريد أن أشتري نفسي منك، بأن أدفع لك أقساطاً سنوية أو شهرية، فإذا دفع هذه الأقساط كلها أصبح حراً. هذا هو المكاتب. والمكاتب يملك لأنه لا يمكنه أن يحرر نفسه ويدفع هذه الأقساط إلا إذا كان يصح بيعه وشراؤه ويملك، فإذا عجز أصبح هو وما ملك ملكاً لسيده. فالمكاتب إذا ملك عبداً أصبح يبيع ويشتري بالعبيد وهو عبد، ثم إنه قتل عبداً له، فهو لا يفضله في الحرية؛ لأنه عبد مثله، بالملك. والقول الثاني وهو قول داود: أنه يقتل به، للحديث المتقدم: (من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه)، ولذا فالراجح أنه يقتل به. وعلى ذلك فكل المؤمنين تتكافأ دماؤهم، كما قال ﷺ ، فيقتل الحر بالعبد، ويقتل المكاتب بعبده، كما أن الذكر يقتل بالأنثى، وقد جاء في سنن النسائي بإسناد صحيح أن النبي ﵊ قال: (يقتل الذكر بالأنثى).

стр. 380

حكم قتل المسلم بالذمي إذا قتله غيلة إذاً: الشرط الثالث هو المكافأة، والمكافأة تكون أولاً بالإسلام، فلا يقتل مسلم بكافر، وعلى ذلك فلا يقتل المسلم بالذمي، وهذا تقدم دليله، وهو قول النبي ﷺ : (لا يقتل مسلم بكافر). فإن كان قد قتله غيلة، يعني: على غفلة وعلى حين غرة من حيث يأمن هذا الذمي، فهل يقتل به أم لا؟ فليس هذا من القتل الذي يحصل مثلاً بمشاجرة أو نحوها، بل يأتي إليه في طريق ومعه نقود فيقتله ويأخذ نقوده، وكالذين يفجرون البيوت التي يسكنها أهل الذمة ونحو ذلك، فهذه حرابة، والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة:٣٣] فإذا قتلوا قتلوا، وهؤلاء قد قتلوا، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهو مذهب المالكية، وهو أن المسلم يقتل بالذمي إن قتله على حين غرة وعلى غفلة، وهذا هو قتل الخديعة، فإذا قتله خديعة وغيلة فإنه يقتل به خلافاً للمشهور في المذهب. قال هنا: [فلا يقتل المسلم ولو عبداً بالكافر ولو حراً]: لو أن عبداً مسلماً قتل كافراً لم يقتل به؛ لأن النبي ﷺ يقول: (لا يقتل مسلم بكافر) وهذا العبد مسلم، فلا يقتل بالكافر ولو كان هذا الكافر سيداً من سادات قومه. قال: [ولا الحر ولو ذمياً بالعبد]: يقول: الحر لا يقتل بالعبد، ولو كان هذا الحر القاتل ذمياً، والعبد المقتول مسلماً، وتقدم أن الراجح خلاف ذلك، وأن الحر يقتل بالعبد. قال: [ولو كان العبد مسلماً]: يعني: لو أن رجلاً من أهل الذمة قتل عبداً مسلماً، فإنه لا يقتل به، وهذا ضعيف، وقد تقدم أن الراجح أن الحر يقتل بالعبد مطلقاً، كيف والحر هنا دون العبد؟ فإنه أعظم منه؛ لأنه أرفع منه بالإسلام، والإسلام أرفع من الحرية. قال: [ولا يقتل المكاتب بعبده]، تقدم شرح هذا. [ولو كان ذا رحمٍ محرمٍ له]: يعني: لو قتل المكاتب عبده الذي هو عمه مثلاً، أو الذي هو خاله، فإنه لا يقتل به، والصحيح كما تقدم أنه يقتل به؛ لأن النبي ﵊ قال: (من قتل عبده قتلناه). قال: [ويقتل الحر المسلم ولو ذكراً بالحر المسلم ولو أنثى]، تقدم شرح هذا، [والرقيق كذلك]. قال: [وبمن هو أعلى منه]: وهذا واضح، والذمي كذلك يقتل بمن هو أعلى منه، يعني: يقتل الكافر بالمسلم، ويقتل العبد بالحر، وتقتل الأنثى بالذكر؛ لأنه أعلى منه، فإذا كان يقتل بمن يكافئه فأولى من ذلك أن يقتل بمن هو أعلى منه، وهذا كله تقدم شرحه وإيضاحه.

