Полный текст (802 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الشرط الثاني اتفاق المستحقين على الاستيفاء
قال المصنف ﵀: [الثاني: اتفاق المستحقين على استيفائه؛ فلا ينفرد به بعضهم.
وينتظر قدوم الغائب، وتكليف غير المكلف].
الشرط الثاني لاستيفاء القصاص: اتفاق المستحقين: فلو أن بعضهم اختار القصاص، وبعضهم اختار الدية، فلا قصاص، لأن القصاص لا يتبعض، فلا يمكن أن نقتص من بعضه بناءً على اختيار بعض الورثة، ولذا لا بد من الاتفاق.
ولا ينفرد أحدهم بالقصاص؛ لأنه إذا انفرد فقد استوفى حق غيره؛ لأن القصاص ليس حقه فقط، بل له ولغيره.
قوله: [وينتظر قدوم الغائب وتكليف غير المكلف].
أي: ينتظر قدوم الغائب من المستحقين وإن بعدت غيبته، فلو كان أحد ورثة الدم غائباً فننتظر حتى يأتي؛ لأن له حقاً، فلا نضيع عليه حقه.
قوله: [وتكليف غير المكلف]: أي: ينتظر تكليف غير المكلف، فلو قتل رجل وله أبناء بعضهم بالغون وبعضهم غير بالغين، فينتظر حتى يبلغ غير المكلف.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب المالكية والأحناف، ورواية عن الإمام أحمد: أنا نكتفي بالكبار العاقلين، فإذا كان الورثة فيهم كبار عاقلون فإنا نكتفي بهم، وذلك لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، والولي هو المكلف، ولا يصلح أن يكون غير المكلف ولياً، وعلى ذلك فأولياء الدم هم المكلفون يعني: البالغون العاقلون، وهذا هو الراجح.
فالراجح: أنه إن كان بعضهم مكلفاً، وبعضهم غير مكلف فاختار المكلفون باتفاقهم أنه يقتص منه؛ فإنه يقتص منه.
قال المصنف ﵀: [ومن مات من المستحقين فوارثه كهو].
تقدم أن للدم ورثة، فإذا مات أحد هؤلاء الورثة قام ورثته مقامه، مثلاً حصرنا ورثة هذا المجني عليه، ثم إنه قبل أن يقتص من الجاني مات أحد هؤلاء الورثة، فندخل ورثة هذا الميت في أولياء الدم.
قال المصنف ﵀: [وإن عفا بعضهم ولو زوج أو زوجة أو أقر بعفو شريكه سقط القصاص].
إن عفا بعضهم ولو زوجاً أو زوجة فإن القصاص يسقط كما تقدم في أثر عمر ﵁؛ وذلك لأن القصاص لا يتبعض، يعني: لا يمكن أن نوافق بعضهم في القصاص، وأن نوافق بعضهم في تركه.
وقوله: [أو أقر بعفوٍ شريكه سقط القصاص].
أي: لو قال أحد ورثة الدم: أنا لم أعف، لكنه أقر بأن شريكه في الدم قد عفا، كأن قال: أنا أقر أن أخي فلاناً -وهو من ورثة الدم- قد عفا، لأنه أتاه فلان وفلان من وجهاء الناس وطلبوا منه العفو فعفا، لكن أنا لا أعفو، فهذا الإقرار يؤخذ به؛ لأن هذا كالإقرار على النفس.
стр. 387
الشرط الثالث أن يؤمن تعدي القصاص إلى الغير
قال المصنف ﵀: [الثالث: أن يؤمن في استيفائه تعديه إلى الغير، فلو لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع].
قال تعالى: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فلا بد في الاستيفاء أن يؤمن الحيف والظلم، لئلا يسرف، ولذا قال: [فلو لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع].
ويأتي الكلام أيضاً على الأمن من الحيف في الأطراف، وهنا لا يسرف في القتل بأن يصل ذلك إلى غير القاتل فيتضرر بذلك غير قاتله.
قال: [فلو لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع، ثم إن وجد من يرضعه قتلت، وإلا فلا حتى ترضعه حولين].
يعني: لو لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع، وإذا وضعت لم تقتل حتى تسقيه اللبأ، قالوا: لأن الوليد لا يستغني عن هذا اللبأ، ثم إن وجدت مرضعة، أو كان هناك طريق لإرضاعه قتلت، وإلا فإنها تترك حتى ترضعه الحولين، وكذلك في الحدود.
إذاً: هذا هو الشرط الثالث، وهو أن يؤمن باستيفائه من أن يتعدى القتل أن يتعدى الضرر إلى غير الجاني.
стр. 388
آداب استيفاء القصاص
стр. 389
ألا يستوفيه بلا حضرة السلطان أو نائبه
قال المصنف ﵀: [فصل: ويحرم استيفاء القصاص بلا حضرة السلطان أو نائبه ويقع الموقع].
أي: يحرم أن يستوفى القصاص بغير حضور السلطان أو من ينيب السلطان؛ وذلك خشية الحيف فيه، فقد يقطع أطرافه مثلاً، أو يفقأ عينه، أو يفعل به ما لا يجوز.
فلا بد من حضور السلطان وإذا استوفى أحد من الناس حقه من غير حضور السلطان أو نائبه فإنه يعزر، وأمراء المناطق مثلاً ينوبون فهم من نواب السلطان، والقضاة كذلك من نواب السلطان، فلا بد أن يكون هناك نائب للسلطان، يعني: أن تحضر جهة رسمية معتمدة من السلطان.
هذا إذا أراد أن يستوفي بنفسه هو، يقول: أنا أقتل قاتل أخي، أنا آخذ السيف وأقتله، وكذلك إذا أتى بوكيل له، فلا بد أن يحضر السلطان.
ويستحب أن يقيم السلطان من يستوفي القصاص ويدفع له رزقاً من بيت المال، أي: يكون له راتب من بيت المال، فهذا الذي يقتل الجناة المعتدين على النفوس، أو يقطع الأطراف ينبغي أن يكون موظفاً من قبل السلطان، وهذا من المصالح العامة.
لكن إن أحب ولي الدم أن يقتص هو بنفسه فله ذلك، وإن وضع وكيلاً فله ذلك، لكن لا بد أن يكون هذا بحضرة السلطان أو من ينيبه السلطان.
