Полный текст (802 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
حكم من أركب صغيرين لا ولاية له عليهما فاصطدما فهلكا
قال: [ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحد منهما فاصطدما فماتا فديتهما من ماله].
قوله: [من أركب صغيرين] أي: أركبهما مثلاً على ناقتين أو نحو ذلك، [لا ولاية له على واحد منهما]، ولم يركبا هما وإنما هو الذي أركبهما، وهما صغيران، ولا ولاية له عليهما، وأما لو كان له عليهما ولاية كالأب أو الأخ فلا، كأن يركبهما لمصلحة تعليم ونحو ذلك، فلا شيء عليه إذا كانا يثبتان على الراحلة، يعني: إذا كانا ممن حصل له نصيب وقدر من التعلم، أو كانا صالحين للتعلم، وأما لو أركب من لا يصلح للتعلم ففيه الدية.
يقول: [ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحد منهما فاصطدما فماتا، فديتهما من ماله]؛ لأنه هو المتعدي، والقول الثاني: أن الدية على العاقلة؛ لأنه وإن كان هو المتعدي لكنه خطأ، والخطأ على العاقلة، وهذا أقرب.
стр. 422
حكم من أرسل صغيراً لحاجة فأتلف نفساً أو مالاً
قال: [ومن أرسل صغيراً لحاجة فأتلف نفساً أو مالاً فالضمان على مرسله].
قوله: [ومن أرسل صغيراً لحاجة]، الصغير: هو من كان دون البلوغ، فأرسله لحاجة فأتلف هذا الصبي نفساً أو مالاً، فالضمان على المرسل؛ لأنه هو المتسبب.
وقال الموفق وهذا أصح: إذا كانت العادة جارية بإرسال مثله من مثله -هذا معنى كلامه ﵀ لقرابة أو صحبة أو تعليم، لم يضمن، فبعض الناس يرسل مثلاً ولد صاحبه، والعادة جارية بذلك، وكذلك القريب يرسل قريبه في حاجة ويكون هذا ممن يصلح لذلك، يعني: مثله يصلح في العادة لمثل هذا الإرسال فلا ضمان، أما إذا كان لا يصلح لذلك مثل أن يرسل ابن سنتين مثلاً فهذا لا يصلح، أو يرسل مجنوناً فهذا لا يصلح، فإذا كان مثله يرسل فلا ضمان؛ لأنه لم يحصل منه تعدٍ، ما دام أن العادة جارية بذلك، والناس على ذلك، ولا يعدون هذا تعدياً.
ولو أحضره في مكان تتعلم فيه الرماية وقربه إلى الهدف، فأصابه آخر، فيكون الضمان على من قربه، ومثل ذلك الآن الذين عندهم لعب بالسيارات ونحو ذلك، وهناك ساحة معينة، فإذا أتى رجل وقرب طفلاً في هذا الموضع فأصابته سيارة من هذه السيارات التي هذا هو مكان لعبها فالضمان على هذا المقرب؛ لأن هذا يكون كالدافع له، فيكون أولى ممن باشر.
стр. 423
حكم من ألقى شيئاً ثقيلاً على سفينة فغرقت
قال: [ومن ألقى حجراً أو عدلاً مملوءاً بسفينة فغرقت ضمن جميع ما فيها].
قوله: [من ألقى حجراً أو عدلاً مملوءاً]، مثل أن يأتي بكيس كبير مملوء مثلاً بشيء ثقيل، فيرميه في سفينة فتغرق هذه السفينة، فإنه يضمن جميع ما فيها من الآدميين والأموال؛ لأنه هو المتسبب.
стр. 424
حكم من منع مضطراً إلى طعامه أو شرابه حتى هلك
قال: [ومن اضطر إلى طعام غير مضطر أو شرابه وطلبه فمنعه حتى مات، أو أخذ طعام غيره أو شرابه وهو عاجز، أو أخذ دابته أو ما يدفع به عن نفسه من سبع ونحوه فأهلكه ضمنه].
قوله: [ومن اضطر إلى طعام غير مضطر]، فهذا رجل في مفازة من الأرض، وأتى إلى صاحب خيمة، وعند صاحب الخيمة طعام، وصاحب الخيمة لا يضطر إلى هذا الطعام -يعني: عنده قدر زائد-، أو اضطر إلى شراب، وهذا عنده ماء زائد فمنعه حتى مات ضمنه؛ لأنه قد تسبب في هلاكه، ويجب عليه أن يدفع له هذا؛ لأن هذا فيه إنقاذه من الهلكة.
لكن لو كان هذا -يعني: الذي في الخيمة- عنده ماء أو طعام وهو مضطر إليه فهو مثله في الاضطرار، فلا ضمان.
قال كذلك: [أو أخذ طعام غيره أو شرابه]، أي: إن أتى إلى رجل في مفازة من الأرض فأخذ طعامه الذي معه، هل يضمن إذا هلك؟ إذا مات بسبب ذلك فإنه يضمن، أو شرابه فكذلك، وهو عاجز عن دفعه، لكن لو كان يقدر على دفعه لكنه تركه يريد أن يؤثره على نفسه، أو ظن أن ذلك من باب الكرم فلا ضمان، وأما إذا كان أخذه غصباً ففي ذلك الضمان.
إذاً: إذا أخذ شرابه أو أخذ طعامه وهو عاجز عن دفعه فعليه الضمان.
أو أخذ دابته، كأن يأخذ سيارته في البر، مثلاً لو جاء إلى شخص في بر ونزل ليقضي حاجته فأخذ سيارته وهرب بها، ثم إن هذا مات بسبب ذلك، فالدية على هذا الذي أخذ سيارته.
قال: [أو ما يدفع به عن نفسه]، مثل أن يكون معه سلاح يدافع به عن نفسه من السباع ونحوه، فأخذ ذلك منه، وهو عاجز عن أخذه منه، فإذا مات بسبب ذلك كأن يأتيه سبع ونحوه فقتله فيكون على هذا الضمان.
стр. 425
حكم من أتى برائحة فمات منها حامل أو حملها
قال: [وإن ماتت حامل أو حملها من ريح طعام ضمن ربه إن علم ذلك من عادتها].
قوله: [وإن ماتت حامل أو حملها].
أي: أو مات حملها من ريح طعام، ضمن ربه إن علم ذلك من عادتها، أي: إن علم أن الحامل تموت من ذلك، ويعلم أن الحامل في هذا المكان، ومع ذلك أتى بهذا الطعام الذي تقتل رائحته الحامل، وقد ذكروا مثال ذلك الكبريت ونحوه، ويوجد عند الناس بعض الروائح القوية النافذة فهذه تضر، فإذا أتى بها وهو يعلم أن هذا موجود، ويعلم كذلك أن هذه الرائحة تقتل فإن عليه الضمان، أو كالذي يأتي إلى مكان فيه رجل ضيق الصدر أو معه مرض في صدره، ويشعل عنده ناراً فيها دخان كثير، أو يشرب عنده الدخان، وهو يعلم أنه يضره، وقد يقتله، فهذا متسبب، لكن إن كان الآخر جالساً وهو يستطيع أن يخرج من هذا المكان، فإنه لا يكون قاتلاً له ما دام أنه يقدر أن يدفع ذلك عن نفسه، لكن بعضهم يأتيه فجأة، ولا يشعر إلا بهذه الرائحة الشديدة، فيأتيه السعال ويستمر معه حتى يقتله، ويكون هذا يعلم بذلك، فيكون هذا متسبباً.
стр. 426
حكم من وقع على نائم غير متعد فتلف هو أو النائم
قال المؤلف ﵀: [فصل: قال: وإن تلف واقع على نائم غير متعدٍ بنومه فهدر، وإن تلف النائم فغير هدر].
