← Джавами‘

Джавами‘ · id 37793

دروس الشيخ حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (802 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حكم اشتراط الغلق في الرهن وما يتعلق بذلك قال: [وإذا حل أجل الدين وكان الراهن قد شرط للمرتهن أنه إن لم يأته بحقه عند الحلول وإلا فالرهن له لم يصح الشرط]. هذا رجل اقترض ألف ريال، ووضع عند التاجر هاتفاً جوالاً يساوي مثلاً ألف ريال، قال: خذ هذا الجوال عندك، وإذا حل الأجل ولم آتك بألف ريال فالجوال لك، فيقول هنا: إن هذا الشرط لا يصح؛ لأن النبي ﵊ قال: (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه)، رواه الدارقطني. إذاً: ماذا يستفيد المرتهن من الرهن؟ يستفيد أنه إذا حل الأجل فإنا ننظر: فإن كان الراهن قد أذن له بالبيع باع وأخذ حقه وترك الباقي لصاحبه. وإن كان لم يأذن له بالبيع يخبره ليأتي ويبيع، فيقول المرتهن: أيها الراهن هذه أغنامك تعال فبعها وأعطني حقي وخذ الباقي لك. فإن أبى الراهن شكاه المرتهن إلى القاضي فيقول له القاضي: بع وأعط الرجل حقه، فإن قال: هذه أغنامي ولن أبيعها ولن أوفيه حقه الآن لأنه ليس عندي شيء، فإن القاضي يحبسه ويعزره على البيع. فإذا أبى بعد الحبس والتعزير فإن القاضي يبيع ويعطي المرتهن حقه والباقي يعطيه للراهن. ولذا قال: [بل يلزمه الوفاء، أو يأذن للمرتهن في بيع الرهن، أو يبيعه هو بنفسه ليوفيه حقه، فإن أبى حبس أو عزر]، يعني أدب، أي: أدبه القاضي، [فإن أصر باعه الحاكم]، يعني يبيعه القاضي ويعطيه حقه.

стр. 37

حكم الانتفاع بالرهن مقابل النفقة والإنفاق عليه بلا إذن قال: [فصل: وللمرتهن ركوب الرهن وحلبه بقدر نفقته بلا إذن الراهن ولو حاضراً]. إذا رهنت وقلت: يا فلان هذه ناقتي رهن عندك أو هذه بقرتي رهن عندك، فله أن يركب هذه الناقة وله أن يشرب لبنها، وله كذلك أن يشرب من لبن البقرة بشرط أن ينفق عليها، أي يعلفها؛ لأن النبي ﵊ قال: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً)، يعني مقابل النفقة، (ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة). قال: [وله الانتفاع به مجاناً بإذن الراهن]، لو كان الراهن يقول: أنا سآتي بالنفقة، هذه دابتي وأنا أحضر علفها، وقد أذنت لك بأن تشرب لبنها، فلا بأس بذلك، إلا أن يكون الدين قرضاً؛ لأنه إذا كان قرضاً فيكون قرضاً جر نفعاً، لكن هذا لو كان في بيع، كأن باعه سيارة إلى سنة فإنه يجوز أن ينتفع بها مجاناً. قال: [لكن يصير مضموناً عليه بالانتفاع]، هناك قلنا إن المرتهن لا يضمن؛ لكن هنا لما أصبح ينتفع به فإنه يضمن لأنه ينتفع. قال: [ومؤنة الرهن وأجرة مخزنه وأجرة رده من إباقه على مالكه]. أجرة رده من إباقه: يعني من هروبه، فالعبد إذا هرب فأجرة الرد على المالك. والمالك هو الذي يتحمل النفقة، ويتحمل أجرة المخزن إذا كان الرهن يحتاج إلى حفظ في مخازن، لأن هذا ملكه فيجب أن ينفق عليه، ولا تكون النفقة على المرتهن، إلا إذا كان المرتهن ينفق ليركب أو ليشرب كما تقدم. قال: [وإن أنفق المرتهن على الرهن بلا إذن الراهن مع قدرته على استئذانه فمتبرع]. هذا المرتهن وضعت عنده مائة رأس من الغنم رهناً، فصار يشتري لها أعلافاً ويشتري لها ما تحتاج إليه، نقول: هذا الرجل يعد متبرعاً ليس له الحق في الرجوع إلا أن يستأذن الراهن، أو يكون الراهن بعيداً لا يقدر على استئذانه، كأنه انقطعت أخباره وقد ترك عنده هذه الأغنام فنقول: أنفق عليها ولك أن تنوي الرجوع. إذاً: المرتهن التاجر إذا أنفق على الرهن من حيوان ونحوه، فله أن يطالب بحقه من النفقة، إلا إذا لم يستأذن الراهن مع قدرته على الاستئذان فليس له أن يطالب.

стр. 38

حكم البينة على من ادعى رد العين مع إنكار المالك قال: [فصل، من قبض العين لحظ نفسه كمرتهن وأجير ومستأجر ومشتر وبائع وغاصب وملتقط ومقترض ومضارب، وادعى الرد للمالك فأنكره لم يقبل قوله إلا ببينة]. لأن هذه العين قد قبضها لحظ نفسه، فالمستأجر إذا استأجر منك سيارة، فهو قد قبضها لحظ نفسه، فإذا ادعى الرد وأنكرت فقلت: إنك لم ترد إلي، فإنه يُطالَبُ بالبينة؛ لأن الأصل عدم الرد، إذاً: لابد من بينة. قال: [وكذا مودع ووكيل ووصى ودلال بجعل إذا ادعى الرد]. مثال المودع: إذا وضعت أمانة عند رجل، وقال: أنا أحفظ أمانتك بشرط أن تدفع لي ألف ريال. أو وكيل: كأن وكلت رجلاً بمبلغ مقابل وكالته أن يحمل هذا الدين ويسدده فلاناً فلم يجده وادعى أنه رده لك. وكذلك الوصي والدلال، وهو الذي يعرض السلع للبيع، فإذا كان ذلك مقابل جعل وادعى أنه رد إليك حقك، فنطالبه بالبينة ولا تكفي يمينه؛ لأن هذا الشيء كان عنده لحظ نفسه، وهو أنه يستفيد جعلاً. قال: [وبلا جعل يقبل قوله بيمينه]، إذا كان الدلال يحرج مجاناً ووضعت عنده شيء يحرج عليه وقلت له: بعه وأعطني حقي، فلما أتيت قال: أنا رددته لك، فترافعتما إلى القاضي، فإن القاضي يطالبه باليمين فقط، لأنه لا يأخذ جعلاً على دلالته، أما إذا كان يأخذ جعلاً فإنه يطالبه بالبينة. وبهذا ننتهي من هذا المنهج ونختم هذه الدروس، سائلين الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.