قال: [ويقع الموقع]: يعني: أن القصاص يقع الموقع، لكن للإمام أن يعزره إذا استوفى بغير حضرته.
стр. 390
ألا يقتل الجاني بغير السيف ولا يقطع بغير السكين
قال المصنف ﵀: [ويحرم قتل الجاني بغير السيف وقطع طرفه بغير السكين لئلا يحيف].
يحرم قتل الجاني بغير السيف، هذا هو المشهور في المذهب، وفيه حديث ابن ماجة: (أنه لا حد إلا بالسيف)، أو (لا قتل إلا بالسيف)، لكن الحديث لا يصح.
واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن قيم الجوزية وهو مذهب المالكية والشافعية: أن القصاص يجوز أن يكون بمثل الجناية، قال شيخ الإسلام: وهو الأشبه بالكتاب والسنة والعدل.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦].
وأما السنة فإن النبي ﵊ أمر أن يرض رأس اليهودي الذي رض رأس جارية بين حجرين، والحديث في الصحيحين.
وأما العدل فظاهر.
لكن يستثنى من ذلك إذا كانت طريقة القتل أو طريقة الجناية لا تجوز شرعاً، كأن يحرقه بالنار، فلا يعذب بالنار إلا الله جل وعلا، أو كانت بفاحشة كزنا أو لواط، أو نحو ذلك، وأما إذا لم يكن ذلك مخالفاً للشرع، فإن الاستيفاء يجوز أن يكون بمثله، فإذا رمي وليهم من شاهق فلهم أن يرموا هذا القاتل من شاهق، وإذا رماه إلى البحر فلهم أن يرموه إلى البحر ونحو ذلك، هذا هو العدل.
ويحرم قطع طرفه -أي: الجاني- بغير السكين؛ لئلا يحيف؛ لأنه قد تحصل زيادة وظلم وجور.
قال المصنف ﵀: [وإن بطش ولي المقتول بالجاني فظن أنه قتله فلم يكن وداواه أهله حتى برئ؛ فإن شاء الولي دفع دية فعله وقتله وإلا تركه].
يقول: [إن بطش ولي المقتول بالجاني فظن أنه قتله فلم يكن -يعني: قتله- وداواه أهله حتى برئ]، أي: أراد أن يستوفي بنفسه، فضربه بالسيف أو بطش به بغير ذلك، وظن أنه قد مات، فلما تفرق الناس أخذه أهله وداووه، وبرئ من هذه الجناية التي أريد به الاستيفاء، فما الحكم؟ قال هنا: فإن شاء ولي الدم الذي استوفى بهذه الطريقة دفع دية فعله، فنقول له: أنت تريد الآن أن تقتله، فأنت بالخيار: إما أن تدفع دية فعلك حين بطشت به ولم تقتله، فمثلاً كان قد ترتب على ذلك قطع طرف له، أو نحو ذلك، فأنت مخير بين أن تدفع دية فعلك وتقتل، وبين أن تتركه ولا تتعرض له.
وذكر صاحب الفروع أن عمر وعلياً ويعلى بن أمية قد قضوا بذلك فيما ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
إذاً: إن شاء اقتص بعد أن يدفع دية فعله، وإن شاء تركه، فهو بالخيار بين الأمرين.
وهنا مسألة: إذا قتل أحد أولياء الدم الجاني قبل أن يتفقوا على القصاص، فمثلاً: قتل زيد وله أربعة أبناء، وقبل أن يتفقوا على القصاص قتل أحدهم قاتل أبيه، والآخرون لم يقولوا بعد بالقصاص فهل يقتل به؟
الجواب
لا يقتل به، وذلك لأن دم هذا القاتل لم تثبت عصمته حتى يتفقوا أو يأخذ بعضهم بالدية، فإذا قال بعضهم بالدية عصم دمه، وعلى ذلك: فلو أن بعضهم اختار الدية، وقال: أريد الدية، ثم إن بعضهم قتله بعد اختيار بعضهم الدية؛ فإنه يكون قد قتل معصوم الدم، فيكون أولياء الجاني الأول مخيرين بين القصاص والدية.
وكذلك أيضاً: لبقية الورثة أن يطالبوه بالدية؛ لأنه فوتها عليهم، فيقولون: نحن كنا مخيرين بين الدية والدم، ثم إنك قد قتلته، ونحن على حقنا فنريد الدية، فلهم أن يأخذوا الدية باستثناء نصيبه هو.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 391
دليل الطالب_كتاب الجنايات [٣]
من العدل في الشريعة القصاص فيما دون النفس من الأعضاء كالأيدي والأرجل، ولكن ذلك لا يتم إلا بشروط لابد من تحققها لتتحقق المساواة والمماثلة.
стр. 392
القصاص فيما دون النفس
стр. 393
القصاص في الأطراف والجروح كالقصاص في النفس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: شروط القصاص فيما دون النفس]: يعني: من الأطراف والجروح.
قال: [من أخذ بغيره في النفس أخذ به فيما دونها]؛ لأن ما دون النفس فرع عن النفس، وعلى ذلك فكما أن الوالد لا يؤخذ بولده في النفس فلا يؤخذ به في الطرف، ولا في الجرح، فلا يقاد لا في النفس ولا فيما دون النفس من والد لولده، وكما أن المسلم لا يقتل بالكافر فكذلك لا يؤخذ طرفه ولا يجرح بطرف الكافر وجرحه، وكما أن الأنثى تقتل بالذكر، والذكر يقتل بالأنثى، فكذلك في القود فيما دون النفس، وكما أن العبد يؤخذ بالحر في النفس، فكذلك يؤخذ به في الطرف والجراح وهكذا.
إذاً: مسألة الطرف والجرح فرع عن مسألة النفس، ولذا قال: من أخذ بغيره في النفس أخذ به فيما دونها، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].
стр. 394
حكم القصاص في اللطمة والعصا والمال المتلف
أهل العلم في المشهور وهو قول جمهورهم لا يرون القصاص في اللطمة والعصا والمال، فمن لطم فإن من لطمه يعزر، ومن ضرب بالعصا، فإن من ضربه بالعصا يعزر، ومن أتلف مال غيره فليس لغيره أن يتلف ماله، بل يعزره الحاكم بما يراه.