قوله: [وإن تلف واقع على نائم]، يعني: رجل نائم في مكان وهو غير متعدٍ في نومه في هذا المكان فوقع واقع عليه فقتله -الواقع هو الذي مات بسبب ذلك- فيقول: إن ذلك يكون هدراً، لكن لو أن رجلاً يشتغل بحفرة، ثم أتى رجل واضطجع ونام فيها، ثم إن هذا كعادته سقط في هذه الحفرة يريد أن يكمل حفره، فوقع على هذا الرجل فمات، ففي ذلك الضمان؛ لأن هذا النائم قد تعدى في نومه في هذا الموضع.
قال: [وإن تلف النائم فغير هدر] أي: إن كان النائم هو الذي تلف فغير هدرٍ؛ لأن هذا هو المتسبب، إلا إن كان نام في موضعٍ متعدياً في نومه فيه فلا ضمان، كما ذكرت لكم أن ينام في حفرة مثلاً، وهذا ما درى بذلك، ونزل في الحفرة على عادته، وليس هذا مكاناً معتاداً للنوم، فلما نزل إذا بشخص نائم فقتله فلا شيء عليه.
стр. 427
حكم من سلم إليه إنسان ليعلمه السباحة فهلك
قال: [وإن سلم بالغ عاقل نفسه أو ولده إلى سابحٍ حاذق ليعلمه فغرق فلا ضمان].
لأن هذا السباح المعلم الحاذق لم يحصل منه تفريط، وعلى ذلك فلا ضمان، لكن إن حصل منه تفريط، كأن يأتي به في موضع لا يقدر مثله عليه، كأن يأتي به في ماء كثير وهو مبتدئ في السباحة، أو يغفل عنه، أو يكون محتاجاً إلى آلة تعينه ويتركه هكذا، فإذا حصل منه مما يعد تفريطاً في العرف، أو وضعه في مكان مثله لا يوضع فيه، فعليه الضمان، فينبغي عليه أن يعلمه في مكان ليس بعميق أولاً، فالمقصود: أنه متى ما حصل تفريط، فإن الضمان يثبت، وأما إذا لم يكن هناك تفريط فلا ضمان.
стр. 428
حكم من أمر مكلفاً أن ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك
قال: [أو أمر مكلفاً ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك].
قوله: [أو أمر مكلفاً]، المكلف هو العاقل البالغ، ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك فلا ضمان؛ لأنه لم يحصل تعد، فهذا مكلف، مثل أن يأتي رجل بأحد العمال وجده في الشارع وقال له: أنا عندي هذه البئر إذا نزلتها سأعطيك كذا وكذا، فنزل وهلك.
أو قال له: ارقَ هذه النخلة وأنزل لي من ثمرها، فرضي بأجرة، ثم إنه هلك فلا ضمان إذا كان مكلفاً.
فإن كان غير مكلف فظاهره أن فيه الضمان، لكن إن كان مما جرت العادة بأمر مثله، وكان مثله يحسن فلا ضمان، فبعض الناس يأمر صبياً مثلاً ابن عشر سنين من أقاربه أن يرقى جداراً -وهذا الصبي يحسن ذلك- ليفتح له الباب مثلاً، كأن يكون أغلق باب بيته، فالناس يعتادون على ذلك، فيأمره بذلك والصبي يحسن ذلك عادة، وأما إذا كان لا يحسنه ولا يعرف فعليه الضمان.
لكن لو أتى لابن خمس سنين أو ست سنين وقال: اصعد على الجدار وانزل على بيتي وافتح لي الباب، فهلك، فعليه الضمان؛ لأن العادة لا تجري بأمر مثل هذا بمثل هذا الرقي.
стр. 429
حكم من استأجر أجيراً لحفر بئر فهلك فيها
قال: [أو تلف أجير لحفر بئر أو بناء حائط بهدم ونحوه].
قوله: [أو تلف أجير] أي: استأجر أجيراً ليحفر بئراً فتلف، أو لبناء حائط فوقع عليه هذا الحائط، فلا ضمان.
стр. 430
حكم من أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم يفعل حتى هلك
قال: [أو أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم يفعل].
قوله: [أو أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم يفعل]، مثل أن يرى أحداً من الناس يكاد يغرق وهو يحسن السباحة فلم ينجه، مع أنه يمكنه ذلك، فلا ضمان عليه؛ لأنه ليس هو المتسبب في ذلك، نعم يكون آثماً؛ لأن الواجب عليه أن ينجيه من الهلكة، لكنه لا يترتب عليه ضمان؛ لأنه غير متسبب.
стр. 431
حكم من أدب ولده أو زوجته فهلك
قال: [أو أدب ولده وزوجته في نشوز، أو أدب سلطان رعيته ولم يسرف فهدر في الجميع].
قوله: [ولم يسرف] يعني: لم يضرب ضرباً غير معتاد من جهة العدد أو من جهة الشدة، فلم يحصل عنده إسراف.
أو يكون مثلاً الولد مريضاً أو تكون المرأة مريضة، وإذا كان عنده إسراف بسبب حال المضروب، أو بسب شدة الضرب، أو عدد الضرب فإنه يضمن، وأما إذا لم يسرف وضرب ضرب تأديبٍ فإنه لا يضمن؛ لأن هذا الفعل مأذون فيه، والقاعدة تقول: إن ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، فالأب له أن يؤدب ولده، وله أن يؤدب امرأته الناشز، لكن لا يسرف، فإذا أسرف في الضرب ضرباً مبرحاً، أو زاد في عدده، أو كانت حال هذه المرأة لا تتحمل الضرب لمرضها، فإنه يكون ضامناً إذا كان هناك إسراف.
قال: [وإن أسرف، أو زاد على ما يحصل به المقصود، أو ضرب من لا عقل له من صبي أو غيره ضمن].
قوله: [إذا أسرف، أو زاد على ما يحصل به المقصود] يعني: زيادة على المقصود من التأديب، أو ضرب من لا عقل له من صبي كابن خمس سنين أو أربع سنين فهذا لا يضرب؛ لأنه لا عقل له، أو غيره كالمجنون، فالمجنون لا يستفيد من الضرب.
قوله: ضمن؛ لأنه غير مأذون له، ويكون فعله فيه تعدٍ، وما دام أن فيه تعدياً ففيه الضمان.
стр. 432
حكم من نام على سقف فهوى فأتلف شيئاً
قال: [ومن نام على سقف فهوى به لم يضمن ما تلف بسقوطه].
قوله: [من نام على سقف فهوى به -أي: هوى به السقف- لم يضمن ما تلف بسقوطه]؛ لأنه ملجأ، لكن لو كان يعرف أن السقف سيئ وأنه يكاد ينهار، كما يفعل بعضهم مثلاً يأتي إلى بيت قديم وآيل للسقوط، وهذا المكان قد اتخذه بعض الناس مكاناً يستظلون به من الشمس، فأتى فصعد فوقه فنام وهو ثقيل فسقط، فهذا يكون متعدياً، أما إذا كان ليس منه تعدٍ فإنه لا يضمن.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 433
دليل الطالب_كتاب الديات [٢]
من أحكام الجنايات معرفة مقادير الديات، ومن ذلك دية النفس، فإنها تختلف بالذكورة والأنوثة، والإسلام والكفر، والحرية والرق، ومن ذلك دية الجنين، فمن الفقه معرفة تفاصيل ذلك وما ينبني عليه من الأحكام.
стр. 434
مقادير دية النفس
стр. 435
مقدار دية الرجل المسلم الحر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل في مقادير دية النفس.
دية الحر المسلم طفلاً كان أو كبيراً مائة بعيرٍ أو مائتا بقرة، أو ألفا شاةٍ أو ألف مثقالٍ ذهباً، أو اثنا عشر ألف درهمٍ فضة].
هذه أصول الدية في المشهور في المذهب للحر المسلم، ولو ولد للحظة، يعني: لو أن رجلاً ضرب امرأة في بطنها فأسقطت طفلاً لستة أشهر فأكثر، فبقي لحظة ثم مات، فإن الدية فيه كاملة.