стр. 39

الأسئلة

стр. 40

الفرق بين الدين والقرض السؤال ما الفرق بين الدين والقرض؟ الجواب في القرض يدفع لك ما يستفيد شيئاً، مائة ألف ريال بمائة ألف ريال، أما الدين فيبيع لك سيارة تساوي أربعين ألف بخمسين ألفاً إلى سنة، فهذا بيع. أنت الآن تحتاج إلى هذا الكتاب، والكتاب يساوي عشرة ريالات، فيبيعه لك هذا الرجل بخمسة عشر ريالاً إلى سنة، هذا بيع. أما في القرض فلا يستفيد المقرض، لأن المقرض محسن، يعطيك عشرة آلاف ريال ويأخذ منك عشرة آلاف ريال.

стр. 41

حكم المطالبة بالقرض قبل الأجل السؤال ذكرت أن القرض إلى أجل يصح، فهل معناه أنه لا تجوز المطالبة قبل الأجل؟ الجواب يجوز أن يطالبه قبل الأجل، نحن لا نقول إنه لا يجوز، لكن نقول: المقترض لا يلزم بالسداد.

стр. 42

حكم القروض مع الفائدة لبناء البيوت السؤال هل ما يؤخذ من قروض من البنوك بغرض بناء البيوت لأجل السكن فقط لا للتجارة، وذلك مع اشتراط زيادة لأجل التقسيط؛ هل يعد ربا؟ الجواب نعم، إن كان قرضاً فهو ربا، يعطيك البنك مائة ألف ويأخذ مائة وعشرة حتى لو كان لبناء بيت هذا يعد ربا.

стр. 43

حكم شراء السيارات من البنوك الإسلامية بالتأجيل السؤال ما حكم شراء سيارة من بنك إسلامي؟ الجواب الآن شراء السيارات من البنوك الإسلامية إذا كان على طريق المرابحة والبنك يملك السيارة فلا بأس.

стр. 44

حكم الانتفاع بالرهن في البيع والقرض السؤال هل يجوز للمرتهن أن يتصرف بالشيء المرهون؛ كأن يترهن سيارة، فهل يجوز قيادة السيارة، ولا يكون قرضاً جر نفعاً؟ الجواب يجوز أن يقود السيارة إذا أذنت له مجاناً. وأما: هل هذا من القرض الذي يجر نفعاً فنقول: إذا كان الذي بينك وبينه قرض فلا يجوز ذلك، وإذا كان الذي بينك وبينه ثمن مبيع فيجوز، كما لو اشتريت منه بيتاً يساوي خمسمائة ألف إلى سنة بستمائة ألف، فهذا جائز.

стр. 45

دليل الطالب_كتاب الخلع مما يقع به التفريق بين الزوجين الخلع، لكنه يقع بطلب من المرأة عند كراهتها لبيت الزوجية، فتبذل للزوج عوضاً على أن يخالعها، وهو فسخ لا ينقص به عدد الطلاق؛ لكن إذا تحققت شروطه.

стр. 46

تعريف الخلع ودلائل مشروعيته بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: نتدارس في هذه الدورة المباركة إن شاء الله تعالى كتاب الخلع وكتاب الطلاق وما يتيسر من كتب لها تعلق بهذه المسائل، ونسأل الله أن يجعل هذه الدروس في هذه الدورة مباركة على من حضرها وحاضر فيها ونظم وأعان، إنه مجيب الدعاء. ونسأل الله جل وعلا أن يفقهنا وإياكم في دينه وأن يبصرنا في شريعته إنه سميع الدعاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الدليل: [كتاب الخلع]. الخلع هو: فراق الزوجة بعوض يأخذه الزوج منها أو من غيرها، فهو فراق من قبل الزوج بعوض، فتدفع هذه المرأة عوضاً لزوجها أو يدفع عنها هذا العوض أجنبي. وسمي خلعاً؛ لأن المرأة لباس للرجل، وهو لباس لها، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، فإذا فارقته بعوض تدفعه فكأنها خلعت ثوبها الذي لبسته، أي أنه سمي بالخلع لأن المرأة تفارق هذا الزوج الذي هو لباس لها. والأصل في الخلع قصة امرأة ثابت بن قيس ﵁، فإنها أتت إلى النبي ﵊ فقالت: (يا رسول الله! إني لا أنقم على ثابت في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام)، يعني: أكره أن أسيء عشرته، وسوء العشرة من المرأة من الكفر الأصغر، فهي تكره الكفر في الإسلام. فقال النبي ﵊: (أتردين إليه حديقته؟ قالت: نعم، فقال النبي ﵊: خذ الحديقة وطلقها تطليقة) متفق عليه. وفي النسائي: (أن النبي ﵊ أمرها أن تعتد بحيضة). وفي ابن ماجة أن النبي ﵊ قال: (ولا يزداد)، يعني: على الحديقة التي هي مهر لها. هذا الحديث هو الأصل في باب الخلع. وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩].

стр. 47

حكم الخلع

стр. 48

حكم طلب المرأة للخلع الخلع إنما يباح للمرأة إذا كان في خلق الزوج أو في خلقه -أي: في صورته الظاهرة- ما يجعل المرأة لا تقدر على أن تقيم حياتها معه، فيكون في خُلُقه أو في خَلْقه ما تكره معه المرأة عشرة الرجل، فإذا كرهت المرأة خُلق زوجها أو خَلقه أو دينه أو كرهته لكبر سنه أو لضعفه أو لنحو ذلك جاز لها الخلع، لحديث امرأة ثابت المتقدم. فإن كانت الحال مستقيمة لكن المرأة امرأة ذواقة ولا تصبر على الحياة الزوجية، فهنا قال الفقهاء: يكره لها الخلع، لقول النبي ﵊: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة)، رواه أحمد والأربعة. الفقهاء في المشهور في مذهب أحمد وغيره قالوا: إذا كانت الحال مستقيمة يكره الخلع، وقال بعض العلماء وهو اختيار الموفق وقول ابن المنذر: بل يحرم للحديث. وهذا أصح. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه الترمذي: (المختلعات هن المنافقات)، فإذا كانت المرأة من هذا النوع لا تصبر على الارتباط بالزوج، وليس هناك ما يدعو للطلاق لا في خلقه ولا في دينه ولا في أي أمر آخر يقتضي أن تكرهه المرأة، لكنها تريد أن تغير زوجها وأن تنتقل من عصمة زوج إلى عصمة آخر تذوقاً، فإن الصحيح أن ذلك لا يجوز لما تقدم تقريره، وهو اختيار الموفق وقول ابن المنذر رحمه الله تعالى.