وقال ابن المنذر وجماعة من أهل الحديث، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية قالوا: بل القصاص في ذلك، فمن لطم فله أن يقتص بلطم من لطمه، ومن ضرب بالعصا فله أن يقتص ممن ضربه بالعصا بأن يضربه بعصا مثلها، ومن أحرق متاعه فله أن يقتص بإحراق متاعه، فمثلاً لو أحرق سيارته فله أن يقتص بإحراق سيارته التي تساويها في القيمة وهكذا.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، وفي البخاري: أن عمر ﵁ أقاد من الدرة، وعلي ﵁ أقاد من ثلاثة أسواط.
стр. 395
الجمع بين النهي عن إضاعة المال وجواز القصاص في المال
قال: [فإن قيل: إن الشارع قد نهى عن إضاعة المال فكيف يؤذن لهذا المجني على ماله أن يقتص من المعتدي بمثل ذلك؟ ف
الجواب
إذا ثبت القصاص في الجرح وفي الطرف وفيه إتلاف لشيء من أعضاء الآدمي، فأولى من ذلك أن يقتص بإتلاف ماله، ولأن التشفي مقصود للشارع]، يعني: أن يزول ما في القلب من الغيظ، ولا يزول ذلك إلا بأخذه حقه بمثل ما فعل به، وهذا كذلك يقال في اللطمة ويقال في العصا.
ولأن المماثلة والعدل في ذلك أقرب من التعزير؛ لأن التعزير قد يكون بالحبس، وقد يكون بسياطٍ كثيرة، وهذا أقرب إلى المماثلة، فإذا أذنا له -أي: للمجني عليه- بأن يلطم الجاني الذي لطمه فهذا أقرب للمماثلة من أن نعزره بالحبس مثلاً، وإذا أذنا له بأن يضربه بالدرة أو أن يضربه بالعصا بعدد ما ضربه بعصاً يماثله؛ فإن المماثلة أقرب، نعم قد يكون هذا أشد، لكن المماثلة أقرب من تعزيره بحبس أو نحو ذلك، وهذا القول هو الراجح.
وأما المشهور عند الفقهاء فإنهم لا يرون القصاص إلا في النفس وفي الطرف وفي الجرح، وأما ما سوى ذلك فلا قصاص.
قال: [ومن لا فلا]، فمن أخذ بغيره في النفس أخذ به في ما دونها، فكما أن الرجل يقتل بالأنثى فإن طرف الرجل يؤخذ بطرف الأنثى، وجرح الرجل يؤخذ بجرح الأنثى، وما لا فلا، فكما أن الذمي لا يؤخذ به المسلم في النفس فلا يقتل المسلم بالذمي، فكذلك لا يؤخذ طرف المسلم بطرف الذمي، ولا يجرح مسلم جرح ذمياً، بل في ذلك الدية كما سيأتي شرحه إن شاء الله.
стр. 396
شروط القصاص فيما دون النفس
стр. 397
من شروط القصاص العدوان
قال: [وشروطه أربعة، أحدها: العمد (العدوان)]، فلا قصاص في غيره؛ لأن النفس كما تقدم لا قود فيها في الخطأ، ولا في شبه العمد، وإنما القصاص في النفس يكون في العمد العدوان، فكذلك فيما يتعلق في الطرف وفي الجرح، مثل الحوادث مثلاً في السيارات لو حصل حادث فانقطعت يد الذي حصل الخطأ عليه، فهل نقوم بقطع طرف الآخر؟ لا.
إنما في ذلك الدية كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 398
من شروط القصاص إمكان الاستيفاء بلا حيف
قال: [الثاني: إمكان الاستيفاء بلا حيف]، يعني: بلا ظلم ولا جور، فلا بد من إمكان الاستيفاء، فإذا لم يمكن الاستيفاء إلا بحيف فلا؛ لأنه تعذر الاستيفاء مع العدل، فالاستيفاء هنا فيه جور، والجور والظلم حرام، وعلى ذلك فلا استيفاء مع حيف، ولذا قال هنا: [إمكان الاستيفاء بلا حيف؛ بأن يكون القطع من مفصل]، أما إذا كان القطع ليس من مفصل فإن الواجب في ذلك الدية، هذا هو المشهور في المذهب، فلو قطعت يده مثلاً من نصف الذراع هنا، أو من نصف العضد، أو قطعت رجله من نصف الساق، فهنا يتعذر الاستيفاء، وذلك لأن الحيف هنا محتمل، فيمكن أن تسري الجناية فتتلف قدمه كله، بل قد تأتي على نفسه.
أما إذا كان من مفصل مثل الرسغ أو المرفق ونحو ذلك، أو الركبة، أو كذلك الكعبين، فلا بأس به، وعلى ذلك فالاستيفاء ممكن وغير متعذر مع العدل.
стр. 399
حكم طلب المجني عليه الاستيفاء من موضع دون موضع الجناية
فإن قيل: هل يجوز للمجني عليه أن يستوفي من موضع دون هذا الموضع، ويكون من مفصل؟ مثلاً إذا قال المجني عليه: أنا لا أقبل الدية، أنا أريد أن تأخذوا لي منه من المفصل الذي دون هذا الجرح، فإذا كان مثلاً بتر قدمه من الساق، فيقول: خذوا لي منه من الكعبين، فهل له ذلك؟ فيه قولان لأهل العلم: فقال الجمهور وهو المشهور في المذهب: إنه لا يستوفى له من هذا الموضع، يعني: من هذا المفصل الذي دون الموضع الذي كانت فيه الجناية؛ لعدم المماثلة.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعي وقول في مذهب أحمد: أن له ذلك، وهذا هو الراجح؛ وذلك لأنه طلب دون حقه.
ثم ما زاد هل له أن يطلب عليه أرشاً وجهان، والراجح أن له ذلك، يعني: له أن يطلب الأرش على القدر الزائد؛ وذلك لأنه حيث تعذر الاستيفاء ثبت الأرش، وعلى ذلك فلو قطع يده من هنا من نصف الذراع مثلاً فاقتص من الرسغ وطلب أرشاً على القدر الزائد يقدره أهل الخبرة فله ذلك، هذا هو الراجح في هذه المسألة.
قال: [بأن يكون القطع من مفصل، أو ينتهي إلى حد كمارن للأنف، وهو ما لان منه]، مارن الأنف هو ما لان من الأنف؛ فإذا حصل قطع المارن، ووصل القطع إلى قصبة الأنف، فهل يمكن الاستيفاء بلا حيف؟ يمكن الاستيفاء بلا حيف، وعلى ذلك فيثبت القود، ولا ننتقل إلى الدية لإمكان الاستيفاء بلا حيف.