قوله: [مائة بعير]، هذا هو الأصل الأول، فالأصل الأول الإبل، والواجب مائة بعير، وقد جاء في النسائي أن النبي ﵊ قال: (في النفس المؤمنة مائة من الإبل).
قوله: [أو مائتا بقرة]، هذا هو الأصل الثاني، [أو ألفا شاة]، هذا هو الأصل الثالث، [أو ألف مثقالٍ ذهباً]، والمثقال من الذهب يساوي أربع جرامات وربع من الذهب، [أو اثنا عشر ألف درهم فضة].
فهذه أصول الدية في المشهور في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، واستدلوا بما جاء عند أهل السنن عن ابن عباس ﵁ (أن النبي ﵊ قضى في دية رجلٍ قتل باثني عشر ألفاً) يعني: من الفضة.
وفي سنن النسائي من حديث عمرو بن حزم: (أن النبي ﵊ قضى في الدية بألف مثقال) يعني: من الذهب.
وعن ابن عمر ﵁ في سنن أبي داود: (أن النبي ﵊ قضى في الدية بمائة من الإبل أو مائتين من البقر أو ألفي شاة أو مائتين من الحلل).
هذه الأدلة دالة بمجموعها على هذه الأصول الخمسة.
والقول الثاني في المسألة وهو قول الجمهور، ورواية عن أحمد، واختار هذا القول الموفق ابن قدامة والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وعليه أئمة الدعوة: أن أصل الدية واحد وهو الإبل، وما سواها من الأصول الأخرى فهي فرع عنها.
واستدلوا بما جاء في سنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -والحديث إسناده جيد- قال (كانت قيمة الدية في عهد النبي ﵊ ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، وكانت دية أهل الكتاب على نصف دية المسلمين، فلما استخلف عمر ﵁ قال: ألا إن الإبل قد غلت، ففرضها في الذهب ألفاً، وفي الفضة اثني عشر ألفاً، وفي البقر مائتي بقرة، وفي الغنم ألفي شاة، وفي الحلل مائتي حلة) يعني: أنه قوَّم الإبل بهذه الأشياء، فجعل الإبل هي الأصل، قال: ولم يزد في دية أهل الكتاب.
وهذا القول هو الراجح، ويدل على ذلك: أن التغليظ في الإبل كما تقدم لكم في حديث شبه العمد، وفيه أربعون خلفة في بطونها أولادها.
وعلى ذلك فالصحيح أن الدية هي الإبل، ثم ننظر إلى قيمة الإبل من الدراهم أو الريالات أو غيرها من العملة، فإذا أوجبنا عليه مائة ناقة، سألنا أهل الخبرة عن قيمتها؟ فإن قالوا: تساوي مثلاً ستمائة ألف، أو تساوي سبعمائة ألف ريال أوجبناها كذلك.
وإن أحب أن تكون من البقر فكذلك ننظر إلى قيمة هذه المائة من البقر، وكذلك الغنم، وكذلك الدراهم.
وعلى ذلك فالأصل هو الإبل، وهذا القول هو القول الراجح، وهو رواية عن أحمد، وهو قول الجمهور، واختاره الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى.
قال: [ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك].
أي: ودية الحرة المسلمة على النصف من دية الرجل المسلم، لما جاء عند النسائي أن النبي ﵊: (قضى أن عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها).
قوله: [قضى أن عقل] يعني: دية؛ لأن الدية تسمى عقلاً، ولذا سيأتي أن الذين يغرمون الدية يسمون عاقلة من العقل.
فهنا يقول ﵊: (عقل المرأة) يعني: دية المرأة (مثل عقل الرجل) يعني: مثل دية الرجل؛ (حتى تبلغ الثلث من ديتها)، أي: فإذا بلغت الثلث كانت على النصف من دية الرجل.
وله شاهد عن سعيد بن المسيب في موطأ مالك، ومراسيل سعيد عند أهل العلم حجة.
وله شاهد أيضاً عن عمر بن الخطاب في مصنف ابن أبي شيبة، وشاهد عن عثمان عند البيهقي، وأجمع أهل العلم على ذلك، فلا يعلم بينهم خلاف في ذلك، كما حكى ذلك ابن جرير والشافعي وغيرهم من أهل العلم، فهي من المسائل التي أجمع عليها أهل العلم، ولا يعتد بمن خالف في هذا، لا قديماً ولا حديثاً.
فعقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها، فإذا بلغ الثلث كان على النصف كما دلت عليه الآثار، أما هذا الحديث فهذا لفظه: (حتى تبلغ الثلث من ديتها).
واستُشكل هذا على سعيد بن المسيب فقيل له: إذا أخذت منها ثلاثة أصابع ففي
стр. 436
مقدار دية الكتابي
قال: [ودية الكتابي الحر كدية الحرة المسلمة].
فالكتابي الحر تكون ديته كدية الحرة المسلمة، وعلى ذلك فهو على النصف من دية المسلمين.
وقد جاء في سنن أبي داود أن النبي ﵊ قال: (عقل الكتابي على نصف عقل المسلمين)، فدية أهل الكتاب نصف دية المسلمين، والحديث رواه أبو داود وهو حديث حسن.
وقال الأحناف: بل لهم الدية كاملة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢].
و
الجواب
أن هذه الآية ليس فيها تحديد قدر الدية، وإنما فيها وجوب دية، وليس في الآية أن لهم مثل ما للمسلمين.
واستدلوا أيضاً بما جاء في مصنف عبد الرزاق أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في رجلٍ مسلمٍ قتل يهودياً من أهل الشام بألف دينار.
أي: أوجب فيه دية المسلم.
والجواب: أن هذا في قتل العمد، ولذا فإن المشهور في المذهب: أن المسلم إذا قتل الذمي عمداً فإن الدية تغلظ الضعف، فقولنا هنا: إن دية الكتابي على النصف من دية المسلم هذا في قتل الخطأ، وأما إذا قتل المسلم ذمياً عمداً؛ فإن الدية تجب كدية المسلم.
وقد جاء عن عثمان ﵁ كما عند البيهقي وغيره: أنه قضى في رجلٍ مسلمٍ قتل ذمياً عمداً بدية مسلم.
وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
إذاً: إذا قتل المسلم الذمي عمداً فإن الدية تغلظ؛ لأنه لا قود فغلظت الدية، وأما إذا قتله خطأً كحوادث السيارات وغيرها؛ فإن ديته تكون كنصف دية المسلم، وهذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
стр. 437
الدية المغلظة والدية المخففة
واعلم أن الدية من الإبل إن كانت عن عمد أو كانت عن شبه عمد فتجب في المشهور في المذهب أرباعاً، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية والرواية الثانية عن أحمد واختاره جماعة من أصحابه: أن الواجب في دية العمد وفي دية شبه العمد: أن الواجب ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
وقد جاء في سنن أبي داود والترمذي ما يدل على ذلك، وهو: (أن النبي ﵊ قضى في دية العمد بثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة في بطونها أولادها).
وجاء عند الخمسة إلا الترمذي كما تقدم: أن النبي ﵊ قال: (في قتيل العصا والسوط -وهو قتل شبه العمد- مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها)، وهذا هو الراجح.
وعلى ذلك فالراجح: أن قتل العمد وقتل شبه العمد فيه دية مغلظة، هذه الدية المغلظة هي مائة ناقة: ثلاثون حقة وهي التي تم لها ثلاث سنين، واستحقت أن يطرقها الجمل، وثلاثون جذعة أكبر منها بسنة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
وأما قتل الخطأ فالمشهور في المذهب أنه أخماس: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون من بني مخاض.
وقرر ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن أنها لم تقدر، وهذا هو الصحيح؛ لأن الآثار فيها مختلفة، وأقوال أهل العلم في هذا مختلفة، وكل له أثر يستدل به من السنة أو من أقوال الصحابة وآثارهم، فدية الخطأ نقول: ليست مقدرة، بل هي مائة من الإبل، والمشهور في المذهب أنها أخماس كما تقدم.