стр. 49

حكم إجابة الزوج المرأة للخلع إذا طلبت المرأة الخلع فقالت: أريد أن أدفع لك عوضاً على أن تفارقني وكان هناك ما يبيح لها الخلع مما تقدم ذكره، فيستحب للزوج في المشهور في المذهب أن يجيبها فيخلعها، وعلى ذلك فالقاضي لا يلزمه؛ لأن الأمر إنما هو للاستحباب. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: في موضع -فهو أحد القولين له ﵀ أن ذلك يجب، وألزم به بعض حكام الشام من الحنابلة، وهذا هو الأظهر، وهو ظاهر قول النبي ﵊: (خذ الحديقة وطلقها تطليقة)، وظاهر الأمر الوجوب؛ ولأن في ذلك دفع ضرر عنها، والنبي ﵊ يقول: (لا ضرر ولا ضرار)، فالذي يترجح أنه يجب قبول الخلع، أي: يجب أن يجيبها الزوج إلى ذلك، فإن خالع وإلا فإن القاضي يلزمه، وذلك إذا تبين للقاضي أن هناك ما يبيح لها ذلك، وأما إذا كانت المرأة تطلبه وليس لها ما يبيح ذلك فإن ذلك يحرم كما تقدم تقريره.

стр. 50

شروط الخلع

стр. 51

أن يقع الخلع من زوج يصح طلاقه قال: [وشروطه سبعة: الأول: أن يقع من زوج يصح طلاقه]، وقد قال النبي ﵊ فيما رواه ابن ماجة وغيره: (الطلاق لمن أخذ بالساق)، وهو المميز الذي يعقل الطلاق، فإذا كان مميزاً وهو من تم له سبع سنين ويعقل الطلاق بأن يعرف ما الذي يترتب على الطلاق من فراق المرأة، فهذا هو الذي يصح طلاقه، وكذلك يصح خلعه من باب الأولى؛ لأن الخلع بعوض، فله فيه مصلحة، بخلاف الطلاق فإنه فراق بلا عوض.

стр. 52

أن يكون الخلع على عوض ثم قال: [الثاني: أن يكون على عوض]، هذا هو الشرط الثاني: أن يكون على عوض، فإن كان الخلع على غير عوض فلا يصح، لو قالت المرأة: اخلعني يا فلان بمائة ألف فقال: خلعتك مجاناً، نقول: هذا ليس بخلع، إذا أردت فطلق وقل: أنت طالق، أما الخلع فلابد أن يكون بعوض، وعلى ذلك فلا يصح الخلع مجاناً. قال: لكن لو قال: خلعتك وقد نوى به الطلاق، فهذا طلاق. قال: [ولو مجهولاً]، أي: ولو كان العوض مجهولاً؛ لأن الخلع فيه إسقاط للحق، فاغتفر فيه كعقود التبرعات. وعلى ذلك لو قالت المرأة: طلقني ولك ما في هذه الحقيبة، وقد يكون فيها مائة ألف، وقد يكون فيها ألف، وقد لا يكون فيها إلا عشرة دراهم، وقد يكون فيها قطعة ذهب، فإذا طلقها على ما في هذه الحقيبة جاز. ولذا قال المؤلف: (ولو كان مجهولاً)، فيغتفر فيه هذا لأنه من باب الإسقاط، فهو يسقط حقه، فلم يشترط العلم به بخلاف البيع. قال: [ممن يصح تبرعه من أجنبي وزوجة]، أي: لابد أن يدفع هذا العوض ممن يصح تبرعه، فإذا كانت الزوجة لا يصح تبرعها فلا يصح دفعها للخلع، وعلى ذلك فالثمن مردود والخلع باطل، كما لو كانت المرأة صبية غير مكلفة، أو كانت غير رشيدة أو كانت المرأة محجوراً عليها. تزوج امرأة عمرها مثلاً عشر سنوات، ولم تبلغ بعد، أو قد بلغت لكنها ليست رشيدة، فقالت له: طلقني، فقال: أعطيني الذهب وأطلقك، فدفعت له حليها وخلعها، لم يصح ذلك، لأنها غير مكلفة، وكذلك إذا كانت مكلفة وليست رشيدة؛ لأن تبرعها لا يصح، فكذلك دفعها لعوض الخلع. وكذلك الأجنبي، فلو قال أخوها: أنا أدفع العوض وكان ابن عشر سنين مثلاً ولم يبلغ بعد، أو بلغ لكنه غير رشيد أو كان محجوراً عليه، لم يصح، فمن لا يصح تبرعه لا يصح دفعه للعوض. قال: [لكن لو عضلها ظلماً لتختلع لم يصح]، وهذا كرجل خلع امرأته ودفعت له العوض لكن ذلك ثمرة عضلها، والإضرار بها، فقد ضار بالمرأة وعضلها ومنعها حقوقها، كالنفقة أو المبيت عندها، أو أساء عشرتها فضربها يريد أن تطلب منه الخلع، ليأخذ الثمن الذي أعطاها إياه، فهذا لا يجوز، قال تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]. وعلى ذلك فالثمن مردود والخلع باطل والزوجية على حالها. والحاصل أنه إذا خلعها بعد أن ضار بها وعضلها لتدفع له شيئاً مما آتاها، فدفعت لتتخلص من هذا الظلم وهذا العذاب الذي لحقها، فهنا نقول: الخلع باطل، والمرأة لا تزال في ذمته وليست بائناً منه والثمن مردود. فإن ظلمها لا لتفتدي منه؛ لكنها افتدت منه، صح في المشهور من المذهب. هذا رجل ظلم امرأته وآذاها وبخسها حقها من مبيت أو نفقة أو غير ذلك، فأرادت المرأة أن تتخلص من هذا الظلم، فقالت: خذ ما دفعته وطلقني، ولم يكن قد نوى بهذا العضل والمضارة لكن هذا هو طبعه، أو أنه قد حصل منه ظلم لكراهيته لها، لكنه لم يكن ينوي أن يأخذ منها مهره، فما الحكم؟ قال المؤلف هنا: (لكن لو عضلها ظلماً لتختلع لم يصح) ومفهومه أنه لو عضلها ظلماً لا لتختلع فاختلعت فالمشهور في المذهب أن الخلع يصح، والثمن لا يرد، لكنه آثم لظلمه. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه المسألة كتلك، وذلك لأن هذا الخلع هو ثمرة هذا الظلم، فالظلم سبب للخلع، وهذا هو الراجح. إذاً: إن عضلها لتفتدي منه فافتدت فالخلع باطل والثمن مردود، فإن عضلها لا لتفتدي لكنها افتدت فعلى قولين: القول الأول: أن الخلع يصح، ولكنه آثم لظلمه. والقول الثاني وهو الراجح: أن الخلع باطل والثمن مردود، ونقول له: إما أن تحسن عشرتها وإما أن تطلقها، وهذا هو القول الراجح؛ لأن هذا الخلع سببه الظلم، وعلى ذلك فلا يحل له أن يأخذ هذا المال؛ لأن هذا المال الذي أخذه سببه هذا الظلم الذي حصل منه.