стр. 400
حكم القصاص في الجائفة وقطع القصبة وقطع بعض الساعد
قال: [فلا قصاص في جائفة، والجائفة: هي الجرح الذي لا ينتهي إلى عظم بل يكون إلى الباطن، كالجرح في البطن لا ينتهي إلى عظم]، فالجرح الذي لا ينتهي إلى عظم لا قصاص فيه؛ لأنه لا يؤمن الحيف.
[ولا في قطع القصبة، أي: قصبة الأنف]، كذلك إذا قطع قصبة الأنف فلا نأمن الحيف عند الاستيفاء.
قال: [أو قطع بعض ساعد، أو ساق، أو عضد، أو ورك]، وتقدم أن له أن يأخذ ما دون ذلك من المفصل، وما زاد فله الأرش، تقدم أن ذلك هو الراجح.
стр. 401
حكم من اقتص في الجائفة بقدر حقه ولم تسر جناية
قال: [فإن خالف فاقتص بقدر حقه، ولم يسر]، يعني: لو أن المجني عليه أخذ سيفاً وقطع الجاني من نفس الموضع الذي جني عليه فيه، ولم تسر الجناية، أي: لم يلحق الجاني ظلم ولا حيف، [وقع الموقع أجزأ ذلك]، ولم يلزمه شيء؛ لأنه حقه، إنما منعناه من ذلك خشية الحيف، وحيث لم يحصل حيفٌ فإنه لا يؤاخذ على ذلك، ولم يلزمه شيء، يعني: لم يلزمه الضمان.
يعني: لو أن رجلاً اعتدى على آخر فقطع قدمه من نصف الساق، ثم إنه هو قطع قدم هذا من نصف الساق، ولم تسر الجناية؛ فإنا لا نؤاخذه ووقعت موقعها؛ لأنا كنا نخشى الحيف، فلما لم تسر الجناية أمنا الحيف فلم نؤاخذه.
стр. 402
لابد من المساواة في الاسم في القصاص
قال: [الثالث: المساواة في الاسم]، هذا هو الشرط الثالث، فالعين بالعين، فلا تؤخذ العين بالأنف، ولا تؤخذ الرجل باليد، بل لا بد من المساواة في الاسم، ولذا قال الله جل وعلا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] نعم.
فإذا كان الاسم غير متحد فلا قصاص، ولذا قال: [فلا تقطع اليد بالرجل وعكسه]؛ لعدم المساواة، [وكذلك في الموضع]، فلا تقطع اليمين بالشمال، وعكسه، أي: لا تقطع كذلك الشمال باليمين.
ولو أن رجلاً قطع اليد اليمنى من آخر وأثناء القصاص أخرج الجاني يده اليسرى فقطعت، فلا دية ولا قود، وهذا هو المشهور في المذهب، وذلك لأن القصاص قد حصل، والاختلاف يسير، ولكن يعزره الحاكم بما يراه.
стр. 403
من شروط القصاص في الأعضاء مراعاة الصحة والكمال
قال: [الرابع: مراعاة الصحة والكمال، فلا تؤخذ كاملة الأصابع والأظافر بناقصتها]، فإذا كان الجاني قد قطع اليد اليمنى وهي ناقصة فيها مثلاً أربع أصابع، ويده كاملة فلا نأخذها بتلك الناقصة؛ لعدم المماثلة، كذلك في الأظافر، فإذا كان فيها عيب في الأظافر فهي ناقصة؛ فلا تؤخذ بها الكاملة، وذلك لعدم استوائهما في الكمال، فلا تؤخذ كاملة الأصابع والأظافر بناقصتها، [ولا عين صحيحة بقائمة]، لا تؤخذ العين الصحيحة بالعين القائمة، والعين القائمة هي التي يكون فيها بياض وسواد، ويكون بياضها وسوادها صافيين، لكن هذه العين لا ترى، من رآها ظن أنها ترى؛ لأن السواد في موضعه والبياض في موضعه، ولكن لا رؤية؛ فإذا لطمها شخص فأتلفها، لا تؤخذ بها عينه الصحيحة؛ لعدم الاستواء.
قال: [ولا صحيح بأشل]، فإذا قطع صحيح يد أشل، فلا نأخذ يده الصحيحة؛ لعدم الاستواء.
قال: [ولا صحيح بأشل من يد ورجل وأصبع وذكر]، فإذا كان الذكر الذي قطع أشل فلا نأخذ به ذكراً صحيحاً.
يعني: إذا كان الجاني ذكره صحيحاً والآخر ذكره أشل فلا يؤخذ هذا بهذا، وإنما في ذلك الدية.
قال: [ولا ذكر فحلٍ بذكر خصي]، إذا كان هذا ذكره فحل، وهذا ذكره خصي، فلا يؤخذ هذا بهذا؛ وذلك لعدم المماثلة، أو كان هذا ذكره صحيحاً وفحلاً، والآخر عنيناً لا يطأ، فلا يؤخذ هذا بهذا، أي: لا نأخذ الصحيح السليم بغير الصحيح.
قال: [ويؤخذ مارن صحيح بمارن أشل]، المارن يعني به: مارن الأنف، فيؤخذ الصحيح بالأشل؛ قالوا: لأن الرائحة في الدماغ وليست في الموضع من العضو.
فلو أن رجلاً لا يشم جنى عليه جانٍ فأخذ مارن أنفه بسكين، وهذا يشم -أي: الجاني- فهل نأخذ مارنه؟ نأخذه؛ لأن الرائحة-يعني: الشم- ليست في المارن، وإنما هي في الدماغ.
قال: [كذلك وأذن صحيحة بأذن شلاء]، فالأذن الصحيحة السمع ليس فيها، وإنما هو في الدماغ، فلو أن رجلاً لا يسمع قطع أذنه شخص يسمع هل نأخذ أذن هذا بأذن هذا؟ نعم.
وذلك لما تقدم؛ لأن السمع في الدماغ، لكن العكس هل يؤخذ؟ العكس يؤخذ، فلو أن رجلاً أشل قطع يداً صحيحة، فللآخر أن يأخذ يده وإن كانت شلاء، ولو أن رجلاً يده مقطوعة الأصابع قطع يداً صحيحة فللآخر أن يأخذ اليد؛ لأنها أنقص، وهذا كقتل العبد بالحر.