وهناك آثار أخرى تدل على غير ذلك، ولذا فإن الراجح أنها لم تقدر، يعني: لم تحدد، بل الواجب مائة من الإبل مطلقاً من غير تحديد، وأما دية شبه العمد فتقدم شرحها.
стр. 438
مقدار دية الكتابي والمجوسي
قال: [ودية الكتابية على النصف].
دية الكتابية على النصف من دية الكتابي، وعلى ذلك فتكون على النصف من دية المرأة المسلمة، وعلى ذلك ففيها خمسة وعشرون من الإبل.
قال: [ودية المجوسي الحر ثمانمائة درهم].
دية المجوسي الحر ثمانمائة درهمٍ كما قال بذلك عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وطوائف كثيرة، وقد جاء هذا في الدارقطني بأسانيد صحاح عن عمر وعلي وابن مسعود، ولا يعلم لهم مخالف فهي أقل من عشر دية المسلم، وهذا في القديم كان شيئاً كثيراً؛ لأن نصاب الزكاة مائتا درهم؛ وهذه أربعة أضعافها.
قال: [والمجوسية على النصف].
ويلحق بالمجوسي كل وثني من البوذيين وغيرهم، فإن ديتهم ثمانمائة درهم، ودية نسائهم على النصف من ذلك، لكن ليست هذه الدراهم التي بين أيدينا، بل تقوم كما تقدم، ويرجع في معرفتها لأهل الخبرة؛ لأن التقدير هنا بالفضة، وليس التقدير بالدراهم الموجودة.
قال: [ويستوي الذكر والأنثى فيما يوجب دون ثلث الدية، فلو قطع ثلاث أصابع حرة مسلمة لزمه ثلاثون بعيراً، فلو قطع رابعة قبل برء ردت إلى العشرين].
تقدم شرح هذا في حديث: (حتى يبلغ الثلث من ديتها)، وقد قال هنا: فلو قطع ثلاث أصابع من حرة مسلمة لزمه ثلاثون بعيراً كالرجل؛ لأن هذا دون الثلث، فلو قطع رابعة قبل برء ردت إلى عشرين، وتقدم الكلام على هذا.
стр. 439
تغليظ الدية في الحرم والإحرام والشهر الحرام
قال: [وتغلظ دية قتل الخطأ في كل من حرم مكة وإحرامٍ وشهر حرامٍ بالثلث].
فقد صح عن عثمان ﵁ كما في مصنف ابن أبي شيبة أنه قضى على رجلٍ قتل امرأة في الحرم بدية وثلث، وهذا من باب تغليظ الدية.
ويقاس على الحرم كما ذكر المؤلف الإحرام، فالمحرم إذا قتل وجب عليه دية وثلث الدية، وإذا قتل في الأشهر الحرم فكذلك.
وقال بعض أهل العلم كالقاضي من الحنابلة: تغلظ أيضاً إذا قتل ذا رحمٍ محرم خلافاً للمشهور.
فإذاً: إذا كان محرماً، أو كان في الحرم أو في الأشهر الحرم، فإن الدية تضاعف، وهذا في النفس فقط، فإن الدية تزيد ثلثاً، لكن إن اجتمعت هذه الثلاث فإن الدية تضعف، ولذا قال: [فمع اجتماع الثلاثة يجب ديتان].
стр. 440
تغليظ دية الكافر إذا قتل عمداً
قال: [وإن قتل مسلم كافراً عمداً أضعفت ديته].
إن قتل مسلم كافراً -يعني: ذمياً أو معاهداً- عمداً أضعفت ديته، بمعنى أن الدية تكون على الضعف، وتقدم شرح هذا، وأن هذا هو المشهور في المذهب.
إذاً: إذا قتل مسلم كافراً عمداً أضعفت ديته، فأصبحت الدية على الضعف، فتكون دية هذا الذمي كدية المسلم.
стр. 441
مقدار دية الرقيق
قال: [ودية الرقيق قيمته قلت أو كثرت].
الرقيق ما يباع ويشترى ذكراً كان أو أنثى، وعلى ذلك فديته قيمته، فلو قتل عبداً فليس في ذلك مائة من الإبل ولو كان هذا العبد مسلماً، لكن في ذلك قيمة هذا العبد، وقد يساوي خمسمائة من الإبل، وقد لا يساوي إلا خمساً من الإبل، فإن الواجب فيه القيمة؛ لأنه يباع ويشترى.
وإن جرحه أو قطع طرفه فقولان: أصحهما -وهو خلاف المشهور في المذهب، واختاره الموفق- أن الواجب ما ينقص من قيمته، وعلى ذلك فنقومه قبل أن يجرح، أو قبل أن يقطع طرفه، ونقومه بعد ذلك، ويجب الفرق.
مثاله: رجل عنده عبد قطعت يده، فنقول لأهل الخبرة: كم يساوي هذا العبد قبل أن تقطع يده؟ قالوا: يساوي مائة ألف.
قلنا: والآن كم يساوي بعد قطع يده؟ قالوا: لا يساوي إلا ثمانين ألفاً، فالفرق عشرون ألفاً، وعلى ذلك فيجب على الجاني أن يدفع لسيده عشرين ألفاً.
стр. 442
دية الجنين
стр. 443
دية الجنين المسلم الحر
قال: [فصل: ومن جنى على حاملٍ فألقت جنيناً حراً مسلماً ذكراً كان أو أنثى فديته غرة قيمتها عشر دية أمة].
يقول: ومن جنى على حاملٍ فألقت جنيناً ميتاً تبين فيه خلق الإنسان فإن الواجب فيه غرة، ولا بد أن يتبين فيه خلق الإنسان؛ ليعلم أن هذه المضغة آدمي.
فإذا ضرب بطنها فوقع منها جنين تبين فيه خلق الإنسان فإن الواجب في ذلك غرة، وتقدم حديث الهذليتين اللتين اقتتلتا، وفيه أن النبي ﵊: (قضى أن دية الجنين غرة).
والغرة هو المال الخيار الذي هو من أنفس المال، والمراد به أمة أو وليدة، وقد جاء هذا في الحديث حيث قال: (غرة عبد أو وليدة)، فالغرة هنا عبد أو وليدة، وعلى ذلك فدية الجنين عبد أو أمة.
والغرة الواجبة قيمتها عشر دية أمه، والآن العبيد لا يوجدون، لكن الأصل أن الواجب عليه أن يدفع دية، هذه الدية عبد أو أمة، يساوي هذا العبد أو الأمة يساوي عشر دية الأم بلا خلافٍ بين أهل العلم، وحكاه الموفق ﵀ عن علي وزيد بن ثابت.
فننظر كم دية الأم؟ ودية الأم خمسون من الإبل، فالعشر منها خمس من الإبل، فنقول: يجب عليك أن تأتي لهم بعبدٍ أو بأمة يساوي أو تساوي خمساً من الإبل، والآن هذا غير موجود، فعلى ذلك نوجب خمساً من الإبل، إذاً: في الجنين الآن خمسٌ من الإبل.
[وتتعدد الغرة بتعدد الجنين]، فلو أن المرأة أسقطت جنينين فإن فيهما عشراً من الإبل، ولو أسقطت ثلاثة ففيهم خمسة عشر من الإبل نعم.
стр. 444
دية الجنين الرقيق والكافر
قال: [ودية الجنين الرقيق عشر قيمة أمه]، إذا كانت الأم نصرانية فديتها خمس وعشرون من الإبل، وعلى ذلك فجنينها بعيران ونصف، وإذا كانت هناك أمة تساوي بعيرين ونصف سلمناها دية له.
قوله: [ودية الجنين الرقيق عشر قيمة أمه]، فإذا جني على أمة فأسقطت جنيناً فالواجب عشر قيمة أمه.
أي: أننا ننظر كم تساوي أمه فالواجب هو العشر، فإذا كانت تساوي مائة ألف فالدية عشرة آلاف.