стр. 381

الشرط الرابع ألا يكون القاتل والداً للمقتول قال المؤلف ﵀: [الرابع: أن يكون المقتول ليس بولدٍ للقاتل، فلا يقتل الأب وإن علا، ولا الأم وإن علت بالولد، ولا بولد الولد وإن سفل]. يذكر المؤلف هنا الشرط الرابع لوجوب القصاص في النفس، وهو: [أن يكون المقتول ليس بولد للقاتل]، وذلك لما جاء في سنن البيهقي، والمنتقى لـ ابن الجارود، وهو أيضاً في الترمذي من حديث عمر، أن النبي ﵊ قال: (لا يقاد والد بولده) والحديث هنا رواه البيهقي وابن الجارود بإسناد جيد، أما حديث عمر في الترمذي فإن فيه اضطراباً. والحديث مشهور عند أهل العلم، متلقى بالقبول، وفيه أن الوالد لا يقتل بولده. والوالد يعني الأم والأب فلا يقتلون بولدهم؛ لأن الوالد سبب وجود الولد، فلا يكون الولد سبباً لعدمه، وعلى ذلك فلا يقتل الوالد بالولد. قال هنا: [فلا يقتل الأب وإن علا، ولا الأم وإن علت بالولد، ولا بولد الولد وإن سفل]. يعني: الجد لا يقتل كذلك بولد ابنه، ولا بولد ابنته؛ لأنه والد.

стр. 382

يورث القصاص على قدر الميراث قال المصنف ﵀: [ويورث القصاص على قدر الميراث، فمتى ورث القاتل أو ولده شيئاً من القصاص فلا قصاص]. القصاص يورث على قدر الميراث، وذلك لأن الذين لهم حق في القصاص هم الورثة، فننظر من هم ورثة المقتول، فورثته هم أولياء الدم، فإذا عفا أحدهم عن القاتل أسقط الحق في القصاص وعتق القاتل فلم يقتص منه، وهذا هو قول جمهور العلماء. وقد جاء في سنن أبي داود وغيره: أن النبي ﵊ قال: (من قتل له قتيل فأهله بين خيارتين) قوله: (فأهله) يعني: ورثته؛ لأن الأهل هم الورثة. وفي مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح أن عمر ﵁ أتي برجل قد قتل آخر، فعفت زوجة المقتول، وكانت أختاً للقاتل، فقال عمر ﵁: الله أكبر قد عتق القتيل، وهذا الأثر إسناده صحيح، وبه قال الجمهور. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن العصبة فقط هم الذين لهم حق القصاص، وهم الذين يرثون الدم؛ لأن العار يلحقهم، والصحيح خلافه، وهو قول الجمهور كما تقدم، وأثر عمر ﵁ لا يعلم له مخالف فكان حجة. إذاً: الورثة هم الذين يرثون الدم. قال هنا: [ويورث القصاص على قدر الميراث، فمتى ورث القاتل أو ولده شيئاً من القصاص فلا قصاص]: القاتل قد يدخل في الورثة، مثال هذا: رجل قتل أخا زوجته، فكانت هذه الزوجة من ورثة دم أخيها القتيل، ثم إن الزوجة ماتت فيرثها زوجها، فأصبح القاتل من ورثة الدم. وإذا كان لها ولد كأن يكون مثلاً قد طلقها؛ لكن لها ولد منه، فأصبح ولدها من ورثتها، وهي من ورثة الدم فلا قصاص؛ لأن القصاص لا يتبعض، يعني: لا يمكن أن نقتص من بعضه، ولذا سيأتي إن شاء الله أنه إذا عفا أحد الورثة سقط القصاص، فلو كان ورثة الدم عشرة، فأسقط واحد من هؤلاء العشرة القصاص؛ فإن الدم يعصم، ولا يقتل هذا القاتل؛ لأن القصاص لا يتبعض، فإذا عفا بعضهم سقط حق بقيتهم في القصاص.