وعلى ذلك فالعكس فيه القصاص، يعني: إذا كان عضو الجاني أنقص أخذ، وإذا كان عضوه أكمل لم يؤخذ.
يعني: إذا كان الجاني عضوه أكمل من عضو المجني عليه بأن كان عضوه صحيحاً كاملاً؛ فإنا لا نأخذه، وإذا كان عضو الجاني أنقص من عضو المجني عليه فإنا نأخذه؛ وذلك لأن هذا من جنس قتل العبد بالحر، وقد تقدم لكم أن المكافأة شرط في القصاص، فلا يقتل الحر بالعبد، لكن العبد يقتل بالحر، وإن كان كما تقدم الراجح أن الجميع يقتلون، فيقتل الحر بالعبد، ويقتل العبد بالحر، وقد تقدم الكلام على هذا، لكن هذا على ما قرره الجمهور، ولأنه لا ظلم في ذلك، وأما إذا أخذنا اليد الكاملة باليد الناقصة فهذا ظلم، لكن إذا أخذنا اليد الناقصة باليد الكاملة لم يكن في ذلك ظلم.
стр. 404
يشترط في جواز القصاص في الجروح انتهاؤها إلى عظم
قال: [ويشترط لجواز القصاص في الجروح انتهاؤها إلى عظم]، هذا في الجروح، يقول: يشترط أن تنتهي إلى عظم؛ لأنها إذا لم تنته إلى عظم لم نأمن الحيف.
قال: [كجرح العضد والساعد والفخذ والساق والقدم]، هذه كلها تنتهي إلى عظم، فنقيس المساحة في الموضع الذي حصل فيه الجرح طولاً وعرضاً، ثم نأخذ بقدره، ولا عبرة بكثافة اللحم، وإنما نرجع إلى السطح، ننظر إلى السطح فنقيسه طولاً وعرضاً حتى نصل إلى العظم.
قال: [وكالموضحة، الموضحة: هي الجرح في الرأس أو الوجه التي تصل إلى العظم]، هذه تسمى بالموضحة، وهي الجرح الذي يكون في الوجه أو في الرأس فقط، ويصل هذا الجرح إلى العظم، وهذا فيه القصاص؛ لأنه ينتهي إلى عظم.
стр. 405
وجوب القصاص في الهاشمة والمنقلة والمأمومة
[لا كالهاشمة والمنقلة والمأمومة، فهذه لا يجب فيها القصاص] الهاشمة: هي الجرح الذي يهشم العظم في الرأس وفي الوجه، أي: أنها زادت على الموضحة، فالموضحة أوضحت العظم ووصلت إلى العظم، وأما الهاشمة فإنها تهشم العظم، والمنقلة تنقل العظم من موضعه، وأما المأمومة فهي التي تصل إلى جلد الدماغ، يعني: لا تخترق الدماغ وإنما تصل إلى جلد الدماغ.
فالهاشمة لا قصاص فيها، وكذلك المنقلة، وكذلك المأمومة، ولكن يكون القصاص في الموضحة، فإذا كانت هاشمة فله أن يأخذ بجرحه إلى العظم فقط، ويأخذ أرشاً على ما زاد، والموضحة فيها خمس من الإبل، والهاشمة فيها عشر من الإبل، فإذا جرحه هاشمة فله أن يأخذ موضحة يعني: حتى يصل إلى العظم، ويأخذ خمس من الإبل، وهو الفرق.
إذاً: فالهاشمة والمنقلة والمأمومة هذه لا قصاص فيها على هيئتها، وإنما القصاص يكون فيما دونها وهي الموضحة، ويأخذ الفرق، ففي الهاشمة يأخذ خمساً من الإبل، وفي المنقلة يأخذ عشراً من الإبل، يعني: يأخذ الموضحة ويأخذ عشراً من الإبل، وفي المأمومة يأخذ ثمانية وعشرين من الإبل وثلثاً من بعير، ويأتي الكلام على هذا في الديات إن شاء الله.
إذاً: له أن يأخذ الموضحة والفرق، فننظر الفرق بين الموضحة وبين المأمومة، والفرق بين الموضحة وبين المنقلة، والفرق بين الموضحة وبين الهاشمة في الدية فيأخذه، وهذا هو العدل، وهو المشهور في المذهب.
стр. 406
حكم سراية القصاص
قال: [وسراية القصاص هدر] أي: مهدورة؛ [وذلك لأن هذا الفعل مأذون فيه، وما ترتب على المأذون فيه فليس بمضمون]، فإذا قطع رجل يده من المرفق فقطع هو هذه اليد من المرفق، وكان ذلك بحضور السلطان كما تقدم أو نائبه، فهذا فعل مأذون فيه، فلو سرت حتى أتلفت نفسه، أو أتلفت ما بقي من يده فلا ضمان؛ لأن هذا فعل مأذون فيه، وما ترتب على الفعل المأذون فيه فليس بمضمون، لكن إذا كان القصاص غير مأذون فيه كأن يكون القصاص في حال مرض الجاني، فلا يؤمن الحيف، فهذا فعل غير مأذون فيه، ففيه الضمان.
стр. 407
حكم سراية الجناية
قال: [وسراية الجناية مضمونة]، إذا قطع يده من المرفق ثم سرت الجناية حتى أتلفت نفسه، ففي ذلك الضمان؛ وذلك لأن الجاني فعله غير مأذون فيه، وعلى ذلك فالسراية تتبع هذه الجناية، فتكون مضمونة؛ لأن هذا الفعل غير مأذون فيه، وما دام أن هذا الفعل غير مأذون فيه فهو مضمون، ما لم يقتص ربها قبل برئه وإلا فهدر أيضاً، فإذا اقتص قبل أن يبرأ فهدر، مثلاً رجل قطع يداً من المرفق، والجرح لم يبرأ بعد، فطالب هذا المجني عليه بالقصاص واستعجل قبل أن يبرأ فأخذ بالقود واقتص من الجاني، وقطعت يده من المرفق، ثم إن الجرح سرى حتى أتلف يده كلها، أو أتلف نفسه، فلا ضمان.