قال: [وقيمة الجنين المحكوم بكفره غرة قيمتها عشر دية أمه، وإن ألقت الجنين حياً لوقت يعيش لمثله وهو نصف سنة فصاعداً ففيه ما في الحي، فإن كان حراً ففيه دية كاملة].
كذلك دية الجنين المحكوم بكفره نعم غرة قيمتها عشر دية أمه، إذاً: نرجع إلى الأم وننظر كم ديتها، فالواجب هو العشر.
стр. 445
دية الجنين إذا خرج حياً لوقت يعيش لمثله
وإن ألقت الجنين حياً لوقت يعيش لمثله وهو نصف سنة فصاعداً، أي: ولد لستة أشهر، ففيه ما في الحي، أي: فإن كان مسلماً ذكراً فديته مائة من الإبل، وإن كان مسلماً أنثى ففيه خمسون من الإبل، وهكذا.
قال: [وإن كان رقيقاً فقيمته].
يعني: ننظر إلى قيمته ونضمن الجاني هذه القيمة.
قال: [وإن اختلفا في خروجه حياً أو ميتاً فقول الجاني].
ضرب امرأة في بطنها وهي حامل لسبعة أشهر فقالت: إن الجنين قد خرج حياً، ولم تأت ببينة، أما لو أتت ببينة على أنه خرج حياً لكان فيه دية كاملة، لكنها قالت: إنها وضعته حياً ولم تأت ببينة، وقال الجاني: بل وضعتيه ميتاً.
يريد أن يدفع عشر دية الأم، وهي تريد أن يدفع دية كاملة، فيقول المؤلف: إن اختلفا في خروجه حياً أو ميتاً فالقول قول الجاني، وذلك لأنه منكر، ولأنه غارم، فنطالبها بالبينة، فإذا أتت ببينة تشهد أنه ولد حياً ففيه دية كاملة، وإن لم تأت ببينة تشهد أنه ولد حياً فإنا نرجع إلى الجاني، ونقول له: احلف، لأنك الآن منكر، والقول قولك، فعليك اليمين، فيحلف أنها ولدته ميتاً، فإذا حلف أنها ولدته ميتاً قلنا: يجب عليك عشر دية أمه.
стр. 446
ما يجب في جنين الدابة
قال: [ويجب في جنين الدابة ما نقص من قيمة أمه].
رجل ضرب ناقة خلفة في بطنها حمل، والناس يسمونها اللقحة، يعني: فيها اللقاح، والخلفة عند الناس الآن هي التي معها ولدها يرضع منها.
فإذا ضرب الناقة وأسقط ما في بطنها فكيف نضمنه؟ والجواب ما ذكره المؤلف هنا بقوله: [ما نقص من قيمة أمه] أي: نأتي بأهل الخبرة ونقول: إن هذه الناقة كان في بطنها حمل وكان حملها مثلاً من الفحل الفلاني؛ لأن هذا يختلف من فحلٍ إلى آخر، فإذا قالوا: كانت تساوي عشرة آلاف، والآن لا تساوي إلا خمسة آلاف، فإنه يدفع الفرق وهو يدفع خمسة آلاف.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 447
دليل الطالب_كتاب الديات [٣]
ومن أحكام الجنايات معرفة مقادير ديات الأعضاء والمنافع، فإن ديات الأعضاء والمنافع تختلف بانفرادها وازدواجها، وتختلف باختلاف مقدار الجزء الذاهب منها بالجناية، ومن ذلك ديات الشجة والجائفة، وضابط كل قسم منها.
стр. 448
مقادير ديات الأعضاء
стр. 449
مقادير ديات الأعضاء المفردة
الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: في دية الأعضاء].
هذا فصل في دية الأعضاء ومنافعها، الأعضاء كاليد والعين، ومنافعها كالسمع والبصر.
قال: [من أتلف ما في الإنسان منه واحد كالأنف واللسان والذكر ففيه دية].
وقد جاء في سنن النسائي من حديث عمرو بن حزم أن النبي ﵊ قال: (وفي الأنف إذا أوعب جدعاً الدية، وفي العينين الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الصلب الدية).
وفي البيهقي من مراسيل سعيد بن المسيب: (وفي الصلب الدية).
وعلى ذلك فكل من أتلف ما في الإنسان منه واحد كالأنف واللسان والذكر فإن عليه الدية، فإن كان هذا الذي أخذ أنفه مسلماً ذكراً فالدية مائة من الإبل، وإن كان أنثى ففيه خمسون، وإن كان ذمياً ذكراً ففيه خمسون، وإن كانت ذمية أنثى ففيها خمسة وعشرون كما تقدم شرحه.
стр. 450
مقادير ديات الأعضاء المزدوجة
قال: [ومن أتلف ما في الإنسان منه شيئان كاليدين والرجلين والعينين والأذنين والحاجبين والثديين والخصيتين ففيه الدية، وفي أحدهما نصفها]: كاليدين، اليد إلى الرسغ، والرجل إلى الكعب، وما زاد ففيه حكومة، ومعنى حكومة أنه يقدر عبداً سالماً من هذا النقص، ثم يقدر عبداً فيه هذا النقص، والفرق هو الحكومة.
إذاً: في اليد إلى الرسغ نصف دية، وفي اليدين الدية كاملة، وفي الرجل إلى الكعب نصف الدية، وفي الرجلين الدية كاملة، وتقدم ما يدل على ذلك، فإنه قال: (وفي العينين الدية)، وقال: (وفي الشفتين الدية)، فما في الآدمي منه شيئان ففيهما الدية كاملة وفي أحدهما نصفها.
قال: [وفي الأجفان الأربعة الدية]: الأجفان جمع جفن، وهو غطاء العين، وكل عين فيها جفنان، جفن في أعلاها وجفن في أسفلها، فإذا أخذ هذه الأجفان الأربعة كلها ففيها الدية كاملة، وإذا أخذ جفناً كاملاً ففيه ربع الدية.
والمنخر في الإنسان منه منخران، والحاجز بينهما هو القسيم الثالث، فإذا أخذ منخراً واحداً فثلث الدية، وإذا أخذ الحاجز بينهما ففيه ثلث الدية.
قال: [وفي أصابع اليدين الدية وكذلك الرجلان]: وفي مسند أحمد وسنن أبي داود أن النبي ﵊ قال: (الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء).
وفي الترمذي من حديث ابن عباس أن النبي ﵊ قال: (دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل أصبع).
وعلى ذلك ففي أصابع اليدين العشرة الدية كاملة، وفي أصابع الرجلين العشرة الدية كاملة.
قال: [وفي أحدها عشرة، لا فرق بين إبهام وخنصر]: أي: في كل أصبعٍ عشرة من الإبل.
قال: [وفي الأنملة إن كانت من إبهام نصف عشر الدية، وإن كانت من غيره فثلث عشرها]: يعني: أن في أنملة الإبهام نصف دية الإبهام؛ لأن الإبهام فيها مفصلان، وعلى ذلك ففي كل مفصل خمس من الإبل؛ لأن الإبهام كلها فيها عشر من الإبل، وبقية الأنامل فيها ثلث دية الأصبع، يعني: في كل أنملة ثلاثة أبعرة وثلث.
قال: [وكذا أصابع الرجلين].
قال: [وفي السن خمس من الإبل]: كما جاء في النسائي من حديث عمرو بن حزم: (وفي السن خمس من الإبل) أي: في كل سن خمس من الإبل، الضرس والسن والثنية سواء كما تقدم.
قال: [وفي إذهاب نفع عضوٍ من الأعضاء ديته كاملة]: يقول: إذا أذهب نفع عضوٍ ففي ذلك دية ذلك العضو كاملة؛ لأنه صيره في حكم المعدوم، فإذا ضرب عينيه فذهب البصر ففيه الدية كاملة، وإذا ضرب يديه فذهب البطش ففي ذلك الدية كاملة.