стр. 53

أن يقع الخلع منجزاً قال: [الثالث: أن يقع منجزاً]، لو قال: يا فلانة إن دفعت لي عشرة آلاف ريال فقد خالعتك، فهذا خلع معلق؛ لأن معناه: إن دفعت لي عشرة آلاف ولو بعد شهر أو سنة فقد خالعتك، قال الفقهاء: لا يصح ذلك، وعلى ذلك فإذا دفعت له المبلغ فله أن يخالعها وله أن لا يخالعها. والقول الثاني في المسألة وهو الراجح: أن الخلع يصح معلقاً، لأنه لا دليل على المنع من ذلك، فإذا قال: يا فلانة إن دفعت لي كذا وكذا فقد خالعتك، فإذا دفعت إليه فإنها تكون مختلعة، وعلى ذلك فلا يشترط التنجيز، بل يجوز التعليق.

стр. 54

أن يقع الخلع على جميع الزوجة قال: [الرابع: أن يقع على جميع الزوجة]، فلا يصح أن يقع الخلع على بعضها، يعني: لو قال: خالعت نصفك، لم يصح، لأن المرأة لا تتبعض حلاً وحرمة.

стр. 55

ألا يقع الخلع حيلة لإسقاط يمين الطلاق قال: [الخامس: أن لا يقع حيلة لإسقاط يمين الطلاق]، هذا رجل حلف فقال: يا فلانة إن سافرت إلى البلد الفلانية فأنت طالق، فضاق عليه الأمر وهو يريدها أن تسافر، فاحتال بالخلع، فقال: أعطيني عشرة ريالات وتكونين مختلعة مني ثم سافري، ثم بعد ذلك أعقد عليك،، فهذه حيلة يريد بها أن تفعل ما حلف هو ألا تفعله، ولكن تفعله حال كونها بائناً منه، هذه حيلة باطلة والحيلة لا تحل ما حرم الله، وذلك لأن هذا الخلع ليس المقصود منه فراق المرأة بل المقصود منه الإبقاء عليها، والخلع إنما يقصد منه الفراق، ومسألة الحلف بالطلاق يأتي الكلام عليها إن شاء الله؛ لكن هذه المسألة تبنى على مذهب الجمهور من أن يمين الطلاق يقع بها الطلاق، ويأتي اختيار شيخ الإسلام وطائفة من أهل العلم من أن يمين الطلاق إذا كان لا يقصد منها الطلاق وإنما يقصد منها المنع أو الحث أو التأكيد، فإنها يمين فيها الكفارة.

стр. 56

ألا يقع الخلع بلفظ الطلاق قال: [السادس: أن لا يقع بلفظ الطلاق بل بصيغته الموضوعة له]، كأن يقول: خالعتك، فلو دفعت له الدراهم وقال: طلقتك، فالمشهور في المذهب أنها تحسب طلقة، والخلع كما سيأتي فسخ لا ينقص به عدد الطلاق، لكن إذا كان بلفظ الطلاق فإنه يحتسب من الطلاق. دفعت له الدراهم وقال: أنت طالق، ثم بدا له أن ينكحها، فنكحها بولي وشاهدي عدل وتوفرت شروط النكاح وتوفرت أركانه، فإنها تحسب عليه طلقة ويبقى له طلقتان، وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن قيم الجوزية أن الخلع ولو كان بلفظ الطلاق فهو خلع لا ينقص به عدد الطلاق، وهذا هو الراجح وذلك لأن الخلع فسخ، وهو طلاق مقيد لأنه مقيد بعوض، وليس هو الطلاق المطلق الذي لا عوض فيه، ففرق بين هذا وهذا، ولذا فإن الله جل وعلا قال في كتابه الكريم: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة:٢٣٠]. فالخلع ليس بطلاق لأن الخلع لو كان طلاقاً لكان قد طلقها أربعاً، فقال الله جل وعلا: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة:٢٣٠] ففرق الشارع بين الطلاق وبين الخلع. والعبرة بالمعاني والمقاصد، لا بالألفاظ والمباني، فهذا طلاق على عوض وليس هو الطلاق المطلق الذي لا عوض فيه، وعلى ذلك فالصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ورواية عن الإمام أحمد أن الخلع فسخ لا ينقص به عدد الطلاق وإن كان بلفظ الطلاق. ويدل على هذا أن النبي ﵊ قال للمرأة كما في الحديث المتقدم: (أتردين إليه حديقته؟ قالت: نعم، قال: خذ الحديقة وطلقها تطليقة)، وقال في النسائي: (أن النبي ﷺ أمرها أن تعتد بحيضة)، والطلاق عدته ثلاث حيض اتفاقاً، وقد قال: (طلقها تطليقة). فدل ذلك على أن الخلع ولو كان لفظ الطلاق فهو فسخ، ولذا فإن المرأة تعتد بحيضة كما سيأتي تقريره إن شاء الله في كتاب العدد.

стр. 57

ألا ينوي بالخلع الطلاق ثم قال ﵀: [السابع: أن لا ينوي به الطلاق]، فإن قال: خالعتك ونوى به الطلاق فهو طلاق، هذا كله على المشهور في المذهب، والصحيح أنه لو نوى به الطلاق، بل ولو كان بلفظ الطلاق فهو فسخ، لا ينقص به عدد الطلاق.