وقد جاء في مسند أحمد والحديث حسن: (أن النبي ﵊ نهى أن يقتص من جرح حتى يبرأ)، ولأن هذا قد استعجل هذا الشيء قبل أوانه فعوقب بحرمانه، وعلى ذلك فنقول له: انتظر حتى يبرأ، فإن أبى وطالب بالقصاص فنقول: ما بعد القصاص هدر، فما دام أنك أخذت بالقصاص فما يحصل من سراية بعد ذلك فهي هدر.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 408
الأسئلة
стр. 409
حكم القصاص من الجاني إذا كان به مرض يمنع برء القصاص
السؤال
هل يقتص من الجاني إذا كان به مرض يمنع برءه بعد القصاص كمرض السكري مثلاً؟
الجواب
قبل أن يكون القصاص من الجاني يجب أن يراجع الطبيب حتى يعرف، فإذا قال الطبيب: لا يؤمن الحيف؛ لأن هذا مريض كما ذكرت بالسكري أو غيره، وقد لا يندمل جرحه، فلا قصاص.
стр. 410
تفسير القود والعاقلة
السؤال
ما هو القود؟ ومن هي العاقلة؟
الجواب
القود هي القصاص، والعاقلة هي العصبة، وسيأتي إن شاء الله شرح العاقلة، والعصبة هم الذين يتحملون الدية، فعندما يأتي إنسان ويقتل خطأً لا يتحمل هو الدية لوحده، وإنما تتحمل الدية معه عاقلته وعصبته، وسيأتي إن شاء الله.
стр. 411
لا قصاص في الجناية المأذون فيها من المجني عليه
السؤال
في بعض الألعاب الفائز يقوم بضرب المهزوم بالسياط، فإذا جنى عليه هل في ذلك القصاص؟
الجواب
هذا ما يجوز، يعني: أنهم مثلاً يلعبون لعبة ثم إن الفائز يضرب الآخر بالسياط، هذا لا يجوز، لكن هذا الذي جني عليه أذن لذلك، فنقول: لا قصاص، وقد تقدم لكم لو أن شخصاً أذن لآخر أن يتلف شيئاً من أعضائه فلا قصاص، لكن فيه إثم، كذلك هذا الذي يأذن لأحد أن يضربه بعد اللعب، فهذا لا يجوز، لكن لا قصاص فيه.
стр. 412
دليل الطالب_كتاب الديات [١]
الدية مال يؤديه الجاني أو عاقلته بدلاً عما جنى عليه الجاني من نفس أو عضو، وقد حدد الشرع الدية في كل جناية بما يناسبها وفرضها على الجاني في ماله إن جنى عمداً، وعلى العاقلة فيما سوى العمد.
стр. 413
أحكام الديات
стр. 414
حكم من أتلف إنساناً أو جزءاً منه بمباشرة أو بسبب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الديات.
من أتلف إنساناً أو جزءاً منه بمباشرة أو سبب، إن كان عمداً فالدية في ماله، وإن كان غير عمدٍ فعلى عاقلته].
الديات: جمع دية، وهي المال المؤدى إلى مجني عليه أو وليه بسبب الجناية، فالمال الذي يؤدى إلى المجني عليه الذي لم يهلك بهذه الجناية، أو المؤدى إلى أوليائه يسمى دية.
قال: [من أتلف إنساناً أو جزءاً منه] كيده، أو رجله، أتلف إنساناً أي: قتله، [أو جزءاً منه بمباشرة]، كأن يضربه بمثقل كحجر كبير، أو أن يطعنه بسكين، فهذه مباشرة، [أو سبب] كأن يحفر بئراً في طريقه، فهذا متسبب، وعلى ذلك فالجاني قد يكون مباشراً، وقد يكون متسبباً.
قال: [إن كان عمداً فالدية في ماله]، فالعاقلة لا تتحمل العمد، وإنما يكون العمد في ماله، فمن قتل عمداً أو جرح عمداً فالدية في ماله؛ لأن هذا هو الأصل، فالأصل أن ضمان المتلَف على المتلِف في ماله، وعلى ذلك فمن قتل عمداً، أو قطع عمداً، أو جرح عمداً فالدية تكون في ماله؛ لأن الأصل في ضمان المتلفات أنها تكون على المتلِف.
وفي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة: أن النبي ﵊ قال: (لا يجني جانٍ إلا على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده)، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وتجب الدية حالة، يعني: لا تؤجل، هذا كله في العمد.
قال: [وإن كان غير عمدٍ] يعني: كان خطأً أو شبه عمد، [فعلى عاقلته]، يعني: عصبته، ويأتي الكلام في العاقلة إن شاء الله، وتقدم ما يدل على ذلك في قصة المرأتين الهذليتين اللتين اقتتلتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، وفيه أن النبي ﷺ قضى بدية المرأة على العاقلة، إذا كان هذا في شبه العمد وفيه قصد الجناية، لكن فيما لا يقتل غالباً كما تقدم، فأولى من ذلك الخطأ.
إذاً: لا يكون في ماله هو، وإنما يكون في مال عاقلته، ويأتي تفصيل ذلك إن شاء الله، فإن تعذر ذلك ففي بيت المال، ولا يذهب دم المسلم هدراً، بل يكون هذا في بيت المال.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه يكون على الجاني، فإذا تعذر الأخذ من العاقلة فإنا نرجع إلى الجاني؛ لأن هذا هو الأصل، فالأصل أن الضمان عليه؛ لأن هذا أثر فعله، لكنه من باب التخفيف وجبت على العاقلة، فإذا تعذر رجعنا إلى الجاني نفسه، وهذا أصح.
стр. 415
حكم تأجيل دية الخطأ وشبه العمد ثلاث سنين
واعلم أن دية الخطأ ودية شبه العمد تؤجل ثلاث سنين، ويكون أول قسط من مضي حول على حين الوجوب، ويقسطها القاضي ثلاث سنين على العاقلة كما تقدم، إلا إذا تعذر ذلك فعلى الأصح أنها تكون على الجاني، وتؤجل ثلاث سنين.
ويكون هذا كما تقدم بعد مضي حول من الوجوب، وتجب الدية بالموت، فإذا كان تأريخ الموت مثلاً في واحد محرم، فتجب الدية في واحد محرم من السنة التي بعدها، وإذا كان في الطرف أو الجرح فيكون الوجوب من اندمال الجرح، ويكون هذا هو حين الوجوب، فإذا جرحه في واحد محرم، وصارت الجناية واندمل الجرح في اليوم العاشر فيكون الوجوب هو في اليوم العاشر من محرم، ويكون القسط الأول في اليوم العاشر من محرم من السنة التي بعدها.