стр. 451
مقادير ديات المنافع
قال: [فصل في دية المنافع].
هذا الفصل في دية المنافع.
قال: [تجب الدية كاملة في إذهاب كل من سمع وبصر وشم وذوق]: السمع قلنا إنه في الدماغ، وعلى ذلك فلو أنه قطع أذنيه ففي ذلك الدية، وإذا ضربه في رأسه فأذهب سمعه ففي ذلك الدية كاملة؛ لأن السمع كما تقدم في الدماغ.
والشم كذلك في الدماغ، فلو أنه قطع أنفه ففيه الدية كاملة، ولو أنه ضربه فأذهب شمه حتى أصبح لا يشم ففيه الدية كاملة، فإن أذهب جزءاً من شمه؛ فهذا يقدر عند الطبيب ويعطى من الدية بحسب ذلك.
وإذا ضربه فأذهب بصره فعليه الدية كاملة.
والذوق يكون لخمسة أشياء: للمالح، وللعذب، وللحلو، وللمر، وللحامض، فإذا ضربه فأصبح لا يحس بالحلو فقط، ففي ذلك من الدية الخمس، وهكذا.
قال: [وكلام]: الكلام منفعة، فإذا ضربه فأذهب هذه المنفعة ففيه الدية كاملة.
والحروف ثمانية وعشرون حرفاً عند العرب، فإذا أذهب حرفاً واحداً قسمنا الدية على ثمانية وعشرين.
قال: [وعقل]: إذا جن فذهب عقله ففيه الدية كاملة، وقد ثبت عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: أن رجلاً ضرب رجلاً فذهب سمعه وبصره وعقله ونكاحه، فقضى عمر بأربع ديات.
دية للسمع، ودية للبصر، ودية للعقل، ودية للنكاح.
هذه أربع ديات.
وعلى ذلك فقد يقتل ولا يأخذ أولياؤه إلا دية واحدة، وقد يأخذ ديات كثيرة بعدد المنافع، كما لو قطعت أيضاً يداه ورجلاه.
قال: [وحدبٍ]: وذلك لأن القامة منفعة، فإذا ضربه في صلبه فأصبح حدباً فإن في ذلك الدية؛ لأن انتصاب القامة كمال وجمال.
قال: [ومنفعة مشي]: كذلك لو ضربه في صلبه فشل حتى أصبح لا يمشي ففيه دية كاملة.
قال: [ونكاح كذلك]: وقد تقدم أن عمر ﵁ قضى بالدية في ذلك، وذهاب النكاح هو إذا ضربه حتى أصبح لا يجامع.
قال: [وأكلٍ]: إذا أصبح لا يشتهي الأكل، أو يأكل ولا يهضم الأكل، ففي ذلك دية كاملة.
قال: [وصوت كذلك]: إذا أذهب منفعة الصوت ففيه دية كاملة.
قال: [وبطش]: أصبح لا يبطش، لأنه أذهب منفعة يديه، ففي ذلك دية كاملة.
إذاً: هذه كلها منافع؛ لأن هذا العضو إنما تقصد منفعته، وهذا قد أذهب منفعته.
قال: [ومن أفزع إنساناً] أي: خوفه بالصوت [أو ضربه فأحدث بغائطٍ أو بولٍ أو ريح ولم يدم فعليه ثلث الدية]، قضى بذلك عثمان ﵁ كما في مصنف عبد الرزاق، قال الإمام أحمد: لا أعرف شيئاً يدفعه، أي أن هذا قول صاحب، وقول للصاحب حجة، ولا يعرف ما يدفعه.
فإذا ضرب إنساناً، فإن بعض الناس أثناء الضرب قد يحدث، أو يخرج منه غائط، أو يخرج منه بول، فالواجب في ذلك ثلث الدية.
قال: [وإن دام] يعني: لم يستمسك، فأصبح عنده سلس بول أو سلس غائط، أو حدث مستمر لم يستمسك قال: [فعليه الدية] أي: فعليه الدية كاملة؛ لأن هذه منفعة.
قال: [وإن جنى عليه فأذهب سمعه] هذه منفعة [وبصره] هذه منفعة ثانية، [وعقله] هذه منفعة ثالثة، [وشمه] هذه منفعة رابعة، [وذوقه] هذه خامسة، [وكلامه] هذه سادسة، [ونكاحه] هذه منفعة سابعة، [فعليه سبع ديات، وأرش تلك الجناية]، لأن الضرب قد يحدث فيه جرحاً، فيبقى أيضاً هناك زيادة وهي أرش هذه الجناية.
قال: [وإن مات من الجناية فعليه دية واحدة]: أي: لو أنه جنى عليه فمات من هذه الجناية لكانت دية واحدة، أما وقد أذهب هذه المنافع فلكل منفعة دية.
стр. 452
دية الشجة والجائفة
стр. 453
مقادير ديات الشجاج
قال: [فصل في دية الشجة والجائفة].
الشجة: اسم لجرح الرأس والوجه فقط، أي: الشجة: هي الجرح الذي يكون في الوجه وفي الرأس خاصة، فإذا قيل شج، فالمعنى أنه جرح في رأسه أو في وجهه.
قال: [وهي خمسة]: يعني: الشجاج التي فيها الدية خمس، وأما ما دون ذلك فليس فيه دية، إنما فيه حكومة.
قال: [أحدها: الموضحة التي توضح العظم وتبرزه]: وذلك بأن يجرحه في رأسه أو في وجهه فيتضح العظم.
قال: [وفيها نصف عشر الدية خمسة أبعرة]، وفي النسائي: أن النبي ﵊ قال: (وفي الموضحة خمس من الإبل) إذاً: الموضحة فيها خمس من الإبل.
قال: [فإن كان بعضها في الرأس، وبعضها في الوجه فموضحتان]، أي: جرحه بضربة واحدة فأصابه في وجهه وأصابه في رأسه، فحدث جرح في الوجه يوضح العظم، وجرح في الرأس يوضح العظم، قال: [فموضحتان]؛ وذلك لأنه قد أوضحه في عضوين، في الرأس وفي الوجه.
[الثاني: الهاشمة: وهي التي توضح العظم وتهشمه، وفيها عشرة أبعرة]، قضى بذلك زيد بن ثابت كما في مصنف عبد الرزاق، فهذه تصل إلى العظم وتهشم العظم، أي: ترضه ويكون فيه شيء من الكسر، فهذه تسمى بالهاشمة.
[الثالث: المنقلة: وهي التي توضح وتهشم وتنقل العظم، وفيها خمسة عشر بعيراً]، وقد جاء هذا في النسائي في حديث عمرو بن حزم: (وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل).
[الرابع: المأمومة التي تصل إلى جلدة الدماغ، وفيها ثلث الدية]، وفي النسائي: (وفي المأمومة ثلث الدية) والمأمومة هي التي تصل إلى جلدة الدماغ.
[الخامس: الدامغة التي تخرق الجلدة، وفيها الثلث أيضاً]؛ لأنها أولى من المأمومة، ولم يرد في الشرع أن فيها زيادة.
وعلى ذلك فالمأمومة والدامغة فيهما ثلث الدية، والدامغة تخترق، وصاحبها لا يسلم غالباً، لكن إذا سلم فإن في ذلك ثلث الدية، أما إذا مات فإن في ذلك الدية كاملة.
стр. 454
مقدار دية الجائفة
قال: [وفي الجائفة ثلث الدية]، هذا في النسائي أيضاً، أن النبي ﷺ قال: (وفي الجائفة ثلث الدية).
[وهي: كل ما يصل إلى الجوف]، يعني: أن الجائفة هي ما ينتهي إلى الجوف، ليس المقصود بالجوف المعدة، بل إلى جوف في البدن، ولذا قال: [كبطنٍ وظهرٍ وصدرٍ وحلق].
فإذا ضربه في بطنه فهذه جائفة؛ لأنها لا تصل إلى عظم، وإذا ضربه في ظهره في مكان لا ينتهي إلى عظم، في أماكن في الظهر ففيه ثلث الدية.