стр. 58

الخلع فسخ لا ينقض عدد الطلاق قال: [فمتى توفرت الشروط كان فسخاً بائناً لا ينقص به عدد الطلاق]، إذا كان الخلع بلفظ الخلع ولم ينو به الطلاق فهو فسخ تبين به المرأة بينونة صغرى ولا ينقص به عدد الطلاق، وهذه مسألة تحتاج إلى توضيح، وأوضح هذا بذكر أن المسألة لها صور: الصورة الأولى: قال: يا فلانة أعطيني المهر الذي دفعته لك وأخالعك، فقالت: هذا هو المهر، فقال: قد خالعتك، فما الحكم؟ نقول: تبين منه المرأة بينونة صغرى، ومعنى ذلك أنها لا تحل له إلا بعقد جديد ومهر جديد وولي وغير ذلك من الشروط والأركان، ولا نقول: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. لو أنه خطبها بعد ذلك ورضيت به وصلح أمرهما وعقد عليها برضاها، ولم يكن قد طلقها قبل ذلك، فإنه يبقى له من الطلاق ثلاث، هذا هو المشهور في المذهب. نأتي إلى الصورة الثانية: إذا قال: يا فلانة أعطيني الدراهم التي دفعتها مهراً لك وأطلقك أو أخالعك، فقالت: خذ هذه الدراهم، فقال: أنت طالق، فعلى القول الثاني وهو الراجح في هذه المسألة أن حكمها كالمسألة السابقة ولا فرق، هذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. أما المشهور في المذهب فقالوا: إن هذه تحسب عليه طلقة، وتبين منه بينونة صغرى، فإذا عقد عليها بعد ذلك بعقد جديد فنقول: أنت في رصيدك طلقة وبقي لك طلقتان.

стр. 59

صيغ الخلع قال: [وصيغته الصريحة لا تحتاج إلى نية]، فإذا قال: خالعتك، فهذه صيغة صريحة، وأبنتك صيغة صريحة فلا تحتاج إلى نية. قال: [وهي: خلعت وفسخت وفاديت]، وهذه الألفاظ التي ذكرها المؤلف على المشهور في المذهب كلها ألفاظ صريحة لا تحتاج إلى نية، لأن اللفظ الصريح يغني عن النية. قال: [والكناية باريتك وأبرأتك وأبنتك]، فأبنتك هنا عندهم تحتمل الخلع وتحتمل الطلاق، وإذا قلنا على الراجح أنه لا فرق وأنه ولو كان بلفظ الطلاق فلا فرق بين (أبنتك) و (خالعتك). هنا المشهور في المذهب في قوله (أبرأتك) أنه: لابد من نية لأنها تحتمل الخلع وتحتمل غيره. قال: [فمع سؤال الخلع وبذل العوض يصح بلا نية]؛ لأن هذه قرينة، كون المرأة تسأله الخلع وتدفع له عوضاً فهذه قرينة تكفي عن النية، قال: [وإلا فلابد منها]، أي: النية. إذاً: إذا كان اللفظ صريحاً فيكفي، وإذا كان اللفظ ليس بصريح فلابد من نية الخلع، فإذا قال: أبنتك فلابد أن يكون قد نوى في قلبه الخلع. ويكفي عن النية هنا قرينة الحال، فسؤال المرأة الخلع قرينة حال، ودفعها للعوض قرينة حال. قال: [ويصح بكل لغة من أهلها كالطلاق]، لأن لفظ الخلع ليس من الألفاظ التي نتعبد بها، بل يصح الطلاق بكل لغة، وكذلك الخلع. ومن الفروق بين الخلع والطلاق أن الطلاق منه ما هو بدعي ومنه ما هو سني، ومن البدعي طلاق المرأة حال حيضها، وطلاق المرأة حال طهرها الذي جومعت فيه، وأما الخلع فإن هذا لا يكره، فإن هاتين الحالتين لا يكره فيهما الخلع، فله أن يخلع المرأة وهي حائض وله أن يخلعها في طهر قد جامعها فيه، وذلك لأن النبي ﷺ لم يسأل المرأة المختلعة هل هي حائض أم طاهر، وهل هي في طهر قد جومعت فيه أم لا، كما أرشد ابن عمر ﵁ في طلاقه إلى ذلك. ولأن المرأة المختلعة تريد أن تدفع الضرر عن نفسها وهي لا تطيق هذا الزوج ولا تقدر أن تتربص حتى تطهر من حيضها لكراهيتها له، وقد تكون الحال تقتضي ذلك، لأن مسائل الخلع قد يدخل فيها الشفعاء أو غيرهم، وعلى ذلك فدفع الضرر عن المرأة يناسب أن يكون الحكم في الخلع في هاتين المسألتين ليس كالحكم في الطلاق، وعلى ذلك فلا يكره أن يخلعها في حال حيضها ولا في طهر قد جامعها فيه، وهذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره. ونقف عند هذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 60

دليل الطالب_كتاب الطلاق [١] من أعظم الأبواب الفقهية التي يجب أن يتعلم المسلم أحكامها أبواب الطلاق، فيتفقه في معنى الطلاق وأحكامه من وجوب وكراهة وسنة وإباحة وحرمة، ومن يقع طلاقه ومن لا يقع طلاقه، وغير ذلك من الأحكام فلا يقع في إشكال من غير علم.

стр. 61

تعريف الطلاق وبيان ما يحل منه وما يحرم

стр. 62

تعريف الطلاق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الطلاق]. الطلاق في اللغة هو التخلية. وفي الاصطلاح: هو حل عقد النكاح أو بعضه. فإذا طلقها ثلاثاً فقد حل عقد النكاح كله، وإذا طلقها واحدة أو اثنتين فقد حل بعضه.

стр. 63

الطلاق المباح والمسنون والواجب قال المؤلف: [يباح لسوء عشرة الزوجة]، أي: يباح للحاجة، فالطلاق مباح عند الحاجة، فإذا كانت المرأة سيئة العشرة جاز له أن يطلقها. قال: [ويسن إن تركت الصلاة ونحوها]، إن تركت الصلاة فيسن طلاقها، وهناك رواية عن الإمام أحمد أنه يجب الطلاق. فإذا كانت المرأة لا تصلي بالكلية فالصحيح أن الطلاق واجب إذا لم يستطع تقويمها، وأما إذا كانت لا تترك الصلاة بالكلية لكن تصلي وتترك، أو تفرط في بعض الواجبات الشرعية الأخرى فإن طلاقها يسن، إلا أن يخشى أن تفسد عليه دينه، فيجب ليحفظ على نفسه دينه. إذاً: إن كانت المرأة تاركة للصلاة بالكلية فإنه يجب فراقها، وإن كانت تترك بعض الصلوات أحياناً أو كانت تفرط في بعض الواجبات الشرعية، فيستحب طلاقها إذا لم يقدر على تقويمها. وإن كان يخشى على دينه لأن بعض النساء تفسد عليه دينه وتوقعه في المحرمات بتزيينها في نفسه ويخشى أن تفتنه في دينه فهي امرأة فاسقة فيجب طلاقها سداً للذريعة.