стр. 383

شروط استيفاء القصاص

стр. 384

معنى استيفاء القصاص قال المؤلف ﵀: [باب: شروط استيفاء القصاص، وهي ثلاثة:]. استيفاء القصاص هو فعل مجني عليه أو وليه بالجاني مثل فعله أو شبهه. المجني عليه عندما تقطع يده أو ولي الدم عندما يقتل موليه فإن الدم له، لأنه ولي الدم، فإذا اقتص فهذا يسمى استيفاء، مثال ذلك: رجل قتل له ولد فاختار القصاص هو وبقية الورثة، فاقتصوا من القاتل بالسيف مثلاً، فهذا الفعل يسمى استيفاء. كذلك من قطعت يده فاختار القود بأن تقطع يد من جنى عليه، فهذا يسمى بالاستيفاء. إذاً: هو فعل مجني عليه أو وليه بالجاني مثل فعله أو شبهه، فالفعل بالجاني من المجني عليه أو من ولي الدم مثلما فعل، أو شبهه، يسمى استيفاء.

стр. 385

الشرط الأول تكليف المستحق قال المصنف ﵀: [أحدها: تكليف المستحق؛ فإن كان صغيراً أو مجنوناً حبس الجاني إلى تكليفه، فإن احتاج لنفقة فلولي المجنون فقط العفو إلى الدية]. يقول: [أحدها: تكليف المستحق]، أي: الذي يستحق القصاص، فلا بد أن يكون المستحق الذي يريد أن يستوفي القصاص مكلفاً، فلو أن رجلاً قتل وله أولاد، وكان أولاده غير مكلفين، فما الحكم؟ ننتظر حتى يبلغ الصبي منهم، وإذا كان فيهم مجنون فننتظر حتى يعقل هذا المجنون، فيحبس هذا الجاني ولا يكفل؛ لأن الكفالة هنا لا يمكن الاستيفاء بها، لأنه لا يمكن أن يقتص من الكفيل. وعلى ذلك فيحبس القاتل حتى يبلغ الصبي وحتى يعقل المجنون؛ وذلك لأن الاستيفاء حق لهم، ويراد من الاستيفاء التشفي. يعني: أن يزول ما في الصدر من الغل. لو كان بعضهم صبياً وبعضهم بالغاً فسيأتي الحكم إن شاء الله، لكن ذكر المصنف هنا: أنه احتاج لنفقة فلولي المجنون فقط العفو إلى الدية، يعني أنه إذا كان المجنون محتاجاً إلى النفقة فلوليه أن يعفو لينفق عليه من هذه الدية.

стр. 386

الشرط الثاني اتفاق المستحقين على الاستيفاء قال المصنف ﵀: [الثاني: اتفاق المستحقين على استيفائه؛ فلا ينفرد به بعضهم. وينتظر قدوم الغائب، وتكليف غير المكلف]. الشرط الثاني لاستيفاء القصاص: اتفاق المستحقين: فلو أن بعضهم اختار القصاص، وبعضهم اختار الدية، فلا قصاص، لأن القصاص لا يتبعض، فلا يمكن أن نقتص من بعضه بناءً على اختيار بعض الورثة، ولذا لا بد من الاتفاق. ولا ينفرد أحدهم بالقصاص؛ لأنه إذا انفرد فقد استوفى حق غيره؛ لأن القصاص ليس حقه فقط، بل له ولغيره. قوله: [وينتظر قدوم الغائب وتكليف غير المكلف]. أي: ينتظر قدوم الغائب من المستحقين وإن بعدت غيبته، فلو كان أحد ورثة الدم غائباً فننتظر حتى يأتي؛ لأن له حقاً، فلا نضيع عليه حقه. قوله: [وتكليف غير المكلف]: أي: ينتظر تكليف غير المكلف، فلو قتل رجل وله أبناء بعضهم بالغون وبعضهم غير بالغين، فينتظر حتى يبلغ غير المكلف. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب المالكية والأحناف، ورواية عن الإمام أحمد: أنا نكتفي بالكبار العاقلين، فإذا كان الورثة فيهم كبار عاقلون فإنا نكتفي بهم، وذلك لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، والولي هو المكلف، ولا يصلح أن يكون غير المكلف ولياً، وعلى ذلك فأولياء الدم هم المكلفون يعني: البالغون العاقلون، وهذا هو الراجح. فالراجح: أنه إن كان بعضهم مكلفاً، وبعضهم غير مكلف فاختار المكلفون باتفاقهم أنه يقتص منه؛ فإنه يقتص منه. قال المصنف ﵀: [ومن مات من المستحقين فوارثه كهو]. تقدم أن للدم ورثة، فإذا مات أحد هؤلاء الورثة قام ورثته مقامه، مثلاً حصرنا ورثة هذا المجني عليه، ثم إنه قبل أن يقتص من الجاني مات أحد هؤلاء الورثة، فندخل ورثة هذا الميت في أولياء الدم. قال المصنف ﵀: [وإن عفا بعضهم ولو زوج أو زوجة أو أقر بعفو شريكه سقط القصاص]. إن عفا بعضهم ولو زوجاً أو زوجة فإن القصاص يسقط كما تقدم في أثر عمر ﵁؛ وذلك لأن القصاص لا يتبعض، يعني: لا يمكن أن نوافق بعضهم في القصاص، وأن نوافق بعضهم في تركه. وقوله: [أو أقر بعفوٍ شريكه سقط القصاص]. أي: لو قال أحد ورثة الدم: أنا لم أعف، لكنه أقر بأن شريكه في الدم قد عفا، كأن قال: أنا أقر أن أخي فلاناً -وهو من ورثة الدم- قد عفا، لأنه أتاه فلان وفلان من وجهاء الناس وطلبوا منه العفو فعفا، لكن أنا لا أعفو، فهذا الإقرار يؤخذ به؛ لأن هذا كالإقرار على النفس.