قال: [وصدر]، كذلك هناك أماكن في الصدر لا تنتهي إلى عظم.
قال: [وحلق ونحو ذلك] فإذاً: إذا جرحه وغار هذا الجرح، وكان لا ينتهي إلى عظم فهي جائفة، وفيها ثلث الدية.
قال: [وإن جرح جانباً فخرج من الآخر فجائفتان]، إذا أدخل السكين مثلاً من موضع، وخرجت من موضع آخر، أدخلها من طرف بطنه وخرجت من موضع آخر ففيه جائفتان، يعني: فيه ثلثا دية؛ لأنه كما لو جرحه من الأمام، وجرحه من الخلف، فما دام أنه جرحه فدخلت من طرف وخرجت من طرف، فذلك كما لو جرحه من هنا وجرحه من هنا، فهذا فيه ثلثا الدية.
قال: [ومن وطئ زوجة صغيرة لا يوطأ مثلها، كبنت سبع أو بنت ثمان].
يعني: لا يوطأ مثلها في العادة.
[فخرق ما بين مخرج بول ومني، أو ما بين السبيلين فعليه الدية إن لم يستمسك البول، وإلا فجائفة].
إذا وطئ هذه البنت التي لا يوطأ مثلها، وهي زوجته فننظر إن كان قد خرق ما بين السبيلين، أو خرق ما بين مدخل الذكر وما بين مخرج البول، فنقول: في ذلك ثلث الدية، لكن إن أصيبت بداء، وهو أن بولها أصبح لا يستمسك، فنقول: في ذلك الدية كاملة.
إذاً: إذا خرقها هكذا فهذه جائفة، وإن زاد على ذلك بأن صار بولها لا يستمسك ففيها الدية كاملة؛ لأن مثلها لا يوطأ، فكيف يطؤها ومثلها لا يوطأ، ولذا قال بعد ذلك: [وإن كانت الزوجة ممن يوطأ مثلها لمثله]، يعني: إذا كانت تصلح للوطء، [أو أجنبية] وليست زوجة [كبيرة مطاوعة، ولا شبهة]، ليس هناك شبهة في النكاح، [فوقع ذلك فهدر].
أي: إذا وطئ زوجته التي يوطأ مثلها، فحصل ما تقدم من الخرق، أو صار بولها لا يستمسك بسبب هذا الوطء فنقول: هذا هدر؛ لأنها قد أذنت، ومثلها يوطأ.
وكذلك [إن كانت أجنبية كبيرة مطاوعة] لأنها أذنت.
قول: [ولا شبهة]، أي: لا توجد شبهة نكاح، لكن لو كان هناك شبهة نكاح، فإنها تقول: إنما أذنت على أنه زوج، فبان غير زوجٍ، كما لو ظن أنها زوجته وظنت هي أنه زوجها فأذنت له بالوطء فحصل ما تقدم؛ فنقول: لها المهر، ولها كذلك ما تقدم، إما دية جائفة إن كان بولها يستمسك، وإما دية كاملة إن كان بولها لا يستمسك؛ لأن أذنها كان بقيد، وهو أنه زوجها، فبان أنه ليس زوجها.
لكنها لو كانت زانية قد أذنت بذلك فإنه لا شيء لها؛ لأنها كبيرة وقد أذنت.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 455
دليل الطالب_كتاب الديات [٤]
جريمة القتل يترتب عليها في الشريعة أحكام كثيرة، ومن ذلك أن القتل إذا كان خطأ أو شبه عمد كانت الدية على العاقلة، وليست في مال الجاني.
وأيضاً يجب به الكفارة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
стр. 456
أحكام العاقلة
стр. 457
تعريف العاقلة
الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب العاقلة].
العاقلة: من العقل، وهي الدية، وذلك لأنهم كانوا يعقلون الإبل عند أهل القتيل، وهو -أي: العقل- الحبل الذي تربط به رجل الناقة.
فالعاقلة إذاً من الدية، والدية يقال لها عقل؛ لأنها تكون في الإبل، وقد كانت الإبل تعقل عند أهل القتيل.
قال: [وهي.
أي: العاقلة: ذكور عصبة الجاني نسباً وولاءً.
أي: لا رحماً].
هذه هي العاقلة، فالعاقلة التي تتحمل كما تقدم دية الخطأ وشبه العمد هم عصبة القاتل الذكور، والعصبة كما تقدم في الفرائض تكون في النسب وفي الولاء لا في الرحم، يعني: لا يدخل الخال، ولا ابن الخال، لأنهم رحم، أما العم وابن العم، والأخ الشقيق، والأخ لأب، فهؤلاء يدخلون، لأنهم عصبة.
وقد جاء كما تقدم في الصحيحين في قصة الهذليتين اللتين اقتتلتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، وفيه: (أن النبي ﵊ قضى بأن دية المرأة على العاقلة) هذه هي العاقلة.
وقد جاء عند الخمسة إلا الترمذي: (أن النبي ﵊ قضى أن دية المرأة على عصبة القاتلة ولا يرثون منها شيئاً إلا ما فضل من ورثتها).
إذاً: العاقلة هم عصبة القاتل من الحواشي، ومن الأصول، ومن الفروع، فدخل في ذلك الأب والابن، والإخوة والأعمام، وتقدم إيضاح هذا في كتاب الفرائض، ولا يدخل في ذلك الجاني نفسه، وهذا هو ظاهر الحديث، وهو المشهور في المذهب؛ وذلك لأن النبي ﵊ قضى بأن دية المرأة على العاقلة، ولا يدخل هو في العاقلة، هذا هو ظاهر الحديث.
وكذلك الحديث الآخر الذي فيه: (أن النبي ﷺ قضى بدية المرأة على عصبة القاتلة) ولا يدخل الجاني نفسه على ظاهر هذا اللفظ.
وقال بعض العلماء، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي بل يدخل في ذلك الجاني، قالوا: لأنه أولى، والصحيح الأول؛ لظاهر الحديث كما تقدم؛ فإن ظاهر الحديث أنها تجب على عاقلته.
стр. 458
من لا تحملهم العاقلة
قال: [ولا تحمل العاقلة عمداً]، وقد صح ذلك عن ابن عباس ﵁ كما في البيهقي أنه قال: لا تحمل العاقلة عمداً، ولا اعترافاً، ولا صلحاً، ولا ما جنى المملوك -أي: ما جني على المملوك-.
كما قال ذلك الأصمعي وابن أبي ليلى وأبو عبيد.
فالعاقلة لا تتحمل هذه الأشياء، بل تكون على الجاني نفسه، فإذا قتل عمداً فعلى الجاني نفسه الدية ولا تكون على عاقلته، وإذا قتل عبداً وجبت قيمته على الجاني نفسه؛ وذلك لأن العبد مال فكان له مجرى سائر الأموال، كما لو أتلف سيارة أو أتلف حيواناً، أو غير ذلك؛ فإن ذلك يكون على الجاني المتلف فكذلك العبد؛ لأن العبد مال، ولذا لا تسمى دية في حقه، وإنما هي قيمة، وتختلف باختلاف صفاته، فقد تزيد وقد تنقص باختلاف صفاته، فهو مال يباع ويشترى.
قال: [ولا إقراراً]، إذا أقر على نفسه بقتل خطأ أو شبه عمد؛ فإن العاقلة لا تحمل ذلك، بل يتحمله هو؛ لئلا يكون ذلك طريقاً إلى الحيلة، كأن يأتي إلى القاضي ويقول: أنا أقر أني قتلت فلاناً، ويتفق هو وأهل الميت على أخذ الدية، ولا يكون هو القاتل، وعلى ذلك فإذا اعترف هو فإن العاقلة لا تحمل ذلك إلا إذا صدقته فإنها تحمل ذلك؛ لأن تصديقها يجعله كما لو ثبت القتل بالبينة، فما دام أنها تصدق فإن ذلك يكون كالبينة، ولأن الحيلة التي تخشاها كما تقدم قد زالت ولأن ما كنا نخشاه من التحايل في ذلك قد زال؛ لأنهم هم يصدقون، يعني: العصبة تصدق.