وأما إذا لم تسر الجناية فيكون هذا من يوم القطع، أو يوم الجرح، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، يعني: أن تأجيل الدية في الخطأ وشبه العمد يكون ثلاث سنين، وهو مروي عن علي وابن مسعود، وهو مروي عن عمر وعلي كما في سنن البيهقي، وإن كان في كل سند ضعف، لكن العمل على هذا عند أهل العلم.
لكن إن رأى القاضي التعجيل كمنصوص أحمد واختيار شيخ الإسلام فله ذلك، يعني: إذا رأى أن تكون حالة كأن يكون المجني عليه -هذا في الطرف وفي الجرح- فقيراً، أو يكون أولياؤه فقراء -هذا في النفس- ويكون الجاني غنياً، وعاقلته كذلك يكونون أغنياء، فإذا رأى القاضي التعجيل فله ذلك؛ لأن المقصود التخفيف على العاقلة، فإذا كانت مصلحة الأولياء في قتل النفس، أو الجاني في قطع الطرف والجرح في التعجيل، وكان الآخر غنياً فإن القاضي يعجل إذا كانت العاقلة غنية قادرة على تحضير المبلغ، وعدم تأخيره وتأجيله، وكان الطرف الآخر محتاجاً.
стр. 416
حكم من حفر بئراً قصيرة فعمقها آخر، فهلك فيها إنسان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن حفر تعدياً بئراً قصيرة فعمقها آخر فضمان ثالث بينهما].
أي: من أتى إلى موضع -على سبيل التعدي- وحفر فيه بئراً، حفر متراً مثلاً، ثم عمقه آخر، فعلى من الضمان؟ هل الضمان على المعمق فقط أو على من حفر وعمق؟ يكون الضمان على الجميع؛ لأن كليهما متسبب، هذا إذا كان على سبيل التعدي.
стр. 417
حكم من وضع سكيناً في بئر فوقع فيها رجل فهلك
قال: [وإن وضع ثالث سكيناً فأثلاثاً].
يعني: إن أتى رجل فحفر متراً، ثم جاء الآخر فعمق، ثم أتى ثالث فوضع داخل البئر سكيناً، فوقع رجل عليها فمات، فيكون الثلاثة مشتركين في قتله، وعلى ذلك فالدية تكون أثلاثاً؛ لأن الجميع متسبب.
стр. 418
حكم من وضع حجراً فعثر فيها إنسان فهلك
قال: [وإن وضع واحد حجراً تعدياً فعثر فيه إنسان فوقع في البئر فالضمان على واضع الحجر كالدافع].
قوله: [إن وضع واحد حجراً أمام البئر]، أي: وكان هذا الحجر مما يحصل بسببه التعثر، أو وضع شيئاً يزلق أمام البئر، فتعثر إنسان، فلا يكون الضمان على حافر البئر، وإنما يكون على الذي وضع هذا الحجر أمام هذا الشخص فتعثر فيه؛ لأن هذا يكون كالدافع له، فهو كأنه دفعه فأسقطه في البئر، فكان أولى من الذي حفر.
стр. 419
حكم ما إذا تجاذب حران مكلفان حبلاً فانقطع فسقطا ميتين
قال: [وإن تجاذب حران مكلفان حبلاً فانقطع فسقطا ميتين فعلى عاقلة كلٍّ دية الآخر، وإن اصطدما فكذلك].
قوله: [إن تجاذب حران مكلفان حبلاً فانقطع هذا الحبل، فسقطا ميتين]، أي: كان أحدهما هنا والآخر هناك وبينهما حبل، فأخذا يجذبان هذا الحبل؛ هذا يجذب الحبل إليه، وهذا يجذب الحبل إليه، [فسقطا ميتين، فعلى عاقلة كلٍّ دية الآخر]، فنقول للعاقلتين: عليكم أنتم دية هذا، وعليكم أنتم دية الآخر.
وذلك لأن كليهما قد حصل منه خطأ، فهذا أخطأ وهذا أخطأ، وقال بعض أهل العلم -وهو القول الثاني في المسألة، وهو قول طائفة من الحنابلة-: بل هذا له نصف دية، وهذا له نصف دية، فتدفع عاقلة هذا نصف الدية، وتدفع عاقلة هذا نصف الدية، قالوا: لأن القتل حصل بسبب فعله هو بنفسه وبسبب فعل صاحبه، فيكون فعله هدراً في نفسه ويبقى فعل صاحبه، فيكون فعل صاحبه قسطه النصف، وهذا أصح.
стр. 420
حكم ما لو تصادم اثنان فهلكا
قال: [وإن اصطدما فكذلك].
أي: إن حصل تصادم بين اثنين، سواء كانا راكبين أو ماشيين، فماتا، فإن الدية تكون على عاقلة الاثنين، فعاقلة هذا يدفعون دية هذا، وعاقلة هذا يدفعون دية هذا، عاقلة عمرو يدفعون دية زيد، وعاقلة زيد يدفعون دية عمرو.
والراجح أنهم يدفعون النصف كما تقدم؛ لأن هذا أخطأ وهذا أخطأ، يعني: حصل من كل واحد منهما خطأ على نفسه بقدر النصف، فيستحق أولياؤه نصف الدية.
стр. 421
حكم من أركب صغيرين لا ولاية له عليهما فاصطدما فهلكا
قال: [ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحد منهما فاصطدما فماتا فديتهما من ماله].
قوله: [من أركب صغيرين] أي: أركبهما مثلاً على ناقتين أو نحو ذلك، [لا ولاية له على واحد منهما]، ولم يركبا هما وإنما هو الذي أركبهما، وهما صغيران، ولا ولاية له عليهما، وأما لو كان له عليهما ولاية كالأب أو الأخ فلا، كأن يركبهما لمصلحة تعليم ونحو ذلك، فلا شيء عليه إذا كانا يثبتان على الراحلة، يعني: إذا كانا ممن حصل له نصيب وقدر من التعلم، أو كانا صالحين للتعلم، وأما لو أركب من لا يصلح للتعلم ففيه الدية.
يقول: [ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحد منهما فاصطدما فماتا، فديتهما من ماله]؛ لأنه هو المتعدي، والقول الثاني: أن الدية على العاقلة؛ لأنه وإن كان هو المتعدي لكنه خطأ، والخطأ على العاقلة، وهذا أقرب.