стр. 387

الشرط الثالث أن يؤمن تعدي القصاص إلى الغير قال المصنف ﵀: [الثالث: أن يؤمن في استيفائه تعديه إلى الغير، فلو لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع]. قال تعالى: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فلا بد في الاستيفاء أن يؤمن الحيف والظلم، لئلا يسرف، ولذا قال: [فلو لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع]. ويأتي الكلام أيضاً على الأمن من الحيف في الأطراف، وهنا لا يسرف في القتل بأن يصل ذلك إلى غير القاتل فيتضرر بذلك غير قاتله. قال: [فلو لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع، ثم إن وجد من يرضعه قتلت، وإلا فلا حتى ترضعه حولين]. يعني: لو لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع، وإذا وضعت لم تقتل حتى تسقيه اللبأ، قالوا: لأن الوليد لا يستغني عن هذا اللبأ، ثم إن وجدت مرضعة، أو كان هناك طريق لإرضاعه قتلت، وإلا فإنها تترك حتى ترضعه الحولين، وكذلك في الحدود. إذاً: هذا هو الشرط الثالث، وهو أن يؤمن باستيفائه من أن يتعدى القتل أن يتعدى الضرر إلى غير الجاني.

стр. 388

آداب استيفاء القصاص

стр. 389

ألا يستوفيه بلا حضرة السلطان أو نائبه قال المصنف ﵀: [فصل: ويحرم استيفاء القصاص بلا حضرة السلطان أو نائبه ويقع الموقع]. أي: يحرم أن يستوفى القصاص بغير حضور السلطان أو من ينيب السلطان؛ وذلك خشية الحيف فيه، فقد يقطع أطرافه مثلاً، أو يفقأ عينه، أو يفعل به ما لا يجوز. فلا بد من حضور السلطان وإذا استوفى أحد من الناس حقه من غير حضور السلطان أو نائبه فإنه يعزر، وأمراء المناطق مثلاً ينوبون فهم من نواب السلطان، والقضاة كذلك من نواب السلطان، فلا بد أن يكون هناك نائب للسلطان، يعني: أن تحضر جهة رسمية معتمدة من السلطان. هذا إذا أراد أن يستوفي بنفسه هو، يقول: أنا أقتل قاتل أخي، أنا آخذ السيف وأقتله، وكذلك إذا أتى بوكيل له، فلا بد أن يحضر السلطان. ويستحب أن يقيم السلطان من يستوفي القصاص ويدفع له رزقاً من بيت المال، أي: يكون له راتب من بيت المال، فهذا الذي يقتل الجناة المعتدين على النفوس، أو يقطع الأطراف ينبغي أن يكون موظفاً من قبل السلطان، وهذا من المصالح العامة. لكن إن أحب ولي الدم أن يقتص هو بنفسه فله ذلك، وإن وضع وكيلاً فله ذلك، لكن لا بد أن يكون هذا بحضرة السلطان أو من ينيبه السلطان. قال: [ويقع الموقع]: يعني: أن القصاص يقع الموقع، لكن للإمام أن يعزره إذا استوفى بغير حضرته.