[ولا صلحاً]، فلو أن رجلاً أتي به إلى القاضي وقيل له: إنك قد قتلت فلاناً خطأً فقال: أنا لم أقتله، فقيل له: احلف! فقال: أنا لا أحب أن أحلف على شيء، لكن أتحمل الدية ولا أحلف، فهل تتحمل ذلك العاقلة؟ لا تتحمله العاقلة، بل يتحمل ذلك الجاني نفسه.
إذاً: إذا أقر أنه قتل عبداً ولم تصدقه العاقلة فإنه هو الذي يتحمل، أما إذا صدقته فإن العاقلة تتحمل.
كذلك: إذا قتل عمداً، فإن العاقلة لا تحمل ذلك، وكذلك الصلح، وكذلك ما دون الثلث من الدية، فهذه أربعة أشياء لا تحملها العاقلة كما هو المشهور في المذهب.
وهناك أثر عن عمر رواه ابن حزم في المحلى من طريق ابن وهب: لا تحمل العاقلة ما دون الثلث من الدية التامة، فما دون الثلث من الدية التامة لا تحمله العاقلة، ولقول النبي ﵊: (الثلث والثلث كثير) فما دون الثلث من الدية التامة لا تحمله العاقلة، فلو قطع أصبعاً خطأً ففيه عشر من الإبل، وثلث الدية التامة ثلاثة وثلاثون بعيراً وثلث؛ لأن الدية التامة مائة من الإبل، وهي دية المسلم الذكر.
وعلى ذلك: فإذا كانت الدية دون ثلاثٍ وثلاثين وثلث من الإبل؛ فإن الجاني نفسه يتحمل ذلك.
لو أنه قطع يد امرأةٍ مسلمة ففي ذلك نصف الدية، وديتها خمسون من الإبل، وعلى ذلك ففيه خمس وعشرون من الإبل، فهي دون ثلث الدية التامة، فيحملها الجاني نفسه كما تقدم، ولذا قال: [ولا ما دون ثلث دية ذكرٍ مسلم].
قال: [وتحمل الخطأ وشبه العمد]، العاقلة تحمل الخطأ، وتحمل شبه العمد، وتقدم ما يدل على ذلك، إذاً: لا نستثني إلا العمد.
قال: [مؤجلاً في ثلاث سنين]، أي: تؤجل الدية على العاقلة في ثلاث سنين، وتقدم ذكر هذا في درسٍ سابق.
قال: [وابتداؤه]، أي: ابتداء حول القتل [من الزهوق]، أي: زهوق النفس، وتقدم أيضاً شرح هذا، وأنه إذا مات في أول محرم فإن ثلث الدية يجب في واحد محرم من السنة التي بعدها وهكذا؛ حتى تنتهي السنون الثلاث.
قال: والجرح من البرء، أي: إذا كانت دية جرح فمن البرء.
стр. 459
يبدأ بالأقرب فالأقرب من العاقلة
قال: [ويبدأ بالأقرب فالأقرب كالإرث]، معلوم أن العصبة جهات، [فيبدأ بالأقرب فالأقرب]، وعلى ذلك فلا يؤخذ من الأعمام شيء مع وجود الإخوة وهكذا، فنبدأ في العاقلة بالأقرب فالأقرب، فلا نأخذ من جهة بعدى مع وجود جهة قربى، كالإرث.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الأحناف: أنه يؤخذ من الجميع، يعني: يحصر القاضي الذكور البالغين من عصبة هذا القاتل خطأً أو شبه عمد، من الأعمام وأبناء الأعمام والإخوة والأب والابن، وتقسم على الجميع، وهذا هو الراجح، وهو ظاهر الأدلة، لأن النبي ﷺ قضى به على العاقلة، وهؤلاء من العاقلة.
وأما القياس على الإرث فهو قياس مع الفارق؛ وذلك لأن الإرث لو أدخلنا فيه جميع العصبة لم يحصل لكل فرد منهم إلا الشيء اليسير، فيتوزع هذا المال الكثير على هذه الأعداد، ويكون كالضائع، لأنه يكون لكل واحد منهم الشيء اليسير.
وأما العصبة؛ فإنا إذا وزعنا ذلك على الجميع كان في ذلك تخفيف عليهم، وهذا القول هو القول الراجح في هذه المسألة.
قال: [ولا يعتبر أن يكونوا وارثين لمن يعقلون عنه، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب عقلوا]، وهذا للحديث المتقدم؛ لأن النبي ﵊ قال: (ولا يرثون منها شيئاً إلا ما فضل من ورثتها)، فقد يكون المال مستغرقاً بالفروض، ولا يبقى للمعصب شيء، فهذا المعصب الذي لا يأخذ شيئاً من الإرث يلزمه في باب العاقلة أن يشارك في العقل، وذلك للحديث المتقدم.
стр. 460
من لا يحمل الدية من العاقلة
قال: [ولا عقل على فقير]، الفقير لا يلزمه أن يدفع شيئاً من الديه؛ لأنه محتاج إلى المواساة.
قال: [وصبي]، الصبي ولو كان ذا مال كثير لا يلزمه شيء؛ لأنه ليس أهلاً للنصرة، ومبنى العاقلة على النصرة، وهذا لا ينصر، وهذا هو قول جمهور العلماء.
[ومجنون]: كذلك المجنون لا يعقل، يعني: لا يدفع شيئاً وإن كان من أقرب الناس إلى القاتل؛ وذلك لأنه ليس من أهل النصرة.
قال: [وامرأة]، كذلك المرأة ليست من أهل النصرة.
قال: [ولو معتقة]، يعني: ولو كانت هذه المرأة معتقة؛ لأنها عصبة، وذلك أن المرأة تكون عصبة بالعتق، ومع ذلك فإنها لا تدفع شيئاً في هذا الباب، وذلك لأنها ليست من أهل النصرة.
قال: [ومن لا عاقلة له]، إذا كانت عاقلته معدومة فما الحكم؟ [أو له عاقلة وعجزت]، أي: أن عاقلته كلها فقراء ليس فيهم قادر، [فلا دية عليه هو]، أي: الجاني، يعني: لا تكون الدية عليه، وإنما تكون في بيت المال، كما قال: [وتكون في بيت المال]، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين: (أن النبي ﵊ ودى قتيل خيبر بمائة من إبل الصدقة) يعني: من بيت المال.
إذاً: إذا كانت العاقلة معدومة أو كانت عاجزة فتكون الدية في بيت المال.
قال: [كدية من مات في زحمة كجمعة وطواف]، لو أن الناس ازدحموا في جمعة أو في طوافٍ أو في حج فتفرقوا عن ميت، فإن الدية في بيت المال، حتى لا يضيع دم المسلم هدراً.
قال: [فإن تعذر الأخذ منه]، يعني: من بيت المال، [سقطت]، أي: فلا ترجع على الجاني، ولا يطالب بها الجاني.
والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد: أنها تجب على القاتل نفسه، وهو مذهب الشافعية واختاره شيخ الإسلام، وهو الراجح، وذلك لأن الأصل في ضمان المتلفات أنها تكون على المتلف، ولأن الله قال: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢]، هذه الدية يجب أن تصل إلى أهل الميت، وهذا أثر فعله، وقد أوجبناها أولاً على العاقلة من باب التخفيف، ثم في بيت المال كذلك من باب التخفيف عليه، أما إذا لم يكن بيت مال ولا عاقلة فلا يضيع دم هذا المسلم هدراً، بل تجب على الجاني نفسه؛ لأن الله يقول: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢].
إذاً نقول: هي على العاقلة، ثم على بيت المال، ثم على الجاني نفسه.
следующие страницы →