стр. 64

الطلاق المكروه والمحرم قال: [ويكره من غير حاجة]، إذا لم يكن هناك حاجة للطلاق، بأن لم يكن له مبرر، فإنه يكره، وهذا هو قول الجمهور، لما روى أبو داود في سننه أن النبي ﵊ قال: (أبغض الحلال عند الله الطلاق)، وهذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، والصواب أنه مرسل كما رجح ذلك أبو حاتم والدارقطني والبيهقي. وعند البزار: (لا تطلق المرأة إلا من ريبة، فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات)، لكن الحديث إسناده ضعيف أيضاً. ولأن الطلاق تفوت به المصالح. وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: بل يحرم الطلاق بلا حاجة، وهذا أصح. وذلك لأن طلاق المرأة أشد من إتلاف المال، وإتلاف المال بلا فائدة حرام، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعته، فإذا كان إتلاف المال حرام عبثاً بلا حاجة، فأولى من ذلك طلاق المرأة لأن فيه إزالة ملكه لبضعها، ويترتب على ذلك تفويت مصالح شرعية كثيرة فهو أولى من إتلاف المال بالتحريم. قال: [ويحرم في الحيض ونحوه] كما سيأتي.

стр. 65

حكم طلاق المولي بعد التربص قال: [ويجب على المولي بعد التربص]، إذا حلف ألا يطأ امرأته فإنه يتربص أربعة أشهر، ونقول له: إما أن تفيء وإما أن تطلق، فإن أبى الفيئة وجب عليه الطلاق. وعلى ذلك فالأحكام الخمسة كلها ثبتت في الطلاق، فيباح في أحوال، ويستحب في أحوال، ويجب في أحوال، ويحرم في أحوال، ويكره في أحوال.

стр. 66

حكم طاعة الوالدين في طلاق الزوجة وهل يجب أن يطلق المرأة إذا أمره أحد والديه بذلك؟ المشهور في المذهب الحنبلي أنه لا يجب عليه أن يطلق إذا أمره أبوه أو أمرته أمه بذلك، وعن الإمام أحمد أنه إن أمره أبوه بذلك وجب أن يطلق إذا كان أبوه معروفاً بتحريه للعدل، وليس بمتبع لهواه في هذه المسألة، وهو يراعي المصلحة لابنه، ويدل على ذلك ما رواه الخمسة إلا النسائي عن ابن عمر ﵁ قال: (كانت لي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها فأبيت، فذكر ذلك للنبي ﵊ فقال: طلقها)، فإذا كان الأب معروفاً بتحري العدل ومراعاة المصلحة ويعرف ابنه فيه ذلك فإنه يجب أن يطيع أباه. فالأب قد يخفي عنه بعض الشيء، والنبي ﷺ يقول: (أنت ومالك لأبيك)، ويقول: (الولد كسب أبيه)، وأما الأم فلا، لأن الأم ليست كالأب في مراعاة مصلحة الابن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وليس تطليقه لامرأته من برها، وذلك لأن الطاعة بالمعروف وليس من المعروف أمره بتطليق امرأته، بل ذلك من المنكر. قال: [قيل: وعلى من يعلم بفجور زوجته] إذا كان يعلم بفجور زوجته وجب أن يطلقها، وهو رواية عن أحمد واختار هذا شيخ الإسلام والشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وهذا هو الراجح لئلا يكون ديوثاً، فإذا علم أن المرأة فاجرة، بمعنى أنها تأتي الفاحشة؛ فإنه يجب أن يطلقها.

стр. 67

من يقع طلاقه ومن لا يقع طلاقه

стр. 68

حكم طلاق المميز قال: [ويقع طلاق المميز إن عقل الطلاق]. المميز هو ابن سبع سنين، فإن كان يعقل الطلاق، أي: يعرف ما الذي يترتب على الطلاق من فراق المرأة، وأنها إن انقضت عدتها فلا تحل له، وإن كان الطلاق ثلاثاً فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وإن كان الطلاق لواحدة أو اثنتين وخرجت من عدتها فلا تحل له إلا بعقد وفيه مهر؛ فإذا كان يعقل ذلك فإن طلاقه يقع، وإن كان هذا الصبي المميز لا يعقل الطلاق ولا يعرف ماذا يترتب عليه، كأن يطلقها ثم إذا جاء من الغد قال: أريد فلانة، قالوا: أنت طلقتها، قال: ما عرفت أن الطلاق يترتب عليه ذلك، فإذا كان لا يعقل فإنه لا يقع طلاقه، وأما إذا كان يعقل الطلاق فإن طلاقه يقع. وقد قال النبي ﵊ فيما رواه ابن ماجه وغيره: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق). وقال علي ﵁ كما في مصنف ابن أبي شيبة: (اكتموا الصبيان الطلاق)، وهذا مفهومه أنه يقع طلاقهم، ولذا أمر علي ﵁ أن يكتموه لئلا تدرج ألسنتهم عليه فيقع. وقال الجمهور إنه لا يقع إلا طلاق المكلف البالغ العاقل، واستدلوا بحديث (رفع القلم عن ثلاثة). والذي يترجح هو الأول لما تقدم من الأدلة، وأما حديث (رفع القلم) فمعناه: رفع الإثم، فلا إثم، وهذا فيما يتعلق في حقوق الله فحسب، وأما الطلاق فله تعلق بحقوق الآدميين، لأن حق المرأة يتعلق بذلك.