стр. 390

ألا يقتل الجاني بغير السيف ولا يقطع بغير السكين قال المصنف ﵀: [ويحرم قتل الجاني بغير السيف وقطع طرفه بغير السكين لئلا يحيف]. يحرم قتل الجاني بغير السيف، هذا هو المشهور في المذهب، وفيه حديث ابن ماجة: (أنه لا حد إلا بالسيف)، أو (لا قتل إلا بالسيف)، لكن الحديث لا يصح. واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن قيم الجوزية وهو مذهب المالكية والشافعية: أن القصاص يجوز أن يكون بمثل الجناية، قال شيخ الإسلام: وهو الأشبه بالكتاب والسنة والعدل. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]. وأما السنة فإن النبي ﵊ أمر أن يرض رأس اليهودي الذي رض رأس جارية بين حجرين، والحديث في الصحيحين. وأما العدل فظاهر. لكن يستثنى من ذلك إذا كانت طريقة القتل أو طريقة الجناية لا تجوز شرعاً، كأن يحرقه بالنار، فلا يعذب بالنار إلا الله جل وعلا، أو كانت بفاحشة كزنا أو لواط، أو نحو ذلك، وأما إذا لم يكن ذلك مخالفاً للشرع، فإن الاستيفاء يجوز أن يكون بمثله، فإذا رمي وليهم من شاهق فلهم أن يرموا هذا القاتل من شاهق، وإذا رماه إلى البحر فلهم أن يرموه إلى البحر ونحو ذلك، هذا هو العدل. ويحرم قطع طرفه -أي: الجاني- بغير السكين؛ لئلا يحيف؛ لأنه قد تحصل زيادة وظلم وجور. قال المصنف ﵀: [وإن بطش ولي المقتول بالجاني فظن أنه قتله فلم يكن وداواه أهله حتى برئ؛ فإن شاء الولي دفع دية فعله وقتله وإلا تركه]. يقول: [إن بطش ولي المقتول بالجاني فظن أنه قتله فلم يكن -يعني: قتله- وداواه أهله حتى برئ]، أي: أراد أن يستوفي بنفسه، فضربه بالسيف أو بطش به بغير ذلك، وظن أنه قد مات، فلما تفرق الناس أخذه أهله وداووه، وبرئ من هذه الجناية التي أريد به الاستيفاء، فما الحكم؟ قال هنا: فإن شاء ولي الدم الذي استوفى بهذه الطريقة دفع دية فعله، فنقول له: أنت تريد الآن أن تقتله، فأنت بالخيار: إما أن تدفع دية فعلك حين بطشت به ولم تقتله، فمثلاً كان قد ترتب على ذلك قطع طرف له، أو نحو ذلك، فأنت مخير بين أن تدفع دية فعلك وتقتل، وبين أن تتركه ولا تتعرض له. وذكر صاحب الفروع أن عمر وعلياً ويعلى بن أمية قد قضوا بذلك فيما ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى. إذاً: إن شاء اقتص بعد أن يدفع دية فعله، وإن شاء تركه، فهو بالخيار بين الأمرين. وهنا مسألة: إذا قتل أحد أولياء الدم الجاني قبل أن يتفقوا على القصاص، فمثلاً: قتل زيد وله أربعة أبناء، وقبل أن يتفقوا على القصاص قتل أحدهم قاتل أبيه، والآخرون لم يقولوا بعد بالقصاص فهل يقتل به؟ الجواب لا يقتل به، وذلك لأن دم هذا القاتل لم تثبت عصمته حتى يتفقوا أو يأخذ بعضهم بالدية، فإذا قال بعضهم بالدية عصم دمه، وعلى ذلك: فلو أن بعضهم اختار الدية، وقال: أريد الدية، ثم إن بعضهم قتله بعد اختيار بعضهم الدية؛ فإنه يكون قد قتل معصوم الدم، فيكون أولياء الجاني الأول مخيرين بين القصاص والدية. وكذلك أيضاً: لبقية الورثة أن يطالبوه بالدية؛ لأنه فوتها عليهم، فيقولون: نحن كنا مخيرين بين الدية والدم، ثم إنك قد قتلته، ونحن على حقنا فنريد الدية، فلهم أن يأخذوا الدية باستثناء نصيبه هو. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
следующие страницы →