стр. 422
حكم من أرسل صغيراً لحاجة فأتلف نفساً أو مالاً
قال: [ومن أرسل صغيراً لحاجة فأتلف نفساً أو مالاً فالضمان على مرسله].
قوله: [ومن أرسل صغيراً لحاجة]، الصغير: هو من كان دون البلوغ، فأرسله لحاجة فأتلف هذا الصبي نفساً أو مالاً، فالضمان على المرسل؛ لأنه هو المتسبب.
وقال الموفق وهذا أصح: إذا كانت العادة جارية بإرسال مثله من مثله -هذا معنى كلامه ﵀ لقرابة أو صحبة أو تعليم، لم يضمن، فبعض الناس يرسل مثلاً ولد صاحبه، والعادة جارية بذلك، وكذلك القريب يرسل قريبه في حاجة ويكون هذا ممن يصلح لذلك، يعني: مثله يصلح في العادة لمثل هذا الإرسال فلا ضمان، أما إذا كان لا يصلح لذلك مثل أن يرسل ابن سنتين مثلاً فهذا لا يصلح، أو يرسل مجنوناً فهذا لا يصلح، فإذا كان مثله يرسل فلا ضمان؛ لأنه لم يحصل منه تعدٍ، ما دام أن العادة جارية بذلك، والناس على ذلك، ولا يعدون هذا تعدياً.
ولو أحضره في مكان تتعلم فيه الرماية وقربه إلى الهدف، فأصابه آخر، فيكون الضمان على من قربه، ومثل ذلك الآن الذين عندهم لعب بالسيارات ونحو ذلك، وهناك ساحة معينة، فإذا أتى رجل وقرب طفلاً في هذا الموضع فأصابته سيارة من هذه السيارات التي هذا هو مكان لعبها فالضمان على هذا المقرب؛ لأن هذا يكون كالدافع له، فيكون أولى ممن باشر.
стр. 423
حكم من ألقى شيئاً ثقيلاً على سفينة فغرقت
قال: [ومن ألقى حجراً أو عدلاً مملوءاً بسفينة فغرقت ضمن جميع ما فيها].
قوله: [من ألقى حجراً أو عدلاً مملوءاً]، مثل أن يأتي بكيس كبير مملوء مثلاً بشيء ثقيل، فيرميه في سفينة فتغرق هذه السفينة، فإنه يضمن جميع ما فيها من الآدميين والأموال؛ لأنه هو المتسبب.
стр. 424
حكم من منع مضطراً إلى طعامه أو شرابه حتى هلك
قال: [ومن اضطر إلى طعام غير مضطر أو شرابه وطلبه فمنعه حتى مات، أو أخذ طعام غيره أو شرابه وهو عاجز، أو أخذ دابته أو ما يدفع به عن نفسه من سبع ونحوه فأهلكه ضمنه].
قوله: [ومن اضطر إلى طعام غير مضطر]، فهذا رجل في مفازة من الأرض، وأتى إلى صاحب خيمة، وعند صاحب الخيمة طعام، وصاحب الخيمة لا يضطر إلى هذا الطعام -يعني: عنده قدر زائد-، أو اضطر إلى شراب، وهذا عنده ماء زائد فمنعه حتى مات ضمنه؛ لأنه قد تسبب في هلاكه، ويجب عليه أن يدفع له هذا؛ لأن هذا فيه إنقاذه من الهلكة.
لكن لو كان هذا -يعني: الذي في الخيمة- عنده ماء أو طعام وهو مضطر إليه فهو مثله في الاضطرار، فلا ضمان.
قال كذلك: [أو أخذ طعام غيره أو شرابه]، أي: إن أتى إلى رجل في مفازة من الأرض فأخذ طعامه الذي معه، هل يضمن إذا هلك؟ إذا مات بسبب ذلك فإنه يضمن، أو شرابه فكذلك، وهو عاجز عن دفعه، لكن لو كان يقدر على دفعه لكنه تركه يريد أن يؤثره على نفسه، أو ظن أن ذلك من باب الكرم فلا ضمان، وأما إذا كان أخذه غصباً ففي ذلك الضمان.
إذاً: إذا أخذ شرابه أو أخذ طعامه وهو عاجز عن دفعه فعليه الضمان.
أو أخذ دابته، كأن يأخذ سيارته في البر، مثلاً لو جاء إلى شخص في بر ونزل ليقضي حاجته فأخذ سيارته وهرب بها، ثم إن هذا مات بسبب ذلك، فالدية على هذا الذي أخذ سيارته.
قال: [أو ما يدفع به عن نفسه]، مثل أن يكون معه سلاح يدافع به عن نفسه من السباع ونحوه، فأخذ ذلك منه، وهو عاجز عن أخذه منه، فإذا مات بسبب ذلك كأن يأتيه سبع ونحوه فقتله فيكون على هذا الضمان.
стр. 425
حكم من أتى برائحة فمات منها حامل أو حملها
قال: [وإن ماتت حامل أو حملها من ريح طعام ضمن ربه إن علم ذلك من عادتها].
قوله: [وإن ماتت حامل أو حملها].
أي: أو مات حملها من ريح طعام، ضمن ربه إن علم ذلك من عادتها، أي: إن علم أن الحامل تموت من ذلك، ويعلم أن الحامل في هذا المكان، ومع ذلك أتى بهذا الطعام الذي تقتل رائحته الحامل، وقد ذكروا مثال ذلك الكبريت ونحوه، ويوجد عند الناس بعض الروائح القوية النافذة فهذه تضر، فإذا أتى بها وهو يعلم أن هذا موجود، ويعلم كذلك أن هذه الرائحة تقتل فإن عليه الضمان، أو كالذي يأتي إلى مكان فيه رجل ضيق الصدر أو معه مرض في صدره، ويشعل عنده ناراً فيها دخان كثير، أو يشرب عنده الدخان، وهو يعلم أنه يضره، وقد يقتله، فهذا متسبب، لكن إن كان الآخر جالساً وهو يستطيع أن يخرج من هذا المكان، فإنه لا يكون قاتلاً له ما دام أنه يقدر أن يدفع ذلك عن نفسه، لكن بعضهم يأتيه فجأة، ولا يشعر إلا بهذه الرائحة الشديدة، فيأتيه السعال ويستمر معه حتى يقتله، ويكون هذا يعلم بذلك، فيكون هذا متسبباً.
следующие страницы →