стр. 69

حكم طلاق السكران قال: [وطلاق السكران بمائع]. إذا طلق الرجل امرأته وهو سكران، فهل يقع طلاقه؟ قال المؤلف هنا: يقع الطلاق، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، واستدلوا بما روى الترمذي أن النبي ﵊ قال: (كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه)، وقد صح ذلك عن علي ﵁ موقوفاً عليه كما عند البخاري معلقاً، وأما رفعه إلى النبي ﷺ كما في الترمذي فإن إسناده ضعيف. قالوا: ولأن في ذلك عقوبة له، فيؤاخذ بأقواله التي منها طلاقه عقوبة له. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب طائفة من التابعين ورواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية قالوا: لا يقع طلاق السكران. واستدلوا بما ثبت عن عثمان ﵁ في البخاري معلقاً ووصله ابن أبي شيبة أنه قال ﵁: (ليس لسكران ولا لمجنون طلاق). وصح عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (طلاق السكران والمستكره غير جائز)، أي غير ماض، رواه البخاري معلقاً. ولا نعلم لـ عثمان وابن عباس مخالفاً، أما أثر علي المتقدم فهو عام، وأما هذان الأثران فهما خاصان في هذه المسألة، وهذا هو القول الراجح. وأما قولهم إنه يعاقب، فنقول: الشرع عاقبه بالحد، فيجلد شارب الخمر ثمانين جلدة، وأما فراق امرأته فلا، والذي يدل على ذلك أن النبي ﵊ لما أقر ماعز ﵁ بالزنا أمر النبي ﷺ أن يستنكه كما في صحيح مسلم بأن يشم فمه ليعرف هل شرب الخمر أم لا، ومفهوم هذا أنه لو شمت منه رائحة الخمر لم يقبل إقراره على نفسه بالزنا، فدل ذلك على أن أقواله لا يؤاخذ عليها إلا ما يتعلق بحقوق الآدميين من قذف أو نحو ذلك. ولأن النبي ﵊ قال: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)، رواه أبو داود وغيره، والإغلاق هو أن ينسد عليه باب القصد، والسكران قد انسد عليه باب القصد فلا يقصد الطلاق، أو قصده ضعيف جداً، ولذا فإن الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ورواية عن الإمام أحمد وهو قول بعض السلف وهو قول عثمان وابن عباس أن طلاق السكران لا يقع.

стр. 70

حكم طلاق النائم والموسوس قال: [ولا يقع ممن نام]، لو هذى وهو نائم بالطلاق فإن الطلاق لا يقع. قال: [أو زال عقله بجنون أو إغماء]، كذلك، ومثله من شرب دواءً فسكر ولم يكن يعلم أن هذا الدواء يسكر فهذا أولى من المسألة المتقدمة فيما ترجح، وهذا أيضاً حتى على مذهب الحنابلة. إذا أخذ مخدراً في الدواء فذهب عقله أو أكره على الشرب فطلق فإنه لا يقع طلاقه في المشهور في المذهب أيضاً. كذلك من يغلبه الوسواس في الطلاق، فبعض الناس -نسأل الله العافية- يبتلى بالوسواس في الطلاق ويطلق ويطلق ويطلق ويدخله الوسواس فيهذي وهو يمشي وحده، فهذا لا يقع طلاقه. يعني: بعض الناس عنده مرض، وهو مرض الوسوسة في الطهارة أحياناً وفي مسائل أخرى، ومنها الوسوسة بالطلاق، ولذا اتفق العلماء على أن طلاق الموسوس في الطلاق لا يقع.

стр. 71

حكم طلاق المكره قال: [ولا ممن أكرهه قادر ظلماً بعقوبة أو تهديد له أو لولده]، تقدم أثر ابن عباس أن المكره لا يقع طلاقه، والنبي ﷺ يقول: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). أي: أكرهه قادر -لا عاجز- وهو يغلب على ظنه أو يخشى منه أن يوقع فيه ما هدده به. قوله: (ظلماً) فإن أكره بحق كالذي يولي ويحلف أن لا يطأ امرأته وتمضي أربعة أشهر فهذا يجبر على الطلاق إذا لم يعد، وإكراهه بحق. قوله: (أو تهديد له أو لولده) أي: إذا هدد هو أو هدد ولده، كأن قالوا: إذا لم تطلق فلانة فإنا نقتل ابنك أو نختطف ابنك أو ابنتك، فطلق فلا يقع طلاقه. قال ابن رجب ﵀: ويتوجه أنه يلحق بهذا كل من يشق عليه مشقة عظيمة أذاه من ولد أو والد أو زوج أو صديق. فإذا هدد هذا الرجل بأنه إما أن يطلق امرأته وإما أن يؤذى هو أو يؤذى أحد يشق عليه مشقة شديدة أذاه، كأن قالوا له: نقتل أباك، أو نقتل أمك، أو نقتل عمك أو خالك، أو نقتل صديقك، أو نقتل زوجتك؛ فإذا كان بحيث يؤذيه أذى شديداً أن يؤذى هذا الذي هدد به فطلق؛ فإن طلاقه لا يقع.

стр. 72

حكم طلاق المسحور ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن من سحر ليطلق فإن طلاقه لا يقع، قال صاحب الإنصاف: وهذا من أعظم الإكراه. بعض الناس يسحر حتى إنه يشم من امرأته رائحة كريهة ويراها على صورة كريهة ويكرهها ولا يطيقها ويتألم لمقاربتها فيريد أن يزيل عنه هذا الأثر الناتج عن السحر فيطلق، فهذا إكراه. فإذا علم من نفسه أنه مسحور أثناء الطلاق والناس يعرفون ذلك فإن طلاقه لا يقع، فيدين، ويكون الأمر في ذمته؛ لأن الأمر عظيم يترتب عليه استحلال الفروج.

стр. 73

حكم طلاق الغضبان وهنا مسألة في طلاق الغضبان: هل يقع طلاق الغضبان أم لا؟ طلاق الغضبان على ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن يكون في مبادئ الغضب، أي في أول الغضب، فهذا قصده تام وتصوره تام أيضاً ويملك نفسه على جهة التمام، فيقع طلاقه بلا خلاف، وأكثر الطلاق من هذا النوع. النوع الثاني: أن يكون في نهاية الغضب بحيث إنه كالمجنون لا يدري ما يقول، فهذا لا يقع طلاقه بالاتفاق، لأنه كالمجنون، حتى إنه يقول كلاماً عند غضبه، فتسأله: هل قلت هذه الكلمة؟ يقول: لا أذكر أني قلتها، فقد يسب ويلعن ويتكلم بكلام كثير ولا يدري ما الذي قاله إذا أفاق من صولة الغضب. النوع الثالث: وهو الغضب المتوسط بين هذا وهذا، وهذا هو محل الاجتهاد، فذهب الجمهور إلى أن الطلاق يقع، قالوا: لأنه يدري ما يقول فوقع طلاقه، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية أن طلاق الغضبان غضباً متوسطاً لا يقع. ما هي صورة هذا الغضب المتوسط؟ الغضب المتوسط هو الذي يكون فيه القصد ناقصاً والتصور ليس بتام، يعني أن الأمور تكاد تنعمي في نظره وأصبح لا يكاد يعقل ولكنه يعقل، إلا أنه أصبح هذا الغضب يغلي في قلبه حتى إن الغضب يصبح كالمتصرف فيه يسكته وينطقه، ولذا قال الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف:١٥٤]، فالغضب هو الذي سكت، فأصبح هذا الغضب كالمخلوق الآخر في بدنه ينطق على لسانه ويسكت، فإذا وصل إلى هذه الحال حتى إنه إذا قال هذه الكلمة وأطفأ ما في قلبه ندم سريعاً على كلمته التي أخرجها، فهذا هو الغضب المتوسط. فهذا يقول الجمهور أنه يقع معه الطلاق، وشيخ الإسلام وتلميذه يقولون: إن الطلاق لا يقع، والراجح القول الثاني في هذه المسألة، ومما يدل على ذلك الحديث المتقدم الذي رواه أبو داود وغيره، وفيه أن النبي ﵊ قال: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)، والإغلاق هو انسداد باب القصد. قال أحمد والشافعي وأبو داود: الإغلاق هو الغضب. وقال أبو عبيدة: الإغلاق هو الإكراه. وكلاهما إغلاق، فالإكراه إغلاق، والغضب إغلاق، والسكر أيضاً إغلاق؛ لأن باب القصد ينغلق وينسد كما تقدم شرحه وإيضاحه. أيضاً: مما يدل على أن طلاق الغضبان لا يقع، قول ابن عباس ﵁: الطلاق عن وطر. رواه البخاري معلقاً، أي: عن قصد، وهذا ليس له قصد في الطلاق، وإنما قصده أن يطفئ غضبه، حتى إن بعضهم يقول: أنا لو مكنني أبنائي من ضربها لاكتفيت بضربها ولم أطلقها، وذلك أن بعضهم يحجبه أبناؤه عندما يغضب فيطلق يريد أن يطفئ هذا الغضب الذي في نفسه، وهو لا يشعر الشعور التام، ومثل هذا على الصحيح كما تقدم لا يقع معه الطلاق، وهو اختيار طائفة كثيرة من محققي العلماء.

стр. 74

حكم التوكيل في الطلاق قال: [فصل] في التوكيل في الطلاق. [ومن صح طلاقه صح أن يوكل غيره فيه وأن يتوكل عن غيره]. من صح طلاقه صح توكيله، وعلى ذلك فالصبي المميز يصح أن يوكل، لو وكل أباه في الطلاق أو وكل أمه أو وكل أخاه الأكبر فإن ذلك يصح. فالتوكيل في الطلاق كسائر التوكيلات، فهو كالتوكيل في البيع وغير ذلك فله أن يوكل كأن يكتب وكالة في طلاق امرأته. قال: [وللوكيل أن يطلق متى شاء، ما لم يحد له حداً]. هذا زيد وكل عمراً في طلاق امرأته، فللوكيل -وهو عمرو- أن يطلق متى شاء ولو بعد شهر أو شهرين أو سنة ما لم يعزله عن الوكالة، فإذا عزله عن الوكالة وقال: لا وكالة الآن أو كان في كلامه ما يدل على أنه يريد الطلاق في ذلك اليوم أو في أثناء تلك المشكلة، كأن قال: اذهب إلى أهل زوجتي فإن بيني وبين ابنتهم مشكلة، وأنت وكيل عني، فإذا رأيت الطلاق فطلق، فانحلت المشكلة انتهت الوكالة. لكن إذا لم يحدد له حداً ولم يكن هناك قرينة تدل فإنه لا حد زمني للوكالة حتى يفسخ، فإذا فسخ الوكالة لم يصح الطلاق بعده. فإن قال: وكلت فلاناً لطلاق امرأتي، ثم إن فلاناً طلق بعد أسبوع مثلاً ثم إنه ادعى أنه رجع في الوكالة فقال: أنا رجعت في الوكالة قبل الطلاق بيوم، فإنه طلق يوم الخميس وأنا رجعت يوم الأربعاء، فهل يجب أن يأتي ببينة تدل على رجوعه أم لا؟ على قولين: فالراجح وهو اختيار شيخ الإسلام وهو وجه في المذهب خلافاً للمشهور فيه أنه لابد من بينة كسائر الوكالات. إذاً: إذا طلق الوكيل فادعى الزوج أنه رجع نقول: لابد من بينة، فتشهد على أنك قد رجعت عن الوكالة. قال: [ويملك طلقة واحدة]، الوكيل يملك طلقة واحدة، لأن الطلقة الواحدة هي السنة، [ما لم يجعل له أكثر]، إذا قال: أنت وكيل عني في الطلاق؛ إن شئت فواحدة، وإن شئت فاثنتين وإن شئت فثلاثاً؛ فله أن يطلق اثنتين وله أن يطلق ثلاثاً بحسب المصلحة. قال: [وإن قال لها طلقي نفسك كان لها ذلك متى شاءت]، سألته الطلاق فقال: يا فلانة طلقي نفسك متى ما شئت، فيصح هذا، أي: يصح أن يوكل امرأته في طلاقها. قوله: (كان لها ذلك متى شاءت)، إلا إذا حدد ذلك بزمن، أو كان هناك قرينة تدل على أنه أراد في ذلك اليوم أو في حالة تلك المشكلة التي حصلت. قال: [وتملك الثلاث إن قال لها: طلاقك أو أمرك بيدك، أو وكلتك في طلاقك]، لأن قوله: (طلاقك) هذا مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم، فإذا قال: طلاقك بيدك، أو قال: أمرك بيدك؛ فلها أن تطلق نفسها بالثلاث. قال: [ويبطل التوكيل بالرجوع وبالوطء]، الوطء قرينة تدل على الرجوع، وأما الرجوع بالتوكيل فهذا واضح، فإذا رجع وقال: رجعت عن الوكالة فإنه يكفي، وإذا وطأ المرأة فكذلك، فالوطء دليل على رجوعه عن طلاقها.

стр. 75

دليل الطالب_كتاب الطلاق [٢] ينقسم الطلاق من حيث السنة والبدعة إلى طلاق سني وطلاق بدعي، وطلاق لا سني ولا بدعي، والعلماء متفقون على وقوع الطلاق غير البدعي، كما أنهم يقولون إن الطلاق البدعي حرام، لكنهم مختلفون في وقوعه، وفي بعض صوره.
следующие страницы →